Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
هَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَذَلِكَ، لأَِنَّ الْقُرْبَةَ الَّتِي فِي الأُْضْحِيَّةِ، وَفِي هَذِهِ الأَْنْوَاعِ كُلِّهَا إِنَّمَا هِيَ فِي إِرَاقَةِ الدَّمِ، وَإِرَاقَةُ الدَّمِ فِي الْبَدَنَةِ الْوَاحِدَةِ لاَ تَتَجَزَّأُ، لأَِنَّهَا ذَبْحٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الإِْرَاقَةُ قُرْبَةً مِنْ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَكُنْ قُرْبَةً مِنَ الْبَاقِينَ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الإِْرَاقَةُ قُرْبَةً مِنَ الْجَمِيعِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِهَتُهَا، أَوْ كَانَ بَعْضُهَا وَاجِبًا وَبَعْضُهَا تَطَوُّعًا.
وَقَال زُفَرُ: لاَ يُجْزِئُ الذَّبْحُ عَنِ الأُْضْحِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْقُرَبِ عِنْدَ الاِشْتِرَاكِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِكُونَ مُتَّفِقِينَ فِي جِهَةِ الْقُرْبَةِ، كَأَنْ يَشْتَرِكَ سَبْعَةٌ كُلُّهُمْ يُرِيدُ الأُْضْحِيَّةَ، أَوْ سَبْعَةٌ كُلُّهُمْ يُرِيدُ جَزَاءَ الصَّيْدِ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْجِهَةِ لَمْ يَصِحَّ الذَّبْحُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لأَِنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى الاِشْتِرَاكَ، إِذِ الذَّبْحُ فِعْل وَاحِدٍ لاَ يَتَجَزَّأُ، فَلاَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقَعَ بَعْضُهُ عَنْ جِهَةٍ، وَبَعْضُهُ عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى، لَكِنْ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَل كَقُرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلاَ يُمْكِنُ ذَلِكَ عِنْدَ الاِخْتِلاَفِ، فَبَقِيَ الأَْمْرُ فِيهِ مَرْدُودًا إِلَى الْقِيَاسِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَرِهَ الاِشْتِرَاكَ عِنْدَ اخْتِلاَفِ الْجِهَةِ، وَقَال: لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ، وَهَكَذَا قَال أَبُو يُوسُفَ (١) .
٣٨ - وَلَوِ اشْتَرَى رَجُلٌ بَقَرَةً يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا، ثُمَّ أَشْرَكَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا حِينَ اشْتَرَاهَا فَقَدْ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ كَمَا سَبَقَ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا غَيْرَهُ. وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا مُقِيمًا، وَقَدِ اشْتَرَاهَا قَبْل وَقْتِ الْوُجُوبِ، أَوْ غَنِيًّا مُسَافِرًا فَكَذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا مُقِيمًا، وَاشْتَرَاهَا بَعْدَ وَقْتِ стр. 2802
الْوُجُوبِ فَإِنَّ شِرَاءَهَا لاَ يُوجِبُهَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا مَعَهُ سِتَّةً أَوْ أَقَل يُرِيدُونَ الْقُرْبَةَ، لَكِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لأَِنَّهُ لَمَّا اشْتَرَاهَا بِنِيَّةِ التَّضْحِيَةِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ وَعْدًا أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا كُلَّهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَإِخْلاَفُ الْوَعْدِ مَكْرُوهٌ، وَيَنْبَغِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِمَّنْ أَشْرَكَهُمْ مَعَهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ دِينَارًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى شَاةً وَبَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ، وَاشْتَرَى بِأَحَدِهِمَا شَاةً وَجَاءَ النَّبِيَّ ﵊ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ، فَأَمَرَهُ ﵊ أَنْ يُضَحِّيَ بِالشَّاةِ، وَيَتَصَدَّقَ بِالدِّينَارِ (١) هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. (٢)
وَخَالَفَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَأَجَازُوا أَنْ يَشْتَرِكَ مُرِيدُ التَّضْحِيَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْقُرُبَاتِ مَعَ مُرِيدِ اللَّحْمِ، حَتَّى لَوْ كَانَ لِمُرِيدِ التَّضْحِيَةِ سُبْعُ الْبَدَنَةِ، وَلِمُرِيدِ الْهَدْيِ سُبْعُهَا، وَلِمُرِيدِ الْعَقِيقَةِ سُبْعُهَا، وَلِمُرِيدِ اللَّحْمِ بَاقِيهَا، فَذُبِحَتْ بِهَذِهِ النِّيَّاتِ جَازَ، لأَِنَّ стр. 2803
الْفِعْل إِنَّمَا يَصِيرُ قُرْبَةً مِنْ كُل وَاحِدٍ بِنِيَّتِهِ لاَ بِنِيَّةِ شَرِيكِهِ، فَعَدَمُ النِّيَّةِ مِنْ أَحَدِهِمْ لاَ يَقْدَحُ فِي قُرْبَةِ الْبَاقِينَ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ الاِشْتِرَاكُ فِي الثَّمَنِ أَوِ اللَّحْمِ، فَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الثَّمَنِ، بِأَنْ دَفَعَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءًا مِنْهُ، أَوِ اشْتَرَكُوا فِي اللَّحْمِ، بِأَنْ كَانَتِ الشَّاةُ أَوِ الْبَدَنَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ لَمْ تُجْزِئْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِخِلاَفِ إِشْرَاكِهِمْ فِي الثَّوَابِ مِمَّنْ ضَحَّى بِهَا قَبْل الذَّبْحِ كَمَا مَرَّ.
وَقْتُ التَّضْحِيَةِ مَبْدَأٌ وَنِهَايَةٌ
مَبْدَأُ الْوَقْتِ:
٣٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَدْخُل وَقْتُ التَّضْحِيَةِ عِنْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَهَذَا الْوَقْتُ لاَ يَخْتَلِفُ فِي ذَاتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُضَحِّي فِي الْمِصْرِ أَوْ غَيْرِهِ. لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي صِحَّتِهَا لِمَنْ يُضَحِّي فِي الْمِصْرِ أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِيدِ، وَلَوْ قَبْل الْخُطْبَةِ، إِلاَّ أَنَّ الأَْفْضَل تَأْخِيرُهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ، وَإِذَا صُلِّيَتْ صَلاَةُ الْعِيدِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْمِصْرِ كَفَى فِي صِحَّةِ التَّضْحِيَةِ الْفَرَاغُ مِنَ الصَّلاَةِ فِي أَحَدِ الْمَوَاضِعِ.
وَإِذَا عُطِّلَتْ صَلاَةُ الْعِيدِ يُنْتَظَرُ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُ الصَّلاَةِ بِأَنْ تَزُول الشَّمْسُ، ثُمَّ يَذْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ يُضَحِّي فِي غَيْرِ الْمِصْرِ فَإِنَّهُ لاَ تُشْتَرَطُ لَهُ هَذِهِ الشَّرِيطَةُ، بَل يَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، لأَِنَّ أَهْل غَيْرِ الْمِصْرِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ صَلاَةُ الْعِيدِ. стр. 2804
وَإِذَا كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الأُْضْحِيَّةُ مُقِيمًا فِي الْمِصْرِ، وَوَكَّل مَنْ يُضَحِّي عَنْهُ فِي غَيْرِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَالْعِبْرَةُ بِمَكَانِ الذَّبْحِ لاَ بِمَكَانِ الْمُوَكِّل الْمُضَحِّي، لأَِنَّ الذَّبْحَ هُوَ الْقُرْبَةُ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَال الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ أَوَّل وَقْتِ التَّضْحِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الإِْمَامِ هُوَ وَقْتُ الْفَرَاغِ مِنْ ذَبْحِ أُضْحِيَّةِ الإِْمَامِ بَعْدَ الصَّلاَةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل، وَبِالنِّسْبَةِ لِلإِْمَامِ هُوَ وَقْتُ الْفَرَاغِ مِنْ صَلاَتِهِ وَخُطْبَتِهِ، فَلَوْ ذَبَحَ الإِْمَامُ قَبْل الْفَرَاغِ مِنْ خُطْبَتَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَوْ ذَبَحَ النَّاسُ قَبْل الْفَرَاغِ مِنْ ذَبْحِ أُضْحِيَّةِ الإِْمَامِ لَمْ يُجْزِئْهُمْ، إِلاَّ إِذَا بَدَءُوا بَعْدَ بَدْئِهِ، وَانْتَهَوْا بَعْدَ انْتِهَائِهِ أَوْ مَعَهُ.
وَإِذَا لَمْ يَذْبَحِ الإِْمَامُ أَوْ تَوَانَى فِي الذَّبْحِ بَعْدَ فَرَاغِ خُطْبَتَيْهِ بِلاَ عُذْرٍ أَوْ بِعُذْرٍ تَحَرَّى النَّاسُ الْقَدْرَ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الذَّبْحُ، ثُمَّ ذَبَحُوا أَضَاحِيَّهُمْ، فَتُجْزِئُهُمْ وَإِنْ سَبَقُوهُ لَكِنْ عِنْدَ التَّوَانِي بِعُذْرٍ، كَقِتَال عَدُوٍّ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ يُنْدَبُ انْتِظَارُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ تَضْحِيَتِهِ، إِلاَّ إِذَا قَرُبَ زَوَال الشَّمْسِ فَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ حِينَئِذٍ أَنْ يُضَحُّوا وَلَوْ قَبْل الإِْمَامِ. ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إِلاَّ نَائِبُ الإِْمَامِ الْحَاكِمِ أَوْ إِمَامُ الصَّلاَةِ فَالْمُعْتَبَرُ نَائِبُ الإِْمَامِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا هَذَا وَذَاكَ، وَأَخْرَجَ نَائِبُ الإِْمَامِ أُضْحِيَّتَهُ إِلَى الْمُصَلَّى فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَإِلاَّ فَالْمُعْتَبَرُ إِمَامُ الصَّلاَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَلاَ ذَاكَ تَحَرَّوْا تَضْحِيَةَ إِمَامِ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ إِنْ كَانَ وَاحِدًا، فَإِنْ تَعَدَّدَ تَحَرَّوْا تَضْحِيَةَ أَقْرَبِ الأَْئِمَّةِ لِبَلَدِهِمْ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ لِلْحَنَابِلَةِ: يَدْخُل وَقْتُ التَّضْحِيَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَوْمَ عِيدِ стр. 2805
النَّحْرِ بِمِقْدَارِ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْخِفَّةِ الاِقْتِصَارُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلاَةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا لَمْ تَتَوَقَّفْ صِحَّةُ التَّضْحِيَةِ عَلَى الْفَرَاغِ مِنْ صَلاَةِ الإِْمَامِ وَخُطْبَتَيْهِ بِالْفِعْل لأَِنَّ الأَْئِمَّةَ يَخْتَلِفُونَ تَطْوِيلاً وَتَقْصِيرًا، فَاعْتُبِرَ الزَّمَانُ لِيَكُونَ أَشْبَهَ بِمَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَضْبَطُ لِلنَّاسِ فِي الأَْمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْبَوَادِي، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالأَْحَادِيثِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي صَلاَةَ عِيدِ الأَْضْحَى عَقِبَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. (١)
وَالأَْفْضَل تَأْخِيرُ التَّضْحِيَةِ عَنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ بِالْمِقْدَارِ السَّابِقِ الذِّكْرِ. (٢)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ لَهُمْ وَهُوَ الأَْرْجَحُ، إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَبْتَدِئُ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِيدِ وَلَوْ قَبْل الْخُطْبَةِ لَكِنَّ الأَْفْضَل انْتِظَارُ الْخُطْبَتَيْنِ.
وَلاَ يَلْزَمُ انْتِظَارُ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ فِي جَمِيعِ الأَْمَاكِنِ إِنْ تَعَدَّدَتْ، بَل يَكْفِي الْفَرَاغُ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَإِذَا كَانَ مُرِيدُ التَّضْحِيَةِ فِي جِهَةٍ لاَ يُصَلَّى فِيهَا الْعِيدُ - كَالْبَادِيَةِ وَأَهْل الْخِيَامِ مِمَّنْ لاَ عِيدَ عَلَيْهِمْ - فَالْوَقْتُ يَبْتَدِئُ بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ صَلاَةِ الْعِيدِ مِنْ стр. 2806
ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ.
وَإِذَا فَاتَتْ صَلاَةُ الْعِيدِ بِالزَّوَال فِي الأَْمَاكِنِ الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا ضَحَّوْا مِنْ حِينِ الْفَوَاتِ (١) .
نِهَايَةُ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ:
٤٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَيَّامَ التَّضْحِيَةِ ثَلاَثَةٌ، وَهِيَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَالْيَوْمَانِ الأَْوَّلاَنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَيَنْتَهِي وَقْتُ التَّضْحِيَةِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الأَْخِيرِ مِنَ الأَْيَّامِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَأَنَسًا وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ ﵃ أَخْبَرُوا أَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ ثَلاَثَةٌ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقَادِيرَ لاَ يُهْتَدَى إِلَيْهَا بِالرَّأْيِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ سَمَاعًا. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لِلْحَنَابِلَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - أَيَّامُ التَّضْحِيَةِ أَرْبَعَةٌ، تَنْتَهِي بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهَذَا الْقَوْل مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَيْضًا، وَمَرْوِيٌّ كَذَلِكَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، وَعَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى الأَْسَدِيِّ وَمَكْحُولٍ.
وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِهَذَا قَوْلُهُ ﵊: стр. 2807
كُل أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ (١) .
التَّضْحِيَةُ فِي لَيَالِي أَيَّامِ النَّحْرِ:
٤١ - أَمَّا لَيْلَةُ عِيدِ الأَْضْحَى فَلَيْسَتْ وَقْتًا لِلتَّضْحِيَةِ بِلاَ خِلاَفٍ، وَكَذَلِكَ اللَّيْلَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي اللَّيْلَتَيْنِ أَوِ اللَّيَالِي الْمُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ أَيَّامِ النَّحْرِ.
فَالْمَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ: لاَ تُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ الَّتِي تَقَعُ فِي اللَّيْلَتَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ، وَهُمَا لَيْلَتَا يَوْمَيِ التَّشْرِيقِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. (٢)
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الْحَنَابِلَةِ. (٣)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (٤) : إِنَّ التَّضْحِيَةَ فِي اللَّيَالِيِ الْمُتَوَسِّطَةِ تُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لأَِنَّ الذَّابِحَ قَدْ يُخْطِئُ الْمَذْبَحَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْجُمْهُورُ. وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (٥)
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ (٦) مِنْ كَرَاهِيَةِ التَّضْحِيَةِ لَيْلاً مَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لِحَاجَةٍ، كَاشْتِغَالِهِ نَهَارًا بِمَا يَمْنَعُهُ مِنَ التَّضْحِيَةِ، أَوْ مَصْلَحَةٍ كَتَيَسُّرِ الْفُقَرَاءِ لَيْلاً، أَوْ سُهُولَةِ حُضُورِهِمْ.
مَا يَجِبُ بِفَوَاتِ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ:
٤٢ - وَلَمَّا كَانَتِ الْقُرْبَةُ فِي الأُْضْحِيَّةِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، стр. 2808
وَكَانَتْ هَذِهِ الإِْرَاقَةُ لاَ يُعْقَل السِّرُّ فِي التَّقَرُّبِ بِهَا، وَجَبَ الاِقْتِصَارُ فِي التَّقَرُّبِ بِهَا عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي خَصَّهَا الشَّارِعُ بِهِ. فَلاَ تُقْضَى بِعَيْنِهَا بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهَا، بَل يَنْتَقِل التَّغَرُّبُ إِلَى التَّصَدُّقِ بِعَيْنِ الشَّاةِ حَيَّةً، أَوْ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِقِيمَةِ أُضْحِيَّةٍ مُجْزِئَةٍ، فَمَنْ عَيَّنَ أُضْحِيَّةً شَاةً أَوْ غَيْرَهَا بِالنَّذْرِ أَوْ بِالشِّرَاءِ بِالنِّيَّةِ فَلَمْ يُضَحِّ بِهَا حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا حَيَّةً، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الأَْمْوَال التَّقَرُّبُ بِالتَّصَدُّقِ بِهَا لاَ بِالإِْتْلاَفِ وَهُوَ الإِْرَاقَةُ. إِلاَّ أَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَهُ إِلَى إِرَاقَةِ دَمِهَا مُقَيَّدَةً بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ حَتَّى أَنَّهُ يَحِل أَكْل لَحْمِهَا لِلْمَالِكِ وَالأَْجْنَبِيِّ وَالْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، لأَِنَّ النَّاسَ أَضْيَافُ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْوَقْتِ.
٤٣ - وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِالْبَهِيمَةِ حَيَّةً لَمْ يَحِل لَهُ ذَبْحُهَا وَلاَ الأَْكْل مِنْهَا وَلاَ إِطْعَامُ الأَْغْنِيَاءِ وَلاَ إِتْلاَفُ شَيْءٍ مِنْهَا، فَإِنْ ذَبَحَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهَا مَذْبُوحَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا بَعْدَ الذَّبْحِ أَقَل مِنْ قِيمَتِهَا حَيَّةً تَصَدَّقَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ فَضْلاً عَنِ التَّصَدُّقِ بِهَا. فَإِنْ أَكَل مِنْهَا بَعْدَ الذَّبْحِ شَيْئًا أَوْ أَطْعَمَ مِنْهَا غَنِيًّا أَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِقِيمَتِهِ.
٤٤ - وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّضْحِيَةُ وَلَمْ يُضَحِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِالتَّصَدُّقِ بِقِيمَةِ شَاةٍ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ هِيَ الطَّرِيقُ إِلَى تَخْلِيصِهِ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ. هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. (١)
وَلِلإِْيصَاءِ بِالتَّضْحِيَةِ صُوَرٌ نَكْتَفِي بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهَا، وَلِتَفْصِيلِهَا وَبَيَانِ أَحْكَامِهَا (ر: وَصِيَّةٌ) . стр. 2809
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: مَنْ لَمْ يُضَحِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ فَإِنْ كَانَتْ مَسْنُونَةً - وَهُوَ الأَْصْل - لَمْ يُضَحِّ، وَفَاتَتْهُ تَضْحِيَةُ هَذَا الْعَامِ، فَإِنْ ذَبَحَ وَلَوْ بِنِيَّةِ التَّضْحِيَةِ لَمْ تَكُنْ ذَبِيحَتُهُ أُضْحِيَّةً، وَيُثَابُ عَلَى مَا يُعْطِي الْفُقَرَاءَ مِنْهَا ثَوَابَ الصَّدَقَةِ. وَإِنْ كَانَتْ مَنْذُورَةً لَزِمَهُ أَنْ يُضَحِّيَ قَضَاءً، وَهُوَ رَأْيٌ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، لأَِنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ، فَإِذَا وَجَبَتِ الأُْضْحِيَّةُ بِإِيجَابِهِ لَهَا فَضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَإِنْ عَادَتْ إِلَيْهِ ذَبَحَهَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَوْدَتُهَا فِي زَمَنِ الأُْضْحِيَّةِ أَوْ بَعْدَهُ. (١)
فَإِذَا مَضَى الْوَقْتُ وَلَمْ يُضَحِّ بِالشَّاةِ الْمُعَيَّنَةِ عَادَ الْحُكْمُ إِلَى الأَْصْل، وَهُوَ التَّصَدُّقُ بِعَيْنِ الأُْضْحِيَّةِ حَيَّةً سَوَاءٌ أَكَانَ الَّذِي عَيَّنَهَا مُوسِرًا أَمْ مُعْسِرًا أَوْ بِقِيمَتِهَا. وَفِي هَذِهِ الْحَال لاَ تَحِل لَهُ وَلاَ لأَِصْلِهِ وَلاَ لِفَرْعِهِ وَلاَ لِغَنِيٍّ.
مَا يُسْتَحَبُّ قَبْل التَّضْحِيَةِ:
٤٥ - يُسْتَحَبُّ قَبْل التَّضْحِيَةِ أُمُورٌ:
(١) أَنْ يَرْبِطَ الْمُضَحِّي الأُْضْحِيَّةَ قَبْل يَوْمِ النَّحْرِ بِأَيَّامٍ، لِمَا فِيهِ مِنَ الاِسْتِعْدَادِ لِلْقُرْبَةِ وَإِظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِيهَا، فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَثَوَابٌ.
(٢) أَنْ يُقَلِّدَهَا (٢) وَيُجَلِّلَهَا (٣) قِيَاسًا عَلَى الْهَدْيِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِهَا، قَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ . (٤) стр. 2810
(٣) أَنْ يَسُوقَهَا إِلَى مَكَانِ الذَّبْحِ سَوْقًا جَمِيلاً لاَ عَنِيفًا وَلاَ يَجُرُّ بِرِجْلِهَا إِلَيْهِ، (١) لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الإِْحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ. (٢)
(٤) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ لِمَنْ يُرِيدُ التَّضْحِيَةَ وَلِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ يُضَحِّي عَنْهُ أَلاَّ يُزِيل شَيْئًا مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ بِحَلْقٍ أَوْ قَصٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلاَ شَيْئًا مِنْ أَظْفَارِهِ بِتَقْلِيمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلاَ شَيْئًا مِنْ بَشَرَتِهِ كَسِلْعَةٍ لاَ يَضُرُّهُ بَقَاؤُهَا، (٣) وَذَلِكَ مِنْ لَيْلَةِ الْيَوْمِ الأَْوَّل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى الْفَرَاغِ مِنْ ذَبْحِ الأُْضْحِيَّةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، لاَ مَسْنُونٌ، وَحُكِيَ الْوُجُوبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَرَبِيعَةَ وَإِسْحَاقَ.
وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ. (٤) وَعَلَى الْقَوْل بِالسُّنِّيَّةِ يَكُونُ الإِْقْدَامُ عَلَى هَذِهِ الأُْمُورِ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا، وَعَلَى الْقَوْل بِالْوُجُوبِ يَكُونُ مُحَرَّمًا.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا دَخَل الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلاَ يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ стр. 2811
بَشَرِهِ شَيْئًا. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهَا ﵂ أَنَّهُ ﷺ قَال: إِذَا رَأَيْتُمْ هِلاَل ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ. (٢)
وَالْقَائِلُونَ بِالسُّنِّيَّةِ جَعَلُوا النَّهْيَ لِلْكَرَاهَةِ.
وَالْحَدِيثُ الدَّال عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِ الْفِعْل هُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَفْتِل قَلاَئِدَ هَدْيِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُقَلِّدُهُ وَيَبْعَثُ بِهِ وَلاَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ. (٣) قَال الشَّافِعِيُّ: الْبَعْثُ بِالْهَدْيِ، أَكْثَرُ مِنْ إِرَادَةِ التَّضْحِيَةِ فَدَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ ذَلِكَ.
وَالْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الإِْمْسَاكِ عَنِ الشَّعْرِ وَالأَْظْفَارِ وَنَحْوِهِمَا قِيل: إِنَّهَا التَّشَبُّهُ بِالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْحِكْمَةَ أَنْ يَبْقَى مُرِيدُ التَّضْحِيَةِ كَامِل الأَْجْزَاءِ رَجَاءَ أَنْ يُعْتَقَ مِنَ النَّارِ بِالتَّضْحِيَةِ.
مَا يُكْرَهُ قَبْل التَّضْحِيَةِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا قَبْل التَّضْحِيَةِ أُمُورٌ:
٤٦ - (الأَْمْرُ الأَْوَّل) : حَلْبُ الشَّاةِ الَّتِي اشْتُرِيَتْ لِلتَّضْحِيَةِ أَوْ جَزُّ صُوفُهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الَّذِي اشْتَرَاهَا مُوسِرًا أَمْ مُعْسِرًا، وَكَذَا الشَّاةُ الَّتِي تَعَيَّنَتْ بِالنَّذْرِ، كَأَنْ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ، أَوْ قَال: стр. 2812
جَعَلْتُ هَذِهِ أُضْحِيَّةً.
وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ عَيَّنَهَا لِلْقُرْبَةِ فَلاَ يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهَا قَبْل إِقَامَةِ الْقُرْبَةِ فِيهَا، كَمَا لاَ يَحِل لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِلَحْمِهَا إِذَا ذَبَحَهَا قَبْل وَقْتِهَا، وَلأَِنَّ الْحَلْبَ وَالْجَزَّ يُوجِبَانِ نَقْصًا فِيهَا وَالأُْضْحِيَّةُ يَمْتَنِعُ إِدْخَال النَّقْصِ فِيهَا.
وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمُ الشَّاةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا الْمُوسِرُ بِنِيَّةِ التَّضْحِيَةِ، لأَِنَّ شِرَاءَهُ إِيَّاهَا لَمْ يَجْعَلْهَا وَاجِبَةً، إِذِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا الاِسْتِثْنَاءُ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهَا مُتَعَيَّنَةٌ لِلْقُرْبَةِ مَا لَمْ يَقُمْ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، فَقَبْل أَنْ يَذْبَحَ غَيْرَهَا بَدَلاً مِنْهَا لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلُبَهَا، وَلاَ أَنْ يَجُزَّ صُوفَهَا لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ.
وَلِهَذَا لاَ يَحِل لَهُ لَحْمُهَا إِذَا ذَبَحَهَا قَبْل وَقْتِهَا. فَإِنْ كَانَ فِي ضَرْعِ الأُْضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لَبَنٌ وَهُوَ يَخَافُ عَلَيْهَا الضَّرَرَ وَالْهَلاَكَ إِنْ لَمْ يَحْلُبْهَا نَضَحَ ضَرْعَهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ حَتَّى يَتَقَلَّصَ اللَّبَنُ، لأَِنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى الْحَلْبِ.
فَإِنْ حَلَبَهُ تَصَدَّقَ بِاللَّبَنِ، لأَِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ شَاةٍ مُتَعَيِّنَةٍ لِلْقُرْبَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ حَتَّى تَلِفَ أَوْ شَرِبَهُ مَثَلاً وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِمِثْلِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ.
وَمَا قِيل فِي اللَّبَنِ يُقَال فِي الصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَالْوَبَرِ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: (٢) يُكْرَهُ - أَيْ تَنْزِيهًا - شُرْبُ لَبَنِ الأُْضْحِيَّةِ بِمُجَرَّدِ شِرَائِهَا أَوْ تَعْيِينِهَا مِنْ بَيْنِ بَهَائِمِهِ стр. 2813
لِلتَّضْحِيَةِ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا جَزُّ صُوفِهَا قَبْل الذَّبْحِ، لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْصِ جَمَالِهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُورَتَانِ:
أُولاَهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَنْبُتُ مِثْلُهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ قَبْل الذَّبْحِ.
ثَانِيَتُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخَذَهَا بِالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ، أَوْ عَيَّنَهَا لِلتَّضْحِيَةِ بِهَا مِنْ بَيْنِ بَهَائِمِهِ نَاوِيًا جَزَّ صُوفِهَا، فَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لاَ يُكْرَهُ جَزُّ الصُّوفِ.
وَإِذَا جَزَّهُ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ كُرِهَ لَهُ بَيْعُهُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: (١) لاَ يُشْرَبُ مِنْ لَبَنِ الأُْضْحِيَّةِ إِلاَّ الْفَاضِل عَنْ وَلَدِهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْضُل عَنْهُ شَيْءٌ أَوْ كَانَ الْحَلْبُ يَضُرُّ بِهَا أَوْ يُنْقِصُ لَحْمَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَهُ أَخْذُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ.
وَقَالُوا أَيْضًا: إِنْ كَانَ بَقَاءُ الصُّوفِ لاَ يَضُرُّ بِهَا أَوْ كَانَ أَنْفَعَ مِنَ الْجَزِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهَا أَوْ كَانَ الْجَزُّ أَنْفَعَ مِنْهُ جَازَ الْجَزُّ وَوَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالْمَجْزُوزِ.
٤٧ - (الأَْمْرُ الثَّانِي) : مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي تُكْرَهُ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَبْل التَّضْحِيَةِ - بَيْعُ الشَّاةِ الْمُتَعَيِّنَةِ لِلْقُرْبَةِ بِالشِّرَاءِ أَوْ بِالنَّذْرِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ بَيْعُهَا، لأَِنَّهَا تَعَيَّنَتْ لِلْقُرْبَةِ، فَلَمْ يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِثَمَنِهَا كَمَا لَمْ يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِلَبَنِهَا وَصُوفِهَا، ثُمَّ إِنَّ الْبَيْعَ مَعَ كَرَاهَتِهِ يَنْفُذُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، لأَِنَّهُ بَيْعُ مَالٍ مَمْلُوكٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لاَ يَنْفُذُ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ.
وَبِنَاءً عَلَى نَفَاذِ بَيْعِهَا فَعَلَيْهِ مَكَانَهَا مِثْلُهَا أَوْ أَرْفَعُ مِنْهَا فَيُضَحِّي بِهَا، فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ стр. 2814
آخَرُ، وَإِنِ اشْتَرَى دُونَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِفَرْقِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَصَل بِهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ إِنْ كَانَ مُغَايِرًا لِلْقِيمَةِ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ بَيْعُ الأُْضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ بِالنَّذْرِ وَإِبْدَالُهَا، وَأَمَّا الَّتِي لَمْ تَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ فَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَبْدِل بِهَا مَا هُوَ مِثْلُهَا أَوْ أَقَل مِنْهَا.
فَإِذَا اخْتَلَطَتْ مَعَ غَيْرِهَا وَاشْتَبَهَتْ وَكَانَ بَعْضُ الْمُخْتَلَطِ أَفْضَل مِنْ بَعْضٍ كُرِهَ لَهُ تَرْكُ الأَْفْضَل بِغَيْرِ قُرْعَةٍ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الأُْضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ وَلاَ إِبْدَالُهَا وَلَوْ بِخَيْرٍ مِنْهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ.
وَلَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ - وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبَدِّل الأُْضْحِيَّةَ الَّتِي أَوْجَبَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ (٣) .
٤٧ - (الأَْمْرُ الثَّالِثُ) : - مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي تُكْرَهُ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَبْل التَّضْحِيَةِ - بَيْعُ مَا وُلِدَ لِلشَّاةِ الْمُتَعَيِّنَةِ بِالنَّذْرِ أَوْ بِالشِّرَاءِ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ بَيْعُهُ، لأَِنَّ أُمَّهُ تَعَيَّنَتْ لِلأُْضْحِيَّةِ، وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ الأُْمَّ فِي الصِّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَكَانَ يَجِبُ الإِْبْقَاءُ عَلَيْهِ حَتَّى يُذْبَحَ مَعَهَا. فَإِذَا بَاعَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِثَمَنِهِ.
وَقَال الْقُدُورِيُّ: يَجِبُ ذَبْحُ الْوَلَدِ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا جَازَ، لأَِنَّ الْحَقَّ لَمْ يَسْرِ إِلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، стр. 2815
فَكَانَ كَجِلِّهَا وَخِطَامِهَا، (١) فَإِنْ ذَبَحَهُ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ بَاعَهُ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ بِهِ حَيًّا، وَيَجُوزُ ذَبْحُهُ، وَإِذَا ذُبِحَ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِهِ، فَإِنْ أَكَل مِنْهُ تَصَدَّقَ بِقِيمَةِ مَا أَكَل.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ بَيْعُ وَلَدِ الأُْضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ بِالنَّذْرِ، وَيُنْدَبُ ذَبْحُ وَلَدِ الأُْضْحِيَّةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُعَيَّنَةً بِالنَّذْرِ أَمْ لاَ إِذَا خَرَجَ قَبْل ذَبْحِهَا، فَإِذَا ذُبِحَ سُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ الأُْضْحِيَّةِ، وَإِذَا لَمْ يُذْبَحْ جَازَ إِبْقَاؤُهُ وَصَحَّتِ التَّضْحِيَةُ بِهِ فِي عَامٍ آخَرَ.
وَأَمَّا الْوَلَدُ الَّذِي خَرَجَ بَعْدَ الذَّبْحِ، فَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا، وَكَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ كَانَ كَجُزْءٍ مِنَ الأُْضْحِيَّةِ، وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا حَيَاةً مُحَقَّقَةً وَجَبَ ذَبْحُهُ لاِسْتِقْلاَلِهِ بِنَفْسِهِ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا نَذَرَ شَاةً مُعَيَّنَةً أَوْ قَال: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ أُضْحِيَّةً، أَوْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ عَيَّنَ شَاةً عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فَوَلَدَتْ الشَّاةُ الْمَذْكُورَةُ وَجَبَ ذَبْحُ وَلَدِهَا فِي الصُّوَرِ الثَّلاَثِ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ تَفْرِقَتُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِخِلاَفِ أُمِّهِ، إِلاَّ إِذَا مَاتَتْ أُمُّهُ فَيَجِبُ تَفْرِقَتُهُ عَلَيْهِمْ، وَوَلَدُ الأُْضْحِيَّةِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلاَثِ لاَ يَجِبُ ذَبْحُهُ، وَإِذَا ذُبِحَ لَمْ يَجِبِ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَيَجُوزُ فِيهِ الأَْكْل وَالتَّصَدُّقُ وَالإِْهْدَاءُ، وَإِذَا تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يُغْنِ عَنْ وُجُوبِ التَّصَدُّقِ بِشَيْءٍ مِنْهَا. (٣) стр. 2816
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: (١) إِذَا عَيَّنَ أُضْحِيَّةً فَوَلَدَتْ فَوَلَدُهَا تَابِعٌ لَهَا، حُكْمُهُ حُكْمُهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَامِلاً بِهِ حِينَ التَّعْيِينِ، أَوْ حَدَثَ الْحَمْل بَعْدَهُ، فَيَجِبُ ذَبْحُهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الْبَقَرَةَ لأُِضَحِّيَ بِهَا، وَإِنَّهَا وَضَعَتْ هَذَا الْعِجْل؟ فَقَال عَلِيٌّ: لاَ تَحْلُبْهَا إِلاَّ فَضْلاً عَنْ تَيْسِيرِ وَلَدِهَا فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الأَْضْحَى فَاذْبَحْهَا وَوَلَدَهَا عَنْ سَبْعَةٍ (٢) .
٤٨ - (الأَْمْرُ الرَّابِعُ) : - مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي تُكْرَهُ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَبْل التَّضْحِيَةِ - رُكُوبُ الأُْضْحِيَّةِ وَاسْتِعْمَالُهَا وَالْحَمْل عَلَيْهَا.
فَإِنْ فَعَل شَيْئًا مِنْهَا أَثِمَ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفِعْل نَقَّصَ قِيمَتَهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَةِ النَّقْصِ.
فَإِنْ آجَرَهَا لِلرُّكُوبِ أَوِ الْحَمْل تَصَدَّقَ بِقِيمَةِ النَّقْصِ فَضْلاً عَنْ تَصَدُّقِهِ بِالْكِرَاءِ. (٣)
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي إِجَارَةِ الأُْضْحِيَّةِ قَبْل ذَبْحِهَا قَوْلاَنِ: (أَحَدُهُمَا) الْمَنْعُ (وَثَانِيهِمَا) الْجَوَازُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. (٤)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ لِصَاحِبِ الأُْضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ رُكُوبُهَا وَإِرْكَابُهَا بِلاَ أُجْرَةٍ، وَإِنْ تَلِفَتْ أَوْ стр. 2817
نَقَصَتْ بِذَلِكَ ضَمِنَهَا.
لَكِنْ إِنْ حَصَل ذَلِكَ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ ضَمِنَهَا الْمُسْتَعِيرُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهَا هُوَ أَوِ الْمُسْتَعِيرُ إِذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الذَّبْحِ، أَمَّا قَبْلَهُ فَلاَ ضَمَانَ، لأَِنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُعِيرِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إِنَّمَا يَضْمَنُ إِذَا لَمْ تَكُنْ يَدُ مُعِيرِهِ يَدَ أَمَانَةٍ. (١)
٤٩ - هَذَا وَهُنَاكَ مَكْرُوهَاتٌ ذُكِرَتْ فِي غَيْرِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: مِنْهَا: مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَنَّ التَّغَالِيَ بِكَثْرَةِ ثَمَنِهَا زِيَادَةٌ عَلَى عَادَةِ أَهْل الْبَلَدِ يُكْرَهُ - أَيْ تَنْزِيهًا - لأَِنَّ شَأْنَ ذَلِكَ الْمُبَاهَاةُ. وَكَذَا زِيَادَةُ الْعَدَدِ.
فَإِنْ نَوَى بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ أَوِ الْعَدَدِ الثَّوَابَ وَكَثْرَةَ الْخَيْرِ لَمْ يُكْرَهْ بَل يُنْدَبُ (٢) .
مَا يُسْتَحَبُّ وَمَا يُكْرَهُ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّضْحِيَةِ:
٥٠ - لَمَّا كَانَتِ التَّضْحِيَةُ نَوْعًا مِنَ التَّذْكِيَةِ، كَانَتْ مُسْتَحَبَّاتُ التَّذْكِيَةِ مِنْ ذَبْحٍ وَنَحْرٍ مُسْتَحَبَّةً فِيهَا، وَمَكْرُوهَاتُهَا مَكْرُوهَةٌ فِيهَا. وَلِتَفْصِيل مَا يُسْتَحَبُّ وَمَا يُكْرَهُ فِي التَّذْكِيَةِ (ر: ذَبَائِحُ) .
وَلِلتَّضْحِيَةِ مُسْتَحَبَّاتٌ وَمَكْرُوهَاتٌ خَاصَّةٌ تَكُونُ عِنْدَهَا، وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الأُْضْحِيَّةِ، أَوْ إِلَى الْمُضَحِّي، أَوْ إِلَى الْوَقْتِ. وَلْنَذْكُرْ ذَلِكَ فِي ثَلاَثَةِ مَبَاحِثَ:
مَا يَرْجِعُ إِلَى الأُْضْحِيَّةِ مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ عِنْدَ التَّضْحِيَةِ:
٥١ - يُسْتَحَبُّ فِي الأُْضْحِيَّةِ أَنْ تَكُونَ أَسْمَنَ وَأَعْظَمَ стр. 2818
بَدَنًا مِنْ غَيْرِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ . (١) وَمِنْ تَعْظِيمِهَا أَنْ يَخْتَارَهَا صَاحِبُهَا عَظِيمَةَ الْبَدَنِ سَمِينَةً.
وَإِذَا اخْتَارَ التَّضْحِيَةَ بِالشِّيَاهِ، فَأَفْضَلُهَا الْكَبْشُ الأَْمْلَحُ الأَْقْرَنُ الْمَوْجُوءُ (أَيِ الْمَخْصِيُّ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، وَلأَِنَّهُ ﷺ (٢) ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، (٣) وَالأَْقْرَنُ: الْعَظِيمُ الْقَرْنِ، وَالأَْمْلَحُ: الأَْبْيَضُ، وَالْمَوْجُوءُ: قِيل: هُوَ الْمَدْقُوقُ الْخُصْيَتَيْنِ، وَقِيل: هُوَ الْخَصِيُّ (٤) ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: دَمُ عَفْرَاءَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ. (٥)
قَال الْحَنَفِيَّةُ: الشَّاةُ أَفْضَل مِنْ سُبْعِ الْبَقَرَةِ. بَل أَفْضَل مِنَ الْبَقَرَةِ إِنِ اسْتَوَتَا فِي الْقِيمَةِ وَمِقْدَارِ اللَّحْمِ. وَالأَْصْل فِي هَذَا أَنَّ مَا اسْتَوَيَا فِي مِقْدَارِ اللَّحْمِ وَالْقِيمَةِ فَأَطْيَبُهُمَا لَحْمًا أَفْضَل. وَمَا اخْتَلَفَا فِيهِمَا فَالْفَاضِل أَوْلَى، وَالذَّكَرُ مِنْ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ إِذَا كَانَ مَوْجُوءًا فَهُوَ أَوْلَى مِنَ الأُْنْثَى، وَإِلاَّ فَالأُْنْثَى أَفْضَل عِنْدَ الاِسْتِوَاءِ فِي الْقِيمَةِ وَمِقْدَارِ اللَّحْمِ. وَالأُْنْثَى مِنْ الإِْبِل وَالْبَقَرِ أَفْضَل مِنَ الذَّكَرِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ اللَّحْمِ وَالْقِيمَةِ. стр. 2819
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ أَنْ تَكُونَ جَيِّدَةً، بِأَنْ تَكُونَ أَعْلَى النَّعَمِ، وَأَنْ تَكُونَ سَمِينَةً، وَيُنْدَبُ أَيْضًا تَسْمِينُهَا، لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁. قَال: كُنَّا نُسَمِّنُ الأُْضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ ".
وَالذَّكَرُ أَفْضَل مِنَ الأُْنْثَى، وَالأَْقْرَنُ أَفْضَل مِنَ الأَْجَمِّ، وَيُفَضَّل الأَْبْيَضُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْفَحْل عَلَى الْخَصِيِّ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ، وَأَفْضَل الأَْضَاحِيِّ ضَأْنٌ مُطْلَقًا: فَحْلُهُ، فَخَصِيُّهُ، فَأُنْثَاهُ، فَمَعْزٌ كَذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَلِيهِمَا أَهِيَ الإِْبِل أَمِ الْبَقَرُ.
وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْبِلاَدِ، فَفِي بَعْضِهَا تَكُونُ الإِْبِل أَطْيَبَ لَحْمًا فَتَكُونُ أَفْضَل، وَفِي بَعْضِهَا يَكُونُ الْبَقَرُ أَطْيَبَ لَحْمًا فَيَكُونُ أَفْضَل. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَفْضَل الأَْضَاحِيِّ سَبْعُ شِيَاهٍ، فَبَدَنَةٌ فَبَقَرَةٌ، فَشَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَسُبْعُ بَدَنَةٍ، فَسُبْعُ بَقَرَةٍ، وَالضَّأْنُ أَفْضَل مِنَ الْمَعْزِ، وَالذَّكَرُ الَّذِي لَمْ يَنْزُ أَفْضَل مِنَ الأُْنْثَى الَّتِي لَمْ تَلِدْ، وَيَلِيهِمَا الذَّكَرُ الَّذِي يَنْزُو، فَالأُْنْثَى الَّتِي تَلِدُ.
وَالْبَيْضَاءُ أَفْضَل، فَالْعَفْرَاءُ، فَالصَّفْرَاءُ، فَالْحَمْرَاءُ، فَالْبَلْقَاءُ، وَيَلِي ذَلِكَ السَّوْدَاءُ.
وَيُسْتَحَبُّ تَسْمِينُ الأُْضْحِيَّةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: أَفْضَل الأَْضَاحِيِّ الْبَدَنَةُ، ثُمَّ الْبَقَرَةُ، ثُمَّ الشَّاةُ، ثُمَّ شِرْكٌ فِي بَدَنَةٍ، ثُمَّ شِرْكٌ فِي стр. 2820
بَقَرَةٍ (١) .
٥٢ - وَيُكْرَهُ فِي الأُْضْحِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مَعِيبَةً بِعَيْبٍ لاَ يُخِل بِالإِْجْزَاءِ.
مَا يُسْتَحَبُّ فِي التَّضْحِيَةِ مِنْ أُمُورٍ تَرْجِعُ إِلَى الْمُضَحِّي:
٥٣ - أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ قُرْبَةٌ، وَمُبَاشَرَةُ الْقُرْبَةِ أَفْضَل مِنْ تَفْوِيضِ إِنْسَانٍ آخَرَ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الذَّبْحَ فَالأَْوْلَى تَوْلِيَتُهُ مُسْلِمًا يُحْسِنُهُ، وَيُسْتَحَبُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَشْهَدَ الأُْضْحِيَّةَ لِقَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ ﵂: يَا فَاطِمَةُ قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا. (٢)
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى هَذَا. غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: الأَْفْضَل لِلأَْكْثَرِ وَالْخُنْثَى وَالأَْعْمَى التَّوْكِيل وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى الذَّبْحِ. (٣) وَلِهَذِهِ النُّقْطَةِ تَتِمَّةٌ سَتَأْتِي.
٥٤ - أَنْ يَدْعُوَ فَيَقُول: " اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ " لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ فَاطِمَةَ ﵂ أَنْ تَقُول: " إِنَّ стр. 2821
صَلاَتِي وَنُسُكِي. . . " (١) إِلَخْ.
وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ ذَبَحَ. (٢)
هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. (٣)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ يُكْرَهُ قَوْل الْمُضَحِّي عِنْدَ التَّسْمِيَةِ " اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ "، لأَِنَّهُ لَمْ يَصْحَبْهُ عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ. (٤)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ التَّكْبِيرُ ثَلاَثًا وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالدُّعَاءُ بِالْقَبُول، بِأَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَإِلَيْكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِكْمَال التَّسْمِيَةِ بِأَنْ يُقَال: " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فَقِيل: لاَ يُسْتَحَبُّ، لأَِنَّ الذَّبْحَ لاَ стр. 2822
تُنَاسِبُهُ الرَّحْمَةُ، وَقِيل: يُسْتَحَبُّ وَهُوَ أَكْمَل، لأَِنَّ فِي الذَّبْحِ رَحْمَةً بِالآْكِلِينَ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَقُول الْمُضَحِّي عِنْدَ الذَّبْحِ: " بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. وَالتَّسْمِيَةُ وَاجِبَةٌ عِنْدَ التَّذَكُّرِ وَالْقُدْرَةِ، وَالتَّكْبِيرُ مُسْتَحَبٌّ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا ذَبَحَ قَال: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَسَمَّى وَكَبَّرَ (٢) وَإِنْ زَادَ فَقَال: اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِنِّي أَوْ مِنْ فُلاَنٍ فَحَسَنٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِكَبْشٍ لَهُ لِيَذْبَحَهُ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِنْ مُحَمَّدٍ وَآل مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضَحَّى بِهِ. (٣)
٥٥ - أَنْ يَجْعَل الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ قَبْل ابْتِدَاءِ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ وَيَخُصُّ حَالَةَ الذَّبْحِ بِالتَّسْمِيَةِ مُجَرَّدَةً. هَكَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ.
وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خَلْطُ التَّسْمِيَةِ بِكَلاَمٍ آخَرَ حَالَةَ الذَّبْحِ وَلَوْ كَانَ دُعَاءً، لأَِنَّهُ يَنْبَغِي كَمَا تَقَدَّمَ أَنْ تُجْعَل الأَْدْعِيَةُ سَابِقَةً عَلَى ابْتِدَاءِ الذَّبْحِ أَوْ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْفَرَاغِ مِنْهُ (٤) .
مَا يَرْجِعُ إِلَى وَقْتِ التَّضْحِيَةِ مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ:
٥٦ - تُسْتَحَبُّ الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّضْحِيَةِ، فَالتَّضْحِيَةُ فِي стр. 2823
الْيَوْمِ الأَْوَّل أَفْضَل مِنْهَا فِيمَا يَلِيهِ، لأَِنَّهَا مُسَارَعَةٌ إِلَى الْخَيْرِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . (١)
وَالْمَقْصُودُ الْمُسَارَعَةُ إِلَى سَبَبِ الْمَغْفِرَةِ وَالْجَنَّةِ، وَهُوَ الْعَمَل الصَّالِحُ. (٢)
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، غَيْرَ أَنَّ لِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلاً وَهُوَ أَنَّ التَّضْحِيَةَ قَبْل الزَّوَال فِي كُل يَوْمٍ أَفْضَل مِنْهَا بَعْدَ الزَّوَال، وَالتَّضْحِيَةُ مِنَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى مَا قَبْل الزَّوَال فِي الْيَوْمَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَفْضَل مِنَ التَّضْحِيَةِ قَبْل ذَلِكَ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الاِرْتِفَاعِ، وَقَدْ تَرَدَّدُوا فِي التَّضْحِيَةِ بَيْنَ زَوَال الْيَوْمِ الثَّانِي وَغُرُوبِهِ، وَالتَّضْحِيَةِ بَيْنَ فَجْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَزَوَالِهِ، أَيَّتُهُمَا أَفْضَل؟ وَالرَّاجِحُ: أَنَّ التَّضْحِيَةَ فِي الْوَقْتِ الأَْوَّل أَفْضَل، (٣) وَلاَ تَضْحِيَةَ عِنْدَهُمْ فِي اللَّيْل كَمَا تَقَدَّمَ.
وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ التَّضْحِيَةَ فِي اللَّيْل تُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٤)
وَمَعْلُومٌ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لاَ يُجِيزُ لأَِهْل الْقُرَى أَنْ يُضَحُّوا إِلاَّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُضَحِّي فِيهِ أَهْل الْمُدُنِ.
مَا يُسْتَحَبُّ وَمَا يُكْرَهُ بَعْدَ التَّضْحِيَةِ:
أ - يُسْتَحَبُّ لِلْمُضَحِّي بَعْدَ الذَّبْحِ أُمُورٌ:
٥٧ - مِنْهَا: أَنْ يَنْتَظِرَ حَتَّى تَسْكُنَ جَمِيعُ أَعْضَاءِ стр. 2824
الذَّبِيحَةِ فَلاَ يَنْخَعُ (١) وَلاَ يَسْلُخُ قَبْل زَوَال الْحَيَاةِ عَنْ جَمِيعِ جَسَدِهَا.
٥٨ - وَمِنْهَا: أَنْ يَأْكُل مِنْهَا وَيُطْعِمَ وَيَدَّخِرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُل ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُل فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ . (٢)
وَقَوْلُهُ : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ . (٣)
وَلِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا ضَحَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُل مِنْ أُضْحِيَّتِهِ. (٤)
٥٩ - وَالأَْفْضَل أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ، وَيَتَّخِذَ الثُّلُثَ ضِيَافَةً لأَِقَارِبِهِ وَأَصْدِقَائِهِ، وَيَدَّخِرَ الثُّلُثَ، وَلَهُ أَنْ يَهَبَ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي صِفَةِ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: " وَيُطْعِمُ أَهْل بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَال بِالثُّلُثِ ". (٥) стр. 2825
قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالْكُل جَازَ، وَلَوْ حَبَسَ الْكُل لِنَفْسِهِ جَازَ، لأَِنَّ الْقُرْبَةَ فِي إِرَاقَةِ الدَّمِ، وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الاِدِّخَارِ عَنْ ثَلاَثِ لَيَالٍ، لأَِنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَجْل الدَّافَّةِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ دَفَّتْ (أَيْ نَزَلَتْ) بِالْمَدِينَةِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَصَدَّقَ أَهْل الْمَدِينَةِ عَلَيْهِمْ بِمَا فَضَل عَنْ أَضَاحِيِّهِمْ، فَنَهَى عَنِ الاِدِّخَارِ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ.
فَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالُوا يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَْسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْعَلُونَ فِيهَا الْوَدَكَ، قَال: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَل لُحُومُ الأَْضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلاَثٍ، فَقَال: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْل الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا. (١) وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأَْكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلاَ يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِل. قَالُوا يَا رَسُول اللَّهِ نَفْعَل كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي؟ قَال: كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا. (٢)
وَإِطْعَامُهَا وَالتَّصَدُّقُ بِهَا أَفْضَل مِنَ ادِّخَارِهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُضَحِّي ذَا عِيَالٍ وَهُوَ غَيْرُ مُوَسَّعِ الْحَال، فَإِنَّ الأَْفْضَل لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَدَّخِرَهُ لِعِيَالِهِ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ، لأَِنَّ حَاجَتَهُ وَحَاجَةَ عِيَالِهِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَاجَةِ غَيْرِهِمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ : ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، стр. 2826
فَإِنْ فَضَل شَيْءٌ فَلأَِهْلِكَ، فَإِنْ فَضَل شَيْءٌ عَنْ أَهْلِكَ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَل عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا. (١)
هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. (٢)
٦٠ - وَهَاهُنَا تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ وَهُوَ أَنَّ أَكْل الْمُضَحِّي مِنَ الأُْضْحِيَّةِ وَإِطْعَامَ الأَْغْنِيَاءِ وَالاِدِّخَارَ لِعِيَالِهِ تَمْتَنِعُ كُلُّهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي صُوَرٍ.
مِنْهَا: الأُْضْحِيَّةُ الْمَنْذُورَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَنْذُورَةَ كَغَيْرِهَا فِي جَوَازِ الأَْكْل.
وَمِنْهَا: أَنْ يُمْسِكَ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالشَّاةِ الَّتِي عَيَّنَهَا لِلتَّضْحِيَةِ بِالنَّذْرِ أَوْ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الشِّرَاءِ حَتَّى تَغْرُبَ شَمْسُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهَا حَيَّةً.
وَمِنْهَا: أَنْ يُضَحِّيَ عَنِ الْمَيِّتِ بِأَمْرِهِ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِالأُْضْحِيَّةِ كُلِّهَا عَلَى الْمُخْتَارِ.
وَمِنْهَا: أَنْ تَلِدَ الأُْضْحِيَّةُ فَيَجِبَ ذَبْحُ الْوَلَدِ عَلَى قَوْلٍ، وَإِذَا ذُبِحَ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِهِ كُلِّهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ السِّنَّ الَّتِي تُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ فِيهَا، فَلاَ تَكُونُ الْقُرْبَةُ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ الْقُرْبَةُ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ، وَلِهَذَا قِيل: إِنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي الْوَلَدِ التَّصَدُّقُ بِهِ حَيًّا.
وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَرِكَ فِي الْبَدَنَةِ سَبْعَةٌ أَوْ أَقَل، وَيَنْوِي بَعْضُهُمْ بِنَصِيبِهِ الْقَضَاءَ عَنْ أُضْحِيَّةٍ فَاتَتْهُ مِنْ عَامٍ أَوْ أَعْوَامٍ مَضَتْ، فَيَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ حِصَصِهِمْ، لأَِنَّ الَّذِي نَوَى الْقَضَاءَ لَمْ تَصِحَّ стр. 2827
نِيَّتُهُ، فَكَانَ نَصِيبُهُ تَطَوُّعًا مَحْضًا وَهُوَ لَمْ يَنْوِ التَّقَرُّبَ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، لأَِنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِنَّمَا يَقْضِي بِالتَّصَدُّقِ بِالْقِيمَةِ، وَنَصِيبُ الْمُضَحِّي الَّذِي نَوَى الْقَضَاءَ شَائِعٌ فِي الْبَدَنَةِ كُلِّهَا، فَلاَ سَبِيل لِلَّذِي نَوَى الأَْدَاءَ أَنْ يَأْكُل شَيْئًا مِنْهَا، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِهَا. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ لِلْمُضَحِّي الْجَمْعُ بَيْنَ الأَْكْل مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَالتَّصَدُّقِ وَالإِْهْدَاءِ بِلاَ حَدٍّ فِي ذَلِكَ بِثُلُثٍ وَلاَ غَيْرِهِ (٢) وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْذُورَةٍ وَغَيْرِهَا. (٣)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ بَعْدَ ذَبْحِ الأُْضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ بِالنَّذْرِ أَوِ الْجُعْل وَالْمُعَيَّنَةِ عَنِ الْمَنْذُورِ فِي الذِّمَّةِ التَّصَدُّقُ بِهَا كُلِّهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَاجِبَةِ فَيَجِبُ بَعْدَ الذَّبْحِ التَّصَدُّقُ بِجُزْءٍ مِنْ لَحْمِهَا نِيئًا غَيْرَ قَدِيدٍ وَلاَ تَافِهٍ جِدًّا. وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَصَدَّقْ حَتَّى فَاتَتْ ضَمِنَ لِلْفُقَرَاءِ ثَمَنَ أَقَل مَا لاَ يُعْتَبَرُ تَافِهًا.
فَلاَ يَكْفِي التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّحْمِ أَوِ الْكَبِدِ أَوْ نَحْوِهِمَا وَلاَ التَّصَدُّقُ بِمَطْبُوخٍ، وَلاَ التَّصَدُّقُ بِقَدِيدٍ وَهُوَ الْمُجَفَّفُ، وَلاَ التَّصَدُّقُ بِجُزْءٍ تَافِهٍ جِدًّا لَيْسَ لَهُ وَقْعٌ.
وَوُجُوبُ التَّصَدُّقِ هُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ وَهُوَ أَصَحُّهُمَا، وَيَكْفِي فِي التَّصَدُّقِ الإِْعْطَاءُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ النُّطْقُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَنَحْوِهِ، وَمَا عَدَا الْجُزْءَ الْمُتَصَدَّقَ بِهِ стр. 2828
يَجُوزُ فِيهِ الأَْكْل وَالإِْهْدَاءُ لِمُسْلِمٍ وَالتَّصَدُّقُ عَلَى مُسْلِمٍ فَقِيرٍ.
وَالأَْفْضَل التَّصَدُّقُ بِهَا كُلِّهَا إِلاَّ لُقَمًا يَسِيرَةً يَأْكُلُهَا نَدْبًا لِلتَّبَرُّكِ، وَالأَْوْلَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللُّقَمُ مِنَ الْكَبِدِ، وَيُسَنُّ إِنْ جَمَعَ بَيْنَ الأَْكْل وَالتَّصَدُّقِ وَالإِْهْدَاءِ أَلاَّ يَأْكُل فَوْقَ الثُّلُثِ، وَأَلاَّ يَتَصَدَّقَ بِدُونِ الثُّلُثِ، وَأَنْ يُهْدِيَ الْبَاقِيَ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِبَعْضِ الأُْضْحِيَّةِ وَهُوَ أَقَل مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ لَحْمٍ وَهُوَ الأُْوقِيَّةُ، فَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ حَتَّى فَاتَتْ ضَمِنَ لِلْفُقَرَاءِ ثَمَنَ أُوقِيَّةٍ، وَيَجِبُ تَمْلِيكُ الْفَقِيرِ لَحْمًا نِيئًا لاَ إِطْعَامُهُ. (٢)
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُل ثُلُثًا، يُهْدِي ثُلُثًا، وَيَتَصَدَّقُ بِثُلُثٍ، وَلَوْ أَكَل، أَكْثَرَ جَازَ.
وَسَوَاءٌ فِيمَا ذُكِرَ الأُْضْحِيَّةُ الْمَسْنُونَةُ وَالْوَاجِبَةُ بِنَحْوِ النَّذْرِ، لأَِنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَالْمَعْهُودُ مِنَ الأُْضْحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ذَبْحُهَا، وَالأَْكْل مِنْهَا، وَالنَّذْرُ لاَ يُغَيَّرُ مِنْ صِفَةِ الْمَنْذُورِ إِلاَّ الإِْيجَابُ. (٣)
ب - وَيُكْرَهُ لِلْمُضَحِّي بَعْدَ الذَّبْحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أُمُورٌ:
٦١ - مِنْهَا: أَنْ يَنْخَعَهَا أَوْ يَسْلُخَهَا قَبْل زُهُوقِ رُوحِهَا، وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الذَّبَائِحِ، وَهِيَ كَرَاهَةٌ تَنْزِيهِيَّةٌ.
٦٢ - وَمِنْهَا: بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا أَوْ شَحْمِهَا أَوْ стр. 2829
صُوفِهَا أَوْ شَعْرِهَا أَوْ وَبَرِهَا أَوْ لَبَنِهَا الَّذِي حُلِبَ مِنْهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْبَيْعُ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ مَأْكُولاَتٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِ عَيْنِهِ، فَهَذَا الْبَيْعُ لاَ يَحِل وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا. بِخِلاَفِ مَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْهَا بِمَا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِ، كَالإِْنَاءِ النُّحَاسِ وَالْمُنْخُل وَالْعَصَا وَالثَّوْبِ وَالْخُفِّ، فَإِنَّهُ يَحِل.
وَإِنَّمَا لَمْ يَحِل الْبَيْعُ بِمَا يُسْتَهْلَكُ، لِقَوْلِهِ: مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلاَ أُضْحِيَّةَ لَهُ (١) فَإِنْ بَاعَ نَفَذَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِثَمَنِهِ، لأَِنَّ الْقُرْبَةَ ذَهَبَتْ عَنْهُ بِبَيْعِهِ، وَلاَ يَنْفُذُ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنَ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِثَمَنِهِ.
وَإِنَّمَا حَل بَيْعُهُ بِمَا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، لأَِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَل، فَكَأَنَّهُ بَاقٍ وَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا لَوْ صُنِعَ مِنَ الْجِلْدِ شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، كَالْقِرْبَةِ وَالدَّلْوِ. (٢)
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ الذَّبْحِ وَلاَ إِبْدَالُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الذَّبْحُ مُجْزِئًا عَنِ الأُْضْحِيَّةِ أَوْ غَيْرُ مُجْزِئٍ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ قَبْل الإِْمَامِ، وَكَمَا لَوْ تَعَيَّبَتِ الأُْضْحِيَّةُ فَذَبَحَهَا سَوَاءٌ أَكَانَ التَّعَيُّبُ حَالَةَ الذَّبْحِ أَمْ قَبْلَهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عِنْدَ الذَّبْحِ عَالِمًا بِالْعَيْبِ أَمْ جَاهِلاً بِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عِنْدَ الذَّبْحِ عَالِمًا بِأَنَّهَا غَيْرُ مُجْزِئَةٍ أَمْ جَاهِلاً بِذَلِكَ، فَفِي كُل هَذِهِ стр. 2830
الصُّوَرِ مَتَى ذَبَحَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْبَيْعُ وَلاَ الإِْبْدَال. وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِصَاحِبِهَا.
وَأَمَّا الَّذِي أُهْدِيَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، أَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ وَالإِْبْدَال.
وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ الْمَمْنُوعُ أَوْ إِبْدَالٌ مَمْنُوعٌ فُسِخَ الْعَقْدُ إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مَوْجُودًا، فَإِنْ فَاتَ بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالْعِوَضِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، فَإِنْ فَاتَ بِالصَّرْفِ أَوِ الضَّيَاعِ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِمِثْلِهِ. (١) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُضَحِّي بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، بِخِلاَفِ الْفَقِيرِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ، وَيَجُوزُ لِلْمُضَحِّي التَّصَدُّقُ بِالْجِلْدِ وَإِعَارَتِهِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ لاَ بَيْعِهِ وَلاَ إِجَارَتِهِ. (٢) وَقَوْل الْحَنَابِلَةِ مِثْل قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَزَادُوا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ جُلِّهَا أَيْضًا. (٣)
٦٣ - وَمِنَ الأُْمُورِ الَّتِي تُكْرَهُ لِلْمُضَحِّي بَعْدَ التَّضْحِيَةِ إِعْطَاءُ الْجَزَّارِ وَنَحْوِهِ أُجْرَتَهُ مِنَ الأُْضْحِيَّةِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، لأَِنَّهُ كَالْبَيْعِ بِمَا يُسْتَهْلَكُ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَال: أَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأُقَسِّمَ جُلُودَهَا وَجِلاَلَهَا، وَأَمَرَنِي أَلاَّ أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَال: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا. (٤) (وَخَرَجَ بِالْبَيْعِ وَإِعْطَاءِ الأُْجْرَةِ) الاِنْتِفَاعُ بِالْجِلْدِ стр. 2831
وَغَيْرِهِ مِنَ الأُْضْحِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَجِبِ التَّصَدُّقُ بِهَا، كَمَا لَوْ جُعِل سِقَاءً لِلْمَاءِ أَوِ اللَّبَنِ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ فَرْوًا لِلْجُلُوسِ وَاللُّبْسِ، أَوْ صُنِعَ مِنْهُ غِرْبَالٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِلَحْمِهَا بِالأَْكْل وَبِشَحْمِهَا بِالأَْكْل وَالاِدِّهَانِ فَكَذَا بِجِلْدِهَا وَسَائِرِ أَجْزَائِهَا.
هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. (١) وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِمَنْعِ إِعْطَاءِ الْجَزَّارِ فِي مُقَابَلَةِ جِزَارَتِهِ أَوْ بَعْضِهَا شَيْئًا مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُجْزِئَةً، أَمْ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ كَاَلَّتِي ذُبِحَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْل ذَبْحِ ضَحِيَّةِ الإِْمَامِ، وَكَالَتِي تَعَيَّبَتْ حَالَةَ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَهُ.
وَأَجَازُوا تَأْجِيرَ جِلْدِهَا عَلَى الرَّاجِحِ. (٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ إِعْطَاءُ الْجَازِرِ فِي أُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ السَّابِقِ ذِكْرُهُ.
فَإِنْ دُفِعَ إِلَيْهِ لِفَقْرِهِ أَوْ عَلَى سَبِيل الْهَدِيَّةِ فَلاَ بَأْسَ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ وَلاَ شَيْئًا مِنْهَا (٣)
النِّيَابَةُ فِي ذَبْحِ الأُْضْحِيَّةِ:
٦٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي ذَبْحِ الأُْضْحِيَّةِ إِذَا كَانَ النَّائِبُ مُسْلِمًا، لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ السَّابِقِ: يَا فَاطِمَةُ قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا (٤) لأَِنَّ فِيهِ إِقْرَارًا عَلَى حُكْمِ النِّيَابَةِ. стр. 2832
وَالأَْفْضَل أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ التَّضْحِيَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ إِذَا كَانَ النَّائِبُ كِتَابِيًّا، لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الذَّكَاةِ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ مَحْكِيٌّ عَنْ أَحْمَدَ - إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ إِنَابَتِهِ، فَإِنْ ذَبَحَ لَمْ تَقَعِ التَّضْحِيَةُ وَإِنْ حَل أَكْلُهَا. (١)
وَالنِّيَابَةُ تَتَحَقَّقُ بِالإِْذْنِ لِغَيْرِهِ نَصًّا، كَأَنْ يَقُول: أَذَنْتُكَ أَوْ وَكَّلْتُكَ أَوِ اذْبَحْ هَذِهِ الشَّاةَ، أَوْ دَلاَلَةً كَمَا لَوْ اشْتَرَى إِنْسَانٌ شَاةً لِلأُْضْحِيَّةِ فَأَضْجَعَهَا وَشَدَّ قَوَائِمَهَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ آخَرُ وَذَبَحَهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ فَإِنَّ، التَّضْحِيَةَ تُجْزِئُ عَنْ صَاحِبِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالصَّاحِبَيْنِ (٢) .
٦٥ - وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِذَا غَلِطَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُضَحِّيَيْنِ فَذَبَحَ أُضْحِيَّةَ الآْخَرِ أَجْزَأَتْ، لِوُجُودِ الرِّضَى مِنْهُمَا دَلاَلَةً.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ عَنْ أَيٍّ مِنْهُمَا. وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى رَأْيٍ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ. (٣)
التَّضْحِيَةُ عَنِ الْمَيِّتِ:
٦٦ - إِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِالتَّضْحِيَةِ عَنْهُ، أَوْ وَقَفَ وَقْفًا لِذَلِكَ جَازَ بِالاِتِّفَاقِ. فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً بِالنَّذْرِ وَغَيْرِهِ وَجَبَ عَلَى الْوَارِثِ إِنْفَاذُ ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا لَمْ يُوصِ بِهَا стр. 2833
فَأَرَادَ الْوَارِثُ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ مِنْ مَال نَفْسِهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ التَّضْحِيَةِ عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَجَازُوا ذَلِكَ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَإِنَّمَا أَجَازُوهُ لأَِنَّ الْمَوْتَ لاَ يَمْنَعُ التَّقَرُّبَ عَنِ الْمَيِّتِ كَمَا فِي الصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ، وَالآْخَرُ عَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِهِ. (١) وَعَلَى هَذَا لَوِ اشْتَرَكَ سَبْعَةٌ فِي بَدَنَةٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْل الذَّبْحِ، فَقَال وَرَثَتُهُ - وَكَانُوا بَالِغِينَ - اذْبَحُوا عَنْهُ، جَازَ ذَلِكَ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الذَّبْحَ عَنِ الْمَيِّتِ لاَ يَجُوزُ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ أَوْ وَقْفٍ. (٢)
هَل يَقُومُ غَيْرُ الأُْضْحِيَّةِ مِنَ الصَّدَقَاتِ مَقَامَهَا ؟
٦٧ - لاَ يَقُومُ غَيْرُ الأُْضْحِيَّةِ مِنَ الصَّدَقَاتِ مَقَامَهَا حَتَّى لَوْ تَصَدَّقَ إِنْسَانٌ بِشَاةٍ حَيَّةٍ أَوْ بِقِيمَتِهَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُغْنِيًا لَهُ عَنِ الأُْضْحِيَّةِ، لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ وَاجِبَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْوُجُوبَ تَعَلَّقَ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، وَالأَْصْل أَنَّ الْوُجُوبَ إِذَا تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ لاَ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ بِخِلاَفِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالصَّاحِبَيْنِ أَدَاءُ مَالٍ يَكُونُ جُزْءًا مِنَ النِّصَابِ أَوْ مِثْلَهُ، لِيَنْتَفِعَ بِهِ стр. 2834
الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمُ الْوَاجِبُ أَدَاءُ جُزْءٍ مِنَ النِّصَابِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَالٌ لاَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ النِّصَابِ، لأَِنَّ مَبْنَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى التَّيْسِيرِ، وَالتَّيْسِيرُ فِي الْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَالٌ لاَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ الْعَيْنُ وَالصُّورَةُ، وَبِخِلاَفِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّهَا تُؤَدَّى بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهَا فِي وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ هِيَ الإِْغْنَاءُ. قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، (١) وَالإِْغْنَاءُ يَحْصُل بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ. (٢)
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الضَّحِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ:
٦٨ - الضَّحِيَّةُ أَفْضَل مِنَ الصَّدَقَةِ، لأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَشَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، صَرَّحَ بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ. (٣)
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الضَّحِيَّةَ أَفْضَل أَيْضًا مِنْ عِتْقِ الرَّقَبَةِ وَلَوْ زَادَ ثَمَنُ الرَّقَبَةِ عَلَى أَضْعَافِ ثَمَنِ الضَّحِيَّةِ. (٤)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الأُْضْحِيَّةُ أَفْضَل مِنَ الصَّدَقَةِ بِقِيمَتِهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهَذَا قَال رَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ، وَرُوِيَ عَنْ بِلاَلٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: لأََنْ أَضَعَهُ فِي يَتِيمٍ قَدْ تَرِبَ فُوهُ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُضَحِّيَ، وَبِهَذَا قَال الشَّعْبِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، стр. 2835
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لأََنْ أَتَصَدَّقَ بِخَاتَمِي هَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُهْدِيَ إِلَى الْبَيْتِ أَلْفًا.
وَيَدُل لأَِفْضَلِيَّةِ التَّضْحِيَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَل لَعَدَلُوا إِلَيْهَا، وَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَا عَمِل ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلاً أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِرَاقَةِ دَمٍ، وَأَنَّهُ لَيُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلاَفِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْل أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَْرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا. (١)
وَلأَِنَّ إِيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الأُْضْحِيَّةِ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَمَّا قَوْل عَائِشَةَ فَهُوَ فِي الْهَدْيِ دُونَ الأُْضْحِيَّةِ وَلَيْسَ الْخِلاَفُ فِيهِ. (٢)
إِضْرَابٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْضْرَابُ مَصْدَرُ أَضْرَبَ. يُقَال: أَضْرَبْتُ عَنِ الشَّيْءِ كَفَفْتُ عَنْهُ وَأَعْرَضْتُ، وَضَرَبَ عَنْهُ الأَْمْرُ: صَرَفَهُ عَنْهُ. قَال تَعَالَى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أَيْ نُهْمِلُكُمْ فَلاَ نُعَرِّفُكُمْ مَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ. (٣) стр. 2836
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ لِمَا بَعْدَ أَدَاةِ الإِْضْرَابِ، وَجَعَل الأَْوَّل (الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ) كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ. وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُول مَثَلاً لِغَيْرِ الْمُدْخَل بِهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَل ثِنْتَيْنِ، أَوْ يَقُول فِي الإِْقْرَارِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَل دِرْهَمَانِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِثْنَاءُ:
٢ - الاِسْتِثْنَاءُ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ دُخُول بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلاَمِ فِي حُكْمِهِ بِإِلاَّ أَوْ بِإِحْدَى أَخَوَاتِهَا. أَوْ هُوَ قَوْلٌ وَصِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ مَحْصُورَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بَعْدَ أَدَاةِ الاِسْتِثْنَاءِ لَمْ يُرَدْ بِالْقَوْل الأَْوَّل.
فَهُوَ عَلَى هَذَا يُخَالِفُ الإِْضْرَابَ، لأَِنَّ الإِْضْرَابَ إِقْرَارٌ لِلأَْوَّل عَلَى رَأْيٍ، وَتَبْدِيلٌ لَهُ عَلَى رَأْيٍ آخَرَ، وَهَذَا يُخَالِفُ الاِسْتِثْنَاءَ، لأَِنَّ الاِسْتِثْنَاءَ تَغْيِيرٌ لِمُقْتَضَى صِيغَةِ الْكَلاَمِ الأَْوَّل وَلَيْسَ بِتَبْدِيلٍ، إِنَّمَا التَّبْدِيل أَنْ يَخْرُجَ الْكَلاَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا بِالْوَاجِبِ أَصْلاً (٢) .
ب - النَّسْخُ:
٣ - النَّسْخُ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ، وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّسْخِ وَبَيْنَ الإِْضْرَابِ أَنَّ الإِْضْرَابَ مُتَّصِلٌ، أَمَّا النَّسْخُ فَمُنْفَصِلٌ (٣) . стр. 2837
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ، وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - (الإِْضْرَابُ) إِبْطَالٌ وَإِلْغَاءٌ لِلأَْوَّل وَرُجُوعٌ عَنْهُ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ مَا بَيْنَ الإِْنْشَاءِ وَالإِْقْرَارِ: فَلاَ يُقْبَل رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إِقْرَارِهِ إِلاَّ فِيمَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَيُحْتَاطُ لإِِسْقَاطِهِ، فَأَمَّا حُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ فَلاَ يُقْبَل رُجُوعُهُ عَنْهَا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا. (١) وَيُفَصِّل الْحَنَفِيَّةُ حُكْمَ الإِْضْرَابِ فَيَقُولُونَ: الأَْصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ " لاَ بَل " لاِسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ، وَالْغَلَطُ إِنَّمَا يَقَعُ غَالِبًا فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ كَانَ رُجُوعًا عَنِ الأَْوَّل فَلاَ يُقْبَل، وَيَثْبُتُ لِلثَّانِي بِإِقْرَارِهِ الثَّانِي، وَإِذَا كَانَ الإِْقْرَارُ الثَّانِي أَكْثَرَ صَحَّ الاِسْتِدْرَاكُ، وَيُصَدِّقُهُ الْمُقَرُّ لَهُ. وَإِنْ كَانَ أَقَل كَانَ مُتَّهَمًا فِي الاِسْتِدْرَاكِ، وَالْمُقَرُّ لَهُ لاَ يُصَدِّقُهُ فَيَلْزَمُهُ الأَْكْثَرُ، فَلَوْ قَال: لِفُلاَنٍ عَلَيَّ أَلْفٌ، لاَ بَل أَلْفَانِ يَلْزَمُهُ أَلْفَانِ، وَهَذَا عِنْدَ غَيْرِ زُفَرَ، أَمَّا عِنْدَهُ فَيُلْزَمُ بِإِقْرَارَيْهِ (الأَْوَّل وَالثَّانِي) أَيْ ثَلاَثَةُ آلاَفٍ، وَجْهُ قَوْل زُفَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ فَيَلْزَمُهُ، وَقَوْلُهُ: " لاَ " رُجُوعَ، فَلاَ يُصَدَّقُ فِيهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَلْفَيْنِ فَصَحَّ الإِْقْرَارُ، وَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، لاَ بَل اثْنَتَيْنِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الإِْقْرَارَ إِخْبَارٌ يَجْرِي فِيهِ الْغَلَطُ فَيَجْرِي فِيهِ الاِسْتِدْرَاكُ فَيَلْزَمُهُ الأَْكْثَرُ، وَالطَّلاَقُ إِنْشَاءٌ وَلاَ يَمْلِكُ إِبْطَال مَا أَنْشَأَ فَافْتَرَقَا.
كَمَا أَنَّ الأَْصْل أَنَّ " لاَ بَل " مَتَى تَخَلَّلَتْ بَيْنَ الْمَالَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ لَزِمَ الْمَالاَنِ الْمُقِرَّ (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي الإِْقْرَارِ وَالأَْيْمَانِ وَالطَّلاَقِ وَالْعِتْقِ. стр. 2838
إِضْرَارٌ
انْظُرْ: ضَرَرٌ
اضْطِبَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِضْطِبَاعُ فِي اللُّغَةِ: افْتِعَالٌ مِنَ الضَّبُعِ، وَهُوَ وَسَطُ الْعَضُدِ، وَقِيل: الإِْبِطِ (لِلْمُجَاوَرَةِ) .
وَمَعْنَى الاِضْطِبَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ شَرْعًا: أَنْ يُدْخِل الرَّجُل رِدَاءَهُ الَّذِي يَلْبَسُهُ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الأَْيْمَنِ فَيُلْقِيَهُ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ وَتَبْقَى كَتِفُهُ الْيُمْنَى مَكْشُوفَةً، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ التَّأَبُّطُ وَالتَّوَشُّحُ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْسْدَال:
٢ - الإِْسْدَال لُغَةً: إِرْخَاءُ الثَّوْبِ وَإِرْسَالُهُ مِنْ غَيْرِ ضَمِّ جَانِبَيْهِ بِالْيَدَيْنِ. وَالإِْسْدَال الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الصَّلاَةِ هُوَ أَنْ يُلْقِيَ طَرَفَ الرِّدَاءِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلاَ يَرُدُّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الأُْخْرَى، وَلاَ يَضُمُّ الطَّرَفَيْنِ بِيَدِهِ (٢) . стр. 2839
ب - اشْتِمَال الصَّمَّاءِ:
٣ - فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنْ يَلْتَفَّ الرَّجُل بِثَوْبِهِ يُغَطِّي بِهِ جَسَدَهُ كُلَّهُ، وَلاَ يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ. . لَعَلَّهُ يُصِيبُهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الاِحْتِرَاسَ مِنْهُ فَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَقِيل: هُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِالثَّوْبِ وَلاَ إِزَارَ عَلَيْهِ فَيَبْدُوَ شِقُّهُ وَعَوْرَتُهُ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِضْطِبَاعِ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ تَحْتَ الرِّدَاءِ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ فَتَبْدُوَ عَوْرَتُهُ. (١) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (اشْتِمَال الصَّمَّاءِ) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - الاِضْطِبَاعُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا وَعَلَيْهِ بُرُدٌ (٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى (٣) стр. 2840
فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ سَوَّاهُ فَجَعَلَهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ (١) . وَأَوْرَدَ ابْنُ قُدَامَةَ قَوْل مَالِكٍ عَنِ الاِضْطِبَاعِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ بِأَنَّهُ لَيْسَ سُنَّةً (٢) ، وَلَمْ نَجِدْ لِذَلِكَ إِشَارَةً فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا إِلاَّ فِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ حَيْثُ قَال: " الرَّمَل فِي الطَّوَافِ هُوَ الإِْسْرَاعُ فِيهِ بِالْخَبَبِ لاَ يَحْسَرُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ وَلاَ يُحَرِّكُهُمَا ".
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - يُبْحَثُ الاِضْطِبَاعُ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الطَّوَافِ، وَفِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاَةِ.
اضْطِجَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِضْطِجَاعُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ اضْطَجَعَ، (وَأَصْلُهُ ضَجَعَ وَقَلَّمَا يُسْتَعْمَل الْفِعْل الثُّلاَثِيُّ) .
وَالاِضْطِجَاعُ: النَّوْمُ، وَقِيل: وَضْعُ الْجَنْبِ بِالأَْرْضِ.
وَالاِضْطِجَاعُ فِي السُّجُودِ، أَلاَّ يُجَافِيَ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ.
وَإِذَا قَالُوا: صَلَّى مُضْطَجِعًا فَمَعْنَاهُ: أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ مُسْتَقْبِلاً الْقِبْلَةَ. (٣) следующие страницы →