← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

٨ - وَقَدْ ذَكَرَ الرَّمْلِيُّ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ أَنَّ مَنْشَأَ الْخِلاَفِ اخْتِلاَفُ الرُّوَاةِ فِي إِحْرَامِهِ ﷺ لأَِنَّهُ صَحَّ عَنْ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّهُ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ (١) ، وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَرَنَ (٢) ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَمَتَّعَ (٣) ، ثُمَّ قَال: إِنَّ الصَّوَابَ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَل عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، وَخُصَّ بِجَوَازِهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِلْحَاجَةِ. وَبِهَذَا يَسْهُل الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، فَعُمْدَةُ رُوَاةِ الإِْفْرَادِ أَوَّل الإِْحْرَامِ، وَرُوَاةُ الْقِرَانِ آخِرُهُ، وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الاِنْتِفَاعُ، وَقَدِ انْتَفَعَ بِالاِكْتِفَاءِ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، وَلَوْ جُعِلَتْ حَجَّتُهُ مُفْرَدَةً لَكَانَ غَيْرَ مُعْتَمِرٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَلَمْ يَقُل أَحَدٌ إِنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَل مِنَ الْقِرَانِ فَانْتَظَمَتِ الرِّوَايَاتُ فِي حَجَّتِهِ (٤) . حَالَةُ وُجُوبِ الإِْفْرَادِ (وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ) : ٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَكِّيِّ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ هَل لَهُ تَمَتُّعٌ وَقِرَانٌ، أَمْ لَيْسَ لَهُ إِلاَّ الإِْفْرَادُ خَاصَّةً؟ فَيَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّ لأَِهْل مَكَّةَ الْمُتْعَةَ وَالْقِرَانَ مِثْل الآْفَاقِيِّ، وَلأَِنَّ التَّمَتُّعَ الَّذِي وَرَدَ فِي الآْيَةِ أَحَدُ الأَْنْسَاكِ الثَّلاَثَةِ، فَصَحَّ مِنَ الْمَكِّيِّ كَالنُّسُكَيْنِ الآْخَرَيْنِ، وَلأَِنَّ حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ هُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ

стр. 3187

الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمَكِّيِّ (١) . وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ أَهْل مَكَّةَ لَيْسَ لَهُمْ تَمَتُّعٌ وَلاَ قِرَانٌ، وَإِنَّمَا لَهُمُ الإِْفْرَادُ خَاصَّةً، لأَِنَّ شَرْعَهُمَا لِلتَّرَفُّهِ بِإِسْقَاطِ إِحْدَى السَّفْرَتَيْنِ وَهَذَا فِي حَقِّ الآْفَاقِيِّ (٢) . ١٠ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْل الْحَرَمِ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ. فَإِنْ كَانُوا عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَيْسُوا مِنَ الْحَاضِرِينَ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْل الْمَوَاقِيتِ فَمَنْ دُونَهَا إِلَى مَكَّةَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْل مَكَّةَ وَأَهْل ذِي طُوًى (٣) . وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ (ر: حَجٌّ - إِحْرَامٌ - مِيقَاتٌ - تَمَتُّعٌ) . نِيَّةُ الإِْفْرَادِ: ١١ - وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَنْعَقِدُ بِهِ إِحْرَامُ الْمُفْرِدِ: فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الإِْحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مَعَ اسْتِحْبَابِ التَّلَفُّظِ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ فَيَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدَ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الإِْطْلاَقَ أَوْلَى، لأَِنَّهُ رُبَّمَا حَصَل عَارِضٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلاَ يَتَمَكَّنُ مِنْ

стр. 3188

صَرْفِهِ إِلَى مَا لاَ يَخَافُ فَوْتَهُ، فَإِنْ أَحْرَمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ - لاَ بِاللَّفْظِ - إِلَى مَا شَاءَ مِنَ النُّسُكَيْنِ أَوْ إِلَيْهِمَا مَعًا إِنْ كَانَ الْوَقْتُ صَالِحًا لَهُمَا. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَنْعَقِدُ الإِْحْرَامُ إِلاَّ بِأَمْرَيْنِ: النِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ، وَلاَ يَصِيرُ شَارِعًا فِي الإِْحْرَامِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مَا لَمْ يَأْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، لأَِنَّ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ كَتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فِي الصَّلاَةِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ مَعَ قَوْلٍ كَالتَّلْبِيَةِ وَالإِْهْلاَل، أَوْ فِعْلٍ كَالتَّوَجُّهِ فِي الطَّرِيقِ وَالتَّجَرُّدِ مِنَ الْمَخِيطِ. عَلَى أَنَّ الَّذِي ذُكِرَ لاَ يَخْتَصُّ بِالإِْفْرَادِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، إِذْ لاَ بُدَّ فِي أَيِّ نُسُكٍ مِنْ هَذِهِ الأَْنْسَاكِ الثَّلاَثَةِ عِنْدَ الإِْحْرَامِ بِأَيٍّ مِنْهَا مِنَ النِّيَّةِ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ، أَوِ النِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ. (ر: إِحْرَامٌ - قِرَانٌ - تَمَتُّعٌ) . التَّلْبِيَةُ فِي الإِْفْرَادِ: ١٢ - التَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ عَلَى اخْتِلاَفِ حُكْمِهَا مِنْ أَنَّهَا سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ تَسْتَوِي كَيْفِيَّتُهَا وَالْبَدْءُ بِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ بِأَيِّ نُسُكٍ مِنَ الأَْنْسَاكِ الثَّلاَثَةِ. أَمَّا قَطْعُ التَّلْبِيَةِ فَيَكُونُ الْمُتَمَتِّعُ وَالْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ بِالنِّسْبَةِ لِقَطْعِهَا سَوَاءً. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَقْطَعُهَا إِذَا وَصَل لِمُصَلَّى عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَال، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَصَل قَبْل الزَّوَال لَبَّى إِلَى الزَّوَال، وَإِنْ زَالَتِ الشَّمْسُ قَبْل الْوُصُول لَبَّى إِلَى

стр. 3189

الْوُصُول. (١) وَهُنَاكَ تَفْرِيعَاتٌ كَثِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّلْبِيَةِ. (ر: تَلْبِيَةٌ) . مَا يَفْتَرِقُ بِهِ الْمُفْرِدُ عَنِ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ: أ - الطَّوَافُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُفْرِدِ: ١٣ - الطَّوَافُ فِي الْحَجِّ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: طَوَافُ الْقُدُومِ إِلَى مَكَّةَ، وَطَوَافُ الإِْفَاضَةِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ. وَالْفَرْضُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ طَوَافُ الإِْفَاضَةِ، وَيُسَمَّى طَوَافَ الزِّيَارَةِ أَوِ الْفَرْضِ أَوِ الرُّكْنِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ (ر: طَوَافٌ) . وَالْفَرْضُ عَلَى الْمُفْرِدِ مِنْ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ هُوَ طَوَافُ الإِْفَاضَةِ فَقَطْ، لأَِنَّهُ الرُّكْنُ، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ، بَل يُطَالَبُ بِهِ عَلَى سَبِيل السُّنِّيَّةِ (٢) . ب - عَدَمُ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُفْرِدِ: ١٤ - لاَ يَجِبُ عَلَى الْمُفْرِدِ هَدْيٌ لإِِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا بِخِلاَفِ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ فَإِنَّ عَلَيْهِمَا الْهَدْيَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) وَالْقَارِنُ كَالْمُتَمَتِّعِ، لإِِحْرَامِهِ بِالنُّسُكَيْنِ. إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُفْرِدِ أَنْ يُهْدِيَ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا. ثُمَّ إِنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ وَفِدْيَةَ الأَْذَى بِالنِّسْبَةِ لِلْمُفْرِدِ

стр. 3190

وَالْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ سَوَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (١) . (ر: دَمٌ - هَدْيٌ - كَفَّارَةٌ - قِرَانٌ - تَمَتُّعٌ) . إِفْرَازٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْفْرَازُ فِي اللُّغَةِ: التَّنْحِيَةُ، وَهِيَ عَزْل شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وَتَمْيِيزُهُ (٢) ، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْعَزْل: ٢ - الْعَزْل يَخْتَلِفُ عَنِ الإِْفْرَازِ. فِي أَنَّ الإِْفْرَازَ يَكُونُ لِجُزْءٍ مِنَ الأَْصْل، أَوْ كَالْجُزْءِ مِنْهُ فِي شِدَّةِ اخْتِلاَطِهِ بِهِ، أَمَّا الْعَزْل فَهُوَ التَّنْحِيَةُ، وَالشَّيْءُ الْمُنَحَّى قَدْ يَكُونُ جُزْءًا مِنَ الْمُنَحَّى عَنْهُ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ، بَل قَدْ يَكُونُ خَارِجًا عَنْهُ. كَالْعَزْل عَنِ الزَّوْجَةِ (٣) . ب - الْقِسْمَةُ: ٣ - الْقِسْمَةُ قَدْ تَكُونُ بِالإِْفْرَازِ (٤) ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهَا بَيَانُ الْحِصَصِ دُونَ إِفْرَازٍ، كَمَا فِي الْمُهَايَأَةِ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - الإِْفْرَازُ يَرِدُ عَلَى الأَْعْيَانِ دُونَ الْمَنَافِعِ وَلِذَلِكَ لَمَّا

стр. 3191

بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ أَنْوَاعَ الْقِسْمَةِ، قَالُوا: الْقِسْمَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ قِسْمَةَ أَعْيَانٍ، أَوْ قِسْمَةَ مَنَافِعَ، وَسَمَّوْا قِسْمَةَ الْمَنَافِعِ الْمُهَايَأَةَ. أَمَّا قِسْمَةُ الأَْعْيَانِ: فَقَالُوا إِمَّا أَنْ تَكُونَ قِسْمَةَ إِفْرَازٍ، أَوْ قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ، وَهُمْ يَعْنُونَ بِقِسْمَةِ الإِْفْرَازِ: الْقِسْمَةَ الَّتِي لاَ يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى رَدٍّ وَلاَ تَقْوِيمٍ (١) . وَالْفُقَهَاءُ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَةِ الْقِسْمَةِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: هِيَ بَيْعٌ، وَقَال بَعْضُهُمْ: هِيَ إِفْرَازٌ، وَقَال آخَرُونَ: هِيَ إِفْرَازُ بَعْضِ الأَْنْصِبَاءِ عَنْ بَعْضٍ وَمُبَادَلَةُ بَعْضٍ بِبَعْضٍ (٢) . كَمَا بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَوَّل كِتَابِ الْقِسْمَةِ. وَإِذَا كَانَتِ الْقِسْمَةُ فِي حَقِيقَتِهَا لاَ تَخْلُو مِنَ الإِْفْرَازِ، فَإِنَّ هَذَا الإِْفْرَازَ يُسْقِطُ حَقَّ الشُّفْعَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول: إِنَّ الشُّفْعَةَ لاَ تُسْتَحَقُّ بِالْجِوَارِ، كَمَا بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ. ٥ - الإِْفْرَازُ وَاجِبٌ فِي الْعُقُودِ الَّتِي يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ لِلُزُومِهَا أَوْ تَمَامِهَا، وَهِيَ: الْوَقْفُ، وَالْهِبَةُ، وَالرَّهْنُ، وَالْقَرْضُ، إِذَا وَرَدَتْ عَلَى مُشَاعٍ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ تَجِدُهُ فِي أَبْوَابِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (٣) .

стр. 3192

٦ - يَجِبُ رَدُّ الْعَيْنِ الْمُسْتَحَقَّةِ الْمَخْلُوطَةِ بِغَيْرِهَا إِنْ أَمْكَنَ إِفْرَازُهَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَجَبَ رَدُّ بَدَلِهَا، كَمَا إِذَا غَصَبَ شَيْئًا فَخَلَطَهُ بِمَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ عَنْهُ، وَجَبَ إِفْرَازُهُ وَرَدُّهُ إِلَى مَنْ غَصَبَهُ مِنْهُ (١) كَمَا فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الاِسْتِحْقَاقِ وَالْغَصْبِ. ٧ - وَالإِْفْرَازُ يَقُومُ مَقَامَ الْقَبْضِ فِي التَّبَرُّعَاتِ الَّتِي يَكُونُ الْقَصْدُ مِنْهَا تَحْقِيقَ مَثُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاَلَّتِي يَكُونُ التَّمْلِيكُ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ (٢) . فَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَعَزَلَهَا فَهَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا مِنْ جَدِيدٍ (٣) عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ بَابُ الزَّكَاةِ. إِفْسَادٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْفْسَادُ لُغَةً: ضِدُّ الإِْصْلاَحِ، وَهُوَ جَعْل الشَّيْءِ فَاسِدًا خَارِجًا عَمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ. وَشَرْعًا: جَعْل الشَّيْءِ فَاسِدًا، سَوَاءٌ وُجِدَ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ - كَمَا لَوِ انْعَقَدَ الْحَجُّ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يُفْسِدُهُ - أَوْ وُجِدَ الْفَسَادُ مَعَ الْعَقْدِ، كَبَيْعِ الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ. وَقَدْ فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الإِْفْسَادِ وَالإِْبْطَال تَبَعًا

стр. 3193

لِتَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل، فَقَالُوا: الْفَاسِدُ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ لاَ بِوَصْفِهِ، وَالْبَاطِل مَا لَيْسَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ. أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَالإِْفْسَادُ وَالإِْبْطَال عِنْدَهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ وَافَقَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ (١) . وَلِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ فِي بَعْضِ الأَْبْوَابِ: كَالْحَجِّ، وَالْخُلْعِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الإِْتْلاَفُ: ٢ - الإِْتْلاَفُ فِي اللُّغَةِ: بِمَعْنَى الإِْهْلاَكِ يُقَال: أَتْلَفَ الشَّيْءَ إِذَا أَفْنَاهُ وَأَهْلَكَهُ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ بِهَذَا الْمَعْنَى، يَقُول الْكَاسَانِيُّ: إِتْلاَفُ الشَّيْءِ إِخْرَاجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ مَنْفَعَةً مَطْلُوبَةً مِنْهُ عَادَةً (٢) . فَالإِْفْسَادُ أَعَمُّ مِنَ الإِْتْلاَفِ، فَإِنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي الأُْمُورِ الْحِسِّيَّةِ، وَيَنْفَرِدُ الإِْفْسَادُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ. ب - الإِْلْغَاءُ: ٣ - الإِْلْغَاءُ مِنْ مَعَانِيهِ: إِبْطَال الْعَمَل بِالْحُكْمِ، وَإِسْقَاطُهُ، وَقَدْ أَلْغَى ابْنُ عَبَّاسٍ طَلاَقَ الْمُكْرَهِ، أَيْ أَبْطَلَهُ وَأَسْقَطَهُ. وَيَسْتَعْمِل الأُْصُولِيُّونَ الإِْلْغَاءَ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ بِمَعْنَى عَدَمِ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ الْمُلْغَى عِنْدَهُمْ، كَمَا يَسْتَعْمِلُونَ الإِْلْغَاءَ فِي إِهْدَارِ أَثَرِ التَّصَرُّفِ مِنْ فَاقِدِ الأَْهْلِيَّةِ (٣) .

стр. 3194

ج - التَّوَقُّفُ: ٤ - الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ ضِدُّ النَّافِذِ، وَهُوَ مَا تَوَقَّفَ نَفَاذُهُ عَلَى الإِْجَازَةِ مِنْ مَالِكِهَا، كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ. فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهَذَا الْمَعْنَى جَائِزًا فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلاَفِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ (١) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٥ - الْمُقَرَّرُ شَرْعًا أَنَّ الْعِبَادَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا صَحِيحَةٌ، لاَ يَلْحَقُهَا الإِْفْسَادُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَاقِعَ يَسْتَحِيل رَفْعُهُ، إِلاَّ بِأَسْبَابٍ يُصَارُ إِلَيْهَا بِالدَّلِيل كَالرِّدَّةِ، فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الأَْعْمَال الصَّالِحَةَ وَالْعِبَادَاتِ، كَمَا أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ وَالْهِجْرَةُ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا، وَكَذَلِكَ التَّوْبَةُ وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ. أَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعِبَادَةِ وَقَبْل الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَيَحْرُمُ إِفْسَادُ الْفَرْضِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ دُونَ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَكَذَلِكَ النَّفَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) وَلِهَذَا يَجِبُ إِعَادَتُهُ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَيُكْرَهُ عِنْدَهُمْ إِفْسَادُ النَّافِلَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَلاَ إِعَادَةَ إِنْ أَفْسَدَ النَّافِلَةَ الْمُطْلَقَةَ، عَدَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيَحْرُمُ إِفْسَادُهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمَا كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ. أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ اللاَّزِمَةُ فَلاَ يَرِدُ عَلَيْهَا الإِْفْسَادُ بَعْدَ نَفَاذِهَا. إِلاَّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْفَسْخُ بِرِضَا الْعَاقِدَيْنِ كَمَا فِي الإِْقَالَةِ، وَفِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ يَصِحُّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِفْسَادُهَا مَتَى شَاءَ، أَمَّا اللاَّزِمَةُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، فَلاَ يَجُوزُ إِفْسَادُهَا مِمَّنْ هِيَ لاَزِمَةٌ فِي

стр. 3195

حَقِّهِ وَيَجُوزُ لِلآْخَرِ (١) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ. أَثَرُ الإِْفْسَادِ فِي الْعِبَادَاتِ: ٦ - مَنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ مَفْرُوضَةٍ فَرْضًا عَيْنِيًّا أَوْ كِفَائِيًّا، كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ بِاسْتِيفَاءِ أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا حَتَّى تَبْرَأَ الذِّمَّةُ، فَإِذَا أَفْسَدَهَا فَعَلَيْهِ أَدَاؤُهَا فِي الْوَقْتِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ فِعْلُهَا تَامَّةٌ، كَمَا لَوْ صَلَّى مُسَافِرٌ خَلْفَ مُقِيمٍ ثُمَّ أَفْسَدَ صَلاَتَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا تَامَّةً، لأَِنَّهَا لاَ تُبْرِئُ الذِّمَّةَ بَعْدَ الْفَسَادِ بِلاَ خِلاَفٍ. كَمَا لاَ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا أَوْ بَاطِلِهَا فِي الْجُمْلَةِ، لأَِنَّ فَاسِدَ الْعِبَادَاتِ لاَ يُلْحَقُ بِصَحِيحِهَا إِلاَّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ يَمْضِي فِي فَاسِدِهِمَا وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ حَيْثُ إِنَّ الْعِبَادَةَ الْفَاسِدَةَ يَنْقَطِعُ حُكْمُهَا وَلاَ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ عَهْدِهَا (٢) . أَمَّا مَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُ، وَإِذَا أَفْسَدَهُ يَقْضِيهِ وُجُوبًا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَالُوا: يُسْتَحَبُّ إِتْمَامُ النَّفْل الَّذِي شَرَعَ فِيهِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ مِنَ النَّوَافِل، وَهَذَا فِي غَيْرِ التَّطَوُّعِ

стр. 3196

بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، حَيْثُ يَجِبُ إِتْمَامُهُمَا إِذَا شَرَعَ فِيهِمَا. وَلَوْ وَقَعَ مِنْهُ مُفْسِدٌ لَهُمَا، يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا حِينَئِذٍ مَعَ الْجَزَاءِ اللاَّزِمِ فِي ذِمَّتِهِ (١) عَلَى مَا سَبَقَ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (الإِْحْرَامِ، وَالْحَجِّ) إِفْسَادُ الصَّوْمِ: ٧ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ جَامَعَ أَوِ اسْتَمْنَى أَوْ طَعِمَ أَوْ شَرِبَ عَنْ قَصْدٍ، مَعَ ذِكْرِ الصَّوْمِ فِي نَهَارِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالآْنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢) وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مُفْسِدَاتٍ أُخْرَى لِلصَّوْمِ، مِنْهَا مَا يَرِدُ إِلَى الْجَوْفِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَذِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِثْل الْحُقْنَةِ، وَمِنْهَا مَا يَرِدُ إِلَى بَاطِنِ الأَْعْضَاءِ وَلاَ يَرِدُ الْجَوْفَ، مِثْل أَنْ يَرِدَ الدِّمَاغَ وَلاَ يَرِدَ الْمَعِدَةَ. وَسَبَبُ اخْتِلاَفِهِمْ فِي هَذِهِ هُوَ قِيَاسُ الْمُغَذِّي عَلَى غَيْرِ الْمُغَذِّي. فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّوْمِ مَعْنًى مَعْقُولٌ لَمْ يُلْحِقِ الْمُغَذِّيَ بِغَيْرِ الْمُغَذِّي، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ الإِْمْسَاكُ فَقَطْ عَمَّا يَرِدُ الْجَوْفَ، سَوَّى بَيْنَ الْمُغَذِّي وَغَيْرِهِ. ر: (احْتِقَانٌ) (وَصَوْمٌ) . ٨ - وَاخْتَلَفُوا فِي الْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ. فَأَمَّا الْحِجَامَةُ فَقَدْ رَأَى أَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَنَّهَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِالْكَرَاهَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ الإِْفْسَادِ. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ تَعَارُضُ الآْثَارِ الْوَارِدَةِ فِي

стр. 3197

ذَلِكَ. وَأَمَّا الْقَيْءُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ بِمُفْطِرٍ، وَأَنَّ مَنِ اسْتِقَاءَ فَقَاءَ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ صَوْمَهُ (١) . وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (صَوْمٌ) (وَقَيْءٌ) . نِيَّةُ إِفْسَادِ الْعِبَادَةِ: ٩ - نِيَّةُ الإِْفْسَادِ يَخْتَلِفُ أَثَرُهَا صِحَّةً وَبُطْلاَنًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَادَاتِ وَالأَْفْعَال وَالأَْحْوَال. فَإِذَا نَوَى إِفْسَادَ الإِْيمَانِ أَوْ قَطْعَهُ، صَارَ مُرْتَدًّا فِي الْحَال وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَإِنْ نَوَى إِفْسَادَ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا لَمْ تَبْطُل، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ، وَإِنْ نَوَى قَطْعَ الصَّلاَةِ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالإِْيمَانِ، وَلَوْ نَوَى قَطْعَ السَّفَرِ بِالإِْقَامَةِ صَارَ مُقِيمًا. أَمَّا إِذَا نَوَى قَطْعَ الصِّيَامِ بِالأَْكْل أَوِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ حَتَّى يَأْكُل أَوْ يُجَامِعَ. وَلَوْ نَوَى قَطْعَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَبْطُلاَ بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِالإِْفْسَادِ، فَلاَ يَخْرُجُ بِالأَْوْلَى بِنِيَّةِ الإِْفْسَادِ أَوِ الإِْبْطَال. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (نِيَّةٌ) وَإِلَى مَوَاطِنِ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ (٢) . أَثَرُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي إِفْسَادِ الْعَقْدِ: ١٠ - إِفْسَادُ الْعَقْدِ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ يَرْجِعُ إِلَى مَا يُسَبِّبُهُ مِنْ غَرَرٍ أَوْ رِبًا أَوْ نَقْصٍ فِي الْمِلْكِ، أَوْ

стр. 3198

اشْتِرَاطِ أَمْرٍ مَحْظُورٍ أَوْ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ. وَالْعُقُودُ عِنْدَ اقْتِرَانِهَا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ: نَوْعَانِ: (الأَْوَّل) : عُقُودٌ تَفْسُدُ عِنْدَ اقْتِرَانِهَا بِهَا، (وَالثَّانِي) : عُقُودٌ تَصِحُّ، وَيَسْقُطُ الشَّرْطُ، وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ. وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْمَذَاهِبُ فِي الأَْثَرِ النَّاشِئِ عَنِ الشُّرُوطِ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كُل تَصَرُّفٍ لاَ يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِمَالٍ، لاَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَعْتَرِيهِ الْفَسَادُ. فَاَلَّذِي يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ مِثْل: الْبَيْعِ، وَالْقِسْمَةِ، وَالإِْجَارَةِ، وَاَلَّذِي لاَ يَفْسُدُ مِثْل: النِّكَاحِ وَالْقَرْضِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالْوَصِيَّةِ. وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، إِذْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ بِالشَّرْطِ فِي الْجُمْلَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اشْتِرَاطُ أَمْرٍ مَحْظُورٍ، أَوْ أَمْرٍ يُؤَدِّي إِلَى غَرَرٍ فَاحِشٍ، يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الْعَمْدِ، فَالأَْمْرُ الْمَحْظُورُ مِثْل: مَا إِذَا اشْتَرَى دَارًا وَاشْتَرَطَ اتِّخَاذَهَا مَجْمَعًا لِلْفَسَادِ. فَالشَّرْطُ حَرَامٌ وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ. وَالْغَرَرُ الْفَاحِشُ مِثْل: مَا إِذَا بَاعَ دَارًا وَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا يَكْفِيهِ لِلنَّفَقَةِ طُول حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ لاَ تُدْرَى نَفَقَتُهُ وَلاَ كَمْ يَعِيشُ. وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: هَذِهِ الشُّرُوطُ الْمُحَرَّمَةُ أَوْ تِلْكَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى غَرَرٍ فَاحِشٍ، لاَ تُؤَدِّي إِلَى إِفْسَادِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا تُلْغَى، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ. أَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى إِفْسَادِ الْعَقْدِ فَهِيَ، اشْتِرَاطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ، أَوْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، أَوِ اشْتِرَاطُ مَا يُنَافِي مَقْصُودَ الْعَقْدِ. مِثْل: مَا إِذَا اشْتَرَطَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الآْخَرِ عَقْدًا آخَرَ كَشَرْطٍ لِلْبَيْعِ،

стр. 3199

كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي هَذِهِ الْفَرَسَ. فَهَذَا اشْتِرَاطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ، وَمِثْل: مَا إِذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَلاَ يَبِيعَ الْمَبِيعَ، وَكَذَلِكَ إِنْ شَرَطَ أَنَّ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ لاَ تَحْمِل، أَوْ تَضَعُ الْوَلَدَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ. فَهَذَا اشْتِرَاطٌ يُنَافِي مَقْصُودَ الْعَقْدِ (١) . إِفْسَادُ النِّكَاحِ: ١١ - إِفْسَادُ النِّكَاحِ بَعْدَ وُجُودِهِ صَحِيحًا لاَ يُسْقِطُ حَقَّ الْمَرْأَةِ فِي الصَّدَاقِ إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُول اتِّفَاقًا، أَمَّا قَبْل الدُّخُول فَإِنَّهُ لاَ يُسْقِطُ حَقَّهَا فِي نِصْفِ الْمَهْرِ، إِذَا وَقَعَ الإِْفْسَادُ مِنْ جِهَتِهِ، كَرِدَّتِهِ (٢) . أَمَّا لَوْ وَقَعَ إِفْسَادُ النِّكَاحِ مِنْ جِهَتِهَا، فَلاَ مَهْرَ لَهَا وَلاَ نَفَقَةَ، لِتَسَبُّبِهَا فِي إِفْسَادِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ لِلْمَهْرِ. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (نِكَاحٌ) (وَرَضَاعٌ) . أَثَرُ الإِْفْسَادِ فِي التَّوَارُثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: ١٢ - إِذَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِإِفْسَادِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ طَلاَقٍ انْتَفَى التَّوَارُثُ عِنْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، أَمَّا مَا كَانَتِ الْفُرْقَةُ فِيهِ بِطَلاَقٍ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِيهِ التَّوَارُثُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَارًّا مِنْ

стр. 3200

تَوْرِيثِهَا (١) . إِفْسَادُ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا: ١٣ - يَحْرُمُ إِفْسَادُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا (٢) فَمَنْ أَفْسَدَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَيْ: أَغْرَاهَا بِطَلَبِ الطَّلاَقِ أَوِ التَّسَبُّبِ فِيهِ فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ وَزَجْرِهِ، حَتَّى قَال الْمَالِكِيَّةُ بِتَأْبِيدِ تَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ الْمُخَبَّبَةِ عَلَى مَنْ أَفْسَدَهَا عَلَى زَوْجِهَا مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَلِئَلاَّ يَتَّخِذَ النَّاسُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى إِفْسَادِ الزَّوْجَاتِ (٣) . ر - (تَخْبِيبٌ) . الإِْفْسَادُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: ١٤ - تَحْرُمُ الْوَقِيعَةُ وَإِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لأَِمْرَيْنِ: الأَْوَّل: الإِْبْقَاءُ عَلَى وَحْدَةِ الْمُسْلِمِينَ. الثَّانِي: رِعَايَةُ حُرْمَتِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (٤) ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَظَرَ يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَال: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتِكِ، وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ (٥) وَلِهَذَا كَانَ إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ مِنْ أَفْضَل

стр. 3201

الْقُرُبَاتِ، وَإِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَل مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا: بَلَى، قَال: إِصْلاَحُ ذَاتِ بَيْنٍ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ (١) وَلِهَذَا نَهَى الرَّسُول ﷺ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنِ الْغِيبَةِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَسُوءِ الظَّنِّ، وَالتَّبَاغُضِ، وَالتَّحَاسُدِ، وَكُل مَا يُؤَدِّي إِلَى الْوَقِيعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: فَقَال ﷺ : لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ (٢) أَمَّا الإِْفْسَادُ فِي الأَْرْضِ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَسَلْبِ الأَْمْوَال وَالأَْعْرَاضِ وَإِتْلاَفِ النُّفُوسِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَعُقُوبَتُهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ﴾ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي حِرَابَةٌ. كَمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الإِْفْسَادِ، بِفِعْل الْمَعَاصِي، وَإِشَاعَةِ الْفَوَاحِشِ، وَفِعْل كُل مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ

стр. 3202

اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَل وَيُفْسِدُونَ فِي الأَْرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١) . إِفْشَاءُ السِّرِّ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْفْشَاءُ لُغَةً: الإِْظْهَارُ، يُقَال: أَفَشَا السِّرَّ: إِذَا أَظْهَرَهُ، فَفَشَا فَشْوًا وَفُشُوًّا، وَالسِّرُّ هُوَ مَا يُكْتَمُ، وَالإِْسْرَارُ خِلاَفُ الإِْعْلاَنِ (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الإِْشَاعَةُ: ٢ - إِشَاعَةُ الْخَبَرِ: إِظْهَارُهُ وَنَشْرُهُ، وَالشُّيُوعُ: الظُّهُورُ (٣) . ب - الْكِتْمَانُ: ٣ - الْكِتْمَانُ. الإِْخْفَاءُ: يُقَال: كَتَمْتُ زَيْدًا الْحَدِيثَ: أَيْ أَخْفَيْتُهُ عَنْهُ، فَهُوَ ضِدُّ الإِْفْشَاءِ (٤) . ج - التَّجَسُّسُ: ٤ - هُوَ تَتَبُّعُ الأَْخْبَارِ، وَمِنْهُ الْجَاسُوسُ، لأَِنَّهُ يَتَتَبَّعُ الأَْخْبَارَ، وَيَفْحَصُ عَنْ بَوَاطِنِ الأُْمُورِ، وَهُوَ يُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي الشَّرِّ (٥) فَالتَّجَسُّسُ: السَّعْيُ لِلْحُصُول عَلَى السِّرِّ.

стр. 3203

د - التَّحَسُّسُ: ٥ - هُوَ الاِسْتِمَاعُ إِلَى حَدِيثِ الْغَيْرِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا (١) وَالتَّحَسُّسُ إِنْ كَانَ لإِِذَاعَةِ أَخْبَارِ النَّاسِ السَّيِّئَةِ فَهُوَ كَإِفْشَاءِ السِّرِّ فِي الْحُرْمَةِ، وَقَدْ يَكُونُ التَّحَسُّسُ لإِِشَاعَةِ الْخَيْرِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ (٢) . حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ: أَنْوَاعُ السِّرِّ: يَتَنَوَّعُ السِّرُّ إِلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ: أ - مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِكِتْمَانِهِ. ب - مَا طَلَبَ صَاحِبُهُ كِتْمَانَهُ. ج - مَا مِنْ شَأْنِهِ الْكِتْمَانُ وَاطُّلِعَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْخُلْطَةِ أَوِ الْمَهْنَةِ. النَّوْعُ الأَْوَّل: مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِكِتْمَانِهِ: ٦ - مِنَ الأُْمُورِ مَا يَحْظُرُ الشَّرْعُ إِفْشَاءَهُ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ حَسَبَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِفْشَائِهِ مِنْ ضَرَرٍ. فَمِمَّا لاَ يَجُوزُ إِفْشَاؤُهُ: مَا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَال الْوِقَاعِ، فَإِنَّ إِفْشَاءَ مَا يَقَعُ بَيْنَ الرَّجُل وَزَوْجَتِهِ حَال الْجِمَاعِ أَوْ مَا يَتَّصِل بِذَلِكَ حَرَامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُل يُفْضِي إِلَى

стр. 3204

امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا (١) وَالْمُرَادُ مِنْ نَشْرِ السِّرِّ، ذِكْرُ مَا يَقَعُ بَيْنَ الرَّجُل وَامْرَأَتِهِ مِنْ أُمُورِ الْوَقَاعِ وَوَصْفِ تَفَاصِيل ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي مِنَ الْمَرْأَةِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. أَمَّا مُجَرَّدُ ذِكْرِ الْوِقَاعِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ، فَذِكْرُهُ مَكْرُوهٌ، لأَِنَّهُ يُنَافِي الْمُرُوءَةَ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَقُل خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ (٢) . فَإِنْ دَعَتْ إِلَى ذِكْرِهِ حَاجَةٌ، وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ فَهُوَ مُبَاحٌ. كَمَا لَوِ ادَّعَتِ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ عِنِّينٌ، أَوْ مُعْرِضٌ عَنْهَا، أَوْ تَدَّعِي عَلَيْهِ الْعَجْزَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا ادَّعَتْهُ صَحِيحًا فَلاَ كَرَاهَةَ فِي الذِّكْرِ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لأََفْعَل ذَلِكَ، أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِل (٣) وَقَال لأَِبِي طَلْحَةَ: أَعَرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ (٤) ؟ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُل فِي عَدَمِ جَوَازِ إِفْشَاءِ مَا يَجْرِي مِنَ الرِّجَال حَال الْوَقَاعِ (٥) . وَإِفْشَاءُ السِّرِّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيذَاءِ وَالتَّهَاوُنِ بِحَقِّ أَصْحَابِ السِّرِّ مِنَ الْجِيرَانِ وَالأَْصْدِقَاءِ وَنَحْوِهِمْ. فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا حَدَّثَ الرَّجُل الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ (٦)

стр. 3205

وَقَال: الْحَدِيثُ بَيْنَكُمْ أَمَانَةٌ (١) . وَقَال الْحَسَنُ إِنَّ مِنَ الْخِيَانَةِ أَنْ تُحَدِّثَ بِسِرِّ أَخِيكَ " (٢) . النَّوْعُ الثَّانِي: مَا طَلَبَ صَاحِبُهُ كِتْمَانَهُ: ٧ - مَا اسْتَكْتَمَكَ إِيَّاهُ الْغَيْرُ وَائْتَمَنَكَ عَلَيْهِ، فَلاَ يَجُوزُ بَثُّهُ وَإِفْشَاؤُهُ لِلْغَيْرِ، حَتَّى أَخَصَّ أَصْدِقَاءِ صَاحِبِ السِّرِّ، فَلاَ يَكْشِفُ شَيْئًا مِنْهُ وَلَوْ بَعْدَ الْقَطِيعَةِ بَيْنَ مَنْ أَسَرَّ وَمَنْ أَسَرَّ إِلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ لُؤْمِ الطَّبْعِ وَخُبْثِ الْبَاطِنِ (٣) . وَهَذَا إِذَا الْتَزَمْتَ بِالْكِتْمَانِ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَلْتَزِمْ، فَلاَ يَجِبُ الْكِتْمَانُ، وَيَدُل لِذَلِكَ حَدِيثُ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَصُّهُ: عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ. وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِهَا. فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَل رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَيُجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي فِي حِجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَال: سَلِي أَنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ . فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَْنْصَارِ عَلَى الْبَابِ، حَاجَتُهَا مِثْل حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلاَلٌ فَقُلْنَا: سَل النَّبِيَّ ﷺ أَيُجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حِجْرِي. وَقُلْنَا: لاَ تُخْبِرْ بِنَا. فَدَخَل فَسَأَلَهُ، فَقَال: مَنْ هُمَا؟ قَال: زَيْنَبُ. قَال: أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ قَال: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ. قَال: نَعَمْ، وَلَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ

стр. 3206

وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ (١) . قَال الْقُرْطُبِيُّ - فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي -: " لَيْسَ إِخْبَارُ بِلاَلٍ بِاسْمِ الْمَرْأَتَيْنِ بَعْدَ أَنِ اسْتَكْتَمَتَاهُ بِإِذَاعَةِ سِرٍّ وَلاَ كَشْفِ أَمَانَةٍ، لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُمَا لَمْ تُلْزِمَاهُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلِمَ أَنَّهُمَا رَأَتَا أَنْ لاَ ضَرُورَةَ تُحْوِجُ إِلَى كِتْمَانِهِمَا. (ثَانِيهِمَا) أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ جَوَابًا لِسُؤَال النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِ إِجَابَتِهِ أَوْجَبَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِمَا أَمَرَتَاهُ بِهِ مِنَ الْكِتْمَانِ. وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْتَزَمَ لَهُمَا بِذَلِكَ. وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُونَا سَأَلَتَاهُ (أَيْ وَلَمْ يَلْتَزِمْ لَهُمَا بِالْكِتْمَانِ) وَلاَ يَجِبُ إِسْعَافُ كُل سَائِلٍ (٢) . وَقَدْ تَتَضَمَّنُ الْغِيبَةُ إِفْشَاءً لِلسِّرِّ فِيمَا إِذَا كَانَ الأَْمْرُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي يَذْكُرُ بِهِ الْغَيْرَ فِي غِيَابِهِ مِنَ الأُْمُورِ الْخَفِيَّةِ، أَوْ مِمَّا يَطْلُبُ صَاحِبُهُ كِتْمَانَهُ، وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ عَنِ الْغِيبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُل لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (٣) وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ : ﴿أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ. قَال: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُول. قَال: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُول فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ﴾ (٤) وَتَفْصِيلُهُ فِي

стр. 3207

مُصْطَلَحِ (غِيبَةٌ) . النَّوْعُ الثَّالِثُ. ٨ - مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِمُقْتَضَى الْمَهْنَةِ، كَالطَّبِيبِ وَالْمُفْتِي وَأَمِينِ السِّرِّ وَغَيْرِهِمْ. ٩ - وَمِمَّا يَكُونُ أَحْيَانًا مِنَ الإِْفْشَاءِ الْمُحَرَّمِ لِلسِّرِّ النَّمِيمَةُ: وَهِيَ لُغَةً تَبْلِيغُ الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِ الإِْفْسَادِ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي اصْطِلاَحِ الْعُلَمَاءِ، وَأَكْثَرُ إِطْلاَقِهَا عَلَى مَنْ يَنِمُّ قَوْل الْغَيْرِ إِلَى الْمَقُول فِيهِ، أَيْ يَنْقُلُهُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ سِرًّا قَدِ اسْتَكْتَمَهُ إِيَّاهُ، كَأَنْ يَقُول فُلاَنٌ يَقُول فِيكَ: كَذَا وَكَذَا. وَالنَّمِيمَةُ حَرَامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : ﴿لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ﴾ (١) أَيِ النَّمَّامُ، وَلِمَا فِيهَا مِنَ الإِْفْسَادِ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَدْ تَجِبُ النَّمِيمَةُ كَمَا إِذَا سَمِعَ إِنْسَانٌ شَخْصًا يَتَحَدَّثُ بِإِرَادَةِ إِيذَاءِ إِنْسَانٍ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ أَنْ يُحَذِّرَ الْمَقْصُودَ بِالإِْيذَاءِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْذِيرُهُ بِغَيْرِ ذِكْرِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى التَّحْذِيرِ، وَإِلاَّ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (نَمِيمَةٌ) . مَا يَجُوزُ فِيهِ السَّتْرُ وَالإِْفْشَاءُ، وَالسَّتْرُ أَفْضَل: ١٠ - نَصَّ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ الشَّهَادَةُ وَالسَّتْرُ، لَكِنَّ السَّتْرَ أَفْضَل فِيمَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : ﴿مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣) وَبِقَوْلِهِ ﵊

стр. 3208

﴿لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ﴾ (١) . وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْمُتَهَتِّكَ الَّذِي لاَ يُبَالِي بِإِتْيَانِ الْمَحْظُورَاتِ وَلاَ يَتَأَلَّمُ لِذِكْرِهِ بِالْمَعَاصِي. وَقَال الْفُقَهَاءُ: يَقُول الشَّاهِدُ عَلَى السَّرِقَةِ: أَخَذَ، لاَ سَرَقَ، إِحْيَاءً لِلْحَقِّ وَرِعَايَةً لِلسَّتْرِ. وَإِذَا طَعَنَ فِي الشُّهُودِ يَجُوزُ أَنْ يَسْأَل عَنْهُمُ الْقَاضِيَ جَهْرًا أَوْ سِرًّا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الشَّاهِدَ مُخَيَّرٌ فِي الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي أَوِ التَّرْكِ، إِلاَّ فِي الْحُدُودِ فَالتَّرْكُ فِيهَا أَوْلَى، لِمَا فِيهِ مِنَ السَّتْرِ الْمَطْلُوبِ فِي غَيْرِ الْمُتَجَاهِرِ بِفِسْقِهِ، وَأَمَّا الْمُجَاهِرُ فَيُرْفَعُ أَمْرُهُ. وَكَوْنُ التَّرْكِ مَنْدُوبًا هُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي الْمَوَّاقِ: سَتْرُ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَاجِبٌ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَرْكُ الرَّفْعِ وَاجِبًا. وَقَال صَاحِبُ الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا وَقَعَ فِي مَجْلِسٍ مِمَّا يُكْرَهُ إِفْشَاؤُهُ إِنْ لَمْ يُخَالِفِ الشَّرْعَ يَجِبُ كِتْمَانُهُ. وَإِنْ خَالَفَ الشَّرْعَ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، كَالْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَكَ الْخِيَارُ، وَالسَّتْرُ أَفْضَل كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ. وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْعَبْدِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ ضَرَرٌ لأَِحَدٍ مَالِيٌّ لاَ بَدَنِيٌّ، أَوْ

стр. 3209

حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَالْقِصَاصِ وَالتَّضْمِينِ، فَعَلَيْكَ الإِْعْلاَمُ إِنْ جَهِل، وَالشَّهَادَةُ إِنْ طَلَبَ، وَإِلاَّ فَالْكَتْمُ (١) . اسْتِعْمَال الْمَعَارِيضِ لِتَجَنُّبِ إِفْشَاءِ السِّرِّ: ١١ - الْمَعَارِيضُ فِي الْكَلاَمِ هِيَ التَّوْرِيَةُ بِالشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ. وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ﴾ (٢) . وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَمَا فِي الْمَعَارِيضِ مَا يَكْفِي الرَّجُل عَنِ الْكَذِبِ؟ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَهَذَا إِذَا اضْطُرَّ الإِْنْسَانُ إِلَى الْكَذِبِ لِتَجَنُّبِ إِفْشَاءِ السِّرِّ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (تَوْرِيَةٌ) (وَتَعْرِيضٌ) . وَقَال إِمَامُ زَادَهْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: وَيُعَدُّ الْحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ أَخُوهُ أَمَانَةً، وَلاَ يُفْشِيهَا لِغَيْرِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَإِذَا حَدَّثَ بِهِ أَحَدًا أَدَّاهُ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، وَاخْتَارَ أَجْوَدَ مَا سَمِعَ (٣) . تَجَنُّبُ الإِْفْشَاءِ فِي الْحَرْبِ: ١٢ - كِتْمَانُ أَسْرَارِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْعَدُوِّ مَطْلُوبٌ، لأَِنَّ السِّرَّ قَدْ يَصِل إِلَى الْعَدُوِّ فَيَسْتَفِيدُ مِنْ ذَلِكَ (٤) .

стр. 3210

وَلِذَلِكَ جَازَ الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ تَجَنُّبًا لإِِفْشَاءِ أَسْرَارِ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَدُوِّ. وَمِنَ الْكِتْمَانِ أَلاَّ يَذْكُرَ قَائِدُ الْجَيْشِ لِجُنُودِهِ الْوَجْهَ الَّذِي يُرِيدُونَ، فَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَى بِغَيْرِهَا (١) أَمَّا السَّعْيُ لِلْحُصُول عَلَى أَسْرَارِ الْعَدُوِّ فَهُوَ مَطْلُوبٌ، لاِتِّقَاءِ شَرِّهِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَطْلِعُ أَخْبَارَ الْعَدُوِّ. إِفْضَاءٌ التَّعْرِيفُ ١ - الإِْفْضَاءُ: مَصْدَرُ أَفْضَى، وَفَضَا الْمَكَانُ فَضْوًا: إِذَا اتَّسَعَ، وَأَفْضَى الرَّجُل بِيَدِهِ إِلَى الأَْرْضِ: مَسَّهَا بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ، وَأَفْضَى إِلَى امْرَأَتِهِ: بَاشَرَهَا وَجَامَعَهَا، وَأَفْضَاهَا: جَعَل مَسْلَكَيْهَا بِالاِفْتِضَاضِ وَاحِدًا، وَأَفْضَى إِلَى الشَّيْءِ: وَصَل إِلَيْهِ، وَأَفْضَى إِلَيْهِ بِالسِّرِّ: أَعْلَمَهُ (٢) . ٢ - وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الإِْفْضَاءَ، وَيُرِيدُونَ بِهِ مَعَانِيَ: الأَْوَّل: الْمُلاَمَسَةُ. قَال الشَّافِعِيُّ ﵀: الْمُلاَمَسَةُ أَنْ يُفْضِيَ الرَّجُل بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى جَسَدِ الْمَرْأَةِ، أَوْ تُفْضِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهَا بِلاَ حَائِلٍ (ر: وُضُوءٌ، وَمَسٌّ) .

стр. 3211

الثَّانِي: الْجِمَاعُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (١) فَالْمُرَادُ بِالإِْفْضَاءِ الْجِمَاعُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. الثَّالِثُ: خَلْطُ السَّبِيلَيْنِ. مِثْل أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُل امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل الْجِمَاعَ، فَيُصَيِّرُ مَسْلَكَيْهَا مَسْلَكًا وَاحِدًا (٢) . حُكْمُ الإِْفْضَاءِ: ٣ - الإِْفْضَاءُ بِمَعْنَى إِفْشَاءِ السِّرِّ، يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِفْشَاءُ السِّرِّ) . أَمَّا الإِْفْضَاءُ بِمَعْنَى الْمُلاَمَسَةِ. هَل هُوَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ وَمُوجِبٌ لِلْمَهْرِ أَوْ لاَ؟ فَمَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (وُضُوءٌ، وَمَهْرٌ) . أَمَّا حُكْمُ الإِْفْضَاءِ بِمَعْنَى خَلْطِ السَّبِيلَيْنِ: فَالْمُفْضِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أَوْ أَجْنَبِيًّا. إِفْضَاءُ الزَّوْجِ: ٤ - إِذَا وَطِئَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ الْكَبِيرَةَ الْمُحْتَمِلَةَ لِلْوَطْءِ، فَأَفْضَاهَا، لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ وَطْءٌ مُسْتَحَقٌّ، فَلَمْ يَجِبْ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْبَكَارَةِ، وَلأَِنَّهُ فِعْلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مِمَّنْ يَصِحُّ إِذْنُهُ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِسِرَايَتِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي مُدَاوَاتِهَا بِمَا يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ، وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ الْوَاجِبِ، فَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِذَا

стр. 3212

أَفْضَاهَا فَاسْتَمْسَكَ الْبَوْل فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَةٍ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: عَلَيْهِ حُكُومَةٌ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. وَإِذَا لَمْ يَسْتَمْسِكْ بَوْلُهَا، فَفِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَدِيَةٌ وَحُكُومَةٌ، أَوْ دِيَتَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رَأْيَانِ: الأَْوَّل لِلْمُدَوَّنَةِ فِيهِ حُكُومَةٌ فَقَطْ. وَالثَّانِي لاِبْنِ الْقَاسِمِ، فِيهِ الدِّيَةُ (١) . وَإِذَا أَفْضَى زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ، أَوِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل الْوَطْءَ، فَفِيهَا الضَّمَانُ بِالإِْجْمَاعِ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْجِمَاعُ فِي الْمَحَل الْمَشْرُوعِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الإِْفْضَاءُ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إِجْمَاعًا عَلَى مَا سَبَقَ، لأَِنَّهُ اسْتِعْمَالٌ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ (٢) . إِفْضَاءُ الأَْجْنَبِيِّ: ٥ - إِذَا أَفْضَى امْرَأَةً فِي زِنًى فَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً حُدَّا، وَلاَ غُرْمَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ ضَرَرٌ حَصَل مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنْهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَأَرْشِ بَكَارَتِهَا، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: عَلَيْهِ دِيَةٌ مَعَ الْحَدِّ، لأَِنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ الْوَطْءُ لاَ الْفَتْقُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَهَا. وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُغْتَصَبَةً (غَيْرَ مُطَاوِعَةٍ) ، فَعَلَى الْمُغْتَصِبِ الْحَدُّ وَالضَّمَانُ إِجْمَاعًا، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: عَلَيْهِ أَرْشُ الإِْفْضَاءِ لاَ الْعُقْرُ (٣) ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ فِيهِ الصَّدَاقَ

стр. 3213

وَحُكُومَةَ عَدْلٍ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ فِيهِ ثُلُثَ دِيَتِهَا وَمَهْرَ مِثْلِهَا (١) . الإِْفْضَاءُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ: ٦ - إِذَا وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَأَفْضَاهَا، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَرْشَ إِفْضَائِهَا مَعَ مَهْرِ مِثْلِهَا، لأَِنَّ الْفِعْل إِنَّمَا أُذِنَ فِيهِ اعْتِقَادًا أَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ لَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَهُ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ لِمَا أَتْلَفَ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي أَخْذِ الدَّيْنِ لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّهُ فَبَانَ أَنَّهُ غَيْرُهُ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ لَهَا أَكْثَرُ الأَْمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ أَرْشِ إِفْضَائِهَا، لأَِنَّ الأَْرْشَ لإِِتْلاَفِ الْعُضْوِ، فَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ ضَمَانِهِ وَضَمَانِ مَنْفَعَتِهِ، كَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنًا. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِيهِ الدِّيَةُ، لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ لِلإِْتْلاَفِ وَالإِْفْضَاءِ زِيَادَةً عَلَى الْمَهْرِ (٢) .

стр. 3214

إِفْطَارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْفْطَارُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَفْطَرَ: يُقَال: أَفْطَرَ الصَّائِمُ: دَخَل فِي وَقْتِ الْفِطْرِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: ﴿إِذَا أَقْبَل اللَّيْل مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ﴾ (١) . وَالإِْفْطَارُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - الأَْصْل فِي الإِْفْطَارِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ الْحُرْمَةُ، إِذِ الصَّوْمُ مَعْنَاهُ الإِْمْسَاكُ عَنْ كُل مَا يُفْطِرُ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِصَوْمِ رَمَضَانَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ فَكَذَلِكَ، لأَِنَّهُ يُسْلَكُ بِالنَّذْرِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ. وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ، لِوُجُودِ مَانِعٍ مِنَ الصَّوْمِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَانِعُ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّخْصِ، كَالْمَرَضِ، الْمُؤَدِّي لِلْهَلاَكِ، وَكَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، أَمْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ نَاحِيَةِ الأَْيَّامِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصِّيَامِ فِيهَا

стр. 3215

كَيَوْمَيِ الْعِيدِ. ٣ - وَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ مَكْرُوهًا، كَالْمُسَافِرِ الَّذِي تَحَقَّقَتْ لَهُ شَرَائِطُ السَّفَرِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِذِ الصَّوْمُ أَفْضَل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) . وَكَإِفْطَارِ مَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ النَّفْل إِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) . وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَ إِتْمَامَهُ. ٤ - وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا: كَمَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ، كَمُسَاعَدَةِ ضَيْفٍ فِي الأَْكْل إِذَا عَزَّ عَلَيْهِ امْتِنَاعُ مُضِيفِهِ مِنْهُ أَوْ عَكْسِهِ، فَلاَ يُكْرَهُ الإِْفْطَارُ بَل يُسْتَحَبُّ، لِحَدِيثِ ﴿وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا﴾ (٣) وَحَدِيثِ: ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ﴾ (٤) . أَمَّا إِذَا لَمْ يَعِزُّ عَلَى أَحَدِهِمَا امْتِنَاعُ الآْخَرِ عَنْ ذَلِكَ، فَالأَْفْضَل عَدَمُ خُرُوجِهِ مِنْهُ. ٥ - وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا: كَالْمَرِيضِ الَّذِي لاَ يَخْشَى الْهَلاَكَ، وَلَكِنَّهُ يَخْشَى زِيَادَةَ الْمَرَضِ، وَكَالْحَامِل الَّتِي تَخَافُ ضَرَرًا يَسِيرًا عَلَى حَمْلِهَا أَوْ نَفْسِهَا.

стр. 3216

وَمِنَ الْمُبَاحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ عَلَى خِلاَفِ الأَْفْضَلِيَّةِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِهِ رُخْصَةً أَوْ عَزِيمَةً (١) . أَثَرُ الإِْفْطَارِ: أ - فِي قَطْعِ الصَّوْمِ الْمُتَتَابِعِ: ٦ - مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي نَهَارِ صَوْمٍ وَاجِبٍ يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ، كَصَوْمٍ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ، انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلاَ يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ وَيَبْنِي عَلَى مَا سَبَقَ (٢) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِيمَا يُعْتَبَرُ عُذْرًا لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ (ر: صَوْمٌ - كَفَّارَةٌ) . ب - فِي تَرَتُّبِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ: ٧ - يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي صِيَامٍ وَاجِبٍ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. وَفِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ خِلاَفٌ. وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْقَضَاءِ فِدْيَةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهِ.

стр. 3217

إِفْكٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْفْكُ: لُغَةً: الْكَذِبُ (١) . وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الْقَذْفِ بِمَعْنَى الْكَذِبِ، وَفِي الأَْلُوسِيِّ وَغَيْرِهِ، الإِْفْكُ: أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنَ الْكَذِبِ وَالاِفْتِرَاءِ، وَكَثِيرًا مَا يُفَسَّرُ بِالْكَذِبِ مُطْلَقًا. وَقِيل هُوَ الْبُهْتَانُ لاَ تَشْعُرُ بِهِ حَتَّى يَفْجَأَكَ، وَأَصْلُهُ مِنِ الأَْفْكِ (بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ) وَهُوَ الْقَلْبُ وَالصَّرْفُ، لأَِنَّ الْكَذِبَ مَصْرُوفٌ عَنِ الْوَجْهِ الْحَقِّ (٢) . وَقَدْ قَال الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِْفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (٣) إِنَّ الْمُرَادَ مَا افْتُرِيَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَتَكُونُ (أَل) فِي " الإِْفْكِ " لِلْعَهْدِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ حَمْل (أَل) عَلَى الْجِنْسِ، قِيل فَيُفِيدُ الْقَصْرَ: كَأَنَّهُ لاَ إِفْكَ إِلاَّ ذَلِكَ الإِْفْكَ، وَفِي لَفْظِ (الْمَجِيءِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ أَظْهَرُوهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ (٤) . وَقَدْ وَرَدَ فِي سُورَةِ النُّورِ - الآْيَةَ ١١ فَمَا بَعْدَهَا - ذِكْرُ حَادِثَةِ الإِْفْكِ، وَتَشْرِيفُ اللَّهِ تَعَالَى لِعَائِشَةَ، وَتَبْرِئَتُهَا بِالْوَحْيِ.

стр. 3218

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٢ - الإِْفْكُ حَرَامٌ، فِيهِ يُصَوَّرُ الْحَقُّ بِصُورَةِ الْبَاطِل، وَلاَ يَخْرُجُ فِي عُقُوبَتِهِ عَنْ عُقُوبَةِ الْكَذِبِ، وَفِيهِ التَّعْزِيرُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا بِالْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ مَا كَانَ مَوْضُوعُهُ الاِتِّهَامَ كَذِبًا بِالْفَاحِشَةِ، فَيَكُونُ فِيهِ الْحَدُّ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (الْقَذْفِ) . إِفْلاَسٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْفْلاَسُ مَصْدَرُ أَفْلَسَ، وَهُوَ لاَزِمٌ، يُقَال: أَفْلَسَ الرَّجُل إِذَا صَارَ ذَا فُلُوسٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ ذَا ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، أَوْ صَارَ إِلَى حَالٍ لَيْسَ لَهُ فُلُوسٌ. وَالْفَلَسُ اسْمُ الْمَصْدَرِ، بِمَعْنَى الإِْفْلاَسِ (١) . وَالإِْفْلاَسُ فِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الرَّجُل أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ غَيْرَ ذِي مَالٍ أَصْلاً، أَمْ كَانَ لَهُ مَالٌ إِلاَّ أَنَّهُ أَقَل مِنْ دَيْنِهِ (٢) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَنْ غَلَبَ دَيْنُهُ مَالَهُ مُفْلِسًا وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، لأَِنَّ مَالَهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فِي جِهَةِ دَيْنِهِ، فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ (٣) .

стр. 3219

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّفْلِيسُ: ٢ - التَّفْلِيسُ هُوَ: مَصْدَرُ فَلَّسْتُ الرَّجُل، إِذَا نَسَبْتُهُ إِلَى الإِْفْلاَسِ. وَاصْطِلاَحًا: جَعْل الْحَاكِمِ الْمَدِينَ مُفْلِسًا بِمَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ (١) . وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عِنْدَمَا عَرَّفُوا التَّفْلِيسَ بِالْمَعْنَى الأَْخَصِّ. وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ التَّفْلِيسِ وَالإِْفْلاَسِ: أَنَّ الإِْفْلاَسَ أَثَرُ التَّفْلِيسِ فِي الْجُمْلَةِ. وَجَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ التَّفْلِيسَ يُطْلَقُ عَلَى مَا قَبْل الْحَجْرِ بَعْدَ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ عَلَى الْمَدِينِ، قَالُوا: وَيُقَال حِينَئِذٍ: إِنَّهُ تَفْلِيسٌ بِالْمَعْنَى الأَْعَمِّ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَا بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَفْلِيسًا بِالْمَعْنَى الأَْخَصِّ (٢) . ب - الإِْعْسَارُ: ٣ - الإِْعْسَارُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَعْسَرَ، وَهُوَ ضِدُّ الْيَسَارِ. وَالْعُسْرُ: اسْمُ مَصْدَرٍ، وَهُوَ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ وَالصُّعُوبَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّفَقَةِ بِمَالٍ وَلاَ كَسْبٍ. فَبَيْنَ الإِْعْسَارِ وَالإِْفْلاَسِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُل مُفْلِسٍ مُعْسِرٌ، وَلاَ عَكْسَ.

стр. 3220

ج - الْحَجْرُ: ٤ - الْحَجْرُ لُغَةً: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَشَرْعًا: مَنْعُ نَفَاذِ تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ. وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّفْلِيسِ مِنْ حَيْثُ الأَْثَرُ، إِذْ يَشْمَل مَنْعَ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال. حُكْمُ الإِْفْلاَسِ: ٥ - لَمَّا كَانَ الإِْفْلاَسُ صِفَةً لِلشَّخْصِ لاَ فِعْلاً لَهُ لَمْ يُوصَفْ بِحِلٍّ وَلاَ حُرْمَةٍ، وَلَكِنْ لِلإِْفْلاَسِ مُقَدِّمَاتٌ هِيَ مِنْ فِعْل الْمُكَلَّفِ، كَالاِسْتِدَانَةِ، وَهَذِهِ قَدْ تَرِدُ عَلَيْهَا الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحِ (اسْتِدَانَةٌ) . وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ الإِْفْلاَسِ الإِْعْسَارَ، وَلَهُ أَحْكَامٌ وَضْعِيَّةٌ (آثَارٌ) مُفَصَّلَةٌ فِي مُصْطَلَحِ (إِعْسَارٌ) ، وَأَمَّا الإِْفْلاَسُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَثَرٌ لِلتَّفْلِيسِ، فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ هُنَا الْكَلاَمَ عَلَى أَحْكَامِ التَّفْلِيسِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّفْلِيسِ: ٦ - إِذَا أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَال الْمَدِينِ، وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ تَفْلِيسُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِوُجُوبِ ذَلِكَ أَلاَّ يُمْكِنَ لِلْغُرَمَاءِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِمْ إِلاَّ بِهِ. أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَبَيْعِ بَعْضِ مَالِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُصَارُ إِلَى التَّفْلِيسِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفَلَّسُ، لأَِنَّهُ كَامِل الأَْهْلِيَّةِ، وَفِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ إِهْدَارٌ لآِدَمِيَّتِهِ. وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِتَفْلِيسِهِ: بِأَنَّ الْكُل مُجْمِعٌ

стр. 3221

عَلَى الْحَجْرِ عَلَى الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَلأََنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ وَيُمْنَعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ أَوْلَى. وَمِمَّا يَتَّصِل بِهَذَا الْمَوْضُوعِ: أَنَّهُ هَل يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ جَبْرًا عَلَيْهِ أَوْ لاَ؟ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَرَ عَلَيْهِ، وَبَاعَ مَالَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ، وَقَسَمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ. . .﴾ (١) وَكَذَلِكَ أَثَرُ أُسَيْفِعٍ: أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي الرَّوَاحِل، فَيُغَالِي بِهَا، ثُمَّ يُسْرِعُ فِي السَّيْرِ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ، فَأَفْلَسَ، فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَال: " أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الأُْسَيْفِعَ أَسَفْعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ أَنْ يُقَال: سَبَقَ الْحَاجَّ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدِ ادان مُغْرِضًا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ رِينَ بِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ، وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ. . . (٢) وَلأَِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ مُحْتَاجٌ إِلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ فَجَازَ بَيْعُ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُبَاعُ مَالُهُ جَبْرًا عَنْهُ، لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَاكِمَ يُجْبِرُهُ عَلَى الْبَيْعِ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الإِْيفَاءُ بِدُونِ إِجْبَارٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 3222

﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) . وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ، وَفِي الْمَال دَرَاهِمُ، دُفِعَتْ لِلْغَرِيمِ جَبْرًا. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ دَيْنُهُ دَنَانِيرَ وَفِي الْمَال دَنَانِيرُ، دُفِعَتْ لِلدَّائِنِينَ جَبْرًا. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ وَفِي مَالِهِ النَّقْدُ الآْخَرُ، لأَِنَّهُمَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ. وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِأَنَّ الْغَرِيمَ إِذَا ظَفِرَ بِمِثْل دَيْنِهِ أَخَذَهُ جَبْرًا، فَالْحَاكِمُ أَوْلَى، وَهَذَا الاِسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُ مِنْ قَبِيل الاِسْتِحْسَانِ. وَمِمَّا يَتَّصِل بِهَذَا أَنَّ الْمَدِينَ الْمُسْتَغْرِقَ بِالدَّيْنِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ دِيَانَةً كُل تَصَرُّفٍ يَضُرُّ بِالدَّائِنِينَ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الآْخَرِينَ أَنْ يَتَعَامَلُوا مَعَهُ بِمَا يَضُرُّ بِدَائِنِيهِ مَتَى عَلِمُوا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (اسْتِدَانَةٌ) (٢) . شَرَائِطُ الْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ: الشَّرِيطَةُ الأُْولَى: ٧ - يُشْتَرَطُ لِلْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ عِنْدَ كُل مَنْ أَجَازَهُ أَنْ يَطْلُبَ الْغُرَمَاءُ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُمْ أَوْ يَخْلُفُهُمْ

стр. 3223

الْحَجْرَ عَلَيْهِ. فَلَوْ طَالَبُوا بِدُيُونِهِمْ وَلَمْ يَطْلُبُوا الْحَجْرَ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَطْلُبَهُ جَمِيعُ الْغُرَمَاءِ، بَل لَوْ طَلَبَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَزِمَ، وَإِنْ أَبَى بَقِيَّةُ الْغُرَمَاءِ ذَلِكَ أَوْ سَكَتُوا، أَوْ طَلَبُوا تَرْكَهُ لِيَسْعَى. وَإِذَا فُلِّسَ لِطَلَبِ بَعْضِهِمْ كَانَ لِلْبَاقِينَ الْمُحَاصَّةُ. وَلَوْ طَلَبَ الْمَدِينُ تَفْلِيسَ نَفْسِهِ وَالْحَجْرَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْهُ الْحَاكِمُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الْغُرَمَاءِ. وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ يُحْجَرُ عَلَى الْمَدِينِ بِسُؤَالِهِ أَوْ سُؤَال وَكِيلِهِ، قِيل: وُجُوبًا، وَقِيل: جَوَازًا. قَالُوا: لأَِنَّ لَهُ غَرَضًا ظَاهِرًا فِي ذَلِكَ، وَهُوَ صَرْفُ مَالِهِ إِلَى دُيُونِهِ. وَوَجْهُ الأَْوَّل أَنَّ الْحَجْرَ يُنَافِي الْحُرِّيَّةَ وَالرُّشْدَ، وَإِنَّمَا حُجِرَ بِطَلَبِ الْغُرَمَاءِ لِلضَّرُورَةِ، وَأَنَّهُمْ لاَ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ تَحْصِيل مَقْصُودِهِمْ إِلاَّ بِالْحَجْرِ، خَشْيَةَ الضَّيَاعِ، بِخِلاَفِ الْمَدِينِ فَإِنَّ غَرَضَهُ الْوَفَاءُ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ بِبَيْعِ أَمْوَالِهِ وَقِسْمَتِهَا عَلَى غُرَمَائِهِ. وَجَعَل بَعْضُهُمْ مِنَ الْحَجْرِ بِطَلَبِ الْمَدِينِ حَجْرَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ. قَالُوا: الأَْصْوَبُ أَنَّهُ كَانَ بِسُؤَال مُعَاذٍ نَفْسِهِ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِقَاصِرٍ، وَلَمْ يَسْأَل وَلِيُّهُ الْحَجْرَ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ الْحَجْرُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، لأَِنَّهُ نَاظِرٌ لِمَصْلَحَتِهِ.

стр. 3224

وَمِثْلُهُ عِنْدَهُمْ مَا لَوْ كَانَتِ الدُّيُونُ لِمَسْجِدٍ، أَوْ جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا فِي حَالَةِ مَا إِذَا طَلَبَ بَعْضُ الدَّائِنِينَ الْحَجْرَ دُونَ بَعْضٍ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ دَيْنُ الطَّالِبِ أَكْثَرَ مِنْ مَال الْمَدِينِ، وَإِلاَّ فَلاَ حَجْرَ، لأَِنَّ دَيْنَهُ يُمْكِنُ وَفَاؤُهُ بِكَمَالِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ، وَفِي قَوْلٍ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَزِيدَ دَيْنُ الْجَمِيعِ عَلَى مَالِهِ، لاَ دَيْنُ طَالِبِ الْحَجْرِ فَقَطْ (٢) . الشَّرِيطَةُ الثَّانِيَةُ: ٨ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي طَلَبَ رَبُّهُ الْحَجْرَ عَلَى الْمَدِينِ بِسَبَبِهِ دَيْنًا حَالًّا، سَوَاءٌ أَكَانَ حَالًّا أَصَالَةً، أَمْ حَل بِانْتِهَاءِ أَجَلِهِ، فَلاَ حَجْرَ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّل، لأَِنَّهُ لاَ يُطَالَبُ بِهِ فِي الْحَال، وَلَوْ طُولِبَ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الأَْدَاءُ (٣) . الشَّرِيطَةُ الثَّالِثَةُ: ٩ - يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الدُّيُونُ عَلَى الْمُفْلِسِ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ (٤) . وَعَلَى هَذَا فَلاَ يُفَلَّسُ بِدَيْنٍ مُسَاوٍ لِمَالِهِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، وَيُفْهَمُ أَيْضًا مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَلَوْ لَمْ يَزِدْ دَيْنُهُ الْحَال عَلَى مَالِهِ لَكِنْ بَقِيَ مِنْ مَال الْمَدِينِ مَالاً يَفِي بِالْمُؤَجَّل يُفَلَّسُ أَيْضًا، كَمَنْ عَلَيْهِ مِائَتَانِ. مِائَةٌ حَالَّةٌ وَمِائَةٌ مُؤَجَّلَةٌ، وَمَعَهُ

стр. 3225

مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَقَطْ، فَيُفَلَّسُ، إِلاَّ إِنْ كَانَ يُرْجَى مِنْ تَنْمِيَتِهِ لِلْفَضْلَةِ - وَهِيَ خَمْسُونَ فِي مِثَالِنَا - وَفَاءُ الْمُؤَجَّل (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَتْ دُيُونُهُ بِقَدْرِ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ كَسُوبًا يُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ فَلاَ حَجْرَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسُوبًا، وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِهِ، فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ كَيْ لاَ يُضَيِّعَ مَالَهُ فِي نَفَقَتِهِ عَلَى قَوْلٍ عِنْدَهُمْ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لاَ حَجْرَ فِي هَذِهِ الْحَال أَيْضًا، لِتَمَكُّنِ الْغُرَمَاءِ مِنَ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَال (٢) . الشَّرِيطَةُ الرَّابِعَةُ: ١٠ - الدَّيْنُ الَّذِي يُحْجَرُ بِهِ هُوَ دَيْنُ الآْدَمِيِّينَ. أَمَّا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى فَلاَ يُحْجَرُ بِهِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ. قَالُوا: وَلَوْ فَوْرِيًّا، كَنَذْرٍ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّوهُ مَحْصُورِينَ، وَكَالزَّكَاةِ إِذَا حَال الْحَوْل وَحَضَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ (٣) . الشَّرِيطَةُ الْخَامِسَةُ: ١١ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمَحْجُورُ بِهِ لاَزِمًا، فَلاَ حَجْرَ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ (٤) . الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ الْغَائِبِ: ١٢ - يَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ الْغَائِبِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمَحْجُورِ
следующие страницы →