Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ لِمَا بَعْدَ أَدَاةِ الإِْضْرَابِ، وَجَعَل الأَْوَّل (الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ) كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ. وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُول مَثَلاً لِغَيْرِ الْمُدْخَل بِهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَل ثِنْتَيْنِ، أَوْ يَقُول فِي الإِْقْرَارِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَل دِرْهَمَانِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِثْنَاءُ:
٢ - الاِسْتِثْنَاءُ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ دُخُول بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلاَمِ فِي حُكْمِهِ بِإِلاَّ أَوْ بِإِحْدَى أَخَوَاتِهَا. أَوْ هُوَ قَوْلٌ وَصِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ مَحْصُورَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بَعْدَ أَدَاةِ الاِسْتِثْنَاءِ لَمْ يُرَدْ بِالْقَوْل الأَْوَّل.
فَهُوَ عَلَى هَذَا يُخَالِفُ الإِْضْرَابَ، لأَِنَّ الإِْضْرَابَ إِقْرَارٌ لِلأَْوَّل عَلَى رَأْيٍ، وَتَبْدِيلٌ لَهُ عَلَى رَأْيٍ آخَرَ، وَهَذَا يُخَالِفُ الاِسْتِثْنَاءَ، لأَِنَّ الاِسْتِثْنَاءَ تَغْيِيرٌ لِمُقْتَضَى صِيغَةِ الْكَلاَمِ الأَْوَّل وَلَيْسَ بِتَبْدِيلٍ، إِنَّمَا التَّبْدِيل أَنْ يَخْرُجَ الْكَلاَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا بِالْوَاجِبِ أَصْلاً (٢) .
ب - النَّسْخُ:
٣ - النَّسْخُ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ، وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّسْخِ وَبَيْنَ الإِْضْرَابِ أَنَّ الإِْضْرَابَ مُتَّصِلٌ، أَمَّا النَّسْخُ فَمُنْفَصِلٌ (٣) . стр. 2837
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ، وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - (الإِْضْرَابُ) إِبْطَالٌ وَإِلْغَاءٌ لِلأَْوَّل وَرُجُوعٌ عَنْهُ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ مَا بَيْنَ الإِْنْشَاءِ وَالإِْقْرَارِ: فَلاَ يُقْبَل رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إِقْرَارِهِ إِلاَّ فِيمَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَيُحْتَاطُ لإِِسْقَاطِهِ، فَأَمَّا حُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ فَلاَ يُقْبَل رُجُوعُهُ عَنْهَا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا. (١) وَيُفَصِّل الْحَنَفِيَّةُ حُكْمَ الإِْضْرَابِ فَيَقُولُونَ: الأَْصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ " لاَ بَل " لاِسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ، وَالْغَلَطُ إِنَّمَا يَقَعُ غَالِبًا فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ كَانَ رُجُوعًا عَنِ الأَْوَّل فَلاَ يُقْبَل، وَيَثْبُتُ لِلثَّانِي بِإِقْرَارِهِ الثَّانِي، وَإِذَا كَانَ الإِْقْرَارُ الثَّانِي أَكْثَرَ صَحَّ الاِسْتِدْرَاكُ، وَيُصَدِّقُهُ الْمُقَرُّ لَهُ. وَإِنْ كَانَ أَقَل كَانَ مُتَّهَمًا فِي الاِسْتِدْرَاكِ، وَالْمُقَرُّ لَهُ لاَ يُصَدِّقُهُ فَيَلْزَمُهُ الأَْكْثَرُ، فَلَوْ قَال: لِفُلاَنٍ عَلَيَّ أَلْفٌ، لاَ بَل أَلْفَانِ يَلْزَمُهُ أَلْفَانِ، وَهَذَا عِنْدَ غَيْرِ زُفَرَ، أَمَّا عِنْدَهُ فَيُلْزَمُ بِإِقْرَارَيْهِ (الأَْوَّل وَالثَّانِي) أَيْ ثَلاَثَةُ آلاَفٍ، وَجْهُ قَوْل زُفَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ فَيَلْزَمُهُ، وَقَوْلُهُ: " لاَ " رُجُوعَ، فَلاَ يُصَدَّقُ فِيهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَلْفَيْنِ فَصَحَّ الإِْقْرَارُ، وَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، لاَ بَل اثْنَتَيْنِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الإِْقْرَارَ إِخْبَارٌ يَجْرِي فِيهِ الْغَلَطُ فَيَجْرِي فِيهِ الاِسْتِدْرَاكُ فَيَلْزَمُهُ الأَْكْثَرُ، وَالطَّلاَقُ إِنْشَاءٌ وَلاَ يَمْلِكُ إِبْطَال مَا أَنْشَأَ فَافْتَرَقَا.
كَمَا أَنَّ الأَْصْل أَنَّ " لاَ بَل " مَتَى تَخَلَّلَتْ بَيْنَ الْمَالَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ لَزِمَ الْمَالاَنِ الْمُقِرَّ (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي الإِْقْرَارِ وَالأَْيْمَانِ وَالطَّلاَقِ وَالْعِتْقِ. стр. 2838
إِضْرَارٌ
انْظُرْ: ضَرَرٌ
اضْطِبَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِضْطِبَاعُ فِي اللُّغَةِ: افْتِعَالٌ مِنَ الضَّبُعِ، وَهُوَ وَسَطُ الْعَضُدِ، وَقِيل: الإِْبِطِ (لِلْمُجَاوَرَةِ) .
وَمَعْنَى الاِضْطِبَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ شَرْعًا: أَنْ يُدْخِل الرَّجُل رِدَاءَهُ الَّذِي يَلْبَسُهُ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الأَْيْمَنِ فَيُلْقِيَهُ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ وَتَبْقَى كَتِفُهُ الْيُمْنَى مَكْشُوفَةً، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ التَّأَبُّطُ وَالتَّوَشُّحُ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْسْدَال:
٢ - الإِْسْدَال لُغَةً: إِرْخَاءُ الثَّوْبِ وَإِرْسَالُهُ مِنْ غَيْرِ ضَمِّ جَانِبَيْهِ بِالْيَدَيْنِ. وَالإِْسْدَال الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الصَّلاَةِ هُوَ أَنْ يُلْقِيَ طَرَفَ الرِّدَاءِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلاَ يَرُدُّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الأُْخْرَى، وَلاَ يَضُمُّ الطَّرَفَيْنِ بِيَدِهِ (٢) . стр. 2839
ب - اشْتِمَال الصَّمَّاءِ:
٣ - فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنْ يَلْتَفَّ الرَّجُل بِثَوْبِهِ يُغَطِّي بِهِ جَسَدَهُ كُلَّهُ، وَلاَ يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ. . لَعَلَّهُ يُصِيبُهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الاِحْتِرَاسَ مِنْهُ فَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَقِيل: هُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِالثَّوْبِ وَلاَ إِزَارَ عَلَيْهِ فَيَبْدُوَ شِقُّهُ وَعَوْرَتُهُ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِضْطِبَاعِ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ تَحْتَ الرِّدَاءِ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ فَتَبْدُوَ عَوْرَتُهُ. (١) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (اشْتِمَال الصَّمَّاءِ) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - الاِضْطِبَاعُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا وَعَلَيْهِ بُرُدٌ (٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى (٣) стр. 2840
فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ سَوَّاهُ فَجَعَلَهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ (١) . وَأَوْرَدَ ابْنُ قُدَامَةَ قَوْل مَالِكٍ عَنِ الاِضْطِبَاعِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ بِأَنَّهُ لَيْسَ سُنَّةً (٢) ، وَلَمْ نَجِدْ لِذَلِكَ إِشَارَةً فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا إِلاَّ فِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ حَيْثُ قَال: " الرَّمَل فِي الطَّوَافِ هُوَ الإِْسْرَاعُ فِيهِ بِالْخَبَبِ لاَ يَحْسَرُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ وَلاَ يُحَرِّكُهُمَا ".
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - يُبْحَثُ الاِضْطِبَاعُ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الطَّوَافِ، وَفِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاَةِ.
اضْطِجَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِضْطِجَاعُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ اضْطَجَعَ، (وَأَصْلُهُ ضَجَعَ وَقَلَّمَا يُسْتَعْمَل الْفِعْل الثُّلاَثِيُّ) .
وَالاِضْطِجَاعُ: النَّوْمُ، وَقِيل: وَضْعُ الْجَنْبِ بِالأَْرْضِ.
وَالاِضْطِجَاعُ فِي السُّجُودِ، أَلاَّ يُجَافِيَ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ.
وَإِذَا قَالُوا: صَلَّى مُضْطَجِعًا فَمَعْنَاهُ: أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ مُسْتَقْبِلاً الْقِبْلَةَ. (٣) стр. 2841
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِتِّكَاءُ:
٢ - الاِتِّكَاءُ هُوَ الاِعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ بِجَنْبٍ مُعَيَّنٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْجُلُوسِ أَوْ فِي الْوُقُوفِ (٢) . (ر: اتِّكَاءٌ) .
ب - الاِسْتِنَادُ:
٣ - الاِسْتِنَادُ هُوَ الاِتِّكَاءُ بِالظَّهْرِ لاَ غَيْرَ (٣) . (ر: اسْتِنَادٌ) .
ج - الإِْضْجَاعُ:
٤ - الإِْضْجَاعُ هُوَ وَضْعُ جَنْبِ الإِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ عَلَى الأَْرْضِ (٤) . (ر: إِضْجَاعٌ) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - الاِضْطِجَاعُ فِي النَّوْمِ يُنْقِضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ) لأَِنَّ الاِضْطِجَاعَ عِنْدَهُمْ سَبَبٌ لاِسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِل، فَلاَ يَخْلُو مِنْ خُرُوجِ رِيحٍ عَادَةً، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا стр. 2842
فَاسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ. (١)
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ لِعَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. (٢) أَمَّا طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَهِيَ: أَنَّ الْمُضْطَجِعَ إِذَا كَانَ نَائِمًا نَوْمًا ثَقِيلاً يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُضْطَجِعًا أَمْ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، وَأَرْجَعَ ذَلِكَ إِلَى صِفَةِ النَّوْمِ، وَلاَ عِبْرَةَ عِنْدَهُ - وَمَنْ يَرَى رَأْيَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - بِهَيْئَةِ النَّائِمِ. فَإِنْ كَانَ نَوْمُهُ غَيْرَ ثَقِيلٍ وَهُوَ عَلَى هَيْئَةِ الاِضْطِجَاعِ لاَ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ: (٣) وَالاِضْطِجَاعُ بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ - عَلَى صُورَةٍ لاَ يُنْتَقَضُ مَعَهَا الْوُضُوءُ - مَنْدُوبٌ لِفِعْل النَّبِيِّ.
وَالاِضْطِجَاعُ عِنْدَ تَنَاوُل الطَّعَامِ مَكْرُوهٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الأَْكْل مُتَّكِئًا.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - يُبْحَثُ الاِضْطِجَاعُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ نَقْضِهِ لِلْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ، وَيُبْحَثُ اضْطِجَاعُ الْمَرِيضِ فِي صَلاَةِ الْمَرِيضِ. стр. 2843
اضْطِرَارٌ
انْظُرْ: ضَرُورَةٌ
إِطَاقَةٌ
اُنْظُرْ: اسْتِطَاعَةٌ.
أَطْرَافٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْطْرَافُ: مُفْرَدُهَا طَرَفٌ. وَطَرَفُ الشَّيْءِ نِهَايَتُهُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْيَدَانِ وَالرِّجْلاَنِ وَالرَّأْسُ أَطْرَافُ الْبَدَنِ، وَلِذَلِكَ أَيْضًا كَانَ الْبَنَانُ طَرَفَ الأُْصْبُعِ. وَمِنْ هُنَا يَقُولُونَ: إِذَا خَضَّبَتِ الْمَرْأَةُ بَنَانَهَا أَنَّهَا طَرَفَتْ أُصْبُعَهَا. (١)
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ كَلِمَةَ " أَطْرَافٍ " بِهَذِهِ الاِسْتِعْمَالاَتِ الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا أَهْل اللُّغَةِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
الْجِنَايَةُ عَلَى الأَْطْرَافِ:
٢ - فَصَّل الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ الْكَلاَمَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الأَْطْرَافِ فِي حَالَتَيِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَفِي حَالَةِ مَا إِذَا كَانَ الطَّرَفُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَائِمًا يُؤَدِّي стр. 2844
مَنْفَعَتَهُ الْمَقْصُودَةَ مِنْهُ، أَوْ قَائِمًا وَلَكِنَّهُ لاَ يُؤَدِّي الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْهُ، وَفِي حَالَةِ مَا إِذَا كَانَ الْعُضْوُ الْمُنَاظِرُ لِلْعُضْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْجَانِي سَلِيمًا يُؤَدِّي الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْهُ، أَوْ مَعْطُوبًا لاَ يُؤَدِّي الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْهُ. وَسَيَأْتِي ذَلِكَ كُلُّهُ فِي مُصْطَلَحِ (جِنَايَةٌ) .
الأَْطْرَافُ فِي السُّجُودِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى الأَْطْرَافِ (الْكَفَّيْنِ، وَالرَّأْسِ وَالْقَدَمَيْنِ) إِضَافَةً إِلَى الرُّكْبَتَيْنِ. وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ حَيْثُ الاِسْتِحْبَابُ فِي تَرْتِيبِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الأَْرْضِ - عِنْدَمَا يَهْوَى لِلسُّجُودِ - أَوْ بَعْدَ وَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ أَوْ قَبْل وَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ النُّهُوضِ مِنَ السُّجُودِ إِلَى الْقِيَامِ.
كَمَا اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ السُّجُودِ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ الْقَدَمَيْنِ، وَهَل هُوَ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ. (١) وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى السُّجُودِ.
٤ - وَكَرِهَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ خِضَابَ الْمَرْأَةِ أَطْرَافَ الأَْصَابِعِ فَقَطْ دُونَ الْكَفِّ (التَّطْرِيفُ) وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، (٢) كَمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي خِصَال الْفِطْرَةِ، وَفِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ. стр. 2845
اطِّرَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِطِّرَادُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اطَّرَدَ الأَْمْرُ إِذَا تَبِعَ بَعْضُهُ بَعْضًا. يُقَال: اطَّرَدَ الْمَاءُ، وَاطَّرَدَتِ الأَْنْهَارُ إِذَا جَرَتْ. (١) وَاطِّرَادُ الْوَصْفِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ الْوَصْفُ وُجِدَ الْحُكْمُ، وَذَلِكَ كَوُجُودِ حُرْمَةِ الْخَمْرِ مَعَ إِسْكَارِهَا، أَوْ لَوْنِهَا، أَوْ طَعْمِهَا، أَوْ رَائِحَتِهَا. (٢) وَلاَ يَكُونُ الْوَصْفُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مُطَّرِدًا مُنْعَكِسًا مَعَ كَوْنِهِ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ، كَالإِْسْكَارِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ.
كَمَا اسْتَعْمَل الأُْصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ الاِطِّرَادَ بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ وَالذُّيُوعِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلْعَادَةِ وَالْعُرْفِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَكْسُ:
٢ - الْعَكْسُ فِي اللُّغَةِ: رَدُّ أَوَّل الشَّيْءِ عَلَى آخِرِهِ. يُقَال عَكَسَهُ عَكْسًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ. وَانْعَكَسَ стр. 2846
الشَّيْءُ: مُطَاوِعُ عَكْسِهِ. (١) وَالاِنْعِكَاسُ فِي بَابِ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ أَنَّهُ كُلَّمَا انْتَفَى الْوَصْفُ انْتَفَى الْحُكْمُ، كَانْتِفَاءِ حُرْمَةِ الْخَمْرِ بِزَوَال إِسْكَارِهَا، أَوْ رَائِحَتِهَا، أَوْ أَحَدِ أَوْصَافِهَا الأُْخْرَى. (٢) وَيُقَال لَهُ: الْعَكْسُ أَيْضًا. (٣) وَعَلَيْهِ فَهُوَ ضِدُّ الاِطِّرَادِ.
ب - الدَّوَرَانُ:
٣ - فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الدَّوَرَانِ وَبَيْنَ الاِطِّرَادِ، فَخَصَّ الدَّوَرَانَ بِالْمُقَارَنَةِ فِي الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَالطَّرْدَ وَالاِطِّرَادَ بِالْمُقَارَنَةِ بِالْوُجُودِ فَقَطْ. (٤)
ج - الْغَلَبَةُ:
٤ - الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُطَّرِدِ وَالْغَالِبِ أَنَّ الْمُطَّرِدَ لاَ يَتَخَلَّفُ، بِخِلاَفِ الْغَالِبِ فَإِنَّهُ مُتَخَلِّفٌ فِي الأَْقَل، وَإِنْ كَانَ مُطَّرِدًا فِي الأَْكْثَرِ. (٥)
د - الْعُمُومُ:
٥ - اطِّرَادُ الْعُرْفِ أَوِ الْعَادَةِ غَيْرُ عُمُومِهِمَا، فَإِنَّ الْعُمُومَ مُرْتَبِطٌ بِالْمَكَانِ وَالْمَجَال، فَالْعُرْفُ الْعَامُّ عَلَى هَذَا: مَا كَانَ شَائِعًا فِي الْبُلْدَانِ، وَالْخَاصُّ مَا كَانَ فِي بَلَدٍ، أَوْ بُلْدَانٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ عِنْدَ طَائِفَةٍ خَاصَّةٍ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - اطِّرَادُ الْعِلَّةِ:
٦ - ذَهَبَ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ إِلَى اعْتِبَارِ الاِطِّرَادِ فِي стр. 2847
الْعِلَّةِ مَسْلَكًا مِنْ مَسَالِكِهَا الْمُعْتَبَرَةِ لِمَعْرِفَتِهَا، وَإِثْبَاتِهَا بِهَا لإِِفَادَتِهِ الظَّنَّ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الْحَنَفِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الأَْشْعَرِيَّةِ، كَالْغَزَالِيِّ وَالآْمِدِيِّ مَسْلَكًا، (١) عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيل مَوْطِنِهِ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
ب - الاِطِّرَادُ فِي الْعَادَةِ:
٧ - ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ أَنَّ الْعَادَةَ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ إِذَا اطَّرَدَتْ أَوْ غَلَبَتْ، وَلِذَا قَالُوا فِي الْبَيْعِ: لَوْ بَاعَ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَكَانَا فِي بَلَدٍ اخْتَلَفَتْ فِيهِ النُّقُودُ مَعَ الاِخْتِلاَفِ فِي الْمَالِيَّةِ وَالرَّوَاجِ انْصَرَفَ الْبَيْعُ إِلَى الأَْغْلَبِ.
قَال فِي الْهِدَايَةِ: لأَِنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ فَيَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ إِلَيْهِ. . ثُمَّ تَسَاءَل ابْنُ نُجَيْمٍ عَنِ الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ، هَل تُنَزَّل مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ؟ وَقَال: قَال فِي إِجَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ: وَالْمَعْرُوفُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْطًا (٢) . وَمُرَادُ ابْنِ نُجَيْمٍ مِنَ الاِطِّرَادِ فِي عِبَارَتِهِ الأَْخِيرَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الاِطِّرَادِ الَّذِي لاَ يَتَخَلَّفُ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ دُسْتُورِ الْعُلَمَاءِ، بِدَلِيل تَصْرِيحِ ابْنِ نُجَيْمٍ نَفْسِهِ فِي عِبَارَتِهِ الأُْولَى، بِأَنَّ غَلَبَةَ الْعَادَةِ فِي حُكْمِ اطِّرَادِهَا. وَعِبَارَةُ السُّيُوطِيِّ فِي أَشْبَاهِهِ: " إِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْعَادَةُ إِذَا اطَّرَدَتْ فَإِنِ اضْطَرَبَتْ فَلاَ "، ثُمَّ مَثَّل لِذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ بَاعَ شَيْئًا وَأَطْلَقَ نُزِّل عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ، فَلَوِ اضْطَرَبَتِ الْعَادَةُ فِي الْبَلَدِ وَجَبَ الْبَيَانُ، وَإِلاَّ بَطَل الْبَيْعُ. (٣) فَتَقْيِيدُهُ النَّقْدَ بِالْغَالِبِ стр. 2848
صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْغَلَبَةَ كَافِيَةٌ هُنَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ. وَتَمَامُ الْكَلاَمِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ، وَمُصْطَلَحِ (عَادَةٌ) .
هَذَا، وَقَدْ يَحْدُثُ أَنْ يَطَّرِدَ الْعَمَل بِأَمْرَيْنِ، يَتَعَارَفُهُمَا النَّاسُ، قَدْ يَكُونَانِ مُتَضَادَّيْنِ، كَأَنْ يَتَعَارَفَ بَعْضُهُمْ قَبْضَ الصَّدَاقِ قَبْل الدُّخُول، وَيَتَعَارَفَ بَعْضُهُمُ الآْخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ. مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ لأَِحَدِهِمَا، فَيُسَمَّى ذَلِكَ بِالْعُرْفِ الْمُشْتَرَكِ. (١)
وَمَوْطِنُ تَفْصِيلِهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى (الْعُرْفِ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٨ - يَذْكُرُ الأُْصُولِيُّونَ الاِطِّرَادَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مَسَالِكِ الْعِلَّةِ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ، بِاعْتِبَارِهِ مَسْلَكًا مِنْ مَسَالِكِهَا، كَمَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ: " الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ ".
وَذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ فِي كَلاَمِهِمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ يَلْزَمُ فِيهِ اطِّرَادُ مَا يَدُل عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِيقَةِ فِي جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ، وَأَنَّ عَدَمَ الاِطِّرَادِ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ الْمَجَازُ. (٢)
إِطْعَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْطْعَامُ لُغَةً - إِعْطَاءُ الطَّعَامِ لآِكِلِهِ (٣) وَلاَ стр. 2849
يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّمْلِيكُ:
٢ - تَمْلِيكُ الشَّيْءِ جَعْلُهُ مِلْكًا لِلْغَيْرِ. (١) وَعَلَى هَذَا قَدْ يَكُونُ الإِْطْعَامُ تَمْلِيكًا فَيَتَّفِقَانِ، وَقَدْ يَكُونُ الإِْطْعَامُ إِبَاحَةً فَيَفْتَرِقَانِ. كَمَا أَنَّ التَّمْلِيكَ قَدْ يَكُونُ تَمْلِيكًا لِلطَّعَامِ، وَقَدْ يَكُونُ تَمْلِيكًا لِغَيْرِهِ.
ب - الإِْبَاحَةُ:
٣ - الإِْبَاحَةُ لُغَةً: الإِْظْهَارُ وَالإِْعْلاَنُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَبَاحَ السِّرَّ: أَعْلَنَهُ، وَقَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى الإِْذْنِ وَالإِْطْلاَقِ يُقَال: أَبَحْتُهُ كَذَا إِذَا أَطْلَقْتُهُ. وَاصْطِلاَحًا، يُرَادُ بِهَا الإِْذْنُ بِإِتْيَانِ الْفِعْل أَوْ تَرْكِهِ. (٢) وَعَلَى هَذَا قَدْ يَكُونُ الإِْطْعَامُ إِبَاحَةً فَيَجْتَمِعَانِ فِي وَجْهٍ، وَقَدْ يَكُونُ تَمْلِيكًا فَيَفْتَرِقَانِ فِي وَجْهٍ آخَرَ، وَقَدْ تَكُونُ الإِْبَاحَةُ لِلطَّعَامِ أَوْ لِغَيْرِهِ.
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - يَجِبُ الإِْطْعَامُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَحَالاَتِ الضَّرُورَةِ، كَسَدِّ الرَّمَقِ وَيُنْدَبُ فِي الصَّدَقَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، كَالإِْطْعَامِ فِي الأُْضْحِيَّةِ. وَيُسْتَحَبُّ فِي أُمُورٍ، مِنْهَا النِّكَاحُ وَالْعَقِيقَةُ وَالْخِتَانُ. وَتَحْرُمُ فِي أُمُورٍ: مِنْهَا إِطْعَامُ الظَّلَمَةِ وَالْعُصَاةِ لِلْمُسَاعَدَةِ عَلَى الظُّلْمِ وَالْعِصْيَانِ، стр. 2850
وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ.
أَسْبَابُ الإِْطْعَامِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا:
أ - الاِحْتِبَاسُ:
٥ - احْتِبَاسُ الزَّوْجَةِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّفَقَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلإِْطْعَامِ، لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ: النَّفَقَةُ نَظِيرُ الاِحْتِبَاسِ (١) ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي احْتِبَاسِ الْعَجْمَاوَاتِ، لأَِنَّ حَبْسَهَا بِدُونِ طَعَامٍ هَلاَكٌ يَسْتَوْجِبُ الْعِقَابَ، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ : دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاشِ الأَْرْضِ. (٢)
أَمَّا إِطْعَامُ الْمَحْبُوسِ فِي التُّهْمَةِ، مِثْل حَبْسِ السَّارِقِ حَتَّى يَسْأَل الشُّهُودَ، وَالْمُرْتَدِّ حَتَّى يَتُوبَ، فَإِنَّهُ يُطْعَمُ مِنْ مَالِهِ، لاَ خِلاَفَ فِي هَذَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ أَجَازُوا الإِْنْفَاقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال إِذَا تَيَسَّرَ ذَلِكَ. (٣) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال وُجُوبًا كَمَا سَيَأْتِي.
ب - الاِضْطِرَارُ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِطْعَامَ الْمُضْطَرِّ وَاجِبٌ، فَإِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلاَكِ مِنَ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ، وَمَنَعَهُ مَانِعٌ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِل لِيَحْصُل عَلَى مَا يَحْفَظُ حَيَاتَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ الْهَيْثَمِ: أَنَّ قَوْمًا وَرَدُوا مَاءً стр. 2851
فَسَأَلُوا أَهْلَهُ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى بِئْرٍ فَأَبَوْا، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ دَلْوًا فَأَبَوْا، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ أَعْنَاقَنَا وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ أَنْ تَتَقَطَّعَ فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ ﵁. فَقَال لَهُمْ عُمَرُ: فَهَلاَّ وَضَعْتُمْ فِيهِمُ السِّلاَحَ (١) . قَال الْفُقَهَاءُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ فِي الْمَاءِ حَقَّ الشَّفَةِ وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ. (٢) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (اضْطِرَارٌ) (وَضَرُورَةٌ) .
ج - الإِْكْرَامُ:
٧ - يُنْدَبُ الإِْطْعَامُ لإِِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَبِرِّ الْجَارِ وَإِضَافَةِ الصِّدِّيقِ، وَأَهْل الْخَيْرِ وَالْفَضْل وَالتَّقْوَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَصِل رَحِمَهُ. (٤) كَمَا يُسَنُّ فِي أُمُورٍ تَدْخُل فِي بَابِ الإِْكْرَامِ كَالأُْضْحِيَّةِ وَالْوَلِيمَةِ.
الإِْطْعَامُ فِي الْكَفَّارَاتِ
٨ - الإِْطْعَامُ نَوْعٌ مِنَ الأَْنْوَاعِ الْوَاجِبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، يُقَدَّمُ تَارَةً كَمَا فِي كَفَّارَةِ الأَْيْمَانِ، وَيُؤَخَّرُ تَارَةً كَمَا فِي стр. 2852
كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَكَذَا الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ عَلَى خِلاَفٍ لِلْمَالِكِيَّةِ فِيهِ.
الْكَفَّارَاتُ الَّتِي فِيهِمَا إِطْعَامٌ:
أ - كَفَّارَةُ الصَّوْمِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الإِْطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ أَدَاءً، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ قَصَرُوهُ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا، دُونَ مَنْ أَفْطَرَ فِيهِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي رُتْبَتِهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِتَأْخِيرِهِ عَنِ الإِْعْتَاقِ وَالصِّيَامِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الأَْنْوَاعِ الثَّلاَثَةِ: الإِْعْتَاقِ وَالصِّيَامِ وَالإِْطْعَامِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي الْكَفَّارَاتِ.
ب - كَفَّارَةُ الْيَمِينِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الإِْطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إِذَا حَنِثَ فِيهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِسْوَةِ وَتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ، فَإِنْ عَجَزَ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ. . .﴾ (٣) стр. 2853
ج - كَفَّارَةُ الظِّهَارِ:
١١ - إِذَا ظَاهَرَ الرَّجُل مِنِ امْرَأَتِهِ بِأَنْ قَال لَهَا: أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ. وَمِنْ أَنْوَاعِهَا الإِْطْعَامُ عِنْدَ عَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ، عَلَى هَذَا اتَّفَقَ أَهْل الْعِلْمِ، فَلاَ يُجْزِئُ إِلاَّ هَذَا التَّرْتِيبُ (١) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا. .﴾ (٢)
مِقْدَارُ الإِْطْعَامِ الْوَاجِبِ فِي الْكَفَّارَةِ:
١٢ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجِبُ لِكُل فَقِيرٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعٌ كَامِلٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ. وَالدَّقِيقُ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ بِمَنْزِلَةِ أَصْلِهِ، وَكَذَا السَّوِيقُ، وَهَل يُعْتَبَرُ تَمَامُ الْكَيْل أَوِ الْقِيمَةِ فِي كُلٍّ مِنَ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ؟ . فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ. (٣) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ لِكُل فَقِيرٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ، أَوْ مِقْدَارُ مَا يَصْلُحُ لِلإِْشْبَاعِ مِنْ بَقِيَّةِ الأَْقْوَاتِ التِّسْعَةِ، وَهِيَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ، (٤) وَالذُّرَةُ، وَالدُّخْنُ، وَالأَْرُزُّ، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، وَالأَْقِطُ. (٥) стр. 2854
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ لِكُل فَقِيرٍ مُدٌّ وَاحِدٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الأَْصْنَافِ السَّابِقَةِ أَوْ غَيْرِهَا (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ لِكُل مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقِطٍ، وَيُجْزِئُ دَقِيقٌ وَسَوِيقٌ بِوَزْنِ الْحَبِّ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ قُوتِ الْبَلَدِ أَوْ لاَ، وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنْهُمْ: يُجْزِئُ كُل أَقْوَاتِ الْبَلَدِ، وَالأَْفْضَل عِنْدَهُمْ إِخْرَاجُ الْحَبِّ. (٢)
الإِْبَاحَةُ وَالتَّمْلِيكُ فِي الْكَفَّارَاتِ:
١٣ - التَّمْلِيكُ هُوَ إِعْطَاءُ الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ فِي الإِْطْعَامِ، لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمُسْتَحِقُّ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ.
وَالإِْبَاحَةُ هِيَ تَمْكِينُ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ تَنَاوُل الطَّعَامِ الْمُخْرَجِ فِي الْكَفَّارَةِ. كَأَنْ يُغَدِّيَهُمْ وَيُعَشِّيَهُمْ، أَوْ يُغَدِّيَهُمْ غَدَاءَيْنِ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ عَشَاءَيْنِ. وَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ التَّمْلِيكَ وَالإِْبَاحَةَ فِي الإِْطْعَامِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ مُنْفَرِدِينَ الْجَمْعَ بَيْنَهَا، لأَِنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ جَائِزَيْنِ، وَالْمَقْصُودُ سَدُّ الْخُلَّةِ، كَمَا أَجَازُوا دَفْعَ الْقِيمَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَالاً أَمْ غَيْرَهُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَجِبُ التَّمْلِيكُ وَلاَ تُجْزِئُ الإِْبَاحَةُ، فَلَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ لاَ يُجْزِئُ، لأَِنَّ الْمَنْقُول عَنِ الصَّحَابَةِ الإِْعْطَاءُ، وَلأَِنَّهُ مَالٌ وَاجِبٌ لِلْفُقَرَاءِ شَرْعًا، فَوَجَبَ تَمْلِيكُهُمْ إِيَّاهُ كَالزَّكَاةِ (٣) . стр. 2855
الإِْطْعَامُ فِي الْفِدْيَةِ:
أ - فِدْيَةُ الصِّيَامِ:
١٤ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - عَلَى أَنَّهُ يُصَارُ إِلَى الْفِدْيَةِ فِي الصِّيَامِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ إِمْكَانِ قَضَاءِ الأَْيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا لِشَيْخُوخَةٍ لاَ يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الصِّيَامِ، أَوْ مَرَضٍ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١) وَالْمُرَادُ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ.
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ (٢) .
ب - الإِْطْعَامُ فِي فِدْيَةِ الصَّيْدِ:
١٥ - يُخَيَّرُ الْمُحْرِمُ إِذَا قَتَل صَيْدًا بَيْنَ ثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ: إِمَّا شِرَاءُ هَدْيٍ بِالْقِيمَةِ وَذَبْحُهُ، أَوِ الإِْطْعَامُ بِالْقِيمَةِ، أَوِ الصِّيَامُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٣) وَمَنْ قَتَل مَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَةٌ كَالْجَرَادِ وَالْقَمْل، تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ كَحَفْنَةٍ مِنْ طَعَامٍ لِلْوَاحِدَةِ وَحَفْنَتَيْنِ لِلاِثْنَتَيْنِ. (٤) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ - (إِحْرَامٌ) - (فِدْيَةٌ) . стр. 2856
الإِْطْعَامُ فِي النَّفَقَاتِ:
الإِْطْعَامُ فِي حَالاَتِ الضَّرُورَةِ:
١٦ - يَرَى الْفُقَهَاءُ وُجُوبَ إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلاَكِ، لأَِنَّ فِيهِ إِحْيَاءً لِنَفْسٍ مَعْصُومَةٍ. فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مِمَّا يُبَاعُ أَعْطَاهُ بِثَمَنِ الْمِثْل لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ جَازَ. وَضَمِنَهُ لَهُ، إِذِ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ: أَنَّ الاِضْطِرَارَ لاَ يُسْقِطُ الضَّمَانَ.
الاِمْتِنَاعُ عَنْ إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ:
١٧ - إِذَا فَقَدَ الْمُضْطَرُّ الطَّعَامَ وَأَشْرَفَ عَلَى الْهَلاَكِ وَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ طَعَامًا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدٍ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ سَاوَاهُ فِي الضَّرُورَةِ وَانْفَرَدَ بِالْمِلْكِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ حَال الضَّرُورَةِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَحَدٌ فَمَاتَ أَثِمَ وَضَمِنَ دِيَتَهُ، لأَِنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَالِكُ مُضْطَرًّا إِلَى الطَّعَامِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ، مَا يَحِل لأَِحَدِنَا مِنْ مَال أَخِيهِ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ؟ قَال: يَأْكُل وَلاَ يَحْمِل، وَيَشْرَبُ وَلاَ يَحْمِل (١) . فَإِنْ مَنَعَهُ стр. 2857
قَاتَل عَلَيْهِ بِغَيْرِ سِلاَحٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِسِلاَحٍ عِنْدَ غَيْرِهِمْ. فَإِنْ قُتِل الْمُضْطَرُّ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَعَلَى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ قَتَل صَاحِبَهُ فَهُوَ هَدَرٌ. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (قِصَاصٌ) .
تَحْدِيدُ الإِْطْعَامِ فِي النَّفَقَةِ:
١٨ - النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ قَدْ تَكُونُ عَيْنًا وَقَدْ تَكُونُ قِيمَةً، فَإِذَا كَانَتْ عَيْنًا فَالْوَاجِبُ مِنَ الإِْطْعَامِ - كَمَا فِي الْقِيمَةِ - يُعْتَبَرُ بِحَال الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ فَإِطْعَامُ الْمُوسِرِينَ، وَإِنْ كَانَا مُتَوَسِّطَيْنِ فَإِطْعَامُ الْوَسَطِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُعْسِرًا وَالآْخَرُ مُوسِرًا فَالتَّوَسُّطُ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَنَفَقَةُ الإِْعْسَارِ، وَيُعْتَبَرُ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٢) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ حَال الزَّوْجِ فَقَطْ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣) الآْيَةَ. стр. 2858
وَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ اسْتِبْدَال الْقِيمَةِ بِالإِْطْعَامِ. (١)
التَّوْسِعَةُ فِي الإِْطْعَامِ:
١٩ - يُنْدَبُ إِطْعَامُ الأَْقَارِبِ الْفُقَرَاءِ وَالْيَتَامَى وَالتَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ، كَمَا يُنْدَبُ بَذْل الطَّعَامِ لِلْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَقْتَ الْقَحْطِ وَالْجُوعِ وَالْحَاجَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ . (٢) وَقَوْلُهُ ﷺ : مِنْ مُوجِبَاتِ الرَّحْمَةِ إِطْعَامُ الْمُسْلِمِ السَّغْبَانِ. (٣) كَمَا يُنْدَبُ إِطْعَامُ الْغَرِيبِ إِذَا كَانَ ضَيْفًا أَوْ مُحْتَاجًا لِلإِْطْعَامِ، وَقَدِ اعْتَبَرَ الْقُرْآنُ عَدَمَ إِطْعَامِهِ لُؤْمًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْل قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ (٤)
إِطْعَامُ الْمَسْجُونِ:
٢٠ - لاَ يُضَيَّقُ عَلَى الْمَحْبُوسِ بِالْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ، سَوَاءٌ أَكَانَ حَبْسُهُ لِرِدَّةٍ أَمْ دَيْنٍ أَمْ أَسْرٍ، لِقَوْل عُمَرَ فِي стр. 2859
الْمَحْبُوسِ لِلرِّدَّةِ: فَهَلاَّ حَبَسْتُمُوهُ ثَلاَثًا فَأَطْعَمْتُمُوهُ كُل يَوْمٍ رَغِيفًا وَاسْتَتَبْتُمُوهُ ". (١) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢) قَال مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِطْعَامَ أَهْل الْحُبُوسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَسَنٌ وَقُرْبَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُطْعَمُ مِنْ مَالِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ. (٣)
إِطْعَامُ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَبَسِ:
٢١ - يَجُوزُ حَبْسُ حَيَوَانٍ لِنَفْعٍ، كَحِرَاسَةٍ وَسَمَاعِ صَوْتٍ وَزِينَةٍ، وَعَلَى حَابِسِهِ إِطْعَامُهُ وَسَقْيُهُ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ وَيَقُومُ مَقَامَهُ التَّخْلِيَةُ لِلْحَيَوَانَاتِ لِتَرْعَى وَتَرِدُ الْمَاءَ إِنْ أَلِفَتْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْلَفْهُ فُعِل بِهَا مَا تَأْلَفُهُ، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ : عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاشِ الأَْرْضِ (٤) فَإِنِ امْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ عَلَفِهِ أَوْ ذَبْحِ مَا يُذْبَحُ مِنْهُ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَل نَابَ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ عَلَى стр. 2860
مَا يَرَاهُ. وَهَذَا رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الرَّأْيُ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَجْرِي فِيهَا دَعْوَى الْحِسْبَةِ. (١)
الإِْطْعَامُ مِنَ الأُْضْحِيَّةِ:
٢٢ - يَنْبَغِي لِلْمُضَحِّي أَنْ يُطْعِمَ الأَْغْنِيَاءَ الثُّلُثَ، وَالْفُقَرَاءَ الثُّلُثَ، وَيَأْكُل الثُّلُثَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، هَذَا هُوَ الأَْفْضَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَقِيل: الأَْفْضَل أَنْ يُطْعِمَهَا كُلَّهَا الْفُقَرَاءَ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَيُنْظَرُ (أُضْحِيَّةٌ) .
وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فِي الْحَجِّ كَالأُْضْحِيَّةِ، لَهُ أَنْ يَأْكُل وَيُطْعِمَ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا لِجَوَازِ أَكْلِهِ مِنْهُ أَلاَّ يَكُونَ قَدْ نَوَاهُ لِلْمَسَاكِينِ.
وَأَمَّا هَدْيُ الْفِدْيَةِ، وَجَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ الْفُقَرَاءَ فَقَطْ، وَلاَ يَأْكُل مِنْهُ (ر: هَدْيٌ) .
وَأَمَّا فِي النَّذْرِ فَإِذَا لَمْ يَنْوِهِ لِلْمَسَاكِينِ جَازَ لَهُ الأَْكْل مِنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ لاَ يَأْكُل مِنْهُ. (٢)
إِطْعَامُ أَهْل الْمَيِّتِ:
٢٣ - يُسْتَحَبُّ إِعْدَادُ طَعَامٍ لأَِهْل الْمَيِّتِ، يُبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِمْ إِعَانَةً لَهُمْ وَجَبْرًا لِقُلُوبِهِمْ، فَإِنَّهُمْ شُغِلُوا بِمُصِيبَتِهِمْ وَبِمَنْ يَأْتِي إِلَيْهِمْ عَنْ إِصْلاَحِ طَعَامٍ لأَِنْفُسِهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ لَمَّا стр. 2861
جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : اصْنَعُوا لأَِهْل جَعْفَرٍ طَعَامًا. فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ. (١) وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَنْ يُصْنَعُ لَهُمْ طَعَامٌ، أَلاَّ يَكُونُوا قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى نِيَاحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَإِلاَّ حَرُمَ إِرْسَال طَعَامٍ لَهُمْ، لأَِنَّهُمْ عُصَاةٌ، وَكَرِهَ الْفُقَهَاءُ إِطْعَامَ أَهْل الْمَيِّتِ لِلنَّاسِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي السُّرُورِ لاَ فِي الشُّرُورِ. (٢)
الْمُنَاسَبَاتُ الَّتِي يُسْتَحَبُّ الإِْطْعَامُ فِيهَا:
٢٤ - أ - النِّكَاحُ:
وَيُسَمَّى الإِْطْعَامُ فِيهِ وَفِي كُل سُرُورٍ وَلِيمَةً، وَاسْتِعْمَال هَذِهِ التَّسْمِيَةِ فِي الْعُرْسِ أَكْثَرُ.
ب - الْخِتَانُ:
وَيُطْلَقُ عَلَى الإِْطْعَامِ فِيهِ، إِعْذَارٌ أَوْ عَذِيرَةٌ أَوْ عَذِيرٌ.
ج - الْوِلاَدَةُ:
وَيُطْلَقُ عَلَى الإِْطْعَامِ فِيهَا، الْخُرْسُ أَوِ الْخُرْسَةُ.
د - الْبِنَاءُ لِلدَّارِ:
وَيُطْلَقُ عَلَى الإِْطْعَامِ فِيهِ: وَكِيرَةٌ.
هـ - قُدُومُ الْغَائِبِ:
قُدُومُ الْغَائِبِ مِنَ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى الإِْطْعَامِ فِيهِ: نَقِيعَةٌ.
و لأَِجْل الْوَلَدِ:
وَيُطْلَقُ عَلَى الإِْطْعَامِ لَهُ، عَقِيقَةٌ. وَيُسْتَحَبُّ فِي الْعُرْسِ، أَنْ يُطْعِمَ شَاةً إِنْ أَمْكَنَ، стр. 2862
وَكَذَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَذْبَحَ عَنِ الصَّبِيِّ شَاتَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ أَوْلَمَ بِغَيْرِ الشَّاةِ جَازَ، فَقَدْ أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ، (١) وَأَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِحَيْسٍ (٢) وَأَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. (٣) وَإِجَابَةُ طَعَامِ الْوَلِيمَةِ وَاجِبٌ لِمَنْ دُعِيَ إِلَيْهَا إِذَا لَمْ يُخَالِطْهَا حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا (٤) .
الْقُدْرَةُ عَلَى الإِْطْعَامِ:
٢٥ - مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ إِطْعَامٌ فِي كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ فِطْرٍ فِي رَمَضَانَ فَعَجَزَ عَنِ الإِْطْعَامِ، اسْتَقَرَّ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ، وَتَأَخَّرَ وُجُوبُ الأَْدَاءِ إِلَى وَقْتِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ إِيجَابَ الْفِعْل عَلَى الْعَاجِزِ مُحَالٌ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، إِذْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ لِلشَّافِعِيَّةِ تَسْقُطُ كَفَّارَةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَمَّنْ عَجَزَ عَنْهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ стр. 2863
لِلأَْعْرَابِيِّ: خُذْهُ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَأَطْعِمْ أَهْلَكَ (١) فَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُطْعِمَهُ أَهْلَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى، وَلاَ بَيَّنَ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ. وَلاَ دَلِيل عَلَى التَّخْصِيصِ، بِخِلاَفِ الْكَفَّارَاتِ الأُْخْرَى، لِعُمُومِ أَدِلَّتِهَا لِلْوُجُوبِ حَال الإِْعْسَارِ، وَلأَِنَّهُ الْقِيَاسُ، وَقَدْ خُولِفَ فِي رَمَضَانَ لِلنَّصِّ. (٢) (ر - كَفَّارَةٌ) .
٢٦ - وَيُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْطْعَامُ أَلاَّ يَكُونَ سَفِيهًا، لأَِنَّ السَّفِيهَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَلاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَلَوْ صَدَرَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الإِْطْعَامَ فِي كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ فِدْيَةٍ فِي الْحَجِّ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ وَلاَ يُكَفِّرُ بِالإِْطْعَامِ، لأَِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ، وَرَأَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ الَّتِي لاَ يُجْزِئُ فِيهَا الصَّوْمُ يَلْزَمُهُ فِيهَا الدَّمُ، وَلَكِنْ لاَ يُمْكِنُ مِنَ التَّكْفِيرِ فِي الْحَال، بَل يُؤَخَّرُ إِلَى أَنْ يَصِيرَ رَشِيدًا مُصْلِحًا لِمَالِهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي لاَ يَجِدُ مَالاً. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَلْزَمُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ إِطْعَامٍ فِي مَالِهِ. وَيَنْظُرُ وَلِيُّهُ فِيهِ بِوَجْهِ النَّظَرِ. (٣) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (سَفَهٌ، وَكَفَّارَةٌ) . стр. 2864
الإِْطْعَامُ عَنِ الْغَيْرِ:
٢٧ - الإِْطْعَامُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ لِفِعْلٍ يُوجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ،
وَالْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ تَقْبَل النِّيَابَةَ عَنِ الْمُكَلَّفِ، وَلِذَلِكَ مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ ظِهَارِهِ فَفَعَل ذَلِكَ الْغَيْرُ صَحَّ.
وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِيمَا لَوْ أَطْعَمَ إِنْسَانٌ عَنْ غَيْرِهِ بِدُونِ إِذْنِهِ، حَيْثُ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ كَفَّرَ عَنِ الْحَانِثِ رَجُلٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ، لأَِنَّهَا مِنَ الأَْفْعَال الَّتِي يُقْصَدُ مِنْهَا مَصْلَحَةٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ فَاعِلِهَا فَلَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَى النِّيَّةِ، قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَلاَّ يُكَفِّرَ إِلاَّ بِأَمْرِهِ. (١)
إِطْعَامُ الزَّوْجَةِ مِنْ مَال زَوْجِهَا:
٢٨ - أَجَازَ الْفُقَهَاءُ لِلزَّوْجَةِ التَّصَدُّقَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، لِحَدِيثِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ. بِمَا كَسَبَ (٢) وَلأَِنَّ الْعَادَةَ السَّمَاحُ وَطِيبُ النَّفْسِ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَمْنَعَ رَبُّ الْبَيْتِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ. (٣) стр. 2865
الْحَلِفُ عَلَى الإِْطْعَامِ:
٢٩ - حَلَفَ عَلَى آخَرَ أَنْ يَأْكُل مَعَهُ فَهُوَ عَلَى أَنْ يَأْكُل مَعَهُ مَا يُطْعِمُ عَلَى وَجْهِ التَّطَعُّمِ كَجُبْنٍ وَفَاكِهَةٍ وَخُبْزٍ، وَقِيل: هُوَ عَلَى الْمَطْبُوخِ. (١)
وَيُنْدَبُ إِبْرَارُ الْقَسَمِ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ. (٢) فَإِنْ أَحْنَثَهُ وَلَمْ يَأْكُل مَعَهُ فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ، لأَِنَّ الْحَالِفَ هُوَ الْحَانِثُ، فَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْفَاعِل. وَكَذَلِكَ إِنْ حَلَفَ أَنْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ فَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ وَفَّى لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ لَمْ يُوفِ حَنِثَ. (٣)
الْوَصِيَّةُ بِالإِْطْعَامِ:
٣٠ - الْوَصِيَّةُ بِالإِْطْعَامِ إِذَا أَعَانَتْ عَلَى مُحَرَّمٍ فَهِيَ بَاطِلَةٌ فِي الأَْصَحِّ، كَالْوَصِيَّةِ بِالإِْطْعَامِ بَعْدَ الْمَوْتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، حَيْثُ تَجْتَمِعُ النَّائِحَاتُ، لأَِنَّهَا مِنَ الإِْعَانَةِ عَلَى الْمُحَرَّمِ، فَإِذَا لَمْ تُعِنْ عَلَى حَرَامٍ جَازَتْ وَوَجَبَ إِخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ فِي حُدُودِ الثُّلُثِ، كَمَنْ أَوْصَى بِالأُْضْحِيَّةِ، أَوْ بِإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ، أَوْ بِفِطْرَةِ رَمَضَانَ أَوْ بِنَذْرٍ عَلَيْهِ. (٤)
الْوَقْفُ عَلَى الإِْطْعَامِ:
٣١ - فِي وَقْفِ الطَّعَامِ عَلَى الإِْطْعَامِ إِنْ قَصَدَ بِوَقْفِهِ стр. 2866
بَقَاءَ عَيْنِهِ لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الطَّعَامِ وَذَلِكَ إِضَاعَةٌ لِلْمَال، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَقْفٌ لِلْقَرْضِ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ مُحْتَاجٌ ثُمَّ يَرُدُّ مِثْلَهُ، فَقَدْ رَأَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) جَوَازَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ أَرْضًا أَوْ شَجَرَةً ذَاتَ ثَمَرٍ لإِِطْعَامِ ثَمَرِهَا جَازَ، لِمَا رُوِيَ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُبْتَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيل اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيل وَالضَّيْفِ (١) فَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا مَلَكَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ صُوفَهُ وَلَبَنَهُ وَسَائِرَ مَنَافِعِهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ لِمَعْصِيَةٍ أَوْ لأَِهْل الْفِسْقِ فَالأَْرْجَحُ رَدُّهُ، لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) .
أَطْعِمَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْطْعِمَةُ: جَمْعُ طَعَامٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: كُل مَا يُؤْكَل مُطْلَقًا، وَكَذَا كُل مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْقُوتُ مِنَ стр. 2867
الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ.
وَيُطْلِقُهُ أَهْل الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ الأَْقْدَمُونَ عَلَى الْقَمْحِ خَاصَّةً.
وَيُقَال: طَعِمَ الشَّيْءَ يَطْعَمُهُ (بِوَزْنِ: غَنِمَ يَغْنَمُ) طُعْمًا (بِضَمٍّ فَسُكُونٍ) إِذَا أَكَلَهُ أَوْ ذَاقَهُ. وَإِذَا اسْتُعْمِل هَذَا الْفِعْل بِمَعْنَى الذَّوَاقِ جَازَ فِيمَا يُؤْكَل وَفِيمَا يُشْرَبُ، (١) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ . (٢) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْوَّل.
وَيَذْكُرُونَهُ أَيْضًا فِي الرِّبَا يُرِيدُونَ بِهِ (مَطْعُومَ الآْدَمِيِّينَ) سَوَاءٌ كَانَ لِلتَّغَذِّي، كَالْقَمْحِ وَالْمَاءِ، أَمْ لِلتَّأَدُّمِ كَالزَّيْتِ، أَمْ لِلتَّفَكُّهِ كَالتُّفَّاحِ، أَمْ لِلتَّدَاوِي وَالإِْصْلاَحِ كَالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَالْمِلْحِ.
وَقَدْ يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ " الأَْطْعِمَةِ " عَلَى (كُل مَا يُؤْكَل وَمَا يُشْرَبُ، سِوَى الْمَاءِ وَالْمُسْكِرَاتِ) .
وَمَقْصُودُهُمْ: مَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ أَوْ شُرْبُهُ، عَلَى سَبِيل التَّوَسُّعِ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا لاَ يُسْتَسَاغُ وَلاَ يُتَنَاوَل عَادَةً، كَالْمِسْكِ وَقِشْرِ الْبَيْضِ. (٣) وَإِنَّمَا اسْتُثْنِيَ الْمَاءُ لأَِنَّ لَهُ بَابًا خَاصًّا بِاسْمِهِ، وَاسْتُثْنِيَتِ الْمُسْكِرَاتُ أَيْضًا، لأَِنَّهَا يُعَبِّرُ اصْطِلاَحًا عَنْهَا بِلَفْظِ (الأَْشْرِبَةِ) .
ثُمَّ إِنَّ مَوْضُوعَ الأَْطْعِمَةِ هُوَ عِنْوَانٌ يَدُل بِهِ عَلَى مَا يُبَاحُ وَمَا يُكْرَهُ وَمَا يَحْرُمُ مِنْهَا.
وَأَمَّا آدَابُ الأَْكْل وَالشُّرْبِ فَإِنَّهَا يُتَرْجَمُ لَهَا بِكَلِمَةِ стр. 2868
(الأَْدَبِ) وَيُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ (أَكْلٌ، وَشُرْبٌ) .
كَمَا أَنَّ الْوَلاَئِمَ الْمَشْرُوعَةَ يُتَرْجَمُ لَهَا بِعَنَاوِينَ أُخْرَى تَخُصُّهَا، كَالْعَقِيقَةِ وَالْوَكِيرَةِ. (ر: إِطْعَامٌ) .
تَقْسِيمُ الأَْطْعِمَةِ
٢ - تَنْقَسِمُ الأَْطْعِمَةُ إِلَى نَوْعَيْنِ: حَيَوَانِيَّةٍ، وَغَيْرِ حَيَوَانِيَّةٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَيَوَانَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسَيْنِ: مَائِيٍّ، وَبَرِّيٍّ.
وَفِي كُلٍّ مِنَ الْقِسْمَيْنِ أَنْوَاعٌ فِيهَا مَا يُؤْكَل وَفِيهَا مَا لاَ يُؤْكَل.
وَيَنْقَسِمُ الْمَأْكُول مِنَ الْحَيَوَانِ:
(أَوَّلاً) إِلَى: مُبَاحٍ، وَمَكْرُوهٍ.
(ثَانِيًا) إِلَى: مَا تُشْتَرَطُ الذَّكَاةُ فِي حِلِّهِ، وَمَا لاَ تُشْتَرَطُ.
٣ - وَالْمَقْصُودُ بِالْحَيَوَانِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْوَاعُ الْحَيَوَانِ جَمِيعًا مِمَّا يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَكْلُهُ شَرْعًا أَوْ لاَ يَجُوزُ، وَلاَ يُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَل الإِْنْسَانَ نَفْسَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْنْسَانِ، بَل الْكَلاَمُ مَحْصُورٌ فِيمَا يَحِل لِلإِْنْسَانِ أَوْ لاَ يَحِل، بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا سِوَى الإِْنْسَانِ قَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِمَنْفَعَةِ الإِْنْسَانِ وَمَصْلَحَتِهِ، فَمِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الإِْنْسَانُ بِالأَْكْل وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ لِغَيْرِ الأَْكْل مِنْ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ.
٤ - أَمَّا الإِْنْسَانُ نَفْسُهُ، الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْحَيَوَانِ جَمِيعًا وَاَلَّذِي سَخَّرَ لَهُ كُل مَا عَدَاهُ، فَلاَ يَدْخُل لَحْمُهُ فِي مَفْهُومِ الأَْطْعِمَةِ وَتَقْسِيمِهَا إِلَى حَلاَلٍ وَحَرَامٍ، لِكَرَامَتِهِ فِي نَظَرِ الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، أَيًّا كَانَتْ سُلاَلَتُهُ وَلَوْنُهُ وَدِينُهُ وَبِيئَتُهُ.
стр. 2869
فَحُرْمَةُ لَحْمِهِ عَلَى بَنِي جِنْسِهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمُصَرَّحٌ بِهَا فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. (١) وَلِذَلِكَ لاَ يَبْحَثُ الْفُقَهَاءُ عَنْ حُرْمَةِ لَحْمِهِ فِي بَابِ الأَْطْعِمَةِ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ فِي حَالاَتِ الاِضْطِرَارِ الاِسْتِثْنَائِيَّةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَرُورَةٌ)
٥ - وَيَجِبُ التَّنَبُّهُ إِلَى أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ غَيْرِ الْمَأْكُول يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ عَادَةً عَنْ عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِهَا بِإِحْدَى الْعِبَارَاتِ التَّالِيَةِ: " لاَ يَحِل أَكْلُهَا "، " يَحْرُمُ أَكْلُهَا "، " غَيْرُ مَأْكُولٍ "، " يُكْرَهُ أَكْلُهَا، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ الأَْخِيرَةُ تُذْكَرُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَغْلَبِ الأَْنْوَاعِ، وَيُرَادُ بِهَا الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ عِنْدَمَا يَكُونُ دَلِيل حُرْمَتِهَا فِي نَظَرِهِمْ غَيْرَ قَطْعِيٍّ.
فَالْحَيَوَانَاتُ غَيْرُ الْمَأْكُولَةِ وَاحِدٌ مِنْهَا حُرْمَةُ أَكْلِهِ قَطْعِيَّةٌ إِجْمَاعِيَّةٌ، وَهُوَ الْخِنْزِيرُ. وَفِي بَقِيَّتِهَا خِلاَفٌ قَوِيٌّ أَوْ ضَعِيفٌ، فَيَصِحُّ وَصْفُهَا بِالْحُرْمَةِ أَوْ بِالْكَرَاهَةِ (التَّحْرِيمِيَّةُ) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لَيْسَ مُنَصَّبًا عَلَى ذَوَاتِ الأَْطْعِمَةِ، وَإِنَّمَا عَلَى أَكْلِهَا أَوِ اسْتِعْمَالِهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ حُكْمٌ جَامِعٌ لِلأَْطْعِمَةِ كُلِّهَا، لِذَلِكَ سَيُذْكَرُ حُكْمُ كُل نَوْعٍ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَيْهِ.
وَيَتَبَيَّنُ لِمَنْ تَتَبَّعَ مَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي أَبْوَابِ الأَْطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الأَْصْل فِي الأَْطْعِمَةِ стр. 2870
الْحِل، وَلاَ يُصَارُ إِلَى التَّحْرِيمِ إِلاَّ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ، وَأَنَّ لِتَحْرِيمِ الأَْطْعِمَةِ بِوَجْهٍ عَامٍّ - وَلَوْ غَيْرَ حَيَوَانِيَّةٍ - أَسْبَابًا عَامَّةً عَدِيدَةً فِي الشَّرِيعَةِ مُتَّصِلَةً بِقَوَاعِدِهَا الْعَامَّةِ وَمَقَاصِدِهَا فِي إِقَامَةِ الْحَيَاةِ الإِْنْسَانِيَّةِ عَلَى الطَّرِيقِ الأَْفْضَل. وَكَذَلِكَ يَرَى الْمُتَتَبِّعُ أَسْبَابًا لِكَرَاهَةِ الأَْطْعِمَةِ بِوَجْهٍ عَامٍّ غَيْرِ الأَْسْبَابِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ.
وَسَنَعْرِضُ فِيمَا يَلِي بِإِيجَازٍ أَمْثِلَةً لِذَلِكَ
مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ لأَِسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ:
٧ - يَظْهَرُ مِنَ الاِسْتِقْرَاءِ وَتَتَبُّعِ تَعْلِيلاَتِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِيمَا يَحْكُمُونَ بِحُرْمَةِ أَكْلِهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْل الشَّيْءِ مَهْمَا كَانَ نَوْعَهُ لأَِحَدِ أَسْبَابِ خَمْسَةٍ:
السَّبَبُ الأَْوَّل: الضَّرَرُ اللاَّحِقُ بِالْبَدَنِ أَوِ الْعَقْل:
وَلِهَذَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ:
٨ - (مِنْهَا) الأَْشْيَاءُ السَّامَّةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَيَوَانِيَّةً كَالسَّمَكِ السَّامِّ، وَكَالْوَزَغِ وَالْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ السَّامَّةِ وَالزُّنْبُورِ وَالنَّحْل، وَمَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا مِنْ مَوَادَّ سَامَّةٍ. أَمْ كَانَتْ نَبَاتِيَّةً كَبَعْضِ الأَْزْهَارِ وَالثِّمَارِ السَّامَّةِ. أَمْ جَمَادِيَّةً كَالزِّرْنِيخِ، فَكُل هَذِهِ تَحْرُمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، (١) وَلِقَوْل الرَّسُول ﷺ : مَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَل نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. (٢) لَكِنْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ هَذِهِ السُّمُومَ стр. 2871
إِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى مَنْ تَضُرُّهُ. (١) وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَْدْوِيَةِ الَّتِي يَصِفُهَا الأَْطِبَّاءُ مُحْتَوِيَةٌ عَلَى السُّمُومِ بِالْقَدْرِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ الإِْنْسَانَ، بَل يُفِيدُهُ وَيَقْتُل جَرَاثِيمَ الأَْمْرَاضِ، كَمَا أَنَّ تَأَثُّرَ الأَْشْخَاصِ بِالسُّمُومِ أَنْوَاعًا وَمَقَادِيرَ يَخْتَلِفُ.
وَهَذَا لاَ تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، حَيْثُ الْمَفْهُومُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ تَعَاطِي الْقَدْرِ الضَّارِّ مِنْ هَذِهِ السُّمُومِ.
٩ - (وَمِنْهَا) الأَْشْيَاءُ الضَّارَّةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَامَّةً، وَقَدْ ذُكِرَ مِنْهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ: الطِّينُ، وَالتُّرَابُ، وَالْحَجَرُ، وَالْفَحْمُ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل، وَإِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى مَنْ تَضُرُّهُ. وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ يَشْمَل مَا كَانَ مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ النَّبَاتِ أَوِ الْجَمَادِ.
وَيُعْرَفُ الضَّارُّ مِنْ غَيْرِ الضَّارِّ مِنْ أَقْوَال الأَْطِبَّاءِ وَالْمُجَرَّبِينَ.
وَلاَ فَرْقَ فِي الضَّرَرِ الْحَاصِل بِالسُّمَيَّاتِ أَوْ سِوَاهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَرَضًا جُسْمَانِيًّا أَيًّا كَانَ نَوْعَهُ، أَوْ آفَةً تُصِيبُ الْعَقْل كَالْجُنُونِ وَالْخَبَل.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الطِّينِ قَوْلَيْنِ: الْحُرْمَةَ، وَالْكَرَاهَةَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُعْتَمَدَ الْحُرْمَةُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ حُرْمَةَ الطِّينِ وَالْحَجَرِ عَلَى مَنْ يَضُرَّانِهِ، وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ كَرَاهَةَ الْفَحْمِ، وَالتُّرَابِ، وَالطِّينِ الْكَثِيرِ الَّذِي لاَ يُتَدَاوَى بِهِ.
وَعَلَّل صَاحِبُ " مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى " الْكَرَاهَةَ بِالضَّرَرِ، مَعَ أَنَّهُ قَبْل ذَلِكَ جَعَل الضَّرَرَ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ. (٢) стр. 2872
السَّبَبُ الثَّانِي: الإِْسْكَارُ أَوِ التَّخْدِيرُ أَوِ التَّرْقِيدُ:
١٠ - فَيَحْرُمُ الْمُسْكِرُ، وَهُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْل دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ، كَالْخَمْرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيءِ، وَسَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَالنَّبِيذِ الشَّدِيدِ الْمُسْكِرِ، أَمْ مِنَ الْحَيَوَانِ كَاللَّبَنِ الْمَخِيضِ الَّذِي تُرِكَ حَتَّى تَخَمَّرَ وَصَارَ مُسْكِرًا.
وَيَحْرُمُ أَكْل كُل شَيْءٍ مُخَدِّرٍ (وَيُقَال لَهُ: الْمُفْسِدُ) ، وَهُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْل دُونَ الْحَوَاسِّ بِلاَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ، كَالْحَشِيشَةِ.
وَيَحْرُمُ أَيْضًا الْمُرَقِّدُ وَهُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْل وَالْحَوَاسَّ مَعًا، كَالأَْفْيُونِ وَالسَّيْكَرَانِ.
فَمَا كَانَ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ الَّتِي تُشْرَبُ شُرْبًا فَإِنَّهُ يَتْبَعُ مَوْضُوعَ الأَْشْرِبَةِ، وَيُرَى تَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِيهَا، وَقَدْ يُشَارُ إِلَيْهِ هُنَا بِمُنَاسَبَةِ الضَّرَرِ. وَمَا كَانَ مِنَ الْمُخَدَّرَاتِ أَوِ الْمُرَقِّدَاتِ الْجَامِدَةِ الَّتِي تُؤْكَل أَكْلاً فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي مَوْضُوعِ الأَْطْعِمَةِ هُنَا، وَقَدْ يُذْكَرُ فِي مَوْضُوعِ الأَْشْرِبَةِ بِالْمُنَاسَبَةِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: النَّجَاسَةُ:
١١ - فَيَحْرُمُ النَّجِسُ وَالْمُتَنَجِّسُ مَا لاَ يُعْفَى عَنْهُ: - فَالنَّجِسُ كَالدَّمِ.
- وَالْمُتَنَجِّسُ كَالسَّمْنِ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ وَكَانَ مَائِعًا فَإِنَّهُ يَتَنَجَّسُ كُلُّهُ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا يُنَجَّسُ مَا حَوْل الْفَأْرَةِ فَقَطْ، فَإِذَا طُرِحَ مَا حَوْلَهَا حَل أَكْل بَاقِيهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُتَنَجِّسِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَا سَقَطَ أَوْ سُمِّدَ بِنَجِسٍ، مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ لِتَنَجُّسِهِ،
стр. 2873
وَلاَ يَحِل حَتَّى يُسْقَى بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ يَسْتَهْلِكُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ، وَنُقِل فِي الإِْنْصَافِ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ قَوْلُهُ: لَيْسَ بِنَجِسٍ وَلاَ مُحَرَّمٍ، بَل يَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ، كَالدَّمِ يَسْتَحِيل لَبَنًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ. (١) وَمِمَّا يُذْكَرُ هُنَا أَنَّ رَوْثَ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ طَاهِرٌ، فَالتَّسْمِيدُ بِهِ لاَ يُحَرِّمُ الزَّرْعَ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَسْقِيِّ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ وَلاَ يَحْرُمُ. (٢)
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُتَنَجِّسِ - عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ - الْبَيْضُ الَّذِي سُلِقَ بِمَاءٍ نَجِسٍ، (٣) وَتَفْصِيلُهُ فِي (بَيْضٌ) .
السَّبَبُ الرَّابِعُ: الاِسْتِقْذَارُ عِنْدَ ذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ:
١٢ - وَمَثَّل لَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَالْعَرَقِ وَالْمَنِيِّ، فَكُل هَذِهِ طَاهِرَةٌ مِنَ الإِْنْسَانِ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهَا لِلاِسْتِقْذَارِ. وَاسْتَثْنَوْا مَا كَانَ الاِسْتِقْذَارُ فِيهِ لِعَارِضٍ كَغُسَالَةِ يَدٍ فَلاَ تَحْرُمُ. (٤) وَمَثَّل الْحَنَابِلَةُ لِلْمُسْتَقْذَرَاتِ بِالرَّوَثِ وَالْبَوْل وَالْقَمْل وَالْبُرْغُوثِ. (٥) стр. 2874
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَقُولُونَ: إِنَّ رَوَثَ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ طَاهِرٌ، وَكَذَا بَوْلُهُ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُمَا لِلاِسْتِقْذَارِ. فَالْقَذَارَةُ لاَ تُنَافِي الطَّهَارَةَ إِذْ لَيْسَ كُل طَاهِرٍ يَجُوزُ أَكْلُهُ. (١)
السَّبَبُ الْخَامِسُ: عَدَمُ الإِْذْنِ شَرْعًا لِحَقِّ الْغَيْرِ:
١٣ - مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِمَنْ يُرِيدُ أَكْلَهُ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ مَالِكُهُ وَلاَ الشَّارِعُ، وَذَلِكَ الْمَغْصُوبُ أَوِ الْمَسْرُوقُ أَوِ الْمَأْخُوذُ بِالْقِمَارِ أَوْ بِالْبِغَاءِ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ، كَأَكْل الْوَلِيِّ مَال مُوَلِّيهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَكْل نَاظِرِ الْوَقْفِ مِنْ مَال الْوَقْفِ. وَأَكْل الْمُضْطَرِّ مِنْ مَال غَيْرِهِ، فَإِنَّهُمْ مَأْذُونُونَ مِنَ الشَّارِعِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلاَمِ عَنْ حَالَةِ الاِضْطِرَارِ. وَفِي قَضِيَّةِ عَدَمِ الإِْذْنِ الشَّرْعِيِّ إِذَا تَعَلَّقَ بِالْحَيَوَانِ الَّذِي يَحِل أَكْلُهُ يُفَرِّقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ صِحَّةِ التَّذْكِيَةِ وَحُرْمَةِ الْفِعْل غَيْرِ الْمَأْذُونِ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَاعِل.
فَإِذَا غَصَبَ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ شَاةً مَثَلاً، أَوْ سَرَقَهَا فَذَبَحَهَا بِصُورَةٍ مُسْتَوْفِيَةٍ شَرَائِطَهَا، فَإِنَّ الذَّبِيحَةَ تَكُونُ لَحْمًا طَاهِرًا مَأْكُولاً، وَلَكِنَّ الذَّابِحَ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِذَبْحِهَا دُونَ إِذْنٍ مِنْ صَاحِبِهَا وَلاَ إِذْنِ الشَّرْعِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا. وَكَذَلِكَ لاَ يَحِل لَهُ وَلاَ لِغَيْرِهِ أَكْل شَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا دُونَ إِذْنٍ أَيْضًا لِمَانِعِ حَقِّ الْغَيْرِ. (٢) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي: (غَصْبٌ) (وَذَبَائِحُ) . стр. 2875
مَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ لأَِسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ:
١٤ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ (١) أَمْثِلَةً لِلأَْطْعِمَةِ الْمَكْرُوهَةِ، مِنْهَا الأَْمْثِلَةُ التَّالِيَةُ:
أ - الْبَصَل وَالثُّومُ وَالْكُرَّاثُ وَنَحْوُهَا مِنْ ذَوَاتِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، فَيُكْرَهُ أَكْل ذَلِكَ، لِخُبْثِ رَائِحَتِهِ مَا لَمْ يُطْبَخْ، فَإِنْ أَكَلَهُ كُرِهَ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَكَل ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا - أَوْ لِيَعْتَزِل مَسْجِدَنَا - وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ (٢) وَصَرَّحَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لأَِجْل الصَّلاَةِ فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ.
ب - الْحَبُّ الَّذِي دَاسَتْهُ الْحُمُرُ الأَْهْلِيَّةُ أَوِ الْبِغَال، وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَل.
ج - مَاءُ الْبِئْرِ الَّتِي بَيْنَ الْقُبُورِ وَبَقْلِهَا، لِقُوَّةِ احْتِمَال تَسَرُّبِ التَّلَوُّثِ إِلَيْهَا.
د - اللَّحْمُ النِّيءُ وَاللَّحْمُ الْمُنْتِنُ، قَال صَاحِبُ " الإِْقْنَاعِ " مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِكَرَاهَتِهِمَا، لَكِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. (٣)
الْحَيَوَانُ الْمَائِيُّ: حَلاَلُهُ وَحَرَامُهُ:
١٥ - الْمَقْصُودُ بِالْحَيَوَانِ الْمَائِيِّ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ، следующие страницы →