Полный текст (31 949 стр.). Показаны 16766–16805 · переход к 16771.
стр. 16766
وَهُوَ رَاكِعٌ فَضَمَّهَا قَائِمًا وَأَعَادَ الرُّكُوعَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَكَذَا يَجِبُ تَرْكُ تَكْرِيرِ الرُّكُوعِ وَتَثْلِيثِ السُّجُودِ - لأَِنَّ فِي زِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ، لأَِنَّ الْوَاجِبَ فِي كُل رَكْعَةٍ رُكُوعٌ وَاحِدٌ وَسَجْدَتَانِ فَقَطْ، فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَيْضًا تَرْكُ وَاجِبٍ آخَرَ، وَهُوَ إِتْيَانُ الْفَرْضِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لأَِنَّ تَكْرِيرَ الرُّكُوعِ فِيهِ تَأْخِيرُ السُّجُودِ عَنْ مَحَلِّهِ وَتَثْلِيثُ السُّجُودِ فِيهِ تَأْخِيرُ الْقِيَامِ أَوِ الْقَعْدَةِ، وَكَذَا الْقَعْدَةُ فِي آخِرِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى أَوِ الثَّالِثَةِ فَيَجِبُ تَرْكُهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهَا - أَيْضًا - تَأْخِيرُ الْقِيَامِ إِلَى الثَّانِيَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ عَنْ مَحَلِّهِ.
وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْقَعْدَةُ طَوِيلَةً، أَمَّا الْجِلْسَةُ الْخَفِيفَةُ الَّتِي اسْتَحَبَّهَا الشَّافِعِيَّةُ فَتَرْكُهَا غَيْرُ وَاجِبٍ، بَل هُوَ الأَْفْضَل.
وَهَكَذَا كُل زِيَادَةٍ بَيْنَ فَرْضَيْنِ أَوْ بَيْنَ فَرْضٍ وَوَاجِبٍ يَكُونُ فِيهَا تَرْكُ وَاجِبٍ بِسَبَبِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهَا تَرْكُ وَاجِبٍ آخَرَ، وَهُوَ تَأْخِيرُ الْفَرْضِ الثَّانِي عَنْ مَحَلِّهِ. وَيَدْخُل فِي الزِّيَادَةِ السُّكُوتُ، حَتَّى لَوْ شَكَّ فَتَفَكَّرَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ تَرْكَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَاجِبٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ إِتْيَانُ كُل وَاجِبٍ أَوْ فَرْضٍ فِي مَحَلِّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْوَاجِبَ
стр. 16767
لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِتَرْكِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، فَكَانَ تَرْكُهَا وَاجِبًا لِغَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الإِْخْلاَل بِهَذَا الْوَاجِبِ الإِْخْلاَل بِذَاكَ الْوَاجِبِ فَهُوَ نَظِيرُ عَدِّهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ الاِنْتِقَال مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ فَإِنَّهُ فَرْضٌ لِغَيْرِهِ.
وَبَقِيَ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ: قِرَاءَةُ قُنُوتِ الْوِتْرِ، وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدَيْنِ، وَالْجَهْرُ وَالإِْسْرَارُ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَيُسَرُّ (١) .
وَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.
ب - وَاجِبَاتُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ:
٤٨ - تَكْبِيرَاتُ الاِنْتِقَال فِي مَحَلِّهَا: وَمَحَلُّهَا مَا بَيْنَ بَدْءِ الاِنْتِقَال وَانْتِهَائِهِ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: فَإِذَا كَبَّرَ يَعْنِي الإِْمَامَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا. . .، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا (٢) وَهَذَا أَمْرٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَوْ شَرَعَ الْمُصَلِّي فِي التَّكْبِيرِ قَبْل انْتِقَالِهِ كَأَنْ يُكَبِّرَ لِلرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ قَبْل هُوِيِّهِ إِلَيْهِ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَ انْتِهَائِهِ بِأَنْ كَبَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ وَهُوَ سَاجِدٌ بَعْدَ انْتِهَاءِ هُوِيِّهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ التَّكْبِيرُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ стр. 16768
يَأْتِ بِهِ فِي مَحَلِّهِ.
وَإِنْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَهُ أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ فَوَقَعَ بَعْضُهُ خَارِجًا مِنْهُ فَهُوَ كَتَرْكِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهُ فِي مَحَلِّهِ فَأَشْبَهَ مَنْ تَعَمَّدَ قِرَاءَتَهُ رَاكِعًا أَوْ أَخَذَ فِي التَّشَهُّدِ قَبْل قُعُودِهِ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ التَّحَرُّزَ يَعْسُرُ، وَالسَّهْوُ بِهِ يَكْثُرُ فَفِي الإِْبْطَال بِهِ وَالسُّجُودِ لَهُ مَشَقَّةٌ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَةُ رُكُوعِ مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ إِمَامَهُ رَاكِعًا، فَكَبَّرَ لِلإِْحْرَامِ ثُمَّ رَكَعَ مَعَهُ فَإِنَّ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ رُكْنٌ، وَتَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ هُنَا سُنَّةٌ لِلاِجْتِزَاءِ عَنْهَا بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ. قَالُوا: وَإِنْ نَوَى تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلاَتُهُ.
٤٩ - التَّسْمِيعُ: وَهُوَ قَوْل: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ، وَهُوَ وَاجِبٌ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ دُونَ الْمَأْمُومِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُول ذَلِكَ (١) . ﴿
وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِبُرَيْدَةَ يَا بُرَيْدَةُ، إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَقُل: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (٢) وَيَجِبُ أَنْ стр. 16769
يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّبَةً، فَلَوْ قَال: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّهُ يَحْمَدُ فَقَطْ فِي حَال رَفْعِهِ مِنَ الرُّكُوعِ وَلاَ يُسْمِعْ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا قَال يَعْنِي الإِْمَامَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (١) . ٥٠ - التَّحْمِيدُ: وَهُوَ قَوْل: " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ. لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَيُجْزِئُهُ أَنْ يَقُول: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ بِلاَ وَاوٍ. وَبِالْوَاوِ أَفْضَل، كَمَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَقُول: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " بِلاَ وَاوٍ. وَأَفْضَل مِنْهُ مَعَ الْوَاوِ، فَيَقُول: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ".
٥١ - التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ: وَهُوَ قَوْل: " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَقُول فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ. وَفِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَْعْلَى (٢) . стр. 16770
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَال النَّبِيُّ ﷺ : اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ. فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى﴾ قَال: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ (١) .
٥٢ - التَّسْبِيحُ فِي السُّجُودِ: وَهُوَ قَوْل: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى "، وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
٥٣ - قَوْل: " رَبِّ اغْفِرْ لِي " فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: وَهُوَ وَاجِبٌ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُول بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي (٢) قَالُوا: وَإِنْ قَال: " رَبِّ اغْفِرْ لَنَا " أَوِ " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا " فَلاَ بَأْسَ. стр. 16771
٥٤ - التَّشَهُّدُ الأَْوَّل: لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ وَدَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ وَأَمَرَ بِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ حِينَ نَسِيَهُ. قَالُوا: وَهَذَا هُوَ الأَْصْل الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، لِسُقُوطِهَا بِالسَّهْوِ وَانْجِبَارِهَا بِالسُّجُودِ، وَالْمُجْزِئُ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) فَمَنْ تَرَكَ حَرْفًا مِنْ ذَلِكَ عَمْدًا لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ، لِلاِتِّفَاقِ عَلَيْهِ فِي كُل الأَْحَادِيثِ.
٥٥ - الْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ الأَْوَّل: وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِ مَنْ قَامَ إِمَامُهُ سَهْوًا وَلَمْ يُنَبَّهْ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ حِينَئِذٍ التَّشَهُّدُ الأَْوَّل، وَيُتَابِعُ إِمَامَهُ وُجُوبًا (١) .
أَنْوَاعُ السُّنَنِ فِي الصَّلاَةِ:
٥٦ - قَسَّمَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - سُنَنَ الصَّلاَةِ بِاعْتِبَارِ تَأَكُّدِهَا وَعَدَمِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهَا إِلَى نَوْعَيْنِ:
فَقَسَّمَهَا الْحَنَفِيَّةُ إِلَى: سُنَنٍ وَآدَابٍ، وَالْمَقْصُودُ بِالسُّنَنِ: هِيَ السُّنَنُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي стр. 16772
وَاظَبَ عَلَيْهَا الرَّسُول ﷺ أَوِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَتَرْكُهَا يُوجِبُ الإِْسَاءَةَ، وَالإِْثْمَ إِذَا أَصَرَّ عَلَى التَّرْكِ.
وَالآْدَابُ: وَهِيَ السُّنَنُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ، وَتَرْكُهَا لاَ يُوجِبُ إِسَاءَةً وَلاَ عِتَابًا لَكِنْ فِعْلُهَا أَفْضَل.
كَمَا قَسَّمَهَا الْمَالِكِيَّةُ إِلَى: سُنَنٍ وَمَنْدُوبَاتٍ.
فَالسُّنَنُ: هِيَ السُّنَنُ الْمُؤَكَّدَةُ.
وَالْمَنْدُوبَاتُ: هِيَ السُّنَنُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ وَيُسَمُّونَهَا - أَيْضًا - نَوَافِل وَفَضَائِل وَمُسْتَحَبَّاتٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَنْقَسِمُ إِلَى: أَبْعَاضٍ، وَهَيْئَاتٍ.
فَالأَْبْعَاضُ: هِيَ السُّنَنُ الْمَجْبُورَةُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَسُمِّيَتْ أَبْعَاضًا لِتَأَكُّدِ شَأْنِهَا بِالْجَبْرِ تَشْبِيهًا بِالْبَعْضِ حَقِيقَةً، وَالْهَيْئَاتُ: هِيَ السُّنَنُ الَّتِي لاَ تُجْبَرُ.
وَلَمْ يُقَسِّمْهَا الْحَنَابِلَةُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ وَإِنَّمَا قَسَّمُوهَا بِاعْتِبَارِ الْقَوْل وَالْفِعْل، فَهِيَ تَنْقَسِمُ عِنْدَهُمْ إِلَى: سُنَنِ أَقْوَالٍ، وَسُنَنِ أَفْعَالٍ وَهَيْئَاتٍ (١) . стр. 16773
سُنَنُ الصَّلاَةِ:
(أ) رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ:
٥٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُول ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ (١) .
وَقَدْ نَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الرَّفْعِ.
٥٨ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَبِرُءُوسِ الأَْصَابِعِ فُرُوعَ أُذُنَيْهِ، وَيَسْتَقْبِل بِبُطُونِ كَفَّيْهِ الْقِبْلَةَ، وَيَنْشُرَ أَصَابِعَهُ وَيَرْفَعَهُمَا، فَإِذَا اسْتَقَرَّتَا فِي مَوْضِعِ مُحَاذَاةِ الإِْبْهَامَيْنِ شَحْمَتَيِ الأُْذُنَيْنِ يُكَبِّرُ؛ فَالرَّفْعُ يَكُونُ قَبْل التَّكْبِيرِ.
وَهَذَا فِي الرَّجُل، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ يَدَيْهَا حِذَاءَ الْمَنْكِبَيْنِ، قَالُوا: وَلاَ يُطَأْطِئُ الْمُصَلِّي رَأْسَهُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ؛ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ.
وَلَوْ رَفَعَ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ كُل الضَّمِّ، وَلاَ يُفَرِّجُ كُل التَّفْرِيجِ بَل يَتْرُكُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَيْنَ الضَّمِّ وَالتَّفْرِيجِ.
وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ حَتَّى فَرَغَ стр. 16774
مِنَ التَّكْبِيرِ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إِلَى الْمَوْضِعِ الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ إِحْدَاهُمَا دُونَ الأُْخْرَى رَفَعَهَا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إِلاَّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا.
كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوِ اعْتَادَ الْمُصَلِّي تَرْكَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ، وَإِثْمُهُ لاَ لِنَفْسِ التَّرْكِ، بَل؛ لأَِنَّهُ اسْتِخْفَافٌ وَعَدَمُ مُبَالاَةٍ بِسُنَّةٍ وَاظَبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ مُدَّةَ عُمُرِهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الاِسْتِخْفَافُ بِمَعْنَى التَّهَاوُنِ وَعَدَمِ الْمُبَالاَةِ، لاَ بِمَعْنَى الاِسْتِهَانَةِ وَالاِحْتِقَارِ، وَإِلاَّ كَانَ كُفْرًا.
٥٩ - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الإِْحْرَامِ، فَيُكْرَهُ رَفْعُهُمَا قَبْل التَّكْبِيرِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالرَّفْعُ يَكُونُ بِحَيْثُ تَكُونُ ظُهُورُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَبُطُونُهُمَا إِلَى الأَْرْضِ وَبِحَيْثُ يَنْتَهِي رَفْعُهُمَا إِلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيل: انْتِهَاؤُهَا إِلَى الصَّدْرِ، وَقِيل: يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ الأُْذُنَيْنِ، وَهُمَا مُقَابِلاَنِ لِلْمَشْهُورِ.
وَتُسَمَّى صِفَةُ هَذَا الرَّفْعِ عِنْدَهُمْ صِفَةَ الرَّاهِبِ - وَهِيَ الْمَذْهَبُ - وَمُقَابِلُهُ صِفَتَانِ: صِفَةُ الرَّاغِبِ: وَهِيَ بِأَنْ يَجْعَل بُطُونَ يَدَيْهِ لِلسَّمَاءِ، وَصِفَةُ النَّابِذِ: وَهِيَ أَنْ يُحَاذِيَ بِكَفَّيْهِ مَنْكِبَيْهِ قَائِمَتَيْنِ وَرُءُوسَ أَصَابِعِهِمَا مِمَّا
стр. 16775
يَلِيَ السَّمَاءَ عَلَى صُورَةِ النَّابِذِ لِلشَّيْءِ.
وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْيَدَيْنِ تَكُونُ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ فِي الرَّفْعِ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ (١) .
وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ حَذْوَ الصَّدْرِ مَا فِي حَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ قَال: رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى صُدُورِهِمْ فِي افْتِتَاحِ الصَّلاَةِ (٢) وَالدَّلِيل عَلَى كَوْنِهَا حَذْوَ الأُْذُنَيْنِ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَى بِهِمَا أُذُنَيْهِ (٣) وَهَذَا فِي رَفْعِ الرَّجُل، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَدُونَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا عِنْدَهُمْ، قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ كَشْفُهُمَا عِنْدَ الإِْحْرَامِ وَإِرْسَالُهُمَا بِوَقَارٍ فَلاَ يَدْفَعُ بِهِمَا أَمَامَهُ.
وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مِنَ الْفَضَائِل عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَيْسَ مِنَ السُّنَنِ.
٦٠ - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَكُونُ الرَّفْعُ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ стр. 16776
-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ (١) قَالُوا: وَمَعْنَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ: أَنْ تُحَاذِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ أَعْلَى أُذُنَيْهِ، وَإِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَرَاحَتَاهُ مَنْكِبَيْهِ، وَقَال الأَْذْرَعِيُّ: بَل مَعْنَاهُ كَوْنُ رُءُوسِ أَصَابِعِهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الرَّفْعُ إِلاَّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمَشْرُوعِ أَوْ نَقْصٍ مِنْهُ أَتَى بِالْمُمْكِنِ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الإِْتْيَانُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَالزِّيَادَةُ أَوْلَى؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِالْمَأْمُورِ وَزِيَادَةٍ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُ إِحْدَى يَدَيْهِ رَفَعَ الأُْخْرَى، وَأَقْطَعُ الْكَفَّيْنِ يَرْفَعُ سَاعِدَيْهِ، وَأَقْطَعُ الْمِرْفَقَيْنِ يَرْفَعُ عَضُدَيْهِ تَشْبِيهًا بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَزَمَنُ الرَّفْعِ يَكُونُ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ فِي الأَْصَحِّ لِلاِتِّبَاعِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، سَوَاءٌ انْتَهَى التَّكْبِيرُ مَعَ الْحَطِّ أَوْ لاَ.
وَفِي وَجْهٍ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ قَبْل التَّكْبِيرِ وَيُكَبِّرُ مَعَ ابْتِدَاءِ الإِْرْسَال وَيُنْهِيهِ مَعَ انْتِهَائِهِ، وَقِيل: يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَدَاهُ مُرْتَفِعَتَانِ، فَإِذَا فَرَغَ أَرْسَلَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ.
وَإِنْ تَرَكَ الرَّفْعَ حَتَّى شَرَعَ فِي التَّكْبِيرِ أَتَى بِهِ فِي أَثْنَائِهِ لاَ بَعْدَهُ لِزَوَال سَبَبِهِ.
٦١ - وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: يَرْفَعُ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ بِرُءُوسِهِمَا، وَيَسْتَقْبِل بِبُطُونِهِمَا стр. 16777
الْقِبْلَةَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَلِّي عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ رَفْعِهِمَا، أَوْ رَفَعَ إِحْدَاهُمَا إِلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ يُكَبِّرُ (١) وَتَكُونُ الْيَدَانِ حَال الرَّفْعِ مَمْدُودَتَيِ الأَْصَابِعِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَل فِي الصَّلاَةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَدًّا (٢) مَضْمُومَةً؛ لأَِنَّ الأَْصَابِعَ إِذَا ضُمَّتْ تَمْتَدُّ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الرَّفْعِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ؛ لِمَا رَوَى وَائِل بْنُ حُجْرٍ أَنَّهُ: رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ (٣) وَلأَِنَّ الرَّفْعَ لِلتَّكْبِيرِ فَكَانَ مَعَهُ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْ رَفْعِ إِحْدَاهُمَا رَفَعَ الْيَدَ الأُْخْرَى. وَلِلْمُصَلِّي أَنْ يَرْفَعَهُمَا أَقَل مِنْ حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ لِعُذْرٍ يَمْنَعُهُ لِحَدِيثِ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٤) . стр. 16778
وَيَسْقُطُ نَدْبُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَعَ فَرَاغِ التَّكْبِيرِ كُلِّهِ؛ لأَِنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا، وَإِنْ نَسِيَهُ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَائِهِ أَتَى بِهِ فِيمَا بَقِيَ لِبَقَاءِ مَحَل الاِسْتِحْبَابِ. وَالأَْفْضَل أَنْ تَكُونَ يَدَاهُ مَكْشُوفَتَيْنِ؛ لأَِنَّ كَشْفَهُمَا أَدَل عَلَى الْمَقْصُودِ، وَأَظْهَرُ فِي الْخُضُوعِ (١) .
(ب) الْقَبْضُ (وَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى) :
٦٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ الْقَبْضَ، وَهُوَ: وَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يُنْدَبُ الإِْرْسَال وَكَرَاهَةُ الْقَبْضِ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ. وَجَوَّزُوهُ فِي النَّفْل وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِرْسَال) ف ٤ (٣ ٩٤) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَبْضِ ، وَمَكَانِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ.
كَيْفِيَّةُ الْقَبْضِ:
٦٣ - فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَبْضِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الرَّجُل يَأْخُذُ стр. 16779
بِيَدِهِ الْيُمْنَى رُسْغَ الْيُسْرَى بِحَيْثُ يُحَلِّقُ الْخِنْصَرُ وَالإِْبْهَامُ عَلَى الرُّسْغِ وَيَبْسُطُ الأَْصَابِعَ الثَّلاَثَ.
وَقَال الْكَاسَانِيُّ: يُحَلِّقُ إِبْهَامَهُ وَخِنْصَرَهُ وَبِنَصْرِهِ وَيَضَعُ الْوُسْطَى وَالْمُسَبِّحَةَ عَلَى مِعْصَمِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَضَعُ الْكَفَّ عَلَى الْكَفِّ
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَقْبِضُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَقْبِضُ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَبَعْضِ السَّاعِدِ، وَيَبْسُطُ أَصَابِعَهَا فِي عَرْضِ الْمَفْصِل أَوْ يَنْشُرُهَا صَوْبَ السَّاعِدِ؛ لِمَا رَوَى وَائِل بْنُ حُجْرٍ قَال: قُلْتُ لأََنْظُرَنَّ إِلَى صَلاَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُصَلِّي فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ (٢) .
مَكَانُ الْوَضْعِ:
٦٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَكَانَ وَضْعِ الْيَدَيْنِ تَحْتَ السُّرَّةِ، فَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَضَعَهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁ стр. 16780
-: مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ تَحْتَ السُّرَّةِ (١) .
قَال الْحَنَابِلَةُ: وَمَعْنَى وَضْعِ كَفِّهِ الأَْيْمَنِ عَلَى كُوعِهِ الأَْيْسَرِ وَجَعْلُهَا تَحْتَ سُرَّتِهِ أَنَّ فَاعِل ذَلِكَ ذُو ذُلٍّ بَيْنَ يَدَيْ ذِي عِزٍّ، وَنَقَلُوا نَصَّ الإِْمَامِ أَحْمَدَ عَلَى كَرَاهَةِ جَعْل يَدَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ. لَكِنِ الْحَنَفِيَّةُ خَصُّوا هَذَا بِالرَّجُل، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَضَعُ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهَا عِنْدَهُمْ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ وَضْعُ الْيَدَيْنِ تَحْتَ الصَّدْرِ وَفَوْقَ السُّرَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْقَبْضِ فِي النَّفْل، لِحَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ (٢) قَالُوا: أَيْ آخِرُهُ فَتَكُونُ الْيَدُ تَحْتَهُ بِقَرِينَةِ رِوَايَةِ (تَحْتَ صَدْرِهِ) ، وَالْحِكْمَةُ فِي جَعْلِهِمَا تَحْتَ صَدْرِهِ: أَنْ يَكُونَ فَوْقَ أَشْرَفِ الأَْعْضَاءِ وَهُوَ الْقَلْبُ، فَإِنَّهُ تَحْتَ الصَّدْرِ.
قَال الإِْمَامُ: وَالْقَصْدُ مِنَ الْقَبْضِ الْمَذْكُورِ стр. 16781
تَسْكِينُ الْجَوَارِحِ، فَإِنْ أَرْسَلَهُمَا وَلَمْ يَعْبَثْ بِهِمَا فَلاَ بَأْسَ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الأُْمِّ (١) .
(ج) دُعَاءُ الاِسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذُ وَالْبَسْمَلَةُ:
٦٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ دُعَاءَ الاِسْتِفْتَاحِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ. لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ قَال: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ (٢) ، وَلِمَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ لِلصَّلاَةِ قَال: وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ стр. 16782
أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ. ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَِحْسَنِ الأَْخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَِحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ. وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ. لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ وَأَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ (١) . وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ صِيَغٌ كَثِيرَةٌ فِي دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ غَيْرَ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) وَحَدِيثِ: " الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ " وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِفْتَاحٌ (٣) .
وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ عَلَى دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ فِي مُصْطَلَحِ: اسْتِفْتَاحٌ (٤ ٢١١) . стр. 16783
أَمَّا التَّعَوُّذُ بَعْدَ دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ وَقَبْل الْقِرَاءَةِ فَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (١) ﴾ .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَتِهِ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْل (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: اسْتِعَاذَةٌ ف ١٨ وَمَا بَعْدَهَا (٤ ١١) .
أَمَّا الْبَسْمَلَةُ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِهَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: بَسْمَلَةٌ ف ٥ (٨ ٨٦) .
(د) قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ:
٦٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ الَّتِي يَحْصُل بِهَا أَصْل السُّنَّةِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى حُصُول السُّنَّةِ بِقِرَاءَةِ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ، وَلَوْ آيَةً - سَوَاءٌ كَانَتْ طَوِيلَةً أَمْ قَصِيرَةً كَ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ - كَمَا تَحْصُل السُّنَّةُ بِقِرَاءَةِ بَعْضِ آيَةٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهَا مَعْنًى تَامٌّ فِي كُل رَكْعَةٍ بِانْفِرَادِهَا، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً كَامِلَةً.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى حُصُول стр. 16784
السُّنَّةِ بِقِرَاءَةِ آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاسْتَحَبَّ الإِْمَامُ أَحْمَدُ أَنْ تَكُونَ الآْيَةُ طَوِيلَةً: كَآيَةِ الدَّيْنِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ لِتُشْبِهَ بَعْضَ السُّوَرِ الْقِصَارِ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ إِجْزَاءِ آيَةٍ لاَ تَسْتَقِل بِمَعْنًى أَوْ حُكْمٍ نَحْوَ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ، أَوْ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ .
قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَالأَْوْلَى أَنْ تَكُونَ ثَلاَثَ آيَاتٍ لِتَكُونَ قَدْرَ أَقْصَرِ سُورَةٍ. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ السُّورَةَ الْكَامِلَةَ أَفْضَل، وَأَنَّهُ لاَ تُجْزِئُهُ السُّورَةُ مَا لَوْ قَرَأَهَا قَبْل الْفَاتِحَةِ؛ لِعَدَمِ وُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ عَنَ السُّورَةِ؛ لأَِنَّهُ خِلاَفُ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ؛ وَلأَِنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لاَ يُؤَدَّى بِهِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، إِلاَّ إِذَا كَانَ لاَ يُحْسِنُ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ وَأَعَادَهَا فَإِنَّهُ يُتَّجَهُ - كَمَا قَال الأَْذْرَعِيُّ - الإِْجْزَاءُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ بِطِوَال الْمُفَصَّل. لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وَنَحْوِهَا، وَكَانَتْ صَلاَتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا (١) .
وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الظُّهْرِ فَيُسَنُّ عِنْدَهُمْ стр. 16785
لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ فِي الظُّهْرِ بِطِوَال الْمُفَصَّل؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلاَةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ فِي كُل رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلاَثِينَ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ تَكُونُ دُونَ قِرَاءَةِ الْفَجْرِ قَلِيلاً.
قَال الدُّسُوقِيُّ: يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ مِنْ أَطْوَل طِوَال الْمُفَصَّل، وَفِي الظُّهْرِ مِنْ أَقْصَرِ طِوَال الْمُفَصَّل.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ مِنْ أَوْسَاطِ الْمُفَصَّل؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى " أَنِ اقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بِطِوَال الْمُفَصَّل، وَاقْرَأْ فِي الظُّهْرِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّل، وَاقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّل.
وَأَمَّا صَلاَةُ الْعَصْرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهَا بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّل. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَقْرَأُ فِيهَا بِقِصَارِ الْمُفَصَّل.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّل وَفِي الْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِهِ؛ لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلاَةً بِرَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ فُلاَنٍ. قَال سُلَيْمَانُ: كَانَ يُطِيل стр. 16786
الرَّكْعَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ فِي الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الأُْخْرَيَيْنِ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّل، وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّل، وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَال الْمُفَصَّل (١) .
وَاخْتُلِفَ فِي بَيَانِ الْمُفَصَّل طِوَالِهِ وَأَوْسَاطِهِ وَقِصَارِهِ (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (سُورَةٌ، وَقِرَاءَةٌ)
مَحَل الْقِرَاءَةِ:
٦٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَل الْقِرَاءَةِ الْمَسْنُونَةِ هُوَ الرَّكْعَتَانِ الأُْولَيَانِ مِنْ صَلاَةِ الْفَرْضِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآْيَةَ أَحْيَانًا، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُْخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (٣) .
قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَإِنَّمَا تُسَنُّ السُّورَةُ فِي стр. 16787
الْفَرْضِ الْوَقْتِيِّ الْمُتَّسِعِ وَقْتَهُ، أَمَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ يَخْشَى خُرُوجَهُ بِقِرَاءَتِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ مُحَافَظَةً عَلَى الْوَقْتِ.
وَانْظُرْ تَفْصِيل مَحَل الْقِرَاءَةِ فِي صَلاَةِ النَّفْل فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةُ التَّطَوُّعِ) وَقِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ فِي (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) .
كَمَا يُسَنُّ تَطْوِيل الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ -
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا تُسَنُّ إِطَالَةُ الرَّكْعَةِ الأُْولَى عَلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ فَقَطْ دُونَ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، فَلاَ تُسَنُّ إِطَالَتُهَا (١) .
(هـ) التَّأْمِينُ:
٦٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّأْمِينَ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ سُنَّةٌ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا قَال الإِْمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا آمِينَ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْل الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ ذَنْبِهِ (٢) . стр. 16788
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَأْتِي بِالتَّأْمِينِ بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ لِيَتَمَيَّزَ عَنَ الْقِرَاءَةِ، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا هِيَ طَابَعُ الدُّعَاءِ.
وَقَالُوا: لاَ يَفُوتُ التَّأْمِينُ إِلاَّ بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ تَرَكَ الْمُصَلِّي التَّأْمِينَ حَتَّى شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ بِفَوَاتِهِ بِالرُّكُوعِ.
ثُمَّ إِنَّ التَّأْمِينَ سُنَّةٌ لِلْمُصَلِّي - عُمُومًا - سَوَاءٌ كَانَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الإِْمَامَ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ لاَ يُنْدَبُ لَهُ التَّأْمِينُ، وَكَذَا الْمَأْمُومُ إِنْ لَمْ يَسْمَعْ إِمَامَهُ يَقُول: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ وَإِنْ سَمِعَ مَا قَبْلَهُ، وَنَصُّوا عَلَى كَرَاهَتِهِ حِينَئِذٍ وَلاَ يَتَحَرَّى عَلَى الأَْظْهَرِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ تَحَرَّى لِرُبَّمَا أَوْقَعَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَلَرُبَّمَا صَادَفَ آيَةَ عَذَابٍ، وَمُقَابِلُهُ يَتَحَرَّى، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبْدُوسٍ.
وَالسُّنَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَلِّي بِالتَّأْمِينِ سِرًّا سَوَاءٌ كَانَ إِمَامًا أَمْ مَأْمُومًا أَمْ مُنْفَرِدًا؛ فَالإِْتْيَانُ بِالتَّأْمِينِ سُنَّةٌ، وَالإِْسْرَارُ بِهَا سُنَّةٌ أُخْرَى، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَعَلَى هَذَا فَتَحْصُل سُنِّيَّةُ الإِْتْيَانِ بِهَا وَلَوْ مَعَ الْجَهْرِ بِهَا.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: لأَِنَّهُ دُعَاءٌ، وَالأَْصْل فِيهِ الإِْخْفَاءُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ
стр. 16789
وَالْمَأْمُومَ وَالْمُنْفَرِدَ يَجْهَرُونَ بِالتَّأْمِينِ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ وَيُسِرُّونَ بِهِ فِي الصَّلاَةِ السِّرِّيَّةِ.
وَصَرَّحُوا: بِأَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الإِْمَامُ التَّأْمِينَ، أَوْ أَسَرَّهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَتَى بِهِ الْمَأْمُومُ لِيُذَكِّرَهُ فَيَأْتِيَ بِهِ (١) .
(و) تَكْبِيرَاتُ الاِنْتِقَال:
٦٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إِلَى أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَال سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ، لِحَدِيثِ: " الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ " فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِتَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ وَأَمَرَهُ بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَال مِنَ الْوَاجِبَاتِ.
وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (تَكْبِيرٌ) .
(ز) هَيْئَةُ الرُّكُوعِ الْمَسْنُونَةُ:
٧٠ - أَقَل الْوَاجِبِ فِي الرُّكُوعِ: أَنْ يَنْحَنِيَ قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ، وَكَمَال السُّنَّةِ فِيهِ: أَنْ يُسَوِّيَ ظَهْرَهُ وَعُنُقَهُ وَعَجُزَهُ، وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَفَخِذَيْهِ، وَيَأْخُذَ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ مُعْتَمِدًا بِالْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، مُفَرِّقًا أَصَابِعَهُ، وَيُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ.
لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّهُ رَكَعَ فَجَافَى يَدَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ стр. 16790
أَصَابِعِهِ مِنْ وَرَاءِ رُكْبَتَيْهِ وَقَال: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي (١) .
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلْصَاقَ الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَصُّوا هَذِهِ الْهَيْئَةَ بِالرَّجُل، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَنْحَنِي فِي الرُّكُوعِ يَسِيرًا، وَلاَ تُفَرِّجُ، وَلَكِنْ تَضُمُّ وَتَضَعُ يَدَيْهَا عَلَى رُكْبَتَيْهَا وَضْعًا، وَتَحْنِي رُكْبَتَيْهَا، وَلاَ تُجَافِي عَضُدَيْهَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا.
وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢) ، وَسَبَقَ تَفْصِيل هَيْئَاتِ الرُّكُوعِ وَأَذْكَارِهِ فِي مُصْطَلَحِ: (رُكُوعٌ) .
(ح) التَّسْمِيعُ وَالتَّحْمِيدُ:
٧١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إِلَى سُنِّيَّةِ التَّسْمِيعِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالتَّحْمِيدِ عِنْدَ الاِسْتِوَاءِ قَائِمًا.
وَالسُّنَّةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّسْمِيعُ فَقَطْ، أَمَّا التَّحْمِيدُ فَهُوَ مَنْدُوبٌ عِنْدَهُمْ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ.
ثُمَّ إِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُصَلِّي الَّذِي يُسَنُّ لَهُ التَّسْمِيعُ وَالتَّحْمِيدُ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ стр. 16791
وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ يُسَمِّعُ فَقَطْ، وَالْمَأْمُومَ يَحْمَدُ فَقَطْ، وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، فَلاَ يَحْمَدُ الإِْمَامُ وَلاَ يُسَمِّعُ الْمَأْمُومُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا قَال الإِْمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (١) فَالنَّبِيُّ ﷺ قَسَمَ بَيْنَهُمَا، وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَالإِْمَامُ مُخَاطَبٌ بِسُنَّةٍ فَقَطْ، وَالْمَأْمُومُ مُخَاطَبٌ بِمَنْدُوبٍ فَقَطْ، وَالْفَذُّ مُخَاطَبٌ بِسُنَّةٍ وَمَنْدُوبٍ وَخَالَفَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ، فَذَهَبَا إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (٢) ؛ وَلأَِنَّهُ حَرَّضَ غَيْرَهُ فَلاَ يَنْسَى نَفْسَهُ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْمُتُونُ عَلَى قَوْل الإِْمَامِ.
وَصَرَّحُوا بِأَنَّ أَفْضَل صِيَغِ التَّحْمِيدِ:
اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: ثُمَّ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ стр. 16792
الْحَمْدُ، ثُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
وَصِيغَةُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ هِيَ مَا اخْتَارَهُ الإِْمَامُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَعِنْدَهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَرَابِعَةٌ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيعَ وَالتَّحْمِيدَ سُنَّةٌ لِلْجَمِيعِ: الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ. وَصَرَّحُوا بِأَنَّ أَفْضَل صِيَغِ التَّحْمِيدِ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ؛ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ.
قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: لَكِنْ قَال فِي الأُْمِّ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ أَحَبُّ إِلَيَّ، أَيْ لأَِنَّهُ جَمَعَ مَعْنَيَيْنِ: الدُّعَاءَ وَالاِعْتِرَافَ. أَيْ رَبَّنَا اسْتَجِبْ لَنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى هِدَايَتِكَ إِيَّانَا.
قَالُوا: وَلَوْ قَال: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ كَفَى فِي تَأْدِيَةِ أَصْل السُّنَّةِ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، لَكِنَّ التَّرْتِيبَ أَفْضَل.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ التَّسْمِيعَ وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ دُونَ الْمَأْمُومِ، وَالتَّحْمِيدَ وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ - إِمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ - وَأَفْضَل صِيَغِ التَّحْمِيدِ عِنْدَهُمْ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. قَالُوا: وَإِنْ شَاءَ قَال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَأَفْضَل مِنْهُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَوْ قَال: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ
стр. 16793
سَمِعَ لَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، لِتَغْيِيرِ الْمَعْنَى (١) .
الأَْذْكَارُ الْوَارِدَةُ فِي الاِسْتِوَاءِ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ:
٧٢ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي بَعْدَ التَّحْمِيدِ أَنْ يَقُول: " مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَْرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ " لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَْرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ (٢) .
وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ: " أَهْل الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَال الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ "؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ. قَال اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْل الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ. أَحَقُّ مَا قَال стр. 16794
الْعَبْدُ - وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ (١) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُول غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُول، وَفِي لَفْظٍ: يَدْعُو إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الأَْرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ. اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ. اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْوَسَخِ (٢) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِ زِيَادَةِ: حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ (٣) . لِحَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَال: كُنَّا نُصَلِّي يَوْمًا وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَال رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ قَال: أَنَا، قَال: لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّل (٤) . стр. 16795
ح م) رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَالْقِيَامُ لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ:
٧٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، فَاتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ يَفْعَل ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ وَيَفْعَل ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ (١) . وَعَنِ الْحَسَنِ: " أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ (٢) ".
وَكَانَ عُمَرُ " إِذَا رَأَى رَجُلاً لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَصَّبَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ.
قَال الْبُخَارِيُّ: رَوَاهُ سَبْعَةَ عَشْرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَدَمُ الرَّفْعِ.
وَقَال السُّيُوطِيُّ: الرَّفْعُ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ стр. 16796
مِنْ رِوَايَةِ خَمْسِينَ صَحَابِيًّا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، لِمَا رَوَى نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَل فِي الصَّلاَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَال سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ (١) .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ هِيَ عَدَمُ الرَّفْعِ.
قَال فِي الإِْنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِلاَّ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، فَلاَ يُشْرَعُ رَفْعُهُمَا عِنْدَ الرُّكُوعِ أَوِ الرَّفْعِ مِنْهُ، أَوِ الْقِيَامِ لِلثَّالِثَةِ. لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ، ثُمَّ لَمْ يَرْفَعْهُمَا حَتَّى انْصَرَفَ (٢) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: стр. 16797
مَالِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيَكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْل شُمْسٍ، اسْكُنُوا فِي الصَّلاَةِ (١) وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَلاَ أُصَلِّي بِكُمْ صَلاَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلاَّ فِي أَوَّل مَرَّةٍ (٢) .
(ط) كَيْفِيَّةُ الْهُوِيِّ لِلسُّجُودِ وَالنُّهُوضِ مِنْهُ:
٧٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ عِنْدَ الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلِّي رُكْبَتَيْهِ أَوَّلاً، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ؛ لِمَا رَوَى وَائِل بْنُ حُجْرٍ ﵁ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا سَجَدَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْل يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ (٣) قَال التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ.
وَلأَِنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ أَرْفَقُ بِالْمُصَلِّي. وَأَحْسَنُ стр. 16798
فِي الشَّكْل وَرَأْيِ الْعَيْنِ. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَضَعُ جَبْهَتَهُ ثُمَّ أَنْفَهُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: أَنْفَهُ ثُمَّ جَبْهَتَهُ. وَعِنْدَ النُّهُوضِ مِنَ السُّجُودِ يُسَنُّ الْعَكْسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَرْفَعَ جَبْهَتَهُ أَوَّلاً ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ لِحَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ الْمُتَقَدِّمِ. قَال الْحَنَابِلَةُ: إِلاَّ أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الاِعْتِمَادُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ؛ لِكِبَرٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ سِمَنٍ وَنَحْوِهِ، فَيَعْتَمِدُ بِالأَْرْضِ، لِمَا رَوَى الأَْثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ قَال: مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ إِذَا نَهَضَ أَنْ لاَ يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الأَْرْضِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنَ السُّجُودِ عَلَى يَدَيْهِ، مَبْسُوطَتَيْنِ عَلَى الأَْرْضِ؛ لأَِنَّهُ أَبْلَغُ خُشُوعًا وَتَوَاضُعًا، وَأَعْوَنُ لِلْمُصَلِّي، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى نَدْبِ تَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ، وَتَأْخِيرِهِمَا عِنْدَ الْقِيَامِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ (١) . стр. 16799
قَالُوا: وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ لاَ يُقَدِّمُ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ هَوِيِّهِ لِلسُّجُودِ كَمَا يُقَدِّمُهُمَا الْبَعِيرُ عِنْدَ بُرُوكِهِ، وَلاَ يُؤَخِّرُهُمَا فِي الْقِيَامِ كَمَا يُؤَخِّرُهُمَا الْبَعِيرُ فِي قِيَامِهِ (١) .
(ى) هَيْئَةُ السُّجُودِ الْمَسْنُونَةُ:
٧٥ - كَيْفِيَّةُ السُّجُودِ الْمَسْنُونَةُ: أَنْ يَسْجُدَ الْمُصَلِّي عَلَى الأَْعْضَاءِ السَّبْعَةِ: الْجَبْهَةِ مَعَ الأَْنْفِ، وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ - مُمَكِّنًا جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنَ الأَْرْضِ، وَيَنْشُرَ أَصَابِع يَدَيْهِ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ، وَيُفَرِّقَ رُكْبَتَيْهِ، وَيَرْفَعَ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَفَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ، وَيُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَيَسْتَقْبِل بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى الأَْرْكَانِ (٢) .
(ك) التَّشَهُّدُ الأَْوَّل وَقُعُودُهُ:
٧٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى سُنِّيَّةِ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل وَقُعُودِهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَلَمْ يَجْلِسْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْل السَّلاَمِ ثُمَّ سَلَّمَ (٣) стр. 16800
فَدَل عَدَمُ تَدَارُكِهِمَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِهِمَا كَمَا سَبَقَ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ (١) .
(ل) صِيغَةُ التَّشَهُّدِ:
٧٧ - سَبَقَ خِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ؛ فَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ رُكْنٌ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَاجِبٌ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سُنَّةٌ، وَاخْتَلَفُوا - أَيْضًا - فِي صِيغَتِهِ الْمَسْنُونَةِ. (ر: تَشَهُّدٌ) .
(م) الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ (الصَّلاَةُ الإِْبْرَاهِيمِيَّةُ)
٧٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ سُنَّةٌ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلاَفٌ فِي أَنَّ الْمَشْهُورَ: هَل هِيَ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ؟
وَأَفْضَل صِيَغِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هِيَ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى стр. 16801
إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَهِيَ - أَيْضًا - أَفْضَل صِيَغِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَكِنْ بِحَذْفِ (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) الأُْولَى.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ رُكْنٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَقَدْ أَخَذَ الْحَنَابِلَةُ بِصِيغَةِ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (١) ، وَهِيَ أَفْضَل الصِّيَغِ عِنْدَهُمْ. وَلَكِنْ يَتَحَقَّقُ رُكْنُ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْل: (اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ) .
وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِبْدَال آلٍ بِأَهْلٍ؛ لأَِنَّ أَهْل الرَّجُل أَقَارِبُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ، وَآلَهُ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَقَل الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، وَالسُّنَّةُ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى стр. 16802
آل إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الأَْحَادِيثُ بِكُل هَذِهِ الصِّيَغِ (١) .
وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُ تَسْوِيدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُصْطَلَحِ: (تَسْوِيدٌ ف ٧ " ١١ ٣٤٦ ") .
(ن) الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ:
٧٩ - يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَقُل: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ - إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ، أَوْ مَا أَحَبَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو بِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ ثُمَّ لِيَتَخَيَّرَ بَعْدُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ (٢) وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَنْدُوبٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَدْعُو بِالأَْدْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، عَلَى أَنَّهُ لاَ يَنْوِي الْقِرَاءَةَ إِذَا دَعَا بِأَدْعِيَةِ الْقُرْآنِ لِكَرَاهَةِ قِرَاءَةِ стр. 16803
الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ. وَلاَ يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلاَمَ النَّاسِ.
وَالأَْفْضَل الدُّعَاءُ بِالْمَأْثُورِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال لِرَسُول اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي فَقَال: قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ. فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١)
وَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآْخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّال (٢) .
(س) كَيْفِيَّةُ الْجُلُوسِ:
٨٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَيْئَةِ الْجُلُوسِ الْمَسْنُونَةِ فِي الصَّلاَةِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، فَالرَّجُل يُسَنُّ لَهُ الاِفْتِرَاشُ، وَالْمَرْأَةُ يُسَنُّ لَهَا التَّوَرُّكُ. стр. 16804
لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل أَوِ الأَْخِيرِ، أَوِ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ الْمَسْنُونَةَ فِي جَمِيعِ جِلْسَاتِ الصَّلاَةِ هِيَ التَّوَرُّكُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ التَّوَرُّكُ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، وَالاِفْتِرَاشُ فِي بَقِيَّةِ جِلْسَاتِ الصَّلاَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآْخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُْخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَْرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ (١) .
وَالْحِكْمَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الأَْخِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْجِلْسَاتِ: أَنَّ الْمُصَلِّيَ مُسْتَوْفِزٌ فِيهَا لِلْحَرَكَةِ، بِخِلاَفِهِ فِي الأَْخِيرِ، وَالْحَرَكَةُ عَنْ الاِفْتِرَاشِ أَهْوَنُ.
وَالاِفْتِرَاشُ: أَنْ يَنْصِبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى قَائِمَةً عَلَى أَطْرَافِ الأَْصَابِعِ بِحَيْثُ تَكُونُ مُتَوَجِّهَةً نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى стр. 16805
بِحَيْثُ يَلِي ظَهْرُهَا الأَْرْضَ، جَالِسًا عَلَى بَطْنِهَا.
وَالتَّوَرُّكُ: كَالاِفْتِرَاشِ. لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ، وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالأَْرْضِ (١) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ تَوَرُّك (١٤ - ١٤٨) وَمُصْطَلَحَ: جُلُوس ف ١١ - ١٣ (١٥ - ٢٦٧) .
(ع) جِلْسَةُ الاِسْتِرَاحَةِ:
٨١ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جِلْسَةٌ لِلاِسْتِرَاحَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ يَقُومُ مِنْهَا؛ لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْل أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى (٢) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى كَرَاهَةِ فِعْلِهَا تَنْزِيهًا لِمَنْ لَيْسَ بِهِ عُذْرٌ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل الْكَلاَمِ عَلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: جُلُوسٌ ف ١٢ (١٥ ٢٦٦) .
(ف) كَيْفِيَّةُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ أَثْنَاءَ الْجُلُوسِ:
٨٢ - يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي أَثْنَاءَ الْجُلُوسِ أَنْ يَضَعَ следующие страницы →