Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
الرَّجُل إِذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ، أَوْ خَافَتْ، أَوْ شَكَّتْ فِي الاِشْتِهَاءِ.
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُشْتَهَى مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ.
أَمَّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لاَ تُشْتَهَى، وَمِثْلُهَا الْعَجُوزُ فَإِنَّهُ يَحِل النَّظَرُ وَالْمَسُّ، لاِنْعِدَامِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، أَمَّا عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَلاَ يَجُوزُ أَيْضًا.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ حُرْمَةِ النَّظَرِ مَا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ كَالْعِلاَجِ، أَوِ الشَّهَادَةِ، أَوِ الْقَضَاءِ، أَوِ الْخِطْبَةِ لِلنِّكَاحِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ حِينَئِذٍ وَلَوْ مَعَ الاِشْتِهَاءِ. (١)
وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ مَعَ تَفْصِيلاَتٍ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيِ (النَّظَر، وَاللَّمْس) وَغَيْرُهُمَا стр. 2627
ب - حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ:
٥ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مَنْ مَسَّتْهُ امْرَأَةٌ بِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ مَسَّ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا الدَّاخِل،. لأَِنَّ الْمَسَّ وَالنَّظَرَ سَبَبٌ دَاعٍ لِلْوَطْءِ، فَيُقَامُ مَقَامُهُ فِي مَوْضِعِ الاِحْتِيَاطِ (وَالْمَسُّ بِشَهْوَةٍ أَنْ تَنْتَشِرَ الآْلَةُ أَوْ تَزْدَادُ انْتِشَارًا) وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَلِلْحَنَابِلَةِ، وَفِي الْمَوْضِعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ (١) تُنْظَرُ فِي (حُرْمَة - نِكَاح - زِنًى) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - الاِشْتِهَاءُ أَوِ الشَّهْوَةُ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ عِدَّةٌ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ، وَبُطْلاَنِ الصَّلاَةِ، وَإِيجَابِ الْغُسْل، وَحَدِّ الزِّنَى إِنْ أَدَّى إِلَى مُبَاشَرَةٍ فِي الْفَرَجِ، وَتُنْظَرُ فِي (وُضُوء، وَطَهَارَة، وَصَلاَة، وَزِنَى) . стр. 2628
إِشْرَافٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْشْرَافُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَشْرَفَ، أَيِ اطَّلَعَ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ أَعْلَى (١) .
وَإِشْرَافُ الْمَوْضِعِ: ارْتِفَاعُهُ، وَالإِْشْرَافُ: الدُّنُوُّ وَالْمُقَارَبَةُ.
وَانْطِلاَقًا مِنَ الْمَعْنَى الأَْوَّل أَطْلَقَ الْمُحَدِّثُونَ كَلِمَةَ إِشْرَافٍ عَلَى " الْمُرَاقَبَةِ الْمُهَيْمِنَةِ " (٢) .
وَهُوَ مَعْنًى اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ كَالْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ الأُْخْرَى. فَقَدِ اسْتَعْمَلُوهُ فِي مُرَاقَبَةِ نَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمُ.
الإِْشْرَافُ بِمَعْنَى الْعُلُوِّ:
أ - إِشْرَافُ الْقَبْرِ:
٢ - لاَ يَحِل أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ مُشْرِفًا بِالاِتِّفَاقِ، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الأَْسَدِيِّ قَال: قَال لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلاَ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ стр. 2629
رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَلاَّ تَدَعَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ (١)
وَفِي اعْتِبَارِ تَسْنِيمِ الْقَبْرِ إِشْرَافًا خِلاَفٌ تَجِدُهُ مُفَصَّلاً فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (٢) .
ب - إِشْرَافُ الْبُيُوتِ:
٣ - يُبَاحُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَعْلُوَ بِبِنَائِهِ مَا شَاءَ بِشَرْطَيْنِ:
الأَْوَّل: أَلاَّ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ، كَمَنْعِ النُّورِ أَوِ الْهَوَاءِ عَنِ الْغَيْرِ (٣) .
الثَّانِي: أَلاَّ يَكُونَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ ذِمِّيًّا، فَيُمْنَعُ مِنْ تَطْوِيل بِنَائِهِ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ رَضِيَ الْمُسْلِمُ بِذَلِكَ، لِيَتَمَيَّزَ الْبِنَاءَانِ، وَلِئَلاَّ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِ (٤) . وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ.
الإِْشْرَافُ بِمَعْنَى الاِطِّلاَعِ مِنْ أَعْلَى:
٤ - يُمْنَعُ الشَّخْصُ مِنَ الإِْشْرَافِ عَلَى دَارِ غَيْرِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَلِذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَفْتَحَ فِي جِدَارِهِ كُوَّةً يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى جَارِهِ وَعِيَالِهِ (٥) .
٥ - أَمَّا الإِْشْرَافُ عَلَى الْكَعْبَةِ وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرُبَاتِ، وَالسَّاعِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَصْعَدُ عَلَى الصَّفَا وَعَلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى يُشْرِفَ عَلَى الْكَعْبَةِ، стр. 2630
كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
الإِْشْرَافُ بِمَعْنَى الْمُرَاقَبَةِ الْمُهَيْمِنَةِ:
٦ - إِقَامَةُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الإِْشْرَافِ وَاجِبٌ تَحْقِيقًا لِلْمَصَالِحِ الَّتِي هِيَ مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أ - الْوِلاَيَةُ: سَوَاءٌ أَكَانَتْ وِلاَيَةً عَامَّةً كَوِلاَيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْقَاضِي، وَنَحْوِهِمَا، أَمْ وِلاَيَةً خَاصَّةً كَوِلاَيَةِ الأَْبِ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ، كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ مُفَصَّلاً فِي مَبْحَثِ (وِلاَيَةٌ) .
ب - الْوِصَايَةُ: كَالْوِصَايَةِ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَبْحَثِ (الْحَجْرِ) .
ج - الْقِوَامَةُ: كَقِوَامَةِ الرَّجُل عَلَى زَوْجَتِهِ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مَبْحَثِ (النِّكَاحِ) .
د - النِّظَارَةُ: كَنَاظِرِ الْوَقْفِ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
الإِْشْرَافُ بِمَعْنَى الْمُقَارَبَةِ وَالدُّنُوِّ:
٧ - يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْشْرَافِ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ مِنَ الأَْحْكَامِ، ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَبْوَابِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ عَلَى
سَبِيل الْمِثَال لاَ الْحَصْرِ:
أ - عَدَمُ أَكْل الذَّبِيحَةِ إِذَا ذُبِحَتْ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مُبَيَّنٍ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ (التَّذْكِيَةُ) .
ب - وُجُوبُ إِنْقَاذِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ كَالْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ إِنْقَاذُهُ.
ج - وُجُوبُ الاِنْتِفَاعِ بِاللُّقَطَةِ إِذَا أَشْرَفَتْ عَلَى التَّلَفِ. كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ (اللُّقَطَةِ) .
стр. 2631
إِشْرَاكٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْشْرَاكُ: مَصْدَرُ أَشْرَكَ، وَهُوَ اتِّخَاذُ الشَّرِيكِ، يُقَال أَشْرَكَ بِاَللَّهِ: جَعَل لَهُ شَرِيكًا فِي مُلْكِهِ، وَالاِسْمُ الشِّرْكُ (١) . قَال اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ لُقْمَانَ: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاَللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ.
كَمَا يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْكُفْرِ الشَّامِل لِجَمِيعِ الْمِلَل غَيْرِ الإِْسْلاَمِ. فَالشِّرْكُ أَخَصُّ مِنَ الْكُفْرِ عَلَى الإِْطْلاَقِ الْعَامِّ، فَكُل شِرْكٍ كُفْرٌ وَلاَ عَكْسَ.
كَمَا يُطْلَقُ الإِْشْرَاكُ عَلَى مُخَالَطَةِ الشَّرِيكَيْنِ. يُقَال: أَشْرَكَ غَيْرَهُ فِي الأَْمْرِ أَوِ الْبَيْعِ: جَعَلَهُ لَهُ شَرِيكًا. كَمَا يُقَال: تَشَارَكَ الرَّجُلاَنِ، وَاشْتَرَكَا، وَشَارَكَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ (تَوْلِيَةٍ، وَشَرِكَةٍ) .
الإِْشْرَاكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى:
٢ - الإِْشْرَاكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ، وَكُلُّهُ مَذْمُومٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ أَكْبَرَ مِنْ بَعْضٍ.
وَالشِّرْكُ لَهُ مَرَاتِبُ، فَمِنْهُ الشِّرْكُ الأَْكْبَرُ ، وَمِنْهُ الأَْصْغَرُ، وَهُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ.
أ - الشِّرْكُ الأَْكْبَرُ: وَهُوَ اتِّخَاذُ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي стр. 2632
أُلُوهِيَّتِهِ أَوْ عِبَادَتِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَال: أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ (٢)
ب - الشِّرْكُ الأَْصْغَرُ وَهُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: وَهُوَ مُرَاعَاةُ غَيْرِ اللَّهِ فِي الْعِبَادَةِ. مِثْل الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣) قَال ابْنُ حَجَرٍ: نَزَلَتْ فِيمَنْ يَطْلُبُ الْحَمْدَ وَالأَْجْرَ بِعِبَادَاتِهِ وَأَعْمَالِهِ. وَقَوْل رَسُول اللَّهِ: إِنَّ أَدْنَى الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَأَحَبُّ الْعَبِيدِ إِلَى اللَّهِ الأَْتْقِيَاءُ الأَْسْخِيَاءُ الأَْخْفِيَاءُ (٤) وَقَوْلُهُ ﵇ (٥) : إِنَّ стр. 2633
أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الإِْشْرَاكُ بِاَللَّهِ، أَمَا أَنِّي لَسْتُ أَقُول يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلاَ قَمَرًا وَلاَ وَثَنًا، وَلَكِنْ أَعْمَالاً لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً
مَا يَكُونُ بِهِ الشِّرْكُ:
٣ - يَكُونُ الشِّرْكُ بِأُمُورٍ يَتَنَوَّعُ اسْمُهُ بِحَسَبِهَا إِلَى مَا يَأْتِي:
أ - شِرْكُ الاِسْتِقْلاَل ، وَهُوَ إِثْبَاتُ إِلَهَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ كَشِرْكِ الثَّنَوِيَّةِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ إِلَهَيْنِ.
ب - شِرْكُ التَّبْعِيضِ ، وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ الإِْلَهَ مُرَكَّبٌ مِنْ آلِهَةٍ، كَشِرْكِ النَّصَارَى الْقَائِلِينَ بِالأَْقَانِيمِ الثَّلاَثَةِ، وَشِرْكِ الْبَرَاهِمَةِ.
ج - شِرْكُ التَّقْرِيبِ ، وَهُوَ عِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ؛ لِيُقَرِّبَ إِلَى اللَّهِ زُلْفًى، كَشِرْكِ مُتَقَدِّمِي الْجَاهِلِيَّةِ.
د - شِرْكُ التَّقْلِيدِ ، وَهُوَ عِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَعًا لِلْغَيْرِ، كَشِرْكِ مُتَأَخِّرِي الْجَاهِلِيَّةِ.
هـ - الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَل اللَّهُ مَعَ اسْتِحْلاَل ذَلِكَ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) وَقَدْ وَرَدَ أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ (٢) فَهُمْ لَمْ يَعْبُدُوهُمْ وَلَكِنْ شَرَعُوا لَهُمْ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ. стр. 2634
وَشِرْكُ الأَْغْرَاضِ: وَهُوَ الْعَمَل لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
ز - شِرْكُ الأَْسْبَابِ: وَهُوَ إِسْنَادُ التَّأْثِيرِ لِلأَْسْبَابِ الْعَادِيَّةِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكُفْرُ:
٤ - الْكُفْرُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى ضُرُوبٍ مِنَ الذُّنُوبِ، مِنْهَا الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَمِنْهَا الْجَحْدُ لِلنُّبُوَّةِ، وَمِنْهَا اسْتِحْلاَل مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَمِنْهَا إِنْكَارُ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. أَمَّا الشِّرْكُ فَهُوَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ، هُوَ اتِّخَاذُ إِلَهٍ مَعَ اللَّهِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ الشِّرْكُ عَلَى كُل كُفْرٍ عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَةِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كُل شِرْكٍ كُفْرًا، وَلاَ يَكُونُ كُل كُفْرٍ شِرْكًا إِلاَّ عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَةِ (٢) .
ب - التَّشْرِيكُ:
٥ - التَّشْرِيكُ مَصْدَرُ: شَرَّكَ، وَهُوَ جَعْلُكَ الْغَيْرَ لَكَ стр. 2635
شَرِيكًا فِي الأَْمْرِ أَوِ الْبَيْعِ (١) . فَهُوَ بِمَعْنَى الإِْشْرَاكِ. إِلاَّ أَنَّهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ الإِْشْرَاكُ إِلَى: اتِّخَاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ، وَالتَّشْرِيكُ: اتِّخَاذُكَ لِلْغَيْرِ شَرِيكًا فِي الْمَال أَوِ الأَْمْرِ.
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
٦ - الإِْشْرَاكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى حَرَامٌ. وَحُكْمُ الأَْنْوَاعِ الْخَمْسَةِ الأُْولَى كُفْرُ مُرْتَكِبِهَا بِالإِْجْمَاعِ. وَحُكْمُ السَّادِسِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ غَيْرِ كُفْرٍ بِالإِْجْمَاعِ. وَحُكْمُ السَّابِعِ التَّفْصِيل، فَمَنْ قَال فِي الأَْسْبَابِ الْعَادِيَّةِ: إِنَّهَا تُؤَثِّرُ بِطَبْعِهَا فَقَدْ حُكِيَ الإِْجْمَاعُ عَلَى كُفْرِهِ، وَمَنْ قَال إِنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ (عَلَى سَبِيل الاِسْتِقْلاَل) بِقُوَّةٍ أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِيهَا فَهُوَ فَاسِقٌ (&# x٦٦٢ ;) .
إِسْلاَمُ الْمُشْرِكِ:
٧ - يَدْخُل الْمُشْرِكُ كَغَيْرِهِ مِنِ الْكُفَّارِ فِي الإِْسْلاَمِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ: ﷺ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ. (٣)
وَلَمْ تَشْتَرِطِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ إِضَافَةَ شَيْءٍ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ، كَالتَّبَرِّي مِنْ كُل دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الإِْسْلاَمِ (٤) ، إِلاَّ فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ. وَهُنَاكَ أُمُورٌ стр. 2636
أُخْرَى يَدْخُل بِهَا الْمُشْرِكُ فِي الإِْسْلاَمِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ كُلُّهُ تَحْتَ عُنْوَانِ (إِسْلاَمٌ) .
نِكَاحُ الْمُشْرِكِ وَالْمُشْرِكَةِ:
٨ - أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَهُمْ الأَْصْل فِيهَا الصِّحَّةُ، وَأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَيْهَا (١) ، وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحَا: (نِكَاحٌ، وَكُفْرٌ) .
وَلاَ يَخْتَلِفُ نِكَاحُ الْمُشْرِكِينَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنِ الْكُفَّارِ أَهْل الْكِتَابِ إِلاَّ فِي أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ كِتَابِيَّةً فَلَهُ اسْتِدَامَةُ نِكَاحِهَا، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتْ مُشْرِكَةً غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ، وَانْظُرِ التَّفْصِيل تَحْتَ عِنْوَانِ (نِكَاحٌ) .
الاِسْتِعَانَةُ بِالْمُشْرِكِينَ فِي الْجِهَادِ:
٩ - الْمُرَادُ بِالْمُشْرِكِ هُنَا مَا يَعُمُّ كُل كَافِرٍ، فَيُنْظَرُ: إِنْ خَرَجَ لِلْخِدْمَةِ، كَسَائِقِ سَيَّارَةٍ وَنَحْوِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ اتِّفَاقًا.
أَمَّا إِذَا خَرَجَ لِلْقِتَال فَهُنَاكَ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ:
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ خُرُوجُهُ بِدَعْوَةٍ أَمْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتَعَانَ بِنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ فِي حَرْبِهِ (٢) ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، فَأَسْهَمَ لَهُ. (٣) стр. 2637
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى مَنْعِ الاِسْتِعَانَةِ بِالْمُشْرِكِ، لَكِنْ لاَ يُمْنَعُ إِذَا خَرَجَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْبَغَ - أَنَّهُ يُمْنَعُ مُطْلَقًا (١) .
أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢) وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ الْمَجُوسِ، لِنَصِّ الْحَدِيثِ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْل الْكِتَابِ (٣) وَلأَِنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ. وَقَدْ وَضَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ.
أَمَّا مَا عَدَا هَؤُلاَءِ فَهُمْ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:
أ - مُرْتَدُّونَ:
وَهَؤُلاَءِ لاَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ بِالإِْجْمَاعِ؛ لأَِنَّ стр. 2638
الْمُرْتَدَّ كَفَرَ بِرَبِّهِ بَعْدَ مَا هُدِيَ لِلإِْسْلاَمِ وَوَقَفَ عَلَى مَحَاسِنِهِ، فَلاَ يُقْبَل مِنْهُ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ أَوِ السَّيْفُ.
ب - مُشْرِكُونَ مِنَ الْعَرَبِ:
وَهَؤُلاَءِ لاَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَالْقُرْآنُ نَزَل بِلُغَتِهِمْ، فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ، وَلِذَلِكَ لاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ.
ج - مُشْرِكُونَ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ:
وَهَؤُلاَءِ لاَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَلاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ أَوِ السَّيْفُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا (٢) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةً عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ، فَيَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ (٣) .
إِعْطَاءُ الأَْمَانِ لِلْمُشْرِكِ:
١١ - أَجَازَ الْعُلَمَاءُ إِعْطَاءَ الأَْمَانِ لِلْمُشْرِكِ؛ لِيَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ стр. 2639
مَأْمَنَهُ﴾ (١) قَال الأَْوْزَاعِيُّ: هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. كَمَا أَجَازُوهُ لِلرُّسُل؛ لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ كَانَ يُؤَمِّنُ رُسُل الْمُشْرِكِينَ، وَقَال لِرَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ: لَوْلاَ أَنَّ الرُّسُل لاَ تُقْتَل لَقَتَلْتُكُمَا. (٢)
وَيَكُونُ الأَْمَانُ مِنَ الإِْمَامِ، لأَِنَّ وِلاَيَتَهُ عَامَّةٌ، وَمِنَ الأَْمِيرِ لِمَنْ يُوجَدُ بِإِزَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنْ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ لِحَدِيثِ الرَّسُول ﷺ : ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَل مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مُسْتَأْمَنٌ) (٤) .
صَيْدُ الْمُشْرِكِ وَذَبِيحَتُهُ:
١٢ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ الْمَجُوسِيِّ وَذَبِيحَتِهِ إِلاَّ مَا لاَ ذَكَاةَ لَهُ كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى إِبَاحَتِهِ.
وَحُكْمُ سَائِرِ الْكُفَّارِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ وَالزَّنَادِقَةِ وَغَيْرِهِمْ حُكْمُ الْمَجُوسِ فِي تَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ стр. 2640
وَصَيْدِهِمْ إِلاَّ مَا لاَ ذَكَاةَ لَهُ كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ، لِقَوْلِهِ ﷺ أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ (١) وَقَال فِي الْبَحْرِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِل مَيْتَتُهُ. (٢)
كَمَا اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى حِل صَيْدِ الْكِتَابِيِّ وَذَبِيحَتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا стр. 2641
الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) قَال الْبُخَارِيُّ: طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَهْل الْعِلْمِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ الأَْسَدِيِّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِنَّكُمْ نَزَلْتُمْ بِفَارِسٍ مِنَ النَّبَطِ، فَإِذَا اشْتَرَيْتُمْ لَحْمًا فَإِنْ كَانَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَكُلُوا، وَإِنْ كَانَ ذَبِيحَةَ مَجُوسِيٍّ فَلاَ تَأْكُلُوا (٢) وَلِلتَّفْصِيل ر - (صَيْدٌ، ذَبَائِحُ) .
الأَْشْرِبَةُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْشْرِبَةُ جَمْعُ شَرَابٍ، وَالشَّرَابُ: اسْمٌ لِمَا يُشْرَبُ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ، مَاءً أَوْ غَيْرَهُ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ. وَكُل شَيْءٍ لاَ مَضْغَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ: يُشْرَبَ (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ الأَْشْرِبَةُ عَلَى مَا كَانَ مُسْكِرًا مِنَ الشَّرَابِ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَّخَذًا مِنَ الثِّمَارِ، كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالتِّينِ، أَوْ مِنَ الْحُبُوبِ كَالْحِنْطَةِ أَوْ стр. 2642
الشَّعِيرِ، أَوِ الْحَلَوِيَّاتِ كَالْعَسَل. وَسَوَاءٌ كَانَ مَطْبُوخًا أَوْ نِيئًا (١) .
وَسَوَاءٌ كَانَ مَعْرُوفًا بِاسْمٍ قَدِيمٍ كَالْخَمْرِ، أَوْ مُسْتَحْدَثٍ (كَالْعَرَقِ وَالشَّمْبَانِيَا. . . إِلَخْ) ، لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : لَيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ وَيُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا. (٢)
أَنْوَاعُ الأَْشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ وَحَقِيقَةُ كُل نَوْعٍ:
٢ - تُطْلَقُ الأَْشْرِبَةُ الْمُسْكِرَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى اخْتِلاَفِ مَذَاهِبِهِمْ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْخَمْرِ، وَالأَْشْرِبَةِ الأُْخْرَى.
النَّوْعُ الأَْوَّل: الْخَمْرُ
التَّعْرِيفُ:
٣ - الْخَمْرُ لُغَةً: مَا أَسْكَرَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا تُخَامِرُ الْعَقْل. وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ إِنَّمَا стр. 2643
هِيَ مَا كَانَ مِنَ الْعِنَبِ دُونَ مَا كَانَ مِنْ سَائِرِ الأَْشْيَاءِ (١) . قَال الْفَيْرُوزْآبَادِي: الْخَمْرُ مَا أَسْكَرَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، أَوْ هُوَ عَامٌّ، وَالْعُمُومُ أَصَحُّ، لأَِنَّهَا حُرِّمَتْ وَمَا بِالْمَدِينَةِ خَمْرُ عِنَبٍ، وَمَا كَانَ شَرَابُهُمْ إِلاَّ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ (٢) .
وَقَال الزُّبَيْدِيُّ يَشْرَحُ قَوْل صَاحِبِ الْقَامُوسِ: (أَوْ عَامٌّ) أَيْ: مَا أَسْكَرَ مِنْ عَصِيرِ كُل شَيْءٍ، لأَِنَّ الْمَدَارَ عَلَى السُّكْرِ وَغَيْبُوبَةِ الْعَقْل، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْجَمَاهِيرُ. وَسُمِّيَ الْخَمْرُ خَمْرًا، لأَِنَّهَا تُخَمِّرُ الْعَقْل وَتَسْتُرُهُ، أَوْ لأَِنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى أَدْرَكَتْ وَاخْتَمَرَتْ (٣) .
فَعَلَى الْقَوْل الأَْوَّل يَكُونُ إِطْلاَقُ اسْمِ الْخَمْرِ عَلَى سَائِرِ الأَْنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ لِمَا فِيهَا مِنْ مُخَامَرَةِ الْعَقْل (٤) .
٤ - وَاصْطِلاَحًا: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْخَمْرِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي حَقِيقَتِهَا فِي اللُّغَةِ وَإِطْلاَقِ الشَّرْعِ. فَذَهَبَ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَسَائِرُ الْحِجَازِيِّينَ، وَأَهْل الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ تُطْلَقُ عَلَى مَا يُسْكِرُ قَلِيلُهُ أَوْ كَثِيرُهُ، سَوَاءٌ اتُّخِذَ مِنْ الْعِنَبِ أَوِ التَّمْرِ أَوِ الْحِنْطَةِ أَوِ الشَّعِيرِ أَوْ غَيْرِهَا. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : كُل مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُل خَمْرٍ حَرَامٌ. (٥)
وَبِقَوْل عُمَرَ ﵁: أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ نَزَل تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ الْعِنَبِ، стр. 2644
وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَل، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْل (١) .
وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا نَزَل بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَهِمَ الصَّحَابَةُ - وَهُمْ أَهْل اللِّسَانِ - أَنَّ كُل شَيْءٍ يُسَمَّى خَمْرًا يَدْخُل فِي النَّهْيِ، فَأَرَاقُوا الْمُتَّخَذَ مِنْ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ وَلَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ، عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ كَمَا تَقَدَّمَ هُوَ الْعُمُومُ. ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَمْرِ الْمُتَّخَذُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ خَاصَّةً. فَإِنَّ تَسْمِيَةَ كُل مُسْكِرٍ خَمْرًا مِنَ الشَّرْعِ كَانَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ (٢) .
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ هِيَ الْمُسْكِرُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ إِذَا اشْتَدَّ، سَوَاءٌ أَقَذَفَ بِالزَّبَدِ أَمْ لاَ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشُّرُنْبُلاَلِيِّ (٣) стр. 2645
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ هِيَ عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا اشْتَدَّ (١) . وَقَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَحْدَهُ بِأَنْ يَقْذِفَ بِالزَّبَدِ (٢) بَعْدَ اشْتِدَادِهِ (٣) .
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ كَوْنَهُ نِيئًا.
يَتَبَيَّنُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ إِطْلاَقَ اسْمِ الْخَمْرِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرَاتِ عِنْدَ الْفَرِيقِ الأَْوَّل مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ، فَكُل مُسْكِرٍ عِنْدَهُمْ خَمْرٌ.
وَأَمَّا الْفَرِيقُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ، فَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ عِنْدَهُمْ عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا غَلَى (٤) وَاشْتَدَّ عِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّانِي، وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ عِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ. وَإِطْلاَقُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَْشْرِبَةِ مَجَازٌ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الأَْشْرِبَةُ الْمُسْكِرَةُ الأُْخْرَى
٥ - ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنْ يَكُونَ كُل مُسْكِرٍ خَمْرًا هُوَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ أَوْ شَرْعِيَّةٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ، وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ مَا كَانَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ لاَ يُخَالِفُونَ الْجُمْهُورَ فِي أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، وَالاِخْتِلاَفُ فِي الإِْطْلاَقِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ، وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ لَمْ يُغَيِّرَ الأَْحْكَامَ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عِنْدَ شُرْبِ قَلِيلِهِ، وَالنَّجَاسَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْخَمْرِ، مَا عَدَا مَسْأَلَةَ تَكْفِيرِ مُسْتَحِل غَيْرِ الْخَمْرِ، فَلاَ يَكْفُرُ مُنْكِرُ стр. 2646
حُكْمِهِ لِلاِخْتِلاَفِ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي كُل ذَلِكَ مُفَصَّلاً.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ الَّتِي يَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَيُحَدُّ بِهَا، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ هِيَ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ خَاصَّةً، أَمَّا الأَْنْبِذَةُ عِنْدَهُمْ فَلاَ يُحَدُّ شَارِبُهَا إِلاَّ إِذَا سَكِرَ مِنْهَا (١) .
وَالأَْشْرِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ
النَّوْعُ الأَْوَّل: الأَْشْرِبَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الْعِنَبِ وَهِيَ
أ - الْخَمْرُ وَهِيَ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيءِ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَبِقَوْل الصَّاحِبَيْنِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ قَذْفِ الزَّبَدِ (٢) قَال الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ (مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ) . (٣)
وَلِعَصِيرِ الْعِنَبِ أَنْوَاعٌ بِحَسَبِ ذَهَابِ جُزْءٍ مِنْهُ بِالطَّبْخِ، كَالْبَاذِقِ، وَالطِّلاَءِ، وَالْمُثَلَّثِ، وَالْمُنَصَّفِ وَلاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (٤) . وَفِي حُكْمِ هَذَا النَّوْعِ مَا يُتَّخَذُ مِنَ الزَّبِيبِ، وَهُوَ صِنْفَانِ: (١) نَقِيعُ الزَّبِيبِ وَهُوَ أَنْ يُتْرَكَ الزَّبِيبُ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ حَتَّى تَخْرُجَ حَلاَوَتُهُ إِلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَشْتَدُّ وَيَغْلِي وَيَقْذِفُ بِالزَّبَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ لَمْ يَقْذِفْ بِالزَّبَدِ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ. стр. 2647
(٢) نَبِيذُ الزَّبِيبِ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخٍ وَغَلَى وَاشْتَدَّ (١) .
النَّوْعُ الثَّانِي:
مَا يُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الرُّطَبِ (وَهُوَ السُّكَّرُ) وَالْبُسْرُ (وَهُوَ الْفَضِيخُ) . وَفِي حُكْمِ هَذَا النَّوْعِ الْخَلِيطَانِ. وَهُوَ شَرَابٌ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ وَمَاءِ التَّمْرِ أَوِ الْبُسْرِ أَوِ الرُّطَبِ الْمُخْتَلِطَيْنِ إِذَا طُبِخَا أَدْنَى طَبْخٍ وَإِنِ اشْتَدَّ، وَلاَ عِبْرَةَ بِذَهَابِ الثُّلُثَيْنِ (٢)
النَّوْعُ الثَّالِثُ:
نَبِيذُ مَا عَدَا الْعِنَبَ وَالتَّمْرَ كَالْعَسَل أَوْ التِّينِ أَوِ الْبُرِّ وَنَحْوِهَا (٣) . هَذِهِ هِيَ الأَْشْرِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا الْخَمْرُ فَبِإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ، وَأَمَّا نَبِيذُ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ فَيَحْرُمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ مِنْهَا خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ، وَأَمَّا نَبِيذُ الْعَسَل وَالتِّينِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمُبَاحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، بِشَرْطِ أَلاَّ يُشْرَبَ لِلَهْوٍ أَوْ طَرِبٍ، وَخَالَفَهُمَا مُحَمَّدٌ، وَرَأْيُهُ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٤) ، كَمَا سَيَتَّضِحُ فِيمَا يَأْتِي.
أَحْكَامُ الْخَمْرِ:
٦ - الْمُرَادُ بِالْخَمْرِ هُنَا جَمِيعُ الْمُسْكِرَاتِ جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَأَحْكَامُهَا مَا يَأْتِي: стр. 2648
الأَْوَّل: تَحْرِيمُ شُرْبِهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا:
٧ - ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْخَمْرِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَل أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ . (١) وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ كَانَ بِتَدْرِيجٍ وَبِمُنَاسَبَةِ حَوَادِثَ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُولَعِينَ بِشُرْبِهَا. وَأَوَّل مَا نَزَل صَرِيحًا فِي التَّنْفِيرِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُل فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢) فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ تَرَكَهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَقَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيمَا فِيهِ إِثْمٌ كَبِيرٌ، وَلَمْ يَتْرُكْهَا بَعْضُهُمْ، وَقَالُوا: نَأْخُذُ مَنْفَعَتَهَا، وَنَتْرُكُ إِثْمَهَا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٣) فَتَرَكَهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَقَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيمَا يُشْغِلُنَا عَنِ الصَّلاَةِ، وَشَرِبَهَا بَعْضُهُمْ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ. . .﴾ الآْيَةَ. فَصَارَتْ حَرَامًا عَلَيْهِمْ، حَتَّى صَارَ يَقُول بَعْضُهُمْ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ شَيْئًا أَشَدَّ مِنَ الْخَمْرِ ٨ - وَقَدْ أَكَّدَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ بِوُجُوهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ: مِنْهَا: تَصْدِيرُ الْجُمْلَةِ بِإِنَّمَا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَرَنَهُمَا بِعِبَادَةِ الأَْصْنَامِ. стр. 2649
وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَعَلَهُمَا رِجْسًا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَعَلَهُمَا مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ لاَ يَأْتِي مِنْهُ إِلاَّ الشَّرُّ الْبَحْتُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِاجْتِنَابِهِمَا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَعَل الاِجْتِنَابَ مِنَ الْفَلاَحِ، وَإِذَا كَانَ الاِجْتِنَابُ فَلاَحًا كَانَ الاِرْتِكَابُ خَيْبَةً وَمَمْحَقَةً. وَمِنْهَا: أَنَّهُ ذَكَرَ مَا يَنْتُجُ مِنْهُمَا مِنَ الْوَبَال، وَهُوَ وُقُوعُ التَّعَادِي وَالتَّبَاغُضِ مِنْ أَصْحَابِ الْخَمْرِ وَالْقِمَارِ، وَمَا يُؤَدِّيَانِ إِلَيْهِ مِنَ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَعَنْ مُرَاعَاةِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهَل أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ مِنْ أَبْلَغِ مَا يُنْهَى بِهِ، كَأَنَّهُ قِيل: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكُمْ مَا فِيهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الصَّوَارِفِ وَالْمَوَانِعِ، فَهَل أَنْتُمْ مَعَ هَذِهِ الصَّوَارِفِ مُنْتَهُونَ، أَمْ أَنْتُمْ عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ، كَأَنْ لَمْ تُوعَظُوا وَلَمْ تُزْجَرُوا (١) . ٩ - وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَقَدْ قَال جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ: كُل شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ، فَيَعُمُّ الْمُسْكِرَ مِنْ نَقِيعِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهِمَا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ وَلِلأَْحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ التَّالِيَةِ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ ﷺ قَال: ﴿كُل شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ﴾ . (٢) стр. 2650
وَقَال ﵊: ﴿كُل مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُل خَمْرٍ حَرَامٌ﴾ . (١) وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ ﷺ قَال: ﴿أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيل مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ﴾ . (٢) وَعَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَال: ﴿مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ﴾ . (٣) وَقَال ﵊: ﴿كُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ (٤) فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ﴾ . (٥) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: ﴿نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ كُل مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ﴾ . (٦) стр. 2651
فَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ كُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمِنْهَا مَا يَدُل عَلَى تَسْمِيَةِ كُل مُسْكِرٍ خَمْرًا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : ﴿كُل مُسْكِرٍ خَمْرٌ﴾ . كَمَا يَدُل بَعْضُهَا عَلَى أَنَّ الْمُسْكِرَ حَرَامٌ لِعَيْنِهِ، قَل أَوْ كَثُرَ، سَكِرَ مِنْهُ شَارِبُهُ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ (١) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّيءَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ، وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، هُوَ الْخَمْرُ الَّتِي يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، لأَِنَّهَا مُحَرَّمَةُ الْعَيْنِ، فَيَسْتَوِي فِي الْحُرْمَةِ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا. أَمَّا عَصِيرُ غَيْرِ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ، أَوِ الْمَطْبُوخُ مِنْهُمَا بِشَرْطِهِ، فَلَيْسَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ (٢) . وَمِنْ هُنَا فَلاَ يَحْرُمُ إِلاَّ السُّكْرُ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ. وَأَمَّا السَّكَرُ وَالْفَضِيخُ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ، فَيَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَْحَادِيثِ، وَلِقَوْلِهِ ﵊: ﴿الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ﴾ . (٣) وَأَشَارَ ﵊ стр. 2652
إِلَى النَّخْلَةِ وَالْكَرْمَةِ. وَاَلَّذِي هَاهُنَا هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لاِسْمِ الْخَمْرِ، فَكَانَ حَرَامًا. هَذَا إِذَا كَانَ عَصِيرُهُمَا نِيئًا غَيْرَ مَطْبُوخٍ، وَغَلَى وَاشْتَدَّ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ، وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. أَمَّا الْمَطْبُوخُ مِنْ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ عِنْدَ الأَْحْنَافِ.
شُرْبُ دُرْدِيِّ (١) الْخَمْرِ:
١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَحْرِيمِ شُرْبِ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ ، وَيُحَدُّ شَارِبُهُ، لأَِنَّهُ خَمْرٌ بِلاَ شَكٍّ، وَسَوَاءٌ دُرْدِيُّ الْخَمْرِ أَوْ دُرْدِيُّ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَيُحَدُّ بِالثَّخِينِ مِنْهَا إِذَا أَكَلَهُ. وَذَهَبَ الأَْحْنَافُ إِلَى كَرَاهَةِ (٢) شُرْبِ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ، لأَِنَّ فِيهِ ذَرَّاتِ الْخَمْرِ الْمُتَنَاثِرَةَ، وَقَلِيلُهُ كَكَثِيرِهِ، وَلَكِنْ لاَ يُحَدُّ شَارِبُ الدُّرْدِيِّ إِلاَّ إِذَا سَكِرَ، لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى خَمْرًا، فَإِذَا سَكِرَ مِنْهُ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ، كَمَا فِي شُرْبِ الْبَاذِقِ أَوِ الْمُنَصَّفِ (٣) .
حُكْمُ الْمَطْبُوخِ مِنَ الْعِنَبِ أَوْ عَصِيرِهِ:
١١ - إِنَّ الْمَطْبُوخَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَدْنَى طَبْخٍ، بِحَيْثُ ذَهَبَ مِنْهُ أَقَل مِنَ الثُّلُثَيْنِ، وَكَانَ مُسْكِرًا стр. 2653
يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَامَّةً، لأَِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ أَقَل مِنَ الثُّلُثَيْنِ بِالطَّبْخِ، فَالْحَرَامُ فِيهِ بَاقٍ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ. أَمَّا إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَهُوَ حَلاَلٌ وَإِنِ اشْتَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَال مُحَمَّدٌ: يَحْرُمُ. وَهَذَا الْخِلاَفُ فِيمَا إِذَا قُصِدَ بِهِ التَّقَوِّي، أَمَّا إِذَا قُصِدَ بِهِ التَّلَهِّي فَإِنَّهُ لاَ يَحِل بِالاِتِّفَاقِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ مِثْل قَوْلِهِمَا. وَعَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ. هَذَا إِذَا طُبِخَ عَصِيرُ الْعِنَبِ، فَأَمَّا إِذَا طُبِخَ الْعِنَبُ كَمَا هُوَ، فَقَدْ حَكَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَصِيرِ لاَ يَحِل حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزَّبِيبِ، حَتَّى لَوْ طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الزَّبِيبِ، أَيْ يَحِل مِنْهُ مَا دُونَ الْمُسْكِرِ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ، لأَِنَّ طَبْخَهُ قَبْل عَصْرِهِ أَبْعَدُ عَنْ صِفَةِ الْخَمْرِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَهَابُ الثُّلُثَيْنِ (١) .
حُكْمُ الْمَطْبُوخِ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَنَقِيعِ الزَّبِيبِ وَسَائِرِ الأَْنْبِذَةِ:
١٢ - مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّ مَا أَسْكَرَ مِنَ النِّيءِ وَالْمَطْبُوخِ، سَوَاءٌ اتُّخِذَ مِنْ الْعِنَبِ أَوِ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيبِ أَوْ غَيْرِهَا يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَدِلَّتِهِمْ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَدْ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: إِنَّ الْمَطْبُوخَ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَنَقِيعِ стр. 2654
الزَّبِيبِ أَدْنَى طَبْخَةٍ، يَحِل شُرْبُهُ وَلاَ يَحْرُمُ إِلاَّ السُّكْرُ مِنْهُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ: الرِّوَايَةُ الأُْولَى: لاَ يَحِل شُرْبُهُ، لَكِنْ لاَ يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ بِالسُّكْرِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: قَال مُحَمَّدٌ: لاَ أُحَرِّمُهُ، وَلَكِنْ لاَ أَشْرَبُ مِنْهُ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لِقَوْلِهِمَا: بِأَنَّ طَبْخَ الْعَصِيرِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ - وَهِيَ أَنْ يَذْهَبَ أَقَل مِنْ ثُلُثَيْهِ - لاَ يَحْرُمُ إِلاَّ السُّكْرُ مِنْهُ، وَإِنِ اشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الشَّرَابَ لاَ يُسْكِرُهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ الإِْسْكَارِ بِنَفْسِهِ. هَذَا، وَإِنْ حَل شُرْبُ الْقَلِيل الَّذِي لاَ يُسْكِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَيْسَ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشُرُوطٍ هِيَ: (١) أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ لِلتَّقَوِّي وَنَحْوِهِ مِنْ غَرَضٍ صَحِيحٍ. (٢) أَنْ يَشْرَبَهُ لاَ لِلَّهْوِ وَالطَّرِبِ، فَلَوْ شَرِبَهُ لِلَّهْوِ أَوِ الطَّرِبِ فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ. (٣) أَلاَّ يَشْرَبْ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، فَلَوْ شَرِبَ حِينَئِذٍ، فَيَحْرُمُ الْقَدَحُ الأَْخِيرُ الَّذِي يَحْصُل السُّكْرُ بِشُرْبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْلَمُ يَقِينًا، أَوْ بِغَالِبِ الرَّأْيِ، أَوْ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ يُسْكِرُهُ (١) . وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِثْلُهُمَا بَقِيَّةُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مِنَ التَّابِعِينَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، стр. 2655
وَشَرِيكٌ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْكُوفِيِّينَ، وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْبَصْرِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ مِنْ سَائِرِ الأَْنْبِذَةِ الَّتِي يُسْكِرُ كَثِيرُهَا هُوَ السُّكْرُ نَفْسُهُ، لاَ الْعَيْنُ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَطْبُوخِ مِنْهَا (١) . ١٣ - وَدَلِيل أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ السُّنَّةِ مَا يَأْتِي (٢) : أ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَمَّهُ، فَقَطَّبَ وَجْهَهُ لِشِدَّتِهِ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ وَشَرِبَ مِنْهُ﴾ (٣) ب - ﴿إِنَّ النَّبِيَّ قَال: لاَ تَنْبِذُوا الزَّهْوَ (٤) وَالرُّطَبَ جَمِيعًا، وَلاَ تَنْبِذُوا الرُّطَبَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا، وَلَكِنِ انْتَبِذُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ﴾ ، وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ ذَكَرَ التَّمْرَ بَدَل الرُّطَبِ (٥) . قَالُوا: وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُتَّخَذَ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا مُبَاحٌ. ج - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا، يَعْنِي فِي الاِنْتِبَاذِ﴾ . وَزِيدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَال: ﴿مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ стр. 2656
فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا، وَتَمْرًا فَرْدًا، وَبُسْرًا فَرْدًا﴾ . (١) د - وَاسْتَدَلُّوا عَلَى إِبَاحَةِ الْخَلِيطَيْنِ بِمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: ﴿كُنَّا نَنْتَبِذُ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سِقَاءٍ، فَنَأْخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ، وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ، فَنَطْرَحُهُمَا فِيهِ، ثُمَّ نَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَنَنْتَبِذُهُ غَدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَنَنْتَبِذُهُ عَشِيَّةً فَيَشْرَبُهُ غَدْوَةً﴾ (٢) ١٤ - وَأَدِلَّتُهُمْ مِنَ الآْثَارِ: أ - مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁: إِنِّي أُتِيتُ بِشَرَابٍ مِنَ الشَّامِ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، فَذَهَبَ مِنْهُ شَيْطَانُهُ وَرِيحُ جُنُونِهِ، وَبَقِيَ طِيبُهُ وَحَلاَلُهُ، فَمُرِ الْمُسْلِمِينَ قِبَلَكَ، فَلْيَتَوَسَّعُوا بِهِ فِي أَشْرِبَتِهِمْ (٣) . فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الثُّلُثِ حَرَامٌ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ فَالْقُوَّةُ الْمُسْكِرَةُ فِيهِ قَائِمَةٌ، وَرَخَّصَ فِي الشَّرَابِ الَّذِي ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ. ب - مَا رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ الشَّدِيدَ، وَأَنَّهُ هُوَ وَعَلِيٌّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَمُعَاذُ بْنِ جَبَلٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو مُوسَى الأَْشْعَرِيُّ أَحَلُّوا الطِّلاَءَ، وَكَانُوا يَشْرَبُونَهُ، وَهُوَ: مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، وَقَال عُمَرُ: هَذَا الطِّلاَءُ стр. 2657
مِثْل طِلاَءِ الإِْبِل، ثُمَّ أَمَرَ بِشُرْبِهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَرْزُقُ النَّاسَ طِلاَءً يَقَعُ فِيهِ الذُّبَابُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، أَيْ لِحَلاَوَتِهِ.
حُكْمُ الأَْشْرِبَةِ الأُْخْرَى:
١٥ - تَقَدَّمَ أَنَّ مَذْهَبَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ تَحْرِيمُ كُل شَرَابٍ مُسْكِرٍ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الأَْشْرِبَةَ الْمُتَّخَذَةَ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْعَسَل وَاللَّبَنِ وَالتِّينِ وَنَحْوِهَا يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهَا إِذَا أَسْكَرَ كَثِيرُهَا، وَبِهَذَا قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ (١) . وَذَلِكَ لِلأَْدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ أَنَّ " كُل شَرَابٍ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُل خَمْرٍ حَرَامٌ " وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَرَأْيُ الْجُمْهُورِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ﵃. وَبِذَلِكَ قَال ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَقَتَادَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ عَنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (٢) .
تَفْصِيلاَتٌ لِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ فِي بَعْضِ الأَْشْرِبَةِ:
١٦ - اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي حُكْمِ стр. 2658
بَعْضِ الأَْشْرِبَةِ غَيْرِ الْمُسْكِرَةِ فِي تَقْدِيرِهِمْ، كَالْخَلِيطَيْنِ، وَالنَّبِيذِ، وَالْفُقَّاعِ.
أ - الْخَلِيطَانِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ الْخَلِيطَيْنِ مِنَ الأَْشْيَاءِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَقْبَل الاِنْتِبَاذَ، كَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلَوْ لَمْ يَشْتَدَّا، لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ ﴿نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا﴾ . (١) وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَالْكَرَاهَةِ. أَيْ أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ يَحْرُمُ الْخَلِيطَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الشَّرَابُ مِنْهُمَا مُسْكِرًا سَدًّا لِلذَّرَائِعِ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْكِرِ: الْمُنَصَّفُ، وَهُوَ مَا يُعْمَل مِنْ تَمْرٍ وَرُطَبٍ، وَالْخَلِيطُ: وَهُوَ مَا يُعْمَل مِنْ بُسْرٍ وَرُطَبٍ، لأَِنَّ الإِْسْكَارَ يُسْرِعُ إِلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْل أَنْ يَتَغَيَّرَ، فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْكِرٍ، وَيَكُونُ مُسْكِرًا، فَإِنْ أَمِنَ سُكْرَهُ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَيَحِل (٣) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يُنْبَذَ فِي الْمَاءِ شَيْئَانِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَلِيطَيْنِ (٤) وَعَنْ أَحْمَدَ: الْخَلِيطَانِ حَرَامٌ، قَال الْقَاضِي: يَعْنِي أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ: " هُوَ حَرَامٌ ". إِذَا اشْتَدَّ وَأَسْكَرَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ لِعِلَّةِ إِسْرَاعِهِ إِلَى السُّكْرِ الْمُحَرَّمِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ (٥) . стр. 2659
ب - النَّبِيذُ (١) غَيْرُ الْمُسْكِرِ:
١٧ - قَال الْحَنَابِلَةُ وَغَيْرُهُمْ: لاَ يُكْرَهُ إِذَا كَانَتْ مُدَّةُ الاِنْتِبَاذِ قَرِيبَةً أَوْ يَسِيرَةً، وَهِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. أَمَّا إِذَا بَقِيَ النَّبِيذُ مُدَّةً يُحْتَمَل فِيهَا إِفْضَاؤُهُ إِلَى الإِْسْكَارِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ، وَلاَ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّة إِلاَّ بِالإِْسْكَارِ، فَلَمْ يَعْتَبِرُوا الْمُدَّةَ أَوِ الْغَلَيَانَ (٢) . وَلاَ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَا لَمْ يَغْل الْعَصِيرُ، أَوْ تَمْضِ عَلَيْهِ مُدَّةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا. وَإِنْ طُبِخَ الْعَصِيرُ أَوِ النَّبِيذُ قَبْل فَوَرَانِهِ وَاشْتِدَادِهِ، أَوْ قَبْل أَنْ تَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ حَتَّى صَارَ غَيْرَ مُسْكِرٍ كَالدِّبْسِ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْمُرَبَّيَاتِ، وَشَرَابِ الْخَرُّوبِ، فَهُوَ مُبَاحٌ، لأَِنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا ثَبَتَ فِي الْمُسْكِرِ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْل الإِْبَاحَةِ (٣) . وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ، فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُهْرَاقُ﴾ . (٤)
الاِنْتِبَاذُ فِي الأَْوْعِيَةِ:
١٨ - الاِنْتِبَاذُ: اتِّخَاذُ النَّبِيذِ الْمُبَاحِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الاِنْتِبَاذُ فِي الأَْوْعِيَةِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْ جِلْدٍ، وَهِيَ الأَْسْقِيَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا. стр. 2660
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الاِنْتِبَاذِ فِي كُل شَيْءٍ مِنَ الأَْوَانِي، سَوَاءٌ الدُّبَّاءُ (١) وَالْحَنْتَمُ (٢) وَالْمُزَفَّتُ (٣) وَالنَّقِيرُ (٤) ، وَغَيْرُهَا، لأَِنَّ الشَّرَابَ الْحَاصِل بِالاِنْتِبَاذِ فِيهَا لَيْسَتْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الاِنْتِبَاذُ فِي هَذِهِ الأَْوْعِيَةِ وَغَيْرِهَا مُبَاحًا. وَمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الأَْوْعِيَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﷺ : ﴿كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَْشْرِبَةِ فِي ظُرُوفِ الأَْدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُل وِعَاءٍ، غَيْرَ أَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا﴾ وَفِي رِوَايَةٍ ﴿نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ، وَإِنَّ ظَرْفًا لاَ يُحِل شَيْئًا وَلاَ يُحَرِّمُهُ، وَكُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ﴾ (٥) فَهَذَا إِخْبَارٌ صَرِيحٌ عَنِ النَّهْيِ عَنْهُ فِيمَا مَضَى، فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ نَاسِخًا لِلنَّهْيِ. وَيَدُل عَلَيْهِ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ، قَال: ﴿نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّبِيذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ﴾ (٦) ، ثُمَّ قَال بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أَلاَ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ فِي الأَْوْعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِيمَا شِئْتُمْ، стр. 2661
وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا، مَنْ شَاءَ أَوْكَى سِقَاءَهُ عَلَى إِثْمٍ﴾ (١) وَالْقَوْل بِنَسْخِ الاِنْتِبَاذِ فِي الأَْوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، فَلاَ يَحْرُمُ وَلاَ يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي أَيِّ وِعَاءٍ (٢) . وَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ: يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ، وَعَلَيْهِمَا اقْتَصَرَ مَالِكٌ، فَلاَ يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي غَيْرِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ. وَكَرِهَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالثَّوْرِيُّ الاِنْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِيهَا، فَالنَّهْيُ عِنْدَ هَؤُلاَءِ بَاقٍ، سَدًّا لِلذَّرَائِعِ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْوْعِيَةَ تُعَجِّل شِدَّةَ النَّبِيذِ.
حَالاَتُ الاِضْطِرَارِ:
١٩ - مَا سَبَقَ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَوِ الأَْنْبِذَةِ عِنْدَ الإِْسْكَارِ إِنَّمَا هُوَ فِي الأَْحْوَال الْعَادِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ الاِضْطِرَارِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ، وَيُرَخَّصُ شَرْعًا تَنَاوُل الْخَمْرِ، وَلَكِنْ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي تُبَاحُ بِهِ الْمُحَرَّمَاتُ، كَضَرُورَةِ الْعَطَشِ، أَوِ الْغَصَصِ، أَوِ الإِْكْرَاهِ، فَيَتَنَاوَل الْمُضْطَرُّ بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ стр. 2662
الضَّرُورَةُ، وَهَذَا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَى جَمِيعِهِ، بَل فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أ - الإِْكْرَاهُ:
٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ شُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ﴾ (١) إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالْجَوَازِ أَلْزَمُوا شَارِبَ الْخَمْرِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ - وَكُل آكِل حَرَامٍ أَوْ شَارِبِهِ - أَنْ يَتَقَيَّأَهُ إِنْ أَطَاقَهُ، لأَِنَّهُ أُبِيحَ شُرْبُهُ لِلإِْكْرَاهِ، وَلاَ يُبَاحُ بَقَاؤُهُ فِي الْبَطْنِ بَعْدَ زَوَال السَّبَبِ (٢) . وَلِزِيَادَةِ التَّفْصِيل رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: (إِكْرَاهٌ) .
ب - الْغَصَصُ أَوِ الْعَطَشُ:
٢١ - يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ شُرْبُ الْخَمْرِ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا (وَلَوْ مَاءً نَجِسًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) لإِِسَاغَةِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا، بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، خِلاَفًا لاِبْنِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِي يَرَى أَنَّ ضَرُورَةَ الْغَصَصِ تَدْرَأُ الْحَدَّ وَلاَ تَمْنَعُ الْحُرْمَةَ. وَإِنَّمَا حَلَّتْ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ لِدَفْعِ الْغَصَصِ إِنْقَاذًا لِلنَّفْسِ مِنَ الْهَلاَكِ، وَالسَّلاَمَةُ بِذَلِكَ قَطْعِيَّةٌ، стр. 2663
وَهِيَ مِنْ قَبِيل الرُّخْصَةِ الْوَاجِبَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) . أَمَّا شُرْبُ الْخَمْرِ لِدَفْعِ الْعَطَشِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ يُقَابِل الأَْصَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى جَوَازِ شُرْبِهَا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ، كَمَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ تَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ، وَقَيَّدَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: إِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ تَرُدُّ ذَلِكَ الْعَطَشَ (٢) وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَرُدَّ الْعَطَشَ لاَ يَجُوزُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى تَحْرِيمِ شُرْبِهَا لِدَفْعِ الْعَطَشِ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: لأَِنَّهَا لاَ تُزِيل الْعَطَشَ، بَل تَزِيدُهُ حَرَارَةً لِحَرَارَتِهَا وَيُبُوسَتِهَا (٣) . وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ حُرْمَةَ شُرْبِهَا بِكَوْنِهَا صَرْفًا، أَيْ غَيْرَ مَمْزُوجَةٍ بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ، فَإِنْ مُزِجَتْ بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ جَازَ شُرْبُهَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ (٤) . وَأَمَّا ضَرُورَةُ التَّدَاوِي فَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَحْثِ.
(الثَّانِي) مِنْ أَحْكَامِ الْخَمْرِ: أَنَّهُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا:
٢٢ - لَقَدْ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْخَمْرِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ، كَمَا سَبَقَ. فَمَنِ اسْتَحَلَّهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ حَلاَل الدَّمِ وَالْمَال (٥) . وَلِلتَّفْصِيل فِي ذَلِكَ انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رِدَّةٌ) . стр. 2664
هَذَا، وَإِنَّ الْخَمْرَ الَّتِي يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا هِيَ مَا اتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، أَمَّا مَا أَسْكَرَ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيءِ فَلاَ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ حُرْمَتَهَا دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ الثَّابِتَةِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَهَذِهِ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الآْحَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ (١) .
(الثَّالِثُ) عُقُوبَةُ شَارِبِهَا
: ٢٣ - ثَبَتَ حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ، مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ﴾ . قَال: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (٢) . وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَال: ﴿كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ﴾ (٣) . стр. 2665
وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى جَلْدِ شَارِبِ الْخَمْرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْل بِالثَّمَانِينَ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (حَدِّ الشُّرْبِ) . وَعَلَى هَذَا يُحَدُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ شَارِبُ الْخَمْرِ سَوَاءٌ أَسَكِرَ أَمْ لَمْ يَسْكَرْ، وَكَذَا شَارِبُ كُل مُسْكِرٍ، سَوَاءٌ أَشَرِبَ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلاً. وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُحَدُّ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا أَوْ كَثِيرِهَا، وَكَذَا يُحَدُّ مَنْ سَكِرَ مِنْ شُرْبِ غَيْرِهَا. (٢)
ضَابِطُ السُّكْرِ:
٢٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ غَالِبُ كَلاَمِهِ الْهَذَيَانَ، وَاخْتِلاَطَ الْكَلاَمِ، لأَِنَّ هَذَا هُوَ السَّكْرَانُ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ، فَإِنَّ السَّكْرَانَ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ اسْمٌ لِمَنْ هَذَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الإِْمَامُ عَلِيٌّ ﵁ بِقَوْلِهِ (٣) : إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَحَدُّ الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ. فَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعِبَادَاتِ، وَيُوجِبُ الْفِسْقَ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ وَنَحْوِهِ هُوَ الَّذِي следующие страницы →