← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

سَاعَاتِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ، وَمَوَاعِيدِ الصَّلاَةِ. وَمِنْهَا فِي مَبْحَثِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ: الاِسْتِدْلاَل عَلَى الْحَقِّ بِالشَّهَادَاتِ، وَالْقَرَائِنِ وَالْفِرَاسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. اسْتِرَاقُ السَّمْعِ التَّعْرِيفُ: ١ - قَال أَهْل اللُّغَةِ: اسْتِرَاقُ السَّمْعِ يَعْنِي التَّسَمُّعَ مُسْتَخْفِيًا. وَقَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: هُوَ الْخَطْفَةُ الْيَسِيرَةُ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّجَسُّسُ: ٢ - التَّجَسُّسُ هُوَ: التَّفْتِيشُ عَنْ بَوَاطِنِ الأُْمُورِ، وَمِنَ الْفُرُوقِ بَيْنَ التَّجَسُّسِ وَاسْتِرَاقِ السَّمْعِ مَا يَلِي: أَنَّ التَّجَسُّسَ هُوَ التَّنْقِيبُ عَنْ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ، يَبْغِي الْمُتَجَسِّسُ الْحُصُول عَلَيْهَا، أَمَّا اسْتِرَاقُ السَّمْعِ فَيَكُونُ بِحَمْل مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ مَعْلُومَاتٍ. وَأَنَّ التَّجَسُّسَ مَبْنَاهُ عَلَى الصَّبْرِ وَالتَّأَنِّي لِلْحُصُول عَلَى الْمَعْلُومَاتِ الْمَطْلُوبَةِ، أَمَّا اسْتِرَاقُ السَّمْعِ فَإِنَّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّعَجُّل. وَيَرَى الْبَعْضُ: أَنَّ التَّجَسُّسَ يَعْنِي الْبَحْثَ

стр. 1892

عَنِ الْعَوْرَاتِ، وَأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يُقَال فِي الشَّرِّ (١) . أَمَّا اسْتِرَاقُ السَّمْعِ فَيَكُونُ فِيهِ حَمْل مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ أَقْوَالٍ، خَيْرًا كَانَتْ أَمْ شَرًّا. ب - التَّحَسُّسُ: ٣ - التَّحَسُّسُ أَعَمُّ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، قَال فِي عَوْنِ الْمَعْبُودِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ﷺ : وَلاَ تَحَسَّسُوا أَيْ: لاَ تَطْلُبُوا الشَّيْءَ بِالْحَاسَّةِ، كَاسْتِرَاقِ السَّمْعِ. وَيَقْرَبُ مِنْ هَذَا مَا فِي شَرْحِ النَّوَوِيِّ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَمَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَعُمْدَةِ الْقَارِي لِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (٢) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - الأَْصْل تَحْرِيمُ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ عَلَى لِسَانِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال ﷺ : مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآْنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلِقَوْلِهِ ﷺ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا (٣) وَلأَِنَّ الأَْسْرَارَ الشَّخْصِيَّةَ لِلنَّاسِ مُحْتَرَمَةٌ لاَ يَجُوزُ انْتِهَاكُهَا إِلاَّ بِحَقٍّ مَشْرُوعٍ. ٥ - يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا النَّهْيِ: الْحَالاَتُ الَّتِي يُشْرَعُ فِيهَا التَّجَسُّسُ (الَّذِي هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ) كَمَا لَوْ تَعَيَّنَ التَّجَسُّسُ أَوِ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ

стр. 1893

طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذِ نَفْسٍ مِنَ الْهَلاَكِ، كَأَنْ يُخْبِرَ ثِقَةٌ بِأَنَّ فُلاَنًا خَلاَ بِشَخْصٍ لِيَقْتُلَهُ ظُلْمًا، فَيُشْرَعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ التَّجَسُّسُ، وَمَا هُوَ أَدْنَى مِنْهُ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ (١) . كَمَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: اسْتِرَاقُ وَلِيِّ الأَْمْرِ السَّمْعَ بِنِيَّةِ مَعْرِفَةِ الْخَلَل الْوَاقِعِ فِي الْمُجْتَمَعِ؛ لِيَقُومَ بِإِصْلاَحِهِ، فَيَحِل لِلْمُحْتَسِبِ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ، كَمَا يَحِل لَهُ أَنْ يَنْشُرَ عُيُونَهُ؛ لِيَنْقُلُوا لَهُ أَخْبَارَ النَّاسِ وَأَحْوَال السُّوقَةِ، لِيَعْرِفَ أَلاَعِيبَهُمْ وَطُرُقَ تَحَايُلِهِمْ، فَيَضَعُ لَهُمْ مِنْ أَسَالِيبِ الْقَمْعِ مَا يَدْرَأُ ضَرَرَهُمْ عَنِ الْمُجْتَمَعِ، قَال فِي نِهَايَةِ الرُّتْبَةِ فِي طَلَبِ الْحِسْبَةِ: " وَيُلاَزِمُ الْمُحْتَسِبُ الأَْسْوَاقَ وَالدُّرُوبَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ، وَيَتَّخِذُ لَهُ فِيهَا عُيُونًا يُوَصِّلُونَ إِلَيْهِ الأَْخْبَارَ وَأَحْوَال السُّوقَةِ (٢) ". وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَعُسُّ فِي شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ لَيْلاً يَسْتَرِقُ السَّمْعَ، وَيَتَسَقَّطُ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ لِمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِمْ، وَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ، وَيَرْفَعُ الظُّلْمَ عَنِ الْمَظْلُومِ، وَيَكْتَشِفُ الْخَلَل لِيُسَارِعَ إِلَى إِصْلاَحِهِ، وَقَصَصُهُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لاَ تُحْصَى (٣) . عُقُوبَةُ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ: ٦ - إِذَا كَانَ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ إِلاَّ فِي حَالاَتٍ - وَإِتْيَانُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ (٤) - فَإِنَّ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ فِي غَيْرِ الْحَالاَتِ الْمَسْمُوحِ بِهِ

стр. 1894

فِيهَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ التَّعْزِيرَ. وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل أَحْكَامِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ إِلَى مُصْطَلَحِ (تَجَسُّس) . وَإِلَى بَابِ الْجِهَادِ (قَتْل الْجَاسُوسِ) وَإِلَى الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ (أَحْكَامُ النَّظَرِ) . اسْتِرْجَاعٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِرْجَاعُ لُغَةً: مَادَّتُهَا رَجَعَ، أَيْ: انْصَرَفَ. وَاسْتَرْجَعْتُ مِنْهُ الشَّيْءَ: إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُ مَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِ. وَاسْتَرْجَعَ الرَّجُل عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: قَال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١) . وَيُسْتَعْمَل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَيَيْنِ: أ - بِمَعْنَى اسْتِرْدَادٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لِلْمُشْتَرِي - بَعْدَ فَسْخِهِ بِالْعَيْبِ - حَبْسُ الْمَبِيعِ إِلَى حِينِ اسْتِرْجَاعِ ثَمَنِهِ مِنَ الْبَائِعِ (٢) . وَقَوْلُهُمْ: السِّلَعُ الْمَبِيعَةُ أَوِ الْمَجْعُولَةُ ثَمَنًا إِذَا عَلِمَ بِعُيُوبِهَا مَنْ صَارَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّ لَهُ الْفَسْخَ، وَاسْتِرْجَاعَ عِوَضِهَا مِنْ قَابِضِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ بَدَلَهُ إِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ (٣) . (ر: اسْتِرْدَاد) . ب - بِمَعْنَى قَوْل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ، عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:

стр. 1895

مَتَى يُشْرَعُ الاِسْتِرْجَاعُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ؟ وَمَتَى لاَ يُشْرَعُ ؟ . ٢ - يُشْرَعُ الاِسْتِرْجَاعُ عِنْدَ كُل مَا يُبْتَلَى بِهِ الإِْنْسَانُ مِنْ مَصَائِبَ، عَظُمَتْ أَوْ صَغُرَتْ. وَالأَْصْل فِيهِ قَوْل اللَّهِ : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَْمْوَال وَالأَْنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١) وَإِنَّمَا يُشْرَعُ الاِسْتِرْجَاعُ عِنْدَ كُل شَيْءٍ يُؤْذِي الإِْنْسَانَ وَيَضُرُّهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ طَفِئَ سِرَاجُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فَقِيل: أَمُصِيبَةٌ هِيَ؟ قَال: نَعَمْ، كُل شَيْءٍ يُؤْذِي الْمُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ (٢) وَقَال ﷺ : لِيَسْتَرْجِعْ أَحَدُكُمْ فِي كُل شَيْءٍ، حَتَّى فِي شِسْعِ نَعْلِهِ، فَإِنَّهَا مِنَ الْمَصَائِبِ. (٣) وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ . ٣ - وَالْحِكْمَةُ فِي الاِسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ: الإِْقْرَارُ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْمُعَادِ، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَالتَّسْلِيمُ بِقَضَائِهِ، وَالرَّجَاءُ فِي ثَوَابِهِ (٤) . وَلِذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ: مَنِ اسْتَرْجَعَ

стр. 1896

عِنْدَ الْمُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وَأَحْسَن عُقْبَاهُ، وَجَعَل لَهُ خَلَفًا صَالِحًا يَرْضَاهُ (١) . ٤ - أَمَّا مَتَى لاَ يُشْرَعُ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ الاِسْتِرْجَاعَ بَعْضُ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الطَّاهِرِ قِرَاءَةُ أَيِّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ قَل، حَتَّى بَعْضَ آيَةٍ، وَلَوْ كَانَ يَقْرَأُ فِي كِتَابِ فِقْهٍ أَوْ غَيْرِهِ فِيهِ احْتِجَاجٌ بِآيَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا؛ لأَِنَّهُ يَقْصِدُ الْقُرْآنَ لِلاِحْتِجَاجِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَقْصِدُ الْقُرْآنَ فَلاَ بَأْسَ؛ لأَِنَّهُمْ قَالُوا: يَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ أَنْ تَقُول عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِذَا لَمْ تَقْصِدِ الْقُرْآنَ (٢) . حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ: ٥ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الاِسْتِرْجَاعَ يَنْطَوِي عَلَى أَمْرَيْنِ: أ - قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَهُوَ أَنْ يَقُول عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ. ب - عَمَلٌ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الاِسْتِسْلاَمُ وَالصَّبْرُ وَالتَّوَكُّل، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، وَهَذَا وَاجِبٌ (٣) .

стр. 1897

اسْتِرْدَادٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِرْدَادُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الرَّدِّ، يُقَال: اسْتَرَدَّ الشَّيْءَ وَارْتَدَّهُ: طَلَبَ رَدَّهُ عَلَيْهِ (١) ، وَيُقَال: وَهَبَ هِبَةً ثُمَّ ارْتَدَّهَا أَيْ: اسْتَرَدَّهَا، وَاسْتَرَدَّهُ الشَّيْءَ: سَأَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَخْرُجِ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - رَدٌّ: ٢ - الرَّدُّ: هُوَ صَرْفُ الشَّيْءِ وَرَجْعُهُ. فَالرَّدُّ قَدْ يَكُونُ أَثَرًا لِلاِسْتِرْدَادِ، وَقَدْ يَحْصُل الرَّدُّ بِلاَ اسْتِرْدَادٍ. ب - ارْتِجَاعٌ - اسْتِرْجَاعٌ: ٣ - يُقَال رَجَعَ فِي هِبَتِهِ: إِذَا أَعَادَهَا إِلَى مِلْكِهِ، وَارْتَجَعَهَا وَاسْتَرْجَعَهَا كَذَلِكَ، وَاسْتَرْجَعْتُ مِنْهُ الشَّيْءَ: إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُ مَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِ. وَيَتَبَيَّنُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الاِسْتِرْدَادَ وَالاِرْتِجَاعَ وَالاِسْتِرْجَاعَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا (٣) .

стр. 1898

صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ٤ - الاِسْتِرْدَادُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْجَائِزَةِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ، كَمَا فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، حَيْثُ يَجِبُ الْفَسْخُ، فَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً رُدَّتْ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فَائِتَةً رُدَّتْ قِيمَتُهَا عَلَى الْبَائِعِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَرُدَّ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، عَلَى خِلاَفٍ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (فَسَاد - وَبُطْلاَن) لأَِنَّ الْفَسْخَ حَقُّ الشَّرْعِ. وَقَدْ يَحْرُمُ الاِسْتِرْدَادُ، كَمَنْ أَخْرَجَ صَدَقَةً، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِرْدَادُهَا؛ لِقَوْل عُمَرَ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الثَّوَابُ وَقَدْ حَصَل (١) . أَسْبَابُ حَقِّ الاِسْتِرْدَادِ: لِلاِسْتِرْدَادِ أَسْبَابٌ مُتَنَوِّعَةٌ مِنْهَا: الاِسْتِحْقَاقُ، وَالتَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَلْزَمُ، وَفَسَادُ الْعَقْدِ. . إِلَخْ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي: أَوَّلاً: الاِسْتِحْقَاقُ: ٥ - الاِسْتِحْقَاقُ - بِمَعْنَاهُ الأَْعَمِّ - ظُهُورُ كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وَاجِبًا لِلْغَيْرِ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَشْمَل الْغَصْبَ وَالسَّرِقَةَ، فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ يَثْبُتُ لَهُمَا حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ رَدُّ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ لِرَبِّهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ. (٢)

стр. 1899

وَيَشْمَل اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوِ الْمَوْهُوبِ عَلَى الْمُتَّهَبِ، فَيُوجِبُ الْفَسْخَ وَالاِسْتِرْدَادَ، لِفَسَادِ الْعَقْدِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيَتَوَقَّفُ الْعَقْدُ عَلَى إِجَازَةِ رَبِّهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَالْقَوْل بِالتَّوَقُّفِ هُوَ أَيْضًا مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَإِذَا فُسِخَ الْبَيْعُ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْجُمْلَةِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ الثَّمَنِ، عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ ثُبُوتُ الاِسْتِحْقَاقِ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِالإِْقْرَارِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (اسْتِحْقَاق (١)) . ثَانِيًا: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَلْزَمُ: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَلْزَمُ مُتَنَوِّعَةٌ، مِنْهَا: ٦ - أ - الْعُقُودُ غَيْرُ اللاَّزِمَةِ: وَهِيَ الَّتِي تَقْبَل بِطَبِيعَتِهَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ كَالْوَدِيعَةِ، وَالْعَارِيَّةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ. فَهَذِهِ الْعُقُودُ غَيْرُ لاَزِمَةٍ، وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيَثْبُتُ عِنْدَ فَسْخِهَا حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ لِلْمَالِكِ، وَيَجِبُ الرَّدُّ عِنْدَ الطَّلَبِ؛ لأَِنَّهَا أَمَانَاتٌ يَجِبُ رَدُّهَا؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢) ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَبَسَهَا بَعْدَ الطَّلَبِ فَضَاعَتْ ضَمِنَ، وَلَوْ هَلَكَتْ بِلاَ تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ. وَهَذِهِ الأَْحْكَامُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ، إِذَا

стр. 1900

تَوَافَرَتِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا، كَنِضْوِ رَأْسِ الْمَال فِي الْمُضَارَبَةِ، أَيْ تَحَوُّل السِّلَعِ إِلَى نُقُودٍ. وَلَوْ كَانَ فِي الاِسْتِرْدَادِ ضَرَرٌ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَزُول الضَّرَرُ، كَالأَْرْضِ إِذَا اسْتُعِيرَتْ لِلزِّرَاعَةِ، وَأَرَادَ الْمُعِيرُ الرُّجُوعَ، فَيَتَوَقَّفُ الاِسْتِرْدَادُ حَتَّى يُحْصَدَ الزَّرْعُ. وَالْعَارِيَّةُ الْمُقَيَّدَةُ بِعَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ تُسْتَرَدُّ حَتَّى يَنْقَضِيَ الأَْجَل أَوِ الْعَمَل (١) . هَذَا حُكْمُ الاِسْتِرْدَادِ فِي الْجُمْلَةِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيل كَثِيرَةٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَوْضُوعَاتِهَا. ٧ - ب - الْعُقُودُ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْخِيَارُ: كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَخِيَارِ الْعَيْبِ وَنَحْوِهِمَا كَثِيرَةٌ مِنْ أَهَمِّهَا: الْبَيْعُ، وَالإِْجَارَةُ. فَفِي الْبَيْعِ: بِكَوْنِ الْعَقْدِ فِي مُدَّةِ خِيَارِ الشَّرْطِ غَيْرِ لاَزِمٍ، وَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ حَقُّ الْفَسْخِ وَالرَّدِّ. جَاءَ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ: الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بَيْعٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، لأَِنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ لُزُومَ الصَّفْقَةِ، قَال سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ وَلأَِنَّ الْخِيَارَ هُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْجَازَةِ، وَهَذَا يَمْنَعُ اللُّزُومَ، وَمِثْل ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ مَعَ

стр. 1901

التَّفَاصِيل (١) . كَذَلِكَ خِيَارُ الْعَيْبِ يَجْعَل الْعَقْدَ غَيْرَ لاَزِمٍ وَقَابِلاً لِلْفَسْخِ، فَإِذَا نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ بِخِيَارِ الْعَيْبِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَرَدَّ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ مَعِيبًا إِلَى الْبَائِعِ وَاسْتَرَدَّ الثَّمَنَ. وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي فِي إِمْسَاكِ الْمَبِيعِ مَعِيبًا، وَالرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ فِي الْمَعِيبِ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يُعْطُونَهُ هَذَا الْحَقَّ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ وَيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ، أَوْ يَمْسِكَ الْمَعِيبَ وَلاَ رُجُوعَ لَهُ بِنُقْصَانٍ؛ لأَِنَّ الأَْوْصَافَ لاَ يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ فِي مُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِزَوَالِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِأَقَل مِنَ الْمُسَمَّى، فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الْمُشْتَرِي مُمْكِنٌ بِالرَّدِّ بِدُونِ تَضَرُّرِهِ. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَهُمُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، وَبَيْنَ الإِْمْسَاكِ وَالرُّجُوعِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ. وَيُفَصِّل الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْعَيْبِ الْيَسِيرِ غَيْرِ الْمُؤَثِّرِ، فَلاَ شَيْءَ فِيهِ وَلاَ رَدَّ بِهِ، وَبَيْنَ الْعَيْبِ الْمُؤَثِّرِ الَّذِي لَهُ قِيمَةٌ فَيَرْجِعُ بِأَرْشِهِ، وَبَيْنَ الْعَيْبِ الْفَاحِشِ فَيَجِبُ هُنَا الرَّدُّ، حَتَّى إِذَا أَمْسَكَهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ، وَفِي خِيَارِ الْعَيْبِ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِهِ. هَذِهِ أَمْثِلَةٌ لِبَعْضِ الْخِيَارَاتِ الَّتِي تَجْعَل الْعَقْدَ غَيْرَ لاَزِمٍ، وَيَثْبُتُ بِهَا حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ

стр. 1902

وَهُنَاكَ خِيَارَاتٌ أُخْرَى تَسِيرُ عَلَى هَذَا النَّمَطِ، كَخِيَارِ التَّعْيِينِ، وَخِيَارِ الْغَبْنِ، وَخِيَارِ التَّدْلِيسِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (خِيَار) . ٨ - وَيَدْخُل الْخِيَارُ كَذَلِكَ عَقْدَ الإِْجَارَةِ، فَيَثْبُتُ بِهِ حَقُّ الْفَسْخِ وَالرَّدِّ، فَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا حَادِثًا يَضُرُّ بِالسُّكْنَى، فَلَهُ الْفَسْخُ وَالرَّدُّ (١) . ثَالِثًا: الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ: ٩ - وَمِنْ أَشْهَرِ أَمْثِلَتِهِ: بَيْعُ الْفُضُولِيِّ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْفُذُ لاِنْعِدَامِ الْمِلْكِ، لَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، فَإِنْ أَمْضَاهُ مَضَى، وَإِنْ رَدَّهُ رُدَّ. وَإِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ صَارَ الْفُضُولِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيل، وَيَنْتَقِل مِلْكُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَيَكُونُ الثَّمَنُ لِلْمَالِكِ؛ لأَِنَّهُ بَدَل مِلْكِهِ. وَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ قَابِلٌ لِلْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي وَجِهَةِ الْفُضُولِيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَوْ فَسَخَهُ الْفُضُولِيُّ قَبْل الإِْجَازَةِ انْفَسَخَ، وَاسْتَرَدَّ الْمَبِيعَ إِنْ كَانَ قَدْ سَلَّمَ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ إِنْ كَانَ قَدْ نَقَدَهُ، وَكَذَا إِذَا فَسَخَهُ الْمُشْتَرِي يَنْفَسِخُ. أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: فَهُوَ لاَزِمٌ مِنْ جِهَةِ الْفُضُولِيِّ وَمِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي، مُنْحَلٌّ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ (٢) . أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ: فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ فِي الأَْصَحِّ وَيَجِبُ رَدُّهُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى: أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ (٣) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ (ر: فُضُولِيّ - بَيْع) .

стр. 1903

رَابِعًا: فَسَادُ الْعَقْدِ: ١٠ - يُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْعَقْدِ الْبَاطِل وَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، فَالْعَقْدُ الْبَاطِل عِنْدَهُمْ: هُوَ مَا لَمْ يُشْرَعْ بِأَصْلِهِ وَلاَ وَصْفِهِ، وَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ: هُوَ مَا شُرِعَ بِأَصْلِهِ دُونَ وَصْفِهِ. أَمَّا حُكْمُ الاِسْتِرْدَادِ بِالنِّسْبَةِ لِكُلٍّ مِنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ فَيَظْهَرُ فِيمَا يَأْتِي: الْعَقْدُ الْبَاطِل لاَ وُجُودَ لَهُ شَرْعًا، وَلاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ؛ لأَِنَّهُ لاَ أَثَرَ لَهُ، وَلاَ يَمْلِكُ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ أَنْ يُجْبِرَ الآْخَرَ عَلَى تَنْفِيذِهِ. فَفِي الْبَيْعِ يَقُول الْكَاسَانِيُّ: لاَ حُكْمَ لِهَذَا الْبَيْعِ (الْبَاطِل) أَصْلاً؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلْمَوْجُودِ، وَلاَ وُجُودَ لِهَذَا الْبَيْعِ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ؛ لأَِنَّ التَّصَرُّفَ الشَّرْعِيَّ لاَ وُجُودَ لَهُ بِدُونِ الأَْهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ شَرْعًا، كَمَا لاَ وُجُودَ لِلتَّصَرُّفِ الْحَقِيقِيِّ إِلاَّ مِنْ الأَْهْل فِي الْمَحَل حَقِيقَةً، وَذَلِكَ نَحْوُ بَيْعِ الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَكُل مَا لَيْسَ بِمَالٍ (١) . وَمَا دَامَ الْعَقْدُ الْبَاطِل لاَ وُجُودَ لَهُ شَرْعًا، وَلاَ يُنْتِجُ أَيَّ أَثَرٍ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ بِاخْتِيَارِهِ لِلْمُشْتَرِي، أَوْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي بِاخْتِيَارِهِ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ، كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَبِيعَ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ الْبَاطِل لاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَلَوْ بِالْقَبْضِ، وَلِذَلِكَ لَوْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ عِتْقٍ، فَإِنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ لاَ يَمْنَعُ الْبَائِعَ مِنِ اسْتِرْدَادِ الْمَبِيعِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ الْبَاطِل لَمْ يَنْقُل الْمِلْكِيَّةَ لِلْمُشْتَرِي، فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ مَالاً غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُ. (٢)

стр. 1904

١١ - أَمَّا الْعَقْدُ الْفَاسِدُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِوَصْفِهِ، فَلِذَلِكَ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ مِلْكٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، بَل هُوَ مُسْتَحِقٌّ الْفَسْخَ، حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِمَا فِي الْفَسْخِ مِنْ رَفْعِ الْفَسَادِ، وَرَفْعُ الْفَسَادِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْفَسْخُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَسْتَلْزِمُ رَدَّ الْمَبِيعِ عَلَى بَائِعِهِ، وَرَدَّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، هَذَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. أَمَّا إِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ؛ لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ، فَتَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفَاتُهُ كُلُّهَا، وَيَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْبَائِعِ فِي الاِسْتِرْدَادِ؛ لأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ، وَالاِسْتِرْدَادُ حَقُّ الشَّرْعِ، وَمَا اجْتَمَعَ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ إِلاَّ غَلَبَ حَقُّ الْعَبْدِ لِحَاجَتِهِ (١) . وَسَوَاءٌ أَكَانَ التَّصَرُّفُ يَقْبَل الْفَسْخَ، أَوْ لاَ يَقْبَلُهُ، إِلاَّ الإِْجَارَةَ فَإِنَّهَا لاَ تَقْطَعُ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الاِسْتِرْدَادِ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ عَقْدٌ ضَعِيفٌ يُفْسَخُ بِالأَْعْذَارِ، وَفَسَادُ الشِّرَاءِ عُذْرٌ، هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. ١٢ - أَمَّا الْجُمْهُورُ: فَإِنَّهُمْ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَالْعَقْدِ الْبَاطِل. فَالْفَاسِدُ وَالْبَاطِل عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلاَ يَحْصُل بِهِ الْمِلْكُ، سَوَاءٌ اتَّصَل بِهِ الْقَبْضُ، أَمْ لَمْ يَتَّصِل، وَيَلْزَمُ رَدُّ الْمَبِيعِ عَلَى بَائِعِهِ، وَالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي هَذَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. أَمَّا إِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ الْمُشْتَرِي بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ. فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ، وَيَكُونُ مِنْ حَقِّ الْبَائِعِ

стр. 1905

اسْتِرْدَادُ الْمَبِيعِ، وَمِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِي اسْتِرْدَادُ الثَّمَنِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنَّهُ يَجِبُ عِنْدَهُمْ رَدُّ الْمَبِيعِ الْفَاسِدِ لِرَبِّهِ إِنْ لَمْ يَفُتْ، كَأَنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ بِبَيْعٍ، أَوْ بُنْيَانٍ، أَوْ غَرْسٍ، فَإِنْ فَاتَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ - وَلَوْ خَارِجَ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ - بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَلَفًا فِيهِ بَل مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ، ضَمِنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ إِنْ كَانَ مُقَوَّمًا حِينَ الْقَبْضِ، وَضَمِنَ مِثْل الْمِثْلِيِّ إِذَا بِيعَ كَيْلاً أَوْ وَزْنًا، وَعَلِمَ كَيْلَهُ أَوْ وَزْنَهُ، وَلَمْ يَتَعَذَّرْ وُجُودُهُ، وَإِلاَّ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ (١) . خَامِسًا: انْتِهَاءُ مُدَّةِ الْعَقْدِ: ١٣ - انْتِهَاءُ مُدَّةِ الْعَقْدِ فِي الْعُقُودِ الْمُقَيَّدَةِ بِمُدَّةٍ يَثْبُتُ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، فَفِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ يَكُونُ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا آجَرَهُ إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِْجَارَةِ، فَمَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلْبِنَاءِ، وَغَرْسِ الأَْشْجَارِ، وَمَضَتْ مُدَّةُ الإِْجَارَةِ، لَزِمَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يُقْلِعَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ وَيُسَلِّمَهَا إِلَى رَبِّهَا فَارِغَةً، لأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا إِلَى صَاحِبِهَا غَيْرَ مَشْغُولَةٍ بِبِنَائِهِ وَغَرْسِهِ؛ لأَِنَّ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ لَيْسَ لَهُمَا حَالَةٌ مُنْتَظَرَةٌ يَنْتَهِيَانِ إِلَيْهَا. وَفِي تَرْكِهِمَا عَلَى الدَّوَامِ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ يَتَضَرَّرُ صَاحِبُ الأَْرْضِ، فَيَتَعَيَّنُ الْقَلْعُ فِي الْحَال، إِلاَّ أَنْ يَخْتَارَ صَاحِبُ الأَْرْضِ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ مَقْلُوعًا، وَيَتَمَلَّكَهُ، (وَذَلِكَ بِرِضَى صَاحِبِ الْغَرْسِ وَالشَّجَرِ، إِلاَّ أَنْ تَنْقُصَ الأَْرْضُ بِقَلْعِهِمَا، فَحِينَئِذٍ يَتَمَلَّكُهُمَا بِغَيْرِ رِضَاهُ) أَوْ يَرْضَى بِتَرْكِهِ عَلَى حَالِهِ،

стр. 1906

فَيَكُونُ الْبِنَاءُ لِهَذَا، وَالأَْرْضُ لِهَذَا؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَلَهُ أَلاَّ يَسْتَوْفِيَهُ. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ تَمَلُّكِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ بِقِيمَتِهِ، أَوْ تَرْكِهِ بِأُجْرَتِهِ، أَوْ قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ، مَا لَمْ يُقْلِعْهُ مَالِكُهُ. وَمِثْل ذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ صَاحِبُ الأَْرْضِ شَرَطَ الْقَلْعَ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّهُ يُعْمَل بِشَرْطِهِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُجْبَرُ صَاحِبُ الْغَرْسِ عَلَى الْقَلْعِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، وَيَجُوزُ لِرَبِّ الأَْرْضِ كِرَاؤُهَا لَهُ مُدَّةً مُسْتَقْبَلَةً (١) ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلزِّرَاعَةِ إِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَالزَّرْعُ لَمْ يُدْرَكْ، فَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَسْتَرِدَّ أَرْضَهُ، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ الزَّرْعَ عَلَى حَالِهِ إِلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ، وَيَكُونُ لِلْمَالِكِ أَجْرُ الْمِثْل؛ لأَِنَّ لِلزَّرْعِ نِهَايَةً مَعْلُومَةً، فَأَمْكَنَ رِعَايَةُ الْجَانِبَيْنِ. وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. غَيْرَ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يُقَيِّدُونَ ذَلِكَ بِعَدَمِ التَّفْرِيطِ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ أُجْبِرَ عَلَى الْقَلْعِ. وَهَذَا هُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الزَّرْعِ الْمُطْلَقِ، أَيِ الَّذِي لَمْ يُحَدَّدْ نَوْعُهُ، فَيَكُونُ لِلْمَالِكِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِنَقْلِهِ. وَأَمَّا فِي الزَّرْعِ الْمُعَيَّنِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ شَرْطٌ بِالْقَلْعِ، فَلَهُ جَبْرُ صَاحِبِ الزَّرْعِ عَلَى قَلْعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَرْطٌ فَقَوْلاَنِ: بِالْجَبْرِ وَعَدَمِهِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَلْزَمُهُ الْبَقَاءُ إِلَى الْحَصَادِ (٢) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِجَارَة) .

стр. 1907

سَادِسًا: الإِْقَالَةُ: ١٤ - الإِْقَالَةُ - سَوَاءٌ اعْتُبِرَتْ فَسْخًا أَمْ بَيْعًا - يَثْبُتُ بِهَا حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، لأَِنَّهَا مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْجَائِزَةِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ أَقَال مُسْلِمًا أَقَال اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (١) وَالْقَصْدُ مِنَ الإِْقَالَةِ هُوَ: رَدُّ كُل حَقٍّ إِلَى صَاحِبِهِ. فَفِي الْبَيْعِ يَعُودُ بِمُقْتَضَاهَا الْمَبِيعُ إِلَى الْبَائِعِ، وَالثَّمَنُ إِلَى الْمُشْتَرِي. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّ الثَّمَنِ الأَْوَّل، أَوْ مِثْلِهِ، وَلاَ يَجُوزُ رَدُّ زِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ، أَوْ نَقْصِهِ، أَوْ رَدُّ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ لأَِنَّ مُقْتَضَى الإِْقَالَةِ رَدُّ الأَْمْرِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَرُجُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى مَا كَانَ لَهُ. وَهَذَا بِالاِتِّفَاقِ فِي الْجُمْلَةِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: الإِْقَالَةُ جَائِزَةٌ بِمَا سَمَّيَا كَالْبَيْعِ الْجَدِيدِ (٢) . سَابِعًا: الإِْفْلاَسُ: ١٥ - حَقُّ الْغُرَمَاءِ يَتَعَلَّقُ بِمَال الْمُفْلِسِ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ قَبْل أَدَاءِ الثَّمَنِ الْحَال - وَالْمَبِيعُ بِيَدِ الْبَائِعِ - فَإِنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَحْبِسَهُ عَنِ الْمُشْتَرِي، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ قَبَضَ الْمَبِيعَ، وَلَمْ يَدْفَعِ الثَّمَنَ، ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، وَوَجَدَ الْبَائِعُ عَيْنَ

стр. 1908

مَالِهِ الَّذِي بَاعَهُ لِلْمُفْلِسِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِالْمَبِيعِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَلاَ يَسْقُطُ حَقُّهُ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ عِنْدَ إِنْسَانٍ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ (١) ، وَبِهِ قَال عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَالَفَهُمَا. فَإِنْ شَاءَ الْبَائِعُ اسْتَرَدَّهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَفَسَخَ الْبَيْعَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَحَاصَّ بَاقِيَ الْغُرَمَاءِ بِثَمَنِهِ. وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. هَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ الَّتِي وُضِعَتْ لاِسْتِرْدَادِ عَيْنِ الْمَبِيعِ، كَكَوْنِهِ بَاقِيًا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ (٢) . . . إِلَخْ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ يَسْقُطُ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي لَهُ بِإِذْنِهِ، وَيَصِيرُ أُسْوَةً بِالْغُرَمَاءِ، فَيُبَاعُ وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ بِالْحِصَصِ؛ لأَِنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ قَدْ زَال عَنِ الْمَبِيعِ، وَخَرَجَ مِنْ ضَمَانِهِ إِلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ، فَسَاوَى بَاقِيَ الْغُرَمَاءِ فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْبَائِعِ كَانَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ (٣) . وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ، فَقَال مَالِكٌ: إِنْ شَاءَ رَدَّ مَا قَبَضَ وَأَخَذَ السِّلْعَةَ كُلَّهَا، وَإِنْ شَاءَ حَاصَّ الْغُرَمَاءَ فِيمَا بَقِيَ. وَقَال الشَّافِعِيُّ: يَأْخُذُ مِنْ سِلْعَتِهِ بِمَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ. وَقَال جَمَاعَةٌ مِنْ

стр. 1909

أَهْل الْعِلْمِ: إِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ: هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ (١) . وَلَوْ بَذَل الْغُرَمَاءُ لِلْبَائِعِ الثَّمَنَ فَيَلْزَمُهُ أَخْذُ الثَّمَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلاَ كَلاَمَ لَهُ فِيهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَهُ الْفَسْخُ؛ لِمَا فِي التَّقْدِيمِ مِنَ الْمِنَّةِ، وَخَوْفِ ظُهُورِ غَرِيمٍ آخَرَ، وَقِيل: لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَلْزَمُهُ الْقَبُول مِنَ الْغُرَمَاءِ، إِلاَّ إِذَا بَذَلَهُ الْغَرِيمُ لِلْمُفْلِسِ، ثُمَّ بَذَلَهُ الْمُفْلِسُ لِرَبِّ السِّلْعَةِ (٢) . وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ تُنْظَرُ فِي (حَجْر - إِفْلاَس) . ثَامِنًا: الْمَوْتُ: ١٦ - مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ تَعَلَّقَتِ الدُّيُونُ بِمَالِهِ، وَإِذَا مَاتَ مُفْلِسًا قَبْل تَأْدِيَةِ ثَمَنِ مَا اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ، وَوَجَدَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ فِي التَّرِكَةِ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ، بَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ، وَيَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَال فِي رَجُلٍ أَفْلَسَ: هَذَا الَّذِي قَضَى فِيهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَإِنْ كَانَتِ التَّرِكَةُ تَفِي بِالدَّيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، وَهُوَ قَوْل أَبِي سَعِيدٍ الإِْصْطَخْرِيِّ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالثَّانِي: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لأَِنَّ الْمَال يَفِي بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ فِي الْمَبِيعِ، كَالْحَيِّ الْمَلِيءِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ: لَيْسَ لِلْبَائِعِ

стр. 1910

الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ، بَل يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعَهُ فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. (١) وَلأَِنَّ الْمِلْكَ انْتَقَل عَنِ الْمُفْلِسِ إِلَى الْوَرَثَةِ فَأَشْبَهَ. مَا لَوْ بَاعَهُ (٢) . تَاسِعًا: الرُّشْدُ: ١٧ - يَجِبُ دَفْعُ الْمَال إِلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ وَرَشَدَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣) حَتَّى لَوْ مَنَعَهُ الْوَلِيُّ، أَوِ الْوَصِيُّ مِنْهُ حِينَ طَلَبِهِ مَالَهُ يَكُونُ ضَامِنًا (٤) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ (ر: رُشْد - حَجْر) . صِيغَةُ الاِسْتِرْدَادِ: ١٨ - فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ (وَهُوَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْفَسْخُ وَالرَّدُّ) يَكُونُ الْفَسْخُ بِالْقَوْل، كَفَسَخْتُ الْعَقْدَ أَوْ نَقَضْتُ أَوْ رَدَدْتُ، فَيَنْفَسِخُ وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَلاَ إِلَى رِضَى الْبَائِعِ؛ لأَِنَّ هَذَا الْبَيْعَ اسْتَحَقَّ الْفَسْخَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى. وَيَكُونُ الرَّدُّ بِالْفِعْل، وَهُوَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ عَلَى بَائِعِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ رَدَّهُ (٥) .

стр. 1911

وَالرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ - وَهُوَ اسْتِرْدَادٌ - يَكُونُ بِقَوْل الْوَاهِبِ: رَجَعْتُ فِي هِبَتِي، أَوِ ارْتَجَعْتُهَا، أَوْ رَدَدْتُهَا، أَوْ عُدْتُ فِيهَا (١) . أَوْ يَكُونُ بِالأَْخْذِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ (٢) ، أَوْ الإِْشْهَادِ (٣) ، أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي كَمَا هُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٤) . كَيْفِيَّةُ الاِسْتِرْدَادِ: إِذَا ثَبَتَ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ لإِِنْسَانٍ فِي شَيْءٍ مَا، بِأَيِّ سَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا، فَإِنَّ الاِسْتِرْدَادَ يَتَحَقَّقُ بِعِدَّةِ أُمُورٍ: الأَْوَّل: اسْتِرْدَادُ عَيْنِ الشَّيْءِ: ١٩ - إِذَا كَانَ مَا يَسْتَحِقُّ اسْتِرْدَادَهُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ بِعَيْنِهِ، فَالْمَغْصُوبُ، وَالْمَسْرُوقُ، وَالْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا، وَالْمَفْسُوخُ لِخِيَارٍ، أَوْ لاِنْقِطَاعِ مُسْلَمٍ فِيهِ، أَوْ لإِِقَالَةٍ، كُل هَذَا يُسْتَرَدُّ بِعَيْنِهِ مَا دَامَ قَائِمًا. وَكَذَلِكَ الأَْمَانَاتُ، كَالْوَدَائِعِ وَالْعَوَارِيِّ تُرَدُّ بِعَيْنِهَا مَا دَامَتْ قَائِمَةً، وَمِثْل ذَلِكَ مَا انْتَهَتْ مُدَّتُهُ فِي الْعَقْدِ كَالإِْجَارَةِ، وَالْعَارِيَّةِ الْمُقَيَّدَةِ بِأَجَلٍ، وَمَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْمُفْلِسِ وَثَبَتَ اسْتِحْقَاقُهُ، وَمَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالْهِبَةِ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٥)

стр. 1912

وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ. وَقَوْلُهُ: مَنْ وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. (١) وَرَدُّ الْعَيْنِ هُوَ الْوَاجِبُ الأَْصْلِيُّ (إِلاَّ مَا جَاءَ فِي الْقَرْضِ مِنْ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ رَدُّ الْعَيْنِ، وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا) عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ (٢) . هَذَا إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا دُونَ حُدُوثِ تَغْيِيرٍ فِيهَا، لَكِنَّهَا قَدْ تَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةٍ، أَوْ نَقْصٍ، أَوْ تَغْيِيرِ صُورَةٍ، فَهَل يُؤَثِّرُ ذَلِكَ عَلَى اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ؟ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ صُوَرًا كَثِيرَةً، وَفُرُوعًا مُتَعَدِّدَةً، وَأَهَمُّ مَا وَرَدَ فِيهِ ذَلِكَ: الْبَيْعُ الْفَاسِدُ، وَالْغَصْبُ وَالْهِبَةُ. وَنُورِدُ فِيمَا يَلِي بَعْضَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْفُرُوعِ وَالْمَسَائِل. أَوَّلاً: بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْغَصْبِ: ٢٠ - يَتَشَابَهُ الْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْغَصْبِ، حَيْثُ إِنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يَجِبُ فِيهِ الْفَسْخُ وَالرَّدُّ حَقًّا لِلشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ الْمَغْصُوبُ يَجِبُ رَدُّهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

стр. 1913

أ - التَّغْيِيرُ بِالزِّيَادَةِ: ٢١ - إِذَا تَغَيَّرَ الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا أَوِ الْمَغْصُوبُ بِالزِّيَادَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْل، كَالسِّمَنِ وَالْجَمَال، أَوْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْل، كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ وَالثَّمَرَةِ، أَمْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الأَْصْل، كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْكَسْبِ، فَإِنَّهَا لاَ تَمْنَعُ الرَّدَّ، وَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَسْتَرِدَّ الأَْصْل مَعَ الزِّيَادَةِ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَتَابِعَةٌ لِلأَْصْل، وَالأَْصْل مَضْمُونُ الرَّدِّ، فَكَذَلِكَ التَّبَعُ. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْغَصْبِ، وَعِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا. أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ الْمَبِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا يَفُوتُ بِالزِّيَادَةِ، وَلاَ يَجِبُ رَدُّ عَيْنِهِ (١) . وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الأَْصْل، كَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَمْتَنِعُ الرَّدُّ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؛ لِتَعَذُّرِ الْفَصْل، أَمَّا فِي الْغَصْبِ فَإِنَّ الْمَالِكَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ دُونَ صَبْغٍ، وَمِثْلُهُ السَّوِيقُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا وَغَرِمَ مَا زَادَ الصَّبْغُ وَالسَّمْنُ فِيهِمَا، وَذَلِكَ رِعَايَةٌ لِلْجَانِبَيْنِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. لاَ رَدَّ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَفِي الْغَصْبِ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ فِي الثَّوْبِ فَقَطْ، أَمَّا السَّوِيقُ فَلاَ يُسْتَرَدُّ؛ لأَِنَّهُ تَفَاضُل طَعَامَيْنِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: يُرَدُّ لِصَاحِبِهِ، وَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الزِّيَادَةِ إِنْ زَادَ بِذَلِكَ، وَيَقُول

стр. 1914

الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَمْكَنَ قَلْعُ الصَّبْغِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ (١) . ب - التَّغْيِيرُ بِالنَّقْصِ: ٢٢ - إِذَا كَانَ التَّغْيِيرُ بِالنَّقْصِ، كَمَا إِذَا نَقَصَ الْعَقَارُ بِسُكْنَاهُ وَزِرَاعَتِهِ، وَكَتَخَرُّقِ الثَّوْبِ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ مَعَ أَرْشِ النُّقْصَانِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ النُّقْصَانُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَمْ بِفِعْل الْغَاصِبِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ فِي الْغَصْبِ، وَعِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ التَّغْيِيرُ بِالنَّقْصِ مَانِعًا لِلرَّدِّ وَفَوْتًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) ، كَالزِّيَادَةِ. ج - التَّغْيِيرُ بِالصُّورَةِ وَالشَّكْل: ٢٣ - وَإِذَا تَغَيَّرَتْ صُورَةُ الْمُسْتَحَقِّ، بِأَنْ كَانَ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، أَوْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ غَزْلاً فَنَسَجَهُ، أَوْ قُطْنًا فَغَزَلَهُ، أَوْ ثَوْبًا فَخَاطَهُ قَمِيصًا، أَوْ طِينًا جَعَلَهُ لَبِنًا أَوْ فَخَّارًا، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ يَنْقَطِعُ حَقُّ صَاحِبِهِ فِي الاِسْتِرْدَادِ، وَيَجِبُ رَدُّهُ لِصَاحِبِهِ؛ لأَِنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، وَلَهُ مَعَ ذَلِكَ أَرْشُ نَقْصِهِ إِنْ نَقَصَ بِذَلِكَ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: يَنْقَطِعُ حَقُّ صَاحِبِهِ فِي اسْتِرْدَادِ عَيْنِهِ، لأَِنَّ اسْمَهُ قَدْ تَبَدَّل (٣) . د - التَّغْيِيرُ بِالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فِي الأَْرْضِ: ٢٤ - وَالْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ فِي الأَْرْضِ لاَ يَمْنَعُ الاِسْتِرْدَادَ، وَيُؤْمَرُ صَاحِبُ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ بِقَلْعِ

стр. 1915

غَرْسِهِ، وَنَقْضِ بِنَائِهِ، وَرَدِّ الأَْرْضِ لِصَاحِبِهَا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْحُكْمُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الْغَصْبِ دُونَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُعْتَبَرُ فَوْتًا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ حَصَلاَ بِتَسْلِيطٍ مِنَ الْبَائِعِ، فَيَنْقَطِعُ حَقُّهُ فِي الاِسْتِرْدَادِ (١) . وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ فِي اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ إِلاَّ بِالْهَلاَكِ الْكُلِّيِّ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَنْقَطِعُ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ فِي الْمُسْتَحَقِّ إِلاَّ إِذَا تَغَيَّرَتْ صُورَتُهُ وَتَبَدَّل اسْمُهُ. وَالأَْمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْغَصْبِ، أَمَّا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَالتَّغْيِيرَ يُعْتَبَرُ فَوْتًا، وَلاَ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ. وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفَاصِيل كَثِيرَةٌ وَمَسَائِل مُتَعَدِّدَةٌ. (ر: غَصْب - بَيْع - فَسَاد - فَسْخ) . ثَانِيًا: بِالنِّسْبَةِ لِلْهِبَةِ: ٢٥ - مَنْ وَهَبَ لِمَنْ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ - عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، تَفْصِيلُهُ فِي الْهِبَةِ - فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَيَسْتَرِدَّهَا مَا دَامَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا. فَإِنْ زَادَتِ الْهِبَةُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً - كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ - فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لاَ تَمْنَعُ الاِسْتِرْدَادَ، لَكِنَّهُ يَسْتَرِدُّ الأَْصْل فَقَطْ، دُونَ الزِّيَادَةِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ.

стр. 1916

وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً، فَإِنَّهَا لاَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَيَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ: فَإِنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ. وَإِذَا نَقَصَتِ الْهِبَةُ فِي يَدِ الْوَاهِبِ فَإِنَّهَا لاَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْ غَيْرِ أَرْشِ مَا نَقَصَ (١) . وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ ثَوَابٍ مَعْلُومٍ تَصِحُّ، فَإِنْ كَانَ الثَّوَابُ مَجْهُولاً لَمْ تَصِحَّ، كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَصَارَتْ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُهُ، وَتُرَدُّ بِزَوَائِدِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ؛ لأَِنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِ الْوَاهِبِ (٢) . وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ يُجِيزُ لِلأَْبِ، وَلِمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِثَوَابٍ الرُّجُوعَ فِيهَا، إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا، فَإِنْ حَدَثَ فِيهَا تَغْيِيرٌ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فَلاَ تُسْتَرَدُّ، أَوْ كَانَ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ تَزَوَّجَ لأَِجْل الْهِبَةِ، فَذَلِكَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيهَا (٣) . الثَّانِي: الإِْتْلاَفُ بِوَاسِطَةِ الْمُسْتَحَقِّ: ٢٦ - يُعْتَبَرُ إِتْلاَفُ الْمَالِكِ مَا يَسْتَحِقُّهُ عِنْدَ وَاضِعِ الْيَدِ عَلَيْهِ اسْتِرْدَادًا لَهُ، فَالطَّعَامُ الْمَغْصُوبُ إِذَا أَطْعَمَهُ الْغَاصِبُ لِمَالِكِهِ، فَأَكَلَهُ عَالِمًا أَنَّهُ طَعَامُهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ مِنَ الضَّمَانِ، وَاعْتُبِرَ الْمَالِكُ مُسْتَرِدًّا

стр. 1917

لِطَعَامِهِ؛ لأَِنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمَالِكُ أَنَّهُ طَعَامُهُ، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَغَيْرِ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنَ الضَّمَانِ (١) . وَإِذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، وَثَبَتَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ فِيهِ لأَِيِّ سَبَبٍ، فَأَتْلَفَهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، صَارَ مُسْتَرِدًّا لِلْمَبِيعِ بِالاِسْتِهْلاَكِ. وَإِذَا هَلَكَ الْبَاقِي مِنْ سِرَايَةِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ يَصِيرُ مُسْتَرِدًّا لِلْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ عَنِ الْمُشْتَرِي جَمِيعُ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّ تَلَفَ الْبَاقِي حَصَل مُضَافًا إِلَى فِعْلِهِ فَصَارَ مُسْتَرِدًّا لِلْكُل. وَلَوْ قَتَل الْبَائِعُ الْمَبِيعَ يُعْتَبَرُ مُسْتَرِدًّا بِالْقَتْل، وَكَذَلِكَ لَوْ حَفَرَ الْبَائِعُ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهِ وَمَاتَ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْقَتْل فَيَصِيرُ مُسْتَرِدًّا (٢) . مَنْ لَهُ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ: ٢٧ - يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ - إِنْ كَانَ أَهْلاً لِلتَّصَرُّفِ - اسْتِرْدَادُ مَا يَسْتَحِقُّ لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ. وَكَمَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَقُّ لِلْمَالِكِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَالْوَلِيُّ أَوِ الْوَصِيُّ يَقُومُ مَقَامَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي تَخْلِيصِ حَقِّهِ مِنْ رَدِّ وَدِيعَةٍ، وَمَغْصُوبٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَمَا يُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، وَجَمْعِ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ بِالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الاِسْتِرْدَادُ.

стр. 1918

وَإِذَا تَبَرَّعَ الصَّبِيُّ لاَ تَنْفُذُ تَبَرُّعَاتُهُ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَلِيِّ رَدُّهَا (١) . وَكَذَلِكَ الْوَكِيل يَقُومُ مَقَامَ مُوَكِّلِهِ فِيمَا وُكِّل فِيهِ، وَالرَّدُّ عَلَى الْوَكِيل حِينَئِذٍ يَكُونُ كَالرَّدِّ عَلَى الْمُوَكِّل، حَيْثُ إِنَّ الْوَكَالَةَ تَجُوزُ فِي الْفُسُوخِ، وَفِي قَبْضِ الْحُقُوقِ (٢) . وَمِثْل ذَلِكَ نَاظِرُ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ رَدَّ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَضُرُّ بِالْوَقْفِ (٣) . وَالْحَاكِمُ أَوِ الْقَاضِي لَهُ النَّظَرُ فِي مَال الْغَائِبِ، وَيَأْخُذُ لَهُ الْمَال مِنَ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ وَيَحْفَظُهُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ نَاظِرٌ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ (٤) . ٢٨ - كَذَلِكَ لِلإِْمَامِ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، فَمَنْ أَقْطَعَهُ الإِْمَامُ شَيْئًا مِنَ الْمَوَاتِ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ، لَكِنْ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ، كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الإِْحْيَاءِ؛ لِمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ بِلاَل بْنِ الْحَارِثِ حَيْثُ اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْهُ مَا عَجَزَ عَنْ إِحْيَائِهِ، مِنَ الْعَقِيقِ الَّذِي أَقْطَعَهُ إِيَّاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٥) ، وَلَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَجُزِ اسْتِرْجَاعُهُ. وَكَذَلِكَ رَدُّ عُمَرَ قَطِيعَةَ أَبِي بَكْرٍ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، فَسَأَل عُيَيْنَةُ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ كِتَابًا فَقَال: لاَ، وَاَللَّهِ لاَ أُجَدِّدُ شَيْئًا رَدَّهُ عُمَرُ. لَكِنِ الْمُقْطَعُ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ

стр. 1919

مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَوْلَى بِإِحْيَائِهِ، فَإِنْ أَحْيَاهُ وَإِلاَّ قَال لَهُ السُّلْطَانُ: ارْفَعْ يَدَكَ عَنْهُ (١) . مَوَانِعُ الاِسْتِرْدَادِ: ٢٩ - سُقُوطُ حَقِّ الْمَالِكِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الاِسْتِرْدَادِ لِمَانِعٍ مِنَ الْمَوَانِعِ يَشْمَل مَا يَأْتِي: أ - سُقُوطُ الْحَقِّ فِي اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ مَعَ سُقُوطِ الضَّمَانِ. ب - سُقُوطُ الْحَقِّ فِي اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ مَعَ بَقَاءِ الْحَقِّ فِي الضَّمَانِ. ج - سُقُوطُ الْحَقِّ فِي اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ وَالضَّمَانُ قَضَاءً لاَ دِيَانَةً. أَوَّلاً: يَسْقُطُ الْحَقُّ فِي اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ وَالضَّمَانِ بِمَا يَأْتِي: أ - حُكْمُ الشَّرْعِ: ٣٠ - وَذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا؛ لأَِنَّ الصَّدَقَةَ لإِِرَادَةِ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ ، وَقَدْ قَال سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، لأَِنَّ الرَّأْيَ الرَّاجِحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لِلتَّطَوُّعِ عَلَى الْوَلَدِ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا (٢) . وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الْوَلَدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَدَ: لاَ يَجُوزُ رُجُوعُ الْمَرْأَةِ فِيمَا وَهَبَتْهُ لِزَوْجِهَا. وَلِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَلِكَ هِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ

стр. 1920

عِنْدَهُمْ، وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَحِل لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلاَّ الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ. (١) وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الرَّجُل أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يَثِبْ مِنْهَا أَيْ لَمْ يُعَوِّضْ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ عِوَضٌ مَعْنًى؛ لأَِنَّ التَّوَاصُل سَبَبُ الثَّوَابِ فِي الدَّارِ الآْخِرَةِ، فَكَانَ أَقْوَى مِنَ الْمَال (٢) . وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ إِذَا تَمَّ وَلَزِمَ، لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَال: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالاً أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟ فَقَال: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلاَ يُبْتَاعُ، وَلاَ يُوهَبُ، وَلاَ يُورَثُ (٣) . وَالْخَمْرُ لاَ تُسْتَرَدُّ؛ لِحُرْمَةِ تَمَلُّكِهَا لِلْمُسْلِمِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ اسْتِرْدَادُهَا إِنْ غُصِبَتْ مِنْهُ، وَيَجِبُ إِرَاقَتُهَا؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا (٤) .

стр. 1921

ب - التَّصَرُّفُ وَالإِْتْلاَفُ: ٣١ - الْهِبَةُ الَّتِي يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ لِلاِبْنِ أَمْ لِلأَْجْنَبِيِّ - عَلَى اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ - إِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ أَتْلَفَهَا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ فِيهَا مَعَ سُقُوطِ الضَّمَانِ (١) . ج - التَّلَفُ: ٣٢ - مَا كَانَ أَمَانَةً، كَالْمَال تَحْتَ يَدِ الْوَكِيل وَعَامِل الْقِرَاضِ، وَكَالْوَدِيعَةِ، وَكَالْعَارِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - إِذَا تَلِفَ دُونَ تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ - فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّ الْمَالِكِ فِي الاِسْتِرْدَادِ (٢) مَعَ سُقُوطِ الضَّمَانِ. ثَانِيًا: مَا يُسْقِطُ الْحَقَّ فِي اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ مَعَ بَقَاءِ الْحَقِّ فِي الضَّمَانِ: ٣٣ - اسْتِرْدَادُ الْعَيْنِ هُوَ الأَْصْل لِمَا يَجِبُ فِيهِ الرَّدُّ، كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا، فَمَا دَامَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ. بَل إِنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ لاَ يَمْنَعُ الرَّدَّ، فَيَجْتَمِعُ عَلَى السَّارِقِ: الْقَطْعُ وَضَمَانُ مَا سَرَقَهُ؛ لأَِنَّهُمَا حَقَّانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا، فَيَرُدُّ السَّارِقُ مَا سَرَقَهُ لِمَالِكِهِ إِنْ بَقِيَ؛ لأَِنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ. وَقَدْ يَحْدُثُ فِي الْعَيْنِ مَا يَمْنَعُ رَدَّهَا وَذَلِكَ بِاسْتِهْلاَكِهَا، أَوْ تَلَفِهَا، أَوْ تَغَيُّرِهَا تَغَيُّرًا يُخْرِجُهَا عَنِ اسْمِهَا، وَعِنْدَئِذٍ يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي الضَّمَانِ (الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةُ) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (ضَمَان) .

стр. 1922

ثَالِثًا: سُقُوطُ الْحَقِّ فِي اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ وَالضَّمَانِ قَضَاءً لاَ دِيَانَةً: ٣٤ - وَذَلِكَ كَمَا لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَل دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَلاَ بِالضَّمَانِ، وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ﷻ . عَوْدَةُ حَقِّ الاِسْتِرْدَادِ بَعْدَ زَوَال الْمَانِعِ: ٣٥ - مَا وَجَبَ رَدُّهُ ثُمَّ بَطَل حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ فِيهِ لِمَانِعٍ، فَإِنَّ هَذَا الْحَقَّ يَعُودُ إِذَا زَال الْمَانِعُ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ إِذَا زَال عَادَ الْمَمْنُوعُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: الْبَيْعُ الْفَاسِدُ - حَيْثُ يَجِبُ فِيهِ الرَّدُّ - إِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ الْمُشْتَرِي بِبَيْعٍ سَقَطَ حَقُّ الرَّدِّ، فَإِنْ رُدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي بِخِيَارِ شَرْطٍ، أَوْ رُؤْيَةٍ، أَوْ عَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ، وَعَادَ عَلَى حُكْمِ الْمِلْكِ الأَْوَّل عَادَ حَقُّ الْفَسْخِ وَالرَّدِّ؛ لأَِنَّ الرَّدَّ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ فَسْخٌ مَحْضٌ، فَكَانَ دَفْعًا لِلْعَقْدِ مِنَ الأَْصْل وَجَعْلاً لَهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. أَمَّا لَوِ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، أَوْ عَادَ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ مُبْتَدَأٍ لاَ يَعُودُ حَقُّ الْفَسْخِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ اخْتَلَفَ لاِخْتِلاَفِ السَّبَبِ، فَكَانَ اخْتِلاَفُ الْمِلْكَيْنِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلاَفِ الْعَقْدَيْنِ. هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَيُسَايِرُهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي عَوْدَةِ حَقِّ الاِسْتِرْدَادِ إِذَا زَال الْمَانِعُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْحَنَفِيَّةَ فِي أَنَّهُ لَوْ عَادَ الْمَبِيعُ الْفَاسِدُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ - سَوَاءٌ كَانَ عَوْدُهُ اخْتِيَارِيًّا أَوْ ضَرُورِيًّا كَإِرْثٍ - فَإِنَّهُ يَعُودُ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، مَا لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِعَدَمِ الرَّدِّ، أَوْ كَانَ الْفَوَاتُ رَاجِعًا لِتَغَيُّرِ السُّوقِ، ثُمَّ عَادَ السُّوقُ إِلَى حَالَتِهِ الأُْولَى، فَلاَ

стр. 1923

يَرْتَفِعُ حُكْمُ السَّبَبِ الْمَانِعِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي الرَّدُّ. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: فَإِنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ عِنْدَهُمْ لاَ يَحْصُل بِهِ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، وَلاَ يَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي بِبَيْعٍ وَلاَ هِبَةٍ وَلاَ عِتْقٍ وَلاَ غَيْرِهِ، هُوَ وَاجِبُ الرَّدِّ مَا لَمْ يَتْلَفْ فَيَكُونُ فِيهِ الضَّمَانُ (١) . وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَنَافِعِ الأَْعْضَاءِ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى حَالَتِهَا الطَّبِيعِيَّةِ فَإِنَّ الدِّيَةَ تُسْتَرَدُّ. وَعَلَى ذَلِكَ: مَنْ جَنَى عَلَى سَمْعِ إِنْسَانٍ فَزَال السَّمْعُ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ، ثُمَّ عَادَ السَّمْعُ، وَجَبَ رَدُّ الدِّيَةِ؛ لأَِنَّ السَّمْعَ لَمْ يَذْهَبْ؛ لأَِنَّهُ لَوْ ذَهَبَ لَمَا عَادَ. وَمَنْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْنِ فَذَهَبَ ضَوْءُهُمَا وَجَبَتِ الدِّيَةُ، فَإِنْ أُخِذَتِ الدِّيَةُ، ثُمَّ عَادَ الضَّوْءُ وَجَبَ رَدُّ الدِّيَةِ. وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلاَفٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ (٢) . (ر: جِنَايَة - دِيَة) . أَثَرُ الاِسْتِرْدَادِ: ٣٦ - الاِسْتِرْدَادُ حَقٌّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَثْبُتُ نَتِيجَةً لِبَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ، فَفِي الْغَصْبِ يَثْبُتُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ مِنَ الْغَاصِبِ، وَفِي الْعَارِيَّةِ يَثْبُتُ لِلْمُعِيرِ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ، وَفِي الْوَدِيعَةِ يَثْبُتُ لِلْمُودِعِ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ مِنَ الْمُودَعِ، وَفِي الرَّهْنِ يَثْبُتُ لِلرَّاهِنِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ الْمَرْهُونِ مِنَ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ.

стр. 1924

وَمَا وَجَبَ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا، وَالأَْمَانَاتِ حِينَ طَلَبِهَا إِذَا رُدَّتْ أَوِ اسْتَرَدَّهَا كُلَّهَا فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مَا يَأْتِي: أ - الْبَرَاءَةُ مِنَ الضَّمَانِ، فَالْغَاصِبُ يَبْرَأُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَالْمُودَعُ يَبْرَأُ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ، وَهَكَذَا. ب - يُعْتَبَرُ الرَّدُّ فَسْخًا لِلْعَقْدِ، فَرَدُّ الْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا يُعْتَبَرُ فَسْخًا لِلْعَقْدِ. ج - تَرَتُّبُ بَعْضِ الْحُقُوقِ، كَثُبُوتِ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ لِمَنِ اسْتُحِقَّ بِيَدِهِ شَيْءٌ عَلَى مَنِ اشْتَرَاهَا مِنْهُ. اسْتِرْسَالٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِرْسَال أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ: السُّكُونُ وَالثَّبَاتُ. وَمِنْ مَعَانِيهِ لُغَةً: الاِسْتِئْنَاسُ وَالطُّمَأْنِينَةُ إِلَى الإِْنْسَانِ وَالثِّقَةُ بِهِ. (١) وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِعِدَّةِ مَعَانٍ: أ - بِمَعْنَى الطُّمَأْنِينَةِ إِلَى الإِْنْسَانِ وَالثِّقَةِ بِهِ، وَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ (٢) . ب - بِمَعْنَى الاِنْسِحَابِ وَاللَّحَاقِ وَالاِنْجِرَارِ مِنَ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ (٣) ، وَذَلِكَ فِي الْوَلاَءِ.

стр. 1925

ج - بِمَعْنَى الاِنْطِلاَقِ وَالاِنْبِعَاثِ بِدُونِ بَاعِثٍ (١) ، وَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: أَوَّلاً - بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ: ٢ - الْمُسْتَرْسِل هُوَ الْجَاهِل بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ، وَلاَ يُحْسِنُ الْمُبَايَعَةَ، قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: الْمُسْتَرْسِل: هُوَ الَّذِي لاَ يُمَاكِسُ، فَكَأَنَّهُ اسْتَرْسَل إِلَى الْبَائِعِ، فَأَخَذَ مَا أَعْطَاهُ، مِنْ غَيْرِ مُمَاكَسَةٍ وَلاَ مَعْرِفَةٍ بِغَبْنِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُسْتَرْسِل إِذَا غَبَنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ الْعَادَةِ. فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْمْضَاءِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : غَبْنُ الْمُسْتَرْسِل حَرَامٌ. (٢) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَثْبُتُ لَهُ الرَّدُّ؛ لأَِنَّ الْمَبِيعَ سَلِيمٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ تَدْلِيسٌ، وَإِنَّمَا فَرَّطَ الْمُشْتَرِي فِي تَرْكِ التَّأَمُّل، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرَّدُّ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ يُفْتَى بِالرَّدِّ إِنْ حَدَثَ غَرَرٌ، وَذَلِكَ رِفْقًا بِالنَّاسِ (٣) . وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِيمَا يُعْتَبَرُ غَبْنًا وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ، وَهَل يُقَدَّرُ بِالثُّلُثِ أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (غَبْن - خِيَار) .

стр. 1926

ثَانِيًا: بِالنِّسْبَةِ لِلصَّيْدِ: ٣ - يُشْتَرَطُ لإِِبَاحَةِ مَا قَتَلَهُ الْحَيَوَانُ الْجَارِحُ إِرْسَال الصَّائِدِ لَهُ. فَإِذَا اسْتَرْسَل مِنْ نَفْسِهِ دُونَ إِرْسَال الصَّائِدِ فَلاَ يَحِل مَا قَتَلَهُ، إِلاَّ إِذَا وَجَدَهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِل فَذَكَّاهُ. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا إِذَا أَشْلاَهُ الصَّائِدُ - أَيْ أَغْرَاهُ - أَوْ زَجَرَهُ أَثْنَاءَ اسْتِرْسَالِهِ، هَل يَحِل أَوْ لاَ؟ عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (صَيْد - وَإِرْسَال) . ثَالِثًا: بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلاَءِ: ٤ - إِذَا تَزَوَّجَ الْمَمْلُوكُ حُرَّةً مَوْلاَةً لِقَوْمٍ أَعْتَقُوهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلاَدًا فَهُمْ مَوَالٍ لِمَوَالِي أُمِّهِمْ، مَا دَامَ الأَْبُ رَقِيقًا مَمْلُوكًا، فَإِذَا عَتَقَ الأَْبُ اسْتُرْسِل الْوَلاَءُ (انْجَرَّ وَانْسَحَبَ) مِنْ مَوَالِي الأُْمِّ إِلَى مَوَالِي الْعَبْدِ. أَمَّا لَوْ وَلَدَتْ الأَْمَةُ قَبْل عِتْقِهَا، ثُمَّ عَتَقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ يَنْسَحِبُ الْوَلاَءُ؛ لأَِنَّ الْوَلَدَ مَسَّهُ رِقٌّ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (٢) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٥ - يُنْظَرُ تَفْصِيل هَذِهِ الْمَوَاضِيعِ فِي بَابِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ، وَفِي بَابِ الْوَلاَءِ، وَفِي شُرُوطِ حِل الصَّيْدِ فِي بَابِ الصَّيْدِ (٣) .

стр. 1927

اسْتِرْقَاقٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِرْقَاقُ لُغَةً: الإِْدْخَال فِي الرِّقِّ، وَالرِّقُّ (١) : كَوْنُ الآْدَمِيِّ مَمْلُوكًا مُسْتَعْبَدًا. وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ عَنْ ذَلِكَ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الأَْسْرُ وَالسَّبْيُ: ، ٢ - الأَْسْرُ هُوَ: الشَّدُّ بِالإِْسَارِ، وَالإِْسَارُ: مَا يُشَدُّ بِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الأَْسْرُ عَلَى الأَْخْذِ ذَاتِهِ. وَالسَّبْيُ هُوَ: الأَْسْرُ أَيْضًا، وَلَكِنْ يَغْلِبُ إِطْلاَقُ السَّبْيِ عَلَى أَخْذِ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ. وَالأَْسْرُ وَالسَّبْيُ مَرْحَلَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الاِسْتِرْقَاقِ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ يَتْبَعُهَا اسْتِرْقَاقٌ أَوْ لاَ يَتْبَعُهَا، إِذْ قَدْ يُؤْخَذُ الْمُحَارِبُ، ثُمَّ يُمَنُّ عَلَيْهِ، أَوْ يُفْدَى، أَوْ يُقْتَل وَلاَ يُسْتَرَقُّ (٢) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلاِسْتِرْقَاقِ: ٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِرْقَاقِ بِاخْتِلاَفِ الْمُسْتَرَقِّ (بِالْفَتْحِ) ، فَإِنْ كَانَ الأَْسِيرُ مِمَّنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْحَرْبِ فَلاَ يَجِبُ اسْتِرْقَاقُهُ، بَل يَجُوزُ، وَيَكُونُ النَّظَرُ فِيهِ إِلَى

стр. 1928

الإِْمَامِ، إِنْ رَأَى فِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ، وَإِنْ رَأَى فِي اسْتِرْقَاقِهِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ اسْتَرَقَّهُ، كَمَا يَجُوزُ الْمَنُّ وَالْفِدَاءُ أَيْضًا. أَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْحَرْبِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ اسْتِرْقَاقِهِ، بَل إِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ يُسْتَرَقُّ بِنَفْسِ الأَْسْرِ (١) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِ، حَيْثُ يُخَيَّرُ الإِْمَامُ بَيْنَ الاِسْتِرْقَاقِ وَغَيْرِهِ، كَجَعْلِهِمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْمُفَادَاةِ بِهِمْ (٢) ، أَوِ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ - كَمَا فَعَل الرَّسُول ﷺ فِي فَتْحِ مَكَّةَ - عَلَى مَا يَرَى مِن الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ. وَلِلتَّفْصِيل (ر: أَسْرَى) حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الاِسْتِرْقَاقِ: ٤ - قَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبُخَارِيُّ شَيْخُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: " الرِّقُّ إِنَّمَا ثَبَتَ فِي بَنِي آدَمَ لاِسْتِنْكَافِهِمْ مِنْ عُبُودِيَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَكُلُّهُمْ عَبِيدُهُ وَأَرِقَّاؤُهُ، فَإِنَّهُ خَلَقَهُمْ وَكَوَّنَهُمْ، فَلَمَّا اسْتَنْكَفُوا عَنْ عُبُودِيَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى جَزَاهُمْ بِرِقِّهِمْ لِعِبَادِهِ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ فَقَدْ أَعَادَهُ الْمُعْتِقُ إِلَى رِقِّهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا، فَعَسَى يَرَى هَذِهِ الْمِنَّةَ: أَنَّهُ لَوِ اسْتَنْكَفَ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لاَبْتُلِيَ بِرِقٍّ لِعَبِيدِهِ، فَيُقِرُّ لِلَّهِ تَعَالَى

стр. 1929

بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَيَفْتَخِرُ بِعُبُودِيَّتِهِ (١) ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ . (٢) ٥ - وَكَانَ طَرِيقُ التَّخَلُّصِ مِنَ الرِّقِّ الَّذِي انْتَهَجَهُ الإِْسْلاَمُ يَتَلَخَّصُ فِي أَمْرَيْنِ: الأَْمْرُ الأَْوَّل: حَصْرِ مَصَادِرِ الاِسْتِرْقَاقِ بِمَصْدَرَيْنِ اثْنَيْنِ لاَ ثَالِثَ لَهُمَا، وَإِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ أَيُّ مَصْدَرٍ غَيْرُهُمَا مَصْدَرًا مَشْرُوعًا لِلاِسْتِرْقَاقِ: أَحَدُهُمَا: الأَْسْرَى وَالسَّبْيُ مِنْ حَرْبٍ لِعَدُوٍّ كَافِرٍ إِذَا رَأَى الإِْمَامُ أَنَّ مِنَ الْمَصْلَحَةِ اسْتِرْقَاقَهُمْ. وَثَانِيهُمَا: مَا وُلِدَ مِنْ أُمٍّ رَقِيقَةٍ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، أَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا فَهُوَ حُرٌّ. الأَْمْرُ الثَّانِي: فَتْحُ أَبْوَابِ تَحْرِيرِ الرَّقِيقِ عَلَى مَصَارِيعِهَا، كَالْكَفَّارَاتِ، وَالنُّذُورِ، وَالْعِتْقِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُكَاتَبَةِ، وَالاِسْتِيلاَدِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالْعِتْقِ بِمِلْكِ الْمَحَارِمِ، وَالْعِتْقِ بِإِسَاءَةِ الْمُعَامَلَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. ٦ - مَنْ لَهُ حَقُّ الاِسْتِرْقَاقِ: اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الَّذِي لَهُ حَقُّ الاِسْتِرْقَاقِ أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ هُوَ الإِْمَامُ الأَْعْظَمُ لِلْمُسْلِمِينَ، بِحُكْمِ وِلاَيَتِهِ الْعَامَّةِ، أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ، وَلِذَلِكَ جُعِل إِلَيْهِ أَمْرُ الْخِيَارِ فِي الاِسْتِرْقَاقِ وَعَدَمِهِ (٣) .

стр. 1930

أَسْبَابُ الاِسْتِرْقَاقِ: أَوَّلاً - مَنْ يُضْرَبُ عَلَيْهِ الرِّقُّ: ٧ - لاَ يَجُوزُ ضَرْبُ الرِّقِّ عَلَى النِّسَاءِ إِلاَّ إِذَا تَوَفَّرَتْ فِيمَنْ يُسْتَرَقُّ صِفَتَانِ: الصِّفَةُ الأُْولَى الْكُفْرُ، وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ الْحَرْبُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُحَارِبًا بِنَفْسِهِ، أَمْ تَابِعًا لِمُحَارِبٍ، عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: أ - الأَْسْرَى مِن الَّذِينَ اشْتَرَكُوا فِي حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ فِعْلاً . ٨ - وَهَؤُلاَءِ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، أَوْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، أَوْ مِنَ الْبُغَاةِ. (١) فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ: جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ بِالاِتِّفَاقِ، وَالْمَجُوسُ يُعَامَلُونَ مِثْلَهُمْ فِي هَذَا. (٢) أَمَّا إِنْ كَانُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ. وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ. أَمَّا إِنْ كَانُوا مِنَ الْعَرَبِ: فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْقُرَشِيِّينَ، فَقَالُوا: لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ، بَل لاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ، فَإِنْ رَفَضُوهُ قُتِلُوا؛ وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ هَذَا التَّفْرِيقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَالْقُرْآنَ نَزَل بِلُغَتِهِمْ، فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ، فَكَانَ
следующие страницы →