Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
الاِخْتِلاَفُ فِي الاِجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ:
٢٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدَيْنِ لَمْ يَتَّبِعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَلاَ يَؤُمُّهُ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ خَطَأَ الآْخَرِ فَلَمْ يَجُزْ الاِئْتِمَامُ.
وَعِنْدَ ابْنِ قُدَامَةَ أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ، ذَلِكَ أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلاَةِ الآْخَرِ، وَأَنَّ فَرْضَهُ التَّوَجُّهُ إلَى مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ اخْتِلاَفُ الْجِهَةِ الاِقْتِدَاءَ بِهِ، كَالْمُصَلِّينَ حَوْل الْكَعْبَةِ.
وَلَوِ اتَّفَقَا فِي الْجِهَةِ وَاخْتَلَفَا فِي الاِنْحِرَافِ يَمِينًا أَوْ شِمَالاً فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الاِئْتِمَامِ بِلاَ خِلاَفٍ لاِتِّفَاقِهِمَا فِي الْجِهَةِ، وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي الاِسْتِقْبَال.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ اجْتَهَدَ اثْنَانِ فِي الْقِبْلَةِ، وَاتَّفَقَ اجْتِهَادُهُمَا، فَاقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَزِمَهُ الاِنْحِرَافُ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْمُفَارَقَةَ وَإِنْ اخْتَلَفَا تَيَامُنًا وَتَيَاسُرًا، وَذَلِكَ عُذْرٌ فِي الْمُفَارَقَةِ فَلاَ تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، وَمَحَل ذَلِكَ حَيْثُ عَلِمَ الْمَأْمُومُ بِانْحِرَافِ إمَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلاَّ بَعْدَ السَّلاَمِ فَالأَْقْرَبُ وُجُوبُ الإِْعَادَةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ سَلَّمَ الإِْمَامُ فَتَحَوَّل رَأْيُ مَسْبُوقٍ وَلاَحِقٍ (١) اسْتَدَارَ الْمَسْبُوقُ، لأَِنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَقْضِيهِ، وَاسْتَأْنَفَ اللاَّحِقُ، لأَِنَّهُ مُقْتَدٍ فِيمَا يَقْضِيهِ. وَالْمُقْتَدِي إِذَا ظَهَرَ لَهُ وَرَاءَ الإِْمَامِ أَنَّ الْقِبْلَةَ غَيْرُ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا الإِْمَامُ لاَ يُمْكِنُهُ إصْلاَحُ صَلاَتِهِ، стр. 2137
لأَِنَّهُ إنِ اسْتَدَارَ خَالَفَ إمَامَهُ فِي الْجِهَةِ قَصْدًا وَهُوَ مُفْسِدٌ، وَإِلاَّ كَانَ مُتِمًّا صَلاَتَهُ إلَى مَا هُوَ غَيْرُ الْقِبْلَةِ عِنْدَهُ وَهُوَ مُفْسِدٌ أَيْضًا. (١)
خَفَاءُ الْقِبْلَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ:
٣٠ - خَفَاءُ الْقِبْلَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل الصَّلاَةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل التَّحَرِّي أَوْ بَعْدَهُ، وَسَنَتَنَاوَل بِالْبَحْثِ كُلًّا عَلَى حِدَةٍ.
خَفَاءُ الْقِبْلَةِ قَبْل الصَّلاَةِ وَالتَّحَرِّي:
٣١ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ بِالاِسْتِدْلاَل، وَخَفِيَتْ عَلَيْهِ الأَْدِلَّةُ لِفَقْدِهَا أَوْ لِغَيْمٍ أَوْ حَبْسٍ أَوِ الْتِبَاسٍ مَعَ ظُهُورِهَا، حَيْثُ تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الأَْمَارَاتُ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَيُصَلِّي، وَتَصِحُّ صَلاَتُهُ عِنْدَئِذٍ، لأَِنَّهُ بَذَل وُسْعَهُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِ بِأَدِلَّتِهِ، أَشْبَهَ الْحَاكِمَ إِذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُل رَجُلٍ مِنَّا حِيَالَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ﴾ (٢) стр. 2138
وَعَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ التَّحَرِّيَ بِأَنَّهُ بَذْل الْجُهُودِ لِنَيْل الْمَقْصُودِ. وَأَفَادَ ابْنُ عَابِدِينَ بِأَنَّ قِبْلَةَ التَّحَرِّي مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُجَرَّدِ شَهَادَةِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ، وَعَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَتَخَيَّرُ جِهَةً مِنَ الْجِهَاتِ الأَْرْبَعِ يُصَلِّي إلَيْهَا صَلاَةً وَاحِدَةً، وَلاَ إعَادَةَ لِسُقُوطِ الطَّلَبِ عَنْهُ، وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل بَعْضِهِمْ بِتَكْرَارِ الصَّلاَةِ إلَى الْجِهَاتِ الأَْرْبَعِ فِي حَالَةِ التَّحَرِّي وَعَدَمِ الرُّكُونِ إلَى جِهَةٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُصَلِّي كَيْفَ كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَيَقْضِي لِنُدْرَتِهِ (١) .
تَرْكُ التَّحَرِّي:
٣٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ بِالأَْدِلَّةِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ فِي الصَّلاَةِ دُونَ أَنْ يَتَحَرَّى وَإِنْ أَصَابَ، لِتَرْكِهِ فَرْضَ التَّحَرِّي، إلاَّ أَنَّهُ لاَ يُعِيدُ إنْ عَلِمَ إصَابَتَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ اتِّفَاقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، بِخِلاَفِ إِذَا عَلِمَ الإِْصَابَةَ قَبْل التَّمَامِ، فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَبْطُل لأَِنَّهُ بَنَى قَوِيًّا عَلَى ضَعِيفٍ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الَّذِي تَخْفَى عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ يَتَخَيَّرُ جِهَةً مِنَ الْجِهَاتِ الأَْرْبَعِ، وَيُصَلِّي إلَيْهَا وَيَسْقُطُ عَنْهُ الطَّلَبُ لِعَجْزِهِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُعِيدُ مَنْ صَلَّى بِلاَ تَحَرٍّ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ стр. 2139
التَّحَرِّي، سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَهَا (١) .
ظُهُورُ الصَّوَابِ لِلْمُتَحَرِّي:
٣٣ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُتَحَرِّيَ إنْ ظَهَرَ صَوَابُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لاَ تَفْسُدُ، وَعِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ لاَ خِلاَفَ فِي صِحَّتِهَا.
وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ الرَّائِقِ: وَالصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْخَانِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلاَةِ، لأَِنَّ صَلاَتَهُ كَانَتْ جَائِزَةً مَا لَمْ يَظْهَرِ الْخَطَأُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ لاَ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ. وَقِيل: تَفْسُدُ، لأَِنَّ افْتِتَاحَ الصَّلاَةِ كَانَ ضَعِيفًا، وَقَدْ قَوِيَ حَالُهُ بِظُهُورِ الصَّوَابِ، وَلاَ يُبْنَى الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ (٢) .
التَّقْلِيدُ فِي الْقِبْلَةِ:
٣٤ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يُقَلِّدُ الْمُجْتَهِدُ مُجْتَهِدًا غَيْرَهُ، لأَِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الاِجْتِهَادِ تَمْنَعُ مِنَ التَّقْلِيدِ.
وَمَنْ عَلِمَ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَلِّدَ الْمُجْتَهِدَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . (٣)
وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ أَكْثَرُ مِنْ مُجْتَهِدٍ فَالْمُقَلِّدُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ стр. 2140
أَحَدَهُمْ، وَالأَْوْلَى أَنْ يَخْتَارَ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ. (١)
تَرْكُ التَّقْلِيدِ:
٣٥ - لَيْسَ لِمَنْ فَرْضُهُ التَّقْلِيدُ وَوَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَنْ يَسْتَقْبِل بِمُجَرَّدِ مَيْل نَفْسِهِ إلَى جِهَةٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ: أَنَّهُ إنْ تَرَكَ التَّقْلِيدَ وَاخْتَارَ لَهُ جِهَةً تَرْكَنُ لَهَا نَفْسُهُ وَصَلَّى لَهَا كَانَتْ صَلاَتُهُ صَحِيحَةً إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِي الصَّلاَةِ قَطَعَهَا حَيْثُ كَانَ كَثِيرًا، وَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَهَا فَقَوْلاَنِ بِالإِْعَادَةِ أَبَدًا أَوْ فِي الْوَقْتِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي " تَبَيُّنِ الْخَطَأِ فِي الصَّلاَةِ ".
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ مُطْلَقًا وَإِنْ صَادَفَ الْقِبْلَةَ (٢) .
اسْتِقْبَال الأَْعْمَى وَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ لِلْقِبْلَةِ:
٣٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الأَْعْمَى عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَل عَنِ الْقِبْلَةِ، لأَِنَّ مُعْظَمَ الأَْدِلَّةِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُشَاهَدَةِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا تَحَرَّى، وَكَذَا لَوْ سَأَلَهُ عَنْهَا فَلَمْ يُخْبِرْهُ، حَتَّى إنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بَعْدَمَا صَلَّى لاَ يُعِيدُ.
وَلَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَتَحَرَّى: إنْ أَصَابَ جَازَ وَإِلاَّ لاَ.
وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّلاَةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَسَوَّاهُ رَجُلٌ стр. 2141
إلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ وَجَدَ الأَْعْمَى وَقْتَ الشُّرُوعِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا فَلَمْ يَسْأَلْهُ لَمْ تَجُزْ صَلاَتُهُ، وَإِلاَّ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِهَذَا الرَّجُل الاِقْتِدَاءُ بِهِ.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَل عَنِ الأَْدِلَّةِ عَدْلاً فِي الرِّوَايَةِ لِيَهْتَدِيَ بِهَا إلَى الْقِبْلَةِ. (١)
تَبَيُّنُ الْخَطَأِ فِي الْقِبْلَةِ:
٣٧ - أَطْلَقَ الْحَنَفِيَّةُ الْقَوْل بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ الَّذِي لَمْ يَشُكَّ فِي الْقِبْلَةِ وَلَمْ يَتَحَرَّ إِذَا ظَهَرَ لَهُ خَطَؤُهُ فِي الْقِبْلَةِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَسَدَتْ صَلاَتُهُ، بِخِلاَفِ مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَشَكَّ فِيهَا وَتَحَرَّى، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ خَطَؤُهُ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ اسْتَدَارَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي انْتَهَى إلَيْهَا تَحَرِّيهِ، أَمَّا إِذَا ظَهَرَ لَهُ خَطَؤُهُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الصَّلاَةِ فَإِنَّ صَلاَتَهُ صَحِيحَةٌ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الإِْعَادَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ إِذَا كَانَتْ عَلاَمَاتُ الْقِبْلَةِ ظَاهِرَةً ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِيهَا، لأَِنَّهُ لاَ عُذْرَ لأَِحَدٍ فِي الْجَهْل بِالأَْدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ. أَمَّا دَقَائِقُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَصُوَرُ النُّجُومِ الثَّوَابِتِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي الْجَهْل بِهَا فَلاَ إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يُفَرِّقِ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الأَْدِلَّةُ ظَاهِرَةً فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ أَوْ خَفِيَتْ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ أَدِلَّةٌ خَفِيَّةٌ، لأَِنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ فِي الْحَالَيْنِ وَعَجَزَ عَنِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَاسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الإِْعَادَةِ. أَمَّا فِي الْقَوْل стр. 2142
الأَْظْهَرِ لِلشَّافِعِيَّةِ فَتَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ لأَِنَّهُ أَخْطَأَ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاَةِ. (١)
الْعَجْزُ عَنِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي الصَّلاَةِ .
٣٨ - ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ إلَى أَنَّ مَنْ بِهِ عُذْرٌ حِسِّيٌّ يَمْنَعُهُ مِنْ الاِسْتِقْبَال كَالْمَرِيضِ، وَالْمَرْبُوطِ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، لأَِنَّ الاِسْتِقْبَال شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ وَقَدْ عَجَزَ عَنْهُ فَأَشْبَهَ الْقِيَامَ.
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالصَّاحِبَانِ مِنِ الْحَنَفِيَّةِ لِسُقُوطِ الْقِبْلَةِ عَنْهُ أَنْ يَعْجِزَ أَيْضًا عَمَّنْ يُوَجِّهُهُ وَلَوْ بِأَجْرِ الْمِثْل، كَمَا اسْتَظْهَرَهُ. الشَّيْخُ إسْمَاعِيل النَّابُلُسِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ. وَبِالنِّسْبَةِ لإِِعَادَةِ الصَّلاَةِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا تَفْصِيلُهُ فِي مَبَاحِثِ الصَّلاَةِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الْقَادِرَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ عَاجِزٌ. وَبِقَوْلِهِمَا جَزَمَ فِي الْمُنْيَةِ وَالْمِنَحِ وَالدُّرِّ وَالْفَتْحِ بِلاَ حِكَايَةِ خِلاَفٍ.
وَلَوْ وَجَدَ أَجِيرًا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ اسْتِئْجَارُهُ إِذَا كَانَتِ الأُْجْرَةُ دُونَ نِصْفِ دِرْهَمٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أُجْرَةُ الْمِثْل كَمَا فَسَّرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ. (٢)
أَمَّا مَنْ بِهِ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ يَمْنَعُهُ مِنْ الاِسْتِقْبَال فَقَدْ تَعَرَّضَ الْفُقَهَاءُ لِلصُّوَرِ الآْتِيَةِ مِنْهُ وَهِيَ:
الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ، وَذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَذَلِكَ كَالْخَوْفِ مِنْ سَبُعٍ стр. 2143
وَعَدُوٍّ، فَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى جِهَةٍ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَمِثْلُهُ الْهَارِبُ مِنَ الْعَدُوِّ رَاكِبًا يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ.
وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ صُوَرِ الْعُذْرِ: الْخَوْفَ مِنْ الاِنْقِطَاعِ عَنْ رُفْقَتِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ: الاِسْتِيحَاشَ وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِانْقِطَاعِهِ عَنْ رُفْقَتِهِ.
وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ مِنَ الأَْعْذَارِ: الْخَوْفَ مِنْ أَنْ تَتَلَوَّثَ ثِيَابُهُ بِالطِّينِ وَنَحْوِهِ لَوْ نَزَل عَنْ دَابَّتِهِ.
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ عَجْزَهُ عَنِ النُّزُول، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ نَزَل وَصَلَّى وَاقِفًا بِالإِْيمَاءِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ دُونَ السُّجُودِ أَوْمَأَ قَاعِدًا.
وَعَدَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ مِنَ الأَْعْذَارِ: مَا لَوْ خَافَ عَلَى مَالِهِ - مِلْكًا أَوْ أَمَانَةً - لَوْ نَزَل عَنْ دَابَّتِهِ.
وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ مِنَ الأَْعْذَارِ: الْعَجْزَ عَنِ الرُّكُوبِ فِيمَنْ احْتَاجَ فِي رُكُوبِهِ بَعْدَ نُزُولِهِ لِلصَّلاَةِ إلَى مُعِينٍ وَلاَ يَجِدُهُ، كَأَنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ جَمُوحًا، أَوْ كَانَ هُوَ ضَعِيفًا فَلَهُ أَلاَّ يَنْزِل. (١)
وَمِنَ الأَْعْذَارِ: الْخَوْفُ وَقْتَ الْتِحَامِ الْقِتَال، فَقَدِ اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنْ يَسْقُطَ شَرْطُ الاِسْتِقْبَال فِي حَال الْمُسَايَفَةِ وَقْتَ الْتِحَامِ الصُّفُوفِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ إِذَا عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنْهُ (٢) . وَلِمَعْرِفَةِ مَاهِيَّةِ هَذَا الْقِتَال، وَمَا يَلْحَقُ بِهِ، وَوَقْتُ صَلاَتِهِ، وَإِعَادَتُهَا حِينَ الأَْمْنِ، وَبَقِيَّةُ أَحْكَامِهَا (ر: صَلاَةُ الْخَوْفِ) . стр. 2144
اسْتِقْبَال الْمُتَنَفِّل عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ:
٣٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّل عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ لِجِهَةِ سَفَرِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ وَلَوْ بِلاَ عُذْرٍ، لأَِنَّهُ ﷺ : كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ (١) وَفُسِّرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ بِالتَّوَجُّهِ فِي نَفْل السَّفَرِ (٢) .
وَفِي الشُّرُوطِ الْمُجَوِّزَةِ لِذَلِكَ خِلاَفٌ فَصَّلَهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَبْحَثِ صَلاَةِ الْمُسَافِرِ، وَالصَّلاَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
اسْتِقْبَال الْمُتَنَفِّل مَاشِيًا فِي السَّفَرِ:
٤٠ - مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ كَلاَمُ الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ يُبَاحُ لِلْمُسَافِرِ الْمَاشِي الصَّلاَةُ فِي حَال مَشْيِهِ، لأَِنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الرَّاكِبِ، فَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُ الْمَاشِي عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ، وَمَشْيٌ مُتَتَابِعٌ يُنَافِي الصَّلاَةَ فَلَمْ يَصِحَّ الإِْلْحَاقُ.
وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ ثَانِيَةُ الرِّوَايَتَيْنِ стр. 2145
عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَاشِيًا قِيَاسًا عَلَى الرَّاكِبِ، لأَِنَّ الْمَشْيَ إحْدَى حَالَتَيْ سَيْرِ الْمُسَافِرِ، وَلأَِنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ فَكَذَا فِي النَّافِلَةِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إلَى الأَْسْفَارِ، فَلَوْ شَرَطَا فِيهَا الاِسْتِقْبَال لِلتَّنَفُّل لأََدَّى إلَى تَرْكِ أَوْرَادِهِمْ أَوْ مَصَالِحِ مَعَايِشِهِمْ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ لاِفْتِتَاحِ الصَّلاَةِ، ثُمَّ يَنْحَرِفُ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلاَ يَلْزَمُهُ الاِسْتِقْبَال فِي السَّلاَمِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. (١)
اسْتِقْبَال الْمُفْتَرِضِ عَلَى السَّفِينَةِ وَنَحْوِهَا:
٤١ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى وُجُوبِ اسْتِقْبَال الْمُفْتَرِضِ عَلَى السَّفِينَةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ صَلاَتِهِ، وَذَلِكَ لِتَيَسُّرِ الاِسْتِقْبَال عَلَيْهِ. وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَدُورُ مَعَهَا إِذَا دَارَتْ. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (الصَّلاَةُ فِي السَّفِينَةِ) .
اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ:
٤٢ - قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ هِيَ أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، وَلِذَا يُسْتَحَبُّ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا حِينَ стр. 2146
الْجُلُوسِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : إنَّ سَيِّدَ الْمَجَالِسِ مَا اسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ. (١)
قَال صَاحِبُ الْفُرُوعِ: وَيُتَّجَهُ فِي كُل طَاعَةٍ إلاَّ لِدَلِيلٍ. (٢)
وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْهَا تَغْلِيطُ الأَْمْرِ وَإِلْقَاءُ الرَّهْبَةِ فِي قَلْبِ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا، كَمَا فِي تَغْلِيظِ الْقَاضِي الْيَمِينَ عَلَى حَالِفِهَا بِذَلِكَ (ر: إثْبَاتٌ ف ٢٦) .
عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لِلإِْنْسَانِ أَحْوَالٌ تَرْفَعُ هَذَا الاِسْتِحْبَابَ، بَل قَدْ يَكُونُ اسْتِقْبَالُهَا حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا (ر: قَضَاءُ الْحَاجَةِ. اسْتِنْجَاء) .
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ زَائِرَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ وَيَسْتَقْبِل الْقَبْرَ الشَّرِيفَ (٣) .
اسْتِقْبَال غَيْرِ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلاَةِ:
٤٣ - الأَْصْل فِي اسْتِقْبَال الْمُصَلِّي لِلأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ، مَا دَامَ مُتَوَجِّهًا إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، لَكِنْ هُنَاكَ أَشْيَاءُ مُعَيَّنَةٌ نُهِيَ الْمُصَلِّي عَنْ أَنْ يَجْعَلَهَا أَمَامَهُ لاِعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ فِيهَا، كَأَنْ يَكُونَ فِي وُجُودِهَا أَمَامَهُ تَشَبُّهٌ بِالْمُشْرِكِينَ، كَمَا فِي الصَّنَمِ وَالنَّارِ وَالْقَبْرِ، أَوْ لِكَوْنِهَا قَذِرَةً أَوْ نَجِسَةً يُصَانُ وَجْهُ الْمُصَلِّي وَنَظَرُهُ عَنْهَا، كَمَا فِي стр. 2147
الصَّلاَةِ إلَى الْحَشِّ (١) وَالْمَجْزَرَةِ، أَوْ قَدْ يَكُونُ أَمَامَهُ مَا يُشَوِّشُ عَلَيْهِ فِكْرَهُ كَمَا فِي الصَّلاَةِ إلَى الطَّرِيقِ. وَقَدْ تَنَاوَلَهَا الْفُقَهَاءُ بِالْبَحْثِ فِي الْكَلاَمِ عَلَى مَكْرُوهَاتِ الصَّلاَةِ. (٢)
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي أَمَامَ الْمُصَلِّي أَمْرًا مَرْغُوبًا فِيهِ، لِكَوْنِهِ عَلاَمَةً عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ لِمَنْعِ الْمَارِّينَ مِنَ الْمُرُورِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، كَمَا فِي الصَّلاَةِ إلَى السُّتْرَةِ. وَقَدْ بَحَثَهَا الْفُقَهَاءُ ضِمْنَ سُنَنِ الصَّلاَةِ. (٣)
اسْتِقْبَال غَيْرِ الْقِبْلَةِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ:
٤٤ - الأَْصْل فِي تَوَجُّهِ الإِْنْسَانِ إلَى الأَْشْيَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ الإِْبَاحَةُ أَيْضًا، وَلَكِنْ قَدْ يُطْلَبُ التَّوَجُّهُ إلَى الْمَوَاطِنِ الشَّرِيفَةِ فِي الأَْحْوَال الشَّرِيفَةِ طَلَبًا لِخَيْرِهَا وَفَضْلِهَا، كَاسْتِقْبَال السَّمَاءِ بِالْبَصَرِ وَبِبُطُونِ الْكَفَّيْنِ فِي الدُّعَاءِ. (٤)
كَمَا يُطْلَبُ عَدَمُ التَّوَجُّهِ إلَيْهَا فِي الأَْحْوَال الْخَسِيسَةِ، كَاسْتِقْبَال قَاضِي الْحَاجَةِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَوِ الْمُصْحَفَ الشَّرِيفَ (ر: قَضَاءُ الْحَاجَةِ) .
وَقَدْ يُطْلَبُ تَجَنُّبُ اسْتِقْبَالِهَا صِيَانَةً لَهُ عَنْهَا لِنَجَاسَتِهَا أَوْ حِفْظًا لِبَصَرِهِ عَنِ النَّظَرِ إلَيْهَا، كَاسْتِقْبَال قَاضِي الْحَاجَةِ مَهَبَّ الرِّيحِ، وَاسْتِقْبَال стр. 2148
الْمُسْتَأْذِنِ لِلدُّخُول بَابَ الْمَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ الدُّخُول إلَيْهِ. (١)
وَقَدْ يُطْلَبُ الاِسْتِقْبَال حِفَاظًا عَلَى الآْدَابِ وَمَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ وَتَوْفِيرًا لِحُسْنِ الإِْصْغَاءِ، كَمَا فِي اسْتِقْبَال الْخَطِيبِ لِلْقَوْمِ وَاسْتِقْبَالِهِمْ لَهُ، وَاسْتِقْبَال الإِْمَامِ النَّاسَ بَعْدَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ (٢) .
وَكَمَا فِي اسْتِقْبَال الضُّيُوفِ وَالْمُسَافِرِينَ إبْقَاءً عَلَى الرَّوَابِطِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ مَتِينَةً. (٣)
وَمِنْ هَذِهِ الطَّاعَاتِ: الْوُضُوءُ، وَالتَّيَمُّمُ، وَالأَْذَانُ وَالإِْقَامَةُ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَالدُّعَاءُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَالذِّكْرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْحَجُّ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، تُعْلَمُ بِتَتَبُّعِ كِتَابِ الْحَجِّ كَالإِْهْلاَل، وَشُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتَوْجِيهِ الْهَدْيِ حِينَ الذَّبْحِ لِلْقِبْلَةِ، وَقَضَاءِ الْقَاضِي بَيْنَ الْخُصُومِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوَاضِعِهَا.
كَمَا يُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي مَوَاطِنَ خَاصَّةٍ طَلَبًا لِبَرَكَتِهَا وَكَمَال الْعَمَل بِاسْتِقْبَالِهَا، كَمَا فِي تَوْجِيهِ الْمُحْتَضَرِ إلَيْهَا، وَكَذَا الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ عِنْدَ الدَّفْنِ (ر: كِتَابُ الْجَنَائِزِ) ، وَمِثْلُهُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَ ذَبِيحَةً فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِل بِهَا الْقِبْلَةَ (ر: كِتَابُ الذَّبَائِحِ) . стр. 2149
اسْتِقْرَاء
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِقْرَاءُ لُغَةً: التَّتَبُّعُ، يُقَال: قَرَأَ الأَْمْرَ، وَأَقْرَأَهُ أَيْ: تَتَبَّعَهُ، وَاسْتَقْرَأْتُ الأَْشْيَاءَ: تَتَبَّعْتُ أَفْرَادَهَا لِمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهَا وَخَوَاصِّهَا. (١)
وَعَرَّفَهُ الأُْصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ بِقَوْلِهِمْ: تَصَفُّحُ جُزْئِيَّاتِ كُلِّيٍّ لِيُحْكَمَ بِحُكْمِهَا عَلَى ذَلِكَ الْكُلِّيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقِيَاسُ:
٢ - الْقِيَاسُ: هُوَ إلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ فِي حُكْمٍ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعِلَّةِ. (٣)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - الاِسْتِقْرَاءُ إنْ كَانَ تَامًّا بِمَعْنَى تَتَبُّعِ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ مَا عَدَا صُورَةِ النِّزَاعِ (أَيِ الصُّورَةِ الْمُرَادِ مَعْرِفَةُ حُكْمِهَا) يُعْتَبَرُ دَلِيلاً قَطْعِيًّا حَتَّى فِي صُورَةِ النِّزَاعِ عِنْدَ الأَْكْثَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ، بَل هُوَ ظَنِّيٌّ، لاِحْتِمَال مُخَالَفَةِ تِلْكَ الصُّورَةِ لِغَيْرِهَا عَلَى بُعْدٍ. стр. 2150
وَقَدْ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ الأَْخْذَ بِالاِسْتِقْرَاءِ فِي: الْحَيْضِ، وَالاِسْتِحَاضَةِ، وَالْعِدَّةِ عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتُ.
٤ - وَإِنْ كَانَ الاِسْتِقْرَاءُ نَاقِصًا أَيْ بِأَكْثَرِ الْجُزْئِيَّاتِ الْخَالِي عَنْ صُورَةِ النِّزَاعِ فَهُوَ ظَنِّيٌّ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لاَ قَطْعِيٌّ، لاِحْتِمَال مُخَالَفَةِ صُورَةِ النِّزَاعِ لِذَلِكَ الْمُسْتَقْرَأِ، وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ: إلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالأَْغْلَبِ (١) .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا احْتَجُّوا فِيهِ بِالاِسْتِقْرَاءِ: الْمُعْتَدَّةُ عِنْدَ الْيَأْسِ تَعْتَدُّ بِالأَْشْهُرِ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ: يُعْتَبَرُ فِي عِدَّةِ الْيَائِسَةِ اسْتِقْرَاءُ نِسَاءِ أَقَارِبِهَا مِنَ الأَْبَوَيْنِ الأَْقْرَبَ فَالأَْقْرَبَ، لِتَقَارُبِهِنَّ طَبْعًا وَخَلْقًا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ - بِاسْتِقْرَاءِ حَالاَتِ النِّسَاءِ وَاعْتِبَارِ حَالِهَا بِحَال مَثِيلاَتِهَا فِي السِّنِّ عِنْدَ ذَلِكَ، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (عِدَّةٌ) (وَإِيَاسٌ) . (٢) стр. 2151
اسْتِقْرَاض
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِقْرَاضُ لُغَةً: طَلَبُ الْقَرْضِ. (١) وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى طَلَبِ الْقَرْضِ، أَوِ الْحُصُول عَلَيْهِ، وَلَوْ بِدُونِ طَلَبٍ. (٢)
وَالْقَرْضُ مَا تُعْطِيهِ مِنْ مِثْلِيٍّ لِيَتَقَاضَى مِثْلَهُ. (٣)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الاِسْتِدَانَةُ:
٢ - الاِسْتِقْرَاضُ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِدَانَةِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ عَامٌّ شَامِلٌ لِلْقَرْضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ. وَالدَّيْنُ قَدْ يَكُونُ لَهُ أَجَلٌ، وَالأَْجَل فِيهِ مُلْزَمٌ، أَمَّا الْقَرْضُ فَإِنَّ الأَْجَل فِيهِ غَيْرُ مُلْزَمٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إنَّ اشْتِرَاطَهُ مُلْزَمٌ، وَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْمُقْرِضِ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَقْرِضِ مَا لَمْ يَحِل الأَْجَل كَغَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ (٤) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ. (٥) стр. 2152
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - الاِسْتِقْرَاضُ جَائِزٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْرِضِ بِشُرُوطٍ يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَبْوَابِ الْقَرْضِ، وَنَقَل بَعْضُهُمْ الإِْجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ (١) ، وَرَوَى أَبُو رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، (٢) فَقَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إبِل الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ لَمْ أَجِدْ فِيهَا إلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًّا، (٣) فَقَال: أَعْطِهِ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً (٤)
وَقَدْ يَعْرِضُ لِلاِسْتِقْرَاضِ مَا يُخْرِجُهُ عَنِ الْجَوَازِ كَحُرْمَةِ الاِسْتِقْرَاضِ بِشَرْطِ نَفْعٍ لِلْمُقْرِضِ، وَكَوُجُوبِ اسْتِقْرَاضِ الْمُضْطَرِّ (٥) ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي بَابِ الْقَرْضِ. وَيَصِحُّ التَّوْكِيل فِي الاِسْتِقْرَاضِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ стр. 2153
وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ يَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ الاِسْتِقْرَاضَ طَلَبُ تَبَرُّعٍ مِنَ الْمُقْرِضِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّكَدِّي (الشِّحَاذَةِ) وَلاَ يَصِحُّ التَّوْكِيل فِيهِ. (١)
وَالاِسْتِقْرَاضُ أَحْيَانًا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ مِنَ الْقَاضِي، كَاسْتِقْرَاضِ مَنْ حُكِمَ لَهُ بِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ عَلَى قَرِيبِهِ الْمُعْسِرِ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ، (٢) وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ النَّفَقَةِ.
وَلَوِ اسْتَقْرَضَ الأَْبُ مِنْ وَلَدِهِ فَإِنَّ لِلْوَلَدِ مُطَالَبَتَهُ، عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ فَجَازَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ كَغَيْرِهِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُطَالَبُ، لِحَدِيثِ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ. (٣)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - أَغْلَبُ أَحْكَامِ الاِسْتِقْرَاضِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ تُذْكَرُ فِي بَابِ الْقَرْضِ، وَبِالإِْضَافَةِ إلَى ذَلِكَ تَأْتِي بَعْضُ أَحْكَامِهِ فِي الشَّرِكَةِ، أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَنْ إِذْنِ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ (٤) ، وَفِي الْوَكَالَةِ عِنْدَ بَيَانِ مَا تَصِحُّ فِيهِ стр. 2154
الْوَكَالَةُ، (١) وَفِي الْوَقْفِ فِي الاِسْتِدَانَةِ عَلَى الْوَقْفِ، (٢) وَفِي النَّفَقَةِ فِي الاِسْتِقْرَاضِ عَلَى الْغَائِبِ وَالْمُعْسِرِ. (٣)
اسْتِقْسَام
التَّعْرِيفُ:
١ - يَأْتِي الاِسْتِقْسَامُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى: طَلَبِ الْقَسْمِ بِالأَْزْلاَمِ وَنَحْوِهَا، وَالْقَسْمُ هُنَا: مَا قُدِّرَ لِلإِْنْسَانِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى طَلَبِ: الْقَسْمِ الْمُقَدَّرِ مِمَّا هُوَ شَائِعٌ، وَالْقَسْمُ هُنَا: النَّصِيبُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ وَالْمُفَسِّرُونَ فِي الْمَقْصُودِ بِالاِسْتِقْسَامِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَْزْلاَمِ﴾ . (٤) فَقَال الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ الأَْزْهَرِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَالْقَفَّال وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: مَعْنَى الاِسْتِقْسَامِ بِالأَْزْلاَمِ طَلَبُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ بِوَاسِطَةِ ضَرْبِ الْقِدَاحِ، فَكَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا، أَوْ غَزْوًا، أَوْ تِجَارَةً، أَوْ نِكَاحًا، أَوْ أَوْ أَمْرًا آخَرَ ضَرَبَ بِالْقِدَاحِ، وَكَانُوا قَدْ كَتَبُوا عَلَى بَعْضِهَا " أَمَرَنِي رَبِّي " وَعَلَى بَعْضِهَا " نَهَانِي رَبِّي " وَتَرَكُوا بَعْضَهَا خَالِيًا عَنِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ خَرَجَ الأَْمْرُ أَقْدَمَ عَلَى الْفِعْل، وَإِنْ خَرَجَ النَّهْيُ أَمْسَكَ، وَإِنْ خَرَجَ الْغُفْل أَعَادَ الْعَمَل стр. 2155
مَرَّةً أُخْرَى، فَهُمْ يَطْلُبُونَ مِنَ الأَْزْلاَمِ أَنْ تَدُلَّهُمْ عَلَى قَسْمِهِمْ.
وَقَال الْمُؤَرَّجُ وَالْعَزِيزِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْل اللُّغَةِ: الاِسْتِقْسَامُ هُنَا هُوَ الْمَيْسِرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَالأَْزْلاَمُ قِدَاحُ الْمَيْسِرِ، وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَيْسِرُوا ابْتَاعُوا نَاقَةً بِثَمَنٍ مُسَمًّى يَضْمَنُونَهُ لِصَاحِبِهَا، وَلَمْ يَدْفَعُوا الثَّمَنَ حَتَّى يَضْرِبُوا بِالْقِدَاحِ عَلَيْهَا، فَيَعْلَمُوا عَلَى مَنْ يَجِبُ الثَّمَنُ. (١)
وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ وَالْمُفَسِّرِينَ (٢) مِنْ أَنَّهُ الاِمْتِثَال لِمَا تُخْرِجُهُ الأَْزْلاَمُ مِنَ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ فِي شُئُونِ حَيَاتِهِمْ، وَالأَْقْدَاحُ هِيَ أَقْدَاحُ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الطَّرْقُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الطَّرْقِ: الضَّرْبُ بِالْحَصَى، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّكَهُّنِ، وَشَبِيهُ الْخَطِّ فِي الرَّمْل، (٣) وَفِي الْحَدِيثِ: الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ (٤) стр. 2156
وَمِنْ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الطَّرْقَ بِالْحَصَى وَالاِسْتِقْسَامَ كِلاَهُمَا لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ الْحُظُوظِ.
ب - الطِّيَرَةُ:
٣ - هِيَ التَّشَاؤُمُ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَرَبِيَّ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْمُضِيَّ لِمُهِمٍّ مَرَّ بِمَجَاثِمِ الطَّيْرِ وَأَثَارِهَا، فَإِنْ تَيَامَنَتْ مَضَى، وَإِنْ تَشَاءَمَتْ تَطَيَّرَ وَعَدَل. فَنَهَى الشَّارِعُ عَنْ ذَلِكَ (١) فَفِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ (٢) وَهِيَ بِهَذَا تُشْبِهُ الاِسْتِقْسَامَ فِي أَنَّهَا طَلَبُ مَعْرِفَةِ قَسْمِهِ مِنَ الْغَيْبِ.
ج - الْفَأْل:
٤ - الْفَأْل هُوَ أَنْ تَسْمَعَ كَلاَمًا حَسَنًا فَتَتَيَمَّنَ بِهِ، وَالْفَأْل ضِدُّ الطِّيَرَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ الْفَأْل وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ. (٣) стр. 2157
وَالْفَأْل مُسْتَحْسَنٌ إِذَا كَانَ مِنْ قَبِيل الْكَلِمَةِ الْحَسَنَةِ يَسْمَعُهَا الرَّجُل مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، نَحْوُ: يَا فَلاَّحُ وَيَا مَسْعُودُ فَيَسْتَبْشِرُ بِهَا.
وَالْفَأْل بِهَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ مِنْ قَبِيل الاِسْتِقْسَامِ (الْمَنْهِيِّ عَنْهُ) أَمَّا إِذَا قَصَدَ بِالْفَأْل طَلَبَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ مِنَ الشَّرِّ عَنْ طَرِيقِ أَخْذِهِ مِنْ مُصْحَفٍ، أَوْ ضَرْبِ رَمْلٍ، أَوْ قُرْعَةٍ وَنَحْوِهَا - وَهُوَ يَعْتَقِدُ هَذَا الْمَقْصِدَ إنْ خَرَجَ جَيِّدًا اتَّبَعَهُ، وَإِنْ خَرَجَ رَدِيًّا اجْتَنَبَهُ - فَهُوَ حَرَامٌ، لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل الاِسْتِقْسَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. (١)
د - الْقُرْعَةُ:
٥ - الْقُرْعَةُ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الاِقْتِرَاعِ وَهُوَ الاِخْتِيَارُ بِإِلْقَاءِ السِّهَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَيْسَتِ الْقُرْعَةُ مِنَ الْمَيْسِرِ كَمَا يَقُول الْبَعْضُ، لأَِنَّ الْمَيْسِرَ هُوَ الْقِمَارُ، وَتَمْيِيزُ الْحُقُوقِ لَيْسَ قِمَارًا.
وَلَيْسَتْ مِنْ الاِسْتِقْسَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، لأَِنَّ الاِسْتِقْسَامَ تَعَرُّضٌ لِدَعْوَى عِلْمِ الْغَيْبِ، وَهُوَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، فِي حِينِ أَنَّ الْقُرْعَةَ تَمْيِيزُ نَصِيبٍ مَوْجُودٍ، فَهِيَ أَمَارَةٌ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمٍ قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ، أَوْ لإِِزَالَةِ الإِْبْهَامِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَالْقُرْعَةُ الَّتِي تَكُونُ لِتَمْيِيزِ الْحُقُوقِ مَشْرُوعَةٌ.
أَمَّا الْقُرْعَةُ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا الْفَأْل، أَوِ الَّتِي يُطْلَبُ بِهَا مَعْرِفَةُ الْغَيْبِ وَالْمُسْتَقْبَل فَهِيَ فِي مَعْنَى الاِسْتِقْسَامِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ (٢) . стр. 2158
هـ - الْكِهَانَةُ:
٦ - الْكِهَانَةُ أَوِ التَّكَهُّنُ: ادِّعَاءُ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَالْكَاهِنُ هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ بَعْضِ الْمُضْمَرَاتِ، فَيُصِيبُ بَعْضَهَا، وَيُخْطِئُ أَكْثَرَهَا، وَيَزْعُمُ أَنَّ الْجِنَّ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَمِثْل الْكَاهِنِ: الْعَرَّافُ، وَالرَّمَّال، وَالْمُنَجِّمُ، وَهُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَل بِطُلُوعِ النَّجْمِ وَغُرُوبِهِ. (١)
وَفِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُول فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِل عَلَى مُحَمَّدٍ. (٢) وَعَلَى ذَلِكَ فَالْكِهَانَةُ هِيَ مِنْ قَبِيل الاِسْتِقْسَامِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
صِفَةُ الاِسْتِقْسَامِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
٧ - الاِسْتِقْسَامُ بِالأَْزْلاَمِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا - سَوَاءٌ كَانَ لِطَلَبِ الْقَسْمِ فِي أُمُورِ الْحَيَاةِ الْغَيْبِيَّةِ، أَوْ كَانَ لِلْمُقَامَرَةِ - وَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ خَيْرًا - حَرَامٌ، كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ . (٣)
وقَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ . . . إلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَْزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ . (٤)
فَهُوَ خُرُوجٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، لأَِنَّهُ تَعَرُّضٌ لِعِلْمِ стр. 2159
الْغَيْبِ، أَوْ نَوْعٌ مِنَ الْمُقَامَرَةِ، وَكِلاَهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ. (١)
إِحْلاَل الشَّرْعِ الاِسْتِخَارَةَ مَحَل الاِسْتِقْسَامِ:
٨ - لَمَّا كَانَ الإِْنْسَانُ بِطَبْعِهِ يَمِيل إلَى التَّعَرُّفِ عَلَى طَرِيقِهِ، وَالاِطْمِئْنَانِ إلَى أُمُورِ حَيَاتِهِ، فَقَدْ أَوْجَدَ الشَّرْعُ لِلإِْنْسَانِ مَا يُلْجَأُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيَشْرَحَ صَدْرَهُ لِمَا فِيهِ الْخَيْرُ فَيَتَّجِهُ إلَيْهِ. وَالاِسْتِخَارَةُ طَلَبُ الْخِيَرَةِ فِي الشَّيْءِ (٢) ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِخَارَةٌ) .
اسْتِقْلاَل
اُنْظُرْ: انْفِرَادٌ
اسْتِكْسَاب
اُنْظُرْ: إنْفَاقٌ، وَنَفَقَةٌ стр. 2160
اسْتِلاَمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِلاَمِ فِي اللُّغَةِ: اللَّمْسُ بِالْيَدِ أَوِ الْفَمِ. وَالاِسْتِلاَمُ مَأْخُوذٌ إمَّا مِنَ السَّلاَمِ أَيِ التَّحِيَّةِ، (١) وَإِمَّا مِنَ السَّلاَمِ أَيِ الْحِجَارَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ لَمْسِ الْحَجَرِ. وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الطَّوَافِ. (٢)
وَقَدْ شَاعَ اسْتِعْمَال الاِسْتِلاَمِ بِمَعْنَى التَّسَلُّمِ، فَيُرْجَعُ إلَيْهِ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي مُصْطَلَحِ: (تَسَلُّمٌ) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بِالْيَدِ فِي أَوَّل الطَّوَافِ (٣) ، رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ لاَ يَسْتَلِمُ إلاَّ الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ. (٤) وَقَال ابْنُ عُمَرَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلاَمَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا فِي شِدَّةٍ وَلاَ стр. 2161
رَخَاءٍ. (١) وَلأَِنَّ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ﵇، فَسُنَّ اسْتِلاَمُهُ، كَاسْتِلاَمِ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ. (٢) وَالاِسْتِلاَمُ فِي كُل طَوْفَةٍ كَالْمَرَّةِ الأُْولَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِالاِسْتِحْبَابِ. (٣)
وَالاِسْتِلاَمُ بِالْفَمِ كَالاِسْتِلاَمِ بِالْيَدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَجَرِ، إلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إنَّ الاِسْتِلاَمَ بِالْيَدِ يَكُونُ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الاِسْتِلاَمِ بِالْفَمِ. (٤) وَفِي اسْتِلاَمِ الْيَمَانِيِّ بِالْفَمِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ يُذْكَرُ فِي أَحْكَامِ الطَّوَافِ.
وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الاِسْتِلاَمِ بِالْيَدِ يَسْتَلِمُ الإِْنْسَانُ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِلاَمُهُ أَصْلاً أَشَارَ إلَيْهِ وَكَبَّرَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إلَيْهِ وَكَبَّرَ. (٥)
وَبَعْدَ الاِنْتِهَاءِ مِنْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ يُسَنُّ كَذَلِكَ стр. 2162
الْعَوْدُ لاِسْتِلاَمِ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ (١) . وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل، وَيَخْتَلِفُ الْحَال بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال.
وَاسْتِلاَمُ الْحَجَرِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ تَعَبُّدِيٌّ وَخُصُوصِيَّةٌ لَهُمَا، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي أَحْكَامِ الطَّوَافِ.
اسْتِلْحَاق
التَّعْرِيفُ
١ - الاِسْتِلْحَاقُ لُغَةً: مَصْدَرُ اسْتَلْحَقَ، يُقَال: اسْتَلْحَقَهُ ادَّعَاهُ. (٢)
وَاصْطِلاَحًا: هُوَ الإِْقْرَارُ بِالنَّسَبِ. وَالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الاِسْتِلْحَاقِ هُوَ اسْتِعْمَال الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَاسْتَعْمَلُوهُ فِي الإِْقْرَارِ بِالنَّسَبِ عَلَى قِلَّةٍ. (٣)
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
٢ - جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ كُل مُسْتَلْحَقٍ اُسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي стр. 2163
يُدْعَى لَهُ فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ (١) قَال الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ أَحْكَامٌ وَقَعَتْ فِي أَوَّل زَمَانِ الشَّرِيعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لأَِهْل الْجَاهِلِيَّةِ إمَاءٌ بَغَايَا، وَكَانَ سَادَتُهُنَّ يُلِمُّونَ بِهِنَّ، فَإِذَا جَاءَتْ إِحْدَاهُنَّ بِوَلَدٍ رُبَّمَا ادَّعَاهُ السَّيِّدُ وَالزَّانِي، فَأَلْحَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالسَّيِّدِ، لأَِنَّ الأَْمَةَ فِرَاشٌ كَالْحُرَّةِ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يَسْتَلْحِقْهُ ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ لَحِقَ بِأَبِيهِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الاِسْتِلْحَاقِ عِنْدَ الصِّدْقِ وَاجِبٌ، وَمَعَ الْكَذِبِ فِي ثُبُوتِهِ وَنَفْيِهِ حَرَامٌ، وَيُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ، لأَِنَّهُ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ، لِمَا صَحَّ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الأَْوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (٢) стр. 2164
هَذَا وَيَشْتَرِطُ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ لِصِحَّةِ الاِسْتِلْحَاقِ شُرُوطًا مُعَيَّنَةً، مِنْهَا: أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَجْهُول النَّسَبِ، وَأَلاَّ يُكَذِّبَهُ الْمُقِرُّ لَهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْل الإِْقْرَارِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي مُصْطَلَحِ (نَسَبٌ) (١) وَفِي بَابِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
اسْتِمَاع
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِمَاعُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا: قَصْدُ السَّمَاعِ بُغْيَةَ فَهْمِ الْمَسْمُوعِ أَوْ الاِسْتِفَادَةِ مِنْهُ. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السَّمَاعُ:
٢ - الاِسْتِمَاعُ لاَ يَكُونُ اسْتِمَاعًا إِلاَّ إِذَا تَوَفَّرَ فِيهِ الْقَصْدُ، أَمَّا السَّمَاعُ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِقَصْدٍ، أَوْ بِدُونِ قَصْدٍ. (٣) وَغَالِبُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلسَّمَاعِ يَنْصَرِفُ إلَى اسْتِمَاعِ آلاَتِ الْمَلاَهِي، أَيْ بِالْقَصْدِ. стр. 2165
ب - اسْتِرَاقُ السَّمْعِ:
الاِسْتِمَاعُ قَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيل الاِسْتِخْفَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ، وَلَكِنَّ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ لاَ يَكُونُ إلاَّ عَلَى سَبِيل الاِسْتِخْفَاءِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: اسْتِرَاقُ السَّمْعِ هُوَ الاِسْتِمَاعُ مُسْتَخْفِيًا (١) (ر: اسْتِرَاقُ السَّمْعِ) .
ج - التَّجَسُّسُ:
الاِسْتِمَاعُ لاَ يَكُونُ إلاَّ بِالسَّمْعِ، أَمَّا التَّجَسُّسُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالسَّمْعِ وَبِغَيْرِهِ فَضْلاً عَنْ أَنَّ التَّجَسُّسَ يَكُونُ عَلَى سَبِيل الاِسْتِخْفَاءِ، (٢) فِي حِينِ أَنَّ الاِسْتِمَاعَ يَكُونُ عَلَى سَبِيل الاِسْتِخْفَاءِ، أَوْ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ (ر: تَجَسُّسٌ) .
د - الإِْنْصَاتُ:
الإِْنْصَاتُ هُوَ السُّكُوتُ لِلاِسْتِمَاعِ (٣) . وَيَكُونُ الاِسْتِمَاعُ إمَّا لِصَوْتِ الإِْنْسَانِ، أَوِ الْحَيَوَانِ، أَوِ الْجَمَادِ.
النَّوْعُ الأَْوَّل: اسْتِمَاعُ صَوْتِ الإِْنْسَانِ .
أ - حُكْمُ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ خَارِجَ الصَّلاَةِ:
٣ - الاِسْتِمَاعُ إلَى تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ حِينَ يُقْرَأُ وَاجِبٌ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُذْرٌ مَشْرُوعٌ لِتَرْكِ الاِسْتِمَاعِ. (٤) стр. 2166
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذَا الْوُجُوبِ، هَل هُوَ وُجُوبٌ عَيْنِيٌّ، أَوْ وُجُوبٌ كِفَائِيٌّ؟ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الأَْصْل أَنَّ الاِسْتِمَاعَ لِلْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، لأَِنَّهُ لإِِقَامَةِ حَقِّهِ، بِأَنْ يَكُونَ مُلْتَفِتًا إلَيْهِ غَيْرَ مُضَيِّعٍ، وَذَلِكَ يَحْصُل بِإِنْصَاتِ الْبَعْضِ، كَمَا فِي رَدِّ السَّلاَمِ.
وَنَقَل الْحَمَوِيُّ عَنْ أُسْتَاذِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ يَحْيَى الشَّهِيرِ بِمِنْقَارِي زَادَهْ: أَنَّ لَهُ رِسَالَةً حَقَّقَ فِيهَا أَنَّ سَمَاعَ الْقُرْآنِ فَرْضُ عَيْنٍ. (١)
نَعَمْ إنَّ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَْعْرَافِ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٢) قَدْ نَزَلَتْ لِنَسْخِ جَوَازِ الْكَلاَمِ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ. (٣) إلاَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَلَفْظُهَا يَعُمُّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ وَفِي غَيْرِهَا. (٤)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يُسْتَحَبُّ اسْتِمَاعُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. (٥)
٤ - وَيُعْذَرُ الْمُسْتَمِعُ بِتَرْكِ الاِسْتِمَاعِ لِتِلاَوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَلاَ يَكُونُ آثِمًا بِذَلِكَ - بَل الآْثِمُ هُوَ التَّالِي، عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ - إِذَا وَقَعَتِ التِّلاَوَةُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ فِي أَمَاكِنِ الاِشْتِغَال، وَالْمُسْتَمِعُ فِي حَالَةِ اشْتِغَالٍ، كَالأَْسْوَاقِ الَّتِي بُنِيَتْ لِيَتَعَاطَى فِيهَا النَّاسُ أَسْبَابَ الرِّزْقِ، وَالْبُيُوتِ فِي حَالَةِ تَعَاطِي أَهْل الْبَيْتِ أَعْمَالَهُمْ مِنْ كَنْسٍ وَطَبْخٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، стр. 2167
وَفِي حَضْرَةِ نَاسٍ يَتَدَارَسُونَ الْفِقْهَ، وَفِي الْمَسَاجِدِ، لأَِنَّ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلاَةِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ تَبَعٌ لِلصَّلاَةِ، فَلاَ تُتْرَكُ الصَّلاَةُ لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ فِيهِ. وَإِنَّمَا سَقَطَ إثْمُ تَرْكِ الاِسْتِمَاعِ لِلْقُرْآنِ فِي حَالاَتِ الاِشْتِغَال دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنِ النَّاسِ. قَال تَعَالَى - ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وَإِنَّمَا أَثِمَ الْقَارِئُ بِذَلِكَ، لأَِنَّهُ مُضَيِّعٌ لِحُرْمَةِ الْقُرْآنِ. (٢)
ب - طَلَبُ تِلاَوَتِهِ لِلاِسْتِمَاعِ إلَيْهِ:
٥ - يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَطْلُبَ مِمَّنْ يُعْلَمُ مِنْهُ إجَادَةُ التِّلاَوَةِ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مَعَ حُسْنِ الصَّوْتِ التِّلاَوَةَ لِيَسْتَمِعَ إلَيْهَا، قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ: " اعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَاتٍ مِنَ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقِرَاءَةِ بِالأَْصْوَاتِ الْحَسَنَةِ أَنْ يَقْرَءُوا وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَهُوَ مِنْ عَادَةِ الأَْخْيَارِ الْمُتَعَبِّدِينَ وَعِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ . فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِل؟ قَال: نَعَمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى هَذِهِ الآْيَةِ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُل أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ (٣) قَال: حَسْبُكَ الآْنَ، فَالْتَفَتُّ стр. 2168
إلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. (١)
وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدِهِمْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُول لأَِبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: ذَكِّرْنَا رَبَّنَا، فَيَقْرَأُ عِنْدَهُ الْقُرْآنَ (٢) . وَالآْثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
٦ - قَال النَّوَوِيُّ: وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ أَنْ يُسْتَفْتَحَ مَجْلِسُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُخْتَمُ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ حَسَنِ الصَّوْتِ مِمَّا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (٣) .
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَفْضَل مِنْ قِرَاءَةِ الإِْنْسَانِ الْقُرْآنَ بِنَفْسِهِ، لأَِنَّ الْمُسْتَمِعَ يَقُومُ بِأَدَاءِ فَرْضٍ بِالاِسْتِمَاعِ، بَيْنَمَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، قَال أَبُو السُّعُودِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مُلاَّ مِسْكِينٍ: اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ أَثْوَبُ مِنْ قِرَاءَتِهِ، لأَِنَّ اسْتِمَاعَهُ فَرْضٌ بِخِلاَفِ الْقِرَاءَةِ. (٤)
ج - اسْتِمَاعُ التِّلاَوَةِ غَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ:
٧ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِمَاعِ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالتَّرْجِيعِ وَالتَّلْحِينِ الْمُفْرِطِ الَّذِي فِيهِ التَّمْطِيطُ، وَإِشْبَاعُ الْحَرَكَاتِ. وَالتَّرْجِيعُ: أَيِ التَّرْدِيدُ لِلْحُرُوفِ وَالإِْخْرَاجُ لَهَا مِنْ غَيْرِ مَخَارِجِهَا.
وَقَالُوا: التَّالِي وَالْمُسْتَمِعُ فِي الإِْثْمِ سَوَاءٌ، أَيْ إِذَا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَوْ يُعَلِّمْهُ. أَمَّا تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ لأُِصُول الْقِرَاءَةِ فَهُوَ стр. 2169
مُسْتَحَبٌّ، وَاسْتِمَاعُهُ حَسَنٌ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ (١) وَقَوْلِهِ ﵊ فِي أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آل دَاوُدَ. (٢)
وَعَلَى هَذَا يُحْمَل قَوْل الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الأُْمِّ: لاَ بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ بِالأَْلْحَانِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِهَا بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ، وَأَحَبُّ مَا يُقْرَأُ إِلَيَّ حَدْرًا وَتَحْزِينًا: (٣)
وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ - كَالْمَاوَرْدِيِّ - إلَى أَنَّ التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ حَرَامٌ مُطْلَقًا، لإِِخْرَاجِهِ عَنْ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ، وَقَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِمَا إِذَا وَصَل بِهِ إلَى حَدٍّ لَمْ يَقُل بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى إلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالأَْلْحَانِ مَكْرُوهَةٌ عَلَى كُل حَالٍ، لإِِخْرَاجِ الْقُرْآنِ عَنْ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ، стр. 2170
وَفَسَّرُوا قَوْلَهُ ﷺ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: يَسْتَغْنِي بِهِ. (١)
٨ - وَفِي كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ - كَمَا يَفْعَل الْمُتَعَلِّمُونَ عِنْدَ الشَّيْخِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ لَهُمْ - رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ حَسَنٌ.
وَالثَّانِيَةُ: الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ هَذَا وَلاَ يَرْضَاهُ، ثُمَّ رَجَعَ وَخَفَّفَهُ.
وَجْهُ الْكَرَاهَةِ: أَنَّهُ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مَرَّةً وَاحِدَةً لاَ بُدَّ أَنْ يَفُوتَهُ سَمَاعُ مَا يَقْرَأُ بِهِ بَعْضُهُمْ، مَا دَامَ يُصْغِي إلَى غَيْرِهِمْ، وَيَشْتَغِل بِالرَّدِّ عَلَى الَّذِي يُصْغِي إلَيْهِ، فَقَدْ يُخْطِئُ فِي ذَلِكَ الْحِينِ وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ، وَأَجَازَ قِرَاءَتَهُ، فَيُحْمَل عَنْهُ الْخَطَأُ، وَيَظُنُّهُ مَذْهَبًا لَهُ.
وَوَجْهُ التَّخْفِيفِ: الْمَشَقَّةُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُقْرِئِ بِانْفِرَادِ كُل وَاحِدٍ حِينَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ إِذَا كَثُرُوا، وَقَدْ لاَ يَعُمُّهُمْ، فَرَأَى جَمْعَهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ أَحْسَنَ مِنَ الْقَطْعِ بِبَعْضِهِمْ. (٢)
د - اسْتِمَاعُ الْكَافِرِ الْقُرْآنَ:
٩ - لاَ يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ الاِسْتِمَاعِ إلَيْهِ، لِقَوْلِهِ جَل стр. 2171
شَأْنُهُ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾ (١) . وَرَجَاءَ أَنْ يَشْرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِْسْلاَمِ فَيَهْتَدِيَ. (٢)
هـ - اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ:
١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ اسْتِمَاعَ الْمَأْمُومِ فِي الصَّلاَةِ لِقِرَاءَةِ الإِْمَامِ وَالإِْنْصَاتَ إلَيْهِ وَاجِبٌ، وَقِرَاءَتُهُ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْجَهْرِيَّةِ أَمِ السِّرِّيَّةِ. (٣)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ اسْتِمَاعَ الْمَأْمُومِ لِقِرَاءَةِ الإِْمَامِ تُسْتَحَبُّ فِي الْجَهْرِيَّةِ، أَمَّا السِّرِّيَّةُ فَإِنَّهَا تُسْتَحَبُّ فِيهَا الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، خِلاَفًا لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِهَا فِي السِّرِّيَّةِ. (٤)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ فَاتَهُ الاِسْتِمَاعُ. (٥)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ الاِسْتِمَاعُ إِذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِْمَامِ فِي الْجَهْرِيَّةِ، (٦) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قِرَاءَةٌ) .
و اسْتِمَاعُ آيَةِ السَّجْدَةِ:
١١ - يَتَرَتَّبُ عَلَى اسْتِمَاعِ أَوْ سَمَاعِ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ السَّجْدَةِ السُّجُودُ لِلتِّلاَوَةِ، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ السُّجُودِ، تَجِدُهُ مَعَ أَدِلَّتِهِ فِي مُصْطَلَحِ (سُجُودُ التِّلاَوَةِ) . стр. 2172
ثَانِيًا: اسْتِمَاعُ غَيْرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
أ - حُكْمُ اسْتِمَاعِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الاِسْتِمَاعِ وَالإِْنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ.
١٢ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالأَْوْزَاعِيُّ إلَى وُجُوبِ الاِسْتِمَاعِ وَالإِْنْصَاتِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ (١) ، حَتَّى قَال الْحَنَفِيَّةُ: كُل مَا حَرُمَ فِي الصَّلاَةِ حَرُمَ فِي الْخُطْبَةِ، فَيَحْرُمُ أَكْلٌ، وَشُرْبٌ، وَكَلاَمٌ، وَلَوْ تَسْبِيحًا، أَوْ رَدَّ سَلاَمٍ، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ: - بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٢)
- وَبِأَنَّ الْخُطْبَةَ كَالصَّلاَةِ، فَهِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْفَرِيضَةِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ ذَلِكَ إلاَّ تَحْذِيرَ مَنْ خِيفَ هَلاَكُهُ، لأَِنَّهُ يَجِبُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، أَمَّا الإِْنْصَاتُ فَهُوَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ. (٣)
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا: الذِّكْرَ الْخَفِيفَ إنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ، كَالتَّهْلِيل، وَالتَّحْمِيدِ، وَالاِسْتِغْفَارِ، وَالتَّعَوُّذِ، وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الإِْسْرَارِ بِهَذِهِ الأَْذْكَارِ الْخَفِيفَةِ. (٤)
وَاسْتَدَل مَنْ قَال بِوُجُوبِ الاِسْتِمَاعِ لِلْخُطْبَةِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: ﴿ стр. 2173
إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ - وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ. (١)
١٣ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الاِسْتِمَاعَ وَالإِْنْصَاتَ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ سُنَّةٌ، وَلاَ يَحْرُمُ الْكَلاَمُ، بَل يُكْرَهُ، وَحَكَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (٢) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْكَرَاهَةِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ: إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ (٣) وَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ: فَبَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، هَلَكَ الْمَال وَجَاعَ الْعِيَال فَادْعُ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. قَال: فَرَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ. . . (٤)
وَإِنْ عَرَضَ لَهُ نَاجِزٌ كَتَعْلِيمِ خَيْرٍ، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَإِنْذَارِ إنْسَانٍ عَقْرَبًا، أَوْ أَعْمَى بِئْرًا لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الْكَلاَمِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الإِْشَارَةِ إنْ أَغْنَتْ، وَيُبَاحُ لَهُ - أَيِ الْكَلاَمُ - بِلاَ كَرَاهَةٍ.
وَيُبَاحُ الْكَلاَمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِلدَّاخِل فِي أَثْنَاءِ стр. 2174
الْخُطْبَةِ مَا لَمْ يَجْلِسْ، كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ دَاخِلٌ عَلَى مُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ، وَجَبَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِْنْصَاتَ سُنَّةٌ، وَيُسْتَحَبُّ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ كَسَائِرِ الْكَلاَمِ لأَِنَّ سَبَبَهُ قَهْرِيٌّ. (١)
١٤ - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ لِلْبَعِيدِ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ صَوْتَ الْخَطِيبِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، لأَِنَّهُ إنْ رَفَعَ صَوْتَهُ مَنَعَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ مِنْ الاِسْتِمَاعِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ (٢) ، حَتَّى قَال النَّخَعِيُّ: إنِّي لأََقْرَأُ جُزْئِي إِذَا لَمْ أَسْمَعِ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (٣) .
وَسَأَل إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَلْقَمَةَ: أَقْرَأُ فِي نَفْسِي أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ؟ فَقَال عَلْقَمَةُ: لَعَل ذَلِكَ أَلاَّ يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ (٤) .
ب - اسْتِمَاعُ صَوْتِ الْمَرْأَةِ:
١٥ - إِذَا كَانَ مَبْعَثُ الأَْصْوَاتِ هُوَ الإِْنْسَانُ، فَإِنَّ هَذَا الصَّوْتَ إمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَوْزُونٍ وَلاَ مُطْرِبٍ، أَوْ يَكُونُ مُطْرِبًا.
فَإِنْ كَانَ الصَّوْتُ غَيْرَ مُطْرِبٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَوْتَ رَجُلٍ أَوْ صَوْتَ امْرَأَةٍ، فَإِنْ كَانَ صَوْتَ رَجُلٍ: فَلاَ قَائِل بِتَحْرِيمِ اسْتِمَاعِهِ. стр. 2175
أَمَّا إنْ كَانَ صَوْتَ امْرَأَةٍ، فَإِنْ كَانَ السَّامِعُ يَتَلَذَّذُ بِهِ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ فِتْنَةً حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ يَحْرُمُ، (١) وَيُحْمَل اسْتِمَاعُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَصْوَاتَ النِّسَاءِ حِينَ مُحَادَثَتِهِنَّ عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَرْخِيمُ الصَّوْتِ وَتَنْغِيمُهُ وَتَلْيِينُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إثَارَةِ الْفِتْنَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْل فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٢) .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الصَّوْتُ مُطْرِبًا فَهَذَا الْغِنَاءُ اسْتِمَاعٌ، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل الْقَوْل فِيهِ:
ج - الاِسْتِمَاعُ إلَى الْغِنَاءِ:
١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ اسْتِمَاعَ الْغِنَاءِ يَكُونُ مُحَرَّمًا فِي الْحَالاَتِ التَّالِيَةِ:
أ - إِذَا صَاحَبَهُ مُنْكَرٌ.
ب - إِذَا خُشِيَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى فِتْنَةٍ كَتَعَلُّقٍ بِامْرَأَةٍ، أَوْ بِأَمْرَدَ، أَوْ هَيَجَانِ شَهْوَةٍ مُؤَدِّيَةٍ إِلَى الزِّنَى.
ج - إِنْ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِ وَاجِبٍ دِينِيٍّ كَالصَّلاَةِ، أَوْ دُنْيَوِيٍّ كَأَدَاءِ عَمَلِهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، أَمَّا إِذَا أَدَّى إِلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا. كَقِيَامِ اللَّيْل، وَالدُّعَاءِ فِي الأَْسْحَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (٣) следующие страницы →