Полный текст (31 949 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
بِإِجَازَةِ الْقَاضِي الْمُسْتَخْلِفِ صَارَ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَضَى (١)
٣٣ - مَا يَثْبُتُ بِهِ الاِسْتِخْلاَفُ فِي الْقَضَاءِ: كُل لَفْظٍ يُفِيدُ الاِسْتِخْلاَفَ يَصِحُّ بِهِ وَيَنْعَقِدُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي أَلْفَاظِ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ أَمْ لاَ، وَكَذَلِكَ أَيُّ دَلِيلٍ أَوْ قَرِينَةٍ يَثْبُتُ بِهَا الاِسْتِخْلاَفُ يُعْمَل بِهَا وَيُعَوَّل عَلَيْهَا (٢) .
اسْتِدَانَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِدَانَةُ لُغَةً: الاِسْتِقْرَاضُ وَطَلَبُ الدَّيْنِ، أَوْ: صَيْرُورَةُ الشَّخْصِ مَدِينًا، أَوْ: أَخْذُهُ.
وَالْمُدَايَنَةُ: التَّبَايُعُ بِالأَْجَل. وَالْقَرْضُ: هُوَ مَا يُعْطَى مِنَ الْمَال لِيُقْضَى (٣) .
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَتُطْلَقُ الاِسْتِدَانَةُ وَيُرَادُ بِهَا: طَلَبُ أَخْذِ مَالٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَغْل الذِّمَّةِ، سَوَاءٌ стр. 1857
كَانَ عِوَضًا فِي مَبِيعٍ أَوْ سَلَمٍ أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ قَرْضًا، أَوْ ضَمَانَ مُتْلَفٍ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِقْرَاضُ:
٢ - الاِسْتِقْرَاضُ: طَلَبُ الْقَرْضِ، وَكُلٌّ مِنَ الْقَرْضِ وَالدَّيْنِ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.
وَعَلَى هَذَا فَالاِسْتِدَانَةُ أَعَمُّ مِنْ الاِسْتِقْرَاضِ، إِذْ الدَّيْنُ شَامِلٌ عَامٌّ لِلْقَرْضِ وَغَيْرِهِ.
وَفَرَّقَ الْمُرْتَضَى الزُّبَيْدِيُّ بَيْنَ الاِسْتِدَانَةِ وَالاِسْتِقْرَاضِ، بِأَنَّ الاِسْتِدَانَةَ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ إِلَى أَجَلٍ، فِي حِينِ أَنَّ الاِسْتِقْرَاضَ لاَ يَكُونُ إِلَى أَجَلٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَقُولُونَ بِلُزُومِ الأَْجَل فِي الْقَرْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقْرِضِ (ر. أَجَل (١)) .
ب - الاِسْتِلاَفُ:
٣ - الاِسْتِلاَفُ لُغَةً: أَخْذُ السَّلَفِ، وَسَلَفَ فِي كَذَا وَأَسْلَفَ: إِذَا قَدَّمَ الثَّمَنَ فِيهِ. وَالسَّلَفُ كَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ بِلاَ مَنْفَعَةٍ أَيْضًا. يُقَال: أَسْلَفَهُ مَالاً إِذَا أَقْرَضَهُ (٢) .
صِفَةُ الاِسْتِدَانَةِ (حُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ) :
٤ - الأَْصْل فِي الاِسْتِدَانَةِ الإِْبَاحَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ стр. 1858
مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ . (١) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَسْتَدِينُ.
وَقَدْ تَعْتَرِيهَا أَحْكَامٌ أُخْرَى بِحَسَبِ السَّبَبِ الْبَاعِثِ، كَالنَّدْبِ فِي حَال عُسْرِ الْمَدِينِ، وَكَالْوُجُوبِ لِلْمُضْطَرِّ، وَكَالتَّحْرِيمِ فِيمَنْ يَسْتَدِينُ قَاصِدًا الْمُمَاطَلَةَ، أَوْ جَحْدَ الدَّيْنِ (٢) . وَكَالْكَرَاهَةِ إِذَا كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْوَفَاءِ، وَلَيْسَ مُضْطَرًّا وَلاَ قَاصِدًا الْمُمَاطَلَةَ.
صِيغَةُ الاِسْتِدَانَةِ:
٥ - تَكُونُ الاِسْتِدَانَةُ بِكُل مَا يَدُل عَلَى الْتِزَامِ الذِّمَّةِ بِدَيْنٍ، قَرْضًا كَانَ أَوْ سَلَمًا، أَوْ ثَمَنًا لِمَبِيعٍ بِأَجَلٍ وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ فِي مُصْطَلَحِ: (عَقْد) (وَقَرْض) (وَدَيْن (٣)) .
الأَْسْبَابُ الْبَاعِثَةُ عَلَى الاِسْتِدَانَةِ:
أَوَّلاً: الاِسْتِدَانَةُ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى:
٦ - حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةُ، كَالزَّكَاةِ، لاَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ إِلاَّ عَلَى الْغَنِيِّ الْقَادِرِ عَلَيْهَا - وَالْغَنِيُّ فِي كُل تَكْلِيفٍ بِحَسَبِهِ - فَلاَ يُكَلَّفُ بِالاِسْتِدَانَةِ لِيَصِيرَ مُلْزَمًا بِشَيْءٍ مِنْهَا بِالاِتِّفَاقِ (٤) . стр. 1859
أَمَّا مَا شَرَطَ اللَّهُ لِوُجُوبِهِ الاِسْتِطَاعَةَ، كَالْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ لاَ يَرْجُو الْوَفَاءَ فَالاِسْتِدَانَةُ لأَِجْلِهِ مَكْرُوهَةٌ أَوْ حَرَامٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَخِلاَفُ الأَْفْضَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا إِنْ كَانَ يَرْجُو الْوَفَاءَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الأَْفْضَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - يُفْهَمُ مِمَّا فِي الْمُغْنِي - أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ الْحَجُّ بِالاِسْتِدَانَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ (٢) .
فَإِذَا وَجَبَتْ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةُ عَلَى عَبْدٍ حَال غِنَاهُ، ثُمَّ افْتَقَرَ قَبْل أَدَائِهَا، فَهَل يُكَلَّفُ بِالاِسْتِدَانَةِ لأَِدَائِهَا؟ يُفَرِّقُ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقْرِضَ، فَإِنْ كَانَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ إِذَا اسْتَقْرَضَ وَأَدَّى الزَّكَاةَ، وَاجْتَهَدَ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، كَانَ الأَْفْضَل لَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ، فَإِنِ اسْتَقْرَضَ وَأَدَّى وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ حَتَّى مَاتَ، يُرْجَى أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ تَعَالَى دَيْنَهُ فِي الآْخِرَةِ.
وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ إِذَا اسْتَقْرَضَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، كَانَ الأَْفْضَل لَهُ أَلاَّ يَسْتَقْرِضَ، لأَِنَّ خُصُومَةَ صَاحِبِ الدَّيْنِ أَشَدُّ (٣) . وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الاِسْتِقْرَاضُ عَلَى كُل حَالٍ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، فَتَلِفَ الْمَال بَعْدَ وُجُوبِهَا، فَأَمْكَنَهُ أَدَاؤُهَا أَدَّاهَا، وَإِلاَّ أُمْهِل إِلَى مَيْسَرَتِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ عَلَيْهِ وَلاَ عَلَى غَيْرِهِ، قَالُوا: لأَِنَّهُ إِذَا لَزِمَ الإِْنْظَارُ فِي стр. 1860
دَيْنِ الآْدَمِيِّ الْمُعَيَّنِ فَهَذَا أَوْلَى (١) .
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّافِعِيَّةُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ.
ثَانِيًا: الاِسْتِدَانَةُ لأَِدَاءِ حُقُوقِ الْعِبَادِ:
أ - الاِسْتِدَانَةُ لِحَقِّ النَّفْسِ:
٧ - تَجِبُ الاِسْتِدَانَةُ عَلَى الْمُضْطَرِّ لإِِحْيَاءِ نَفْسِهِ؛ لأَِنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى حِفْظِ الْمَال، صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، وَقَوَاعِدُ غَيْرِهِمْ لاَ تَأْبَاهُ؛ لِمَا وَرَدَ فِي الضَّرُورَةِ مِنْ نُصُوصٍ مَعْرُوفَةٍ (٢) .
أَمَّا الاِسْتِدَانَةُ لِسَدِّ حَاجَةٍ مِنَ الْحَاجِيَّاتِ، فَهُوَ جَائِزٌ إِنْ كَانَ يَرْجُو وَفَاءً، وَإِنْ كَانَ الأَْوْلَى لَهُ أَنْ يَصْبِرَ. لِمَا فِي الاِسْتِدَانَةِ مِنَ الْمِنَّةِ، قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ. لاَ بَأْسَ أَنْ يَسْتَدِينَ الرَّجُل إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ لاَ بُدَّ مِنْهَا، وَهُوَ يُرِيدُ قَضَاءَهَا (٣) . وَكَلِمَةُ " لاَ بَأْسَ " إِذَا أَطْلَقَهَا فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَعْنُونَ بِهَا: مَا كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَرْجُو وَفَاءً فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الاِسْتِدَانَةُ، وَالصَّبْرُ وَاجِبٌ؛ لِمَا فِي الاِسْتِدَانَةِ مِنْ تَعْرِيضِ مَال الْغَيْرِ إِلَى الإِْتْلاَفِ (٤) .
أَمَّا الاِسْتِدَانَةُ مِنْ أَجْل غَايَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ، كَمَا إِذَا اسْتَدَانَ لِيُنْفِقَ فِي وَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، مِثْل أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَال مَا يَكْفِيهِ، فَيَتَوَسَّعُ فِي النَّفَقَةِ. وَيَسْتَدِينُ لأَِجْل أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ لاَ يُعْطَى مِنْهَا؛ لأَِنَّ قَصْدَهُ مَذْمُومٌ (٥) . стр. 1861
ب - الاِسْتِدَانَةُ لِحَقِّ الْغَيْرِ .
أَوَّلاً - الاِسْتِدَانَةُ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ:
٨ - لاَ يُلْزَمُ الْمُعْسِرُ بِالاِسْتِدَانَةِ لِقَضَاءِ دَيْنِ غُرَمَائِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) . وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مِنَّةٍ (٢) . وَلأَِنَّ الضَّرَرَ لاَ يُزَال بِمِثْلِهِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَوَاعِدُ غَيْرِهِمْ لاَ تَأْبَاهُ.
ثَانِيًا: الاِسْتِدَانَةُ لِلنَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَةِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا أَمْ مُعْسِرًا، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا، وَلَهُ مَالٌ، أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ جَبْرًا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْحَنَفِيَّةِ يَرَوْنَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ، ثُمَّ يَأْمُرُهَا بِالاِسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ تَسْتَدِينُ مِنْهُ أَوْجَبَ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَةً، أَمَّا إِنْ كَانَ غَائِبًا وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ، فَإِنَّهُ لاَ تُفْرَضُ لَهَا نَفَقَةٌ عَلَيْهِ، خِلاَفًا لِزُفَرَ، وَقَوْلُهُ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لَهَا الاِسْتِدَانَةَ، لَهَا وَلأَِوْلاَدِهَا وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا اسْتَدَانَتْ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَسْقُطُ بِالإِْعْسَارِ إِذَا ثَبَتَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ فَلَهَا أَنْ تَسْتَدِينَ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْهُ جَبْرًا عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ لاَ مَال لَهُ وَهُوَ стр. 1862
قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ، أُجْبِرَ عَلَى التَّكَسُّبِ، وَيَسْتَدِينُ لِلنَّفَقَةِ الْحَاضِرَةِ، أَمَّا إِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الاِسْتِدَانَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَدِنْ كَانَ لَهَا طَلَبُ الْفَسْخِ (١) .
ثَالِثًا: الاِسْتِدَانَةُ لِلإِْنْفَاقِ عَلَى الأَْوْلاَدِ وَالأَْقَارِبِ:
١٠ - نَفَقَةُ الصِّغَارِ مِنَ الأَْوْلاَدِ الْفُقَرَاءِ غَيْرِ الْمُتَكَسِّبِينَ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى الْوَالِدِ دُونَ غَيْرِهِ فِي الأَْصْل، فَإِنِ امْتَنَعَ عَنِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مُوسِرًا، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤْمَرُونَ بِالاِسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: تُؤْمَرُ الأُْمُّ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهَا إِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، وَإِلاَّ أُلْزِمَ بِنَفَقَتِهِمْ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ الأَْبُ مَيِّتًا، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُنْفِقُ عَلَى الأَْبِ إِنْ أَيْسَرَ (٢) . وَإِنْ كَانَ الأَْبُ زَمِنًا اعْتُبِرَ كَالْمَيِّتِ، فَلاَ رُجُوعَ لِلْمُنْفِقِ بَل هُوَ تَبَرُّعٌ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ كَالْحَنَفِيَّةِ فِي حَال الْيَسَارِ، وَيَنُوبُ عَنْ إِذْنِ الْقَاضِي عِنْدَهُمْ إِشْهَادُ الْمُنْفِقِ عَلَى أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى سَبِيل الرُّجُوعِ، أَوْ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ (٣) . أَمَّا إِذَا كَانَ مُعْسِرًا فَيُعْتَبَرُ الإِْنْفَاقُ عَلَى أَوْلاَدِهِ تَبَرُّعًا مِنَ الْمُنْفِقِ، لاَ رُجُوعَ لَهُ وَلَوْ أَيْسَرَ الأَْبُ بَعْدَئِذٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لِلأَْوْلاَدِ الاِسْتِدَانَةُ بِإِذْنِ стр. 1863
الْقَاضِي، وَلاَ رُجُوعَ إِلاَّ إِذَا حَصَل الاِقْتِرَاضُ بِالْفِعْل لِلْمُنْفِقِ الْمَأْذُونِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَدَانُ لِلأَْوْلاَدِ بِإِذْنٍ، لَكِنْ لَوِ اسْتَدَانَتِ الأُْمُّ لَهَا وَلأَِوْلاَدِهَا بِلاَ إِذْنٍ جَازَ تَبَعًا لِلأُْمِّ. أَمَّا الاِسْتِدَانَةُ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ كَبِيرٌ، مَوْطِنُهُ " نَفَقَة (٢) ".
الاِسْتِدَانَةُ لِيَتَمَحَّضَ الْمَال حَلاَلاً:
١١ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجَّ بِمَالٍ حَلاَلٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَفَّرْ لَهُ إِلاَّ مَالٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَأَرَادَ أَنْ يَحُجَّ بِمَالٍ حَلاَلٍ، فَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: يَسْتَدِينُ لِلْحَجِّ، وَيَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ (٣) .
شُرُوطُ صِحَّةِ الاِسْتِدَانَةِ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: عَدَمُ انْتِفَاعِ الدَّائِنِ:
١٢ - إِنَّ انْتِفَاعَ الدَّائِنِ مِنْ عَمَلِيَّةِ الاِسْتِدَانَةِ إِمَّا أَنْ يَتِمَّ بِشَرْطٍ فِي الْعَقْدِ، أَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ، فَإِنْ كَانَ بِشَرْطٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِلاَ خِلاَفٍ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِفَ - أَيِ الدَّائِنَ - إِذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَلِفِ زِيَادَةً أَوْ هَدِيَّةً، فَأَسْلَفَ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ رِبًا، وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: كُل قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا (٤) . وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ السَّنَدِ إِلاَّ стр. 1864
أَنَّهُ صَحِيحٌ مَعْنًى، وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ كُل قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً لِلْمُقْرِضِ. وَلأَِنَّ عَقْدَ الاِسْتِدَانَةِ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ، وَاشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ لِلدَّائِنِ إِخْرَاجٌ لَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلاَ يُلاَئِمُهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ كَثِيرًا مِنَ التَّطْبِيقَاتِ الْعَمَلِيَّةِ عَلَى الْقَرْضِ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا لِلدَّائِنِ (١) . وَمِنْ ذَلِكَ:
أَنْ يَشْتَرِطَ الدَّائِنُ أَنْ يَرُدَّ لَهُ الْمَدِينُ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ، أَوْ أَجْوَدَ مِمَّا أَخَذَ، وَهَذَا هُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ (ر: رِبا) . وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ الدَّائِنِ عَلَى الْمَدِينِ أَنْ يُعْطِيَهُ رَهْنًا بِالدَّيْنِ، أَوْ كَفِيلاً ضَمَانًا لِدَيْنِهِ؛ لأَِنَّ هَذَا شَرْطٌ يُلاَئِمُ الْعَقْدَ كَمَا سَيَأْتِي.
أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي حَصَل عَلَيْهَا الدَّائِنُ مِنَ الْمَدِينِ غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ (٢) . وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَقَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. стр. 1865
وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: ﴿
أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاعْتَل جَمَلِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ ثُمَّ قَال: بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا، قَال: فَقُلْتُ: لاَ، بَل هُوَ لَكَ، قَال: بَل بِعْنِيهِ، قَال: قُلْتُ: لاَ، بَل هُوَ لَكَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: لاَ، بَل بِعْنِيهِ، قَال: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَال: قَدْ أَخَذْتُهُ، فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِبِلاَلٍ: أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزِيَادَةً، قَال: فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزَادَنِي قِيرَاطًا (١) وَهَذِهِ زِيَادَةٌ فِي الْقَدْرِ.
١٣ - أَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ: فَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُول اللَّهِ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ (٢) ، فَرَجَعَ أَبُو رَافِعٍ فَقَال: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا بَعِيرًا رُبَاعِيًّا، فَقَال: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً. (٣)
وَلأَِنَّهُ لَمْ يَجْعَل تِلْكَ الزِّيَادَةَ عِوَضًا عَنِ الْقَرْضِ، وَلاَ وَسِيلَةً إِلَيْهِ، وَلاَ إِلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ.
وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أُبَيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ النَّخَعِيِّ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُقْرِضِ قَبُول هَدِيَّةِ الْمُقْتَرِضِ، وَلاَ الْحُصُول عَلَى стр. 1866
مَا بِهِ الاِنْتِفَاعُ لَهُ، كَرُكُوبِ دَابَّتِهِ، وَشُرْبِ شَيْءٍ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمَا قَبْل الْقَرْضِ، أَوْ حَدَثَ مَا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ؛ لِزَوَاجٍ وَوِلاَدَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) .
قَال الدُّسُوقِيُّ: " وَالْمُعْتَمَدُ جَوَازُ الشُّرْبِ وَالتَّظَلُّل، وَكَذَلِكَ الأَْكْل إِنْ كَانَ لأَِجْل الإِْكْرَامِ لاَ لأَِجْل الدَّيْنِ " لأَِنَّهُ إِنْ أَخَذَ فَضْلاً، أَوْ حَصَل عَلَى مَنْفَعَةٍ يَكُونُ قَدْ تَعَاطَى قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً بِالْفِعْل، فَقَدْ رَوَى الأَْثْرَمُ أَنَّ رَجُلاً كَانَ لَهُ عَلَى، سَمَّاكٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، فَجَعَل يُهْدِي إِلَيْهِ السَّمَكَ وَيُقَوِّمُهُ، حَتَّى بَلَغَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَسَأَل ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَال لَهُ: أَعْطِهِ سَبْعَةَ دَرَاهِمَ.
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ أَسْلَفَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَأَهْدَى إِلَيْهِ أُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ مِنْ ثَمَرَةِ أَرْضِهِ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَأَتَاهُ أُبَيٌّ فَقَال: لَقَدْ عَلِمَ أَهْل الْمَدِينَةِ أَنِّي مِنْ أَطْيَبِهِمْ ثَمَرَةً، وَأَنَّهُ لاَ حَاجَةَ لَنَا، فَبِمَ مَنَعْتَ هَدِيَّتَنَا؟ ثُمَّ أَهْدَى إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَبِل. وَهَذَا يَدُل عَلَى رَدِّهَا عِنْدَ الشُّبْهَةِ، وَقَبُولِهَا عِنْدَ انْتِفَائِهَا.
وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَال: قُلْتُ لأُِبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسِيرَ إِلَى أَرْضِ الْجِهَادِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَال: إِنَّكَ تَأْتِي أَرْضًا فَاشٍ فِيهَا الرِّبَا، فَإِنْ أَقْرَضْتَ رَجُلاً قَرْضًا فَأَتَاكَ بِقَرْضِكَ، وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ، فَاقْبِضْ قَرْضَكَ، وَأَرْدُدْ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ (٢) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: عَدَمُ انْضِمَامِ عَقْدٍ آخَرَ:
١٤ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِسْتِدَانَةِ أَلاَّ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا عَقْدٌ стр. 1867
آخَرُ، سَوَاءٌ اشْتُرِطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الاِسْتِدَانَةِ، أَمْ تَمَّ التَّوَافُقُ عَلَيْهِ خَارِجَهُ، كَأَنْ يُؤَجِّرَ الْمُسْتَقْرِضُ دَارَهُ لِلْمُقْرِضِ (١) ، أَوْ يَسْتَأْجِرَ الْمُسْتَقْرِضُ دَارَ الْمُقْرِضِ، لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ. (٢)
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا) .
الاِسْتِدَانَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَلِبَيْتِ الْمَال، وَنَحْوِهِ، كَالْوَقْفِ:
١٥ - الأَْصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ الاِسْتِدَانَةَ لِبَيْتِ الْمَال، أَوْ مِنْهُ جَائِزَةٌ شَرْعًا.
أَمَّا الاِسْتِدَانَةُ مِنْهُ: فَلِمَا وَرَدَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَقْرَضَ مِنْ بَيْتِ الْمَال سَبْعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، فَمَاتَ وَهِيَ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى أَنْ تُقْضَى عَنْهُ.
وَقَال عُمَرُ: إِنِّي أَنْزَلْتُ مَال اللَّهِ مِنِّي مَنْزِلَةَ مَال الْيَتِيمِ، إِنِ احْتَجْتُ إِلَيْهِ أَخَذْتُ مِنْهُ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ.
أَمَّا الاِسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ: فَلِمَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِبِل الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ. (٣) . . الْحَدِيثَ. فَهَذِهِ اسْتِدَانَةٌ عَلَى стр. 1868
بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّ الرَّدَّ كَانَ مِنْ مَال الصَّدَقَةِ، وَكُل هَذَا يُرَاعَى فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ، وَالْحَيْطَةُ الشَّدِيدَةُ فِي تَوْثِيقِ الدَّيْنِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ.
وَيُشْتَرَطُ لِذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْوَقْفِ - وَبَيْتِ الْمَال مِثْلُهُ - أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ، وَأَنْ يَكُونَ الإِْقْرَاضُ لِمَلِيءٍ مُؤْتَمَنٍ، وَأَلاَّ يُوجَدَ مَنْ يَقْبَل الْمَال مُضَارَبَةً، وَأَلاَّ يُوجَدَ مُسْتَغَلاَّتٌ تُشْتَرَى بِذَلِكَ الْمَال.
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَقْفِ بِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِشَرْطِ الْوَاقِفِ عَنْ إِذْنِ الْقَاضِي. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَال الْيَتِيمِ وَمَال الْغَائِبِ وَاللُّقَطَةِ (١) . وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (قَرْض) (وَدَيْن) .
آثَارُ الاِسْتِدَانَةِ:
أ - ثُبُوتُ الْمِلْكِ:
١٦ - يَمْلِكُ الْمُسْتَدِينُ الْمَحَل الْمُقَابِل لِلدَّيْنِ بِالْعَقْدِ نَفْسِهِ إِلاَّ فِي الْقَرْضِ، فَفِيهِ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ هِيَ: أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ، أَوْ بِالْقَبْضِ، أَوْ بِالاِسْتِهْلاَكِ (٢) ، عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (قَرْض) .
ب - حَقُّ الْمُطَالَبَةِ، وَحَقُّ الاِسْتِيفَاءِ:
١٧ - مِنْ آثَارِ الاِسْتِدَانَةِ وُجُوبُ الْوَفَاءِ عَلَى الْمُسْتَدِينِ عِنْدَ حُلُول الأَْجَل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : مَطْل الْغَنِيِّ стр. 1869
ظُلْمٌ. (١) وَنَدْبُ الإِْحْسَانِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَوُجُوبُ إِنْظَارِ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ إِلَى حِينِ الْمَيْسَرَةِ بِالاِتِّفَاقِ (٢) .
وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) وَأَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الدُّيُونِ كُلِّهَا وَلَيْسَتْ خَاصَّةً بِالرِّبَا.
ج - حَقُّ الْمَنْعِ مِنَ السَّفَرِ:
١٨ - لِلدَّائِنِ فِي الْجُمْلَةِ حَقُّ مَنْعِ الْمَدِينِ مِنَ السَّفَرِ فِي الدَّيْنِ الْحَال، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدِينِ مَالٌ حَاضِرٌ يُمْكِنُهُ الاِسْتِيفَاءُ مِنْهُ، أَوْ كَفِيلٌ، أَوْ رَهْنٌ. وَإِنَّمَا ثَبَتَ هَذَا الْحَقُّ لأَِنَّ سَفَرَ الْمَدِينِ قَدْ يُفَوِّتُ عَلَى الدَّائِنِ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ وَالْمُلاَزَمَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ تَبَعًا لِنَوْعِ الدَّيْنِ، وَالأَْجَل، وَالسَّفَرِ، وَالْمَدِينِ. (ر: دَيْن (٤))
د - حَقُّ مُلاَزَمَةِ الْمَدِينِ:
١٩ - مِنْ حَقِّ الدَّائِنِ أَنْ يُلاَزِمَ الْمَدِينَ - عَلَى تَفْصِيلٍ فِي هَذِهِ الْمُلاَزَمَةِ - إِلاَّ إِذَا كَانَ الدَّائِنُ رَجُلاً وَالْمَدِينُ امْرَأَةً؛ لِمَا فِي مُلاَزَمَتِهَا مِنَ الإِْفْضَاءِ إِلَى الْخَلْوَةِ بِالأَْجْنَبِيَّةِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لِلدَّائِنِ أَنْ يَبْعَثَ بِالْمَرْأَةِ تَنُوبُ عَنْهُ فِي مُلاَزَمَتِهَا، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ (٥) . стр. 1870
هـ - طَلَبُ الإِْجْبَارِ عَلَى الْوَفَاءِ:
٢٠ - يَلْزَمُ الْمَدِينَ وَفَاءُ دَيْنِهِ مَا دَامَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنِ امْتَنَعَ وَكَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ مِثْلِيًّا وَعِنْدَهُ مِثْلُهُ، قَضَى الْقَاضِي الدَّيْنَ مِمَّا عِنْدَهُ جَبْرًا عَنْهُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِثْلِيًّا، وَمَا عِنْدَهُ قِيَمِيٌّ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ) إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَبِيعُ مَا عِنْدَ الْمَدِينِ جَبْرًا عَنْهُ - عَدَا حَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ - وَيَقْضِي دَيْنَهُ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى الْبَيْعِ، وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الدَّيْنَ (١) .
و الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ:
٢١ - الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ أَجَازَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَمَنَعَهُ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ سَيَأْتِي فِي (حَجْر) (وَإِفْلاَس) .
ز - حَبْسُ الْمَدِينِ:
٢٢ - لِلدَّائِنِ أَنْ يَطْلُبَ حَبْسَ الْمَدِينِ الْغَنِيِّ الْمُمْتَنِعِ عَنِ الْوَفَاءِ (٢) .
اخْتِلاَفُ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ:
٢٣ - إِذَا اخْتَلَفَ الدَّائِنُ وَالْمَدِينُ وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَالْقَوْل قَوْل الْمَدِينِ مَعَ يَمِينِهِ فِي الصِّفَةِ، وَالْقَدْرِ، стр. 1871
وَالْيَسَارِ. وَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الدَّائِنِ فِي الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَكَانُهُ مَبْحَثُ (دَعْوَى) .
اسْتِدْرَاكٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِدْرَاكُ لُغَةً: اسْتِفْعَالٌ مِنْ (دَرَكَ) . وَالدَّرْكُ الدَّرَكُ: اللَّحَاقُ وَالْبُلُوغُ. يُقَال: أَدْرَكَ الشَّيْءُ إِذَا بَلَغَ وَقْتُهُ وَانْتَهَى، وَعِشْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُ زَمَانَهُ.
وَلِلاِسْتِدْرَاكِ فِي اللُّغَةِ اسْتِعْمَالاَنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَسْتَدْرِكَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، إِذَا حَاوَل اللَّحَاقَ بِهِ، يُقَال: اسْتَدْرَكَ النَّجَاةَ بِالْفِرَارِ.
وَالثَّانِي: فِي مِثْل قَوْلِهِمْ: اسْتَدْرَكَ الرَّأْيَ وَالأَْمْرَ، إِذَا تَلاَفَى مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ أَوِ النَّقْصِ (١) .
وَلِلاِسْتِدْرَاكِ فِي الاِصْطِلاَحِ مَعْنَيَانِ:
الأَْوَّل. وَهُوَ لِلأُْصُولِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ: رَفْعُ مَا يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ مِنْ كَلاَمٍ سَابِقٍ. أَوْ إِثْبَاتُ مَا يُتَوَهَّمُ نَفْيُهُ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ: (بِاسْتِعْمَال أَدَاةِ الاِسْتِدْرَاكِ وَهِيَ لَكِنَّ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ أَدَوَاتِ الاِسْتِثْنَاءِ) .
الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَرِدُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ كَثِيرًا وَهُوَ: إِصْلاَحُ مَا حَصَل فِي الْقَوْل أَوِ الْعَمَل مِنْ خَلَلٍ أَوْ قُصُورٍ أَوْ فَوَاتٍ. وَمِنْهُ عِنْدَهُمْ: اسْتِدْرَاكُ نَقْصِ стр. 1872
الصَّلاَةِ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَاسْتِدْرَاكُ الصَّلاَةِ إِذَا بَطَلَتْ بِإِعَادَتِهَا، وَاسْتِدْرَاكُ الصَّلاَةِ الْمَنْسِيَّةِ بِقَضَائِهَا، وَالاِسْتِدْرَاكُ بِإِبْطَال خَطَأِ الْقَوْل وَإِثْبَاتِ صَوَابِهِ.
وَيُخَصُّ الاِسْتِدْرَاكُ الَّذِي بِمَعْنَى فِعْل الشَّيْءِ الْمَتْرُوكِ بَعْدَ مَحِلِّهِ بِعِنْوَانِ " التَّدَارُكُ " سَوَاءٌ تُرِكَ سَهْوًا أَوْ تُرِكَ عَمْدًا. كَقَوْل الرَّمْلِيِّ: " إِذَا سَلَّمَ الإِْمَامُ مِنْ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ بَاقِيَ التَّكْبِيرَاتِ بِأَذْكَارِهَا (١) " وَقَوْلُهُ: " لَوْ نَسِيَ تَكْبِيرَاتِ صَلاَةِ الْعِيدِ فَتَذَّكَّرَهَا - وَقَدْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ - فَاتَتْ فَلاَ يَتَدَارَكُهَا (٢) ".
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْضْرَابُ:
٢ - وَهُوَ لُغَةً: الإِْعْرَاضُ عَنِ الشَّيْءِ وَالْكَفُّ عَنْهُ، بَعْدَ الإِْقْبَال عَلَيْهِ (٣) .
وَفِي اصْطِلاَحِ النَّحْوِيِّينَ قَدْ يَلْتَبِسُ بِالاِسْتِدْرَاكِ " بِالْمَعْنَى الأَْوَّل " فَالإِْضْرَابُ: إِبْطَال الْحُكْمِ السَّابِقِ بِبَل، أَوْ نَحْوِهَا مِنَ الأَْدَوَاتِ الْمَوْضُوعَةِ لِذَلِكَ، أَوْ بِبَدَل الإِْضْرَابِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِسْتِدْرَاكِ، أَنَّكَ فِي الاِسْتِدْرَاكِ لاَ تُبْطِل الْحُكْمَ السَّابِقَ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ لَكِنَّ أَخَاهُ لَمْ يَأْتِ، فَإِثْبَاتُ الْمَجِيءِ لِزَيْدٍ لَمْ يُلْغَ، بَل نَفْيُ الْمَجِيءِ عَنْ أَخِيهِ، وَفِي الإِْضْرَابِ تُبْطِل الْحُكْمَ السَّابِقَ، فَإِذَا قُلْتَ: جَاءَ زَيْدٌ، ثُمَّ ظَهَرَ لَكَ أَنَّكَ غَلِطْتَ فِيهِ فَقُلْتَ: بَل عَمْرٌو أَبْطَلْتَ стр. 1873
حُكْمَكَ الأَْوَّل بِإِثْبَاتِ الْمَجِيءِ لِزَيْدٍ، وَجَعَلْتَهُ فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
الاِسْتِثْنَاءُ:
٣ - حَقِيقَةُ الاِسْتِثْنَاءِ: إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا دَخَل فِي الْكَلاَمِ السَّابِقِ بِإِلاَّ، أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا. وَمِنْ هُنَا كَانَ الاِسْتِثْنَاءُ مِعْيَارَ الْعُمُومِ. أَمَّا الاِسْتِدْرَاكُ فَهُوَ إِثْبَاتُ نَقِيضِ الْحُكْمِ السَّابِقِ لِمَا يُتَوَهَّمُ انْطِبَاقُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ. فَالْفَرْقُ أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ لِلدَّاخِل فِي الأَْوَّل، وَأَنَّ الاِسْتِدْرَاكَ لِمَا لَمْ يَدْخُل فِي الأَْوَّل، وَلَكِنْ تُوُهِّمَ دُخُولُهُ، أَوْ سَرَيَانُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
وَلأَِجْل هَذَا التَّقَارُبِ تُسْتَعْمَل أَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ مَجَازًا فِي الاِسْتِدْرَاكِ. وَهُوَ مَا يُسَمَّى فِي عُرْفِ النُّحَاةِ: الاِسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ، وَحَقِيقَتُهُ الاِسْتِدْرَاكُ (ر: اسْتِثْنَاء) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ (١) ﴾ كَمَا يَجُوزُ اسْتِعْمَال لَكِنْ - مِثْل غَيْرِهَا مِمَّا يُؤَدِّي مُؤَدَّاهَا - فِي الاِسْتِثْنَاءِ بِالْمَعْنَى، إِذْ الاِسْتِثْنَاءُ بِالْمَعْنَى لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ مُحَدَّدَةٌ، كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَ الْقَوْمُ لَكِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ.
الْقَضَاءُ:
٤ - الْمُرَادُ بِهِ هُنَا: فِعْل الْعِبَادَةِ إِذَا خَرَجَ وَقْتُهَا الْمُقَدَّرُ لَهَا شَرْعًا قَبْل فِعْلِهَا صَحِيحَةً، سَوَاءٌ أَتُرِكَتْ عَمْدًا أَمْ سَهْوًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمُكَلَّفُ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ، كَالْمُسَافِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْمِ. أَمْ لَمْ يَتَمَكَّنْ (٢) ، كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلاَةِ. أَمَّا الاِسْتِدْرَاكُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقَضَاءِ، إِذْ أَنَّهُ يَشْمَل стр. 1874
تَلاَفِيَ النَّقْصِ بِكُل وَسِيلَةٍ مَشْرُوعَةٍ، وَمِنْهُ قَوْل صَاحِبِ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ وَشَارِحِهِ: " الْقَضَاءُ فِعْل الْوَاجِبِ بَعْدَ وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ (١) " فَجَعَل الْقَضَاءَ اسْتِدْرَاكًا.
الإِْعَادَةُ:
٥ - هِيَ: فِعْل الْعِبَادَةِ ثَانِيًا فِي الْوَقْتِ لِخَلَلٍ وَاقِعٍ فِي الْفِعْل الأَْوَّل (٢)
وَالاِسْتِدْرَاكُ أَعَمُّ مِنَ الإِْعَادَةِ كَذَلِكَ.
التَّدَارُكُ:
٦ - لَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ عَرَّفَ التَّدَارُكَ، وَلَكِنَّهُ دَائِرٌ فِي كَلاَمِهِمْ كَثِيرًا، وَيَعْنُونَ بِهِ فِي الأَْفْعَال: فِعْل الْعِبَادَةِ أَوْ فِعْل جُزْئِهَا إِذَا تَرَكَ الْمُكَلَّفُ فِعْل ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا مَا لَمْ يَفُتْ. كَمَا فِي قَوْل صَاحِبِ كَشَّافِ الْقِنَاعِ (٣) : " لَوْ دُفِنَ الْمَيِّتُ قَبْل الْغُسْل وَقَدْ أَمْكَنَ غُسْلُهُ لَزِمَ نَبْشُهُ، وَأَنْ يُخْرَجَ وَيُغَسَّل تَدَارُكًا لِوَاجِبِ غُسْلِهِ ".
وَقَدْ يَقَعُ الْغَلَطُ فِي الأَْقْوَال فَيَحْتَاجُ الإِْنْسَانُ إِلَى تَدَارُكِهِ، بِأَنْ يُبْطِلَهُ وَيُثْبِتَ الصَّوَابَ، وَلِذَلِكَ طُرُقٌ مِنْهَا: بَدَل الْغَلَطِ، وَمِنْهَا " بَل " فِي الإِْيجَابِ وَالأَْمْرِ. وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّدَارُكَ بِبَل بِكَوْنِ الإِْخْبَارِ الأَْوَّل أَوْلَى مِنْهُ الإِْخْبَارُ الثَّانِي، فَيَعْرِضُ عَنِ الأَْوَّل إِلَى الثَّانِي، لاَ أَنَّهُ إِبْطَال الأَْوَّل وَإِثْبَاتُ الثَّانِي (٤) . стр. 1875
الإِْصْلاَحُ:
٧ - وَهُوَ اصْطِلاَحٌ لِلْمَالِكِيَّةِ ذَكَرُوهُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: قَوْل الدَّرْدِيرِ " مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الشَّكُّ فَلاَ إِصْلاَحَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَصْلَحَ بِأَنْ أَتَى بِمَا شَكَّ فِيهِ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ (١) " (فَهُوَ بِمَعْنَى التَّدَارُكِ) .
الاِسْتِئْنَافُ:
٨ - اسْتِئْنَافُ الْعَمَل: ابْتِدَاؤُهُ، أَيْ فِعْلُهُ مُرَّةً أُخْرَى إِذَا نُقِضَ الْفِعْل الأَْوَّل قَبْل تَمَامِهِ. فَاسْتِئْنَافُ الصَّلاَةِ تَجْدِيدُ التَّحْرِيمَةِ بَعْدَ إِبْطَال التَّحْرِيمَةِ الأُْولَى، وَبِهَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ فِي قَوْلِهِمْ: " الْمُصَلِّي إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى صَلاَتِهِ، أَوْ يَسْتَأْنِفُ، وَالاِسْتِئْنَافُ أَوْلَى (٢) "
وَكَاسْتِئْنَافِ الأَْذَانِ إِذَا قَطَعَهُ بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ، وَاسْتِئْنَافِ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إِذَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ.
فَالاِسْتِئْنَافُ عَلَى هَذَا طَرِيقَةٌ مِنْ طُرُقِ الاِسْتِدْرَاكِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِئْنَاف) .
هَذَا وَبِسَبَبِ اسْتِعْمَال هَذَا الْمُصْطَلَحِ " الاِسْتِدْرَاكُ " بِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الاِسْتِدْرَاكُ الْقَوْلِيُّ بِأَدَاةِ الاِسْتِدْرَاكِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَالآْخَرُ: الاِسْتِدْرَاكُ بِإِصْلاَحِ الْخَلَل فِي الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال، يَنْقَسِمُ الْبَحْثُ قِسْمَيْنِ تَبَعًا لِذَلِكَ. стр. 1876
الْقِسْمُ الأَْوَّل
الاِسْتِدْرَاكُ الْقَوْلِيُّ بِ " لَكِنَّ " وَأَخَوَاتِهَا
صِيَغُ الاِسْتِدْرَاكِ:
هِيَ: لَكِنَّ (مُشَدَّدَةٌ) وَلَكِنْ (مُخَفَّفَةٌ) وَبَل وَعَلَى، وَأَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ.
٩ - أ - لَكِنَّ: وَهِيَ أُمُّ الْبَابِ. وَهِيَ الْمَوْضُوعَةُ لَهُ (١) .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِعْمَال " لَكِنَّ " وَمَا فِي مَعْنَاهَا لِلاِسْتِدْرَاكِ: الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ مَا قَبْل (لَكِنَّ) وَمَا بَعْدَهَا بِالإِْيجَابِ وَالسَّلْبِ لَفْظًا، نَحْوُ مَا جَاءَ زَيْدٌ لَكِنَّ أَخَاهُ جَاءَ.
وَلَوْ كَانَ الاِخْتِلاَفُ مَعْنَوِيًّا جَازَ أَيْضًا (٢) . كَقَوْل الْقَائِل: عَلِيٌّ حَاضِرٌ لَكِنَّ أَخَاهُ مُسَافِرٌ، أَيْ لَيْسَ بِحَاضِرٍ.
ب - لَكِنْ:
" بِسُكُونِ النُّونِ " فَهِيَ فِي الأَْصْل مُخَفَّفَةٌ مِنْ " لَكِنَّ "، وَتَكُونُ عَلَى حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الأَْغْلَبُ أَنْ تَكُونَ ابْتِدَائِيَّةً فَتَلِيهَا جُمْلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٣)
وَالْحَال الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً، وَيُشْتَرَطُ لِذَلِكَ: أَنْ يَسْبِقَهَا نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ، وَأَنْ يَلِيَهَا مُفْرَدٌ، وَأَلاَّ تَدْخُل عَلَيْهَا الْوَاوُ مِثْل: مَا جَاءَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو. стр. 1877
وَلاَ تَخْلُو فِي كِلاَ الْحَالَيْنِ مِنْ مَعْنَى الاِسْتِدْرَاكِ، فَتُقَرِّرُ حُكْمَ مَا قَ بْلَ هَا، وَتُثْبِتُ نَقِيضَهُ لِمَا بَعْدَهَا (١) .
ج - بَل:
إِذَا سَبَقَهَا نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ تَكُونُ حَرْفَ اسْتِدْرَاكٍ (٢) مِثْل (لَكِنْ) تُقَرِّرُ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا، وَتُثْبِتُ نَقِيضَهُ لِمَا بَعْدَهَا.
فَإِنْ وَقَعَتْ بَعْدَ إِيجَابٍ أَوْ أَمْرٍ لَمْ تُفِدْ ذَلِكَ، بَل تُفِيدُ الإِْضْرَابَ عَنِ الأَْوَّل، حَتَّى كَأَنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَتَنْقُل حُكْمَهُ لِمَا بَعْدَهَا، كَقَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ بَل عَمْرٌو، وَهَذَا مَا يُسَمَّى بِالإِْضْرَابِ الإِْبْطَالِيِّ. قَال السَّعْدُ: " أَيْ إِنَّ الإِْخْبَارَ عَنْهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ. وَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ " لاَ " صَارَ نَصًّا فِي نَفْيِ الأَْوَّل ".
وَلِذَا لاَ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ وَلاَ فِي السُّنَّةِ، إِلاَّ عَلَى سَبِيل الْحِكَايَةِ.
وَقَدْ تَكُونُ لِلإِْضْرَابِ الاِنْتِقَالِيِّ، أَيْ مِنْ غَرَضٍ إِلَى آخَرَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَل تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ . (٣) стр. 1878
د - عَلَى:
تُسْتَعْمَل لِلاِسْتِدْرَاكِ، كَمَا فِي قَوْل الشَّاعِرِ:
بِكُلٍّ تَدَاوَيْنَا فَلَمْ يَشْفِ مَا بِنَا
عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ
عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ لَيْسَ بِنَافِعٍ
إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوَاهُ لَيْسَ بِذِي وُدِّ (١) .
هـ - أَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ:
قَدْ تُسْتَخْدَمُ أَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ فِي الاِسْتِدْرَاكِ، فَيَقُولُونَ: زَيْدٌ غَنِيٌّ غَيْرَ أَنَّهُ بَخِيلٌ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَال لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ وَهَذَا مَا يُسَمَّى الاِسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ (ر: اسْتِثْنَاء) ، فَيُسْتَعْمَل فِي ذَلِكَ (إِلاَّ وَغَيْرُ) ، وَيُسْتَعْمَل فِيهِ أَيْضًا (سِوَى) عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ (٢) .
شُرُوطُ الاِسْتِدْرَاكِ:
١٠ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِسْتِدْرَاكِ شُرُوطٌ، وَهِيَ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل:
اتِّصَالُهُ بِمَا قَبْلَهُ وَلَوْ حُكْمًا. فَلاَ يَضُرُّ انْفِصَالُهُ بِمَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْكَلاَمِ الأَْوَّل، أَوْ بِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ، كَتَنَفُّسٍ وَسُعَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَْوَّل سُكُوتٌ يُمْكِنُهُ الْكَلاَمُ فِيهِ، أَوْ كَلاَمٌ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْمَوْضُوعِ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْكَلاَمِ الأَْوَّل، وَبَطَل الاِسْتِدْرَاكُ.
فَلَوْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِثَوْبٍ، فَقَال زَيْدٌ: مَا كَانَ لِي قَطُّ، لَكِنْ لِعَمْرٍو، فَإِنْ وَصَل فَلِعَمْرٍو، وَإِنْ فَصَل стр. 1879
فَلِلْمُقِرِّ، لأَِنَّ النَّفْيَ يَحْتَمِل أَمْرَيْنِ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ تَكْذِيبًا لِلْمُقِرِّ وَرَدًّا لإِِقْرَارِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْكَلاَمِ، فَيَكُونُ النَّفْيُ رَدًّا إِلَى الْمُقِرِّ. وَيَحْتَمِل أَلاَّ يَكُونَ تَكْذِيبًا، إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ مَعْرُوفًا بِكَوْنِهِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ وَقَعَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ فَأَقَرَّ بِهِ لِزَيْدٍ، فَقَال زَيْدٌ: الثَّوْبُ مَعْرُوفٌ بِكَوْنِهِ لِي، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِعَمْرٍو، فَقَوْلُهُ: " لَكِنَّهُ لِعَمْرٍو " بَيَانُ تَغْيِيرٍ لِذَلِكَ النَّفْيِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الاِتِّصَال؛ لأَِنَّ بَيَانَ التَّغْيِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ مَوْصُولاً، وَلاَ يَصِحُّ مُتَرَاخِيًا، فَإِنْ وَصَل يَثْبُتُ النَّفْيُ عَنْ زَيْدٍ وَالإِْثْبَاتُ لِعَمْرٍو مَعًا، إِذْ صَدْرُ الْكَلاَمِ مَوْقُوفٌ عَلَى آخِرِهِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُمَا مَعًا.
وَلَوْ فَصَل يَصِيرُ النَّفْيُ رَدًّا لِلإِْقْرَارِ. ثُمَّ لاَ تَثْبُتُ الْمِلْكِيَّةُ لِعَمْرٍو بِمُجَرَّدِ إِخْبَارِهِ بِذَلِكَ (١) .
الشَّرْطُ الثَّانِي:
اتِّسَاقُ الْكَلاَمِ أَيِ انْتِظَامُهُ وَارْتِبَاطُهُ. وَالْمُرَادُ أَنْ يَصْلُحَ لِلاِسْتِدْرَاكِ، بِأَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ السَّابِقُ لِلأَْدَاةِ بِحَيْثُ يَفْهَمُ مِنْهُ الْمُخَاطَبُ عَكْسَ الْكَلاَمِ اللاَّحِقِ لَهَا، أَوْ يَكُونُ فِيمَا بَعْدَ الأَْدَاةِ تَدَارُكٌ لِمَا فَاتَ مِنْ مَضْمُونِ الْكَلاَمِ. نَحْوُ: مَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو، بِخِلاَفِ نَحْوِ: مَا جَاءَ زَيْدٌ لَكِنْ رَكِبَ الأَْمِيرُ، وَفَسَّرَ صَاحِبُ الْمَنَارِ الاِتِّسَاقَ: بِكَوْنِ مَحَل النَّفْيِ غَيْرَ مَحَل الإِْثْبَاتِ (٢) ، لِيُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلاَ يُنَاقِضُ آخِرُ الْكَلاَمِ أَوَّلَهُ، ثُمَّ إِنِ اتَّسَقَ الْكَلاَمُ فَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ كَلاَمٌ مُسْتَأْنَفٌ. وَمَثَّل فِي стр. 1880
التَّوْضِيحِ لِلْمُتَّسَقِ مِنْ الاِسْتِدْرَاكِ بِمَا لَوْ قَال الْمُقِرُّ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ قَرْضٌ، فَقَال لَهُ الْمُقَرُّ لَهُ: لاَ، لَكِنْ غَصْبٌ. الْكَلاَمُ مُتَّسِقٌ فَصَحَّ الْوَصْل عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ لِسَبَبِ الْحَقِّ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُقَرِّ بِهِ عَنْ قَرْضٍ، لاَ نَفْيٍ لِلْوَاجِبِ وَهُوَ الأَْلْفُ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: " لاَ " لاَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْوَاجِبِ؛ لأَِنَّ حَمْلَهُ عَلَى نَفْيِ الْوَاجِبِ لاَ يَسْتَقِيمُ مَعَ قَوْلِهِ: " لَكِنْ غَصْبٌ " وَلاَ يَكُونُ الْكَلاَمُ مُتَّسِقًا مُرْتَبِطًا. فَلَمَّا نَفَى كَوْنَهُ قَرْضًا تَدَارَكَ بِكَوْنِهِ غَصْبًا، فَصَارَ الْكَلاَمُ مُرْتَبِطًا، وَلاَ يَكُونُ رَدًّا لإِِقْرَارِهِ بَل يَكُونُ لِمُجَرَّدِ نَفْيِ السَّبَبِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الاِسْتِئْنَافِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا إِذَا تَزَوَّجَتِ الصَّغِيرَةُ الْمُمَيِّزَةُ مِنْ كُفْءٍ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا بِمِائَةٍ، فَقَال الْوَلِيُّ: لاَ أُجِيزُ النِّكَاحَ لَكِنْ أُجِيزُهُ بِمِائَتَيْنِ. قَالُوا: يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ، وَيَجْعَل " لَكِنْ " وَمَا بَعْدَهَا كَلاَمًا مُبْتَدَأً؛ لأَِنَّهُ لَمَّا قَال: " لاَ أُجِيزُ النِّكَاحَ " انْفَسَخَ النِّكَاحُ الأَْوَّل، فَإِنَّ النَّفْيَ انْصَرَفَ إِلَى أَصْل النِّكَاحِ، فَلاَ يُمْكِنُ إِثْبَاتُ ذَلِكَ النِّكَاحِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمِائَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ نَفْيُ النِّكَاحِ وَإِثْبَاتُهُ بِعَيْنِهِ، فَيَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرَ مُتَّسِقٍ، فَيُحْمَل " لَكِنْ بِمِائَتَيْنِ " عَلَى أَنَّهُ كَلاَمٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَيَكُونُ إِجَازَةً لِنِكَاحٍ آخَرَ، الْمَهْرُ فِيهِ مِائَتَانِ. وَإِنَّمَا يَكُونُ كَلاَمُهُ مُتَّسِقًا لَوْ قَال بَدَل ذَلِكَ: لاَ أُجِيزُ هَذَا النِّكَاحَ بِمِائَةٍ لَكِنْ أُجِيزُهُ بِمِائَتَيْنِ؛ لأَِنَّ النَّفْيَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْقَيْدِ وَهُوَ كَوْنُهُ بِمِائَةٍ، لاَ إِلَى أَصْل النِّكَاحِ، فَيَكُونُ الاِسْتِدْرَاكُ فِي الْمَهْرِ لاَ فِي أَصْل النِّكَاحِ. وَبِذَلِكَ لاَ يَكُونُ قَوْلُهُ إِبْطَالاً لِلنِّكَاحِ، فَلاَ يَنْفَسِخُ بِهِ. (١) وَفِي стр. 1881
د - عَلَى:
تُسْتَعْمَل لِلاِسْتِدْرَاكِ، كَمَا فِي قَوْل الشَّاعِرِ:
بِكُلٍّ تَدَاوَيْنَا فَلَمْ يَشْفِ مَا بِنَا
عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ
عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ لَيْسَ بِنَافِعٍ
إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوَاهُ لَيْسَ بِذِي وُدِّ (١) .
هـ - أَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ:
قَدْ تُسْتَخْدَمُ أَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ فِي الاِسْتِدْرَاكِ، فَيَقُولُونَ: زَيْدٌ غَنِيٌّ غَيْرَ أَنَّهُ بَخِيلٌ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَال لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ وَهَذَا مَا يُسَمَّى الاِسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ (ر: اسْتِثْنَاء) ، فَيُسْتَعْمَل فِي ذَلِكَ (إِلاَّ وَغَيْرُ) ، وَيُسْتَعْمَل فِيهِ أَيْضًا (سِوَى) عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ (٢) .
شُرُوطُ الاِسْتِدْرَاكِ:
١٠ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِسْتِدْرَاكِ شُرُوطٌ، وَهِيَ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل:
اتِّصَالُهُ بِمَا قَبْلَهُ وَلَوْ حُكْمًا. فَلاَ يَضُرُّ انْفِصَالُهُ بِمَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْكَلاَمِ الأَْوَّل، أَوْ بِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ، كَتَنَفُّسٍ وَسُعَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَْوَّل سُكُوتٌ يُمْكِنُهُ الْكَلاَمُ فِيهِ، أَوْ كَلاَمٌ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْمَوْضُوعِ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْكَلاَمِ الأَْوَّل، وَبَطَل الاِسْتِدْرَاكُ.
فَلَوْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِثَوْبٍ، فَقَال زَيْدٌ: مَا كَانَ لِي قَطُّ، لَكِنْ لِعَمْرٍو، فَإِنْ وَصَل فَلِعَمْرٍو، وَإِنْ فَصَل стр. 1882
أَوَّلاً:
الاِسْتِدْرَاكُ بِمَعْنَى تَلاَفِي النَّقْصِ
عَنِ الأَْوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ
:
١٢ - هَذَا النَّقْصُ يَقَعُ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَهَا أَوْضَاعٌ شَرْعِيَّةٌ مُقَرَّرَةٌ، كَالْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ، فَإِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَرْكَانًا وَسُنَنًا وَهَيْئَاتٍ، تُفْعَل بِتَرْتِيبَاتٍ مُعَيَّنَةٍ. ثُمَّ قَدْ يَتْرُكُ الْمُكَلَّفُ فِعْل شَيْءٍ مِنْهَا فِي مَحَلِّهِ لِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ الْخَارِجَةِ عَنْ إِرَادَتِهِ، كَالْمَسْبُوقِ فِي الصَّلاَةِ أَوِ النَّاسِي أَوِ الْمُكْرَهِ، وَقَدْ يَتْرُكُ ذَلِكَ عَمْدًا، وَقَدْ يَفْعَل الْمُكَلَّفُ الْفِعْل عَمْدًا عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، أَوْ يَقَعُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِرَادَتِهِ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعِبَادَةِ أَوْ صِحَّةَ جُزْءٍ مِنْهَا.
وَالشَّرِيعَةُ قَدْ أَتَاحَتِ الْفُرْصَةَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصُّوَرِ لاِسْتِدْرَاكِ النَّقْصِ الْحَاصِل فِي الْعَمَل.
وَسَائِل اسْتِدْرَاكِ النَّقْصِ فِي الْعِبَادَةِ:
١٣ - لاِسْتِدْرَاكِ النَّقْصِ فِي الْعِبَادَةِ طُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ أَحْوَال ذَلِكَ النَّقْصِ. وَمِنْ تِلْكَ الْوَسَائِل:
(١) الْقَضَاءُ: وَيَكُونُ الاِسْتِدْرَاكُ بِالْقَضَاءِ فِي الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَسْنُونَةِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ لَهَا شَرْعًا، سَوَاءٌ فَاتَتْ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا كَمَا تَقَدَّمَ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُكَلَّفُ لَمْ يَفْعَل الْعِبَادَةَ أَصْلاً، أَوْ فَعَلَهَا عَلَى فَسَادٍ؛ لِتَرْكِ رُكْنٍ، أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ.
وَفِي اسْتِدْرَاكِ الْعِبَادَةِ الْمَسْنُونَةِ بِالْقَضَاءِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (قَضَاءِ الْفَوَائِتِ) .
(٢) الإِْعَادَةُ: وَهِيَ فِعْل الْعِبَادَةِ مَرَّةً أُخْرَى فِي وَقْتِهَا لِمَا وَقَعَ فِي فِعْلِهَا أَوَّلاً مِنَ الْخَلَل. وَلِمَعْرِفَةِ مَوَاقِعِ الاِسْتِدْرَاكِ بِالإِْعَادَةِ وَأَحْكَامِ الإِْعَادَةِ (ر: إِعَادَة)
(٣) الاِسْتِئْنَافُ: فِعْل الْعِبَادَةِ مِنْ أَوَّلِهَا مَرَّةً أُخْرَى
стр. 1883
بَعْدَ قَطْعِهَا وَالتَّوَقُّفِ فِيهَا لِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ، وَلِمَعْرِفَةِ مَوَاقِعِ الاِسْتِدْرَاكِ بِالاِسْتِئْنَافِ (ر: اسْتِئْنَاف) .
(٤) الْفِدْيَةُ: كَاسْتِدْرَاكِ فَائِتِ الصَّوْمِ بِفِدْيَةِ طَعَامِ مِسْكِينٍ لِكُل يَوْمٍ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصَّوْمَ؛ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ مُزْمِنٍ. وَكَاسْتِدْرَاكِ النَّقْصِ الْحَاصِل فِي الإِْحْرَامِ مِمَّنْ قَصَّ شَعْرَهُ، أَوْ لَبِسَ ثِيَابًا بِفِدْيَةٍ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (ر: إِحْرَام) وَشَبِيهٌ بِذَلِكَ هَدْيُ الْجُبْرَانِ فِي الْحَجِّ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (الْحَجّ) .
(٥) الْكَفَّارَةُ: كَاسْتِدْرَاكِ الْمُكَلَّفِ مَا أَفْسَدَهُ مِنَ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ بِالْكَفَّارَةِ (ر: كَفَّارَة) .
(٦) سُجُودُ السَّهْوِ: يُسْتَدْرَكُ بِهِ النَّقْصُ الْحَاصِل فِي الصَّلاَةِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال. (ر: سُجُودُ السَّهْوِ) .
(٧) التَّدَارُكُ: هُوَ الإِْتْيَانُ بِجُزْءِ الْعِبَادَةِ بَعْدَ مَوْضِعِهِ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الاِسْتِدْرَاكُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرَ، وَقَدْ يَكُونُ بِأَكْثَرَ، كَمَا فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ يَتَدَارَكُهُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَكَمَا فِي الْحَامِل وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا لَوْ صَامَتَا، فَإِنَّ لَهُمَا الإِْفْطَارَ، وَيَلْزَمُهُمَا الْقَضَاءُ وَالْفِدْيَةُ عَلَى قَوْل الْحَنَابِلَةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ (١) .
ثَانِيًا:
١٤ - تَلاَفِي الْقُصُورِ فِي الإِْخْبَارِ وَالإِْنْشَاءِ .
مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ خَبَرِيٍّ أَوْ إِنْشَائِيٍّ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنَّهُ غَلِطَ فِي كَلاَمِهِ، أَوْ نَقَصَ مِنَ الْحَقِيقَةِ، أَوْ زَادَ عَلَيْهَا، أَوْ بَدَا لَهُ أَنْ يُنْشِئَ كَلاَمًا مُخَالِفًا لِمَا كَانَ قَدْ стр. 1884
قَالَهُ فَلَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ، بَل قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال، وَخَاصَّةً فِي الْكَلاَمِ الْخَبَرِيِّ، إِذْ أَنَّهُ بِذَلِكَ يَتَدَارَكُ مَا وَقَعَ فِي كَلاَمِهِ مِنَ الْكَذِبِ وَالإِْخْبَارِ بِخِلاَفِ الْحَقِّ، وَلَكِنْ إِنْ ثَبَتَ بِالْكَلاَمِ الأَْوَّل حَقٌّ، كَمَنْ حَلَفَ يَمِينًا، أَوْ قَذَفَ غَيْرَهُ، أَوْ أَقَرَّ لَهُ، فَفِي حُكْمِ الْكَلاَمِ الْمُخَالِفِ التَّالِي لَهُ تَفْصِيلٌ، فَإِنَّ لَهُ صُورَتَيْنِ.
الصُّورَةَ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلاً بِالأَْوَّل. فَلَهُ حَالَتَانِ.
الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ يَرْتَبِطَ الثَّانِي بِالأَْوَّل بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ التَّخْصِيصِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُمَا تَبَعًا حَيْثُ أَمْكَنَ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ عَنْهُ كَالْوَصَايَا، أَمْ كَانَ مِمَّا لاَ رُجُوعَ فِيهِ كَالإِْقْرَارِ، فَلَوْ كَانَ الثَّانِي اسْتِثْنَاءً ثَبَتَ حُكْمُ الْمُسْتَثْنَى، وَخَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، كَمَنْ قَال: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلاَّ ثَلاَثَةً، أَوْ قَال: أَعْطِهِ عَشَرَةً إِلاَّ ثَلاَثَةً، كَانَ الْبَاقِي سَبْعَةً فِي كُلٍّ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَهَكَذَا فِي كُل مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْمُتَكَلَّمِ بِهِ، كَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالْغَايَةِ وَسَائِرِ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ.
فَالشَّرْطُ كَمَا لَوْ قَال: وَهَبْتُكَ مِائَةَ دِينَارٍ إِنْ نَجَحْتَ.
وَالصِّفَةُ كَمَا لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ مِنْ ثَمَنِ الإِْبِل الَّتِي هَلَكَتْ عِنْدَكَ.
وَالْغَايَةُ كَمَا لَوْ قَال لِلْوَصِيِّ: أَعْطِهِ كُل يَوْمٍ دِرْهَمًا إِلَى شَهْرٍ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَذِهِ الْمُخَصِّصَاتِ تَغَيَّرَ بِهِ الْحُكْمُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا.
قَال الْقَرَافِيُّ: الْقَاعِدَةُ أَنَّ كُل كَلاَمٍ لاَ يَسْتَقِل بِنَفْسِهِ إِذَا اتَّصَل بِكَلاَمٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ
стр. 1885
مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ الصِّفَةُ وَالاِسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ وَالْغَايَةُ وَنَحْوُهَا. وَجُعِل مِنْهُ مَا لَوْ قَال الْمُقِرُّ: " لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ " فَقَال فِيهَا: لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَتَقْيِيدُ حُكْمِ هَذِهِ الْحَالَةِ بِأَنَّهُ " حَيْثُ أَمْكَنَ " لِيَخْرُجَ نَحْوُ قَوْل الْمُقِرِّ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلاَّ تِسْعَةً، إِذْ تَلْزَمُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الْعَشَرَةُ وَيَسْقُطُ حُكْمُ الاِسْتِثْنَاءِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمُ اسْتِثْنَاءُ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ.
وَمِثْلُهَا عِنْدَهُمْ لَوْ قَال: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ (١) . وَلاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ فِي الْمُخَصِّصَاتِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَغَيَّرَ الْحُكْمُ بِكَلاَمٍ مُسْتَقِلٍّ، وَمِثَالُهُ مَا لَوْ قَال الْمُقِرُّ: لَهُ الدَّارُ وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْهَا لِي، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَيُعْمَل بِالْقَيْدِ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْمَعْطُوفَ بِالْوَاوِ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، خِلاَفًا لاِخْتِيَارِ ابْنِ عَقِيلٍ بِأَنَّهُ لاَ يَعْمَل الْقَيْدُ قَضَاءً؛ لأَِنَّ الْمَعْطُوفَ بِالْوَاوِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ (٢) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ كَمَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ (٣) .
لَكِنْ لَوْ عَطَفَ فِي الإِْثْبَاتِ أَوِ الأَْمْرِ بِ " بَل ". قَال صَدْرُ الشَّرِيعَةِ " إِنَّ (بَل) لِلإِْعْرَاضِ عَمَّا قَبْلَهُ وَإِثْبَاتِ مَا بَعْدَهُ عَلَى سَبِيل التَّدَارُكِ (٤) " فَإِنْ كَانَ فِيمَا يُقْبَل الرُّجُوعُ فِيهِ كَالْوَصِيَّةِ أَوِ التَّوْلِيَةِ أَوِ الْخَبَرِ الْمُجَرَّدِ، لَغَا الأَْوَّل وَثَبَتَ الثَّانِي، كَمَا لَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ بِأَلْفٍ بَل بِأَلْفَيْنِ، يَثْبُتُ أَلْفَانِ فَقَطْ. أَوْ قَوْل الإِْمَامِ: وَلَّيْتُ فُلاَنًا قَضَاءَ كَذَا بَل فُلاَنًا، أَوْ قَوْل الْقَائِل: ذَهَبْتُ إِلَى زَيْدٍ بَل إِلَى عَمْرٍو. стр. 1886
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ رُجُوعَ فِيهِ كَالإِْقْرَارِ وَالطَّلاَقِ ثَبَتَ حُكْمُ الأَْوَّل، وَلَمْ يُمْكِنْ إِبْطَالُهُ، فَلَوْ قَال الْمُقِرُّ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، بَل أَلْفُ ثَوْبٍ، يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ؛ لأَِنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ. وَلَوْ قَال: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، بَل أَلْفَانِ يَثْبُتُ الأَْلْفَانِ، قَال التَّفْتَازَانِيُّ: " لأَِنَّ التَّدَارُكَ فِي الأَْعْدَادِ يُرَادُ بِهِ نَفْيُ انْفِرَادِ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوَّلاً، لاَ نَفْيُ أَصْلِهِ، فَكَأَنَّهُ قَال أَوَّلاً: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ تَدَارَكَ ذَلِكَ الاِنْفِرَادَ وَأَبْطَلَهُ " وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلاَفُ زُفَرَ إِذْ قَال: " بَل يَثْبُتُ ثَلاَثَةُ آلاَفٍ ".
وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّهُ لَوْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَل طَلْقَتَيْنِ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ - فِي الْمَدْخُول بِهَا - ثَلاَثُ طَلْقَاتٍ. وَوَجَّهَ صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ وَشَارِحِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيِ الإِْقْرَارِ وَالطَّلاَقِ بِأَنَّ الإِْقْرَارَ إِخْبَارٌ عَلَى الأَْصَحِّ فَلاَ يَثْبُتُ شَيْئًا، فَلَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْ خَبَرٍ كَانَ أَخْبَرَ بِهِ، وَيُخْبِرَ بَدَلَهُ بِخَبَرٍ آخَرَ، بِخِلاَفِ الإِْنْشَاءِ إِذْ بِهِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ، وَلَيْسَ فِي يَدِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُ (١) .
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَلاَ يَقَعُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلاَقِ الْمَذْكُورَةِ إِلاَّ طَلْقَتَانِ، كَمَا لاَ يَلْزَمُهُ فِي مَسْأَلَةِ الإِْقْرَارِ إِلاَّ أَلْفَانِ (٢) .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ:
أَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ الثَّانِي مُتَرَاخِيًا عَنِ الأَْوَّل مُنْفَصِلاً عَنْهُ. فَلَهُ حَالَتَانِ:
الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ فِي كَلاَمٍ لاَ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَلاَ يُقْبَل مِنْهُ، كَالأَْقَارِيرِ وَالْعُقُودِ، فَلاَ стр. 1887
يَكُونُ الإِْقْرَارُ الثَّانِي وَلاَ الْعَقْدُ الثَّانِي رُجُوعًا عَنِ الأَْوَّل. فَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلاَمُ فِيهِ، ثُمَّ قَال " زَائِفَةٌ " أَوْ " إِلَى شَهْرٍ " لَزِمَهُ مِائَةٌ جَيِّدَةٌ حَالَّةٌ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ رُجُوعُهُ مُمْكِنًا، كَالْوَصِيَّةِ وَعَزْل الإِْمَامِ أَحَدًا مِمَّنْ يُمْكِنُهُ عَزْلُهُمْ وَتَوْلِيَتُهُمْ، فَإِنْ صَرَّحَ بِرُجُوعِهِ عَنِ الأَْوَّل، أَوْ بِإِلْحَاقِهِ شَرْطًا، أَوْ تَقْيِيدِهِ بِحَالٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَحِقَ - وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ قَصَدَ الرُّجُوعَ - فَهَذَا يُشْبِهُ التَّعَارُضَ فِي الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَهُوَ تَبْدِيلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُطْلَقًا. وَلَوْ كَانَ خَاصًّا بَعْدَ عَامٍّ أَوْ عَكْسَهُ فَالْعَمَل بِالثَّانِي بِكُل حَالٍ. وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ قَدْ يَجْرِي فِيهِ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَاصُّ سَابِقًا أَمْ مُتَأَخِّرًا (١) .
اسْتِدْلاَلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِدْلاَل لُغَةً: طَلَبُ الدَّلِيل (٢) ، وَهُوَ مِنْ دَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ دَلاَلَةً: إِذَا أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ (٣) .
وَلَهُ فِي عُرْفِ الأُْصُولِيِّينَ إِطْلاَقَاتٌ (٤) . أَهَمُّهَا اثْنَانِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ إِقَامَةُ الدَّلِيل مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّلِيل نَصًّا، أَمْ إِجْمَاعًا، أَمْ غَيْرَهُمَا. стр. 1888
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الدَّلِيل الَّذِي لَيْسَ بِنَصٍّ وَلاَ إِجْمَاعٍ وَلاَ قِيَاسٍ.
وَفِي قَوْلٍ: الدَّلِيل الَّذِي لَيْسَ بِنَصٍّ وَلاَ إِجْمَاعٍ وَلاَ قِيَاسٍ عِلَّةٌ. قَال الشِّرْبِينِيُّ: " الاِسْتِفْعَال يَرِدُ لِمَعَانٍ. وَعِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا هُنَا (أَيْ فِي هَذَا الإِْطْلاَقِ الثَّانِي) الاِتِّخَاذُ. وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ اتُّخِذَتْ أَدِلَّةً، أَمَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ فَقِيَامُهَا أَدِلَّةً لَمْ يَنْشَأْ عَنْ صَنِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ وَاجْتِهَادِهِمْ، أَمَّا الاِسْتِصْحَابُ وَنَحْوُهُ مِمَّا اعْتُبِرَ اسْتِدْلاَلاً فَشَيْءٌ قَالَهُ كُل إِمَامٍ بِمُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ، فَكَأَنَّهُ اتَّخَذَهُ دَلِيلاً (١) ".
٢ - فَعَلَى هَذَا الإِْطْلاَقِ الثَّانِي يَدْخُل فِي الاِسْتِدْلاَل الأَْدِلَّةُ التَّالِيَةُ:
(١، ٢) - الْقِيَاسُ الاِقْتِرَانِيُّ، وَالْقِيَاسُ الاِسْتِثْنَائِيُّ، وَهُمَا نَوْعَا الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ. مِثَال الاِقْتِرَانِيِّ: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ، يُنْتِجُ: النَّبِيذُ حَرَامٌ. وَمِثَال الاِسْتِثْنَائِيِّ: إِنْ كَانَ النَّبِيذُ مُسْكِرًا فَهُوَ حَرَامٌ، لَكِنَّهُ مُسْكِرٌ، يُنْتِجُ: فَهُوَ حَرَامٌ. أَوْ: إِنْ كَانَ النَّبِيذُ مُبَاحًا فَهُوَ لَيْسَ بِمُسْكِرٍ، لَكِنَّهُ مُسْكِرٌ، يُنْتِجُ: فَهُوَ لَيْسَ بِمُبَاحٍ.
(٣) وَقِيَاسُ الْعَكْسِ: ذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ مِنْ الاِسْتِدْلاَل. وَقِيَاسُ الْعَكْسِ هُوَ: إِثْبَاتُ عَكْسِ حُكْمِ شَيْءٍ لِمِثْلِهِ، لِتَعَاكُسِهِمَا فِي الْعِلَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا: أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَال: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا стр. 1889
وَضَعَهَا فِي الْحَلاَل كَانَ لَهُ أَجْرٌ (١)
(٤) وَقَوْل الْعُلَمَاءِ: الدَّلِيل يَقْتَضِي أَلاَّ يَكُونَ الأَْمْرُ كَذَا، خُولِفَ فِي صُورَةِ كَذَا، لِمَعْنًى مَفْقُودٍ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ، فَتَبْقَى هِيَ عَلَى الأَْصْل الَّذِي اقْتَضَاهُ الدَّلِيل.
(٥) انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لاِنْتِفَاءِ دَلِيلِهِ، بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ الْمُجْتَهِدُ بَعْدَ الْفَحْصِ الشَّدِيدِ، فَعَدَمُ وِجْدَانِهِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ. قَال فِي الْمُحَلَّى: خِلاَفًا لِلأَْكْثَرِ.
(٦) قَوْل الْعُلَمَاءِ: وُجِدَ السَّبَبُ فَوُجِدَ الْحُكْمُ، أَوْ وُجِدَ الْمَانِعُ أَوْ فُقِدَ الشَّرْطُ فَانْتَفَى الْحُكْمُ، قَال السُّبْكِيُّ: خِلاَفًا لِلأَْكْثَرِ.
(٧) الاِسْتِقْرَاءُ وَهُوَ: الاِسْتِدْلاَل بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ. قَال السُّبْكِيُّ: فَإِنْ كَانَ تَامًّا بِكُل الْجُزْئِيَّاتِ إِلاَّ صُورَةَ النِّزَاعِ، فَهُوَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عِنْدَ الأَْكْثَرِ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، أَيْ بِأَكْثَرِ الْجُزْئِيَّاتِ، فَدَلِيلٌ ظَنِّيٌّ. وَيُسَمَّى هَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِإِلْحَاقِ الْفَرْدِ بِالأَْغْلَبِ.
(٨) الاِسْتِصْحَابُ وَهُوَ كَمَا عَرَّفَهُ السَّعْدُ: الْحُكْمُ بِبَقَاءِ أَمْرٍ كَانَ فِي الزَّمَانِ الأَْوَّل، وَلَمْ يَظُنَّ عَدَمَهُ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْقَوْل فِيهِ فِي بَحْثِ الاِسْتِصْحَابِ، وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. وَنَفَى قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ اسْتِدْلاَلاً.
(٩) شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. وَنَفَى قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ اسْتِدْلاَلاً. стр. 1890
ذَكَرَ هَذِهِ الأَْنْوَاعَ التِّسْعَةَ السُّبْكِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ (١) .
(١٠) وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ الاِسْتِحْسَانَ، وَاسْتَدَل بِهِ غَيْرُهُمْ لَكِنْ سَمَّوْهُ بِأَسْمَاءٍ أُخْرَى.
(١١) وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ. وَسَمَّاهُ الْغَزَالِيُّ الاِسْتِدْلاَل الْمُرْسَل (٢) . وَسَمَّاهُ أَيْضًا الاِسْتِصْلاَحَ، وَاسْتَدَل بِهِ غَيْرُهُمْ.
(١٢) وَيَدْخُل فِي الاِسْتِدْلاَل أَيْضًا: الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الأَْصْل، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ.
(١٣) وَفِي كَشْفِ الأَْسْرَارِ لِلْبَزْدَوِيِّ: الاِسْتِدْلاَل هُوَ: انْتِقَال الذِّهْنِ مِنَ الْمُؤَثِّرِ إِلَى الأَْثَرِ، وَقِيل بِالْعَكْسِ، وَقِيل مُطْلَقًا. وَقِيل: بَل الاِنْتِقَال مِنَ الْمُؤَثِّرِ إِلَى الأَْثَرِ يُسَمَّى تَعْلِيلاً، وَالاِنْتِقَال مِنَ الأَْثَرِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ يُسَمَّى اسْتِدْلاَلاً (٣) .
٣ - وَأَكْثَرُ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ يُفَصَّل الْقَوْل فِيهَا تَحْتَ مُصْطَلَحَاتِهَا الْخَاصَّةِ، وَيُرْجَعُ إِلَيْهَا أَيْضًا فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ:
٤ - يَرِدُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ذِكْرُ الاِسْتِدْلاَل فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا فِي مَبْحَثِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ: الاِسْتِدْلاَل بِالنُّجُومِ، وَمَهَابِّ الرِّيَاحِ، وَالْمَحَارِيبِ الْمَنْصُوبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى الْقِبْلَةِ. وَمِنْهَا فِي مَبْحَثِ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ: الاِسْتِدْلاَل بِالنُّجُومِ وَمَقَادِيرِ الظِّلاَل عَلَى стр. 1891
سَاعَاتِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ، وَمَوَاعِيدِ الصَّلاَةِ. وَمِنْهَا فِي مَبْحَثِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ: الاِسْتِدْلاَل عَلَى الْحَقِّ بِالشَّهَادَاتِ، وَالْقَرَائِنِ وَالْفِرَاسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
اسْتِرَاقُ السَّمْعِ
التَّعْرِيفُ:
١ - قَال أَهْل اللُّغَةِ: اسْتِرَاقُ السَّمْعِ يَعْنِي التَّسَمُّعَ مُسْتَخْفِيًا. وَقَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: هُوَ الْخَطْفَةُ الْيَسِيرَةُ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّجَسُّسُ:
٢ - التَّجَسُّسُ هُوَ: التَّفْتِيشُ عَنْ بَوَاطِنِ الأُْمُورِ، وَمِنَ الْفُرُوقِ بَيْنَ التَّجَسُّسِ وَاسْتِرَاقِ السَّمْعِ مَا يَلِي:
أَنَّ التَّجَسُّسَ هُوَ التَّنْقِيبُ عَنْ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ، يَبْغِي الْمُتَجَسِّسُ الْحُصُول عَلَيْهَا، أَمَّا اسْتِرَاقُ السَّمْعِ فَيَكُونُ بِحَمْل مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ مَعْلُومَاتٍ. وَأَنَّ التَّجَسُّسَ مَبْنَاهُ عَلَى الصَّبْرِ وَالتَّأَنِّي لِلْحُصُول عَلَى الْمَعْلُومَاتِ الْمَطْلُوبَةِ، أَمَّا اسْتِرَاقُ السَّمْعِ فَإِنَّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّعَجُّل.
وَيَرَى الْبَعْضُ: أَنَّ التَّجَسُّسَ يَعْنِي الْبَحْثَ стр. 1892
عَنِ الْعَوْرَاتِ، وَأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يُقَال فِي الشَّرِّ (١) . أَمَّا اسْتِرَاقُ السَّمْعِ فَيَكُونُ فِيهِ حَمْل مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ أَقْوَالٍ، خَيْرًا كَانَتْ أَمْ شَرًّا.
ب - التَّحَسُّسُ:
٣ - التَّحَسُّسُ أَعَمُّ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، قَال فِي عَوْنِ الْمَعْبُودِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ﷺ : وَلاَ تَحَسَّسُوا أَيْ: لاَ تَطْلُبُوا الشَّيْءَ بِالْحَاسَّةِ، كَاسْتِرَاقِ السَّمْعِ. وَيَقْرَبُ مِنْ هَذَا مَا فِي شَرْحِ النَّوَوِيِّ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَمَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَعُمْدَةِ الْقَارِي لِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - الأَْصْل تَحْرِيمُ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ عَلَى لِسَانِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال ﷺ : مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآْنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلِقَوْلِهِ ﷺ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا (٣) وَلأَِنَّ الأَْسْرَارَ الشَّخْصِيَّةَ لِلنَّاسِ مُحْتَرَمَةٌ لاَ يَجُوزُ انْتِهَاكُهَا إِلاَّ بِحَقٍّ مَشْرُوعٍ.
٥ - يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا النَّهْيِ: الْحَالاَتُ الَّتِي يُشْرَعُ فِيهَا التَّجَسُّسُ (الَّذِي هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ) كَمَا لَوْ تَعَيَّنَ التَّجَسُّسُ أَوِ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ стр. 1893
طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذِ نَفْسٍ مِنَ الْهَلاَكِ، كَأَنْ يُخْبِرَ ثِقَةٌ بِأَنَّ فُلاَنًا خَلاَ بِشَخْصٍ لِيَقْتُلَهُ ظُلْمًا، فَيُشْرَعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ التَّجَسُّسُ، وَمَا هُوَ أَدْنَى مِنْهُ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ (١) .
كَمَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: اسْتِرَاقُ وَلِيِّ الأَْمْرِ السَّمْعَ بِنِيَّةِ مَعْرِفَةِ الْخَلَل الْوَاقِعِ فِي الْمُجْتَمَعِ؛ لِيَقُومَ بِإِصْلاَحِهِ، فَيَحِل لِلْمُحْتَسِبِ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ، كَمَا يَحِل لَهُ أَنْ يَنْشُرَ عُيُونَهُ؛ لِيَنْقُلُوا لَهُ أَخْبَارَ النَّاسِ وَأَحْوَال السُّوقَةِ، لِيَعْرِفَ أَلاَعِيبَهُمْ وَطُرُقَ تَحَايُلِهِمْ، فَيَضَعُ لَهُمْ مِنْ أَسَالِيبِ الْقَمْعِ مَا يَدْرَأُ ضَرَرَهُمْ عَنِ الْمُجْتَمَعِ، قَال فِي نِهَايَةِ الرُّتْبَةِ فِي طَلَبِ الْحِسْبَةِ: " وَيُلاَزِمُ الْمُحْتَسِبُ الأَْسْوَاقَ وَالدُّرُوبَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ، وَيَتَّخِذُ لَهُ فِيهَا عُيُونًا يُوَصِّلُونَ إِلَيْهِ الأَْخْبَارَ وَأَحْوَال السُّوقَةِ (٢) ". وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَعُسُّ فِي شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ لَيْلاً يَسْتَرِقُ السَّمْعَ، وَيَتَسَقَّطُ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ لِمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِمْ، وَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ، وَيَرْفَعُ الظُّلْمَ عَنِ الْمَظْلُومِ، وَيَكْتَشِفُ الْخَلَل لِيُسَارِعَ إِلَى إِصْلاَحِهِ، وَقَصَصُهُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لاَ تُحْصَى (٣) .
عُقُوبَةُ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ:
٦ - إِذَا كَانَ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ إِلاَّ فِي حَالاَتٍ - وَإِتْيَانُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ (٤) - فَإِنَّ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ فِي غَيْرِ الْحَالاَتِ الْمَسْمُوحِ بِهِ стр. 1894
فِيهَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ التَّعْزِيرَ.
وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل أَحْكَامِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ إِلَى مُصْطَلَحِ (تَجَسُّس) . وَإِلَى بَابِ الْجِهَادِ (قَتْل الْجَاسُوسِ) وَإِلَى الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ (أَحْكَامُ النَّظَرِ) .
اسْتِرْجَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِرْجَاعُ لُغَةً: مَادَّتُهَا رَجَعَ، أَيْ: انْصَرَفَ. وَاسْتَرْجَعْتُ مِنْهُ الشَّيْءَ: إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُ مَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِ. وَاسْتَرْجَعَ الرَّجُل عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: قَال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١) .
وَيُسْتَعْمَل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَيَيْنِ:
أ - بِمَعْنَى اسْتِرْدَادٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لِلْمُشْتَرِي - بَعْدَ فَسْخِهِ بِالْعَيْبِ - حَبْسُ الْمَبِيعِ إِلَى حِينِ اسْتِرْجَاعِ ثَمَنِهِ مِنَ الْبَائِعِ (٢) . وَقَوْلُهُمْ: السِّلَعُ الْمَبِيعَةُ أَوِ الْمَجْعُولَةُ ثَمَنًا إِذَا عَلِمَ بِعُيُوبِهَا مَنْ صَارَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّ لَهُ الْفَسْخَ، وَاسْتِرْجَاعَ عِوَضِهَا مِنْ قَابِضِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ بَدَلَهُ إِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ (٣) . (ر: اسْتِرْدَاد) .
ب - بِمَعْنَى قَوْل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ، عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي: стр. 1895
مَتَى يُشْرَعُ الاِسْتِرْجَاعُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ؟ وَمَتَى لاَ يُشْرَعُ ؟ .
٢ - يُشْرَعُ الاِسْتِرْجَاعُ عِنْدَ كُل مَا يُبْتَلَى بِهِ الإِْنْسَانُ مِنْ مَصَائِبَ، عَظُمَتْ أَوْ صَغُرَتْ. وَالأَْصْل فِيهِ قَوْل اللَّهِ : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَْمْوَال وَالأَْنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١) وَإِنَّمَا يُشْرَعُ الاِسْتِرْجَاعُ عِنْدَ كُل شَيْءٍ يُؤْذِي الإِْنْسَانَ وَيَضُرُّهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ طَفِئَ سِرَاجُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فَقِيل: أَمُصِيبَةٌ هِيَ؟ قَال: نَعَمْ، كُل شَيْءٍ يُؤْذِي الْمُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ (٢) وَقَال ﷺ : لِيَسْتَرْجِعْ أَحَدُكُمْ فِي كُل شَيْءٍ، حَتَّى فِي شِسْعِ نَعْلِهِ، فَإِنَّهَا مِنَ الْمَصَائِبِ. (٣) وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ .
٣ - وَالْحِكْمَةُ فِي الاِسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ: الإِْقْرَارُ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْمُعَادِ، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَالتَّسْلِيمُ بِقَضَائِهِ، وَالرَّجَاءُ فِي ثَوَابِهِ (٤) . وَلِذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ: مَنِ اسْتَرْجَعَ следующие страницы →