Полный текст (31 949 стр.). Показаны 16801–16840 · переход к 16806.
стр. 16801
إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَهِيَ - أَيْضًا - أَفْضَل صِيَغِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَكِنْ بِحَذْفِ (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) الأُْولَى.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ رُكْنٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَقَدْ أَخَذَ الْحَنَابِلَةُ بِصِيغَةِ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (١) ، وَهِيَ أَفْضَل الصِّيَغِ عِنْدَهُمْ. وَلَكِنْ يَتَحَقَّقُ رُكْنُ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْل: (اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ) .
وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِبْدَال آلٍ بِأَهْلٍ؛ لأَِنَّ أَهْل الرَّجُل أَقَارِبُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ، وَآلَهُ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَقَل الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، وَالسُّنَّةُ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى стр. 16802
آل إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الأَْحَادِيثُ بِكُل هَذِهِ الصِّيَغِ (١) .
وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُ تَسْوِيدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُصْطَلَحِ: (تَسْوِيدٌ ف ٧ " ١١ ٣٤٦ ") .
(ن) الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ:
٧٩ - يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَقُل: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ - إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ، أَوْ مَا أَحَبَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو بِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ ثُمَّ لِيَتَخَيَّرَ بَعْدُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ (٢) وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَنْدُوبٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَدْعُو بِالأَْدْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، عَلَى أَنَّهُ لاَ يَنْوِي الْقِرَاءَةَ إِذَا دَعَا بِأَدْعِيَةِ الْقُرْآنِ لِكَرَاهَةِ قِرَاءَةِ стр. 16803
الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ. وَلاَ يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلاَمَ النَّاسِ.
وَالأَْفْضَل الدُّعَاءُ بِالْمَأْثُورِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال لِرَسُول اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي فَقَال: قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ. فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١)
وَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآْخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّال (٢) .
(س) كَيْفِيَّةُ الْجُلُوسِ:
٨٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَيْئَةِ الْجُلُوسِ الْمَسْنُونَةِ فِي الصَّلاَةِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، فَالرَّجُل يُسَنُّ لَهُ الاِفْتِرَاشُ، وَالْمَرْأَةُ يُسَنُّ لَهَا التَّوَرُّكُ. стр. 16804
لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل أَوِ الأَْخِيرِ، أَوِ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ الْمَسْنُونَةَ فِي جَمِيعِ جِلْسَاتِ الصَّلاَةِ هِيَ التَّوَرُّكُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ التَّوَرُّكُ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، وَالاِفْتِرَاشُ فِي بَقِيَّةِ جِلْسَاتِ الصَّلاَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآْخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُْخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَْرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ (١) .
وَالْحِكْمَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الأَْخِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْجِلْسَاتِ: أَنَّ الْمُصَلِّيَ مُسْتَوْفِزٌ فِيهَا لِلْحَرَكَةِ، بِخِلاَفِهِ فِي الأَْخِيرِ، وَالْحَرَكَةُ عَنْ الاِفْتِرَاشِ أَهْوَنُ.
وَالاِفْتِرَاشُ: أَنْ يَنْصِبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى قَائِمَةً عَلَى أَطْرَافِ الأَْصَابِعِ بِحَيْثُ تَكُونُ مُتَوَجِّهَةً نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى стр. 16805
بِحَيْثُ يَلِي ظَهْرُهَا الأَْرْضَ، جَالِسًا عَلَى بَطْنِهَا.
وَالتَّوَرُّكُ: كَالاِفْتِرَاشِ. لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ، وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالأَْرْضِ (١) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ تَوَرُّك (١٤ - ١٤٨) وَمُصْطَلَحَ: جُلُوس ف ١١ - ١٣ (١٥ - ٢٦٧) .
(ع) جِلْسَةُ الاِسْتِرَاحَةِ:
٨١ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جِلْسَةٌ لِلاِسْتِرَاحَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ يَقُومُ مِنْهَا؛ لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْل أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى (٢) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى كَرَاهَةِ فِعْلِهَا تَنْزِيهًا لِمَنْ لَيْسَ بِهِ عُذْرٌ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل الْكَلاَمِ عَلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: جُلُوسٌ ف ١٢ (١٥ ٢٦٦) .
(ف) كَيْفِيَّةُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ أَثْنَاءَ الْجُلُوسِ:
٨٢ - يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي أَثْنَاءَ الْجُلُوسِ أَنْ يَضَعَ стр. 16806
يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى بِحَيْثُ تُسَاوِي رُءُوسُ أَصَابِعِهِ رُكْبَتَيْهِ، وَتَكُونُ أَصَابِعُهُ مَنْشُورَةً إِلَى الْقِبْلَةِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: مُفَرَّجَةً قَلِيلاً، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَضْمُومَةً (١) .
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُشِيرَ بِسَبَّابَتِهِ أَثْنَاءَ التَّشَهُّدِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ قَبْضِ الْيَدِ وَالإِْشَارَةِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَيْسَ لَنَا سِوَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ بَسْطُ الأَْصَابِعِ بِدُونِ إِشَارَةٍ.
الثَّانِي: بَسْطُ الأَْصَابِعِ إِلَى حِينِ الشَّهَادَةِ فَيَعْقِدُ عِنْدَهَا وَيَرْفَعُ السَّبَّابَةَ عِنْدَ النَّفْيِ وَيَضَعَهَا عِنْدَ الإِْثْبَاتِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَقْبِضَ الْمُصَلِّي أَصَابِع يَدِهِ الْيُمْنَى وَيَضَعَهَا عَلَى طَرَفِ رُكْبَتِهِ إِلاَّ الْمُسَبِّحَةَ فَيُرْسِلَهَا، وَيَقْبِضَ الإِْبْهَامَ بِجَنْبِهَا بِحَيْثُ يَكُونُ تَحْتَهَا عَلَى حَرْفِ رَاحَتِهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَعَدَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلاَثَةً وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ (٢) . стр. 16807
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُحَلِّقُ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ لِمَا رَوَى وَائِل بْنُ حُجْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الأَْيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلاَثِينَ، وَحَلَّقَ وَاحِدَةً، أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ بِالسَّبَّابَةِ (١) .
وَمَحَل الرَّفْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلاَّ اللَّهَ، فَيَرْفَعُ الْمُسَبِّحَةَ عِنْدَ ذَلِكَ لِلاِتِّبَاعِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَيُمِيلُهَا قَلِيلاً كَمَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ. وَيُقِيمُهَا وَلاَ يَضَعُهَا.
وَيُسَنُّ - أَيْضًا - أَنْ يَكُونَ رَفْعُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ نَاوِيًا بِذَلِكَ التَّوْحِيدَ وَالإِْخْلاَصَ، وَفِي تَحْرِيكِهَا عِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُشِيرُ بِسَبَّابَتِهِ مِرَارًا، كُل مَرَّةٍ عِنْدَ ذِكْرِ لَفْظِ (اللَّهِ) تَنْبِيهًا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَلاَ يُحَرِّكُهَا لِفِعْلِهِ ﷺ قَالُوا: وَلاَ يُشِيرُ بِغَيْرِ سَبَّابَةِ الْيُمْنَى وَلَوْ عُدِمَتْ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: بِكَرَاهَةِ الإِْشَارَةِ بِسَبَّابَةِ الْيُسْرَى وَلَوْ مِنْ مَقْطُوعِ الْيُمْنَى. وَعَدَّ الْمَالِكِيَّةُ الإِْشَارَةَ بِالسَّبَّابَةِ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ. стр. 16808
وَيُنْدَبُ تَحْرِيكُ السَّبَّابَةِ يَمِينًا وَشِمَالاً دَائِمًا - لاَ لأَِعْلَى وَلاَ لأَِسْفَل - فِي جَمِيعِ التَّشَهُّدِ. وَأَمَّا الْيُسْرَى فَيَبْسُطُهَا مَقْرُونَةَ الأَْصَابِعِ عَلَى فَخِذِهِ (١) .
سُنَنُ السَّلاَمِ:
٨٣ - سَبَقَ فِي أَرْكَانِ الصَّلاَةِ أَنَّ السَّلاَمَ رُكْنٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِلسَّلاَمِ سُنَنًا مِنْهَا:
أَنْ يُسَلِّمَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ، وَيُسَلِّمَ عَنْ يَمِينِهِ أَوَّلاً، بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَْيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ ثَانِيًا، بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَْيْسَرِ، يَرَاهُ مَنْ خَلْفَهُ.
وَقَدْ قَال الْحَنَابِلَةُ: بِفَرْضِيَّةِ التَّسْلِيمَتَيْنِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: بِوُجُوبِهِمَا، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُول: " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ كُل صِيغَةٍ تُخَالِفُ هَذِهِ الصِّيغَةَ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ " وَبَرَكَاتُهُ " وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تُسَنُّ زِيَادَةُ " وَبَرَكَاتُهُ ".
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الأَْوْلَى تَرْكُهُ، لِحَدِيثِ стр. 16809
ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ. السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ (١) وَلِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْهُ - قَال: كُنْتُ أَرَى النَّبِيَّ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ (٢) وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ السَّلاَمَ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ وَيُتِمُّ سَلاَمَهُ بِتَمَامِ الْتِفَاتِهِ (٣) .
الْقُنُوتُ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ:
٨٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ. انْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ الْفَجْرِ: قُنُوت) .
مَكْرُوهَاتُ الصَّلاَةِ:
٨٥ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ стр. 16810
بِكَرَاهَةِ السَّدْل فِي الصَّلاَةِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّدْل فِي الصَّلاَةِ، وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُل فَاهُ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ السَّدْل. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هُوَ إِرْسَال الثَّوْبِ بِلاَ لُبْسٍ مُعْتَادٍ، وَفَسَّرَهُ الْكَرْخِيُّ بِأَنْ يَجْعَل ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَلَى كَتِفَيْهِ، وَيُرْسِل أَطْرَافَهُ مِنْ جَانِبِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَرَاوِيل، فَكَرَاهَتُهُ لاِحْتِمَال كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَالْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: السَّدْل: هُوَ أَنْ يُرْسِل الثَّوْبَ حَتَّى يُصِيبَ الأَْرْضَ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: السَّدْل: هُوَ أَنْ يَطْرَحَ ثَوْبًا عَلَى كَتِفَيْهِ، وَلاَ يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الأُْخْرَى.
وَقِيل: وَضْعُ الرِّدَاءِ عَلَى رَأْسِهِ وَإِرْسَالُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى ظَهْرِهِ.
كَمَا يُكْرَهُ اشْتِمَال الصَّمَّاءِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ : نَهَى عَنِ اشْتِمَال الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُل فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ (٢) стр. 16811
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مَحَل الْكَرَاهَةِ إِنْ كَانَ مَعَهَا سَتْرٌ كَإِزَارِ تَحْتَهَا وَإِلاَّ مُنِعَتْ لِحُصُول كَشْفِ الْعَوْرَةِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اشْتِمَال الصَّمَّاءِ) .
٨٦ - وَيُكْرَهُ التَّلَثُّمُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُل فَاهُ فِي الصَّلاَةِ (١) قَال الْمَالِكِيَّةُ: هُوَ مَا يَصِل لآِخِرِ الشَّفَةِ السُّفْلَى.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ تَغْطِيَةُ الْفَمِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: التَّلَثُّمُ عَلَى الْفَمِ وَالأَْنْفِ، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُل فِي هَذَا. كَمَا يُكْرَهُ كَفُّ الْكُمِّ وَالثَّوْبِ وَالْعَبَثُ فِيهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلاَ أَكُفَّ ثَوْبًا وَلاَ شَعْرًا (٢) .
٨٧ - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ صَلاَةِ حَاسِرِ رَأْسِهِ تَكَاسُلاً، وَأَجَازُوهُ لِلتَّذَلُّل. قَالُوا: وَإِنْ سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ فَالأَْفْضَل إِعَادَتُهَا إِلاَّ إِذَا احْتَاجَتْ لِتَكْوِيرٍ أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ.
وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا: الصَّلاَةُ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ стр. 16812
وَمِهْنَةٍ، إِنْ كَانَ لَهُ غَيْرُهَا (١) .
كَمَا يُكْرَهُ الاِعْتِجَارُ، وَهُوَ: شَدُّ الرَّأْسِ بِالْمِنْدِيل، أَوْ تَكْوِيرُ عِمَامَتِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَتَرْكُ وَسَطِهَا مَكْشُوفًا؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الاِعْتِجَارِ فِي الصَّلاَةِ (٢) . وَقِيل: الاِعْتِجَارُ: أَنْ يَنْتَقِبَ بِعِمَامَتِهِ فَيُغَطِّيَ أَنْفَهُ (٣) .
٨٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَرَاهَةِ الاِقْتِصَارِ عَلَى الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ تَحْرِيمًا أَنْ يَنْقُصَ شَيْئًا مِنَ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى كَرَاهَةِ تَنْكِيسِ السُّوَرِ - أَيْ أَنْ يَقْرَأَ فِي الثَّانِيَةِ سُورَةً أَعْلَى مِمَّا قَرَأَ فِي الأُْولَى - لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِل عَمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْكُوسًا فَقَال: " ذَلِكَ مَنْكُوسُ الْقَلْبِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ وَاجِبَاتِ التِّلاَوَةِ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ стр. 16813
لِلصِّغَارِ تَسْهِيلاً لِضَرُورَةِ التَّعْلِيمِ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ مَنْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى بِسُورَةِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ أَوَّل سُورَةِ الْبَقَرَةِ. لَكِنِ الْحَنَفِيَّةُ خَصُّوا ذَلِكَ بِمَنْ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي الصَّلاَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : خَيْرُ النَّاسِ الْحَال وَالْمُرْتَحِل (١) أَيِ الْخَاتِمُ وَالْمُفْتَتِحُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَنْكِيسَ السُّوَرِ خِلاَفُ الأَْوْلَى، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِحُرْمَةِ تَنْكِيسِ الآْيَاتِ الْمُتَلاَصِقَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّهُ يُبْطِل الصَّلاَةَ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: بِحُرْمَةِ تَنْكِيسِ الْكَلِمَاتِ، وَأَنَّهُ يُبْطِل الصَّلاَةَ. أَمَّا تَنْكِيسُ الآْيَاتِ فَقِيل: مَكْرُوهٌ، وَقَال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَرْتِيبُ الآْيَاتِ وَاجِبٌ؛ لأَِنَّ تَرْتِيبَهَا بِالنَّصِّ إِجْمَاعًا، وَتَرْتِيبُ السُّوَرِ بِالاِجْتِهَادِ لاَ بِالنَّصِّ فِي قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ جَمْعُ سُورَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي رَكْعَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ (٢) .
رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَْنْصَارِ كَانَ يَؤُمُّهُمْ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَبْل كُل стр. 16814
سُورَةٍ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ؟ فَقَال: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَال: حُبُّكَ إيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةِ وَاحِدَةٍ.
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ الْكَرَاهَةَ بِمَا إِذَا كَانَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ سُوَرٌ أَوْ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَمَحَل الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُمَا - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - صَلاَةُ الْفَرْضِ. أَمَّا فِي صَلاَةِ النَّفْل فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْمَأْمُومَ إِذَا خَشِيَ مِنْ سُكُوتِهِ تَفَكُّرًا مَكْرُوهًا، فَلاَ كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ إِذَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ.
كَمَا نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الْتِزَامُ سُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ. لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُلاَزَمَةِ الأَْنْصَارِيِّ عَلَى ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قَال الْحَنَابِلَةُ: مَعَ اعْتِقَادِهِ جَوَازَ غَيْرِهَا.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ تَعْيِينِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقَيَّدَ الطَّحَاوِيُّ الْكَرَاهَةَ بِمَا إِذَا رَأَى ذَلِكَ حَتْمًا لاَ يَجُوزُ غَيْرُهُ، أَمَّا لَوْ قَرَأَهُ لِلتَّيْسِيرِ عَلَيْهِ أَوْ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَتِهِ ﵊ فَلاَ كَرَاهَةَ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَهَا أَحْيَانًا لِئَلاَّ يَظُنَّ الْجَاهِل أَنَّ غَيْرَهَا لاَ يَجُوزُ، وَمَال إِلَى стр. 16815
هَذَا الْقَيْدِ ابْنُ عَابِدِينَ.
وَلاَ يُكْرَهُ - أَيْضًا - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَكْرَارُ سُورَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالأَْعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا (١) .
كَمَا لاَ يُكْرَهُ تَفْرِيقُهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ يَقْسِمُ الْبَقَرَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَنْبَغِي تَفْرِيقُ السُّورَةِ، وَلَوْ فَعَل لاَ بَأْسَ بِهِ، وَلاَ يُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيل: يُكْرَهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ تَكْرِيرِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (٣) . (ر: قِرَاءَةٌ)
٨٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى كَرَاهَةِ تَغْمِيضِ الْعَيْنَيْنِ فِي الصَّلاَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ (٤) . стр. 16816
وَاحْتَجَّ لَهُ - أَيْضًا - بِأَنَّهُ فِعْل الْيَهُودِ، وَمَظِنَّةُ النَّوْمِ. وَعَلَّل فِي الْبَدَائِعِ: بِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَرْمِيَ بِبَصَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَفِي التَّغْمِيضِ تَرْكُهَا. وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَنْزِيهِيَّةٌ.
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ التَّغْمِيضَ لِكَمَال الْخُشُوعِ، بِأَنْ خَافَ فَوْتَ الْخُشُوعِ بِسَبَبِ رُؤْيَةِ مَا يُفَرِّقُ الْخَاطِرَ فَلاَ يُكْرَهُ حِينَئِذٍ، بَل قَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ الأَْوْلَى. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَمَحَل كَرَاهَةِ التَّغْمِيضِ مَا لَمْ يَخَفِ النَّظَرَ لِمُحَرَّمٍ، أَوْ يَكُونُ فَتْحُ بَصَرِهِ يُشَوِّشُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ يُكْرَهُ التَّغْمِيضُ حِينَئِذٍ.
وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ: أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ - أَيْ تَغْمِيضُ الْعَيْنَيْنِ - إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ ضَرَرًا عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا كُرِهَ (١) .
كَمَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَا بَال أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ стр. 16817
أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاَتِهِمْ. فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَال: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ (١) .
قَال الأَْذْرَعِيُّ: وَالْوَجْهُ تَحْرِيمُهُ عَلَى الْعَامِدِ الْعَالِمِ بِالنَّهْيِ الْمُسْتَحْضِرِ لَهُ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ - فَنَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ (٢) .
قَال الْحَنَابِلَةُ: وَلاَ يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ حَال التَّجَشِّي إِذَا كَانَ فِي جَمَاعَةٍ لِئَلاَّ يُؤْذِيَ مَنْ حَوْلَهُ بِالرَّائِحَةِ (٣) .
وَيُكْرَهُ - أَيْضًا - النَّظَرُ إِلَى مَا يُلْهِي عَنِ الصَّلاَةِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي стр. 16818
جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ؛ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاَتِي (١) ؛ وَلأَِنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ إِكْمَال الصَّلاَةِ (٢) .
٩٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّخَصُّرِ - وَهُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ فِي الْقِيَامِ - لِقَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل مُتَخَصِّرًا (٣) .
قَال الدُّسُوقِيُّ: الْخَصْرُ: هُوَ مَوْضِعُ الْحِزَامِ مِنْ جَنْبِهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لأَِنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ تُنَافِي هَيْئَةَ الصَّلاَةِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ فِي الصَّلاَةِ لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ (٤) .
٩١ - كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ مَا كَانَ مِنَ الْعَبَثِ وَاللَّهْوِ كَفَرْقَعَةِ الأَْصَابِعِ وَتَشْبِيكِهَا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ تُفَقِّعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي (٥) . وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا تَوَضَّأَ стр. 16819
أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلاَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ فَلاَ يَقُل هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (١) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ (٢) .
٩٢ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ - أَيْضًا - عَلَى كَرَاهَةِ الْعَبَثِ بِاللِّحْيَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ جَسَدِهِ؛ لِمَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَعْبَثُ فِي الصَّلاَةِ، فَقَال: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ (٣) .
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ لِحَاجَةٍ: كَحَكِّ بَدَنِهِ لِشَيْءٍ أَكَلَهُ وَأَضَرَّهُ، وَسَلْتِ عِرْقٍ يُؤْذِيهِ وَيَشْغَل قَلْبَهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْعَمَل يَسِيرًا.
٩٣ - وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ أَوْ стр. 16820
طَرَفُ عِمَامَتِهِ كُرِهَ لَهُ تَسْوِيَتُهُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ (١) .
٩٤ - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ تَقْلِيبِ الْحَصَى وَمَسِّهِ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلاَ يَمْسَحِ الْحَصَى (٢) كَمَا يُكْرَهُ مَسْحُ الْحَصَى وَنَحْوِهِ حَيْثُ يَسْجُدُ؛ لِحَدِيثِ مُعَيْقِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي الرَّجُل يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَوَاحِدَةً (٣) .
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ الْكَرَاهَةَ بِعَدَمِ الْعُذْرِ.
وَرَخَّصَ الْحَنَفِيَّةُ تَسْوِيَةَ الْحَصَى مَرَّةً لِلسُّجُودِ التَّامِّ، بِأَنْ كَانَ لاَ يُمْكِنُهُ تَمْكِينُ جَبْهَتِهِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ إِلاَّ بِذَلِكَ.
قَالُوا: وَتَرْكُهَا أَوْلَى. وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لاَ يُمْكِنُهُ وَضْعُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْجَبْهَةِ إِلاَّ بِهِ تَعَيَّنَ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ فِي الصَّلاَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِثُبُوتِ النَّهْيِ стр. 16821
عَنْهُ؛ وَلِمُنَافَاتِهِ لِهَيْئَةِ الْخُشُوعِ (١) .
٩٥ - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ عَدِّ الآْيِ وَالسُّوَرِ، وَالتَّسْبِيحِ بِأَصَابِعِ الْيَدِ أَوْ بِسُبْحَةٍ يُمْسِكُهَا فِي الصَّلاَةِ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَتْ نَفْلاً. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنِ الصَّاحِبَيْنِ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ.
وَقِيل: الْخِلاَفُ فِي الْفَرَائِضِ وَلاَ كَرَاهَةَ فِي النَّوَافِل اتِّفَاقًا. وَقِيل: فِي النَّوَافِل وَلاَ خِلاَفَ فِي الْكَرَاهَةِ فِي الْفَرَائِضِ. وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَهُمْ تَنْزِيهِيَّةٌ وَعَلَّلُوهَا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَال الصَّلاَةِ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ عَدِّ الآْيِ وَالتَّسْبِيحِ بِأَصَابِعِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَعْقِدُ الآْيَ بِأَصَابِعِهِ (٣) . وَعَدُّ التَّسْبِيحِ فِي مَعْنَى عَدِّ الآْيِ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي عَدِّ التَّسْبِيحِ لأَِنَّهُ يَتَوَالَى لِقِصَرِهِ، فَيَتَوَالَى حِسَابُهُ فَيَكْثُرُ الْعَمَل بِخِلاَفِ عَدِّ الآْيِ (٤) . стр. 16822
٩٦ - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ تَرَوُّحِهِ - جَلْبُ نَسِيمِ الرِّيحِ - بِمِرْوَحَةٍ وَنَحْوِهَا، لأَِنَّهُ مِنَ الْعَبَثِ. قَال الْحَنَابِلَةُ: إِلاَّ لِحَاجَةٍ كَغَمٍّ شَدِيدٍ فَلاَ يُكْرَهُ مَا لَمْ يُكْثِرْ مِنَ التَّرَوُّحِ، فَيُبْطِل الصَّلاَةَ إِنْ تَوَالَى.
وَفِي الْهِنْدِيَّةِ عَنِ التَّتَارْخَانِيَّةِ يُكْرَهُ أَنْ يَذُبَّ بِيَدِهِ الذُّبَابَ أَوِ الْبَعُوضَ إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِعَمَلٍ قَلِيلٍ (١) .
٩٧ - وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، لأَِنَّهُ تَكَلُّفٌ يُنَافِي الْخُشُوعَ، إِلاَّ إِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَوَجَعِ الأُْخْرَى فَلاَ كَرَاهَةَ.
كَمَا نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ رَفْعِ الرِّجْل عَنِ الأَْرْضِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَطُول الْقِيَامِ، كَمَا يُكْرَهُ عِنْدَهُمْ وَضْعُ قَدَمٍ عَلَى أُخْرَى لأَِنَّهُ مِنَ الْعَبَثِ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا إِقْرَانُهُمَا. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ كَثْرَةِ الْمُرَاوَحَةِ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسْكِنْ أَطْرَافَهُ، وَلاَ يَتَمَيَّل كَمَا يَتَمَيَّل الْيَهُودُ (٢) . قَال فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَطُل قِيَامُهُ، أَمَّا قِلَّةُ الْمُرَاوَحَةِ فَتُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ стр. 16823
وَلاَ تُكْرَهُ (١) . لِمَا رَوَى الأَْثْرَمُ عَنْ أَبِي عُبَادَةَ قَال: رَأَى عَبْدُ اللَّهِ رَجُلاً يُصَلِّي صَافًّا بَيْنَ قَدَمَيْهِ فَقَال: لَوْ رَاوَحَ هَذَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ كَانَ أَفْضَل، وَفِي رِوَايَةٍ: أَخْطَأَ السُّنَّةَ، وَلَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ.
٩٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الإِْقْعَاءِ فِي جِلْسَاتِ الصَّلاَةِ.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِقْعَاء) .
٩٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَرَاهَةِ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ؟ فَقَال: هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ (٢) . وَالْكَرَاهَةُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ أَوِ الْعُذْرِ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ حَاجَةٌ: كَخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِحَدِيثِ سَهْل بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَال: ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ - يَعْنِي صَلاَةَ الصُّبْحِ - فَجَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ. قَال: وَكَانَ أَرْسَل فَارِسًا إِلَى الشِّعْبِ يَحْرُسُ (٣) . стр. 16824
وَعَلَيْهِ يُحْمَل مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: كَانَ ﷺ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ يَمِينًا وَشِمَالاً، وَلاَ يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ (١) .
وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ فِي الْمَذَاهِبِ نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: الاِلْتِفَافُ بِالْوَجْهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَبِالْبَصَرِ - أَيْ مِنْ غَيْرِ تَحْوِيل الْوَجْهِ أَصْلاً - مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا. وَعَنِ الزَّيْلَعِيِّ وَالْبَاقَانِيِّ: أَنَّهُ مُبَاحٌ؛ لأَِنَّهُ ﷺ كَانَ يُلاَحِظُ أَصْحَابَهُ فِي صَلاَتِهِ بِمُوقِ عَيْنَيْهِ، أَمَّا الاِلْتِفَاتُ بِالصَّدْرِ فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ لِلصَّلاَةِ وَسَيَأْتِي.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الاِلْتِفَاتُ مَكْرُوهٌ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ، وَلَوْ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ، وَلاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ مَا بَقِيَتْ رِجْلاَهُ لِلْقِبْلَةِ، وَبَعْضُهُ أَخَفُّ بِالْكَرَاهَةِ مِنْ بَعْضٍ، فَالاِلْتِفَاتُ بِالْخَدِّ أَخَفُّ مِنْ لَيِّ الْعُنُقِ، وَلَيُّ الْعُنُقِ أَخَفُّ مِنْ لَيِّ الصَّدْرِ، وَالصَّدْرُ أَخَفُّ مِنْ لَيِّ الْبَدَنِ كُلِّهِ، стр. 16825
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِعَدَمِ بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ لَوِ الْتَفَتَ بِصَدْرِهِ وَوَجْهِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ بِجُمْلَتِهِ.
وَقَال الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: بِحُرْمَةِ الاِلْتِفَاتِ بِالْوَجْهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ يَزَال اللَّهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ. فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ (١) .
قَال الأَْذْرَعِيُّ: وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ إِنْ تَعَمَّدَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْخَبَرِ حَرُمَ، بَل تَبْطُل إِنْ فَعَلَهُ لَعِبًا.
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ اللَّمْحِ بِالْعَيْنِ دُونَ الاِلْتِفَاتِ فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ؛ لِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ قَال: خَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ. فَلَمَحَ بِمُؤَخَّرِ عَيْنِهِ رَجُلاً لاَ يُقِيمُ صَلاَتَهُ - يَعْنِي صُلْبَهُ - فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ قَال: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (٢) . стр. 16826
أَمَّا إِنْ حَوَّل صَدْرَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ تَبْطُل صَلاَتُهُ (١) .
١٠٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ مَعَ مُدَافَعَةِ الأَْخْبَثَيْنِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلاَ هُوَ يُدَافِعُ الأَْخْبَثَيْنِ (٢) . وَيُسَمَّى مُدَافِعُ الْبَوْل حَاقِنًا، وَمُدَافِعُ الْغَائِطِ حَاقِبًا.
وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِذَلِكَ مَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، لأَِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ. قَالُوا: فَيَبْدَأُ بِالْخَلاَءِ لِيُزِيل مَا يُدَافِعُهُ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ، وَيَبْدَأُ - أَيْضًا - بِمَا تَاقَ إِلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَلَوْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلاَةُ، فَلاَ يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِْمَامِ (٣) .
إِلاَّ إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ فَلاَ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ عَلَى هَذِهِ الْحَال، بَل يَجِبُ فِعْلُهَا قَبْل خُرُوجِ وَقْتِهَا فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً стр. 16827
بِالاِبْتِدَاءِ، بَل تُكْرَهُ صَلاَةُ الْحَاقِنِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ قَبْل شُرُوعِهِ أَوْ بَعْدَهُ. قَالُوا: فَإِنْ شَغَلَهُ قَطَعَهَا إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ، وَإِنْ أَتَمَّهَا أَثِمَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَحِل لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَقْنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ (١) .
وَيَقْطَعُهَا - أَيْضًا - وَلَوْ خَشِيَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، وَلاَ يَجِدُ جَمَاعَةً أُخْرَى؛ لأَِنَّ تَرْكَ سُنَّةِ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى مِنَ الإِْتْيَانِ بِالْكَرَاهَةِ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهُ إِذَا وَصَل الْحَقْنُ إِلَى حَدٍّ لاَ يَقْدِرُ مَعَهُ الإِْتْيَانُ بِالْفَرْضِ أَصْلاً، أَوْ يَأْتِي بِهِ مَعَهُ لَكِنْ بِمَشَقَّةٍ، فَإِنَّهُ يُبْطِل الصَّلاَةَ.
قَال الْعَدَوِيُّ: أَوْ أَتَى بِهِ عَلَى حَالَةٍ غَيْرِ مَرْضِيَّةٍ، بِأَنْ يَضُمَّ وِرْكَيْهِ أَوْ فَخِذَيْهِ، وَمَحَل الْبُطْلاَنِ إِذَا دَامَ ذَلِكَ الْحَقْنُ، وَأَمَّا إِنْ حَصَل ثُمَّ زَال فَلاَ إِعَادَةَ (٢) .
(ر: حَاقِنٌ) .
١٠١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى كَرَاهَةِ السُّجُودِ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَقَيَّدُوا стр. 16828
الْكَرَاهَةَ بِمَا إِذَا كَانَ السُّجُودُ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ بِدُونِ عُذْرٍ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ. قَال الْبُهُوتِيُّ: لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلاَفِ وَيَأْتِي بِالْعَزِيمَةِ. وَدَلِيل ذَلِكَ مَا رَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ (١) .
وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَنْزِيهِيَّةٌ، وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ السُّجُودِ عَلَى الْمُكَوَّرِ كَوْنَ الْكَوْرِ الَّذِي يَسْجُدُ عَلَيْهِ عَلَى الْجَبْهَةِ أَوْ بَعْضِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ - فَقَطْ - وَسَجَدَ عَلَيْهِ وَلَمْ تُصِبْ جَبْهَتُهُ الأَْرْضَ فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ سُجُودُهُ؛ لِعَدَمِ السُّجُودِ عَلَى مَحَلِّهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ كَوْرُ الْعِمَامَةِ فَوْقَ الْجَبْهَةِ وَمَنَعَتْ لُصُوقَ الْجَبْهَةِ بِالأَْرْضِ فَبَاطِلَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْكَوْرُ أَكْثَرَ مِنَ الطَّاقَتَيْنِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ.
وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَوْرِ الْعِمَامَةِ كُل مَا اتَّصَل بِالْمُصَلِّي مِنْ غَيْرِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ كَطَرَفِ كُمِّهِ وَمَلْبُوسِهِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَى كُمِّهِ وَفَاضِل ثَوْبِهِ لَوْ كَانَ الْمَكَانُ الْمَبْسُوطُ عَلَيْهِ ذَلِكَ стр. 16829
طَاهِرًا، وَإِلاَّ لاَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ حَال دُونَ الْجَبْهَةِ حَائِلٌ مُتَّصِلٌ بِهِ كَكَوْرِ عِمَامَتِهِ، أَوْ طَرَفِ كُمِّهِ، وَهُمَا يَتَحَرَّكَانِ بِحَرَكَتِهِ فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، أَوْ غَيْرِهِمَا لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ؛ لِمَا رَوَى خَبَّابُ بْنُ الأَْرَتِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا، وَفِي رِوَايَةٍ قَال: فَمَا أَشْكَانَا، وَقَال: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا (١) . وَإِنْ سَجَدَ عَلَى ذَيْلِهِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ طَرَفِ عِمَامَتِهِ، وَهُوَ طَوِيلٌ لاَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ فَوَجْهَانِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ تَصِحُّ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّ هَذَا الطَّرَفَ فِي مَعْنَى الْمُنْفَصِل، وَالثَّانِي: لاَ تَصِحُّ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى ذَلِكَ الطَّرَفِ نَجَاسَةٌ، فَإِنَّهُ لاَ تَصِحُّ صَلاَتُهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ إِنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ كُمِّهِ وَنَحْوِهِمَا مُتَعَمِّدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ تَبْطُل، لَكِنْ يَجِبُ إِعَادَةُ السُّجُودِ (٢) . стр. 16830
وَهُنَاكَ مَكْرُوهَاتٌ كَثِيرَةٌ لِلسُّجُودِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (سُجُود) .
١٠٢ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَقْبِلاً لِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ. قَال الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: كَرِهَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَسْتَقْبِل الرَّجُل وَهُوَ يُصَلِّي. وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي إِلَى رَجُلٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاَةَ (١) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةٌ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَيَكُونُ الأَْمْرُ بِالإِْعَادَةِ لإِِزَالَةِ الْكَرَاهَةِ، لأَِنَّهُ الْحُكْمُ فِي كُل صَلاَةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَلَيْسَ لِلْفَسَادِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ قَال: إِنْ كَانَ جَاهِلاً عَلَّمْتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَدَّبْتُهُ.
كَمَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ الصَّلاَةِ إِلَى مُتَحَدِّثٍ؛ لأَِنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِي الصَّلاَةِ، لَكِنِ الْحَنَفِيَّةُ قَيَّدُوا الْكَرَاهَةَ بِمَا إِذَا خِيفَ الْغَلَطُ بِحَدِيثِهِ.
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: النَّائِمَ، فَتُكْرَهُ الصَّلاَةُ إِلَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا стр. 16831
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تُصَلُّوا خَلْفَ النَّائِمِ وَلاَ الْمُتَحَدِّثِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ (٢) . وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ نَائِمَةً.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ إِلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مِنْ ذَلِكَ الْكَافِرَ.
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً أَوْ كَافِرًا فَالْكَرَاهَةُ، وَإِنْ كَانَ رَجُلاً غَيْرَ كَافِرٍ جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً مَحْرَمًا فَقَوْلاَنِ: وَالرَّاجِحُ الْجَوَازُ (٣) .
١٠٣ - وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ اسْتِقْبَال شَيْءٍ مِنَ النَّارِ فِي الصَّلاَةِ - وَلَوْ سِرَاجًا أَوْ قِنْدِيلاً أَوْ شَمْعَةً مُوقَدَةً - لأَِنَّ فِيهِ стр. 16832
تَشْبِيهًا بِعَبَدَةِ النَّارِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ اسْتِقْبَال هَذِهِ الأَْشْيَاءِ، قَالُوا: لأَِنَّ الْمَجُوسَ تَعْبُدُ الْجَمْرَ لاَ النَّارَ الْمُوقَدَةَ، وَلِذَا قَالُوا بِكَرَاهَةِ الصَّلاَةِ إِلَى تَنُّورٍ أَوْ كَانُونٍ فِيهِ جَمْرٌ.
١٠٤ - كَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ، أَوْ يُعَلَّقَ فِيهَا شَيْءٌ، لأَِنَّهُ يَشْغَل الْمُصَلِّيَ.
وَيُكْرَهُ - أَيْضًا - تَزْوِيقُ الْمَسْجِدِ. قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْعَلُوا فِي الْقِبْلَةِ شَيْئًا، قَال الْبُهُوتِيُّ: حَتَّى الْمُصْحَفَ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ جَعْل الْمُصْحَفِ فِي قِبْلَتِهِ لِيُصَلِّيَ إِلَيْهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا مَكَانُهُ الَّذِي يُعَلَّقُ فِيهِ فَإِنَّهُ لاَ يُكْرَهُ (١) .
الأَْمَاكِنُ الَّتِي تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِيهَا:
١٠٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْمَاكِنِ الَّتِي تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِيهَا، وَإِلَيْكَ تَفْصِيل أَقْوَالِهِمْ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ فِي الطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ، وَالْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْكَنِيسَةِ، وَعَطَنِ الإِْبِل، وَالْمَقْبَرَةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ:
فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَالْمَقْبَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَفِي стр. 16833
الْحَمَّامِ وَفِي مَعَاطِنِ الإِْبِل وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ (١) .
قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: قَارِعَةُ الطَّرِيقِ هِيَ أَعْلاَهُ، وَقِيل: صَدْرُهُ، وَقِيل: مَا بَرَزَ مِنْهُ، وَالْكُل مُتَقَارِبٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا نَفْسُ الطَّرِيقِ، وَالْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ هِيَ لِشَغْلِهِ حَقَّ الْعَامَّةِ، وَمَنْعِهِمْ مِنَ الْمُرُورِ؛ وَلِشَغْل الْبَال عَنِ الْخُشُوعِ فَيَشْتَغِل بِالْخَلْقِ عَنِ الْحَقِّ.
قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْبُنْيَانِ دُونَ الْبَرِّيَّةِ.
وَتُكْرَهُ الصَّلاَةُ - أَيْضًا - فِي مَعَاطِنِ الإِْبِل وَلَوْ طَاهِرَةً. لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلاَ تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِْبِل (٢) . وَالْمُرَادُ بِالْمَعَاطِنِ - هُنَا - مَبَارِكُهَا مُطْلَقًا. قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: وَلاَ تَخْتَصُّ الْكَرَاهَةُ بِالْعَطَنِ، بَل مَأْوَاهَا وَمَقِيلُهَا وَمَبَارِكُهَا، بَل مَوَاضِعُهَا كُلُّهَا كَذَلِكَ. وَلاَ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَسُئِل النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فَقَال: صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا стр. 16834
خُلِقَتْ بَرَكَةً (١) . وَأَلْحَقُوا مَرَابِضَ الْبَقَرِ بِمَرَابِضِ الْغَنَمِ فَلاَ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِيهَا، قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَمَاكِنَ الْمَوَاشِي مُطْلَقًا إِنْ تَنَجَّسَتْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلاَةُ فِيهَا بِلاَ حَائِلٍ، وَتَصِحُّ بِالْحَائِل مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَوَافَقَ الْمَالِكِيَّةُ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ فِي حُكْمِ الصَّلاَةِ فِي الْكَنِيسَةِ وَمَعْطِنِ الإِْبِل، فَكَرِهُوا الصَّلاَةَ فِيهِمَا. وَأَلْحَقُوا بِالْكَنِيسَةِ كُل مُتَعَبَّدٍ لِلْكُفَّارِ كَالْبِيعَةِ وَبَيْتِ النَّارِ، وَخَصُّوا كَرَاهَةَ الصَّلاَةِ فِي الْكَنِيسَةِ بِمَا إِذَا دَخَلَهَا مُخْتَارًا سَوَاءٌ كَانَتْ عَامِرَةً أَمْ دَارِسَةً، أَمَّا إِنْ دَخَلَهَا مُضْطَرًّا فَلاَ كَرَاهَةَ، عَامِرَةً كَانَتْ أَمْ دَارِسَةً. وَقَالُوا بِإِعَادَةِ الصَّلاَةِ فِي الْوَقْتِ إِذَا نَزَلَهَا بِاخْتِيَارِهِ وَصَلَّى عَلَى أَرْضِهَا أَوْ عَلَى فَرْشِهَا.
وَتُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِي مَعْطِنِ الإِْبِل وَلَوْ مَعَ أَمْنِ النَّجَاسَةِ. وَعِنْدَهُمْ فِي إِعَادَةِ الصَّلاَةِ قَوْلاَنِ: قَوْلٌ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مُطْلَقًا عَامِدًا كَانَ أَوْ جَاهِلاً أَوْ نَاسِيًا، وَقَوْلٌ يُعِيدُ النَّاسِي فِي الْوَقْتِ، وَالْعَامِدُ وَالْجَاهِل بِالْحُكْمِ أَبَدًا نَدْبًا. وَأَجَازُوا الصَّلاَةَ بِلاَ كَرَاهَةٍ بِمَرْبِضِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ مِنْ غَيْرِ فَرْشٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَبِالْمَقْبَرَةِ بِلاَ حَائِلٍ وَلَوْ عَلَى الْقَبْرِ، وَلَوْ стр. 16835
لِمُشْرِكٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْمَقْبَرَةُ عَامِرَةً أَمْ دَارِسَةً مَنْبُوشَةً، وَبِالْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَالْحَال أَنَّهُ لَمْ يُصَل عَلَى الزِّبْل أَوِ الدَّمِ، بَل فِي مَحَلٍّ لاَ زِبْل فِيهِ، أَوْ لاَ دَمَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْرِشَ شَيْئًا طَاهِرًا يُصَلِّي عَلَيْهِ. وَبِالْمَحَجَّةِ (وَسَطِ الطَّرِيقِ) وَبِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ (جَانِبِهِ) . وَقَيَّدُوا جَوَازَ الصَّلاَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَالْمَحَجَّةِ بِأَمْنِ النَّجَاسَةِ.
أَمَّا مَرْبِضُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَدَائِمًا مَأْمُونُ النَّجَاسَةِ؛ لأَِنَّ بَوْلَهَا وَرَجِيعَهَا طَاهِرَانِ. ثُمَّ إِنَّهُ مَتَى أُمِنَتْ هَذِهِ الأَْمَاكِنُ مِنَ النَّجَسِ - بِأَنْ جَزَمَ أَوْ ظَنَّ طَهَارَتَهَا - كَانَتِ الصَّلاَةُ جَائِزَةً وَلاَ إِعَادَةَ أَصْلاً وَإِنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهَا أَوْ ظُنَّتْ فَلاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ فِيهَا، وَإِذَا صَلَّى أَعَادَ أَبَدًا. وَإِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَتِهَا وَطَهَارَتِهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الرَّاجِحِ، بِنَاءً عَلَى تَرْجِيحِ الأَْصْل عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ. وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: يُعِيدُ أَبَدًا إِنْ كَانَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلاً تَرْجِيحًا لِلْغَالِبِ عَلَى الأَْصْل. وَهَذَا فِي غَيْرِ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ إِذَا صَلَّى فِيهَا لِضِيقِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ الصَّلاَةَ فِيهَا حِينَئِذٍ جَائِزَةٌ. وَلاَ إِعَادَةَ مَعَ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهَا.
وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي كُل ذَلِكَ فَقَالُوا بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ مُطْلَقًا؛ لِحَدِيثِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: لاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ،
стр. 16836
فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ (١) . وَالْمَقْبَرَةُ ثَلاَثَةُ قُبُورٍ فَصَاعِدًا، فَلاَ يُعْتَبَرُ قَبْرٌ وَلاَ قَبْرَانِ مَقْبَرَةٌ.
وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ فِي الْحَمَّامِ، دَاخِلِهِ وَخَارِجِهِ وَأَتُونِهِ (مُوقِدِ النَّارِ) وَكُل مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ الْبَابُ وَيَدْخُل فِي الْبِيَعِ، لِشُمُول الاِسْمِ لِذَلِكَ كُلِّهِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: الأَْرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ (٢) . وَمِثْلُهُ الْحُشُّ - وَهُوَ مَا أُعِدَّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ - وَلَوْ مَعَ طَهَارَتِهِ مِنَ النَّجَاسَةِ.
وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ عِنْدَهُمْ فِي أَعْطَانِ الإِْبِل - وَهِيَ مَا تُقِيمُ فِيهِ وَتَأْوِي إِلَيْهِ -؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلاَ تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الإِْبِل وَلاَ تَدْخُل فِي النَّهْيِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُنَاخُ فِيهَا الإِْبِل لِعَلَفِهَا، أَوْ وُرُودِهَا الْمَاءَ، وَمَوَاضِعِ نُزُولِهَا فِي سَيْرِهَا، لِعَدَمِ تَنَاوُل اسْمِ الأَْعْطَانِ لَهَا.
وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ - أَيْضًا - فِي الْمَجْزَرَةِ وَالْمَزْبَلَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ سَالِكٌ أَوْ لاَ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ. стр. 16837
وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الصَّلاَةِ بِلاَ كَرَاهَةٍ بِطَرِيقِ الْبُيُوتِ الْقَلِيلَةِ، وَبِمَا عَلاَ عَنْ جَادَّةِ الطَّرِيقِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً.
قَال الْبُهُوتِيُّ: فَتَصِحُّ الصَّلاَةُ فِيهِ بِلاَ كَرَاهَةٍ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَحَجَّةٍ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ كُل مَكَان لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ فِيهِ، فَكَذَا لاَ تَصِحُّ عَلَى سَطْحِهِ؛ لأَِنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، دَلِيلٌ أَنَّ الْجُنُبَ يُمْنَعُ مِنَ اللُّبْثِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل دَارًا يَحْنَثُ بِدُخُول سَطْحِهَا. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وُجُودُ عُذْرٍ: كَأَنْ حُبِسَ بِحَمَّامٍ، أَوْ حُشٍّ فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَْمَاكِنِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ، وَانْفَرَدَ الْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ فِي الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ. لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ أُتِيَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ فَلَمْ تَصِحَّ، كَصَلاَةِ الْحَائِضِ (١) .
١٠٦ - وَصَرَّحَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِكَرَاهَةِ التَّثَاؤُبِ فِي الصَّلاَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاوُبَ. .، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ стр. 16838
عَلَى فَمِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُل (١) . وَلأَِنَّهُ مِنَ التَّكَاسُل وَالاِمْتِلاَءِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: فَإِنْ غَلَبَهُ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ وَلَوْ بِأَخْذِ شَفَتِهِ بِسِنِّهِ، وَبِوَضْعِ يَدِهِ أَوْ كُمِّهِ عَلَى فَمِهِ.
وَيُكْرَهُ - أَيْضًا - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَضْعُ شَيْءٍ فِي فَمِهِ لاَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ؛ لأَِنَّهُ يَشْغَل بَالَهُ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّيْءُ لاَ يَذُوبُ، فَإِنْ كَانَ يَذُوبُ كَالسُّكَّرِ يَكُونُ فِي فِيهِ، فَإِنَّهُ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ إِذَا ابْتَلَعَ ذَوْبَهُ.
وَيُكْرَهُ - كَذَلِكَ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ النَّفْخُ. هَذَا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ بِهِ حَرْفَانِ، فَإِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ بَطَلَتِ الصَّلاَةُ (٢) . قَالُوا: لأَِنَّهُ عَبَثٌ، كَمَا صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ الْبَصْقِ فِي الصَّلاَةِ قِبَل وَجْهِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلاَ يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى (٣) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ فِي الصَّلاَةِ شَمُّ طِيبٍ قَصْدًا، كَأَنْ يُدَلِّكَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ стр. 16839
بِطِيبٍ، أَوْ يَضَعُ ذَا رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ عِنْدَ أَنْفِهِ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ لِيَسْتَنْشِقَهُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْل الصَّلاَةِ، أَمَّا لَوْ دَخَلَتِ الرَّائِحَةُ أَنْفَهُ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَلاَ كَرَاهَةَ. قَال الطَّحْطَاوِيُّ: أَمَّا إِذَا أَمْسَكَهُ بِيَدِهِ وَشَمَّهُ فَالظَّاهِرُ الْفَسَادُ؛ لأَِنَّ مَنْ رَآهُ يَجْزِمُ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، وَأَفَادَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُنْيَةِ: أَنَّهَا لاَ تَفْسُدُ بِذَلِكَ أَيْ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَمَل كَثِيرًا (١) .
مُبْطِلاَتُ الصَّلاَةِ:
أ - الْكَلاَمُ:
١٠٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّلاَةَ تَبْطُل بِالْكَلاَمِ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُل صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلاَةِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلاَمِ (٢) وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْل أُمِّيَاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا стр. 16840
يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنُ تَعْلِيمًا مِنْهُ. فَوَاَللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلاَ ضَرَبَنِي وَلاَ شَتَمَنِي، قَال: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ (١) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ الْكَلاَمَ الْمُبْطِل لِلصَّلاَةِ مَا انْتَظَمَ مِنْهُ حَرْفَانِ فَصَاعِدًا؛ لأَِنَّ الْحَرْفَيْنِ يَكُونَانِ كَلِمَةً كَأَبٍ وَأَخٍ، وَكَذَلِكَ الأَْفْعَال وَالْحُرُوفُ، وَلاَ تَنْتَظِمُ كَلِمَةٌ فِي أَقَل مِنْ حَرْفَيْنِ، قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: الْحَرْفَانِ مِنْ جِنْسِ الْكَلاَمِ؛ لأَِنَّ أَقَل مَا يُبْنَى عَلَيْهِ الْكَلاَمُ حَرْفَانِ لِلاِبْتِدَاءِ وَالْوَقْفِ، أَوْ حَرْفٌ مُفْهِمٌ نَحْوَ " قِ " مِنَ الْوِقَايَةِ، وَ " عِ " مِنَ الْوَعْيِ وَ " فِ " مِنَ الْوَفَاءِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ مَدَّةً بَعْدَ حَرْفٍ وَإِنْ لَمْ يُفْهِمْ نَحْوَ " آ " لأَِنَّ الْمَمْدُودَ فِي الْحَقِيقَةِ حَرْفَانِ وَهَذَا عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهَا لاَ تَبْطُل؛ لأَِنَّ الْمُدَّةَ قَدْ تَتَّفِقُ لإِِشْبَاعِ الْحَرَكَةِ وَلاَ تُعَدُّ حَرْفًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكَلاَمَ الْمُبْطِل لِلصَّلاَةِ هُوَ حَرْفٌ أَوْ صَوْتٌ سَاذِجٌ، سَوَاءٌ следующие страницы →