← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا، مَنْ شَاءَ أَوْكَى سِقَاءَهُ عَلَى إِثْمٍ﴾ (١) وَالْقَوْل بِنَسْخِ الاِنْتِبَاذِ فِي الأَْوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، فَلاَ يَحْرُمُ وَلاَ يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي أَيِّ وِعَاءٍ (٢) . وَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ: يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ، وَعَلَيْهِمَا اقْتَصَرَ مَالِكٌ، فَلاَ يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي غَيْرِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ. وَكَرِهَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالثَّوْرِيُّ الاِنْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِيهَا، فَالنَّهْيُ عِنْدَ هَؤُلاَءِ بَاقٍ، سَدًّا لِلذَّرَائِعِ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْوْعِيَةَ تُعَجِّل شِدَّةَ النَّبِيذِ. حَالاَتُ الاِضْطِرَارِ: ١٩ - مَا سَبَقَ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَوِ الأَْنْبِذَةِ عِنْدَ الإِْسْكَارِ إِنَّمَا هُوَ فِي الأَْحْوَال الْعَادِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ الاِضْطِرَارِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ، وَيُرَخَّصُ شَرْعًا تَنَاوُل الْخَمْرِ، وَلَكِنْ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي تُبَاحُ بِهِ الْمُحَرَّمَاتُ، كَضَرُورَةِ الْعَطَشِ، أَوِ الْغَصَصِ، أَوِ الإِْكْرَاهِ، فَيَتَنَاوَل الْمُضْطَرُّ بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ

стр. 2662

الضَّرُورَةُ، وَهَذَا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَى جَمِيعِهِ، بَل فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أ - الإِْكْرَاهُ: ٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ شُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ﴾ (١) إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالْجَوَازِ أَلْزَمُوا شَارِبَ الْخَمْرِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ - وَكُل آكِل حَرَامٍ أَوْ شَارِبِهِ - أَنْ يَتَقَيَّأَهُ إِنْ أَطَاقَهُ، لأَِنَّهُ أُبِيحَ شُرْبُهُ لِلإِْكْرَاهِ، وَلاَ يُبَاحُ بَقَاؤُهُ فِي الْبَطْنِ بَعْدَ زَوَال السَّبَبِ (٢) . وَلِزِيَادَةِ التَّفْصِيل رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: (إِكْرَاهٌ) . ب - الْغَصَصُ أَوِ الْعَطَشُ: ٢١ - يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ شُرْبُ الْخَمْرِ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا (وَلَوْ مَاءً نَجِسًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) لإِِسَاغَةِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا، بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، خِلاَفًا لاِبْنِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِي يَرَى أَنَّ ضَرُورَةَ الْغَصَصِ تَدْرَأُ الْحَدَّ وَلاَ تَمْنَعُ الْحُرْمَةَ. وَإِنَّمَا حَلَّتْ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ لِدَفْعِ الْغَصَصِ إِنْقَاذًا لِلنَّفْسِ مِنَ الْهَلاَكِ، وَالسَّلاَمَةُ بِذَلِكَ قَطْعِيَّةٌ،

стр. 2663

وَهِيَ مِنْ قَبِيل الرُّخْصَةِ الْوَاجِبَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) . أَمَّا شُرْبُ الْخَمْرِ لِدَفْعِ الْعَطَشِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ يُقَابِل الأَْصَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى جَوَازِ شُرْبِهَا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ، كَمَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ تَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ، وَقَيَّدَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: إِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ تَرُدُّ ذَلِكَ الْعَطَشَ (٢) وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَرُدَّ الْعَطَشَ لاَ يَجُوزُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى تَحْرِيمِ شُرْبِهَا لِدَفْعِ الْعَطَشِ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: لأَِنَّهَا لاَ تُزِيل الْعَطَشَ، بَل تَزِيدُهُ حَرَارَةً لِحَرَارَتِهَا وَيُبُوسَتِهَا (٣) . وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ حُرْمَةَ شُرْبِهَا بِكَوْنِهَا صَرْفًا، أَيْ غَيْرَ مَمْزُوجَةٍ بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ، فَإِنْ مُزِجَتْ بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ جَازَ شُرْبُهَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ (٤) . وَأَمَّا ضَرُورَةُ التَّدَاوِي فَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَحْثِ. (الثَّانِي) مِنْ أَحْكَامِ الْخَمْرِ: أَنَّهُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا: ٢٢ - لَقَدْ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْخَمْرِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ، كَمَا سَبَقَ. فَمَنِ اسْتَحَلَّهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ حَلاَل الدَّمِ وَالْمَال (٥) . وَلِلتَّفْصِيل فِي ذَلِكَ انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رِدَّةٌ) .

стр. 2664

هَذَا، وَإِنَّ الْخَمْرَ الَّتِي يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا هِيَ مَا اتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، أَمَّا مَا أَسْكَرَ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيءِ فَلاَ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ حُرْمَتَهَا دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ الثَّابِتَةِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَهَذِهِ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الآْحَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ (١) . (الثَّالِثُ) عُقُوبَةُ شَارِبِهَا : ٢٣ - ثَبَتَ حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ، مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ﴾ . قَال: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (٢) . وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَال: ﴿كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ﴾ (٣) .

стр. 2665

وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى جَلْدِ شَارِبِ الْخَمْرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْل بِالثَّمَانِينَ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (حَدِّ الشُّرْبِ) . وَعَلَى هَذَا يُحَدُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ شَارِبُ الْخَمْرِ سَوَاءٌ أَسَكِرَ أَمْ لَمْ يَسْكَرْ، وَكَذَا شَارِبُ كُل مُسْكِرٍ، سَوَاءٌ أَشَرِبَ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلاً. وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُحَدُّ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا أَوْ كَثِيرِهَا، وَكَذَا يُحَدُّ مَنْ سَكِرَ مِنْ شُرْبِ غَيْرِهَا. (٢) ضَابِطُ السُّكْرِ: ٢٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ غَالِبُ كَلاَمِهِ الْهَذَيَانَ، وَاخْتِلاَطَ الْكَلاَمِ، لأَِنَّ هَذَا هُوَ السَّكْرَانُ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ، فَإِنَّ السَّكْرَانَ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ اسْمٌ لِمَنْ هَذَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الإِْمَامُ عَلِيٌّ ﵁ بِقَوْلِهِ (٣) : إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَحَدُّ الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ. فَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعِبَادَاتِ، وَيُوجِبُ الْفِسْقَ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ وَنَحْوِهِ هُوَ الَّذِي

стр. 2666

هَذَا، وَإِنَّ الْخَمْرَ الَّتِي يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا هِيَ مَا اتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، أَمَّا مَا أَسْكَرَ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيءِ فَلاَ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ حُرْمَتَهَا دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ الثَّابِتَةِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَهَذِهِ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الآْحَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ (١) . (الثَّالِثُ) عُقُوبَةُ شَارِبِهَا : ٢٣ - ثَبَتَ حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ، مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ﴾ . قَال: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (٢) . وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَال: ﴿كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ﴾ (٣) .

стр. 2667

وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى جَلْدِ شَارِبِ الْخَمْرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْل بِالثَّمَانِينَ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (حَدِّ الشُّرْبِ) . وَعَلَى هَذَا يُحَدُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ شَارِبُ الْخَمْرِ سَوَاءٌ أَسَكِرَ أَمْ لَمْ يَسْكَرْ، وَكَذَا شَارِبُ كُل مُسْكِرٍ، سَوَاءٌ أَشَرِبَ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلاً. وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُحَدُّ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا أَوْ كَثِيرِهَا، وَكَذَا يُحَدُّ مَنْ سَكِرَ مِنْ شُرْبِ غَيْرِهَا. (٢) ضَابِطُ السُّكْرِ: ٢٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ غَالِبُ كَلاَمِهِ الْهَذَيَانَ، وَاخْتِلاَطَ الْكَلاَمِ، لأَِنَّ هَذَا هُوَ السَّكْرَانُ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ، فَإِنَّ السَّكْرَانَ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ اسْمٌ لِمَنْ هَذَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الإِْمَامُ عَلِيٌّ ﵁ بِقَوْلِهِ (٣) : إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَحَدُّ الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ. فَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعِبَادَاتِ، وَيُوجِبُ الْفِسْقَ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ وَنَحْوِهِ هُوَ الَّذِي

стр. 2668

يَجْمَعُ بَيْنَ اضْطِرَابِ الْكَلاَمِ فَهْمًا وَإِفْهَامًا، وَبَيْنَ اضْطِرَابِ الْحَرَكَةِ مَشْيًا وَقِيَامًا، فَيَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ مُنْكَسِرٍ، وَمَعْنًى غَيْرِ مُنْتَظِمٍ، وَيَتَصَرَّفُ بِحَرَكَةِ مُخْتَبِطٍ، وَمَشْيِ مُتَمَايِلٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَذْكُرُهُ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي حَدِّ السُّكْرِ أَيْ مِقْدَارِهِ. (١) وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ السُّكْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ هُوَ الَّذِي يُزِيل الْعَقْل بِحَيْثُ لاَ يَفْهَمُ السَّكْرَانُ شَيْئًا، وَلاَ يَعْقِل مَنْطِقًا، وَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَالأَْرْضِ وَالسَّمَاءِ، لأَِنَّ الْحُدُودَ يُؤْخَذُ فِي أَسْبَابِهَا بِأَقْصَاهَا، دَرْءًا لِلْحَدِّ، لِقَوْلِهِ ﵊: ﴿ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) وَقَوْل الصَّاحِبَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَال إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى عِنْدَهُمْ. قَال فِي الدُّرِّ: يُخْتَارُ لِلْفَتْوَى لِضَعْفِ دَلِيل الإِْمَامِ. (٣) طُرُقُ إِثْبَاتِ السُّكْرِ: ٢٥ - إِنَّ إِثْبَاتَ الشُّرْبِ الْمُوجِبِ لِعُقُوبَةِ الْحَدِّ لأَِجْل

стр. 2669

إِقَامَتِهِ عَلَى الشَّارِبِ بِوَاسِطَةِ الشَّهَادَةِ أَوِ الإِْقْرَارِ أَوِ الْقَيْءِ وَنَحْوِهَا تَفْصِيلُهُ فِي حَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِثْبَاتٌ) . حُرْمَةُ تَمَلُّكِ وَتَمْلِيكِ الْخَمْرِ: ٢٦ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ تَمَلُّكُ أَوْ تَمْلِيكُ الْخَمْرِ بِأَيِّ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ الاِخْتِيَارِيَّةِ أَوِ الإِْرَادِيَّةِ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ ﵊: ﴿إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا﴾ . (١) وَعَنْ جَابِرٍ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ﴾ (٢) أَمَّا إِذَا كَانَ التَّمَلُّكُ لِلْخَمْرِ بِسَبَبٍ جَبْرِيٍّ كَالإِْرْثِ، فَإِنَّهَا تَدْخُل فِي مِلْكِهِ وَتُورَثُ، كَمَا إِذَا كَانَتْ مِلْكًا لِذِمِّيٍّ فَأَسْلَمَ، أَوْ تَخَمَّرَ عِنْدَ الْمُسْلِمِ عَصِيرُ الْعِنَبِ قَبْل تَخَلُّلِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَالْخَمْرُ فِي حَوْزَتِهِ، فَإِنَّهَا تَنْتَقِل مِلْكِيَّتُهَا إِلَى وَارِثِهِ بِسَبَبٍ غَيْرِ إِرَادِيٍّ، فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّمَلُّكِ وَالتَّمْلِيكِ الاِخْتِيَارِيِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَيَنْبَنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَمْرَ هَل هِيَ مَالٌ أَوْ لاَ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى

стр. 2670

أَنَّهَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، (١) لَكِنْ يَجُوزُ إِتْلاَفُهَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَتُضْمَنُ إِذَا أُتْلِفَتْ لِذِمِّيٍّ. فِي حِينِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ - وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ إِتْلاَفُهَا، لِمُسْلِمٍ كَانَتْ أَوْ ذِمِّيٍّ. أَمَّا غَيْرُ الْخَمْرِ مِنَ الْمُسْكِرِ الْمَائِعِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِتْلاَفُهُ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (٢) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ فِي ذَلِكَ مُصْطَلَحَيْ (بَيْعٌ) (وَإِتْلاَفٌ) . ضَمَانُ إِتْلاَفِ الْخَمْرِ أَوْ غَصْبِهَا: ٢٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِنْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ فَلاَ يَضْمَنُ مُتْلِفُهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمَانِ مَنْ أَتْلَفَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْقَوْل بِالضَّمَانِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل بِعَدَمِ الضَّمَانِ، لاِنْتِفَاءِ تَقَوُّمِهَا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لاَ تُرَاقُ الْخَمْرَةُ الْمَغْصُوبَةُ مِنْ مُسْلِمٍ إِذَا كَانَتْ مُحْتَرَمَةً - وَهِيَ الَّتِي عُصِرَتْ لاَ بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ، وَإِنَّمَا بِقَصْدِ التَّخْلِيل - وَتُرَدُّ إِلَى الْمُسْلِمِ، لأَِنَّ لَهُ إِمْسَاكَهَا لِتَصِيرَ خَلًّا. وَالضَّمَانُ هُنَا

стр. 2671

إِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لاَ بِالْمِثْل، لأَِنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِهِ وَتَمَلُّكِهِ إِيَّاهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْزَازِهَا. وَإِذَا وَجَبَ لِذِمِّيٍّ عَلَى ذِمِّيٍّ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَكُونُ بِالْمِثْل. (١) وَيُنْظَرُ أَيْضًا مُصْطَلَحُ (إِتْلاَفٌ) (وَضَمَانٌ) . حُكْمُ الاِنْتِفَاعِ بِالْخَمْرِ: ٢٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَحْرِيمِ الاِنْتِفَاعِ بِالْخَمْرِ لِلْمُدَاوَاةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَوْجُهِ الاِنْتِفَاعِ، كَاسْتِخْدَامِهَا فِي دُهْنٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ بَل طِينٍ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ : ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ . (٢) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ ﴿أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٌ ﵁ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ - أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا - فَقَال: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَال: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ﴾ . (٣) وَقَال الْجُمْهُورُ: يُحَدُّ مَنْ شَرِبَهَا لِدَوَاءٍ. (٤) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ حَرَامٌ فِي الأَْصَحِّ إِذَا كَانَتْ صَرْفًا غَيْرَ مَمْزُوجَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ

стр. 2672

تُسْتَهْلَكُ فِيهِ، وَيَجِبُ الْحَدُّ. أَمَّا إِذَا كَانَتْ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ آخَرَ تُسْتَهْلَكُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ عِنْدَ فَقْدِ مَا يَقُومُ بِهِ التَّدَاوِي مِنَ الطَّاهِرَاتِ، وَحِينَئِذٍ تَجْرِي فِيهِ قَاعِدَةُ الضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِذًا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِذَلِكَ لِتَعْجِيل شِفَاءٍ، بِشَرْطِ إِخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ بِذَلِكَ، أَوْ مَعْرِفَتِهِ لِلتَّدَاوِي بِهِ، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الْمُسْتَعْمَل قَلِيلاً لاَ يُسْكِرُ. وَذَهَبَ الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ إِلَى الْجَزْمِ بِحُرْمَتِهَا فَقَال: الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي. (١) حُكْمُ سَقْيِهَا لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ: ٢٩ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَسْقِيَ الْخَمْرَ الصَّبِيَّ، أَوِ الْمَجْنُونَ، فَإِنْ أَسْقَاهُمْ فَالإِْثْمُ عَلَيْهِ لاَ عَلَى الشَّارِبِ، وَلاَ حَدَّ عَلَى الشَّارِبِ، لأَِنَّ خِطَابَ التَّحْرِيمِ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْبَالِغِ الْعَاقِل. (٢) وَقَدْ قَال ﷺ : ﴿الْخَمْرُ أُمُّ الْخَبَائِثِ﴾ (٣) وَقَال: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَآكِل ثَمَنِهَا﴾ . (٤) وَيَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُسْقِيَ الْخَمْرَ لِلدَّوَابِّ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

стр. 2673

الاِحْتِقَانُ أَوِ الاِسْتِعَاطُ (١) بِالْخَمْرِ: ٣٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا الاِحْتِقَانُ بِالْخَمْرِ (بِأَخْذِهَا حُقْنَةً شَرَجِيَّةً) أَوْ جَعْلِهَا فِي سَعُوطٍ، لأَِنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْمُحَرَّمِ النَّجِسِ، وَلَكِنْ لاَ يَجِبُ الْحَدُّ، لأَِنَّ الْحَدَّ مُرْتَبِطٌ بِالشُّرْبِ، فَهُوَ سَبَبُ تَطْبِيقِ الْحَدِّ. وَيُلاَحَظُ - كَمَا سَبَقَ - أَنَّهُ يَسْتَوْجِبُ عُقُوبَةً أُخْرَى زَاجِرَةً بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الاِحْتِقَانَ بِهَا يُعْتَبَرُ حَرَامًا. وَخِلاَفُهُمْ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّسْمِيَةِ، فَالْحَنَفِيَّةُ يُسَمُّونَ مَا طَلَبَ الشَّارِعُ تَرْكَهُ عَلَى وَجْهِ الْحَتْمِ وَالإِْلْزَامِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا، وَالْجُمْهُورُ يُسَمُّونَهُ حَرَامًا. وَهُمْ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ فِي أَنَّهُ لاَ حَدَّ فِي حَالَةِ الاِحْتِقَانِ بِالْخَمْرِ، لأَِنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ، وَلاَ حَاجَةَ لِلزَّجْرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لأَِنَّ النَّفْسَ لاَ تَرْغَبُ فِي مِثْل ذَلِكَ عَادَةً. وَلَكِنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا بِوُجُوبِ الْحَدِّ فِي حَالَةِ الاِسْتِعَاطِ، لأَِنَّ الشَّخْصَ أَوْصَل الْخَمْرَ إِلَى بَاطِنِهِ مِنْ حَلْقِهِ. (٢) حُكْمُ مُجَالَسَةِ شَارِبِي الْخَمْرِ: ٣١ - يَحْرُمُ مُجَالَسَةُ شُرَّابِ الْخَمْرِ وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا، أَوِ الأَْكْل عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ خَمْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ

стр. 2674

بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ﴾ . (١) نَجَاسَةُ الْخَمْرِ: ٣٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ نَجِسَةٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً، كَالْبَوْل وَالدَّمِ لِثُبُوتِ حُرْمَتِهَا وَتَسْمِيَتِهَا رِجْسًا. (٢) كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ. . .﴾ (٣) وَالرِّجْسُ فِي اللُّغَةِ: الشَّيْءُ الْقَذِرُ وَالنَّتِنُ (٤) . أَمَّا الأَْشْرِبَةُ الأُْخْرَى الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَالْحُكْمُ بِالْحُرْمَةِ يَسْتَتْبِعُ عِنْدَهُمُ الْحُكْمَ بِنَجَاسَتِهَا. (٥) وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ رَبِيعَةُ شَيْخُ مَالِكٍ وَالصَّنْعَانِيُّ وَالشَّوْكَانِيُّ، إِلَى طَهَارَتِهَا، تَمَسُّكًا بِالأَْصْل، وَحَمَلُوا الرِّجْسَ فِي الآْيَةِ عَلَى الْقَذَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. (٦) أَمَّا الْبَهِيمَةُ إِذَا سُقِيَتْ خَمْرًا، فَهَل تَحِل أَوْ تَحْرُمُ لأَِجْل الْخَمْرِ؟ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أَطْعِمَةٌ) .

стр. 2675

أَثَرُ تَخَلُّل الْخَمْرِ وَتَخْلِيلِهَا: ٣٣ - إِذَا تَخَلَّلَتِ الْخَمْرُ بِنَفْسِهَا بِغَيْرِ قَصْدِ التَّخْلِيل يَحِل ذَلِكَ الْخَل (١) بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (٢) لِقَوْلِهِ ﷺ : ﴿نِعْمَ الأُْدْمُ الْخَل﴾ . (٣) وَيُعْرَفُ التَّخَلُّل بِالتَّغَيُّرِ مِنَ الْمَرَارَةِ إِلَى الْحُمُوضَةِ، بِحَيْثُ لاَ يَبْقَى فِيهَا مَرَارَةٌ أَصْلاً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، حَتَّى لَوْ بَقِيَ فِيهَا بَعْضُ الْمَرَارَةِ لاَ يَحِل شُرْبُهَا، لأَِنَّ الْخَمْرَ عِنْدَهُ لاَ تَصِيرُ خَلًّا إِلاَّ بَعْدَ تَكَامُل مَعْنَى الْخَلِيَّةِ فِيهِ. كَمَا لاَ يَصِيرُ الْعَصِيرُ خَمْرًا إِلاَّ بَعْدَ تَكَامُل مَعْنَى الْخَمْرِيَّةِ. وَقَال الصَّاحِبَانِ: تَصِيرُ الْخَمْرُ خَلًّا بِظُهُورِ قَلِيلٍ مِنَ الْحُمُوضَةِ فِيهَا، اكْتِفَاءً بِظُهُورِ الْخَلِّيَّةِ فِيهِ، كَمَا أَنَّ الْعَصِيرَ يَصِيرُ خَمْرًا بِظُهُورِ دَلِيل الْخَمْرِيَّةِ، كَمَا أَشَرْنَا فِي بَيَانِ مَذْهَبِهِمَا. تَخْلِيل الْخَمْرِ بِعِلاَجٍ: ٣٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ لاَ يَحِل تَخْلِيل الْخَمْرِ بِالْعِلاَجِ كَالْخَل وَالْبَصَل وَالْمِلْحِ، أَوْ إِيقَادُ نَارٍ عِنْدَهَا، وَلاَ تَطْهُرُ حِينَئِذٍ، لأَِنَّنَا مَأْمُورُونَ بِاجْتِنَابِهَا، فَيَكُونُ التَّخْلِيل اقْتِرَابًا مِنَ الْخَمْرِ عَلَى وَجْهِ التَّمَوُّل، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلأَْمْرِ بِالاِجْتِنَابِ، وَلأَِنَّ الشَّيْءَ الْمَطْرُوحَ فِي الْخَمْرِ يَتَنَجَّسُ بِمُلاَقَاتِهَا

стр. 2676

فَيُنَجِّسُهَا بَعْدَ انْقِلاَبِهَا خَلًّا، وَلأَِنَّ الرَّسُول ﷺ أَمَرَ بِإِهْرَاقِ الْخَمْرِ بَعْدَ نُزُول آيَةِ الْمَائِدَةِ بِتَحْرِيمِهَا. وَعَنْ ﴿أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَقَال: أَهْرِقْهَا، قَال: أَفَلاَ أُخَلِّلُهَا؟ قَال: لاَ﴾ (١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ فَقَال: لاَ، فَسَارَّهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَال: بِمَ سَارَرْتَهُ؟ فَقَال: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا، فَفَتَحَ الرَّجُل الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا﴾ . (٢)

стр. 2677

فَقَدْ أَرَاقَ الرَّجُل مَا فِي الْمَزَادَتَيْنِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَازَ تَخْلِيلُهَا لَمَا أَبَاحَ لَهُ إِرَاقَتَهَا، وَلَنَبَّهَهُ عَلَى تَخْلِيلِهَا. وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَلَوْ كَانَ إِلَى اسْتِصْلاَحِهَا سَبِيلٌ مَشْرُوعٌ لَمْ تَجُزْ إِرَاقَتُهَا، بَل أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ، سِيَّمَا وَهِيَ لأَِيْتَامٍ يَحْرُمُ التَّفْرِيطُ فِي أَمْوَالِهِمْ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - كَمَا يَقُولُونَ - فَقَدْ رَوَى أَسْلَمُ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَال: لاَ تَأْكُل خَلًّا مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حَتَّى يَبْدَأَ اللَّهُ تَعَالَى إِفْسَادَهَا، وَذَلِكَ حِينَ طَابَ الْخَل، وَلاَ بَأْسَ عَلَى امْرِئٍ أَصَابَ خَلًّا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ أَنْ يَبْتَاعَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا إِفْسَادَهَا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ النَّهْيُ. (١) وَهَذَا قَوْلٌ يَشْتَهِرُ بَيْنَ النَّاسِ لأَِنَّهُ إِعْلاَنٌ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ. وَبِهِ قَال الزُّهْرِيُّ. وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَحِل شُرْبُهَا، وَيَكُونُ التَّخْلِيل جَائِزًا أَيْضًا، (٢) لأَِنَّهُ إِصْلاَحٌ، وَالإِْصْلاَحُ مُبَاحٌ، قِيَاسًا عَلَى دَبْغِ الْجِلْدِ، فَإِنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ : ﴿أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ﴾ (٣) وَقَال عَنْ جِلْدِ الشَّاةِ

стр. 2678

الْمَيْتَةِ: ﴿إِنَّ دِبَاغَهَا يُحِلُّهُ كَمَا يُحِل خَلٌّ الْخَمْرَ﴾ (١) فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ التَّخْلِيل، كَمَا ثَبَتَ حِل الْخَل شَرْعًا، بِدَلِيل قَوْلِهِ ﷺ أَيْضًا: ﴿خَيْرُ خَلِّكُمْ خَل خَمْرِكُمْ﴾ (٢) وَبِدَلِيل قَوْلِهِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ أَيْضًا: ﴿نِعْمَ الأُْدْمُ الْخَل﴾ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّخَلُّل بِنَفْسِهِ وَالتَّخْلِيل، فَالنَّصُّ مُطْلَقٌ. (٣) وَلأَِنَّ التَّخْلِيل يُزِيل الْوَصْفَ الْمُفْسِدَ، وَيَجْعَل فِي الْخَمْرِ صِفَةَ الصَّلاَحِ، وَالإِْصْلاَحُ مُبَاحٌ، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ إِرَاقَةَ الْخَمْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ عَنْ مَالِكٍ - وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ - أَنَّهُ عَلَى سَبِيل الْكَرَاهَةِ. تَخْلِيل الْخَمْرِ بِنَقْلِهَا، أَوْ بِخَلْطِهَا بِخَلٍّ: ٣٥ - إِذَا نُقِلَتِ الْخَمْرُ مِنَ الظِّل إِلَى الشَّمْسِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَلَوْ بِقَصْدِ التَّخْلِيل، فَتَخَلَّلَتْ يَحِل الْخَل الْحَاصِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ وَقَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى الْخَمْرِ بِلاَ نَقْلٍ، كَرَفْعِ سَقْفٍ كَانَ فَوْقَهَا، لاَ يَحِل نَقْلُهَا. وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ الْحِل بِقَوْلِهِمْ: لأَِنَّ الشِّدَّةَ الْمُطْرِبَةَ (أَيِ الإِْسْكَارَ) الَّتِي هِيَ عِلَّةُ النَّجَاسَةِ وَالتَّحْرِيمِ، قَدْ زَالَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُعَقِّبَ نَجَاسَةً فِي الْوِعَاءِ، فَتَطْهُرُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ نُقِلَتِ الْخَمْرُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى آخَرَ، فَتَخَلَّلَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا شَيْءٌ، فَإِنْ لَمْ

стр. 2679

يَكُنْ قَصَدَ تَخْلِيلَهَا حَلَّتْ بِذَلِكَ، لأَِنَّهَا تَخَلَّلَتْ بِفِعْل اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ قُصِدَ بِذَلِكَ تَخْلِيلُهَا احْتَمَل أَنْ تَطْهُرَ، لأَِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ الْقَصْدُ، فَلاَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا. وَيُحْتَمَل أَلاَّ تَطْهُرَ، لأَِنَّهَا خُلِّلَتْ بِفِعْلٍ، كَمَا لَوْ أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ. (١) إِمْسَاكُ الْخَمْرِ لِتَخْلِيلِهَا: ٣٦ - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ إِمْسَاكِ الْخَمْرِ بِقَصْدِ تَخْلِيلِهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِهِ، وَهَذَا الْخَل عِنْدَهُمْ حَلاَلٌ طَاهِرٌ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى تَحْرِيمِ إِمْسَاكِ الْخَمْرِ بِقَصْدِ تَخْلِيلِهَا، لَكِنْ يَحِل عِنْدَهُمْ لِلْخَلاَّل إِمْسَاكُ الْخَمْرِ لِيَتَخَلَّل، لِئَلاَّ يَضِيعَ مَالُهُ. (٢) طَهَارَةُ الإِْنَاءِ: ٣٧ - إِذَا تَخَلَّلَتِ الْخَمْرَةُ وَطَهُرَتْ - حَسَبَ اخْتِلاَفِ أَقْوَال الْعُلَمَاءِ السَّابِقَةِ فِي طَهَارَتِهَا أَوْ نَجَاسَتِهَا - فَإِنَّ الإِْنَاءَ الَّذِي فِيهِ الْخَمْرُ يَطْهُرُ أَعْلاَهُ وَأَسْفَلُهُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ. وَهُنَاكَ اخْتِلاَفٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حَوْل طَهَارَةِ

стр. 2680

أَعْلَى الإِْنَاءِ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ الْجَزْمُ بِالطَّهَارَةِ. (١) أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَالْمُفْتَى بِهِ فِي مَذْهَبِهِمْ أَنَّ أَعْلَى الإِْنَاءِ يَطْهُرُ تَبَعًا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ أَعْلاَهُ لاَ يَطْهُرُ، لأَِنَّهُ خَمْرٌ يَابِسَةٌ إِلاَّ إِذَا غُسِل بِالْخَل، فَتَخَلَّل مِنْ سَاعَتِهِ فَيَطْهُرُ. (٢) إِشْعَارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْشْعَارُ: الإِْعْلاَمُ، يُقَال أَشْعَرَ الْبَدَنَةَ: أَعْلَمَهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَشُقَّ جِلْدَهَا، أَوْ يَطْعَنَهَا فِي سَنَامِهَا فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِمِبْضَعٍ أَوْ نَحْوِهِ، لِيُعْرَفَ أَنَّهَا هَدْيٌ. (٣) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: التَّقْلِيدُ: ٢ - التَّقْلِيدُ: وَهُوَ لِلْبَدَنَةِ، أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهَا شَيْءٌ

стр. 2681

مِنْ نَعْلٍ أَوْ نَحْوِهِ، لِيُعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ، فَلَيْسَ فِي التَّقْلِيدِ خُرُوجُ دَمٍ. وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ. (١) صِفَتُهُ (الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ) : ٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِشْعَارِ بُدْنِ الْهَدْيِ وَهِيَ الإِْبِل خَاصَّةً، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ) عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ إِشْعَارُهَا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: ﴿فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا﴾ (٢) وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ، وَلأَِنَّهُ إِيلاَمٌ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَجَازَ كَالْكَيِّ، وَالْوَسْمِ، وَالْفَصْدِ، وَالْحِجَامَةِ، وَتُشْعَرُ الْبَقَرَةُ كَالإِْبِل لأَِنَّهَا مِنَ الْبُدْنِ. وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ الإِْشْعَارَ لِلْبَدَنَةِ، لأَِنَّهُ مُثْلَةٌ وَإِيلاَمٌ، وَلَمْ يَكْرَهْ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْل الإِْشْعَارِ، وَإِنَّمَا كَرِهَ إِشْعَارَ أَهْل زَمَانِهِ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْهَلاَكُ، فَأَمَّا مَنْ قَطَعَ الْجِلْدَ دُونَ اللَّحْمِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ أَحْسَنَهُ. (٣) مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٤ - أَوْرَدَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مَسْأَلَةَ إِشْعَارِ الْبُدْنِ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْهَدْيِ، وَالْبَعْضُ الآْخَرُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ النِّيَّةِ عِنْدَ الإِْحْرَامِ.

стр. 2682

إِشْلاَءٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْشْلاَءُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ: أَشْلَى الْكَلْبَ إِذَا دَعَاهُ بِاسْمِهِ، أَمَّا مَنْ قَال: أَشْلَيْتُ الْكَلْبَ عَلَى الصَّيْدِ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: دَعَوْتُهُ فَأَرْسَلْتُهُ عَلَى الصَّيْدِ. وَقَدْ ثَبَتَتْ صِحَّةُ إِشْلاَءِ الْكَلْبِ بِمَعْنَى إِغْرَائِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّسْلِيطُ عَلَى أَشْلاَءِ الصَّيْدِ، وَهِيَ أَعْضَاؤُهُ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلإِْشْلاَءِ عَنْ مَعْنَى الإِْغْرَاءِ (٢) وَالتَّسْلِيطِ عَلَيْهِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الزَّجْرُ: ٢ - الزَّجْرُ يَكُونُ بِمَعْنَى: النَّهْيِ وَالْمَنْعِ بِلَفْظٍ، يُقَال: زَجَرْتُهُ فَانْزَجَرَ، وَيُقَال: زَجَرَ الصَّيَّادُ الْكَلْبَ: أَيْ صَاحَ بِهِ فَانْزَجَرَ، أَيْ مَنَعَهُ عَنْ مُتَابَعَةِ الصَّيْدِ فَامْتَنَعَ، فَالزَّجْرُ عَلَى هَذَا ضِدُّ الإِْشْلاَءِ (٣) .

стр. 2683

صِفَتُهُ (الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ) : ٣ - اسْتِجَابَةُ الْكَلْبِ لِلإِْشْلاَءِ - بِمَعْنَى الدُّعَاءِ - لاَ يَكُونُ عَلاَمَةً عَلَى كَوْنِ الْجَارِحِ مُعَلَّمًا، وَخَاصَّةً الْكَلْبُ، لأَِنَّهُ أَلُوفٌ يَأْتِي إِلَى صَاحِبِهِ بِمُجَرَّدِ الدُّعَاءِ، وَعَلاَمَةُ التَّعَلُّمِ هُنَا: أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِطَبْعِهِ. أَمَّا اسْتِجَابَةُ الْكَلْبِ لِلإِْشْلاَءِ - بِمَعْنَى التَّسْلِيطِ وَالزَّجْرِ - فَقَدْ عَدَّهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ عَلاَمَةِ كَوْنِ الْكَلْبِ مُعَلَّمًا، بِحَيْثُ يَسْتَجِيبُ لِهَذَا الإِْشْلاَءِ، فَيُنَفِّذُ مَا يُرِيدُهُ صَاحِبُهُ. (١) مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٤ - اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الإِْشْلاَءَ فِي بَابِ الصَّيْدِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ شُرُوطِ حِل الصَّيْدِ. إِشْهَادٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْشْهَادُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَشْهَدَ، وَأَشْهَدْتُهُ عَلَى كَذَا فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَيْ: صَارَ شَاهِدًا، وَأَشْهَدَنِي عَقْدَ زَوَاجِهِ: أَيْ أَحْضَرَنِي. (٢) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلإِْشْهَادِ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.

стр. 2684

وَسَيَقْتَصِرُ الْبَحْثُ عَلَى الإِْشْهَادِ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل وَهُوَ: طَلَبُ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الشَّهَادَةُ: ٢ - قَدْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ دُونَ سَبْقِ إِشْهَادٍ، تَحْصُل بِطَلَبٍ أَوْ دُونَهُ، وَالإِْشْهَادُ هُوَ طَلَبُ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ. ب - الاِسْتِشْهَادُ: ٣ - الاِسْتِشْهَادُ يَأْتِي بِمَعْنَى الإِْشْهَادِ، أَيْ طَلَبُ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١) وَقَدْ يَأْتِي الاِسْتِشْهَادُ بِمَعْنَى طَلَبِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ (٢) . كَمَا يَأْتِي الاِسْتِشْهَادُ بِمَعْنَى أَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّهِ. ج - الإِْعْلاَنُ (وَالإِْشْهَارُ) ٤ - قَدْ يَتَحَقَّقُ الإِْعْلاَنُ دُونَ الإِْشْهَادِ، كَمَا لَوْ أَعْلَنُوا النِّكَاحَ بِحَضْرَةِ صِبْيَانٍ، أَوْ أَمَامَ نِسَاءٍ. (٣) وَقَدْ يَتَحَقَّقُ الإِْشْهَادُ دُونَ الإِْعْلاَنِ، كَإِشْهَادِ رَجُلَيْنِ عَلَى النِّكَاحِ وَاسْتِكْتَامِهِمَا.

стр. 2685

صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ٥ - الإِْشْهَادُ تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الْخَمْسَةُ، فَيَكُونُ وَاجِبًا كَمَا فِي النِّكَاحِ، (١) وَيَكُونُ مَنْدُوبًا، كَالإِْشْهَادِ فِي الْبَيْعِ (٢) عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَجَائِزًا كَمَا فِي الْبَيْعِ (٣) عِنْدَ الْبَعْضِ، وَمَكْرُوهًا كَالإِْشْهَادِ عَلَى الْعَطِيَّةِ، أَوِ الْهِبَةِ لِلأَْوْلاَدِ إِنْ حَصَل فِيهَا تَفَاوُتٌ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَحَرَامًا كَالإِْشْهَادِ عَلَى الْجَوْرِ (٤) وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ إِلَى إِيجَابِ الإِْشْهَادِ فِي كُل مَا وَرَدَ الأَْمْرُ بِهِ. (٥) مَوَاطِنُ الإِْشْهَادِ : رُجُوعُ الأَْجْنَبِيِّ بِقِيمَةِ مَا جَهَّزَ بِهِ الْمَيِّتَ إِذَا أَشْهَدَ: ٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْجْنَبِيَّ أَوِ الْغَرِيبَ - الَّذِي لاَ يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ - لَوْ كَفَّنَ الْمَيِّتَ كَفَنَ الْمِثْل، وَكَذَا كُل مَا يَلْزَمُهُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ مَا دَفَعَ إِنْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الإِْشْهَادَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ إِلاَّ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ، وَكَانَ مَال الْمَيِّتِ غَائِبًا، أَوِ امْتَنَعَ مَنْ يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ عَنْ ذَلِكَ. (٦) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يُشْتَرَطُ الإِْشْهَادُ لِلرُّجُوعِ، وَيَرْجِعُ إِنْ نَوَى الرُّجُوعَ، أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ،

стр. 2686

اسْتَأْذَنَ الْحَاكِمَ أَوْ لاَ، (١) وَلَمْ أَقِفْ عَلَى حُكْمِ اشْتِرَاطِ الإِْشْهَادِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (٢) الإِْشْهَادُ عَلَى إِخْرَاجِ زَكَاةِ الصَّغِيرِ: ٧ - أَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ مِمَّنْ أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِي مَال الصَّغِيرِ لاَ يَطْلُبُونَ الإِْشْهَادَ عَلَى إِخْرَاجِهَا. (٣) وَيَشْهَدُ الْوَصِيُّ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى إِخْرَاجِ زَكَاةِ مَال الصَّغِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ وَكَانَ مَأْمُونًا صُدِّقَ، وَغَيْرُ الْمَأْمُونِ هَل يَلْزَمُهُ غُرْمُ الْمَال أَوْ يَحْلِفُ؟ لَمْ يَجِدْ الْخَطَّابُ فِيهِ نَصًّا. وَكَالزَّكَاةِ عِنْدَهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ (٤) الإِْشْهَادُ فِي الْبَيْعِ: الإِْشْهَادُ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ: ٨ - الإِْشْهَادُ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ، وَأَبْعَدُ عَنِ التَّجَاحُدِ، لِذَلِكَ يَنْبَغِي الإِْشْهَادُ عَلَيْهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِهِ التَّكْلِيفِيِّ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ: أ - نَدْبُ الإِْشْهَادِ فِيمَا لَهُ خَطَرٌ: وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٥) حَمَلُوا الأَْمْرَ عَلَى النَّدْبِ، وَصَرَفَهُ عَنِ الْوُجُوبِ عِنْدَهُمْ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ

стр. 2687

فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا﴾ (١) ، وَاشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سَرَاوِيل، (٢) وَمِنْ أَعْرَابِيٍّ فَرَسًا (٣) فَجَحَدَهُ الأَْعْرَابِيُّ حَتَّى شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَشْهَدَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ فِي عَصْرِهِ فِي الأَْسْوَاقِ فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالإِْشْهَادِ وَلاَ نُقِل عَنْهُمْ فِعْلُهُ. أَمَّا الأَْشْيَاءُ الْقَلِيلَةُ الْخَطَرِ كَحَوَائِجِ الْبَقَّال وَالْعَطَّارِ وَشَبَهِهِمَا، فَلاَ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِيهَا، لأَِنَّ الْعُقُودَ تَكْثُرُ فَيُشَقُّ الإِْشْهَادُ عَلَيْهَا وَتَقْبُحُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ

стр. 2688

عَلَيْهَا، وَالتَّرَافُعُ إِلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَجْلِهَا، بِخِلاَفِ الْكَبِيرَةِ الْخَطَرِ. (١) ب - جَوَازُ الإِْشْهَادِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، قَالُوا: إِنَّ الأَْمْرَ فِي الآْيَةِ لِلإِْرْشَادِ، لاَ ثَوَابَ فِيهِ إِلاَّ لِمَنْ قَصَدَ الاِمْتِثَال. (٢) ج - وُجُوبُ الإِْشْهَادِ: وَهُوَ قَوْل طَائِفَةٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِمَّنْ رَأَى وُجُوبَ الإِْشْهَادِ عَلَى الْبَيْعِ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ لِظَاهِرِ الأَْمْرِ، وَلأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَجِبُ الإِْشْهَادُ عَلَيْهِ كَالنِّكَاحِ (٣) . طَلَبُ الإِْشْهَادِ مِنَ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ: ٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّل لَوْ أَمَرَ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ وَالإِْشْهَادِ، فَبَاعَ وَلَمْ يُشْهِدْ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، لأَِنَّهُ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا، وَأَمْرُهُ بِالإِْشْهَادِ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الأَْمْرِ بِالْبَيْعِ، فَلاَ يَخْرُجُ بِهِ الأَْمْرُ بِالْبَيْعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا، أَلاَ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالإِْشْهَادِ عَلَى الْبَيْعِ فَقَال تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤) ثُمَّ مَنْ بَاعَ وَلَمْ يُشْهِدْ كَانَ بَيْعُهُ جَائِزًا، أَمَّا إِذَا شُرِطَ عَلَيْهِ الإِْشْهَادُ، كَقَوْلِهِ: بِعْ بِشَرْطِ أَنْ تُشْهِدَ فَقَدْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ يُوجِبُ الإِْشْهَادَ (٥) وَلاَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل بِدُونِهِ إِلاَّ بِإِجَازَتِهِ.

стр. 2689

وَلَمْ أَقِفْ عَلَى حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. الإِْشْهَادُ عَلَى بَيْعِ مَال الصَّغِيرِ نَسِيئَةً: ١٠ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الإِْشْهَادُ عَلَى بَيْعِ مَال الصَّغِيرِ نَسِيئَةً خَوْفَ جَحْدِهِ، (١) قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ تُرِكَ الإِْشْهَادُ بَطَل الْبَيْعُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، (٢) فَإِنْ عَسُرَ الإِْشْهَادُ كَأَنْ كَانَ يَبِيعُ الْوَصِيُّ أَوِ الأَْمِينُ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ مَال الصَّغِيرِ، فَإِنَّهُ يُقْبَل قَوْلُهُمَا، فَإِنْ بَاعَا مِقْدَارًا كَبِيرًا جُمْلَةً فَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْشْهَادِ. (٣) وَلاَ يَجِبُ الإِْشْهَادُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى بَيْعِ مَال الصَّغِيرِ نَسِيئَةً، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْبِ، (٤) أَمَّا الْوَصِيُّ فَفِيهِ قَوْلاَنِ. أَحَدُهُمَا يُصَدَّقُ بِلاَ بَيِّنَةٍ، وَالثَّانِي تَلْزَمُهُ الْبَيِّنَةُ. (٥) الإِْشْهَادُ عَلَى سَائِرِ الْعُقُودِ: ١١ - الإِْشْهَادُ عَلَى سَائِرِ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ حُكْمُهُ حُكْمُ الإِْشْهَادِ عَلَى الْبَيْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، بِاسْتِثْنَاءِ النِّكَاحِ عِنْدَهُمَا، وَالرَّجْعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَالإِْشْهَادُ وَاجِبٌ وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ. (٦) وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سَائِرُ الْحُقُوقِ وَالْمُدَايَنَاتِ كَالْبَيْعِ يُسَنُّ الإِْشْهَادُ فِيهَا مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ

стр. 2690

فَيَجِبُ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ وَطَلَبَ الإِْشْهَادَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ. (١) وَذَكَرَ التَّسَوُّلِيُّ فِي شَرْحِ التُّحْفَةِ مَا يُفِيدُ وُجُوبَ الإِْشْهَادِ فِي عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْوَقْفِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ كُل مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ كَالتَّوْكِيل وَالضَّمَانِ وَنَحْوِهِمَا، حَيْثُ جُعِل الإِْشْهَادُ فِي هَذِهِ شَرْطَ صِحَّةٍ (٢) الإِْشْهَادُ عِنْدَ الاِمْتِنَاعِ عَنْ تَسْلِيمِ وَثِيقَةِ الدَّيْنِ: ١٢ - لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ حَقٌّ عَلَى آخَرَ بِوَثِيقَةٍ، فَدَفَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مَا عَلَيْهِ، وَطَلَبَ الْوَثِيقَةَ مِنْهُ أَوْ حَرْقَهَا، فَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ دَفْعُ الْوَثِيقَةِ، وَإِنَّمَا لِلْمَدِينِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ وَتَبْقَى الْوَثِيقَةُ بِيَدِهِ، لأَِنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، إِذْ لَعَل الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَسْتَدْعِيَ بَيِّنَةً قَدْ سَمِعُوا إِقْرَارَ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِقَبْضِهِ مِنْهُ، أَوْ حَضَرُوا دَفْعَهُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ الدَّفْعُ، فَيَدَّعِي أَنَّهُ إِنَّمَا دَفَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْمَال سَلَفًا أَوْ وَدِيعَةً، وَيَقُول: هَاتِ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَكَ أَنَّ مَا قَبَضْتَ مِنِّي هُوَ مِنْ حَقٍّ وَاجِبٍ لَكَ، فَبَقَاءُ الْوَثِيقَةِ وَقِيَامُهُ بِهَا يُسْقِطُ هَذِهِ الدَّعْوَى الَّتِي تَلْزَمُهُ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ مَا قَبَضَهُ مُسْتَحِقًّا فَيَحْتَاجُ إِلَى حُجَّةٍ بِحَقِّهِ، قَالُوا: وَلاَ يَجُوزُ لِحَاكِمٍ إِلْزَامُهُ. (٣) وَقَال عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَأَصْبَغُ: لَهُ أَخْذُ الْوَثِيقَةِ، وَبِهِ قَال شَارِحُ الْمُنْتَهَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٤) وَلَمْ نَقِفْ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ

стр. 2691

عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (١) . الإِْشْهَادُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنِ الْغَيْرِ: ١٣ - لَوْ قَضَى الرَّجُل دَيْنَ غَيْرِهِ وَنَوَى الرُّجُوعَ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَشْتَرِطُونَ الإِْشْهَادَ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَنِيَّةِ الرُّجُوعِ. وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الإِْشْهَادُ عَلَى نِيَّةِ الرُّجُوعِ شَرْطٌ لِلرُّجُوعِ، لأَِنَّ الْعُرْفَ جَرَى عَلَى أَنَّ مَنْ دَفَعَ دَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ كَانَ مُتَبَرِّعًا (٢) . الإِْشْهَادُ عَلَى رَدِّ الْمَرْهُونِ: ١٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَوِ ادَّعَى رَدَّ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ، فَالْقَوْل قَوْل الرَّاهِنِ، وَلاَ يُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ. (٣) وَقَوَاعِدُ الْحَنَفِيَّةِ تَقْضِي بِقَبُول قَوْل الْمُرْتَهِنِ، لأَِنَّهُ أَمِينٌ، وَالأَْمِينُ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ، وَيُوَافِقُ الْحَنَابِلَةُ - فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ - فِي هَذَا الْحَنَفِيَّةَ (٤) . الإِْشْهَادُ عِنْدَ إِقْرَاضِ مَال الصَّغِيرِ: ١٥ - يُشْتَرَطُ الإِْشْهَادُ عَلَى إِقْرَاضِ الْوَلِيِّ مَال الصَّغِيرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَمَّا عِنْدَ بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ أَجَازُوا تَسْلِيفَ مَال الصَّغِيرِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ

стр. 2692

الإِْقْرَاضُ بِلاَ إِشْهَادٍ، وَإِنْ كَانَ الإِْشْهَادُ حِينَئِذٍ أَوْلَى احْتِيَاطًا (١) . الإِْشْهَادُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَجْرِ: ١٦ - لِلْفُقَهَاءِ فِي الإِْشْهَادِ عَلَى الْحَجْرِ رَأْيَانِ: أَحَدُهُمَا: الْوُجُوبُ، وَهُوَ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْحَجْرِ عَلَى الْمَدِينِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الإِْشْهَادُ لأَِنَّ الْحَجْرَ حُكْمٌ مِنَ الْقَاضِي وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ، وَرُبَّمَا يَقَعُ فِيهِ التَّجَاحُدُ فَيَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِهِ، وَيَأْخُذُ السَّفِيهُ حُكْمَ الْمَدِينِ فِي الْحَجْرِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، (٢) أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ يَرَى الْحَجْرَ عَلَى مَنْ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ ضَرَرٌ عَامٌّ، كَالطَّبِيبِ الْجَاهِل وَالْمُفْتِي الْمَاجِنِ وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ. (٣) وَوُجُوبُ الإِْشْهَادِ هُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوَاعِدِ الْمَالِكِيَّةِ، وَفُرُوعِهِمْ. جَاءَ فِي الْحَطَّابِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى وَلَدِهِ أَتَى الإِْمَامَ لِيَحْجُرَ عَلَيْهِ، وَيُشْهِرُ ذَلِكَ فِي الْمَجَامِعِ وَالأَْسْوَاقِ، وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ وَلأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ فَوَجَبَ الإِْشْهَادُ عَلَيْهِ. (٤) وَوُجُوبُ الإِْشْهَادِ وَجْهٌ مَحْكِيٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْحَاوِي وَالْمُسْتَظْهَرِي عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي

стр. 2693

حَجْرِ السَّفِيهِ، وَوَصَفُوهُ بِأَنَّهُ شَاذٌّ. (١) الثَّانِي: اسْتِحْبَابُ الإِْشْهَادِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَجْرُ لِمَصْلَحَةِ الإِْنْسَانِ نَفْسِهِ أَمْ بِسَبَبِ الدَّيْنِ. (٢) وَالْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يُشْهِدُ. (٣) الإِْشْهَادُ عَلَى فَكِّ الْحَجْرِ: ١٧ - الصَّبِيُّ إِذَا بَلَغَ رَشِيدًا، وَكَانَ وَلِيُّهُ هُوَ الأَْبُ فَلاَ يَحْتَاجُ فِي فَكِّ الْحَجْرِ إِلَى إِشْهَادٍ. لأَِنَّهُ وَلِيُّهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ. أَمَّا إِذَا بَلَغَ سَفِيهًا فَالْحَجْرُ عَلَيْهِ وَفَكُّهُ عَنْهُ مِنَ الْقَاضِي، وَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ إِشْهَادٍ أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَائِمُ عَلَيْهِ الْوَصِيَّ الْمُخْتَارَ أَوِ الْوَصِيَّ مِنَ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ إِلَى الإِْشْهَادِ وَالإِْشْهَارِ، لأَِنَّ وِلاَيَتَهُمَا مُسْتَمَدَّةٌ مِنَ الْقَاضِي. (٤) الإِْشْهَادُ عَلَى دَفْعِ الْمَال إِلَى الصَّغِيرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ: ١٨ - لِلْفُقَهَاءِ فِي الإِْشْهَادِ عَلَى تَسْلِيمِ مَال الصَّغِيرِ إِذَا بَلَغَ رَأْيَانِ: الأَْوَّل: وُجُوبُ الإِْشْهَادِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، (٥) وَبِهِ قَال مَالِكٌ، وَابْنُ الْقَاسِمِ (٦) ، عَمَلاً بِظَاهِرِ الأَْمْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ

стр. 2694

أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١) ، وَلاَ يُصَدَّقُ الدَّافِعُ فِي دَعْوَى رَدِّ مَال الصَّغِيرِ حَتَّى يُشْهِدَ. (٢) الثَّانِي: اسْتِحْبَابُ الإِْشْهَادِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، لِلاِحْتِيَاطِ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْيَتِيمِ وَوَلِيِّ مَالِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، فَأَمَّا الْيَتِيمُ، فَلأَِنَّهُ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَلأَِنَّهُ يُبْطِل دَعْوَى الْيَتِيمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهِ. (٣) وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ (٤) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ. (٥) وَقَرِيبٌ مِنْ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ يُصَدَّقُ الْوَصِيُّ بِيَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ وَلَوْ طَال الزَّمَانُ، عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: إِنْ طَال الزَّمَانُ كَعِشْرِينَ سَنَةً يُقِيمُونَ مَعَهُ وَلاَ يَطْلُبُونَ، فَالْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ الْعُرْفَ قَبْضُ أَمْوَالِهِمْ إِذَا رَشَدُوا، وَجَعَل ابْنُ زَرْبٍ الطُّول ثَمَانِيَةَ أَعْوَامٍ (٦) . الإِْشْهَادُ عَلَى مَا وُكِّل فِي قَبْضِهِ: ١٩ - عِنْدَ تَنَازُعِ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل فِي دَعْوَى عَلَى مَا وُكِّل فِي قَبْضِهِ، فَالْوَكِيل كَالْمُودَعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّهُ أَمِينٌ، إِلاَّ الْوَكِيل بِقَبْضِ الدَّيْنِ إِذَا ادَّعَى بَعْدَ مَوْتِ

стр. 2695

الْمُوَكِّل أَنَّهُ قَبَضَهُ وَدَفَعَهُ فِي حَال حَيَاتِهِ، لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، (١) وَالْوَكِيل كَالْمُودَعِ أَيْضًا عِنْدَ الاِخْتِلاَفِ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، (٢) وَكَذَا الْوَكِيل بِغَيْرِ أَجْرٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَخْتَلِفُ عَنِ الْمُودَعِ يُقْبَل قَوْلُهُ بِلاَ إِشْهَادٍ، فَإِنْ كَانَ وَكِيلاً بِأَجْرٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ (٣) ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلشَّافِعِيَّةِ. (٤) إِشْهَادُ الْوَكِيل بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَنَحْوِهِ: ٢٠ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّل إِذَا دَفَعَ لِلْوَكِيل مَالاً وَأَمَرَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَبِالإِْشْهَادِ عَلَى الْقَضَاءِ، فَفَعَل وَلَمْ يُشْهِدْ، وَأَنْكَرَ الْمُسْتَحِقُّ، فَالْوَكِيل يَضْمَنُ وَيُصَدَّقُ الْمُسْتَحِقُّ، فَإِنْ أَمَرَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِْشْهَادِ فَقَال: قَبَضْتَهُ، وَأَنْكَرَ الْمُسْتَحِقُّ، فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ يُصَدَّقُ بِاتِّفَاقٍ، وَلاَ يُقْبَل قَوْل الْوَكِيل عَلَى الْغَرِيمِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُوَكِّل، لأَِنَّ ذِمَّتَهُ لاَ تَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إِلَى وَكِيلِهِ. (٥) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (الْوَكَالَةِ وَالشَّهَادَةِ) . الإِْشْهَادُ عَلَى الْوَدِيعَةِ: إِشْهَادُ الْمُودِعِ: ٢١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الإِْشْهَادُ عِنْدَ تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ إِلَى الْوَدِيعِ

стр. 2696

لِلاِسْتِيثَاقِ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ. وَظَاهِرُ نُصُوصِ الْحَنَابِلَةِ الْجَوَازُ (١) . الإِْشْهَادُ عَلَى رَدِّ الْوَدِيعَةِ إِلَى مَالِكِهَا: ٢٢ - فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لاَ يَلْزَمُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُشْهِدَ الْمُودَعُ عَلَى رَدِّ الْوَدِيعَةِ إِلَى مَالِكِهَا، لأَِنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُودِعِ فَلاَ فَائِدَةَ فِي الإِْشْهَادِ، (٢) وَعَدَمُ لُزُومِ الإِْشْهَادِ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَانَ الْمُودِعُ أَخَذَهَا دُونَ إِشْهَادٍ، (٣) فَإِنْ أَخَذَهَا بِإِشْهَادٍ فَإِنَّهُ لاَ يَبْرَأُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، لأَِنَّهُ حِينَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ لَمْ يَكْتَفِ بِأَمَانَتِهِ، وَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ، أَمَّا إِذَا دَفَعَهَا أَمَامَ شُهُودٍ، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ حَتَّى يَقُول: اشْهَدُوا بِأَنِّي اسْتَوْدَعْتُهُ كَذَا وَكَذَا. (٤) وَلَوْ تَبَرَّعَ الْوَدِيعُ بِالإِْشْهَادِ عَلَى نَفْسِهِ فَلاَ يَبْرَأُ إِلاَّ بِإِشْهَادٍ. (٥) وَلُزُومُ الإِْشْهَادِ عَلَى الرَّدِّ - إِنْ أَخَذَهَا الْمُودَعُ بِإِشْهَادٍ - رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَخَرَّجَهَا ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى أَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى دَفْعِ الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ بِالْبَيِّنَةِ وَاجِبٌ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ تَفْرِيطًا فَيَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ. (٦)

стр. 2697

فَإِذَا قَال الْمُودَعُ: لاَ أَرُدُّ حَتَّى تُشْهِدَ، فَمَنْ قَال يُقْبَل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ - وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ - وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ عَلَيْهِ بَيِّنَةُ الْوَدِيعَةِ - فَلَيْسَ لَهُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يُشْهِدَ، لِوُجُودِ مَا يُبَرِّئُ بِهِ ذِمَّتَهُ، وَهُوَ قَبُول قَوْلِهِ بِيَمِينِهِ. (١) الإِْشْهَادُ فِي الرَّدِّ عَلَى رَسُول الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ: ٢٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوَدِيعَ إِنْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ عَلَى رَسُول الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ فَلَهُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يُشْهِدَ، (٢) فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَلاَ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى التَّسْلِيمِ إِلَى الرَّسُول أَوِ الْوَكِيل. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ وَلَوْ لَمْ يُشْهِدْ. (٣) وَلَمْ يُصَرِّحِ الْحَنَفِيَّةُ بِالإِْشْهَادِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْوَكِيل، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: يَضْمَنُ الْمُودَعُ إِنْ سَلَّمَ الْوَدِيعَةَ دُونَ عُذْرٍ لِغَيْرِ الْمَالِكِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِيَال الْوَدِيعِ الَّذِينَ يُحْفَظُ بِهِمْ مَالُهُ عَادَةً. وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الأَْوْلَى الإِْشْهَادُ لِيَدْرَأَ الضَّمَانَ عَنْ نَفْسِهِ فِي حَال الْجُحُودِ. (٤) الإِْشْهَادُ عِنْدَ قِيَامِ بَعْضِ الأَْعْذَارِ بِالْمُودَعِ: ٢٤ - الْمَالِكِيَّةُ يُلْزِمُونَ بِالإِْشْهَادِ عَلَى الأَْعْذَارِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْ بَقَاءِ الْوَدِيعَةِ تَحْتَ يَدِهِ، وَيَكُونُ بِمُعَايَنَةِ الْعُذْرِ، وَلاَ يَكْفِي قَوْلُهُ: اشْهَدُوا أَنِّي أُودِعَهَا لِعُذْرٍ. (٥)

стр. 2698

وَلاَ يُخَالِفُ الْحَنَفِيَّةُ فِي وُجُوبِ الإِْشْهَادِ عَلَى الأَْعْذَارِ، إِذْ لاَ يُصَدَّقُ الْمُودَعُ عِنْدَهُمْ إِنْ دَفَعَهَا لأَِجْنَبِيٍّ لِعُذْرٍ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ. (١) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ إِلَى الْمَالِكِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُهَا إِلَى الْقَاضِي، وَيُشْهِدُ الْقَاضِي عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلاَفُهُ، فَإِنْ فُقِدَ الْقَاضِي سَلَّمَهَا لأَِمِينٍ. وَهَل يَلْزَمُهُ الإِْشْهَادُ عَلَيْهَا؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ أَوْجَهُهُمَا عَدَمُهُ. كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْقَاضِي. (٢) هَذَا إِنْ أَرَادَ سَفَرًا وَالْحَرِيقُ وَالإِْغَارَةُ عُذْرَانِ كَالسَّفَرِ. فَإِذَا مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا، وَعَجَزَ عَنِ الرَّدِّ إِلَى الْحَاكِمِ أَوِ الأَْمِينِ، أَشْهَدَ وُجُوبًا عَلَى الإِْيصَاءِ بِهَا إِلَيْهِمَا. (٣) وَلَمْ يَنُصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الإِْشْهَادِ عِنْدَ قِيَامِ الأَْعْذَارِ بِالْمُودَعِ، (٤) وَلاَ يَضْمَنُ الْمُودَعُ عِنْدَهُمْ إِنْ سَلَّمَهَا لأَِجْنَبِيٍّ لِعِلَّةٍ، كَمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْ أَرَادَ سَفَرًا (٥) . الإِْشْهَادُ فِي الشُّفْعَةِ: ٢٥ - الشَّفِيعُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا وَقْتَ الْبَيْعِ أَوْ غَائِبًا، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ لِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ طَلَبُهَا عَلَى الْفَوْرِ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. عَلَى أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ الأَْصْل إِشْهَادُ الشَّفِيعِ

стр. 2699

عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لِلتَّوْثِيقِ، وَهَذَا الإِْشْهَادُ عَلَى الطَّلَبِ لَيْسَ شَرْطًا لِلثُّبُوتِ، لَكِنْ لِيَتَوَثَّقَ حَقُّ الشُّفْعَةِ إِذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي طَلَبَهَا. وَإِنَّمَا يَصِحُّ طَلَبُ الإِْشْهَادِ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعِ أَوِ الْمَبِيعِ. (١) ثُمَّ طَلَبُ الإِْشْهَادِ مُقَدَّرٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الإِْشْهَادِ، فَمَتَى تَمَكَّنَ مِنَ الإِْشْهَادِ عِنْدَ حَضْرَةِ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ، وَلَمْ يَطْلُبِ الإِْشْهَادَ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ نَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْمُشْتَرِي. (٢) وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ، ثُمَّ إِلَى طَلَبِ الإِْشْهَادِ بَعْدَهُ، إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الإِْشْهَادُ عِنْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ، بِأَنْ سَمِعَ الشِّرَاءَ حَال غَيْبَتِهِ عَنِ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ وَالدَّارِ، أَمَّا إِذَا سَمِعَ عِنْدَ حَضْرَةِ أَحَدِ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثِ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، فَذَلِكَ يَكْفِيهِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الطَّلَبَيْنِ. (٣) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَ الشَّفِيعُ فِي الْبَلْدَةِ فَلاَ يَلْزَمُهُ الإِْشْهَادُ عَلَى الطَّلَبِ، بَل يَكْفِيهِ الطَّلَبُ وَحْدَهُ، (٤) وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْحَنَابِلَةُ كَالْحَنَفِيَّةِ فِي لُزُومِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ وَالإِْشْهَادِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل سَقَطَ حَقُّهُ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى التَّوْكِيل أَمْ عَجَزَ عَنْهُ، سَارَ عَقِيبَ الْعِلْمِ أَوْ أَقَامَ. (٥) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الشَّفِيعُ غَائِبًا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ، فَإِنْ عَجَزَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّوْكِيل، فَإِنْ عَجَزَ

стр. 2700

عَنِ التَّوْكِيل فَلْيُشْهِدْ، (١) وَلاَ يَكْفِي الإِْشْهَادُ عَنِ الطَّلَبِ وَالتَّوْكِيل عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا. (٢) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ الإِْشْهَادُ شَرْطًا لِثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ لِلشَّفِيعِ، بَل يَثْبُتُ حَقُّهُ وَلَوْ لَمْ يُشْهِدْ. إِلاَّ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِسُقُوطِ شُفْعَتِهِ بِالآْتِي: أ - سُكُوتُهُ عَنِ الْمُطَالَبَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِهَدْمِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِنَائِهِ أَوْ غَرْسِهِ. ب - أَنْ يَحْضُرَ الشَّفِيعُ عَقْدَ الْبَيْعِ وَيَشْهَدَ عَلَيْهِ وَيَسْكُتَ - بِلاَ مَانِعٍ - شَهْرَيْنِ. ج - أَنْ يَحْضُرَ الْعَقْدَ وَلاَ يَشْهَدَ وَيَسْكُتَ - بِلاَ عُذْرٍ - سَنَةً مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ (٣) . تَأْخِيرُ الرَّدِّ لِلإِْشْهَادِ: ٢٦ - مَنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ عَيْنٌ لِغَيْرِهِ، إِمَّا أَنْ يُقْبَل قَوْلُهُ عِنْدَ التَّجَاحُدِ فِي الرَّدِّ أَوْ لاَ، فَإِنْ كَانَ يُقْبَل قَوْلُهُ كَالأَْمَانَةِ فَفِي تَأْخِيرِ الرَّدِّ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ: الأَْوَّل: مَنْعُ التَّأْخِيرِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، (٤) وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (٥) وَلاَ يُخَالِفُ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا، فَإِنْ أَخَّرَهُ ضَمِنَ عِنْدَ الْهَلاَكِ (٦) عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ. الثَّانِي: جَوَازُ التَّأْخِيرِ لِلإِْشْهَادِ، لأَِنَّ الْبَيِّنَةَ تُسْقِطُ الْيَمِينَ عَنِ الرَّادِّ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ
следующие страницы →