Полный текст (31 949 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
يَقُول الْقَرَافِيُّ: تَصَرُّفَاتُ الْمُكَلَّفِينَ إِمَّا نَقْلٌ أَوْ إِسْقَاطٌ أَوْ. . . إِلَخْ.
وَالنَّقْل يَنْقَسِمُ إِلَى مَا هُوَ بِعِوَضٍ فِي الأَْعْيَانِ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ، أَوْ فِي الْمَنَافِعِ كَالإِْجَارَةِ، وَيَنْدَرِجُ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ وَالْقِرَاضُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْجِعَالَةُ، وَإِلَى مَا هُوَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا. . . إِلَخْ. وَالإِْسْقَاطُ إِمَّا بِعِوَضٍ كَالْخُلْعِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ وَالْكِتَابَةِ، أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالإِْبْرَاءِ مِنَ الدُّيُونِ. . . إِلَخْ (١) .
أَقْسَامُ الْمُعَاوَضَاتِ:
٤ - الْمُعَاوَضَاتُ قِسْمَانِ:
أ - مُعَاوَضَاتٌ مَحْضَةٌ: وَهِيَ مَا يُقْصَدُ فِيهَا الْمَال مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَال مَا يَشْمَل الْمَنْفَعَةَ، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ، وَهَذِهِ الْعُقُودُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِيهَا بِفَسَادِ الْعِوَضِ. (٢)
ب - مُعَاوَضَاتٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ: وَهِيَ مَا يُقْصَدُ فِيهَا الْمَال مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ كَالْخُلْعِ. وَهَذِهِ لاَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِيهَا بِفَسَادِ الْعِوَضِ.
وَلِكُل عَقْدٍ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ - سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَحْضَةً أَمْ غَيْرَ مَحْضَةٍ - أَرْكَانُهُ وَشَرَائِطُهُ الْخَاصَّةُ وَتُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهَا.
شَرَائِطُ إِجْمَالِيَّةٌ لِلاِعْتِيَاضِ:
٥ - فِي الْجُمْلَةِ يَجِبُ أَنْ يَتَوَافَرَ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ مَا يَأْتِي: стр. 3082
أ - أَنْ يَكُونَ مَحَل الْعَقْدِ مِمَّا يُمْكِنُ تَطْبِيقُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ عَلَيْهِ، وَيَصْلُحُ لاِسْتِيفَائِهِ مِنْهُ، فَلاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَمَّا لاَ يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْعَقْدِ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَلاَ عَنِ الْمَعْدُومِ كَنِتَاجِ النِّتَاجِ، وَلاَ عَنِ الْمُبَاحَاتِ كَالْكَلأَِ، وَلاَ الإِْجَارَةِ عَلَى الْمَعَاصِي وَهَكَذَا.
ب - أَنْ يَكُونَ مَحَل الْعَقْدِ خَالِيًا مِنَ الْغَرَرِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ وَالْخِلاَفِ، فَلاَ يَجُوزُ عَقْدُ اعْتِيَاضٍ عَلَى الْجَمَل الشَّارِدِ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَهَكَذَا.
ج - أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ خَالِيًا مِنَ الرِّبَا.
وَالْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ فِيمَا مَرَّ سَوَاءٌ. (١)
وَلاَ يَخْلُو الأَْمْرُ عِنْدَ تَفْصِيل ذَلِكَ وَتَطْبِيقِهِ عَلَى الْفُرُوعِ وَالْجُزْئِيَّاتِ مِنِ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ وَتَشَعُّبِ آرَائِهِمْ فِيهِ، يَقُول الْكَاسَانِيُّ: الْعِوَضُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمُطْلَقَةِ قَدْ يَكُونُ عَيْنًا، وَقَدْ يَكُونُ دَيْنًا، وَقَدْ يَكُونُ مَنْفَعَةً، إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي بَعْضِ الأَْعْوَاضِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال دُونَ بَعْضٍ. (٢)
فَمَثَلاً صِفَةُ الْجَوْدَةِ فِي الأَْمْوَال يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنْهَا، لَكِنَّ ذَلِكَ سَاقِطٌ فِي الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ تَعَبُّدًا (٣) لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ (٤) стр. 3083
فَبَقِيَتْ مُتَقَوَّمَةً فِي غَيْرِهَا عَلَى الأَْصْل.
٦ - أَمَّا فِي الْمُعَاوَضَاتِ غَيْرِ الْمَحْضَةِ، فَإِنَّهُ يُتَسَامَحُ فِيهَا مَا لاَ يُتَسَامَحُ فِي غَيْرِهَا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:
أ - مَا جَاءَ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: يَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَى مَا لاَ يَصِحُّ مَهْرًا لِجَهَالَةٍ أَوْ غَرَرٍ، لأَِنَّ الْخُلْعَ إِسْقَاطُ حَقِّهِ مِنَ الْبُضْعِ، وَالإِْسْقَاطُ يَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ. وَمِثْل ذَلِكَ فِي مِنَحِ الْجَلِيل. (١)
ب - مَا جَاءَ فِي الْعِنَايَةِ بِهَامِشِ تَكْمِلَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعِوَضِ فِي الْهِبَةِ أَنْ يُسَاوِيَ الْمَوْهُوبَ، بَل الْقَلِيل وَالْكَثِيرُ، الْجِنْسُ وَخِلاَفُهُ سَوَاءٌ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ فَلاَ يَتَحَقَّقُ فِيهَا الرِّبَا. (٢)
وَفِي الدُّسُوقِيِّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: هِبَةُ الثَّوَابِ تَجُوزُ مَعَ جَهْل عِوَضِهَا وَجَهْل أَجَلِهِ. (٣)
ج - مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْكِتَابَةُ بِالْغَرَرِ جَائِزَةٌ، كَآبِقٍ وَشَارِدٍ وَثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ. (٤)
٧ - فِي الاِعْتِيَاضِ عَنِ الْحُقُوقِ يَجِبُ مُرَاعَاةُ الآْتِي:
أ - لاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ ، كَحَدِّ الزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ. (٥)
ب - لاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنِ حَقِّ الْغَيْرِ كَنَسَبِ стр. 3084
الصَّغِيرِ. (١)
ج - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنِ الْحُقُوقِ الَّتِي ثَبَتَتْ لإِِزَالَةِ الضَّرَرِ، وَهِيَ مَا تُسَمَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْحُقُوقِ الْمُجَرَّدَةِ، كَحَقِّ الشُّفْعَةِ، وَهِبَةِ الزَّوْجَةِ لَيْلَتَهَا لإِِحْدَى ضَرَائِرِهَا. وَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) . (ر: إِسْقَاطٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٨ - الاِعْتِيَاضُ يَأْتِي فِي كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، كَالْبَيْعِ، وَالإِْجَارَةِ، وَالصُّلْحِ، وَالْهِبَةِ، وَالْخُلْعِ.
أَعْجَمِيٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْعْجَمِيُّ هُوَ مَنْ لاَ يُفْصِحُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الْعَجَمِ أَمْ مِنَ الْعَرَبِ. أَمَّا الْعَجَمِيُّ فَهُوَ مَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْعَرَبِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فَصِيحَا أَمْ غَيْرَ فَصِيحٍ، وَأَصْل الْكَلِمَةِ: الأَْعْجَمُ، وَهُوَ مَنْ لاَ يُفْصِحُ وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فَيَاءُ النِّسْبَةِ فِي الأَْعْجَمِيِّ لِلتَّوْكِيدِ. وَجَمْعُهُ أَعْجَمِيُّونَ، وَغَالِبًا مَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْعَرَبِيِّ مِمَّنْ يَنْطِقُ بِلُغَاتٍ أُخْرَى مِنَ اللُّغَاتِ стр. 3085
الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْعَالَمِ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ اللُّغَوِيَّيْنِ.
٢ - الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْعْجَمُ:
مِنْ مَعَانِي الأَْعْجَمِ أَيْضًا: مَنْ لاَ يَنْطِقُ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ. وَمُؤَنَّثُهُ عَجْمَاءُ.
ب - اللَّحَّانُ:
وَهُوَ الْعَرَبِيُّ الَّذِي يَمِيل عَنْ جِهَةِ الاِسْتِقَامَةِ فِي الْكَلاَمِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الأَْعْجَمِيَّ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فَإِنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ التَّكْبِيرُ بِغَيْرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ، وَالدَّلِيل أَنَّ النُّصُوصَ أَمَرَتْ بِذَلِكَ اللَّفْظِ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْدِل عَنْهَا.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُهُ وَلَوْ كَانَ يُحْسِنُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٣) وَهَذَا قَدْ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.
أَمَّا إِنْ كَانَ الأَْعْجَمِيُّ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ بِهَا، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ التَّكْبِيرُ بِلُغَتِهِ بَعْدَ تَرْجَمَةِ مَعَانِيهَا بِالْعَرَبِيَّةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، أَيًّا كَانَتْ تِلْكَ اللُّغَةُ، لأَِنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يَحْصُل بِكُل لِسَانٍ، فَاللُّغَةُ غَيْرُ الْعَرَبِيَّةِ بَدِيلٌ لِذَلِكَ. وَيَلْزَمُهُ تَعَلُّمُ ذَلِكَ. стр. 3086
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنِ التَّكْبِيرِ بِالْعَرَبِيَّةِ سَقَطَ عَنْهُ، وَيَكْتَفِي مِنْهُ بِنِيَّةِ الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ. (١) وَعَلَى هَذَا الْخِلاَفِ جَمِيعُ أَذْكَارِ الصَّلاَةِ مِنَ التَّشَهُّدِ وَالْقُنُوتِ وَالدُّعَاءِ وَتَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
٤ - أَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْل صَاحِبَيْهِ. وَدَلِيل عَدَمِ الْجَوَازِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٢) ، وَلأَِنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ، فَإِذَا غُيِّرَ خَرَجَ عَنْ نَظْمِهِ، فَلَمْ يَكُنْ قُرْآنًا وَإِنَّمَا يَكُونُ تَفْسِيرًا لَهُ. هَذَا فِي الصَّلاَةِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهَا فَلاَ يُسَمَّى قُرْآنًا مَا يَقْرَأُ مِنْ تَرْجَمَةِ مَعَانِيهِ. (٣)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ: (صَلاَةٌ) (وَقِرَاءَةٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - يُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ، وَيَتَكَلَّمُونَ عَنِ الطَّلاَقِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فِي بَابِهِ، وَعَنِ الشَّهَادَةِ بِالأَْعْجَمِيَّةِ فِي الشَّهَادَةِ. стр. 3087
أَعْذَارٌ
اُنْظُرْ: عُذْرٌ.
إِعْذَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الإِْعْذَارِ لُغَةً: الْمُبَالَغَةُ، يُقَال: أَعْذَرَ فِي الأَْمْرِ، إِذَا بَالَغَ فِيهِ، وَفِي الْمَثَل: أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، يُقَال ذَلِكَ لِمَنْ يَحْذَرُ أَمْرًا يُخَافُ، سَوَاءٌ حَذَّرَ أَمْ لَمْ يُحَذِّرْ، وَأَعْذَرَ أَيْضًا: صَارَ ذَا عُذْرٍ، قِيل: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ. وَعَذَرْتُ الْغُلاَمَ وَالْجَارِيَةَ عُذْرًا: خَتَنْتُهُ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَأَعْذَرْتُهُ لُغَةً فِيهِ، وَالإِْعْذَارُ أَيْضًا: طَعَامٌ يُتَّخَذُ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، وَيُقَال: هُوَ طَعَامُ الْخِتَانِ خَاصَّةً، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُسَمًّى بِهِ، يُقَال: أَعْذَرَ إِعْذَارًا: إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ الطَّعَامَ.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعَانِي السَّابِقَةِ.
قَال ابْنُ سَهْلٍ: وَالإِْعْذَارُ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْعُذْرِ، وَمِنْهُ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، أَيْ قَدْ بَالَغَ فِي الإِْعْذَارِ مَنْ تَقَدَّمَ إِلَيْكَ فَأَنْذَرَكَ، وَمِنْهُ إِعْذَارُ الْقَاضِي إِلَى مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ يُؤْخَذُ مِنْهُ، فَيُعْذِرُ إِلَيْهِ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (١) . стр. 3088
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْنْذَارُ:
٢ - الإِْنْذَارُ: الإِْبْلاَغُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل فِي التَّخْوِيفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآْزِفَةِ﴾ (١) أَيْ خَوِّفْهُمْ عَذَابَ هَذَا الْيَوْمِ. (٢) فَيَجْتَمِعُ مَعَ الإِْعْذَارِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِبْلاَغٌ مَعَ تَخْوِيفٍ إِلاَّ أَنَّ فِي الإِْعْذَارِ الْمُبَالَغَةَ.
ب - الإِْعْلاَمُ:
٣ - الإِْعْلاَمُ: مَصْدَرُ أَعْلَمَ. يُقَال أَعْلَمْتُهُ الْخَبَرَ: أَيْ عَرَّفْتُهُ إِيَّاهُ، فَهُوَ يَجْتَمِعُ مَعَ الإِْعْذَارِ فِي أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَعْرِيفًا، إِلاَّ أَنَّ فِي الإِْعْذَارِ الْمُبَالَغَةَ.
ج - الإِْبْلاَغُ:
٤ - الإِْبْلاَغُ: مَصْدَرُ أَبْلَغَ، وَالاِسْمُ مِنْهُ الْبَلاَغُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الإِْيصَال. يُقَال: أَبْلَغْتُهُ السَّلاَمَ: أَيْ أَوْصَلْتُهُ إِيَّاهُ. فَهُوَ يَجْتَمِعُ مَعَ الإِْعْذَارِ فِي أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِيصَالاً لِمَا يُرَادُ، لَكِنَّ الإِْعْذَارَ يَنْفَرِدُ بِالْمُبَالَغَةِ.
د - التَّحْذِيرُ:
٥ - التَّحْذِيرُ: التَّخْوِيفُ مِنْ فِعْل الشَّيْءِ. يُقَال: حَذَّرْتُهُ الشَّيْءَ فَحَذِرَهُ: إِذَا خَوَّفْتُهُ فَخَافَهُ، فَهُوَ يَجْتَمِعُ مَعَ الإِْعْذَارِ فِي التَّخْوِيفِ، وَيَنْفَرِدُ الإِْعْذَارُ بِأَنَّهُ لِقَطْعِ الْعُذْرِ (٣) .
هـ - الإِْمْهَال:
٦ - الإِْمْهَال لُغَةً: مَصْدَرُ أَمْهَل، وَهُوَ التَّأْخِيرُ. وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ ذَلِكَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِْعْذَارِ: أَنَّ الإِْعْذَارَ قَدْ يَكُونُ مَعَ ضَرْبِ مُدَّةٍ وَقَدْ لاَ يَكُونُ. وَالإِْمْهَال لاَ يَكُونُ إِلاَّ مَعَ ضَرْبِ стр. 3089
مُدَّةٍ (١) . كَمَا أَنَّ الإِْمْهَال لاَ تُلاَحَظُ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ -
و التَّلَوُّمُ:
٧ - التَّلَوُّمُ لُغَةً: الاِنْتِظَارُ وَالتَّمَكُّثُ، وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ، إِذْ يُرَادُ بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَدَمُ الْفَوْرِيَّةِ فِي الأَْمْرِ، بَل يُطْلَقُ الاِنْتِظَارُ فِي كُل أَمْرٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ (٢) .
وَالْكَلاَمُ فِي هَذَا الْبَحْثِ خَاصٌّ بِالإِْعْذَارِ بِمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي قَطْعِ الْعُذْرِ. أَمَّا بِمَعْنَى الْخِتَانِ أَوِ الطَّعَامِ الْمَصْنُوعِ لِسُرُورٍ حَادِثٍ فَيُنْظَرُ الْكَلاَمُ فِيهِمَا تَحْتَ عِنْوَانَيْ: (خِتَانٌ، وَوَلِيمَةٌ) .
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٨ - مَوَاطِنُ الإِْعْذَارِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلَيْسَ لَهَا حُكْمٌ وَاحِدٌ يَجْمَعُهَا، لَكِنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ مَطْلُوبٌ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِحَسَبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَرَاهُ وَاجِبًا فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ مُسْتَحَبًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ عَلَى نَحْوِ مَا يَأْتِي.
دَلِيل الْمَشْرُوعِيَّةِ:
٩ - الأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّةِ الإِْعْذَارِ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِْسْرَاءِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْل فِي قِصَّةِ الْهُدْهُدِ: ﴿لأَُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأََذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (٤) وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِالأُْولَى: أَنَّ اللَّهَ لاَ يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذَابٍ إِلاَّ بَعْدَ الرِّسَالَةِ إِلَيْهِمْ وَالإِْنْذَارِ، وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ стр. 3090
لِلْعَذَابِ.
وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِالثَّانِيَةِ: أَنَّ فِيهَا دَلِيلاً عَلَى أَنَّ الإِْمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَل عُذْرَ رَعِيَّتِهِ، وَيَدْرَأَ الْعُقُوبَةَ عَنْهُمْ فِي ظَاهِرِ أَحْوَالِهِمْ بِبَاطِنِ أَعْذَارِهِمْ، لأَِنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يُعَاقِبِ الْهُدْهُدَ حِينَ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ. (١)
الإِْعْذَارُ فِي الرِّدَّةِ (الاِسْتِتَابَةُ) :
١٠ - (الرِّدَّةُ) : الرُّجُوعُ عَنِ الإِْسْلاَمِ قَوْلاً أَوْ فِعْلاً عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِيمَا يَكُونُ رِدَّةً أَوْ لاَ يَكُونُ، يُنْظَرُ تَحْتَ عِنْوَانَيْ: (إِسْلاَمٌ، رِدَّةٌ) .
حُكْمُ الإِْعْذَارِ إِلَى الْمُرْتَدِّ:
١١ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ اسْتِتَابَةَ الْمُرْتَدِّ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنِ ارْتَدَّ عُرِضَ عَلَيْهِ الإِْسْلاَمُ اسْتِحْبَابًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتُكْشَفُ شُبْهَتُهُ وَيُحْبَسُ وُجُوبًا، وَقِيل: نَدْبًا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الإِْسْلاَمُ فِي كُل يَوْمٍ مِنْهَا إِنْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ لِيَتَفَكَّرَ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ مُهْلَةً بَعْدَ عَرْضِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِ وَكَشْفِ شُبْهَتِهِ قُتِل مِنْ سَاعَتِهِ، إِلاَّ إِذَا رُجِيَ إِسْلاَمُهُ فَإِنَّهُ يُمْهَل، قِيل: وُجُوبًا، وَقِيل: اسْتِحْبَابًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَإِذَا ارْتَدَّ ثَانِيًا ثُمَّ تَابَ ضَرَبَهُ الإِْمَامُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَإِنِ ارْتَدَّ ثَالِثًا ضَرَبَهُ الإِْمَامُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَحَبَسَهُ حَتَّى تَظْهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ التَّوْبَةِ، وَيَرَى أَنَّهُ مُخْلِصٌ ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَهُ، فَإِنْ عَادَ فُعِل بِهِ هَكَذَا.
لَكِنْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ آخَرِ حُدُودِ الْخَانِيَّةِ стр. 3091
مَعْزِيًّا لِلْبَلْخِيِّ مَا يُفِيدُ قَتْلَهُ بِلاَ اسْتِتَابَةٍ، لِحَدِيثِ: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (١) ، وَكُرِهَ تَنْزِيهًا قَتْلُهُ قَبْل الْعَرْضِ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ قَبْل الْعَرْضِ فَلاَ ضَمَانَ، لأَِنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ لِلدَّمِ.
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الاِسْتِتَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْتِتَابَتَهُ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. أَنَّ الْمُرْتَدَّ لاَ يُقْتَل حَتَّى يُسْتَتَابَ وُجُوبًا، وَمُدَّةُ الاِسْتِتَابَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، وَفِي قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَالأَْيَّامُ الثَّلاَثَةُ، هِيَ مِنْ يَوْمِ الثُّبُوتِ لاَ مِنْ يَوْمِ الْكُفْرِ، وَلاَ يُحْسَبُ يَوْمُ الرَّفْعِ إِلَى الْحَاكِمِ، وَلاَ يَوْمُ الثُّبُوتِ إِنْ كَانَ الثُّبُوتُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلاَ يُعَاقَبُ بِجُوعٍ وَلاَ عَطَشٍ وَلاَ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِقَابِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ بِالتَّوْبَةِ فَإِنْ تَابَ تُرِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِل، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَل فِي الْحَال بِلاَ اسْتِتَابَةٍ.
دَلِيل الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ:
١٢ - احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الاِسْتِتَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَتَابَ (٢) الْمُرْتَدُّ، وَبِمَا رَوَى الإِْمَامُ стр. 3092
مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيَّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَجُلٌ مِنْ قِبَل أَبِي مُوسَى فَقَال لَهُ عُمَرُ: هَل مِنْ مُغْرِبَةِ خَبَرٍ؟ قَال: نَعَمْ. رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ، فَقَال: مَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَال: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ. فَقَال عُمَرُ: فَهَلاَّ حَبَسْتُمُوهُ ثَلاَثًا، فَأَطْعَمْتُمُوهُ رَغِيفًا كُل يَوْمٍ وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ أَوْ يُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي.
وَلَوْ لَمْ تَجِبِ اسْتِتَابَتُهُ لَمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَلأَِنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِصْلاَحُهُ فَلَمْ يَجُزْ إِتْلاَفُهُ قَبْل اسْتِصْلاَحِهِ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَأَمَّا الأَْمْرُ بِقَتْلِهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ. فَالْمُرَادُ بِهِ قَتْلُهُ بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ. (١)
الإِْعْذَارُ إِلَى الْمُرْتَدَّةِ:
١٣ - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ فِي وُجُوبِ قَتْل الْمُرْتَدِّ أَوِ الْمُرْتَدَّةِ بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ إِنْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَى الإِْسْلاَمِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ فِي وُجُوبِ الإِْعْذَارِ أَوِ اسْتِحْبَابِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ ﵄، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَكْحُولٌ وَحَمَّادٌ وَاللَّيْثُ وَالأَْوْزَاعِيُّ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّهَا تُسْتَرَقُّ وَلاَ تُقْتَل، لأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى الإِْسْلاَمِ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَلاَ تُقْتَل، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ стр. 3093
تَقْتُلُوا امْرَأَةً (١) ، وَلأَِنَّهَا لاَ تُقْتَل بِالْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ فَلاَ تُقْتَل بِالطَّارِئِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ إِذْ قَالُوا: إِنَّهَا تُقْتَل إِنْ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى الإِْسْلاَمِ، لَكِنْ تُسْتَبْرَأُ قَبْل الْقَتْل بِحَيْضَةٍ، خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً، فَإِنْ حَاضَتْ أَيَّامَ الاِسْتِتَابَةِ انْتُظِرَ تَمَامُهَا فَيُنْتَظَرُ أَقْصَرُ الأَْجَلَيْنِ، فَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أُخِّرَتْ حَتَّى تَضَعَ. (٢)
وَمُقْتَضَى مَا ذُكِرَ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُسْتَتَابُ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ، فَإِنْ رَجَعَتْ إِلَى الإِْسْلاَمِ وَإِلاَّ قُتِلَتْ، وَأَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ جَبْرُهَا عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ.
الإِْعْذَارُ فِي الْجِهَادِ:
١٤ - الْحَرْبِيُّونَ هُمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ بِبِلاَدِ الْكُفْرِ، وَلاَ صُلْحَ لَهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ (٣) . فَهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ يُحَارَبُونَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٤) . وَشَرْطُ مُحَارَبَتِهِمْ بُلُوغُ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِمْ فَلاَ تَجُوزُ مُحَارَبَتُهُمْ قَبْل ذَلِكَ، وَهُوَ أَمْرٌ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى стр. 3094
نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١)
وَلَكِنْ هَل يَجِبُ تَكْرَارُ دَعْوَتُهُمْ إِذَا تَكَرَّرَتْ مُحَارَبَتُهُمْ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ تَكْرَارُ دَعْوَتِهِمْ، بَل يُسْتَحَبُّ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْغُزَاةِ الاِفْتِتَاحُ بِهِ حَالَةَ الْوَقْعَةِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ الأَْمْرَ فِيهِ لاَ يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ قَدْ بَلَغَتْهُمْ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ، فَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَةُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ فَعَلَيْهِمُ الاِفْتِتَاحُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ بِاللِّسَانِ، لِقَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿اُدْعُ إِلَى سَبِيل رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وَلاَ يَجُوزُ لَهُمُ الْقِتَال قَبْل الدَّعْوَةِ، لأَِنَّ الإِْيمَانَ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَبْل بُلُوغِ الدَّعْوَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْل، فَاسْتَحَقُّوا الْقَتْل بِالاِمْتِنَاعِ، لَكِنَّ اللَّهَ ﵎ حَرَّمَ قِتَالَهُمْ قَبْل بَعْثِ الرَّسُول ﵊، وَبُلُوغِ الدَّعْوَةِ إِيَّاهُمْ فَضْلاً مِنْهُ وَمِنَّةً، قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ لاَ عُذْرَ لَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ، لَمَّا أَقَامَ مِنَ الدَّلاَئِل الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَوْ تَأَمَّلُوهَا حَقَّ التَّأَمُّل وَنَظَرُوا فِيهَا لَعَرَفُوا حَقَّ اللَّهِ ﵎ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ تَفَضَّل عَلَيْهِمْ بِإِرْسَال الرُّسُل صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، لِئَلاَّ يَبْقَى لَهُمْ شُبْهَةُ عُذْرٍ فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ (٣) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلأَِنَّ الْقِتَال مَا فُرِضَ لِعَيْنِهِ، بَل لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ.
وَالدَّعْوَةُ دَعْوَتَانِ: دَعْوَةُ بِالْبَنَانِ وَهِيَ الْقِتَال، стр. 3095
وَدَعْوَةُ بِالْبَيَانِ وَهِيَ اللِّسَانُ، وَذَلِكَ بِالتَّبْلِيغِ، وَالثَّانِيَةُ أَهْوَنُ مِنَ الأُْولَى، لأَِنَّ فِي الْقِتَال مُخَاطَرَةَ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ وَالْمَال، وَلَيْسَ فِي دَعْوَةِ التَّبْلِيغِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا احْتَمَل حُصُول الْمَقْصُودِ بِأَهْوَنِ الدَّعْوَتَيْنِ لَزِمَ الاِفْتِتَاحُ بِهَا، هَذَا إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ. فَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَفْتَتِحُوا الْقِتَال مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُجَّةَ لاَزِمَةٌ، وَالْعُذْرُ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْقَطِعٌ، وَشُبْهَةُ الْعُذْرِ انْقَطَعَتْ بِالتَّبْلِيغِ مَرَّةً، لَكِنْ مَعَ هَذَا الأَْفْضَل أَلاَّ يَفْتَتِحُوا الْقِتَال إِلاَّ بَعْدَ تَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ لِرَجَاءِ الإِْجَابَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُقَاتِل الْكَفَرَةَ حَتَّى يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ (١) . فِيمَا كَانَ دَعَاهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ. دَل أَنَّ الاِفْتِتَاحَ بِتَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ أَفْضَل، ثُمَّ إِذَا دَعَوْهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَإِنْ أَسْلَمُوا كَفُّوا عَنْهُمُ الْقِتَال، لِقَوْلِهِ ﵊: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا (٢) وَقَوْلُهُ ﵊ مَنْ قَال: стр. 3096
لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي دَمَهُ وَمَالَهُ (١) فَإِنْ أَبَوِا الإِْجَابَةَ إِلَى الإِْسْلاَمِ دَعَوْهُمْ إِلَى الذِّمَّةِ إِلاَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ (لأَِنَّهُ لاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ) فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا اسْتَعَانُوا بِاَللَّهِ عَلَى قِتَالِهِمْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَى أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ وُجُوبًا سَوَاءٌ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ أَمْ لاَ، مَا لَمْ يُعَاجِلُونَا بِالْقِتَال أَوْ يَكُونُ الْجَيْشُ قَلِيلاً، قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل كَانَتْ إِغَارَةُ سَرَايَاهُ ﵊.
وَلِلْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِقَوْلِهِ: أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ لاَ يُدْعَوْنَ قَبْل الْقِتَال، لأَِنَّ الدَّعْوَةَ قَدِ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إِلاَّ نَادِرًا بَعِيدًا. وَأَمَّا عَبَدَةُ الأَْوْثَانِ فَإِنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْهُمْ لاَ يُدْعَوْنَ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ دُعِيَ قَبْل الْقِتَال، قَال أَحْمَدُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو إِلَى الإِْسْلاَمِ قَبْل أَنْ يُحَارِبَ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلاَ الإِْسْلاَمُ، وَلاَ أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى، قَدْ بَلَغَتِ الدَّعْوَةُ كُل أَحَدٍ، فَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ، وَإِنْ دَعَا فَلاَ بَأْسَ. (٢) стр. 3097
الإِْعْذَارُ إِلَى الْبُغَاةِ:
١٥ - الْبُغَاةُ: هُمُ الْخَارِجُونَ عَلَى الإِْمَامِ الْحَقِّ بِتَأْوِيلٍ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ (١) . وَقَدِ اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمُ الإِْمَامُ أَمِينًا فَطِنًا نَاصِحًا يَسْأَلُهُمْ مَا يَنْقِمُونَ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةً أَوْ شُبْهَةً أَزَالَهَا، فَإِنْ أَصَرُّوا بَعْدَ الإِْعْذَارِ نَصَحَهُمْ، بِأَنْ يَعِظَهُمْ وَيَأْمُرَهُمْ بِالْعَوْدَةِ إِلَى طَاعَتِهِ، فَإِنِ اسْتَمْهَلُوهُ اجْتَهَدَ فِي الإِْمْهَال، وَفَعَل مَا رَآهُ صَوَابًا.
وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُعَاجِلُوا بِالْقِتَال، فَإِنْ عَاجَلُوا قُوتِلُوا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ دَعْوَتَهُمْ إِلَى طَاعَةِ الإِْمَامِ وَكَشْفَ شُبْهَتِهِمْ أَمْرٌ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ وَاجِبًا، وَلَوْ قَاتَلَهُمْ بِلاَ دَعْوَةٍ جَازَ. (٢)
الإِْعْذَارُ فِي الدَّعْوَى:
١٦ - الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ كُل مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ، إِمَّا بِإِقْرَارٍ، إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ إِمْرَارُهُ، وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ دَفْعِ الدَّعْوَى وَبَعْدَ الإِْعْذَارِ إِلَيْهِ قَبْل الْحُكْمِ، وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِ الاِسْتِبْرَاءِ، إِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ عَلَى غَائِبٍ، وَإِمَّا بِلَدَدِهِ وَتَغَيُّبِهِ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَلَدَدِهِ عَنِ الْجَوَابِ عَنِ الدَّعْوَى.
وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعٌ: مِنْهُمُ الْحَاضِرُ الْمَالِكُ стр. 3098
أَمْرَهُ، وَمِنْهُمُ الْغَائِبُ الصَّغِيرُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمُ السَّفِيهُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَمِنْهُمُ الْوَرَثَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فِي مَال الْمَيِّتِ وَفِيهِمُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ. (١)
فَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَاضِرًا بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَادُّعِيَتِ الدَّعْوَى وَكَانَتْ مُسْتَوْفِيَةَ الشُّرُوطِ، طَلَبَ الْقَاضِي مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابَ عَنْهَا، وَسَارَ الْقَاضِي فِيهَا حَسْبَمَا هُوَ مُدَوَّنٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ.
فَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى، فَهَل يَحْكُمُ الْقَاضِي بِمُقْتَضَى الإِْقْرَارِ حَالاً، أَوْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ إِجْرَاءً آخَرَ جَائِزًا أَوْ وَاجِبًا؟
قَال الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: يُقْضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ آخَرَ كَالإِْعْذَارِ وَنَحْوِهِ. (٢)
وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ بُدَّ لِلْحُكْمِ بِمُقْتَضَى الإِْقْرَارِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الإِْقْرَارِ شَاهِدَانِ.
وَفِي الْمَذَاهِبِ تَفْصِيلاَتٌ فِي الإِْعْذَارِ إِلَى الْغَائِبِ عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فِي حُكْمِ الإِْعْذَارِ وَفِي وَقْتِهِ، وَفِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يُعْذَرُ إِلَيْهِ فِيهَا، وَفِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي يَمْتَنِعُ الإِْعْذَارُ إِلَيْهِ.
وَفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ إِلاَّ بَعْدَ الإِْعْذَارِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُقْضَى عَلَيْهِ. وَتَخْتَلِفُ الْمَذَاهِبُ стр. 3099
فِي زَمَنِ الإِْعْذَارِ وَكَيْفِيَّتِهِ (١) .
مَا يَسْقُطُ بِهِ الإِْعْذَارُ:
١٧ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: كُل مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِحَقٍّ مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، أَوْ دَعْوَى بِفَسَادٍ أَوْ تَعَدٍّ أَوْ غَصْبٍ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْعْذَارِ إِلَيْهِ قَبْل الْحُكْمِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْفَسَادِ الظَّاهِرِ، أَوْ مِنَ الزَّنَادِقَةِ الْمَشْهُورِينَ بِمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ، فَلاَ يُعْذَرُ إِلَيْهِمْ فِيمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ. كَمَا حَدَثَ بِالنِّسْبَةِ لأَِبِي الْخَيْرِ الزِّنْدِيقِ، لَمَّا شَهِدَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَاهِدًا أَمَامَ قَاضِي الْجَمَاعَةِ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ بِأَنَّهُ يُصَرِّحُ بِالْكُفْرِ وَالاِنْسِلاَخِ مِنَ الإِْيمَانِ، فَأَشَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنْ يُعْذَرَ إِلَيْهِ فِيمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَشَارَ قَاضِي الْجَمَاعَةِ وَبَعْضٌ آخَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ يُقْتَل بِغَيْرِ إِعْذَارٍ، لأَِنَّهُ مُلْحِدٌ كَافِرٌ، وَقَدْ وَجَبَ قَتْلُهُ بِدُونِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ فَقُتِل بِغَيْرِ إِعْذَارٍ، فَقِيل لأَِحَدِهِمْ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ وَجْهَ الْحُكْمِ، فَذُكِرَ أَنَّ الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي الْفُتْيَا بِالْقَتْل بِدُونِ إِعْذَارٍ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ قَطْعُ الإِْعْذَارِ عَمَّنِ اسْتَفَاضَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَاتُ فِي الظُّلْمِ، وَعَلَى مَذْهَبِهِ فِي السَّلاَّبَةِ وَالْمُغَيِّرِينَ وَأَشْبَاهِهِمْ، إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِمُ الْمَسْلُوبُونَ وَالْمُنْتَهَبُونَ أَنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِمْ - إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْل الْقَبُول - بِدُونِ إِعْذَارٍ. وَكَذَلِكَ لاَ يُعْذَرُ فِي مِثْل رَجُلٍ يَتَعَلَّقُ بِرَجُلٍ، وَجُرْحُهُ يُدْمِي، فَيُصَدَّقُ بِقَوْلِهِ. وَفِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالرَّجُل فِي стр. 3100
الْمَكَانِ الْخَالِي وَقَدْ فَضَحَتْ نَفْسَهَا بِإِصَابَتِهِ لَهَا، فَتُصَدَّقُ بِفَضِيحَةِ نَفْسِهَا. وَمِثْل هَذَا كَثِيرٌ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الرَّسُول ﷺ قَال: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ (١) وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الأَْصْل فِي هَذَا الْبَابِ وَلاَ إِعْذَارَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَإِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵃، وَهُمَا أَيْضًا مَلاَذُ الْحُكَّامِ فِي الأَْحْكَامِ، وَلاَ إِعْذَارَ مِنْهُمَا وَلاَ إِقَالَةَ مِنْ حُجَّةٍ وَلاَ كَلِمَةٍ، غَيْرَ أَنَّ الإِْعْذَارَ فِيمَا يَتَحَاكَمُ فِيهِ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ أَسْبَابِ الدِّيَانَاتِ اسْتِحْسَانٌ مِنَ الأَْئِمَّةِ، فَأَمَّا فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي الإِْلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ وَالرَّسُول ﵊ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ عِنْدَهُمْ. قَالُوا: وَمَا يَمْتَنِعُ فِيهِ الإِْعْذَارُ كَثِيرٌ (٢) وَلَمْ يُعْثَرْ عَلَى أَقْوَالٍ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى فِي مِثْل هَذَا.
التَّأْجِيل فِي الإِْعْذَارِ:
١٨ - الإِْعْذَارُ يَكُونُ إِلَى الْمُدَّعِي، فَيَقُول لَهُ الْقَاضِي: أَبَقِيَتْ لَكَ حَجَّةٌ؟ وَقَدْ يَكُونُ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُهُ الْقَاضِي: أَلَكَ دَفْعٌ فِيمَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْكَ؟ فَإِذَا أَعْذَرَ الْقَاضِي إِلَى مَنْ تَوَجَّهَ الإِْعْذَارُ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُدَّعِيًا أَمْ مُدَّعًى عَلَيْهِ. وَقَال: نَعَمْ، وَسَأَلَهُ التَّأْجِيل، ضَرَبَ لَهُ أَجَلاً بِحَسَبِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ حَسَبَ اجْتِهَادِهِ فِي بُلُوغِ مَنْ أُجِّل لَهُ стр. 3101
الْوُصُول إِلَى قَصْدِهِ بِغَيْرِ إِضْرَارٍ بِخَصْمِهِ، فَإِنْ كَانَ التَّأْجِيل لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَتَى بِدَفْعٍ فِيمَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ، وَسَأَل الْمُدَّعِي التَّأْجِيل أَيْضًا، وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ دَفْعًا فِيمَا جَاءَ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ضَرَبَ لَهُ أَجَلاً أَيْضًا، وَتَلَوَّمَ عَلَيْهِ (انْتَظَرَ) حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ، وَيَظْهَرَ عَجْزُ أَحَدِهِمَا، فَيُقْضَى عَلَى نَحْوِ مَا ثَبَتَ. (١) وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ.
آجَالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الشَّارِعِ:
١٩ - هُنَاكَ آجَالٌ لاَ يَدْخُلُهَا اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ، بَل هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ لأَِجْل الإِْعْذَارِ، مِنْهَا: تَأْجِيل الْعِنِّينِ، وَسَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي (أَجَلٌ) وَيَأْتِي فِي (عُنَّةٌ) .
إِعْذَارُ الْمُولِي:
٢٠ - فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، عَرَّفُوا الإِْيلاَءَ بِأَنَّهُ: الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الزَّوْجِ وَطْءَ زَوْجَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الزَّوْجَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، فَالْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ فِي أَقَل الْمُدَّةِ الَّتِي يَحْلِفُ عَلَى التَّرْكِ فِيهَا، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَالإِْعْذَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُولِي يَقِفُهُ (يُحْضِرُهُ) الْقَاضِي بَعْدَ تَمَامِ الأَْشْهُرِ الأَْرْبَعَةِ، إِذَا رَافَعَتْهُ امْرَأَتُهُ فَيَأْمُرُهُ بِالْفَيْئَةِ، فَإِنْ أَبَى أَمَرَهُ بِالطَّلاَقِ، وَلاَ تَطْلُقُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَهَذَا هُوَ رَأْيُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ وَمُجَاهِدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ (٢) . стр. 3102
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَقْرَبْهَا، فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى إِنْشَاءِ تَطْلِيقٍ، أَوِ الْحُكْمِ بِالتَّفْرِيقِ.
وَالْمُرَادُ بِالأَْشْهُرِ الأَْشْهُرُ الْقَمَرِيَّةُ، وَتَبْدَأُ مِنْ تَارِيخِ الْحَلِفِ وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ. (١) وَيُنْظَرُ أَيْضًا مُصْطَلَحُ (أَجَلٌ) وَمُصْطَلَحُ (إِيلاَءٌ) .
إِعْذَارُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ:
٢١ - الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبَيِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ الزَّوْجَةَ لاَ حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً يَسْتَقِرُّ بِهَا الْمَهْرُ وَهَذَا فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا دِيَانَةً فَلَهَا الْحَقُّ فِي كُل أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهَا أَجَلاً لِمَنْ آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْوَطْءَ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ. وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لاَ يَجِبُ إِلاَّ أَنْ يَتْرُكَ لِلإِْضْرَارِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمَوَّاقُ أَنَّ مَنْ وَاصَل الْعِبَادَةَ وَتَرَكَ الْوَطْءَ لَمْ يُنْهَ عَنْ تَبَتُّلِهِ، وَقِيل لَهُ: إِمَّا وَطِئْتَ أَوْ فَارَقْتَ. قَال مَالِكٌ: وَأَرَى أَنْ يُقْضَى بِذَلِكَ. قَال ابْنُ حَبِيبٍ: إِنْ كَانَ زَاهِدًا قَاضَتْهُ امْرَأَتُهُ، وَقِيل لَهُ: تَخْلُو مَعَهَا فِي كُل أَرْبَعِ لَيَالٍ لَيْلَةً، وَهُوَ قَسْمُ الْمَرْأَةِ مَعَ ضَرَائِرِهَا، قَال خَلِيلٌ: بِلاَ أَجَلٍ عَلَى الأَْصَحِّ. وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ بِمِقْدَارِ أَجَل الإِْيلاَءِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ (فِي حَادِثَةِ غَيْبَةِ أَحَدِ الْغُزَاةِ غَيْبَةً طَوِيلَةً عَنْ زَوْجَتِهِ) سَأَل حَفْصَةَ - زَوْجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنِ النِّكَاحِ؟ فَقَالَتْ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَبَعْدَهَا يَفْنَى صَبْرُهَا أَوْ يَقِل، فَنَادَى حِينَئِذٍ أَلاَّ تَزِيدَ غَزْوَةٌ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. стр. 3103
وَفِي حَاشِيَةِ سَعْدِي جَلَبِي: وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهَا حَقًّا فِي الْجِمَاعِ فِي كُل أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً لاَ أَقَل، يُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ عُمَرَ ﵁ حِينَ سَمِعَ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ مَا سَمِعَ. (١)
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْل؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: فَلاَ تَفْعَل. صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ. فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (٢)
فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِ حَقًّا. وَقَدِ اشْتَهَرَتْ قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ سُورٍ، وَلأَِنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُفْضٍ إِلَى دَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنِ الْمَرْأَةِ، كَإِفْضَائِهِ إِلَى دَفْعِ ذَلِكَ عَنِ الرَّجُل، فَيَجِبُ تَعْلِيلُهُ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ النِّكَاحُ حَقًّا لَهُمَا جَمِيعًا. وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ حَقٌّ لَمَا وَجَبَ اسْتِئْذَانُهَا فِي الْعَزْل. (٣)
الإِْعْذَارُ إِلَى الْمُمْتَنِعِ مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَى زَوْجَتِهِ:
٢٢ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ الإِْنْفَاقَ عَلَى زَوْجَتِهِ مَتَى تَحَقَّقَتِ الشُّرُوطُ الْمُوجِبَةُ لِذَلِكَ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنَ الإِْنْفَاقِ فَفِي كُل مَذْهَبٍ شُرُوطٌ وَتَفْصِيلاَتٌ. стр. 3104
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا طَلَبَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْقَاضِي أَنْ يَفْرِضَ لَهَا النَّفَقَةَ، فَفَرَضَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُهَا بِالاِسْتِدَانَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا أَيْسَرَ، وَلاَ يَحْبِسُهُ فِي النَّفَقَةِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْقَاضِي أَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَسَأَلَتِ الْمَرْأَةُ حَبْسَهُ بِالنَّفَقَةِ، لاَ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي فِي أَوَّل مَرَّةٍ، وَلَكِنْ يَأْمُرُهُ بِالإِْنْفَاقِ وَيُعْذَرُ إِلَيْهِ، بِأَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ إِنْ لَمْ يُنْفِقْ. فَإِنْ عَادَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا حَبَسَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا فِي دَيْنٍ آخَرَ غَيْرِ النَّفَقَةِ. وَإِذَا حَبَسَهُ الْقَاضِي شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً أَوْ أَرْبَعَةً يُسْأَل عَنْهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ، بَل هُوَ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْقَاضِي، إِنْ كَانَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَضْجَرُ وَيُؤَدِّي الدَّيْنَ يُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَلاَ يُمْنَعُ الطَّالِبُ عَنْ مُلاَزَمَتِهِ، وَلاَ يَمْنَعُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ. وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لاَ يُخْرِجُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الدَّيْنَ وَالنَّفَقَةَ إِلاَّ بِرِضَى الطَّالِبِ. فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ أَخَذَ الْقَاضِي الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ مِنْ مَالِهِ، وَيُؤَدِّي مِنْهَا النَّفَقَةَ وَالدَّيْنَ، لأَِنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ لَوْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَكَذَا إِذَا ظَفِرَ بِطَعَامٍ فِي النَّفَقَةِ. وَالْعَجْزُ عَنِ الإِْنْفَاقِ لاَ يُوجِبُ حَقَّ الْفِرَاقِ. (١)
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ لِلزَّوْجَةِ الْفَسْخَ بِطَلْقَةٍ رَجْعِيَّةٍ، إِنْ عَجَزَ زَوْجُهَا عَنْ نَفَقَةٍ حَاضِرَةٍ، وَلَهَا أَنْ تَبْقَى مَعَهُ، وَإِنْ عَلِمَتْ فَقْرَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ. وَإِذَا أَرَادَتِ الْفَسْخَ رَفَعَتِ الأَْمْرَ لِلْحَاكِمِ فَيَأْمُرُهُ - إِنْ لَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ تَصْدِيقِهَا بِالنَّفَقَةِ أَوِ الْكِسْوَةِ إِنْ شَكَتْ عَدَمَهَا، أَوِ الطَّلاَقَ - وَيَقُول لَهُ: إِمَّا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهَا أَوْ تُطَلِّقَهَا. وَإِنْ أَثْبَتَ عُسْرَهُ стр. 3105
ابْتِدَاءً، أَوْ بَعْدَ الأَْمْرِ بِالطَّلاَقِ، تَصْبِرُ لَهُ بِالاِجْتِهَادِ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِيَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَزِيدَ فِي مُدَّةِ التَّلَوُّمِ إِنْ مَرِضَ أَوْ سُجِنَ بَعْدَ إِثْبَاتِ الْعُسْرِ، لاَ فِي زَمَنِ إِثْبَاتِهِ، فَيُزَادُ بِقَدْرِ مَا يُرْجَى لَهُ شَيْءٌ، وَهَذَا إِذَا رُجِيَ بُرْؤُهُ مِنَ الْمَرَضِ وَخَلاَصُهُ مِنَ السِّجْنِ عَنْ قُرْبٍ، وَإِلاَّ طَلَّقَ عَلَيْهِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ غِيَابُ الزَّوْجِ أَوْ حُضُورُهُ، وَالزَّوْجُ الْغَائِبُ الَّذِي يُتَلَوَّمُ لَهُ هُوَ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ مَا يُقَابِل النَّفَقَةَ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعُهُ، أَوْ زَادَتْ غَيْبَتُهُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ.
وَأَمَّا قَرِيبُ الْغَيْبَةِ كَثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّهُ يُرْسِل إِلَيْهِ الْحَاكِمُ، إِمَّا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهَا أَوْ يُطَلِّقَ عَلَيْكَ. (١)
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنَ الإِْنْفَاقِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا.
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَعِنْدَهُمْ قَوْلاَنِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ لاَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ حَاضِرًا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ غَائِبًا، لاِنْتِفَاءِ الإِْعْسَارِ الْمُوجِبِ لِلْفَسْخِ، وَهِيَ مُتَمَكِّنَةٌ مِنْ تَحْصِيل حَقِّهَا بِالرَّفْعِ إِلَى الْحَاكِمِ. وَالثَّانِي: أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ لِتَضَرُّرِهَا بِالْمَنْعِ.
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، فَإِنْ صَبَرَتْ، وَأَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا أَوِ الْقَرْضِ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ فَلَهَا الْفَسْخُ فِي الأَْظْهَرِ، كَمَا تَفْسَخُ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، بَل هَذَا أَوْلَى، لأَِنَّ الصَّبْرَ عَلَى عَدَمِ الاِسْتِمْتَاعِ أَسْهَل مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عَدَمِ النَّفَقَةِ، وَالثَّانِي: لاَ فَسْخَ لَهَا لأَِنَّ الْمُعْسِرَ مُنْظَرٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢) وَلاَ فَسْخَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ قَاضٍ إِعْسَارُهُ بِالإِْقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ.
ثُمَّ فِي قَوْلٍ يُنَجَّزُ الْفَسْخُ لِلإِْعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَقْتَ стр. 3106
وُجُوبِ تَسْلِيمِهَا وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَلاَ يَلْزَمُ الإِْمْهَال، وَالأَْظْهَرُ إِمْهَالُهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لِيَتَحَقَّقَ عَجْزُهُ، وَهِيَ مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ يُتَوَقَّعُ فِيهَا الْقُدْرَةُ بِقَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَهَا الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ بِنَفَقَتِهِ إِلاَّ أَنْ يُسَلِّمَ نَفَقَتَهُ.
وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ الْعَارِضِ، أَوْ نَكَحَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ بَعْدَهُ (١) . وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ زَوْجَةَ الْمُعْسِرِ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ فِرَاقِهِ. رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَبِيعَةُ وَحَمَّادٌ وَغَيْرُهُمْ ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَلَمْ يُعْثَرْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى نَصٍّ فِي لُزُومِ الإِْعْذَارِ لِلإِْعْسَارِ عَنِ النَّفَقَةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ يُطَلِّقُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَتَفْصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ فِي مُصْطَلَحَيْ (إِعْسَارٌ، وَنَفَقَةٌ) (٢) .
الإِْعْذَارُ إِلَى الْمُعْسِرِ بِمُعَجَّل الْمَهْرِ:
٢٣ - إِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُ الزَّوْجِ بِمُعَجَّل الصَّدَاقِ وَطَالَبَتْهُ الزَّوْجَةُ بِهِ فَهَل يُطَلَّقُ عَلَيْهِ فَوْرَ الثُّبُوتِ، أَوْ يُعْذَرُ إِلَيْهِ قَبْل الطَّلاَقِ، أَوْ لاَ إِعْذَارَ وَلاَ تَطْلِيقَ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّطْلِيقِ عَلَيْهِ وَفِي الإِْعْذَارِ إِلَيْهِ، فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ يُطَلَّقُ عَلَيْهِ لَكِنْ بَعْدَ الإِْعْذَارِ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَقْوَالٌ وَتَفْصِيلاَتٌ فِي التَّطْلِيقِ عَلَيْهِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لاَ يُطَلَّقُ عَلَيْهِ. стр. 3107
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الزَّوْجَةَ إِنْ طَالَبَتِ الزَّوْجَ بِالصَّدَاقِ الْوَاجِبِ وَلَمْ يَجِدْهُ، فَإِنِ ادَّعَى الْعُدْمَ، وَلَمْ تُصَدِّقْهُ، وَلاَ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى صِدْقِهِ، وَلاَ مَال لَهُ ظَاهِرٌ، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ عُسْرُهُ أَجَّلَهُ الْحَاكِمُ لإِِثْبَاتِ عُسْرِهِ، إِنْ أَعْطَى حَمِيلاً " كَفِيلاً " بِالْوَجْهِ، وَإِلاَّ حَبَسَهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ. وَمُدَّةُ التَّأْجِيل مَتْرُوكَةٌ لِلْقَاضِي. ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ عُسْرُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ صَدَّقَتْهُ تُلُوِّمَ لَهُ (تَمْكُثُ) بِالنَّظَرِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ فِي مُدَّةِ التَّأْجِيل وَلَمْ تُصَدِّقْهُ، فَقَال الْحَطَّابُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْبَسُ إِنْ جُهِل حَالُهُ لِيَسْتَبِينَ أَمْرُهُ، وَلَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عُسْرُهُ تُلُوِّمَ لَهُ ابْتِدَاءً. فَأَمَّا ظَاهِرُ الْمَلاَءَةِ (الْغِنَى) فَيُحْبَسُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِعُسْرِهِ، إِلاَّ أَنْ يَحْصُل لَهَا ضَرَرٌ بِطُول الْمُدَّةِ فَلَهَا طَلَبُ التَّطْلِيقِ. (١)
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى فَسْخِ النِّكَاحِ بِإِعْسَارِ الزَّوْجِ بِمُعَجَّل الْمَهْرِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَالُوا: يَثْبُتُ لَهَا الْفَسْخُ بِالإِْعْسَارِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا إِعْذَارًا، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْفَسْخَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ الْحَاكِمِ. (٢)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ قَبْضِ الزَّوْجَةِ مُعَجَّل مَهْرِهَا أَنَّهَا تَمْلِكُ أَنْ تَمْتَنِعَ عَنِ الدُّخُول فِي طَاعَتِهِ، وَلاَ تَكُونُ بِذَلِكَ نَاشِزَةً، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا وَمَنْعُهَا مِنَ السَّفَرِ وَغَيْرِهِ.
وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ عَدَمِ الإِْقْبَاضِ الْعُسْرُ أَوْ غَيْرُهُ، لأَِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ لَهَا الْمَنْعَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ الْمُعَجَّل، فَيُفِيدُ الإِْطْلاَقَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ لَهَا الاِمْتِنَاعَ مُطْلَقًا فِي стр. 3108
الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مَهْرٌ) .
إِعْذَارُ الْمَدِينِ:
٢٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُوسِرَ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الدَّيْنَ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ. يُحِل عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ (٢) فَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ، وَعِرْضَهُ أَيْ يُحِل الْقَوْل بِالإِْغْلاَظِ لَهُ.
وَثُبُوتُ الْيَسَارِ يَكُونُ بِإِقْرَارِ الْمَدِينِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَمُدَّةُ الْحَبْسِ مَحَل خِلاَفٍ كَمَا سَيَأْتِي.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الدَّائِنُ وَالْمَدِينُ فِي الْيَسَارِ أَوِ الإِْعْسَارِ، فَفِي كُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلاَتٌ وَأَحْكَامٌ.
وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ يَسَارُهُ وَلاَ إِعْسَارُهُ فَإِنَّهُ يُمْهَل لِلتَّحَقُّقِ مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عُوقِبَ بِالْحَبْسِ (٣) وَتَفْصِيلُهُ فِي (دَيْنٌ) .
الإِْعْذَارُ عِنْدَ الأَْخْذِ لِلاِضْطِرَارِ:
٢٥ - أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الأَْكْل لِلْغِذَاءِ وَالشُّرْبِ لِلْعَطَشِ - وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ، أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ مِنْ مَال غَيْرِهِ - فَرْضٌ يُثَابُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ стр. 3109
لَيُؤْجِرُ فِي كُل شَيْءٍ، حَتَّى اللُّقْمَةُ يَرْفَعُهَا الْعَبْدُ إِلَى فِيهِ (١) فَإِنْ تَرَكَ الأَْكْل وَالشُّرْبَ حَتَّى هَلَكَ فَقَدْ عَصَى، لأَِنَّ فِيهِ إِلْقَاءَ النَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيل بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ هُوَ مَا يَدْفَعُ بِهِ الإِْنْسَانُ الْهَلاَكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمُبَاحُ إِلَى الشِّبَعِ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَحَرَامٌ.
وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَافَ الْمَوْتَ جُوعًا، وَمَعَ غَيْرِهِ طَعَامٌ زَائِدٌ عَنْ حَاجَتِهِ، أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَكَذَا يَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ الْعَطَشَ، فَإِنْ مَنَعَهُ أَخَذَهُ رَغْمًا عَنْهُ، فَإِنْ قَاتَلَهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ فَلَهُ مُقَاتَلَتُهُ.
لَكِنْ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يُعْذِرَ إِلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ، فَيَقُول لَهُ: إِنْ لَمْ تُعْطِنِي قَاتَلْتُكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ وَقَتَلَهُ، فَدَمُ صَاحِبِ الطَّعَامِ هَدَرٌ فِي صَرِيحِ مَذَاهِبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَلَمْ يُصَرِّحِ الْحَنَفِيَّةُ بِحُكْمِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ قِتَال صَاحِبِ الطَّعَامِ أَنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. (٣)
مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْعْذَارِ؟ وَبِمَ يَكُونُ؟ وَجَزَاءُ الْمُمْتَنِعِ ؟
٢٦ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الإِْعْذَارَ إِلَى стр. 3110
الْخَصْمِ هُوَ حَقُّ الْقَاضِي، فَلاَ يَمْلِكُ الْخَصْمُ إِجْبَارَ خَصْمِهِ عَلَى حُضُورِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لِسَمَاعِ الْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي. لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا طَلَبُ الْخَصْمُ مِنَ الْقَاضِي إِحْضَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ فِي حَالاَتٍ، وَفِي كُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلٌ (١) يُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْقَضَاءِ.
٢٧ - وَيُلْحَظُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ لَهُ حَقُّ الإِْعْذَارِ، وَفِي وَسِيلَتِهِ، وَجَزَاءُ الْمُمْتَنِعِ، الْقَصْدُ مِنْهُ إِعْلاَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ادُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَطْعُ عُذْرِهِ لِئَلاَّ يَقُول بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِأَنَّ الأَْمْرَ سَيُؤَدِّي إِلَى مَا أَدَّى إِلَيْهِ مِنْ تَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ، أَوْ إِلْزَامِهِ بِمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
أَمَّا الْوَسَائِل الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِلإِْعْذَارِ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَتَّفِقُ وَمَا عُهِدَ فِي أَيَّامِهِمْ مِنْ إِجْرَاءَاتٍ، فَلَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى نُصُوصٍ شَرْعِيَّةٍ وَاجِبَةِ الاِتِّبَاعِ، بَل هِيَ بِاجْتِهَادِهِمْ. وَقَدِ اسْتُحْدِثَتْ فِي هَذَا الْعَصْرِ وَسَائِل يُعْمَل بِهَا فِي الْمَحَاكِمِ، وَهِيَ تَتَّفِقُ وَمَا قَرَّرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ قَصْدِ إِعْلاَمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَتُنِيطُ بِمُوَظَّفِينَ طَلَبَ إِعْلاَنِ الْخُصُومِ بِأَوْرَاقٍ رَسْمِيَّةٍ يُوَقِّعُ عَلَيْهَا نَفْسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ يُقِيمُ مَعَهُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ خَادِمٍ، وَهُنَاكَ حَالاَتٌ يُسْتَدْعَى فِيهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الشُّرْطَةِ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ، وَحَالاَتٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَرَامَةٍ مَالِيَّةٍ، وَالأَْصْل فِيهَا أَنَّهَا وَسَائِل مَشْرُوعَةٌ فَلاَ بَأْسَ مِنَ الْعَمَل بِهَا وَالسَّيْرِ عَلَيْهَا. стр. 3111
أَعْرَابٌ
اُنْظُرْ: بَدْوٌ.
أَعْرَجُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْعْرَجُ: مَنْ كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ لاَزِمَةٌ لَهُ فِي مِشْيَتِهِ. يُقَال: عَرَجَ فَهُوَ أَعْرَجُ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اعْتَبَرَ الْعُلَمَاءُ الْعَرَجَ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ الْعَبْدُ فِي الْبَيْعِ، وَيَمْنَعُ الإِْجْزَاءَ فِي الأُْضْحِيَّةِ إِذَا كَانَ عَرَجًا بَيِّنًا. (٢)
كَمَا اعْتَبَرُوهُ فِي الأَْشْخَاصِ مِنَ الأَْعْذَارِ الَّتِي تُعْفِي مِنَ الْجِهَادِ. (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَْعْرَجِ حَرَجٌ﴾ (٤)
وَتَفْصِيلُهُ فِي: (الأُْضْحِيَّةِ، وَالْبَيْعِ، وَالْجِهَادِ) . стр. 3112
إِعْسَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْعْسَارُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَعْسَرَ، وَهُوَ ضِدُّ الْيَسَارِ، وَالْعُسْرُ: اسْمُ مَصْدَرٍ وَهُوَ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ وَالصُّعُوبَةُ، قَال تَعَالَى: ﴿سَيَجْعَل اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١)
وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢)
وَالْعُسْرَةُ: قِلَّةُ ذَاتِ الْيَدِ، وَكَذَلِكَ الإِْعْسَارُ. (٣)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّفَقَةِ، أَوْ أَدَاءُ مَا عَلَيْهِ بِمَالٍ وَلاَ كَسْبَ. (٤)
وَقِيل: هُوَ زِيَادَةُ خَرْجِهِ عَنْ دَخْلِهِ (٥) ، وَهُمَا تَعْرِيفَانِ مُتَقَارِبَانِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْفْلاَسُ:
٢ - الإِْفْلاَسُ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْتِقَال مِنْ حَالَةِ الْيُسْرِ إِلَى حَالَةِ الْعُسْرِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الشَّخْصِ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِْعْسَارِ أَنَّ الإِْفْلاَسَ لاَ يَنْفَكُّ عَنْ دَيْنٍ، стр. 3113
أَمَّا الإِْعْسَارُ فَقَدْ يَكُونُ عَنْ دَيْنٍ أَوْ عَنْ قِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ.
ب - الْفَقْرُ:
٣ - الْفَقْرُ: لُغَةً الْحَاجَةُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْفَقِيرَ: بِأَنَّهُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ، وَالْمِسْكِينُ: الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يَكْفِيهِ، وَعَرَّفَهُمَا بَعْضُهُمْ بِعَكْسِهِ. هَذَا إِذَا اجْتَمَعَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) أَمَّا إِذَا افْتَرَقَا بِأَنْ ذُكِرَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآْخَرِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَدُل عَلَى مُطْلَقِ الْحَاجَةِ (٢) .
مَا يَثْبُتُ بِهِ الإِْعْسَارُ:
٤ - يَثْبُتُ الإِْعْسَارُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:
أ - إِقْرَارُ الْمُسْتَحِقِّ (صَاحِبُ الدَّيْنِ) فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ مَدِينَهُ مُعْسِرٌ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَيُخَلَّى سَبِيل الْمَدِينِ، لأَِنَّهُ اسْتَحَقَّ الإِْنْظَارَ بِالنَّصِّ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُلاَزَمَتُهُ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لاَ يُمْنَعُ مِنْ مُلاَزَمَتِهِ (٤) .
ب - وَيَثْبُتُ الإِْعْسَارُ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى كَالشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ وَالْقَرَائِنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (٥) стр. 3114
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِثْبَاتٌ) .
آثَارُ الإِْعْسَارِ
أَوَّلاً: آثَارُ الإِْعْسَارِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْمَالِيَّةِ:
أ - أَثَرُ الإِْعْسَارِ فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا:
٥ - قَدْ يَكُونُ سَبَبُ الإِْعْسَارِ تَلَفَ الْمَال الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى وَجْهٍ يَصِيرُ بِهِ الْمُزَكِّي مُعْسِرًا. وَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَدَى الْمُزَكِّي غَيْرُ الْمَال التَّالِفِ فَهُوَ مُعْسِرٌ بِحَقِّ الزَّكَاةِ، فَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ. (١)
وَتَفْصِيلُهُ فِي (الزَّكَاةِ) .
ب - أَثَرُ الإِْعْسَارِ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الْحَجِّ ابْتِدَاءً:
٦ - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لاَ يَجِبُ إِلاَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ، وَمِنَ الاِسْتِطَاعَةِ الْقُدْرَةُ الْمَالِيَّةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٢) وَسُئِل النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السَّبِيل فَقَال: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ (٣) . стр. 3115
فَمَنْ لَمْ يَجِدِ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ يَكُونُ مُعْسِرًا، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ ابْتِدَاءً.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمُعْسِرَ لَوْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ بِدُونِ إِلْحَاقِ ضَرَرٍ بِغَيْرِهِ، مِثْل أَنْ يَمْشِيَ وَيَكْتَسِبَ بِصِنَاعَتِهِ، أَوْ مُعَاوَنَةِ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَسْأَل النَّاسَ، اسْتُحِبَّ لَهُ الْحَجُّ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُل ضَامِرٍ﴾ (١)
فَقَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجَال وَهُمُ الْمُشَاةُ.
أَمَّا مَنْ بَلَغَ وَاسْتَطَاعَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَعْسَرَ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ الْحَجُّ، وَعَلَيْهِ أَدَاؤُهُ إِذَا أَيْسَرَ، وَيَأْثَمُ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّهِ، فَإِنْ أَوْصَى وَلَهُ تَرِكَةٌ وَجَبَ الإِْحْجَاجُ عَنْهُ قَبْل تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ. (٢)
ج - أَثَرُ الإِْعْسَارِ فِي سُقُوطِ النَّذْرِ:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ إِلاَّ أَقَل مِنْهُ، لاَ يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ، لأَِنَّ النَّذْرَ بِمَا لاَ يَمْلِكُ لاَ يَصِحُّ. (٣)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَا لاَ يَمْلِكُ لَزِمَهُ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ لَزِمَهُ بَدَلُهُ أَوْ بَدَل بَدَلِهِ، فَلَوْ نَذَرَ بَدَنَةً لَزِمَتْهُ، فَإِنْ أَعْسَرَ عَنْهَا فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ أَعْسَرَ عَنْهَا فَسَبْعُ شِيَاهٍ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى مَا دُونَ стр. 3116
السَّبْعَةِ مِنَ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ خَلِيلٍ وَالْمَوَّاقِ، وَفِي كَلاَمِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ مَا دُونَ السَّبْعَةِ مِنَ الْغَنَمِ، ثُمَّ يُكَمِّل مَا بَقِيَ مَتَى أَيْسَرَ، لأَِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا كُلِّهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ نَذَرَ طَاعَةً لاَ يُطِيقُهَا، أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا فَعَجَزَ عَنْهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁ قَال: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَال: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ (٢) .
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
قَال: وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لاَ يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (٣)
د - أَثَرُ الإِْعْسَارِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ:
٨ - إِذَا حَنِثَ الْحَالِفُ فِي الأَْيْمَانِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ﴾ (٤) إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ أَوْ كَسَاهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ стр. 3117
كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهَا ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودِ ﵁ (ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) وَقِرَاءَتُهُ مَعَ شُذُوذِهَا عِنْدَ الْقُرَّاءِ هِيَ كَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ.
فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الإِْعْسَارَ بِالْعِتْقِ أَوِ الإِْطْعَامِ أَوِ الْكِسْوَةِ يَنْتَقِل بِهِ الْمُعْسِرُ إِلَى الصِّيَامِ. (&# x٦٦٢ ;)
هـ - الإِْعْسَارُ بِقِيمَةِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْل:
٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ مُرِيدُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِثَمَنِ الْمِثْل وَقَدَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ، وَالْكَثِيرُ مَا فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ، وَفِي مِقْدَارِ الْغَبْنِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، وَأَوْلَى مَا قِيل فِيهِ: إِنَّهُ مَا لاَ يَدْخُل تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ.
وَعَلَى هَذَا فَإِنْ أَعْسَرَ بِمَا لَزِمَهُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِهِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا. (٣)
و أَثَرُ الإِْعْسَارِ فِي الْفِدْيَةِ:
١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا стр. 3118
أَعْسَرَ بِالْفِدْيَةِ فِي الصَّوْمِ سَقَطَتْ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْفِدْيَةِ تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالْفِدْيَةُ عِنْدَهُمْ مَنْدُوبَةٌ. (١)
ثَانِيًا: آثَارُ الإِْعْسَارِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ:
أ - الإِْعْسَارُ بِمَئُونَةِ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ:
١١ - إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ مُعْسِرًا فَكَفَنُهُ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِي حَال حَيَاتِهِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا نُقِل عَنْهُ - وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ - وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، أَوْ كَانَ - وَهُوَ فَقِيرٌ - فَكَفَنُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ الْمَال مَعْمُورًا أَوْ مُنْتَظِمًا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ تَكْفِينُهُ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (تَكْفِينٌ) .
ب - الإِْعْسَارُ بِأُجْرَةِ الأَْجِيرِ وَأُجْرَةِ الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ:
١٢ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الإِْجَارَةَ تُفْسَخُ بِالأَْعْذَارِ، كَمَا لَوْ آجَرَ دُكَّانًا أَوْ دَارًا ثُمَّ أَفْلَسَ - وَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ لاَ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا إِلاَّ بِثَمَنِ مَا آجَرَ - فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ وَبَاعَهَا فِي الدُّيُونِ، لأَِنَّ فِي الْجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ стр. 3119
الْعَقْدِ إِلْزَامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ الْحَبْسُ، لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يُصَدَّقُ عَلَى عَدَمِ مَالٍ آخَرَ. (١)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَجْرُ الأَْجِيرِ دَيْنٌ، وَمَتَى كَانَ عَلَى رَجُلٍ، وَكَانَ مُؤَجَّلاً، لَمْ يَجُزْ مُطَالَبَتُهُ بِهِ حَتَّى يَحِينَ أَجَلُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ مُطَالَبَتُهُ بِهِ سَقَطَتْ فَائِدَةُ التَّأْجِيل. وَإِنْ كَانَ حَالًّا، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَجُزْ مُطَالَبَتُهُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وَلاَ يَمْلِكُ مُلاَزَمَتَهُ، لأَِنَّ كُل دَيْنٍ لاَ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ لَمْ يَمْلِكِ الْمُلاَزَمَةَ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّل. فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ صَنْعَةً فَطَلَبَ الْغَرِيمُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِيَكْسِبَ مَا يُعْطِيهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ، لأَِنَّهُ إِجْبَارٌ عَلَى التَّكَسُّبِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالإِْجْبَارِ عَلَى التِّجَارَةِ، وَإِنْ أَكْرَى أَرْضًا فَأَفْلَسَ الْمُكْتَرِي بِالأُْجْرَةِ، فَإِنْ كَانَ قَبْل اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنَافِعِ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ، لأَِنَّ الْمَنَافِعَ فِي الإِْجَارَةِ كَالأَْعْيَانِ الْمَبِيعَةِ فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ إِذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ ثَبَتَ لَهُ الْفَسْخُ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَفْلَسَ الْمُكْتَرِي وَالْمَنَافِعُ بَاقِيَةٌ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْفَسْخُ. (٢)
ج - إِعْسَارُ الْمُحَال عَلَيْهِ:
١٣ - لاَ يَرْجِعُ الْمَدِينُ عَلَى الْمُحِيل إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، أَوْ يَجْحَدُ وَلاَ بَيِّنَةَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ عَجَزَ عَنِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَوَالَةِ سَلاَمَةُ حَقِّهِ، فَكَانَتْ مُقَيَّدَةً بِالسَّلاَمَةِ، فَإِذَا فَاتَتِ السَّلاَمَةُ انْفَسَخَتْ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ. هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزَادَ الصَّاحِبَانِ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِوَجْهٍ آخَرَ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِإِفْلاَسِهِ فِي حَيَاتِهِ، بِنَاءً стр. 3120
عَلَى أَنَّ الإِْفْلاَسَ يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُمَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَعِنْدَهُ لاَ. (١)
وَهِيَ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنْ أَحَالَهُ عَلَى مَلِيءٍ فَأَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ الْحَقَّ وَحَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمُحِيل، لأَِنَّهُ انْتَقَل حَقُّهُ إِلَى مَالٍ يَمْلِكُ بَيْعَهُ فَسَقَطَ حَقُّهُ فِي الرُّجُوعِ، كَمَا لَوْ أَخَذَ بِالدَّيْنِ سِلْعَةً ثُمَّ تَلِفَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ.
وَإِنْ أَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ بِشَرْطِ أَنَّهُ مَلِيءٌ فَبَانَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهُ، وَأَنْكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ هَذَا وَقَال: لَهُ الْخِيَارُ، لأَِنَّهُ غَرَّهُ بِالشَّرْطِ فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بَقَرَةً بِشَرْطِ أَنَّهَا حَلُوبٌ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وَقَال عَامَّةُ الأَْصْحَابِ: لاَ خِيَارَ لَهُ لأَِنَّ الإِْعْسَارَ نَقْصٌ، فَلَوْ ثَبَتَ بِهِ الْخِيَارُ لَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، وَيُخَالِفُ الصِّفَةَ الْمَرْغُوبَةَ، فَإِنَّ عَدَمَهَا لَيْسَ بِنَقْصٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَدَمُ فَضِيلَةٍ، فَاخْتَلَفَ الأَْمْرُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يُشْرَطَ وَبَيْنَ أَلاَّ يُشْرَطَ. (٢)
وَالْمَالِكِيَّةُ كَذَلِكَ يَرَوْنَ أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل إِنْ أَفْلَسَ الْمُحَال عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيل فَلَهُ شَرْطُهُ. وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ لاَ أَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا. (٣) следующие страницы →