Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
إِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى مَنْ تَضُرُّهُ. (١) وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَْدْوِيَةِ الَّتِي يَصِفُهَا الأَْطِبَّاءُ مُحْتَوِيَةٌ عَلَى السُّمُومِ بِالْقَدْرِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ الإِْنْسَانَ، بَل يُفِيدُهُ وَيَقْتُل جَرَاثِيمَ الأَْمْرَاضِ، كَمَا أَنَّ تَأَثُّرَ الأَْشْخَاصِ بِالسُّمُومِ أَنْوَاعًا وَمَقَادِيرَ يَخْتَلِفُ.
وَهَذَا لاَ تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، حَيْثُ الْمَفْهُومُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ تَعَاطِي الْقَدْرِ الضَّارِّ مِنْ هَذِهِ السُّمُومِ.
٩ - (وَمِنْهَا) الأَْشْيَاءُ الضَّارَّةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَامَّةً، وَقَدْ ذُكِرَ مِنْهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ: الطِّينُ، وَالتُّرَابُ، وَالْحَجَرُ، وَالْفَحْمُ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل، وَإِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى مَنْ تَضُرُّهُ. وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ يَشْمَل مَا كَانَ مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ النَّبَاتِ أَوِ الْجَمَادِ.
وَيُعْرَفُ الضَّارُّ مِنْ غَيْرِ الضَّارِّ مِنْ أَقْوَال الأَْطِبَّاءِ وَالْمُجَرَّبِينَ.
وَلاَ فَرْقَ فِي الضَّرَرِ الْحَاصِل بِالسُّمَيَّاتِ أَوْ سِوَاهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَرَضًا جُسْمَانِيًّا أَيًّا كَانَ نَوْعَهُ، أَوْ آفَةً تُصِيبُ الْعَقْل كَالْجُنُونِ وَالْخَبَل.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الطِّينِ قَوْلَيْنِ: الْحُرْمَةَ، وَالْكَرَاهَةَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُعْتَمَدَ الْحُرْمَةُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ حُرْمَةَ الطِّينِ وَالْحَجَرِ عَلَى مَنْ يَضُرَّانِهِ، وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ كَرَاهَةَ الْفَحْمِ، وَالتُّرَابِ، وَالطِّينِ الْكَثِيرِ الَّذِي لاَ يُتَدَاوَى بِهِ.
وَعَلَّل صَاحِبُ " مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى " الْكَرَاهَةَ بِالضَّرَرِ، مَعَ أَنَّهُ قَبْل ذَلِكَ جَعَل الضَّرَرَ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ. (٢) стр. 2872
السَّبَبُ الثَّانِي: الإِْسْكَارُ أَوِ التَّخْدِيرُ أَوِ التَّرْقِيدُ:
١٠ - فَيَحْرُمُ الْمُسْكِرُ، وَهُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْل دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ، كَالْخَمْرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيءِ، وَسَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَالنَّبِيذِ الشَّدِيدِ الْمُسْكِرِ، أَمْ مِنَ الْحَيَوَانِ كَاللَّبَنِ الْمَخِيضِ الَّذِي تُرِكَ حَتَّى تَخَمَّرَ وَصَارَ مُسْكِرًا.
وَيَحْرُمُ أَكْل كُل شَيْءٍ مُخَدِّرٍ (وَيُقَال لَهُ: الْمُفْسِدُ) ، وَهُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْل دُونَ الْحَوَاسِّ بِلاَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ، كَالْحَشِيشَةِ.
وَيَحْرُمُ أَيْضًا الْمُرَقِّدُ وَهُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْل وَالْحَوَاسَّ مَعًا، كَالأَْفْيُونِ وَالسَّيْكَرَانِ.
فَمَا كَانَ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ الَّتِي تُشْرَبُ شُرْبًا فَإِنَّهُ يَتْبَعُ مَوْضُوعَ الأَْشْرِبَةِ، وَيُرَى تَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِيهَا، وَقَدْ يُشَارُ إِلَيْهِ هُنَا بِمُنَاسَبَةِ الضَّرَرِ. وَمَا كَانَ مِنَ الْمُخَدَّرَاتِ أَوِ الْمُرَقِّدَاتِ الْجَامِدَةِ الَّتِي تُؤْكَل أَكْلاً فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي مَوْضُوعِ الأَْطْعِمَةِ هُنَا، وَقَدْ يُذْكَرُ فِي مَوْضُوعِ الأَْشْرِبَةِ بِالْمُنَاسَبَةِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: النَّجَاسَةُ:
١١ - فَيَحْرُمُ النَّجِسُ وَالْمُتَنَجِّسُ مَا لاَ يُعْفَى عَنْهُ: - فَالنَّجِسُ كَالدَّمِ.
- وَالْمُتَنَجِّسُ كَالسَّمْنِ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ وَكَانَ مَائِعًا فَإِنَّهُ يَتَنَجَّسُ كُلُّهُ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا يُنَجَّسُ مَا حَوْل الْفَأْرَةِ فَقَطْ، فَإِذَا طُرِحَ مَا حَوْلَهَا حَل أَكْل بَاقِيهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُتَنَجِّسِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَا سَقَطَ أَوْ سُمِّدَ بِنَجِسٍ، مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ لِتَنَجُّسِهِ،
стр. 2873
وَلاَ يَحِل حَتَّى يُسْقَى بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ يَسْتَهْلِكُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ، وَنُقِل فِي الإِْنْصَافِ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ قَوْلُهُ: لَيْسَ بِنَجِسٍ وَلاَ مُحَرَّمٍ، بَل يَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ، كَالدَّمِ يَسْتَحِيل لَبَنًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ. (١) وَمِمَّا يُذْكَرُ هُنَا أَنَّ رَوْثَ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ طَاهِرٌ، فَالتَّسْمِيدُ بِهِ لاَ يُحَرِّمُ الزَّرْعَ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَسْقِيِّ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ وَلاَ يَحْرُمُ. (٢)
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُتَنَجِّسِ - عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ - الْبَيْضُ الَّذِي سُلِقَ بِمَاءٍ نَجِسٍ، (٣) وَتَفْصِيلُهُ فِي (بَيْضٌ) .
السَّبَبُ الرَّابِعُ: الاِسْتِقْذَارُ عِنْدَ ذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ:
١٢ - وَمَثَّل لَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَالْعَرَقِ وَالْمَنِيِّ، فَكُل هَذِهِ طَاهِرَةٌ مِنَ الإِْنْسَانِ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهَا لِلاِسْتِقْذَارِ. وَاسْتَثْنَوْا مَا كَانَ الاِسْتِقْذَارُ فِيهِ لِعَارِضٍ كَغُسَالَةِ يَدٍ فَلاَ تَحْرُمُ. (٤) وَمَثَّل الْحَنَابِلَةُ لِلْمُسْتَقْذَرَاتِ بِالرَّوَثِ وَالْبَوْل وَالْقَمْل وَالْبُرْغُوثِ. (٥) стр. 2874
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَقُولُونَ: إِنَّ رَوَثَ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ طَاهِرٌ، وَكَذَا بَوْلُهُ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُمَا لِلاِسْتِقْذَارِ. فَالْقَذَارَةُ لاَ تُنَافِي الطَّهَارَةَ إِذْ لَيْسَ كُل طَاهِرٍ يَجُوزُ أَكْلُهُ. (١)
السَّبَبُ الْخَامِسُ: عَدَمُ الإِْذْنِ شَرْعًا لِحَقِّ الْغَيْرِ:
١٣ - مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِمَنْ يُرِيدُ أَكْلَهُ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ مَالِكُهُ وَلاَ الشَّارِعُ، وَذَلِكَ الْمَغْصُوبُ أَوِ الْمَسْرُوقُ أَوِ الْمَأْخُوذُ بِالْقِمَارِ أَوْ بِالْبِغَاءِ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ، كَأَكْل الْوَلِيِّ مَال مُوَلِّيهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَكْل نَاظِرِ الْوَقْفِ مِنْ مَال الْوَقْفِ. وَأَكْل الْمُضْطَرِّ مِنْ مَال غَيْرِهِ، فَإِنَّهُمْ مَأْذُونُونَ مِنَ الشَّارِعِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلاَمِ عَنْ حَالَةِ الاِضْطِرَارِ. وَفِي قَضِيَّةِ عَدَمِ الإِْذْنِ الشَّرْعِيِّ إِذَا تَعَلَّقَ بِالْحَيَوَانِ الَّذِي يَحِل أَكْلُهُ يُفَرِّقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ صِحَّةِ التَّذْكِيَةِ وَحُرْمَةِ الْفِعْل غَيْرِ الْمَأْذُونِ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَاعِل.
فَإِذَا غَصَبَ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ شَاةً مَثَلاً، أَوْ سَرَقَهَا فَذَبَحَهَا بِصُورَةٍ مُسْتَوْفِيَةٍ شَرَائِطَهَا، فَإِنَّ الذَّبِيحَةَ تَكُونُ لَحْمًا طَاهِرًا مَأْكُولاً، وَلَكِنَّ الذَّابِحَ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِذَبْحِهَا دُونَ إِذْنٍ مِنْ صَاحِبِهَا وَلاَ إِذْنِ الشَّرْعِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا. وَكَذَلِكَ لاَ يَحِل لَهُ وَلاَ لِغَيْرِهِ أَكْل شَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا دُونَ إِذْنٍ أَيْضًا لِمَانِعِ حَقِّ الْغَيْرِ. (٢) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي: (غَصْبٌ) (وَذَبَائِحُ) . стр. 2875
مَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ لأَِسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ:
١٤ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ (١) أَمْثِلَةً لِلأَْطْعِمَةِ الْمَكْرُوهَةِ، مِنْهَا الأَْمْثِلَةُ التَّالِيَةُ:
أ - الْبَصَل وَالثُّومُ وَالْكُرَّاثُ وَنَحْوُهَا مِنْ ذَوَاتِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، فَيُكْرَهُ أَكْل ذَلِكَ، لِخُبْثِ رَائِحَتِهِ مَا لَمْ يُطْبَخْ، فَإِنْ أَكَلَهُ كُرِهَ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَكَل ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا - أَوْ لِيَعْتَزِل مَسْجِدَنَا - وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ (٢) وَصَرَّحَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لأَِجْل الصَّلاَةِ فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ.
ب - الْحَبُّ الَّذِي دَاسَتْهُ الْحُمُرُ الأَْهْلِيَّةُ أَوِ الْبِغَال، وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَل.
ج - مَاءُ الْبِئْرِ الَّتِي بَيْنَ الْقُبُورِ وَبَقْلِهَا، لِقُوَّةِ احْتِمَال تَسَرُّبِ التَّلَوُّثِ إِلَيْهَا.
د - اللَّحْمُ النِّيءُ وَاللَّحْمُ الْمُنْتِنُ، قَال صَاحِبُ " الإِْقْنَاعِ " مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِكَرَاهَتِهِمَا، لَكِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. (٣)
الْحَيَوَانُ الْمَائِيُّ: حَلاَلُهُ وَحَرَامُهُ:
١٥ - الْمَقْصُودُ بِالْحَيَوَانِ الْمَائِيِّ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ، стр. 2876
مِلْحًا كَانَ أَوْ عَذْبًا، مِنَ الْبِحَارِ أَوِ الأَْنْهَارِ أَوِ الْبُحَيْرَاتِ أَوِ الْعُيُونِ أَوِ الْغُدْرَانِ أَوِ الآْبَارِ أَوِ الْمُسْتَنْقَعَاتِ أَوْ سِوَاهَا. وَلاَ يَحِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَائِيِّ شَيْءٌ سِوَى السَّمَكِ فَيَحِل أَكْلُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَا فُلُوسٍ (قُشِّرَ) أَمْ لاَ.
وَهُنَاكَ صِنْفَانِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَائِيِّ اخْتَلَفَ فِيهِمَا الْحَنَفِيَّةُ، لِلاِخْتِلاَفِ فِي كَوْنِهِمَا مِنَ السَّمَكِ أَوْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمَائِيَّةِ الأُْخْرَى، وَهُمَا الْجِرِّيثُ، وَالْمَارْمَاهِيُّ. (١) فَقَال الإِْمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِعَدَمِ حِل أَكْلِهِمَا، لَكِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْحِل فِيهِمَا، لأَِنَّهُمَا مِنَ السَّمَكِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنَ السَّمَكِ مَا كَانَ طَافِيًا، فَإِنَّهُ لاَ يُؤْكَل عِنْدَهُمْ. وَالطَّافِي: هُوَ الَّذِي مَاتَ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ، بِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ، سَوَاءٌ أَعَلاَ فَوْقَ وَجْهِ الْمَاءِ أَمْ لَمْ يَعْل، وَهُوَ الصَّحِيحُ. (وَإِنَّمَا يُسَمَّى طَافِيًا إِذَا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ وَلَوْ لَمْ يَعْل فَوْقَ سَطْحِ الْمَاءِ نَظَرًا إِلَى الأَْغْلَبِ، لأَِنَّ الْعَادَةَ إِذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَنْ يَعْلُوَ) . (٢)
وَإِنَّ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الطَّافِي احْتِمَال فَسَادِهِ وَخُبْثِهِ حِينَمَا يَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهِ وَيُرَى طَافِيًا لاَ يُدْرَى كَيْفَ стр. 2877
وَمَتَى مَاتَ؟ فَأَمَّا الَّذِي قُتِل فِي الْمَاءِ قَتْلاً بِسَبَبٍ حَادِثٍ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا صِيدَ بِالشَّبَكَةِ وَأُخْرِجَ حَتَّى مَاتَ فِي الْهَوَاءِ.
وَإِذَا ابْتَلَعَتْ سَمَكَةٌ سَمَكَةً أُخْرَى فَإِنَّ السَّمَكَةَ الدَّاخِلَةَ تُؤْكَل، لأَِنَّهَا مَاتَتْ بِسَبَبٍ حَادِثٍ هُوَ ابْتِلاَعُهَا.
وَإِذَا مَاتَ السَّمَكُ مِنَ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ أَوْ كَدَرِ الْمَاءِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
(إِحْدَاهُمَا) : أَنَّهُ لاَ يُؤْكَل، لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ الثَّلاَثَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ غَالِبًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّمَكَ فِيهَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَيُعْتَبَرُ طَافِيًا.
(وَالثَّانِيَةُ) : أَنَّهُ يُؤْكَل، لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ الثَّلاَثَةَ أَسْبَابٌ لِلْمَوْتِ فِي الْجُمْلَةِ فَيَكُونُ مَيِّتًا بِسَبَبٍ حَادِثٍ فَلاَ يُعْتَبَرُ طَافِيًا، وَهَذَا هُوَ الأَْظْهَرُ، وَبِهِ يُفْتَى. وَإِذَا أُخِذَ السَّمَكُ حَيًّا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُمَاتَ.
وَاسْتَدَل مَنْ حَرَّمَ الطَّافِيَ بِالأَْدِلَّةِ التَّالِيَةِ:
أ - بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلاَ تَأْكُلُوهُ. (١) وَرَوَى نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا أَيْضًا.
ب - بِآثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵃: أَنَّهُمْ стр. 2878
نُهُوا عَنْ أَكْل الطَّافِي. وَلَفْظُ جَابِرٍ فِي رِوَايَةٍ: مَا طَفَا فَلاَ تَأْكُلُوهُ، وَمَا كَانَ عَلَى حَافَّتَيْهِ أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَا حَسِرَ الْمَاءُ عَنْ ضِفَّتَيِ الْبَحْرِ فَكُل، وَمَا مَاتَ فِيهِ طَافِيًا فَلاَ تَأْكُل.
وَلَفْظُ عَلِيٍّ: " مَا طَفَا مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ فَلاَ تَأْكُلُوهُ.
وَلَفْظُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لاَ تَأْكُل مِنْهُ - أَيْ مِنْ سَمَكٍ وَفِي الْبَحْرِ - طَافِيًا (١) .
١٦ - وَذَهَبَ مَنْ عَدَا الْحَنَفِيَّةَ إِلَى إِبَاحَةِ كُل حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ بِلاَ تَذْكِيَةٍ وَلَوْ طَافِيَةً (٢) حَتَّى مَا تَطُول حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ، كَالتِّمْسَاحِ وَالسُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ، وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ الْبَحْرِيَّيْنِ. стр. 2879
وَلاَ يَعُدُّ الْفُقَهَاءُ طَيْرَ الْمَاءِ بَحْرِيًّا، لأَِنَّهُ لاَ يَسْكُنُ تَحْتَ سَطْحِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فَوْقَهُ وَيَنْغَمِسُ فِيهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ثُمَّ يَطِيرُ، وَلِهَذَا لاَ يَحِل عِنْدَهُمْ إِلاَّ بِالتَّذْكِيَةِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي كَلْبِ الْبَحْرِ وَخِنْزِيرِهِ قَوْلٌ بِالإِْبَاحَةِ، وَآخَرُ بِالْكَرَاهَةِ، وَالرَّاجِحُ فِي كَلْبِ الْمَاءِ الإِْبَاحَةُ، وَفِي خِنْزِيرِهِ الْكَرَاهَةُ، (أَيِ الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) .
وَاخْتَلَفُوا فِي إِنْسَانِ الْمَاءِ (١) ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ قَلْيِ السَّمَكِ وَشَيِّهِ مِنْ غَيْرِ شَقِّ بَطْنِهِ وَلَوْ حَيًّا. قَالُوا: وَلاَ يُعَدُّ هَذَا تَعْذِيبًا، لأَِنَّ حَيَاتَهُ خَارِجَ الْمَاءِ стр. 2880
كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ. (١)
١٧ - وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ذَبْحُ مَا تَطُول حَيَاتُهُ كَسَمَكَةٍ كَبِيرَةٍ. وَيَكُونُ الذَّبْحُ مِنْ جِهَةِ الذَّيْل فِي السَّمَكِ، وَمِنَ الْعُنُقِ فِيمَا يُشْبِهُ حَيَوَانَ الْبَرِّ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا تَطُول حَيَاتُهُ كُرِهَ ذَبْحُهُ وَقَطْعُهُ حَيًّا.
وَهَذَا التَّعْمِيمُ فِي الْحِل هُوَ أَصَحُّ الْوُجُوهِ عِنْدَهُمْ. وَهُنَاكَ سِوَاهُ وَجْهَانِ آخَرَانِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ لاَ يَحِل مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ سِوَى السَّمَكِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّ مَا يُؤْكَل مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ كَاَلَّذِي عَلَى صُورَةِ الْغَنَمِ يَحِل، وَمَا لاَ يُؤْكَل مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ كَاَلَّذِي عَلَى صُورَةِ الْكَلْبِ وَالْحِمَارِ لاَ يَحِل.
وَيَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْحَيَوَانُ (الْبَرْمَائِيُّ) (٢) أَيِ الَّذِي يُمْكِنُ عَيْشُهُ دَائِمًا فِي كُلٍّ مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْبَرِّ مَأْكُولٌ. وَقَدْ مَثَّلُوا لَهُ بِالضُّفْدَعِ، وَالسَّرَطَانِ، وَالْحَيَّةِ، وَالنَّسْنَاسِ، (٣) وَالتِّمْسَاحِ، وَالسُّلَحْفَاةِ. (٤) وَتَحْرِيمُ هَذَا النَّوْعِ стр. 2881
الْبَرْمَائِيِّ هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ " وَأَصْلُهَا وَاعْتَمَدَهُ الرَّمْلِيُّ. لَكِنْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي " الْمَجْمُوعِ " أَنَّ جَمِيعَ مَا يَكُونُ سَاكِنًا فِي الْبَحْرِ فِعْلاً تَحِل مَيْتَتُهُ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ عَيْشُهُ فِي الْبَرِّ، إِلاَّ الضُّفْدَعُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْخَطِيبِ وَابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ، وَزَادَا عَلَى الضُّفْدَعِ كُل مَا فِيهِ سُمٌّ.
وَعَلَى هَذَا فَالسَّرَطَانُ وَالْحَيَّةُ وَالنَّسْنَاسُ وَالتِّمْسَاحُ وَالسُّلَحْفَاةُ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ سَاكِنَةَ الْبَحْرِ بِالْفِعْل تَحِل، وَلاَ عِبْرَةَ بِإِمْكَانِ عَيْشِهَا فِي الْبَرِّ، وَإِنْ كَانَتْ سَاكِنَةَ الْبَرِّ بِالْفِعْل تَحْرُمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّنِيلِسِ: (١) فَأَفْتَى ابْنُ عَدْلاَنَ بِحِلِّهِ، وَنُقِل عَنِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ الإِْفْتَاءُ بِتَحْرِيمِهِ. (٢)
وَلاَ يُعْتَبَرُ الإِْوَزُّ وَالْبَطُّ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، لأَِنَّهَا لاَ تَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ فِي الْبَحْرِ دَائِمًا، فَهِيَ مِنْ طُيُورِ الْبَرِّ، فَلاَ تَحِل إِلاَّ بِالتَّذْكِيَةِ كَمَا يَأْتِي (ف ٤١) .
وَيُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ابْتِلاَعُ السَّمَكِ حَيًّا إِذَا لَمْ يَضُرَّ، وَكَذَا أَكْل السَّمَكِ الصَّغِيرِ بِمَا فِي جَوْفِهِ، وَيَجُوزُ قَلْيُهُ وَشَيُّهُ مِنْ غَيْرِ شَقِّ بَطْنِهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ стр. 2882
إِنْ كَانَ حَيًّا، وَأَيًّا مَا كَانَ فَلاَ يَتَنَجَّسُ بِهِ الدُّهْنُ. (١)
١٨ - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْحَيَوَانِ الْبَرْمَائِيِّ، كَكَلْبِ الْمَاءِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحِل بِالتَّذْكِيَةِ.
وَزَادُوا بِالإِْضَافَةِ لِلضُّفْدَعِ اسْتِثْنَاءَ الْحَيَّةِ وَالتِّمْسَاحِ، فَقَالُوا بِحُرْمَةِ الثَّلاَثَةِ: فَالضُّفْدَعُ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا، وَالْحَيَّةُ لاِسْتِخْبَاثِهَا، وَالتِّمْسَاحُ لأَِنَّ لَهُ نَابًا يَفْتَرِسُ بِهِ. لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَثْنُوا سَمَكَ الْقِرْشِ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقِرْشَ نَوْعٌ مِنَ السَّمَكِ لاَ يَعِيشُ إِلاَّ فِي الْبَحْرِ بِخِلاَفِ التِّمْسَاحِ.
وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ كَيْفِيَّةَ ذَكَاةِ السَّرَطَانِ أَنْ يُفْعَل بِهِ مَا يُمِيتُهُ، بِأَنْ يُعْقَرَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ بَدَنِهِ. (٢)
وَإِذَا أُخِذَ السَّمَكُ حَيًّا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُمَاتَ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَيُكْرَهُ شَيُّهُ حَيًّا، لأَِنَّهُ تَعْذِيبٌ بِلاَ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ سَرِيعًا فَيُمْكِنُ انْتِظَارُ مَوْتِهِ. (٣)
١٩ - وَفِي حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ مَذَاهِبُ أُخْرَى: مِنْهَا أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُول: إِنَّ مَا عَدَا السَّمَكَ مِنْهَا يُؤْكَل стр. 2883
بِشَرِيطَةِ الذَّكَاةِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَقُول كَذَلِكَ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَحِل عِنْدَهُ إِنْسَانُ الْمَاءِ وَلاَ خِنْزِيرُهُ، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: تَحْرِيمُ مَا سِوَى السَّمَكِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَثَانِيهِمَا: الْحِل بِالذَّبْحِ كَقَوْل ابْنِ أَبِي لَيْلَى (١) .
٢٠ - وَدَلِيل الْجُمْهُورِ الَّذِينَ أَحَلُّوا كُل مَا يَسْكُنُ جَوْفَ الْمَاءِ وَلاَ يَعِيشُ إِلاَّ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ . (٢) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ ، (٣) فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ سَمَكًا وَمَا يُسَمُّونَهُ بِاسْمٍ آخَرَ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ أَوْ إِنْسَانِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لاَ تَجْعَلُهُ خِنْزِيرًا أَوْ إِنْسَانًا.
وَمِنْ أَدِلَّةِ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سُئِل عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِل مَيْتَتُهُ. (٤)
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى حِل جَمِيعِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَحْرَ سَوَاءٌ أُخِذَ حَيًّا أَمْ مَيِّتًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ طَافِيًا أَمْ لاَ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ دَابَّةِ الْعَنْبَرِ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، قَال حَدَّثَنِي جَابِرٌ، قَال: بَعَثَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَمَّرَ стр. 2884
عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَتَلَقَّى عِيرًا (١) لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً. قَال أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْتُ لِجَابِرٍ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَال: نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْل. وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبْطَ، (٢) ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ وَنَأْكُلُهُ. قَال: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِل الْبَحْرِ فَرُفِعَ لَنَا كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ (٣) الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ. قَال أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ؟ ثُمَّ قَال: لاَ، بَل نَحْنُ رُسُل رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَفِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ، فَكُلُوا. فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلاَثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، وَلَقَدْ رَأَيْتَنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ (٤) بِالْقِلاَل (٥) الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفَدْرَ (٦) كَالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلاَعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَل أَعْظَمُ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ تَحْتَهَا. (٧) وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. (٨) فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَال: هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ تَعَالَى стр. 2885
لَكُمْ، فَهَل مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ ، فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ. (١)
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ: عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ:
(أَوَّلاً) عَلَى أَنَّ حَيَوَانَ الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ السَّمَكِ يَحِل أَكْلُهُ فِي حَالَتَيِ الاِخْتِيَارِ وَالضَّرُورَةِ.
(ثَانِيًا) عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ.
(ثَالِثًا) عَلَى حِل الطَّافِي، لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي هَل مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِسَبَبِ حَادِثٍ.
(رَابِعًا) عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ لِلسَّمَكِ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَتْ مَيْتَتُهُ حَلاَلاً فَصَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُسْلِمِ سَوَاءٌ.
هَذَا، وَالْفَسِيخُ إِنْ كَانَ صَغِيرًا كَانَ طَاهِرًا فِي الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، لأَِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَمَّا فِي بَطْنِهِ، لِعُسْرِ تَنْقِيَةِ مَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَهُوَ طَاهِرٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالدَّرْدِيرِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَلِجُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ. وَإِذَا اعْتُبِرَ طَاهِرًا فَإِنَّ أَكْلَهُ مَعَ تَفَسُّخِهِ وَالتَّغَيُّرُ فِي رَائِحَتِهِ يُتْبَعُ فِيهِ شَرْعًا رَأْيُ الطِّبِّ فِي ضَرَرِهِ أَوْ عَدَمِهِ: فَإِنْ قَال الأَْطِبَّاءُ الثِّقَاتُ: إِنَّهُ ضَارٌّ يَكُونُ أَكْلُهُ مَحْظُورًا شَرْعًا لِضَرَرِهِ بِالصِّحَّةِ، وَإِلاَّ فَلاَ. (٢)
الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ: حَلاَلُهُ وَحَرَامُهُ:
٢١ - الْمَقْصُودُ بِالْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ: مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مِنَ الدَّوَابِّ أَوِ الطُّيُورِ. وَيُقْسَمُ بِحَسَبِ أَنْوَاعِهِ стр. 2886
وَخَصَائِصِهِ وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنْ أَحْكَامٍ إِلَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ نَوْعًا:
النَّوْعُ الأَْوَّل: الأَْنْعَامُ:
٢٢ - الأَْنْعَامُ (بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ) جَمْعُ نَعَمٍ (بِفَتْحَتَيْنِ) وَهُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَل ثَلاَثَةَ أَنْوَاعٍ هِيَ: الإِْبِل، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْبَقَرُ عِرَابًا أَمْ جَوَامِيسَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْغَنَمُ ضَأْنًا أَمْ مَعْزًا، فَكُلُّهَا حَلاَلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَنِدِ إِلَى نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالأَْنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ، (١) وَمِنْهَا قَوْلُهُ جَل شَأْنُهُ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَل لَكُمُ الأَْنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ . (٢) وَاسْمُ الأَْنْعَامِ يَقَعُ عَلَى هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَهْل اللُّغَةِ. (٣)
النَّوْعُ الثَّانِي: الأَْرْنَبُ:
٢٣ - الأَْرْنَبُ حَلاَلٌ أَكْلُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَال: أَنْفَجْنَا (٤) أَرْنَبًا فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتُهَا وَجِئْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِوَرِكِهَا - أَوْ قَال: بِفَخِذِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهُ. (٥)
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ (أَوْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَنَّهُ стр. 2887
قَال: صِدْتُ أَرْنَبَيْنِ فَذَبَحْتُهُمَا بِمَرْوَةَ، (١) فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا. (٢)
ثُمَّ إِنَّهَا مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُسْتَطَابِ، وَلَيْسَتْ ذَاتَ نَابٍ تَفْتَرِسُ بِهِ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهَا، فَهَذِهِ الْمَنَاطَاتُ تَسْتَوْجِبُ حِلَّهَا كَمَا سَيُرَى فِي الأَْنْوَاعِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَقَدْ أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (٣) .
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْحَيَوَانَاتُ الْمُفْتَرِسَةُ:
٢٤ - الْمُرَادُ بِالْحَيَوَانَاتِ الْمُفْتَرِسَةِ: كُل دَابَّةٍ لَهَا نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَهْلِيَّةً كَالْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ الأَْهْلِيِّ، (٤) أَمْ وَحْشِيَّةً كَالأَْسَدِ وَالذِّئْبِ وَالضَّبُعِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالثَّعْلَبِ وَالسِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ وَالسِّنْجَابِ وَالْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ وَالدُّلُقِ (وَهُوَ أَبُو مُقْرِضٍ) وَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَابْنِ آوَى وَالْفِيل.
وَحُكْمُهَا: أَنَّهَا لاَ يَحِل شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ стр. 2888
وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الضَّبُعَ وَالثَّعْلَبَ قَال بِحِلِّهِمَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (١) .
٢٥ - وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيمِ هَذَا النَّوْعِ كُلِّهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً - بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأَْمْثِلَةِ - بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَكْل كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ. (٢)
وَمَنِ اسْتَثْنَى الضَّبُعَ مِنْهُمُ اسْتَدَل بِأَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهَا مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَال: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّبُعِ أَآكُلُهَا؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: أَسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ؟ قَال: نَعَمْ. (٣) وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَال: أَخْبَرَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَأْكُل الضِّبَاعَ، قَال نَافِعٌ: فَلَمْ يُنْكِرِ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ.
٢٦ - وَالْقَوْل الْمَشْهُورُ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا أَكْل الْحَيَوَانَاتِ الْمُفْتَرِسَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَهْلِيَّةً كَالسِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ، أَمْ مُتَوَحِّشَةً كَالذِّئْبِ وَالأَْسَدِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْقِرْدِ وَالنَّسْنَاسِ قَوْلٌ بِالإِْبَاحَةِ، وَهُوَ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ لَكِنْ صَحَّحَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ. (٤) стр. 2889
٢٧ - لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ أَبَاحُوا بَعْضَ الأَْمْثِلَةِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا: بِالإِْضَافَةِ إِلَى الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ كَالسِّنْجَابِ وَالْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ أَنْيَابَهَا ضَعِيفَةٌ.
وَقَالُوا فِي السِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ، وَالأَْهْلِيِّ، وَابْنِ آوَى، وَالنِّمْسِ، وَالدُّلُقِ: إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فِي الأَْصَحِّ، وَقِيل فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ الأَْخِيرَةِ كُلِّهَا بِالْحِل عِنْدَهُمْ. (١)
٢٨ - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَبَاحُوا مِنَ الأَْمْثِلَةِ السَّابِقَةِ الضَّبُعَ فَقَطْ. وَقَالُوا: إِنَّ فِي الثَّعْلَبِ وَالسِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ رِوَايَةً بِالإِْبَاحَةِ. (٢)
٢٩ - وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ. . .﴾ إِلَخِ الآْيَةَ (٣) فَإِنَّ لُحُومَ السِّبَاعِ لَيْسَتْ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ الآْيَةُ، فَتَكُونُ مُبَاحَةً، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْل كُل ذِي نَابٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ. (٤)
النَّوْعُ الرَّابِعُ: كُل وَحْشٍ لَيْسَ لَهُ نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ وَلَيْسَ مِنَ الْحَشَرَاتِ (٥) :
٣٠ - وَذَلِكَ كَالظِّبَاءِ، وَبَقَرِ الْوَحْشِ، وَحُمُرِ الْوَحْشِ، وَإِبِل الْوَحْشِ. وَهَذَا النَّوْعُ حَلاَلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
لَكِنْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا تَأَنَّسَ حِمَارُ الْوَحْشِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحِمَارِ الأَْهْلِيِّ، وَحُكْمُ الأَْهْلِيِّ سَيَأْتِي стр. 2890
ر: ف ٤٦) . فَإِنْ عَادَ إِلَى التَّوَحُّشِ رَجَعَ مُبَاحًا كَمَا كَانَ. (١)
النَّوْعُ الْخَامِسُ: كُل طَائِرٍ لَهُ مِخْلَبٌ صَائِدٌ:
٣١ - وَذَلِكَ كَالْبَازِي وَالْبَاشِقِ وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْحِدَأَةِ وَالْعُقَابِ، وَهَذَا النَّوْعُ - بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأَْمْثِلَةِ - مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَحَرَامٌ فِي بَاقِي الْمَذَاهِبِ، (٢) إِلاَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ قَالُوا فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ: إِنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الطُّيُورِ مُبَاحَةٌ وَلَوْ كَانَتْ جَلاَّلَةً (٣) ، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهَا. وَمَال الْمَازِرِيُّ لِحَمْل النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ. (٤)
٣٢ - وَمِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِ هَذَا النَّوْعِ أَوْ كَرَاهَتِهِ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْل كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُل ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. (٥) وَالْمُرَادُ مِخْلَبٌ يَصِيدُ بِهِ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لاَ يُسَمَّى ذَا مِخْلَبٍ عِنْدَ الْعَرَبِ إِلاَّ الصَّائِدُ بِمِخْلَبِهِ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا الدِّيكُ وَالْعَصَافِيرُ وَالْحَمَامُ وَسَائِرُ مَا لاَ يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ فَلاَ تُسَمَّى ذَوَاتَ مَخَالِبَ فِي اللُّغَةِ، (٦) لأَِنَّ стр. 2891
مَخَالِبَهَا لِلاِسْتِمْسَاكِ وَالْحَفْرِ بِهَا، وَلَيْسَتْ لِلصَّيْدِ وَالاِفْتِرَاسِ.
وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِالْحَصْرِ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . (١)
النَّوْعُ السَّادِسُ: الطَّائِرُ الَّذِي لاَ يَأْكُل إِلاَّ الْجِيَفَ غَالِبًا:
٣٣ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْغُرَابِ الأَْسْوَدِ الْكَبِيرِ وَالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ عَبَّرُوا بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ. وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَنْعُ الشَّارِعِ الأَْكْل، وَمَعْلُومٌ أَنَّ دَلِيل الْمَنْعِ لَيْسَ قَطْعِيًّا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ يَصِحُّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّحْرِيمِ وَبِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ. وَكِلاَ النَّوْعَيْنِ لاَ يَأْكُل غَالِبًا إِلاَّ الْجِيَفَ، فَهُمَا مُسْتَخْبَثَانِ عِنْدَ ذَوِي الطَّبَائِعِ السَّلِيمَةِ، وَيَدْخُل فِي هَذَا النَّوْعِ النَّسْرُ، لأَِنَّهُ لاَ يَأْكُل سِوَى اللَّحْمِ مِنْ جِيَفٍ وَسِوَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا مِخْلَبٍ صَائِدٍ. (٢)
٣٤ - وَيَحِل غُرَابُ الزَّرْعِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: الزَّاغُ وَهُوَ غُرَابٌ أَسْوَدُ صَغِيرٌ، وَقَدْ يَكُونُ مُحْمَرَّ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ.
وَثَانِيهِمَا: الْغُدَافُ الصَّغِيرُ، وَهُوَ غُرَابٌ صَغِيرٌ لَوْنُهُ كَلَوْنِ الرَّمَادِ، وَكِلاَهُمَا يَأْكُل الزَّرْعَ وَالْحَبَّ وَلاَ يَأْكُل الْجِيَفَ. وَبِحِلِّهِمَا أَيْضًا قَال الشَّافِعِيَّةُ стр. 2892
وَالْحَنَابِلَةُ. (١)
٣٥ - وَأَمَّا الْعَقْعَقُ، وَهُوَ غُرَابٌ نَحْوُ الْحَمَامَةِ حَجْمًا، طَوِيل الذَّنَبِ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، حَلاَلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حِلُّهُ، لأَِنَّهُ يُخْلَطُ فَيَأْكُل الْجِيَفَ وَالْحَبَّ، فَلاَ يَكُونُ مُسْتَخْبَثًا.
٣٦ - وَلَيْسَتِ الْعِبْرَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالأَْسْمَاءِ، وَلاَ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَلاَ بِالأَْلْوَانِ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِنَوْعِ غِذَائِهِ: فَاَلَّذِي لاَ يَأْكُل إِلاَّ الْجِيَفَ غَالِبًا مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَاَلَّذِي يَخْلِطُ حَلاَلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ، وَاَلَّذِي لاَ يَأْكُل الْجِيَفَ حَلاَلٌ اتِّفَاقًا، هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. (٢)
٣٧ - وَالْمَالِكِيَّةِ أَبَاحُوا الْغِرْبَانَ كُلَّهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَدَمُ جَوَازِ آكِلَةِ الْجِيَفِ. (٣)
٣٨ - وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ الْغِرْبَانِ أَوْ كَرَاهَتِهَا التَّحْرِيمِيَّةِ (إِلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ) حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خَمْسُ فَوَاسِقَ تُقْتَلْنَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا. (٤) وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَيْضًا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خَمْسٌ стр. 2893
مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (١) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ. (٢)
فَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ أُبِيحَ قَتْلُهُ، وَكَذَا سَائِرُ الْغِرْبَانِ الَّتِي يَدُل عَلَيْهَا عُمُومُ لَفْظِ " الْغُرَابِ " فِي الأَْحَادِيثِ الأُْخْرَى.
وَمَا أُبِيحَ قَتْلُهُ فَلاَ ذَكَاةَ لَهُ، لأَِنَّ كَلِمَةَ الْقَتْل مَتَى أُطْلِقَتْ تَنْصَرِفُ إِلَى إِزْهَاقِ الرُّوحِ بِأَيَّةِ وَسِيلَةٍ اسْتَطَاعَهَا الإِْنْسَانُ، فَلَوْ حَل بِالذَّكَاةِ لَكَانَ إِزْهَاقُ رُوحِهِ بِغَيْرِهَا إِضَاعَةً لِلْمَال، وَقَدْ نَهَى ﵊ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ ﵁ أَنَّهُ قَال: مَنْ يَأْكُل الْغُرَابَ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاسِقًا؟ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَال: كَرِهَ رِجَالٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ أَكْل الْحِدَاءِ وَالْغُرَابِ حَيْثُ سَمَّاهُمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ فَوَاسِقِ الدَّوَابِّ الَّتِي تُقْتَل فِي الْحَرَمِ.
٣٩ - وَحُجَّةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ إِبَاحَةَ الْقَتْل لاَ دَلاَلَةَ فِيهَا عَلَى تَحْرِيمِ الأَْكْل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ. . .﴾ الآْيَةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغُرَابَ لَيْسَ فِي الآْيَةِ، فَيَكُونُ مُبَاحَ الأَْكْل. стр. 2894
٤٠ - وَحُجَّةُ مَنِ اسْتَثْنَى إِبَاحَةَ بَعْضِ الأَْنْوَاعِ مِنَ الْغِرْبَانِ أَنَّ الأَْحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا وَصْفُ الْغُرَابِ بِالأَْبْقَعِ أَشْعَرَتْ أَنَّ الْغُرَابَ الْمَذْكُورَ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ خُبْثَهُ، وَقَدْ لُوحِظَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ كَوْنُهُ لاَ يَأْكُل إِلاَّ الْجِيفَةَ غَالِبًا، فَحُمِلَتِ الأَْحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُلْحِقَ بِالأَْبْقَعِ مَا مَاثَلَهُ وَهُوَ الْغُدَافُ الْكَبِيرُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَقْعَقِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ أَنْظَارِهِمْ فِي كَوْنِهِ يُكْثِرُ مِنْ أَكْل الْجِيفَةِ أَوْ لاَ يُكْثِرُ.
النَّوْعُ السَّابِعُ: كُل طَائِرٍ ذِي دَمٍ سَائِلٍ، وَلَيْسَ لَهُ مِخْلَبٌ صَائِدٌ، وَلَيْسَ أَغْلَبُ أَكْلِهِ الْجِيَفَ:
٤١ - وَذَلِكَ كَالدَّجَاجِ، وَالْبَطِّ، وَالإِْوَزِّ، وَالْحَمَامِ مُسْتَأْنَسًا وَمُتَوَحِّشًا، وَالْفَوَاخِتِ، (١) وَالْعَصَافِيرِ، وَالْقَبَجِ، (٢) وَالْكُرْكِيِّ، (٣) وَالْخُطَّافِ، (٤) وَالْبُومِ، (٥) وَالدُّبْسِيِّ، (٦) وَالصُّلْصُل، (٧) стр. 2895
وَاللَّقْلَقِ (١) ، وَاللِّحَامِ، (٢) وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ، وَالْخُفَّاشِ (الْوَطْوَاطِ) .
فَكُل هَذَا مَأْكُولٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٣)
٤٢ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِإِبَاحَةِ هَذَا النَّوْعِ كُلِّهِ وَلَوْ جَلاَّلَةً فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ، إِلاَّ الْخُفَّاشُ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ فِيهِ الْكَرَاهَةُ، وَقِيل بِكَرَاهَةِ الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْل أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. (٤) وَقِيل بِالْكَرَاهَةِ فِي الْخُطَّافِ أَيْضًا، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْكَرَاهَةَ فِيهِ بِمَا يُعَشِّشُ فِي الْبُيُوتِ احْتِرَامًا لِمَنْ عُشِّشَ عِنْدَهُ. (٥)
٤٣ - وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي فِي هَذَا النَّوْعِ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ يَحْرُمُ مَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِقَتْلِهِ، وَمَا نَهَى عَنْ قَتْلِهِ، وَمَا اسْتُخْبِثَ، وَيَحِل مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّطْبِيقِ: стр. 2896
فَالرَّخَمَةُ وَالْخُفَّاشُ وَاللَّقْلَقُ وَالْخُطَّافُ وَالسِّنُونُو تَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَالْبُغَاثَةُ (١) تَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَالْبَبَّغَاءُ وَالطَّاوُوسُ يَحْرُمَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِخُبْثِ غِذَائِهِمَا، وَيَحِلاَّنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَالأَْخْيَل، وَيُسَمَّى: الشَّقْرَاقَ (٢) يَحْرُمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِخُبْثِهِ، وَيَحِل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَبُو زُرَيْقٍ، وَيُسَمَّى: الدِّرْبَابَ (٣) أَوِ الْقَيْقَ، نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِخُبْثِهِ، وَمُقْتَضَى كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَحِل.
وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ يَحْرُمَانِ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِمَا.
وَيَحْرُمُ الْعَقْعَقُ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ أَيْضًا، لأَِنَّهُ يَأْكُل الْجِيَفَ كَالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ (ر: ف ٣٣) . стр. 2897
وَالنَّعَامَةُ، وَالْكُرْكِيُّ، وَالْحُبَارَى، وَالدَّجَاجُ، وَالْبَطُّ، وَالإِْوَزُّ، وَالْغَرَنِيقُ، وَسَائِرُ طُيُورِ الْمَاءِ - سِوَى اللَّقْلَقِ - كُلُّهَا مِمَّا يُؤْكَل عَلَى الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ، وَكَذَا الْحَمَامُ، وَهُوَ اسْمٌ لِكُل مَا عَبَّ وَهَدَرَ كَالْقَمَرِيِّ، وَالدُّبْسِيِّ، وَالْيَمَامِ، وَالْفَوَاخِتِ، وَالْقَطَا، وَالْحَجَل. وَكَذَلِكَ الْعُصْفُورُ
وَكُل مَا عَلَى شَكْلِهِ، كَالْعَنْدَلِيبِ الْمُسَمَّى بِالْهَزَارِ، وَالصَّعْوَةِ، وَالزُّرْزُورِ، حَلاَلٌ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ، لأَِنَّهَا مَعْدُودَةٌ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، (كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ بِالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ فِي بَعْضٍ مِنْهَا عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ) .
النَّوْعُ الثَّامِنُ: الْخَيْل:
٤٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى إِبَاحَةِ الْخَيْل، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عِرَابًا أَمْ بَرَاذِينَ. (١)
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْل. (٢) وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ. (٣)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلْمَالِكِيَّةِ، إِلَى حِل أَكْلِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ.
وَحُجَّتُهُمْ هِيَ اخْتِلاَفُ الأَْحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي стр. 2898
الْبَابِ وَاخْتِلاَفِ السَّلَفِ، فَذَهَبُوا إِلَى كَرَاهَةِ الْخَيْل احْتِيَاطًا، وَلأَِنَّ فِي أَكْلِهَا تَقْلِيل آلَةِ الْجِهَادِ. (١)
٤٥ - وَبِنَاءً عَلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ يُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّ سُؤْرَ الْفَرَسِ وَلَبَنَهَا طَاهِرَانِ، لأَِنَّ كَرَاهَةَ أَكْل الْخَيْل لَيْسَتْ لِنَجَاسَتِهَا، بَل لاِحْتِرَامِهَا، لأَِنَّهَا آلَةُ الْجِهَادِ، وَفِي تَوْفِيرِهَا إِرْهَابُ الْعَدُوِّ، (٢) كَمَا يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . (٣)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ إِلَى الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، وَنَحْوُهُ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ بِالتَّحْرِيمِ، وَبِهِ جَزَمَ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ. (٤)
وَحُجَّتُهُمْ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٥) فَالاِقْتِصَارُ عَلَى الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ يَدُل عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَأْكُولَةً، إِذْ لَوْ كَانَتْ مَأْكُولَةً لَقَال: وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، كَمَا قَال قَبْل ذَلِكَ: ﴿وَالأَْنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ . وَكَذَا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومِ الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرِ، وَكُل ذِي نَابٍ مِنَ стр. 2899
السِّبَاعِ، وَكُل ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. (١)
وَلَمَّا كَانَتْ دَلاَلَةُ الآْيَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ كَانَ الْحُكْمُ هُوَ الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَلاَ مَانِعَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا (تَحْرِيمًا) بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ الْمَنْعُ بِالْمَعْنَى الشَّامِل لِمَا كَانَ دَلِيلُهُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا.
النَّوْعُ التَّاسِعُ: الْحِمَارُ الأَْهْلِيُّ:
٤٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ الْقَوْل الرَّاجِحُ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِلَى حُرْمَةِ أَكْلِهِ. وَنَحْوُهُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ عَبَّرُوا بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَسَوَاءٌ أَبَقِيَ عَلَى أَهْلِيَّتِهِ أَمْ تَوَحَّشَ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ، فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ. (٢)
وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمْرِ الأَْهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْل. (٣)
وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ نَقَل تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ تِسْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَسَانِيدَ كَالشَّمْسِ، فَهُوَ نَقْل تَوَاتُرٍ لاَ يَسَعُ أَحَدًا стр. 2900
خِلاَفُهُ. (١)
وَالْقَوْل الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يُؤْكَل مَعَ الْكَرَاهَةِ أَيِ التَّنْزِيهِيَّةِ.
٤٧ - وَقَدْ نَقَل ابْنُ قُدَامَةَ: أَنَّ الإِْمَامَ أَحْمَدَ قَال: إِنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِهُوا الْحُمُرَ الأَْهْلِيَّةَ، (٢) وَأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَال: لاَ خِلاَفَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فِي تَحْرِيمِهَا، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَانَا يَقُولاَنِ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ . (٣) تَلاَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَال: مَا خَلاَ هَذَا فَهُوَ حَلاَلٌ، وَأَنَّ عِكْرِمَةَ وَأَبَا وَائِلٍ لَمْ يَرَيَا بِأَكْل الْحُمُرِ بَأْسًا.
وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ أَنَّ بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ قَال بِإِبَاحَتِهَا.
وَصَفْوَةُ الْقَوْل أَنَّ فِيهَا ثَلاَثَةَ مَذَاهِبَ:
(الأَْوَّل) التَّحْرِيمُ أَوِ الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ.
(وَالثَّانِي) الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ.
(وَالثَّالِثُ) الإِْبَاحَةُ. (٤) стр. 2901
النَّوْعُ الْعَاشِرُ: الْخِنْزِيرُ:
٤٨ - الْخِنْزِيرُ حَرَامٌ لَحْمُهُ وَشَحْمُهُ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . (١)
٤٩ - قَال الأَْلُوسِيُّ: " خَصَّ اللَّحْمَ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهِ أَيْضًا حَرَامٌ، خِلاَفًا لِلظَّاهِرِيَّةِ، (٢) стр. 2902
لأَِنَّهُ مُعْظَمُ مَا يُؤْكَل مِنَ الْحَيَوَانِ، وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ كَالتَّابِعِ لَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ الأَْلُوسِيُّ أَنَّهُ خَصَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ بِالذِّكْرِ، مَعَ أَنَّ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهِ حَرَامٌ، لإِِظْهَارِ حُرْمَةِ مَا اسْتَطَابُوهُ وَفَضَّلُوهُ عَلَى سَائِرِ اللُّحُومِ وَاسْتَعْظَمُوا وُقُوعَ تَحْرِيمِهِ ". (١)
٥٠ - وَالضَّمِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ ، فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَل بِهَا الْقُرْآنُ رَاجِعٌ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَيْهِ (٢) وَهُوَ الْخِنْزِيرُ نَفْسُهُ، فَصَحَّ بِالْقُرْآنِ أَنَّ الْخِنْزِيرَ بِعَيْنِهِ رِجْسٌ، فَهُوَ كُلُّهُ رِجْسٌ وَبَعْضُ الرِّجْسِ رِجْسٌ، وَالرِّجْسُ حَرَامٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ، فَالْخِنْزِيرُ كُلُّهُ حَرَامٌ، لاَ يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ стр. 2903
شَعْرُهُ وَلاَ غَيْرُهُ.
النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: الْحَشَرَاتُ:
٥١ - الْحَشَرَاتُ قَدْ تُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْهَوَامِّ فَقَطْ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى صِغَارِ الدَّوَابِّ كَافَّةً مِمَّا يَطِيرُ أَوْ لاَ يَطِيرُ. وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الثَّانِي الأَْعَمُّ. (١) وَالْحَشَرَاتُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
(أ) مَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ (ذَاتِيٌّ) وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: الْحَيَّةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْخُلْدُ، وَالضَّبُّ، وَالْيَرْبُوعُ، وَابْنُ عُرْسٍ، وَالْقُنْفُذُ.
(بِ) مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ (ذَاتِيٌّ) وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: الْوَزَغُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْعَظَاءَةُ، (٢) وَالْحَلَزُونُ الْبَرِّيُّ، وَالْعَنْكَبُوتُ، وَالْقُرَادُ، وَالْخُنْفُسَاءُ، وَالنَّمْل، وَالْبُرْغُوثُ، وَالْجَرَادُ، وَالزُّنْبُورُ، وَالذُّبَابُ وَالْبَعُوضُ.
٥٢ - وَهَذَا التَّقْسِيمُ فِي الْحَشَرَاتِ إِلَى ذَوَاتِ دَمٍ سَائِلٍ وَغَيْرِ سَائِلٍ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ فِي كَوْنِهَا مَأْكُولَةً أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ فِي مَوْضُوعِ الأَْطْعِمَةِ هُنَا، وَلَكِنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي стр. 2904
مَوْضُوعٍ آخَرَ هُوَ نَجَاسَتُهَا وَطَهَارَتُهَا، فَذَاتُ الدَّمِ السَّائِل تَنْجُسُ مَيْتَتُهَا. وَتَتَنَجَّسُ بِهَا الْمَائِعَاتُ الْقَلِيلَةُ، بِخِلاَفِ مَا لَيْسَ لَهَا دَمٌ سَائِلٌ، وَلِذَلِكَ جُمِعَ النَّوْعَانِ فِي مَوْضُوعِ الأَْطْعِمَةِ هُنَا لِوَحْدَةِ الْحُكْمِ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ جَوَازُ الأَْكْل أَوْ عَدَمِهِ.
وَلَمَّا كَانَ لِكُلٍّ مِنَ الْجَرَادِ وَالضَّبِّ وَالدُّودِ حُكْمٌ خَاصٌّ بِكُلٍّ مِنْهَا حَسُنَ إِفْرَادُ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ.
الْجَرَادُ:
٥٣ - أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى حِل الْجَرَادِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حِلِّهِ الْحَدِيثُ الْقَائِل: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَال وَالْكَبِدُ. (١)
- وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَاجَةَ إِلَى تَذْكِيَةِ الْجَرَادِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بُدَّ مِنْ تَذْكِيَتِهِ بِأَنْ يَفْعَل بِهِ مَا يُعَجِّل مَوْتَهُ بِتَسْمِيَةٍ وَنِيَّةٍ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ كَرِهُوا ذَبْحَ الْجَرَادِ وَقَطْعَهُ حَيًّا. وَصَرَّحُوا بِجَوَازِ قَلْيِهِ مَيْتًا دُونَ إِخْرَاجِ مَا فِي جَوْفِهِ، وَلاَ يَتَنَجَّسُ بِهِ الدُّهْنُ.
وَيَحْرُمُ عِنْدَهُمْ قَلْيُهُ وَشَيُّهُ حَيًّا عَلَى الرَّاجِحِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ التَّعْذِيبِ، وَقِيل: يَحِل ذَلِكَ فِيهِ كَمَا يَحِل فِي السَّمَكِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْل عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ، لأَِنَّ حَيَاةَ الْجَرَادِ مُسْتَقِرَّةٌ لَيْسَتْ كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ، بِخِلاَفِ السَّمَكِ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ كَحَيَاةِ стр. 2905
الْمَذْبُوحِ (١) .
وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَلْيِهِ وَشَيِّهِ حَيًّا، فَذَهَبُوا إِلَى مِثْل الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ إِبَاحَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا تَعْذِيبٌ، لأَِنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَاجَةِ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ قَدْ تَطُول فَيَشُقُّ انْتِظَارُ مَوْتِهِ. (٢)
الضَّبُّ:
٥٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الضَّبِّ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى إِبَاحَتِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَال: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، (٣) فَرَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ. قَال خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ: أَنَّهُمْ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ فِي إِحْدَى الْغَزَوَاتِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ الصَّحَابَةُ ضِبَابًا فَحَرَشُوهَا وَطَبَخُوهَا، فَبَيْنَمَا كَانَتِ الْقُدُورُ، تَغْلِي بِهَا عَلِمَ بِذَلِكَ الرَّسُول ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ فَأَلْقُوا بِهَا. (٤) стр. 2906
وَاعْتَبَرَ الْجُمْهُورُ مَا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِهِ مَنْسُوخًا، لأَِنَّ حَدِيثَ الإِْبَاحَةِ مُتَأَخِّرٌ، لأَِنَّهُ حَضَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ لَمْ يَجْتَمِعْ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ.
وَمِمَّنْ كَرِهَ الضَّبَّ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ عِنْدَهُمَا تَحْرِيمِيَّةً، وَهَذَا عِنْدَئِذٍ يَتَّفِقُ مَعَ الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ، وَيُحْتَمَل أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ. (١)
وَحُجَّةُ مَنْ قَال بِكَرَاهَتِهِ تَنْزِيهًا تَعَارُضُ أَدِلَّةِ الإِْبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ، فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا احْتِيَاطًا.
الدُّودُ:
٥٥ - تَنَاوَلَتْ كُتُبُ الْفِقْهِ تَفْصِيلاَتٍ عَنِ الدُّودِ إِيجَازُهَا فِيمَا يَلِي: قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ دُودَ الزُّنْبُورِ وَنَحْوِهِ قَبْل أَنْ تُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ لاَ بَأْسَ بِأَكْلِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ، فَإِنْ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ. وَعَلَى هَذَا لاَ يَجُوزُ أَكْل الْجُبْنِ أَوِ الْخَل أَوِ الثِّمَارِ بِدُودِهَا (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ مَاتَ الدُّودُ وَنَحْوُهُ فِي طَعَامٍ وَتَمَيَّزَ عَنِ الطَّعَامِ أُخْرِجَ مِنْهُ وُجُوبًا، فَلاَ يُؤْكَل مَعَهُ، وَلاَ يُطْرَحُ الطَّعَامُ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنْهُ، لأَِنَّ مَيْتَتَهُ طَاهِرَةٌ.
وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بِأَنِ اخْتَلَطَ بِالطَّعَامِ وَتَهَرَّى طُرِحَ الطَّعَامُ، لِعَدَمِ إِبَاحَةِ نَحْوِ الدُّودِ الْمَيِّتِ بِهِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا، فَيُلْقَى لِكَلْبٍ أَوْ هِرٍّ أَوْ دَابَّةٍ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الدُّودُ غَيْرَ الْمُتَمَيِّزِ قَلِيلاً.
وَإِنْ لَمْ يَمُتْ فِي الطَّعَامِ جَازَ أَكْلُهُ مَعَهُ. стр. 2907
هَذَا كُلُّهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الدُّودُ وَنَحْوُهُ تَوَلَّدَ فِي الطَّعَامِ (أَيْ عَاشَ وَتَرَبَّى فِيهِ) ، سَوَاءٌ أَكَانَ فَاكِهَةً أَمْ حُبُوبًا أَمْ تَمْرًا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَكْلُهُ مَعَهُ عِنْدَهُمْ، قَل أَوْ كَثُرَ، مَاتَ فِيهِ أَوْ لاَ، تَمَيَّزَ أَوْ لَمْ يَتَمَيَّزْ. (١)
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَلْحَظُونَ فِيهِ حِينَئِذٍ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَحِل أَكْل الدُّودِ الْمُتَوَلِّدِ فِي طَعَامٍ كَخَلٍّ وَفَاكِهَةٍ بِثَلاَثِ شَرَائِطَ:
الأُْولَى: - أَنْ يُؤْكَل مَعَ الطَّعَامِ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، فَإِنْ أُكِل مُنْفَرِدًا لَمْ يَحِل.
الثَّانِيَةُ: - أَلاَّ يُنْقَل مُنْفَرِدًا، فَإِنْ نُقِل مُنْفَرِدًا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ. وَهَاتَانِ الشَّرِيطَتَانِ مَنْظُورٌ فِيهِمَا أَيْضًا إِلَى مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ.
الثَّالِثَةُ: - أَلاَّ يُغَيِّرَ طَعْمَ الطَّعَامِ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ إِنْ كَانَ مَائِعًا، فَإِنْ غَيَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ وَلاَ شُرْبُهُ، لِنَجَاسَتِهِ حِينَئِذٍ.
وَيُقَاسُ عَلَى الدُّودِ السُّوسُ الْمُتَوَلِّدُ فِي نَحْوِ التَّمْرِ وَالْبَاقِلاَءِ إِذَا طُبِخَا، فَإِنَّهُ يَحِل أَكْلُهُ مَا لَمْ يُغَيِّرِ الْمَاءَ.
وَكَذَا النَّمْل إِذَا وَقَعَ فِي الْعَسَل وَنَحْوِهِ فَطُبِخَ (٢) .
وَقَال أَحْمَدُ فِي الْبَاقِلاَءِ الْمُدَوَّدِ: تَجَنُّبُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَذَّرْ فَأَرْجُو. (٣) وَقَال عَنْ تَفْتِيشِ التَّمْرِ الْمُدَوَّدِ: لاَ بَأْسَ بِهِ. (٤) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أُتِيَ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ فَجَعَل يُفَتِّشُهُ يُخْرِجُ السُّوسَ стр. 2908
مِنْهُ. (١) قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهُوَ أَحْسَنُ.
بَقِيَّةُ الْحَشَرَاتِ:
٥٦ - لِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ بَقِيَّةِ الْحَشَرَاتِ، مَا عَدَا الْجَرَادَ وَالضَّبَّ، وَالدُّودَ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
الأَْوَّل: - حُرْمَةُ أَصْنَافِ الْحَشَرَاتِ كُلِّهَا، لأَِنَّهَا تُعَدُّ مِنَ الْخَبَائِثِ لِنُفُورِ الطَّبَائِعِ السَّلِيمَةِ مِنْهَا. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ. (٢)
الثَّانِي: - حِل أَصْنَافِهَا كُلِّهَا لِمَنْ لاَ تَضُرُّهُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْحِل تَذْكِيَتَهَا: فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ ذُكِّيَتْ كَمَا يُذَكَّى الْجَرَادُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ ذُكِّيَتْ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ مِنْ أَمَامِ الْعُنُقِ بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْفَأْرِ إِذَا عُلِمَ وُصُولُهُ إِلَى النَّجَاسَةِ: إِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وُصُولُهُ إِلَيْهَا فَهُوَ مُبَاحٌ. (٣)
الثَّالِثُ: - التَّفْصِيل بِتَحْرِيمِ بَعْضِ أَصْنَافِهَا دُونَ بَعْضٍ: فَالشَّافِعِيَّةُ: قَالُوا بِإِبَاحَةِ الْوَبَرِ، وَأُمِّ حُبَيْنٍ، وَالْيَرْبُوعِ، وَابْنِ عُرْسٍ، وَالْقُنْفُذِ. أَمَّا أُمُّ حُبَيْنٍ فَلِشَبَهِهَا بِالضَّبِّ، وَأَمَّا الْبَقِيَّةُ فَلأَِنَّهَا غَيْرُ стр. 2909
مُسْتَخْبَثَةٍ (١) .
وَالْحَنَابِلَةُ خَالَفُوا الشَّافِعِيَّةَ فِي الْقُنْفُذِ وَابْنِ عُرْسٍ، فَقَالُوا بِحُرْمَتِهِمَا، وَلَهُمْ رِوَايَتَانِ فِي الْوَبَرِ وَالْيَرْبُوعِ أَصَحُّهُمَا الإِْبَاحَةُ. (٢)
النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ: الْمُتَوَلِّدَاتُ، وَمِنْهَا: الْبِغَال:
٥٧ - يُقْصَدُ بِالْمُتَوَلِّدَاتِ مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ. وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَصْنَافٍ:
الصِّنْفُ الأَْوَّل: مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ حَلاَلَيْنِ. وَهُوَ حَلاَلٌ بِلاَ خِلاَفٍ.
الصِّنْفُ الثَّانِي: مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مُحَرَّمَيْنِ أَوْ مَكْرُوهَيْنِ تَحْرِيمًا. وَهُوَ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا بِلاَ خِلاَفٍ.
الصِّنْفُ الثَّالِثُ: مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَالثَّانِي حَلاَلٌ مَعَ الإِْبَاحَةِ أَوْ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الصِّنْفِ: الْبِغَال. وَفِي حُكْمِهَا تَفْصِيلٌ:
٥٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْبَغْل وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُتَوَلِّدَاتِ يَتْبَعُ أَخَسَّ الأَْصْلَيْنِ. (٣) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ هَذِهِ التَّبِيعَةَ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالتَّوَلُّدِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ وَلَدَتِ الشَّاةُ كَلْبَةً دُونَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا نَزَا عَلَيْهَا كَلْبٌ فَإِنَّهَا تَحِل، لِعَدَمِ الْيَقِينِ بِتَوَلُّدِهَا مِنْ كَلْبٍ، لأَِنَّهُ قَدْ تَقَعُ الْخِلْقَةُ عَلَى خِلاَفِ صُورَةِ الأَْصْل، وَإِنْ كَانَ الْوَرَعُ стр. 2910
تَرْكَهَا.
وَحُجَّتُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ يَتْبَعُ أَخَسَّ الأَْصْلَيْنِ، أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُمَا فَيَجْتَمِعُ فِيهِ حِلٌّ وَحُرْمَةٌ، فَيُغَلَّبُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا. وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي، أَوِ الْحَاظِرُ وَالْمُبِيحُ، غُلِّبَ جَانِبُ الْمَانِعِ الْحَاظِرِ احْتِيَاطًا (١) .
٥٩ - وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْبِغَال تَابِعَةٌ لِلأُْمِّ، فَالْبَغْل الَّذِي أُمُّهُ أَتَانٌ (حِمَارَةٌ) يُكْرَهُ أَكْل لَحْمِهِ تَحْرِيمًا تَبَعًا لأُِمِّهِ، وَاَلَّذِي أُمُّهُ فَرَسٌ يَجْرِي فِيهِ الْخِلاَفُ الَّذِي فِيهِ الْخَيْل: فَيَكُونُ مَكْرُوهًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُبَاحًا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ. فَلَوْ فُرِضَ تَوَلُّدُهُ بَيْنَ حِمَارٍ وَبَقَرَةٍ، أَوْ بَيْنَ حِصَانٍ وَبَقَرَةٍ فَهُوَ مُبَاحٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْحَنَفِيَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ فِي الْمَذْهَبِ، تَبَعًا لأُِمِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمَا يُقَال فِي الْبِغَال يُقَال فِي كُل مُتَوَلِّدٍ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ، (٢) فَالتَّبَعِيَّةُ لِلأُْمِّ هِيَ الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَيُعْرَفُ مِنَ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَحَاشِيَتِهِ لاِبْنِ عَابِدِينَ (٣) أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلأُْمِّ وَلَوْ وَلَدَتِ الْمَأْكُولَةُ مَا صُورَتُهُ صُورَةُ غَيْرِ الْمَأْكُول، كَمَا لَوْ وَلَدَتِ الشَّاةُ ذِئْبًا فَإِنَّهُ يَحِل. (٤)
٦٠ - وَالْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا يَقُولُونَ بِقَاعِدَةِ التَّبَعِيَّةِ لِلأُْمِّ فِي الْحُكْمِ مَعَ بَعْضِ اخْتِلاَفٍ: فَهُمْ يُقَيِّدُونَ ذَلِكَ بِأَلاَّ следующие страницы →