Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
شَأْنُهُ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾ (١) . وَرَجَاءَ أَنْ يَشْرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِْسْلاَمِ فَيَهْتَدِيَ. (٢)
هـ - اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ:
١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ اسْتِمَاعَ الْمَأْمُومِ فِي الصَّلاَةِ لِقِرَاءَةِ الإِْمَامِ وَالإِْنْصَاتَ إلَيْهِ وَاجِبٌ، وَقِرَاءَتُهُ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْجَهْرِيَّةِ أَمِ السِّرِّيَّةِ. (٣)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ اسْتِمَاعَ الْمَأْمُومِ لِقِرَاءَةِ الإِْمَامِ تُسْتَحَبُّ فِي الْجَهْرِيَّةِ، أَمَّا السِّرِّيَّةُ فَإِنَّهَا تُسْتَحَبُّ فِيهَا الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، خِلاَفًا لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِهَا فِي السِّرِّيَّةِ. (٤)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ فَاتَهُ الاِسْتِمَاعُ. (٥)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ الاِسْتِمَاعُ إِذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِْمَامِ فِي الْجَهْرِيَّةِ، (٦) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قِرَاءَةٌ) .
و اسْتِمَاعُ آيَةِ السَّجْدَةِ:
١١ - يَتَرَتَّبُ عَلَى اسْتِمَاعِ أَوْ سَمَاعِ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ السَّجْدَةِ السُّجُودُ لِلتِّلاَوَةِ، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ السُّجُودِ، تَجِدُهُ مَعَ أَدِلَّتِهِ فِي مُصْطَلَحِ (سُجُودُ التِّلاَوَةِ) . стр. 2172
ثَانِيًا: اسْتِمَاعُ غَيْرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
أ - حُكْمُ اسْتِمَاعِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الاِسْتِمَاعِ وَالإِْنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ.
١٢ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالأَْوْزَاعِيُّ إلَى وُجُوبِ الاِسْتِمَاعِ وَالإِْنْصَاتِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ (١) ، حَتَّى قَال الْحَنَفِيَّةُ: كُل مَا حَرُمَ فِي الصَّلاَةِ حَرُمَ فِي الْخُطْبَةِ، فَيَحْرُمُ أَكْلٌ، وَشُرْبٌ، وَكَلاَمٌ، وَلَوْ تَسْبِيحًا، أَوْ رَدَّ سَلاَمٍ، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ: - بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٢)
- وَبِأَنَّ الْخُطْبَةَ كَالصَّلاَةِ، فَهِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْفَرِيضَةِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ ذَلِكَ إلاَّ تَحْذِيرَ مَنْ خِيفَ هَلاَكُهُ، لأَِنَّهُ يَجِبُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، أَمَّا الإِْنْصَاتُ فَهُوَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ. (٣)
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا: الذِّكْرَ الْخَفِيفَ إنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ، كَالتَّهْلِيل، وَالتَّحْمِيدِ، وَالاِسْتِغْفَارِ، وَالتَّعَوُّذِ، وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الإِْسْرَارِ بِهَذِهِ الأَْذْكَارِ الْخَفِيفَةِ. (٤)
وَاسْتَدَل مَنْ قَال بِوُجُوبِ الاِسْتِمَاعِ لِلْخُطْبَةِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: ﴿ стр. 2173
إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ - وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ. (١)
١٣ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الاِسْتِمَاعَ وَالإِْنْصَاتَ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ سُنَّةٌ، وَلاَ يَحْرُمُ الْكَلاَمُ، بَل يُكْرَهُ، وَحَكَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (٢) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْكَرَاهَةِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ: إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ (٣) وَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ: فَبَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، هَلَكَ الْمَال وَجَاعَ الْعِيَال فَادْعُ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. قَال: فَرَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ. . . (٤)
وَإِنْ عَرَضَ لَهُ نَاجِزٌ كَتَعْلِيمِ خَيْرٍ، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَإِنْذَارِ إنْسَانٍ عَقْرَبًا، أَوْ أَعْمَى بِئْرًا لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الْكَلاَمِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الإِْشَارَةِ إنْ أَغْنَتْ، وَيُبَاحُ لَهُ - أَيِ الْكَلاَمُ - بِلاَ كَرَاهَةٍ.
وَيُبَاحُ الْكَلاَمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِلدَّاخِل فِي أَثْنَاءِ стр. 2174
الْخُطْبَةِ مَا لَمْ يَجْلِسْ، كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ دَاخِلٌ عَلَى مُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ، وَجَبَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِْنْصَاتَ سُنَّةٌ، وَيُسْتَحَبُّ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ كَسَائِرِ الْكَلاَمِ لأَِنَّ سَبَبَهُ قَهْرِيٌّ. (١)
١٤ - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ لِلْبَعِيدِ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ صَوْتَ الْخَطِيبِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، لأَِنَّهُ إنْ رَفَعَ صَوْتَهُ مَنَعَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ مِنْ الاِسْتِمَاعِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ (٢) ، حَتَّى قَال النَّخَعِيُّ: إنِّي لأََقْرَأُ جُزْئِي إِذَا لَمْ أَسْمَعِ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (٣) .
وَسَأَل إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَلْقَمَةَ: أَقْرَأُ فِي نَفْسِي أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ؟ فَقَال عَلْقَمَةُ: لَعَل ذَلِكَ أَلاَّ يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ (٤) .
ب - اسْتِمَاعُ صَوْتِ الْمَرْأَةِ:
١٥ - إِذَا كَانَ مَبْعَثُ الأَْصْوَاتِ هُوَ الإِْنْسَانُ، فَإِنَّ هَذَا الصَّوْتَ إمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَوْزُونٍ وَلاَ مُطْرِبٍ، أَوْ يَكُونُ مُطْرِبًا.
فَإِنْ كَانَ الصَّوْتُ غَيْرَ مُطْرِبٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَوْتَ رَجُلٍ أَوْ صَوْتَ امْرَأَةٍ، فَإِنْ كَانَ صَوْتَ رَجُلٍ: فَلاَ قَائِل بِتَحْرِيمِ اسْتِمَاعِهِ. стр. 2175
أَمَّا إنْ كَانَ صَوْتَ امْرَأَةٍ، فَإِنْ كَانَ السَّامِعُ يَتَلَذَّذُ بِهِ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ فِتْنَةً حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ يَحْرُمُ، (١) وَيُحْمَل اسْتِمَاعُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَصْوَاتَ النِّسَاءِ حِينَ مُحَادَثَتِهِنَّ عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَرْخِيمُ الصَّوْتِ وَتَنْغِيمُهُ وَتَلْيِينُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إثَارَةِ الْفِتْنَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْل فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٢) .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الصَّوْتُ مُطْرِبًا فَهَذَا الْغِنَاءُ اسْتِمَاعٌ، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل الْقَوْل فِيهِ:
ج - الاِسْتِمَاعُ إلَى الْغِنَاءِ:
١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ اسْتِمَاعَ الْغِنَاءِ يَكُونُ مُحَرَّمًا فِي الْحَالاَتِ التَّالِيَةِ:
أ - إِذَا صَاحَبَهُ مُنْكَرٌ.
ب - إِذَا خُشِيَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى فِتْنَةٍ كَتَعَلُّقٍ بِامْرَأَةٍ، أَوْ بِأَمْرَدَ، أَوْ هَيَجَانِ شَهْوَةٍ مُؤَدِّيَةٍ إِلَى الزِّنَى.
ج - إِنْ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِ وَاجِبٍ دِينِيٍّ كَالصَّلاَةِ، أَوْ دُنْيَوِيٍّ كَأَدَاءِ عَمَلِهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، أَمَّا إِذَا أَدَّى إِلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا. كَقِيَامِ اللَّيْل، وَالدُّعَاءِ فِي الأَْسْحَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (٣) стр. 2176
الْغِنَاءُ لِلتَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ:
أَمَّا إِذَا كَانَ الْغِنَاءُ بِقَصْدِ التَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ، وَكَانَ خَالِيًا عَنِ الْمَعَانِي السَّابِقَةِ فَقَدِ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ وَأَجَازَهُ آخَرُونَ.
١٧ - وَقَدْ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى تَحْرِيمِهِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ أَهْل الْعِرَاقِ، مِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَامِرُ الشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ. (١)
وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ عَلَى التَّحْرِيمِ: - بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِل عَنْ سَبِيل اللَّهِ﴾ (٢) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ: لَهْوُ الْحَدِيثِ هُوَ: الْغِنَاءُ.
وَبِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُغَنِّيَاتِ، وَعَنْ شِرَائِهِنَّ، وَعَنْ كَسْبِهِنَّ، وَعَنْ أَكْل أَثْمَانِهِنَّ. (٣) стр. 2177
وَبِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: كُل شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُل فَهُوَ بَاطِلٌ، إلاَّ تَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَرَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَمُلاَعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ. (١)
١٨ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ كَانَ سَمَاعُهُ مِنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَعَلَّل الْمَالِكِيَّةُ الْكَرَاهَةَ بِأَنَّ سَمَاعَهُ مُخِلٌّ بِالْمُرُوءَةِ، وَعَلَّلَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: لِمَا فِيهِ مِنَ اللَّهْوِ. وَعَلَّلَهَا الإِْمَامُ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ: لاَ يُعْجِبُنِي الْغِنَاءُ لأَِنَّهُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ. (٢)
١٩ - وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَطَاءٌ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْخَلاَّل، وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إلَى إبَاحَتِهِ. (٣) стр. 2178
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ.
أَمَّا النَّصُّ: فَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّل وَجْهَهُ، وَدَخَل أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَال: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقْبَل عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: دَعْهُمَا، فَلَمَّا غَفَل غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا (١) .
وَيَقُول عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْغِنَاءُ زَادُ الرَّاكِبِ (٢)
فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَسْتَمِعُ إلَى غِنَاءِ خَوَّاتٍ، فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ قَال لَهُ: ارْفَعْ لِسَانَكَ يَا خَوَّاتُ، فَقَدْ أَسَحَرَنَا (٣) стр. 2179
وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَإِنَّ الْغِنَاءَ الَّذِي لاَ يُصَاحِبُهُ مُحَرَّمٌ، فِيهِ سَمَاعُ صَوْتٍ طَيِّبٍ مَوْزُونٍ، وَسَمَاعُ الصَّوْتِ الطَّيِّبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَيِّبٌ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ، لأَِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَلَذُّذِ حَاسَّةِ السَّمْعِ بِإِدْرَاكِ مَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِهِ، كَتَلَذُّذِ الْحَوَاسِّ الأُْخْرَى بِمَا خُلِقَتْ لَهُ.
٢٠ - وَأَمَّا الْوَزْنُ فَإِنَّهُ لاَ يُحَرِّمُ الصَّوْتَ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الصَّوْتَ الْمَوْزُونَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ حَنْجَرَةِ الْعَنْدَلِيبِ لاَ يَحْرُمُ سَمَاعُهُ، فَكَذَلِكَ صَوْتُ الإِْنْسَانِ، لأَِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ حَنْجَرَةٍ وَحَنْجَرَةٍ.
وَإِذَا انْضَمَّ الْفَهْمُ إلَى الصَّوْتِ الطَّيِّبِ الْمَوْزُونِ، لَمْ يَزِدِ الإِْبَاحَةَ فِيهِ إلاَّ تَأْكِيدًا.
٢١ - أَمَّا تَحْرِيكُ الْغِنَاءِ الْقُلُوبَ، وَتَحْرِيكُهُ الْعَوَاطِفَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْعَوَاطِفَ إنْ كَانَتْ عَوَاطِفَ نَبِيلَةً فَمِنَ الْمَطْلُوبِ تَحْرِيكُهَا، وَقَدْ وَقَعَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنِ اسْتَمَعَ إلَى الْغِنَاءِ فِي طَرِيقِهِ لِلْحَجِّ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَكَانَ الصَّحَابَةُ يُنْشِدُونَ الرَّجَزِيَّاتِ لإِِثَارَةِ الْجُنْدِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعِيبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَرَجَزِيَّاتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَغَيْرِهِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ. (١)
الْغِنَاءُ لأَِمْرٍ مُبَاحٍ:
٢٢ - إِذَا كَانَ الْغِنَاءُ لأَِمْرٍ مُبَاحٍ، كَالْغِنَاءِ فِي الْعُرْسِ، وَالْعِيدِ، وَالْخِتَانِ، وَقُدُومِ الْغَائِبِ، تَأْكِيدًا لِلسُّرُورِ الْمُبَاحِ، وَعِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَأْكِيدًا لِلسُّرُورِ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ سَيْرِ الْمُجَاهِدِينَ لِلْحَرْبِ إِذَا كَانَ لِلْحَمَاسِ فِي نُفُوسِهِمْ، أَوْ لِلْحُجَّاجِ لإِِثَارَةِ الأَْشْوَاقِ فِي نُفُوسِهِمْ إلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، أَوْ لِلإِْبِل لِحَثِّهَا стр. 2180
عَلَى السَّيْرِ - وَهُوَ الْحُدَاءُ - أَوْ لِلتَّنْشِيطِ عَلَى الْعَمَل كَغِنَاءِ الْعُمَّال عِنْدَ مُحَاوَلَةِ عَمَلٍ أَوْ حَمْل ثَقِيلٍ، أَوْ لِتَسْكِيتِ الطِّفْل وَتَنْوِيمِهِ كَغِنَاءِ الأُْمِّ لِطِفْلِهَا، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ كُلُّهُ بِلاَ كَرَاهَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. (١)
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ سَابِقًا مِنْ حَدِيثِ الْجَارِيَتَيْنِ الَّذِي رَوَتْهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ (٢) وَهَذَا نَصٌّ فِي إبَاحَةِ الْغِنَاءِ فِي الْعِيدِ.
وَبِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ - إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا - أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَال لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ : إنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلاَّ فَلاَ. (٣)
وَهَذَا نَصٌّ فِي إبَاحَةِ الْغِنَاءِ عِنْدَ قُدُومِ الْغَائِبِ تَأْكِيدًا لِلسُّرُورِ، وَلَوْ كَانَ الْغِنَاءُ حَرَامًا لَمَا جَازَ نَذْرُهُ، وَلَمَا أَبَاحَ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِعْلَهُ.
وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّهَا أَنْكَحَتْ ذَاتَ قَرَابَةٍ لَهَا стр. 2181
مِنَ الأَْنْصَارِ، فَجَاءَ رَسُول اللَّهِ فَقَال: أَهْدَيْتُمُ الْفَتَاةَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَال: أَرْسَلْتُمْ مَعَهَا مَنْ يُغَنِّي؟ قَالَتْ: لاَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إنَّ الأَْنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، فَلَوْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُول: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ، فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ. (١) وَهَذَا نَصٌّ فِي إبَاحَةِ الْغِنَاءِ فِي الْعُرْسِ.
وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَيِّدَ الْحُدَاءِ، وَكَانَ مَعَ الرِّجَال، وَكَانَ أَنْجَشَةُ مَعَ النِّسَاءِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لاِبْنِ رَوَاحَةَ: حَرِّكِ الْقَوْمَ، فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ، فَتَبِعَهُ أَنْجَشَةُ، فَأَعْنَفَتِ الإِْبِل، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لأَِنْجَشَةَ رُوَيْدَكَ، رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ. يَعْنِي النِّسَاءَ. (٢)
وَعَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَال: كُنَّا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، وَنَحْنُ نَؤُمُّ стр. 2182
مَكَّةَ، اعْتَزَل عَبْدُ الرَّحْمَنِ الطَّرِيقَ، ثُمَّ قَال لِرَبَاحِ بْنِ الْمُغْتَرِفِ: غَنِّنَا يَا أَبَا حَسَّانَ، وَكَانَ يُحْسِنُ النَّصْبَ - وَالنَّصْبُ ضَرْبٌ مِنَ الْغِنَاءِ - فَبَيْنَا رَبَاحٌ يُغَنِّيهِ أَدْرَكَهُمْ عُمَرُ فِي خِلاَفَتِهِ فَقَال: مَا هَذَا؟ فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا بَأْسٌ بِهَذَا؟ نَلْهُو وَنُقَصِّرُ عَنَّا السَّفَرَ، فَقَال عُمَرُ: فَإِنْ كُنْتَ آخِذًا فَعَلَيْكَ بِشِعْرِ ضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ فَارِسِ قُرَيْشٍ (١) .
وَكَانَ عُمَرُ يَقُول. الْغِنَاءُ مِنْ زَادِ الرَّاكِبِ (٢) ، وَهَذَا يَدُل عَلَى إبَاحَةِ الْغِنَاءِ لِتَرْوِيحِ النَّفْسِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَأْمُرُ بِالْحُدَاءِ (٣) .
د - الاِسْتِمَاعُ إلَى الْهَجْوِ وَالنَّسِيبِ:
٢٣ - يُشْتَرَطُ فِي الْكَلاَمِ - سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْزُونًا (كَالشِّعْرِ) أَمْ غَيْرَ مَوْزُونٍ، مُلَحَّنًا (كَالْغِنَاءِ) أَمْ غَيْرَ مُلَحَّنٍ - حَتَّى يَحِل اسْتِمَاعُهُ أَلاَّ يَكُونَ فَاحِشًا، وَلَيْسَ فِيهِ هَجْوٌ، وَلاَ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلاَ عَلَى الصَّحَابَةِ، وَلاَ وَصْفُ امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنِ اُسْتُمِعَ إلَى شَيْءٍ مِنَ الْكَلاَمِ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، فَالْمُسْتَمِعُ شَرِيكُ الْقَائِل فِي الإِْثْمِ. (٤) стр. 2183
أَمَّا هِجَاءُ الْكُفَّارِ وَأَهْل الْبِدَعِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَدْ كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ شَاعِرُ رَسُول اللَّهِ يُهَاجِي الْكُفَّارَ بِعِلْمِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَوْ أَمْرِهِ، وَقَدْ قَال لَهُ ﵊: اُهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيل مَعَكَ (١)
وَأَمَّا النَّسِيبُ فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ يُقَال أَمَامَ رَسُول اللَّهِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إلَيْهِ فَقَدِ اسْتَمَعَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إلَى قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُول
مَعَ مَا فِيهَا مِنَ النَّسِيبِ. (٢)
النَّوْعُ الثَّانِي:
اسْتِمَاعُ صَوْتِ الْحَيَوَانِ:
٢٤ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ اسْتِمَاعِ أَصْوَاتِ الْحَيَوَانَاتِ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الأَْصْوَاتُ قَبِيحَةً كَصَوْتِ الْحِمَارِ وَالطَّاوُوسِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ عَذْبَةً مَوْزُونَةً كَأَصْوَاتِ الْعَنَادِل وَالْقَمَارِيِّ وَنَحْوِهَا، قَال الْغَزَالِيُّ: стр. 2184
فَسَمَاعُ هَذِهِ الأَْصْوَاتِ يَسْتَحِيل أَنْ يَحْرُمَ لِكَوْنِهَا طَيِّبَةً أَوْ مَوْزُونَةً، فَلاَ ذَاهِبَ إلَى تَحْرِيمِ صَوْتِ الْعَنْدَلِيبِ وَسَائِرِ الطُّيُورِ. (١)
النَّوْعُ الثَّالِثُ:
اسْتِمَاعُ أَصْوَاتِ الْجَمَادَاتِ:
٢٥ - إِذَا انْبَعَثَتْ أَصْوَاتُ الْجَمَادَاتِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا أَوْ بِفِعْل الرِّيحِ فَلاَ قَائِل بِتَحْرِيمِ اسْتِمَاعِ هَذِهِ الأَْصْوَاتِ.
أَمَّا إِذَا انْبَعَثَتْ بِفِعْل الإِْنْسَانِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَوْزُونَةٍ وَلاَ مُطْرِبَةٍ، كَصَوْتِ طَرْقِ الْحَدَّادِ عَلَى الْحَدِيدِ، وَصَوْتِ مِنْشَارِ النَّجَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلاَ قَائِل بِتَحْرِيمِ اسْتِمَاعِ صَوْتٍ مِنْ هَذِهِ الأَْصْوَاتِ.
وَإِمَّا أَنْ يَنْبَعِثَ الصَّوْتُ مِنَ الآْلاَتِ بِفِعْل الإِْنْسَانِ مَوْزُونًا مُطْرِبًا، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْمُوسِيقَى. فَتَفْصِيل الْقَوْل فِيهِ كَمَا يَلِي:
أَوَّلاً - اسْتِمَاعُ الْمُوسِيقَى:
٢٦ - إنَّ مَا حَل تَعَاطِيهِ (أَيْ فِعْلُهُ) مِنَ الْمُوسِيقَى وَالْغِنَاءِ حَل الاِسْتِمَاعُ إلَيْهِ، وَمَا حَرُمَ تَعَاطِيهِ مِنْهُمَا حَرُمَ الاِسْتِمَاعُ إلَيْهِ، لأَِنَّ تَحْرِيمَ الْمُوسِيقَى أَوِ الْغِنَاءِ لَيْسَ لِذَاتِهِ، وَلَكِنْ لأَِنَّهُ أَدَاةٌ لِلإِْسْمَاعِ، وَيَدُل عَلَى هَذَا قَوْل الْغَزَالِيِّ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنْ شِعْرِ الْخَنَا، وَالْهَجْوِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَسَمَاعُ ذَلِكَ حَرَامٌ بِأَلْحَانٍ وَبِغَيْرِ أَلْحَانٍ، وَالْمُسْتَمِعُ شَرِيكٌ لِلْقَائِل. (٢) وَقَوْل ابْنِ عَابِدِينَ: وَكُرِهَ كُل لَهْوٍ وَاسْتِمَاعُهُ. (٣) стр. 2185
أ: الاِسْتِمَاعُ لِضَرْبِ الدُّفِّ وَنَحْوِهِ مِنَ الآْلاَتِ الْقَرْعِيَّةِ:
٢٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حِل الضَّرْبِ بِالدُّفِّ وَالاِسْتِمَاعِ إلَيْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ، هَل هَذِهِ الإِْبَاحَةُ هِيَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ، أَمْ هِيَ فِي الْعُرْسِ دُونَ غَيْرِهِ؟ وَهَل يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الدُّفُّ خَالِيًا مِنَ الْجَلاَجِل أَمْ لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؟ وَسَتَجِدُ ذَلِكَ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَعَازِفُ) (وَسَمَاعٌ) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: فَصْل مَا بَيْنَ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ. (١)
وَبِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَال (٢) . وَمَا رَوَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي، وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِل مِنْ آبَائِي стр. 2186
يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ:
وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ
، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : لاَ تَقُولِي هَكَذَا وَقَوْلِي كَمَا كُنْتِ تَقُولِينَ. (١)
٢٨ - وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِالدُّفِّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الطُّبُول - وَهِيَ الآْلاَتُ الْفَرْعِيَّةُ - مَا لَمْ يَكُنْ اسْتِعْمَالُهَا لِلَهْوٍ مُحَرَّمٍ. (٢)
وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ - كَالْغَزَالِيِّ مَثَلاً - الْكُوبَةَ، لأَِنَّهَا مِنْ آلاَتِ الْفَسَقَةِ. (٣)
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ. (٤) قَال ابْنُ عَابِدِينَ: ضَرْبُ النَّوْبَةِ لِلتَّفَاخُرِ لاَ يَجُوزُ، وَلِلتَّنْبِيهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ بُوقُ الْحَمَّامِ وَطَبْل الْمُسَحِّرِ، ثُمَّ قَال: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ آلَةَ اللَّهْوِ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً بِعَيْنِهَا بَل لِقَصْدِ اللَّهْوِ فِيهَا، إمَّا مِنْ سَامِعِهَا، أَوْ مِنَ الْمُشْتَغِل بِهَا، وَبِهِ تُشْعِرُ الإِْضَافَةُ - يَعْنِي إضَافَةَ الآْلَةِ إلَى اللَّهْوِ - стр. 2187
أَلاَ تَرَى أَنَّ ضَرْبَ تِلْكَ الآْلَةِ حَل تَارَةً وَحَرُمَ أُخْرَى بِاخْتِلاَفِ النِّيَّةِ، وَالأُْمُورُ بِمَقَاصِدِهَا (١) .
ب - الاِسْتِمَاعُ لِلْمِزْمَارِ وَنَحْوِهِ مِنَ الآْلاَتِ النَّفْخِيَّةِ:
٢٩ - أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الاِسْتِمَاعَ إلَى الآْلاَتِ النَّفْخِيَّةِ كَالْمِزْمَارِ وَنَحْوِهِ، وَمَنَعَهُ غَيْرُهُمْ، (٢) وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إبَاحَةَ الاِسْتِمَاعِ إلَيْهِ، فَقَدْ رَوَى بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ دَخَل عُرْسًا فَوَجَدَ فِيهِ مَزَامِيرَ وَلَهْوًا، فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ (٣) . وَمَنَعَهُ غَيْرُ الْمَالِكِيَّةِ. (٤)
٣٠ - أَمَّا الآْلاَتُ الْوَتَرِيَّةُ كَالْعُودِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الاِسْتِمَاعَ إلَيْهَا مَمْنُوعٌ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. (٥)
وَذَهَبَ أَهْل الْمَدِينَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ إلَى التَّرْخِيصِ فِيهَا، وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِيهَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَشُرَيْحٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ شَرَاحِيل الشَّعْبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. (٦)
ثَانِيًا: اسْتِمَاعُ الصَّوْتِ وَالصَّدَى:
٣١ - مِنْ تَتَبُّعِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُمْ يُرَتِّبُونَ آثَارَ стр. 2188
الاِسْتِمَاعِ عَلَى اسْتِمَاعِ الصَّوْتِ، أَمَّا اسْتِمَاعُ الصَّدَى فَلَمْ يَتَحَدَّثْ عَنْهُ إلاَّ الْحَنَفِيَّةُ.
وَيَظْهَرُ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لاَ يُرَتِّبُونَ آثَارَ الاِسْتِمَاعِ عَلَى اسْتِمَاعِ الصَّدَى، فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ بِسَمَاعِهَا مِنْ الصَّدَى (١) .
اسْتِمْتَاع
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِمْتَاعُ: طَلَبُ التَّمَتُّعِ، وَالتَّمَتُّعُ الاِنْتِفَاعُ، يُقَال: اسْتَمْتَعْتُ بِكَذَا وَتَمَتَّعْتُ بِهِ: انْتَفَعْتُ. (٢) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَأَغْلَبُ وُرُودِهِ عِنْدَهُمْ فِي اسْتِمْتَاعِ الرَّجُل بِزَوْجَتِهِ. (٣)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الاِسْتِمْتَاعُ بِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي الْحَالاَتِ الْمَشْرُوعَةِ جَائِزٌ، كَالاِسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ مِنْ وَطْءٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ مَوَانِعُ شَرْعِيَّةٌ، كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَإِحْرَامٍ وَصِيَامِ فَرْضٍ، فَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ مَوَانِعُ شَرْعِيَّةٌ حَرُمَ الْوَطْءُ. (٤) стр. 2189
أَمَّا الاِسْتِمْتَاعُ بِالأَْجْنَبِيَّةِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الاِسْتِمْتَاعِ كَنَظَرٍ، وَلَمْسٍ، وَقُبْلَةٍ، وَوَطْءٍ، فَهُوَ مَحْظُورٌ، يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْحَدَّ إنْ كَانَ زَنَى، وَالتَّعْزِيرَ إنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ كَمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ. (١)
وَيُرَتِّبُ الْفُقَهَاءُ عَلَى الاِسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ آثَارًا كَتَمَامِ الْمَهْرِ وَاسْتِقْرَارِهِ وَالنَّفَقَةِ.
وَتُنْظَرُ تَفَاصِيل الْمَوْضُوعِ فِي (النِّكَاحِ) وَ (الْمَهْرِ) وَ (النَّفَقَةِ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - الاِسْتِمْتَاعُ بِالزَّوْجَةِ يَرِدُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي أَبْوَابِ النِّكَاحِ، وَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَمَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ فِي الْحَجِّ، وَالصِّيَامِ، وَالاِعْتِكَافِ، وَتُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهَا. وَالاِسْتِمْتَاعُ الْمُحَرَّمُ يَرِدُ فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَا، وَبَابِ التَّعْزِيرِ، وَتُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهَا.
اسْتِمْنَاء
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِمْنَاءُ: مَصْدَرُ اسْتَمْنَى، أَيْ طَلَبَ خُرُوجَ الْمَنِيِّ.
وَاصْطِلاَحًا: إخْرَاجُ الْمَنِيِّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، مُحَرَّمًا كَانَ، كَإِخْرَاجِهِ بِيَدِهِ اسْتِدْعَاءً لِلشَّهْوَةِ، أَوْ غَيْرَ مُحَرَّمٍ كَإِخْرَاجِهِ بِيَدِ زَوْجَتِهِ. (٢) стр. 2190
٢ - وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الإِْمْنَاءِ وَالإِْنْزَال، فَقَدْ يَحْصُلاَنِ فِي غَيْرِ الْيَقِظَةِ وَدُونَ طَلَبٍ، أَمَّا الاِسْتِمْنَاءُ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنِ اسْتِدْعَاءِ الْمَنِيِّ فِي يَقَظَةِ الْمُسْتَمْنِي بِوَسِيلَةٍ مَا. وَيَكُونُ الاِسْتِمْنَاءُ مِنَ الرَّجُل وَمِنَ الْمَرْأَةِ.
وَيَقَعُ الاِسْتِمْنَاءُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْحَائِل. جَاءَ فِي ابْنِ عَابِدِينَ: لَوْ اسْتَمْنَى بِكَفِّهِ بِحَائِلٍ يَمْنَعُ الْحَرَارَةَ يَأْثَمُ أَيْضًا. وَفِي الشِّرْوَانِيِّ عَلَى التُّحْفَةِ: إنْ قَصَدَ بِضَمِّ امْرَأَةٍ الإِْنْزَال - وَلَوْ مَعَ الْحَائِل - يَكُونُ اسْتِمْنَاءً مُبْطِلاً لِلصَّوْمِ. بَل صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الاِسْتِمْنَاءَ يَحْصُل بِالنَّظَرِ. (١)
وَلَمَّا كَانَ الإِْنْزَال بِالاِسْتِمْنَاءِ يَخْتَلِفُ أَحْيَانًا عَنِ الإِْنْزَال بِغَيْرِهِ كَالْجِمَاعِ وَالاِحْتِلاَمِ أُفْرِدَ بِالْبَحْثِ.
وَسَائِل الاِسْتِمْنَاءِ:
٣ - يَكُونُ الاِسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمُبَاشَرَةِ، أَوْ بِالنَّظْرِ، أَوْ بِالْفِكْرِ.
الاِسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ.
٤ - أ - الاِسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ إنْ كَانَ لِمُجَرَّدِ اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ فَهُوَ حَرَامٌ فِي الْجُمْلَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٢) .
وَالْعَادُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ الْمُتَجَاوِزُونَ، فَلَمْ يُبِحِ стр. 2191
اللَّهُ الاِسْتِمْتَاعَ إلاَّ بِالزَّوْجَةِ وَالأَْمَةِ، وَيَحْرُمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا.
ب - وَإِنْ كَانَ الاِسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ لِتَسْكِينِ الشَّهْوَةِ الْمُفْرِطَةِ الْغَالِبَةِ الَّتِي يُخْشَى مَعَهَا الزِّنَى فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، بَل قِيل بِوُجُوبِهِ، لأَِنَّ فِعْلَهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ قَبِيل الْمَحْظُورِ الَّذِي تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، وَمِنْ قَبِيل ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَحْرُمُ وَلَوْ خَافَ الزِّنَى، لأَِنَّ لَهُ فِي الصَّوْمِ بَدِيلاً، وَكَذَلِكَ الاِحْتِلاَمُ مُزِيلٌ لِلشَّبَقِ.
وَعِبَارَاتُ الْمَالِكِيَّةِ تُفِيدُ الاِتِّجَاهَيْنِ: الْجَوَازَ لِلضَّرُورَةِ، وَالْحُرْمَةَ لِوُجُودِ الْبَدِيل، وَهُوَ الصَّوْمُ. (١)
ج - وَصَرَّحَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ الْخَلاَصُ مِنَ الزِّنَى بِهِ وَجَبَ. (٢)
الاِسْتِمْنَاءُ بِالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ:
٥ - الاِسْتِمْنَاءُ بِالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ يَشْمَل كُل اسْتِمْتَاعٍ - غَيْرَ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ - مِنْ وَطْءٍ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ، أَوْ تَبْطِينٍ، أَوْ تَفْخِيذٍ، أَوْ لَمْسٍ، أَوْ تَقْبِيلٍ. وَلاَ يَخْتَلِفُ أَثَرُ الاِسْتِمْنَاءِ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ فِي الْعِبَادَةِ عَنْ стр. 2192
أَثَرِهَا فِي الاِسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَيَبْطُل بِهِ الصَّوْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، دُونَ كَفَّارَةٍ. وَلاَ يَخْتَلِفُ أَثَرُهُ فِي الْحَجِّ عَنْ أَثَرِ الاِسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ فِيهِ. (١)
الاِغْتِسَال مِنْ الاِسْتِمْنَاءِ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْغُسْل يَجِبُ بِالاِسْتِمْنَاءِ، إِذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ عَنْ لَذَّةٍ وَدَفْقٍ، وَلاَ عِبْرَةَ بِاللَّذَّةِ وَالدَّفْقِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ بِذَلِكَ لَكِنَّهُ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ. وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِتَرَتُّبِ الأَْثَرِ عَلَى الْمَنِيِّ أَنْ يَخْرُجَ بِلَذَّةٍ وَدَفْقٍ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ، فَلاَ يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ مَا لَمْ تَكُنْ لَذَّةٌ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ أَحْمَدَ عَلَى هَذَا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. (٢)
أَمَّا إنْ أَحَسَّ بِانْتِقَال الْمَنِيِّ مِنْ صُلْبِهِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْحَال، وَلاَ عَلِمَ خُرُوجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ غُسْل عَلَيْهِ عِنْدَ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ الاِغْتِسَال عَلَى الرُّؤْيَةِ. (٣) стр. 2193
وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْل، لأَِنَّهُ لاَ يَتَصَوَّرُ رُجُوعُ الْمَنِيِّ، وَلأَِنَّ الْجَنَابَةَ فِي حَقِيقَتِهَا هِيَ: انْتِقَال الْمَنِيِّ عَنْ مَحَلِّهِ وَقَدْ وُجِدَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْغُسْل يُرَاعَى فِيهِ الشَّهْوَةُ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِانْتِقَالِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَ.
فَإِنْ سَكَنَتِ الشَّهْوَةُ ثُمَّ أَنْزَل بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَصْبَغَ وَابْنِ الْمَوَّازِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يَغْتَسِل، وَلَكِنْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، وَهُوَ قَوْل الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. (١)
وَلِتَفْصِيل مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (غُسْلٌ) .
اغْتِسَال الْمَرْأَةِ مِنْ الاِسْتِمْنَاءِ:
٧ - يَجِبُ الْغُسْل عَلَى الْمَرْأَةِ إنْ أَنْزَلَتْ بِالاِسْتِمْنَاءِ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ حَصَل. وَالْمُرَادُ بِالإِْنْزَال أَنْ يَصِل إلَى الْمَحَل الَّذِي تَغْسِلُهُ فِي الاِسْتِنْجَاءِ، وَهُوَ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ جُلُوسِهَا وَقْتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَدَا (سَنَدٍ) ، فَقَدْ قَال: إنَّ بُرُوزَ الْمَنِيِّ مِنَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ شَرْطًا، بَل مُجَرَّدُ الاِنْفِصَال عَنْ مَحَلِّهِ يُوجِبُ الْغُسْل، لأَِنَّ عَادَةَ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ أَنْ يَنْعَكِسَ إلَى الرَّحِمِ. (٢) стр. 2194
أَثَرُ الاِسْتِمْنَاءِ فِي الصَّوْمِ:
٨ - الاِسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ يُبْطِل الصَّوْمَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، (١) وَعَامَّةُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ، (٢) لأَِنَّ الإِْيلاَجَ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ مُفْطِرٌ، فَالإِْنْزَال بِشَهْوَةٍ أَوْلَى. وَقَال أَبُو بَكْرِ بْنُ الإِْسْكَافِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَبْطُل بِهِ الصَّوْمُ، لِعَدَمِ الْجِمَاعِ صُورَةً وَمَعْنًى. (٣)
وَلاَ كَفَّارَةَ فِيهِ مَعَ الإِْبْطَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مُقَابِل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ إفْطَارٌ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ، وَلأَِنَّهُ لاَ نَصَّ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ وَلاَ إجْمَاعَ.
وَمُعْتَمَدُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْقَضَاءِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَعُمُومُ رِوَايَةِ الرَّافِعِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَاَلَّتِي حَكَاهَا عَنْ أَبِي خَلَفٍ الطَّبَرِيِّ يُفِيدُ ذَلِكَ، فَمُقْتَضَاهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِكُل مَا يَأْثَمُ بِالإِْفْطَارِ بِهِ، وَالدَّلِيل عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ: أَنَّهُ تَسَبُّبٌ فِي إنْزَالٍ فَأَشْبَهَ الإِْنْزَال بِالْجِمَاعِ. (٤)
٩ - أَمَّا الاِسْتِمْنَاءُ بِالنَّظَرِ فَإِنَّهُ يُبْطِل الصَّوْمَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، تَكَرَّرَ النَّظَرُ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ عَادَتُهُ стр. 2195
الإِْنْزَال أَمْ لاَ، وَالْحَنَابِلَةُ مَعَهُمْ فِي الإِْبْطَال إنْ تَكَرَّرَ النَّظَرُ. وَالاِسْتِمْنَاءُ بِالتَّكْرَارِ مُبْطِلٌ لِلصَّوْمِ فِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا، وَقِيل. إنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الإِْنْزَال أَفْطَرَ، وَفِي " الْقُوتِ " أَنَّهُ إِذَا أَحَسَّ بِانْتِقَال الْمَنِيِّ فَاسْتَدَامَ النَّظَرَ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ لاَ يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ كَفَّارَةَ فِيهِ إلاَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْحَالاَتِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ. إنْ تَكَرَّرَ النَّظَرُ وَكَانَتْ عَادَتُهُ الإِْنْزَال أَوِ اسْتَوَتْ حَالَتَاهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قَطْعًا.
وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ عَدَمَ الإِْنْزَال فَقَوْلاَنِ.
أَمَّا مُجَرَّدُ النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ فَظَاهِرُ كَلاَمِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ. وَقَال الْقَابِسِيُّ: كَفَّرَ إنْ أَمْنَى مِنْ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ. (١)
١٠ - وَأَمَّا الاِسْتِمْنَاءُ بِالتَّفْكِيرِ فَلاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ عَنْ حُكْمِ الاِسْتِمْنَاءِ بِالنَّظَرِ، مِنْ حَيْثُ الإِْبْطَال وَالْكَفَّارَةُ وَعَدَمُهُمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ، عَدَا أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ، فَقَالُوا بِعَدَمِ الإِْفْسَادِ بِالإِْنْزَال بِالتَّفْكِيرِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : عُفِيَ لأُِمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَل أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ. (٢)
وَقَال أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ بِالإِْبْطَال، وَاخْتَارَهُ стр. 2196
ابْنُ عَقِيلٍ، لأَِنَّ الْفِكْرَةَ تُسْتَحْضَرُ وَتَدْخُل تَحْتَ الاِخْتِيَارِ، وَمَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَأَمَرَ بِالتَّفَكُّرِ فِي الآْلاَءِ. (١) وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ ذَلِكَ بِهَا. (٢)
أَثَرُ الاِسْتِمْنَاءِ فِي الاِعْتِكَافِ:
١١ - يَبْطُل الاِعْتِكَافُ بِالاِسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، إلاَّ أَنَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ ذَكَرَهُ قَوْلاً وَاحِدًا، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَظْهَرَ الْبُطْلاَنَ. (٣)
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ اُنْظُرْ (اعْتِكَاف) .
أَمَّا الاِسْتِمْنَاءُ بِالنَّظَرِ وَالتَّفْكِيرِ فَلاَ يَبْطُل بِهِ стр. 2197
الاِعْتِكَافُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَيَبْطُل بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، إذْ يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِهِمْ بُطْلاَنُ الاِعْتِكَافِ، لِفِقْدَانِ شَرْطِ الطَّهَارَةِ مِمَّا يُوجِبُ الْغُسْل. (١)
أَثَرُ الاِسْتِمْنَاءِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ:
١٢ - لاَ يَفْسُدُ الْحَجُّ بِالاِسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لَكِنْ يَجِبُ فِيهِ دَمٌ، لأَِنَّهُ كَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّعْزِيرِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْجَزَاءِ. (٢) وَيَفْسُدُ الْحَجُّ بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَوْجَبُوا فِيهِ الْقَضَاءَ وَالْهَدْيَ وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا، لأَِنَّهُ أَنْزَل بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ.
وَلِبَيَانِ نَوْعِ الدَّمِ وَوَقْتِهِ اُنْظُرْ (إحْرَامٌ) .
وَالْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ عُمُومِ كَلاَمِ الْبَاجِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلاَمِ بَهْرَامٌ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَا يُوجِبُ الْفَسَادَ فِي الْحَجِّ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال مِنْ وَطْءٍ وَإِنْزَالٍ يُوجِبُ الْهَدْيَ فِي الْعُمْرَةِ، لأَِنَّ أَمْرَهَا أَخَفُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا. (٣)
١٣ - أَمَّا الاِسْتِمْنَاءُ بِالنَّظَرِ وَالْفِكْرِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ الْحَجُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، بِاسْتِدْعَاءِ الْمَنِيِّ بِنَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ مُسْتَدَامَيْنِ، فَإِنْ خَرَجَ بِمُجَرَّدِ الْفِكْرِ أَوِ النَّظَرِ لَمْ стр. 2198
يَفْسُدْ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وُجُوبًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عَمْدًا أَمْ جَهْلاً أَمْ نِسْيَانًا. وَلاَ يَفْسُدُ بِهِ الْحَجُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ فِدْيَةَ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَجِبُ الْفِدْيَةُ فِي النَّظَرِ، وَأَمَّا التَّفْكِيرُ فَانْفَرَدَ بِالْفِدْيَةِ فِيهِ مِنْهُمْ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ (١) .
الاِسْتِمْنَاءُ عَنْ طَرِيقِ الزَّوْجَةِ:
١٤ - أَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ الاِسْتِمْنَاءِ بِالزَّوْجَةِ مَا لَمْ يُوجَدْ مَانِعٌ، (٢) لأَِنَّهَا مَحَل اسْتِمْتَاعِهِ، كَمَا لَوْ أَنْزَل بِتَفْخِيذٍ أَوْ تَبْطِينٍ، وَلِبَيَانِ الْمَانِعِ اُنْظُرْ (حَيْضٌ، نِفَاسٌ، صَوْمٌ، اعْتِكَافٌ، حَجٌّ) .
وَقَال بِكَرَاهَتِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، نَقَل صَاحِبُ الدُّرِّ عَنِ الْجَوْهَرَةِ: وَلَوْ مَكَّنَ امْرَأَتَهُ مِنَ الْعَبَثِ بِذَكَرِهِ فَأَنْزَل كُرِهَ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عَابِدِينَ حَمَلَهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ. وَفِي نِهَايَةِ الزَّيْنِ: وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي: لَوْ غَمَرَتِ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ زَوْجِهَا بِيَدِهَا كُرِهَ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ إِذَا أَمْنَى، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ الْعَزْل، وَالْعَزْل مَكْرُوهٌ. (٣) стр. 2199
عُقُوبَةُ الاِسْتِمْنَاءِ:
١٥ - الاِسْتِمْنَاءُ الْمُحَرَّمُ يُعَزَّرُ فَاعِلُهُ بِاتِّفَاقٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ . (١)
اسْتِمْهَال
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِمْهَال فِي اللُّغَةِ. طَلَبُ الْمُهْلَةِ. وَالْمُهْلَةُ التُّؤَدَةُ وَالتَّأْخِيرُ. (٢)
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ " الاِسْتِمْهَال. بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ بِهِ أَهْل اللُّغَةِ. (٣)
حُكْمُ الاِسْتِمْهَال:
٢ - الاِسْتِمْهَال قَدْ يَكُونُ مَشْرُوعًا، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ:
أ - الاِسْتِمْهَال الْمَشْرُوعُ ، وَهُوَ عَلَى أَنْوَاعٍ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: الاِسْتِمْهَال لإِِثْبَاتِ حَقٍّ، كَاسْتِمْهَال الْمُدَّعِي الْقَاضِي لإِِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ стр. 2200
مُرَاجَعَةِ الْحِسَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى. (١)
النَّوْعُ الثَّانِي: الاِسْتِمْهَال الْوَارِدُ مَوْرِدَ الشَّرْطِ فِي الْعُقُودِ، كَاشْتِرَاطِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَرْكَ مُهْلَةٍ لَهُ لِلتَّرَوِّي، كَمَا هُوَ الْحَال فِي خِيَارِ الشَّرْطِ، وَاشْتِرَاطُ الْمُشْتَرِي إمْهَال الْبَائِعِ لَهُ بِدَفْعِ الثَّمَنِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الاِسْتِمْهَال الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيل التَّبَرُّعِ، كَاسْتِمْهَال الْمَدِينِ الدَّائِنَ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ (٢) . وَاسْتِمْهَال الْمُسْتَعِيرِ الْمُعِيرَ فِي رَدِّ مَا اسْتَعَارَهُ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
ب - الاِسْتِمْهَال غَيْرُ الْمَشْرُوعِ:
وَمِنْهُ الاِسْتِمْهَال فِي الْحُقُوقِ الَّتِي اشْتَرَطَ فِيهَا الشَّارِعُ الْفَوْرِيَّةَ، أَوِ الْمَجْلِسَ، كَاسْتِمْهَال أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الآْخَرَ فِي تَسْلِيمِ الْبَدَل فِي بَيْعِ الصَّرْفِ (٣) ، وَاسْتِمْهَال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ فِي تَسْلِيمِهِ رَأْسَ مَال السَّلَمِ (٤) ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَيْعِ السَّلَمِ.
٣ - وَمِنْ الاِسْتِمْهَال مَا يُسْقِطُ الْحَقَّ، كَاسْتِمْهَال الشَّفِيعِ الْمُشْتَرِي لِطَلَبِ الشُّفْعَةِ (٥) ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَكَاسْتِمْهَال الزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ - إِذَا بَلَغَتْ - فِي الإِْفْصَاحِ عَنْ стр. 2201
اخْتِيَارِهَا زَوْجَهَا أَوْ فِرَاقِهِ (١) ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
مُدَّةُ الْمُهْلَةِ الَّتِي تُعْطَى فِي الاِسْتِمْهَال:
٤ - مُدَّةُ الْمُهْلَةِ إمَّا مُحَدَّدَةٌ مِنْ قِبَل الشَّرْعِ فَتُلْتَزَمُ، كَإِمْهَال الْعِنِّينِ سَنَةً، كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ. وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَإِمَّا مَتْرُوكَةٌ لِلْقَضَاءِ، كَمُهْلَةِ الْمُدَّعِي لإِِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ، وَإِمْهَال الزَّوْجَةِ لِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِزَوْجِهَا بَعْدَ قَبْضِهَا الْمَهْرَ بِقَدْرِ مَا تُنَظِّفُ نَفْسَهَا وَتَتَهَيَّأُ لَهُ. وَإِمَّا اتِّفَاقِيَّةٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، كَإِمْهَال الدَّائِنِ لِلْمَدِينِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ، اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَجَل) .
حُكْمُ إجَابَةِ الْمُسْتَمْهِل:
٥ - أ - يَجِبُ الإِْمْهَال فِي حَالاَتِ الاِسْتِمْهَال لإِِثْبَاتِ حَقٍّ، وَالاِسْتِمْهَال الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيل الْمُطَالَبَةِ بِحَقٍّ، وَالاِسْتِمْهَال الْوَارِدِ مَوْرِدَ الشَّرْطِ فِي الْعُقُودِ.
ب - يُنْدَبُ الإِْمْهَال عِنْدَمَا يَكُونُ الإِْمْهَال مِنْ قَبِيل التَّبَرُّعِ (٢) .
ج - يَحْرُمُ الإِْمْهَال فِي الْحُقُوقِ الَّتِي اشْتَرَطَ فِيهَا الشَّارِعُ الْفَوْرِيَّةَ أَوِ الْمَجْلِسَ، لأَِنَّ الإِْمْهَال فِيهَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِهَا. كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْبْوَابِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا عِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْحَالاَتِ.
د - يَبْطُل الْحَقُّ فِي مِثْل الْحَالاَتِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا فِي (ف ٣) . стр. 2202
اسْتِنَابَة
اُنْظُرْ: إنَابَةٌ
اسْتِنَاد
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِنَادُ لُغَةً: مَصْدَرُ اسْتَنَدَ. وَأَصْلُهُ سَنَدَ. يُقَال: سَنَدْتُ إلَى الشَّيْءِ، وَأَسْنَدْتُ إلَيْهِ وَاسْتَنَدْتُ إلَيْهِ: إِذَا مِلْتَ إلَيْهِ وَاعْتَمَدْتَ عَلَيْهِ. وَالْمَسْنَدُ: مَا اسْتَنَدْتَ إلَيْهِ مِنَ الْمَتَاعِ، وَاسْتَنَدَ إلَى فُلاَنٍ: لَجَأَ إلَيْهِ فِي طَلَبِ الْعَوْنِ. (١) وَلِلاِسْتِنَادِ فِي الاِصْطِلاَحِ مَعَانٍ ثَلاَثَةٌ:
الأَْوَّل: الاِسْتِنَادُ الْحِسِّيُّ ، وَهُوَ أَنْ يَمِيل الإِْنْسَانُ عَلَى الشَّيْءِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ، وَالاِسْتِنَادُ بِهَذَا الْمَعْنَى طِبْقَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الثَّانِي: الاِسْتِنَادُ إلَى الشَّيْءِ بِمَعْنَى الاِحْتِجَاجِ بِهِ.
الثَّالِثُ: الاِسْتِنَادُ بِمَعْنَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِأَثَرٍ رَجْعِيٍّ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ يُعْتَبَرُ اسْتِنَادًا مَعْنَوِيًّا.
الْمَبْحَثُ الأَْوَّل
الاِسْتِنَادُ الْحِسِّيُّ:
٢ - الاِسْتِنَادُ إلَى الشَّيْءِ بِهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمَيْل عَلَى стр. 2203
الشَّيْءِ مَعَ الاِعْتِمَادِ عَلَيْهِ. وَمِمَّا لَهُ صِلَةٌ بِالاِسْتِنَادِ: الاِتِّكَاءُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنَّ الاِسْتِنَادَ عَلَى الشَّيْءِ الاِتِّكَاءُ عَلَيْهِ بِالظَّهْرِ خَاصَّةً، قَال: الاِتِّكَاءُ أَعَمُّ مِنْ الاِسْتِنَادِ، وَهُوَ - يَعْنِي الاِتِّكَاءَ - الاِعْتِمَادُ عَلَى الشَّيْءِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَبِأَيِّ جَانِبٍ كَانَ.
وَالاِسْتِنَادُ: اتِّكَاءٌ بِالظَّهْرِ لاَ غَيْرُ. (١) وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ.
أَوَّلاً: أَحْكَامُ الاِسْتِنَادِ فِي الصَّلاَةِ:
أ - الاِسْتِنَادُ فِي الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ:
٣ - الاِسْتِنَادُ إلَى عِمَادٍ - كَحَائِطٍ أَوْ سَارِيَةٍ - فِي صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ مُسْتَقِلًّا دُونَ اعْتِمَادٍ. لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ اتِّجَاهَاتٌ ثَلاَثَةٌ:
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ مَنْعَهُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ. قَالُوا: مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ يَسْقُطُ لَوْ زَال الْعِمَادُ، لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ، قَالُوا: لأَِنَّ الْفَرِيضَةَ مِنْ أَرْكَانِهَا الْقِيَامُ، وَمَنِ اسْتَنَدَ عَلَى الشَّيْءِ بِحَيْثُ لَوْ زَال مِنْ تَحْتِهِ سَقَطَ، لاَ يُعْتَبَرُ قَائِمًا.
أَمَّا إنْ كَانَ لاَ يَسْقُطُ لَوْ زَال مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ مَكْرُوهٌ، صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ. قَال الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: يُكْرَهُ اتِّفَاقًا - أَيْ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ - لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الأَْدَبِ وَإِظْهَارِ التَّجَبُّرِ. وَعَلَّل ابْنُ أَبِي تَغْلِبَ - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - لِلْكَرَاهَةِ بِكَوْنِ الاِسْتِنَادِ يُزِيل مَشَقَّةَ الْقِيَامِ.
وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي: قَوْل الشَّافِعِيَّةِ الْمُقَدَّمُ لَدَيْهِمْ أَنَّ صَلاَةَ الْمُسْتَنِدِ تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، قَالُوا: لأَِنَّهُ يُسَمَّى قَائِمًا وَلَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيل مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ لَسَقَطَ. стр. 2204
وَالاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اسْتِنَادَ الْقَائِمِ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ جَائِزٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ ﵄ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ.
ثُمَّ إنَّ الصَّلاَةَ الْمَفْرُوضَةَ - الَّتِي هَذَا حُكْمُ الاِسْتِنَادِ فِيهَا - تَشْمَل الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ وَالْكِفَائِيَّ، كَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَصَلاَةِ الْعِيدِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا.
وَتَشْمَل الْوَاجِبَ بِالنَّذْرِ عَلَى مَنْ نَذَرَ الْقِيَامَ فِيهِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الدُّسُوقِيُّ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ سُنَّةَ الْفَجْرِ عَلَى قَوْلٍ لِتَأَكُّدِهَا. (١)
ب - الاِسْتِنَادُ فِي الْفَرْضِ فِي حَال الضَّرُورَةِ:
٤ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وُجِدَتْ الضَّرُورَةُ، بِحَيْثُ لاَ يَسْتَطِيعُ الْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا إِلاَّ بِالاِسْتِنَادِ، أَنَّ الاِسْتِنَادَ جَائِزٌ لَهُ. (٢) وَلَكِنْ هَل يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ فَيَجُوزُ لَهُ الصَّلاَةُ جَالِسًا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْقِيَامِ بِالاِسْتِنَادِ؟ لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اتِّجَاهَانِ:
الأَْوَّل: أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ حِينَئِذٍ وَلاَ تَصِحُّ صَلاَتُهُ جَالِسًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ.
قَال شَارِحُ الْمُنْيَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ خَادِمٍ. قَال الْحَلْوَانِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ مُتَّكِئًا.
الثَّانِي: وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، стр. 2205
وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّ فَرْضَ الْقِيَامِ سَاقِطٌ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَتَجُوزُ صَلاَتُهُ جَالِسًا. قَال الْحَطَّابُ نَقْلاً عَنِ ابْنِ رُشْدٍ: لأَِنَّهُ لَمَّا سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا، صَارَ قِيَامُهُ نَافِلَةً، فَجَازَ أَنْ يَعْتَمِدَ فِيهِ كَمَا يَعْتَمِدُ فِي النَّافِلَةِ، وَالْقِيَامُ مَعَ الاِعْتِمَادِ أَفْضَل.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ الصَّلاَةِ مَعَ الاِعْتِمَادِ أَنْ يَكُونَ اسْتِنَادُهُ لِغَيْرِ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ، فَإِنْ صَلَّى مُسْتَنِدًا إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، أَيِ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ لاَ الاِخْتِيَارِيِّ. (١)
ج - الاِسْتِنَادُ فِي الصَّلاَةِ أَثْنَاءَ الْجُلُوسِ:
٥ - الْحُكْمُ فِي الاِسْتِنَادِ فِي الْجُلُوسِ كَالْحُكْمِ فِي الاِسْتِنَادِ فِي الْقِيَامِ تَمَامًا، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ: فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقُعُودِ مُسْتَوِيًا، وَقَدَرَ مُتَّكِئًا، يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ مُتَّكِئًا أَوْ مُسْتَنِدًا (٢)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَال الدَّرْدِيرُ مَا مَعْنَاهُ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقِيَامَ مُسْتَنِدًا أَوْلَى مِنَ الْجُلُوسِ مُسْتَقِلًّا. (٣) أَمَّا الْجُلُوسُ مُسْتَقِلًّا فَوَاجِبٌ لاَ يَعْدِل عَنْهُ إلَى الْجُلُوسِ مُسْتَنِدًا إلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ. وَكَذَا لاَ يُصَارُ إلَى الْجُلُوسِ مُسْتَنِدًا مِمَّنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ بِالاِسْتِنَادِ. وَمِثْل ذَلِكَ الْجُلُوسِ مُسْتَنِدًا، فَهُوَ مُقَدَّمٌ وُجُوبًا عَلَى الصَّلاَةِ مُضْطَجِعًا، وَلَمْ نَجِدْ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ذِكْرًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
د - الاِسْتِنَادُ فِي النَّفْل:
٦ - قَال النَّوَوِيُّ: الاِتِّكَاءُ فِي صَلاَةِ النَّفْل جَائِزٌ стр. 2206
عَلَى الْعِصِيِّ وَنَحْوِهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ إلاَّ ابْنَ سِيرِينَ فَقَدْ نُقِلَتْ عَنْهُ كَرَاهَتُهُ. وَقَال مُجَاهِدٌ: يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ بِقَدْرِهِ (١) .
وَقَدْ فَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي التَّطَوُّعِ كَمَا هُوَ مَكْرُوهٌ فِي الْفَرْضِ.
لَكِنْ لَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا ثُمَّ أَعْيَا - أَيْ كَل وَتَعِبَ - فَلاَ بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَكَّأَ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. (٢)
وَإِنَّمَا فَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الاِسْتِنَادِ فِي الْفَرْضِ فَمَنَعُوهُ، وَأَجَازُوهُ فِي النَّفْل، لأَِنَّ النَّفَل تَجُوزُ صَلاَتُهُ مِنْ جُلُوسٍ دُونَ قِيَامٍ، فَكَذَا يَجُوزُ الاِسْتِنَادُ فِيهِ مَعَ الْقِيَامِ.
الاِسْتِنَادُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ:
أ - اسْتِنَادُ النَّائِمِ الْمُتَوَضِّئِ:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ إِذَا نَامَ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ - بِحَيْثُ لَوْ زَال لَسَقَطَ - لاَ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمُسْتَنِدِ فِي الأَْصَحِّ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَقْعَدَتُهُ زَائِلَةً عَنِ الأَْرْضِ وَإِلاَّ نُقِضَ اتِّفَاقًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، لأَِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنَ النَّوْمِ الثَّقِيل، فَإِنْ كَانَ لاَ يَسْقُطُ فَهُوَ مِنَ النَّوْمِ الْخَفِيفِ الَّذِي لاَ يَنْقُضُ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ نَوْمَ الْمُسْتَنِدِ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا يَنْقُضُ (٣) . стр. 2207
ب - الاِسْتِنَادُ إلَى الْقُبُورِ:
٨ - يُكْرَهُ الاِسْتِنَادُ إلَى الْقُبُورِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَدْ أَلْحَقُوا الاِسْتِنَادَ بِالْجُلُوسِ الَّذِي وَرَدَتِ الأَْحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَالاِتِّكَاءُ عَلَيْهِ، وَالاِسْتِنَادُ إلَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لأََنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ (١) .
وَقَال الْخَطَّابِيُّ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً قَدِ اتَّكَأَ عَلَى قَبْرٍ فَقَال: لاَ تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ (٢) .
وَقَدْ قَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الْكَرَامَةَ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الاِسْتِنَادِ، وَبِكَوْنِ الاِسْتِنَادِ إلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ. وَقَوَاعِدُ غَيْرِهِمْ لاَ تَأْبَى هَذَا التَّقْيِيدَ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ كَرَاهَةَ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى الاِسْتِنَادُ إلَيْهِ. قَال الدُّسُوقِيُّ: يَجُوزُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ حُرْمَةِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ (٣) . стр. 2208
الْمَبْحَثُ الثَّانِي
الاِسْتِنَادُ بِمَعْنَى الاِحْتِجَاجِ:
٩ - يَأْتِي الاِسْتِنَادُ بِمَعْنَى الاِحْتِجَاجِ بِمَا يُقَوِّي الْقَضِيَّةَ الْمُدَّعَاةَ، وَيَكُونُ إمَّا فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ وَالاِسْتِدْلاَل وَالاِجْتِهَادِ، فَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ إلَى أَبْوَابِ الأَْدِلَّةِ، وَبَابِ الاِجْتِهَادِ مِنْ عِلْمِ الأُْصُول.
وَإِمَّا فِي دَعْوَى أَمَامَ الْقَضَاءِ، فَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ إلَى مُصْطَلَحِ (إثْبَاتٌ) .
الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ.
الاِسْتِنَادُ بِمَعْنَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِأَثَرٍ رَجْعِيٍّ:
١٠ - الاِسْتِنَادُ بِهَذَا الْمَعْنَى: هُوَ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الْحَال لِتَحَقُّقِ عِلَّتِهِ، ثُمَّ يَعُودُ الْحُكْمُ الْقَهْقَرِيُّ لِيَثْبُتَ فِي الْمَاضِي تَبَعًا لِثُبُوتِهِ فِي الْحَاضِرِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: أَنَّ الْمَغْصُوبَ إِذَا تَلِفَ تَحْتَ يَدِ الْغَاصِبِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ مَلَكَهُ مِلْكًا مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ وُجُودِ سَبَبِ الضَّمَانِ، حَتَّى أَنَّهُ يَمْلِكُ زَوَائِدَهُ الْمُتَّصِلَةَ الَّتِي وُجِدَتْ مِنْ حِينِ الْغَصْبِ إِلَى حِينِ الضَّمَانِ، لأَِنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا أَنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ نَفَاذُهُ عَلَى إجَازَةِ مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْجَازَةِ - كَبَيْعِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ يَقِفُ نَفَاذُهُ عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ - إِذَا أَجَازَهُ نَفَذَ نَفَاذًا مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ وُجُودِ الْعَقْدِ، حَتَّى يَمْلِكَ الْمُشْتَرِي زَوَائِدَهُ الْمُتَّصِلَةَ وَالْمُنْفَصِلَةَ. (١) стр. 2209
وَاسْتِعْمَال لَفْظِ الاِسْتِنَادِ بِهَذَا الْمَعْنَى هُوَ مُصْطَلَحٌ لِلْحَنَفِيَّةِ خَاصَّةً. وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يَسْتَعْمِلُونَ بَدَلاً مِنْهُ اصْطِلاَحَ " التَّبَيُّنِ "، (١) وَالْمَالِكِيَّةُ يُعَبِّرُونَ أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى " بِالاِنْعِطَافِ ". (٢)
وَمَعْنَى الاِسْتِنَادِ فِي الإِْجَازَةِ مَثَلاً أَنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ إِذَا أُجِيزَ يَكُونُ لِلإِْجَازَةِ اسْتِنَادٌ وَانْعِطَافٌ، أَيْ تَأْثِيرٌ رَجْعِيٌّ، فَبَعْدَ الإِْجَازَةِ يَسْتَفِيدُ الْعَاقِدُ مِنْ ثَمَرَاتِ الْعَقْدِ مُنْذُ انْعِقَادِهِ، لأَِنَّ الإِْجَازَةَ لَمْ تُنْشِئِ الْعَقْدَ إنْشَاءً بَل أَنْفَذَتْهُ إنْفَاذًا، أَيْ فَتَحَتْ الطَّرِيقَ لآِثَارِهِ الْمَمْنُوعَةِ الْمُتَوَقِّفَةِ لِكَيْ تَمُرَّ وَتَسْرِيَ، فَتَلْحَقُ تِلْكَ الآْثَارُ بِالْعَقْدِ الْمُوَلِّدِ لَهَا اعْتِبَارًا مِنْ تَارِيخِ انْعِقَادِهِ، لاَ مِنْ تَارِيخِ الإِْجَازَةِ فَقَطْ. فَبَعْدَ الإِْجَازَةِ يُعْتَبَرُ الْفُضُولِيُّ كَوَكِيلٍ عَنْ صَاحِبِ الْعَقْدِ قَبْل الْعَقْدِ، وَبِمَا أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْوَكِيل نَافِذَةٌ عَلَى الْمُوَكِّل مُنْذُ صُدُورِهَا، يَكُونُ عَقْدُ الْفُضُولِيِّ نَافِذًا عَلَى الْمُجِيزِ نَفَاذًا مُسْتَنِدًا إلَى تَارِيخِ الْعَقْدِ. (٣)
هَذَا، وَمِنْ أَجْل أَنَّ هَذَا الاِصْطِلاَحَ خَاصٌّ بِالْحَنَفِيَّةِ فَسَيَكُونُ كَلاَمُنَا فِي هَذَا الْمَبْحَثِ مُعَبِّرًا عَنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ خَاصَّةً، إلاَّ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنُصُّ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِمْ.
١١ - وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّ الأَْحْكَامَ تَثْبُتُ بِطُرُقٍ أَرْبَعٍ، فَذَكَرَ مَعَ الاِسْتِنَادِ الَّذِي سَبَقَ بَيَانُهُ:
أ - الاِقْتِصَارَ: وَهُوَ الأَْصْل. كَمَا إِذَا أَنْشَأَ طَلاَقًا مُنَجَّزًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ، فَإِنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ عِنْدَ هَذَا الْقَوْل стр. 2210
فِي الْحَال، فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَلاَ يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ رَجْعِيٌّ.
ب - وَالاِنْقِلاَبَ: هُوَ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي وَقْتٍ لاَحِقٍ مُتَأَخِّرٍ عَنِ الْقَوْل، كَمَا لَوْ قَال لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، لاَ يَثْبُتُ بِهِ الطَّلاَقُ فِي الْحَال، لَكِنْ إِنْ دَخَلَتْهَا طُلِّقَتْ بِدُخُولِهَا. وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ انْقِلاَبًا: أَنَّ مَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ - وَهُوَ الصِّيغَةُ الْمُعَلَّقَةُ - انْقَلَبَ عِلَّةً بِوُجُودِ الدُّخُول، إِذْ إِنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلطَّلاَقِ قَبْل دُخُولِهَا الْبَيْتَ، وَمَتَى دَخَلَتِ انْقَلَبَ فَأَصْبَحَ عِلَّةً، لأَِنَّ ذَلِكَ الْقَائِل جَعَل لِلْعِلِّيَّةِ شَرْطًا وَقَدْ تَحَقَّقَ.
ج - وَالتَّبَيُّنَ أَوِ الظُّهُورَ: (١) وَهُوَ أَنْ يَظْهَرَ فِي الْحَال أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ ثَابِتًا مِنْ قَبْل، كَمَا لَوْ قَال يَوْمَ الْجُمُعَةِ: إنْ كَانَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ يَوْمَ السَّبْتِ أَنَّ زَيْدًا كَانَ فِي الدَّارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ وَقَعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلاَّ فِي يَوْمِ السَّبْتِ. وَالْعِدَّةُ تَبْتَدِئُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
التَّفْرِيقُ بَيْنَ الاِسْتِنَادِ وَالتَّبَيُّنِ:
١٢ - فِي حَالَةِ الاِسْتِنَادِ لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الأَْمْرِ فِي الْمَاضِي، ثُمَّ لَمَّا ثَبَتَ فِي الْحَاضِرِ رَجَعَ ثُبُوتُهُ الْقَهْقَرِيُّ فَانْسَحَبَ عَلَى الْمُدَّةِ السَّابِقَةِ، أَمَّا فِي التَّبَيُّنِ فَقَدْ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الأَْمْرِ وَلَكِنْ تَأَخَّرَ الْعِلْمُ بِهِ، وَمِنْ هُنَا ظَهَرَ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ الْفُرُوقُ التَّالِيَةُ:
الأَْوَّل: أَنَّ حَالَةَ التَّبَيُّنِ يُمْكِنُ أَنْ يَطَّلِعَ الْعِبَادُ فِيهَا عَلَى الْحُكْمِ. وَفِي الاِسْتِنَادِ لاَ يُمْكِنُ. فَفِي следующие страницы →