Полный текст (31 949 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
بِمَعْنَيَيْهِ لأَِهْل الأَْعْذَارِ (١) .
أَمَّا لِغَيْرِ أَهْل الأَْعْذَارِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي الْفَرِيضَةِ، وَيَجُوزُ فِي النَّافِلَةِ (٢) .
وَالاِتِّكَاءُ عَلَى الْقَبْرِ كَالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ (٣) . وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا بِجَوَازِهِ (٤) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الاِتِّكَاءِ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ مَكْرُوهَاتِ الصَّلاَةِ (٥) ، وَيُفَصِّلُونَ حُكْمَ الاِتِّكَاءِ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ (٦) . وَحُكْمَ الاِتِّكَاءِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ، عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ آدَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (٧) ، وَحُكْمَ الاِتِّكَاءِ عِنْدَ الأَْكْل فِي أَبْوَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ (٨) ، وَحُكْمَ الاِتِّكَاءِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَسَاجِدِ (٩) ، وَحُكْمَ стр. 352
الاِتِّكَاءِ عَلَى شَيْءٍ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ كَالْمِخَدَّةِ وَغَيْرِهَا فِي أَبْوَابِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْوَلِيمَةِ (١) .
إِتْلاَف
١ - جَاءَ فِي الْقَامُوسِ: تَلِفَ كَفَرِحَ: هَلَكَ، وَأَتْلَفَهُ: أَفْنَاهُ (٢) .
وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ اسْتِعْمَالاَتُ الْفُقَهَاءِ. يَقُول الْكَاسَانِيُّ: إِتْلاَفُ الشَّيْءِ إِخْرَاجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ مَنْفَعَةً مَطْلُوبَةً مِنْهُ عَادَةً (٣) .
٢ - الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْهْلاَكُ:
قَدْ يَقَعُ الإِْهْلاَكُ وَالإِْتْلاَفُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. فَفِي مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ: الْهَلاَكُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: افْتِقَادُ الشَّيْءِ عَنْكَ وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِكَ مَوْجُودٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (٤) وَهَلاَكُ الشَّيْءِ بِاسْتِحَالَةٍ وَفَسَادٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل﴾ (٥) وَكَقَوْلِكَ: هَلَكَ الطَّعَامُ. وَهَلَكَ: بِمَعْنَى مَاتَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٦) وَبِمَعْنَى بُطْلاَنِ стр. 353
الشَّيْءِ مِنَ الْعَالَمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (١)
ب - التَّلَفُ:
وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الإِْتْلاَفِ؛ لأَِنَّهُ كَمَا يَكُونُ نَتِيجَةَ إِتْلاَفِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَتِيجَةَ آفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْقَلْيُوبِيِّ إِدْخَال الإِْتْلاَفِ فِي عُمُومِ التَّلَفِ، إِذْ قَال: إِنَّ الْعَارِيَّةَ تُضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ لاَ بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَلَوْ بِإِتْلاَفِ الْمَالِكِ (٢) .
ج - التَّعَدِّي:
جَاءَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: تَعَدَّى الْحَقَّ: جَاوَزَهُ، وَاعْتَدَى فُلاَنٌ عَنِ الْحَقِّ؛ أَيْ جَازَ عَنْهُ إِلَى الظُّلْمِ. وَقَدْ يَكُونُ مِنْ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ مَا هُوَ جَوْرٌ وَاعْتِدَاءٌ (٣) .
د - الإِْفْسَادُ:
جَاءَ فِي الْقَامُوسِ: أَفْسَدَهُ: أَخْرَجَهُ عَنْ صَلاَحِيَتِهِ الْمَطْلُوبَةِ. وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ مُرَادِفًا لِلإِْتْلاَفِ (٤) .
هـ - الْجِنَايَةُ:
يُقَال: جَنَى جِنَايَةً؛ أَيْ أَذْنَبَ ذَنْبًا يُؤَاخَذُ بِهِ. وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ غَلَبَتْ عَلَى الْجَرْحِ وَالْقَطْعِ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ هِيَ تَحَقُّقُ الْمُؤَاخَذَةِ فِي بَعْضِ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ، كَمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْجِنَايَةِ.
و الإِْضْرَارُ:
إِيقَاعُ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ، وَقَدْ يُرَادُ مِنْهُ أَيُّ نَقْصٍ يَدْخُل عَلَى الأَْعْيَانِ. وَقَدْ يَتَحَقَّقُ هَذَا فِي بَعْضِ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ. стр. 354
ز - الْغَصْبُ:
وَهُوَ أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ، وَعَلَى وَجْهٍ يُزِيل يَدَهُ أَوْ يُقَصِّرُ يَدَهُ.
فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الإِْتْلاَفِ وَالْغَصْبِ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمَالِكِ. وَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ الْغَصْبَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِزَوَال يَدِهِ أَوْ تَقْصِيرِ يَدِهِ. أَمَّا الإِْتْلاَفُ فَقَدْ يَتَحَقَّقُ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ. كَمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الآْثَارِ مِنْ حَيْثُ الْمَشْرُوعِيَّةُ وَتَرَتُّبُ الضَّمَانِ (١) .
صِفَةُ الإِْتْلاَفِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
٣ - الأَْصْل فِي الإِْتْلاَفِ: الْحَظْرُ، إِذَا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا، كَإِتْلاَفِ الْمَالِكِ مَالَهُ الْمُنْتَفَعَ بِهِ شَرْعًا وَطَبْعًا.
وَقَدْ يَكُونُ الإِْتْلاَفُ وَاجِبًا إِذَا كَانَ مَأْمُورًا مِنَ الشَّارِعِ بِإِتْلاَفِهِ كَإِتْلاَفِ خِنْزِيرٍ لِمُسْلِمٍ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَإِتْلاَفِ مَا اسْتَغْنَى عَنْهُ مَالِكُهُ وَلَمْ يَجِدْ وَجْهًا لاِنْتِفَاعِهِ هُوَ أَوْ غَيْرِهِ بِهِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَظْرِ حُكْمُهُ الأُْخْرَوِيُّ وَهُوَ الإِْثْمُ.
هَذَا وَلاَ تَلاَزُمَ بَيْنَ الإِْثْمِ وَالضَّمَانِ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الآْخَرِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنِ الضَّمَانِ فِي مَوْطِنِهِ.
أَنْوَاعُ الإِْتْلاَفِ:
٤ - الإِْتْلاَفُ نَوْعَانِ؛ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَقَعَ عَلَى الْعَيْنِ أَوْ عَلَى الْمَنْفَعَةِ. وَعَلَى كُلٍّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِتْلاَفًا لِلْكُل أَوْ لِلْجُزْءِ، سَوَاءٌ فِي الْعَيْنِ أَوِ الْمَنْفَعَةِ.
وَهَذَانِ النَّوْعَانِ الإِْتْلاَفُ فِيهِمَا حَقِيقِيٌّ.
وَقَدْ يَكُونُ الإِْتْلاَفُ مَعْنَوِيًّا، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْعُ стр. 355
تَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمُسْتَعَارَةِ لِلْمُعِيرِ بَعْدَ طَلَبِهَا مِنْهُ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْعَارَةِ.
يَقُول الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ الَّذِي يُغَيِّرُ حَال الْمُسْتَعَارِ مِنَ الأَْمَانَةِ إِلَى الضَّمَانِ هُوَ الْمُغَيِّرُ لِحَال الْوَدِيعَةِ، وَهُوَ الإِْتْلاَفُ حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَبِتَرْكِ الْحِفْظِ، وَبِالْخِلاَفِ (١) ، أَيِ اسْتِعْمَال الْعَيْنِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهَا فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ فِيهِ صَاحِبُهَا. فَقَدِ اعْتُبِرَ هَذَا إِتْلاَفًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَمُوجِبًا لِلضَّمَانِ، كَمَا قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ خَلْطَ الْوَدَائِعِ خَلْطًا يَمْنَعُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهَا يُعْتَبَرُ إِتْلاَفًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لِخَلْطِ الدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ (٢) .
الإِْتْلاَفُ الْمَشْرُوعُ وَغَيْرُ الْمَشْرُوعِ
أَوَّلاً - الإِْتْلاَفُ الْمَشْرُوعُ الْمُتَّفَقُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ:
٥ - مِنْ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ الْمَشْرُوعِ مَعَ تَرَتُّبِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْعَقِدُ عَلَى إِتْلاَفِ الْعَيْنِ ذَاتِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمَنَافِعُ مِمَّا يَقْتَضِي اسْتِيفَاؤُهَا إِتْلاَفَ الْعَيْنِ، كَالشَّمْعَةِ لِلإِْضَاءَةِ، وَالظِّئْرِ لِلإِْرْضَاعِ، وَاسْتِئْجَارِ الشَّجَرِ لِلثَّمَرِ (٣) ، عَلَى التَّفْصِيل стр. 356
وَالْخِلاَفِ الْمُبَيَّنِ فِي مُصْطَلَحِ إِجَارَةٍ. فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ إِتْلاَفٌ لِلْعَيْنِ بِاسْتِهْلاَكِهَا، وَهُوَ إِتْلاَفٌ مَشْرُوعٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ.
٦ - وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِتْلاَفُ مَال الْغَيْرِ عَنْ طَرِيقِ أَكْلِهِ دُونَ إِذْنٍ مِنْهُ فِي حَال الْمَخْمَصَةِ، فَإِنَّهُ إِتْلاَفٌ مُرَخَّصٌ فِيهِ مِنَ الشَّارِعِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذِ التَّنَاوُل حَال الْمَخْمَصَةِ رُخْصَةٌ لاَ إِبَاحَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَإِذَا اسْتَوْفَاهُ ضَمِنَهُ كَمَا يَقُول الْبَزْدَوِيُّ، وَيَقُول ابْنُ رَجَبٍ: مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا لِدَفْعِ الأَْذَى عَنْ نَفْسِهِ ضَمِنَ، أَمَّا مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا لِدَفْعِ أَذَاهُ لَهُ لَمْ يَضْمَنْ.
لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ فِي غَيْرِ الأَْظْهَرِ يُسْقِطُونَ عَنْهُ الضَّمَانَ أَيْضًا؛ لأَِنَّ الدَّفْعَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمَالِكِ، وَالْوَاجِبُ لاَ يُؤْخَذُ لَهُ عِوَضٌ (١) .
٧ - وَمِنَ الإِْتْلاَفِ الْمَشْرُوعِ دُونَ تَرَتُّبِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ إِتْلاَفُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَوْ لِذِمِّيٍّ، لِعَدَمِ التَّقَوُّمِ، بِدَلِيل أَنَّهُ لاَ يَحِل بَيْعُهُ (٢) .
٨ - وَمِنْهُ أَيْضًا مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَقَعُ فِي يَدِ أَمِيرِ الْجَيْشِ مِنْ أَمْوَال أَهْل الْحَرْبِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ نَقْلُهُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ يَجُوزُ لَهُ إِتْلاَفُهُ، فَيَذْبَحُ الْحَيَوَانَاتِ ثُمَّ يُحَرِّقُهَا؛ لأَِنَّ ذَبْحَهَا جَائِزٌ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَلاَ غَرَضَ أَصَحَّ مِنْ كَسْرِ شَوْكَةِ الأَْعْدَاءِ. وَأَمَّا إِحْرَاقُهَا فَلِتَنْقَطِعَ стр. 357
مَنْفَعَةُ الْكُفَّارِ بِهَا، كَمَا يُحَرِّقُ الأَْسْلِحَةَ وَالأَْمْتِعَةَ الَّتِي يَتَعَذَّرُ نَقْلُهَا، وَمَا لاَ يَحْتَرِقُ يُدْفَنُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَقِفُ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ. وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمِينَ (١) .
٩ - وَمِنْهُ إِتْلاَفُ بِنَاءِ أَهْل الْحَرْبِ وَشَجَرِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَال وَالظَّفَرِ بِهِمْ، أَوْ لِعَدَمِ رَجَاءِ حُصُولِهَا لَنَا، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَنَّهُ ﷺ قَطَعَ نَخْل بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَهُ. (٢)
١٠ - وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالُوهُ فِي إِتْلاَفِ كُتُبِ السِّحْرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَكَيْفِيَّةُ إِتْلاَفِهَا أَنَّهُ يُمْحَى مِنْهَا اسْمُ اللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَيُحَرَّقُ الْبَاقِي. وَلاَ بَأْسَ بِأَنْ تُلْقَى فِي مَاءٍ جَارٍ، أَوْ تُدْفَنَ كَمَا هِيَ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَكَذَا جَمِيعُ الْكُتُبِ إِذَا بَلِيَتْ وَخَرَجَتْ عَنِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا (٣) . وَنَقَل عَمِيرَةُ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَكُتُبُ الْكُفْرِ وَالسِّحْرِ وَنَحْوِهَا يَحْرُمُ بَيْعُهَا وَيَجِبُ إِتْلاَفُهَا (٤) .
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي دَفْعِ الصَّائِل مِنْ أَنَّ مَنْ صَالَتْ عَلَيْهِ بَهِيمَةٌ فَلَمْ تَنْدَفِعْ إِلاَّ بِالْقَتْل стр. 358
فَقَتَلَهَا لَمْ يَضْمَنْ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ بِدَفْعٍ جَائِزٍ (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ وَبَيَانُ الأَْقْوَال فِيهِ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ صِيَال.
ثَانِيًا: إِتْلاَفٌ مَشْرُوعٌ، وَفِي تَرَتُّبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ خِلاَفٌ:
١١ - إِتْلاَفُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُتْلِفُ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا. أَمَّا لَوْ كَانَتِ الْخَمْرُ مَمْلُوكَةً لِذِمِّيٍّ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ بِالضَّمَانِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهَا لاَ تُضْمَنُ، لاِنْتِفَاءِ تَقَوُّمِهَا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ إِلاَّ إِذَا انْفَرَدَ الذِّمِّيُّونَ بِمَحَلَّةٍ وَلَمْ يُخَالِطْهُمْ مُسْلِمٌ فَإِنَّهَا لاَ تُرَاقُ عَلَيْهِمْ لإِِقْرَارِهِمْ عَلَيْهَا. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِذَا غُصِبَتْ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَانَتْ مُحْتَرَمَةً - وَهِيَ الَّتِي عُصِرَتْ لاَ بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ، وَإِنَّمَا بِقَصْدِ التَّخْلِيل (صَيْرُورَتِهَا خَلًّا) فَإِنَّهَا لاَ تُرَاقُ أَيْضًا، وَإِنَّمَا تُرَدُّ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ لَهُ إِمْسَاكَهَا لِتَصِيرَ خَلًّا (٢) .
١٢ - وَمَنْ أَتْلَفَ طَبْل الْغُزَاةِ وَالصَّيَّادِينَ وَالدُّفَّ الَّذِي يُبَاحُ فِي الْعُرْسِ، ضَمِنَ اتِّفَاقًا. أَمَّا لَوْ أَتْلَفَ عَلَى إِنْسَانٍ آلَةً مِنْ آلاَتِ اللَّهْوِ وَالْفَسَادِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ (الصَّاحِبَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةَ وَالشَّافِعِيَّةَ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ) يَرَوْنَ عَدَمَ الضَّمَانِ؛ لأَِنَّهَا آلاَتُ لَهْوٍ وَفَسَادٍ، فَلَمْ تَكُنْ مُتَقَوِّمَةً، كَالْخَمْرِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَحِل стр. 359
بَيْعُهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَالْمَيْتَةِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (١) وَقَال: بُعِثْتُ بِمَحْقِ الْقَيْنَاتِ وَالْمَعَازِفِ (٢) كَمَا أَنَّ مَنْفَعَتَهَا مُحَرَّمَةٌ، وَالْمُحَرَّمُ لاَ يُقَابَل بِشَيْءٍ، مَعَ وُجُوبِ إِبْطَالِهَا عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ (٣) .
وَيَرَى الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - وَهُوَ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا غَيْرَ مَصْنُوعَةٍ؛ لأَِنَّهَا كَمَا تَصْلُحُ لِلَّهْوِ وَالْفَسَادِ فَإِنَّهَا تَصْلُحُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَكَانَ مَالاً مُتَقَوِّمًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (٤) . وَيُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ فِي السَّرِقَةِ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْقَوْل بِالضَّمَانِ، إِذْ قَالُوا: وَلاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ كَطُنْبُورٍ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُتَخَلِّفُ مِنْهُ بَعْدَ الْكَسْرِ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ حَدَّ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ (٥) .
وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ مَنْ أَتْلَفَهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَصْنُوعَةٍ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. стр. 360
وَيَقُول النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الأَْصْنَامُ وَآلاَتُ الْمَلاَهِي لاَ يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيْءٌ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهَا لاَ تُكْسَرُ الْكَسْرَ الْفَاحِشَ، بَل تُفْصَل لِتَعُودَ كَمَا كَانَتْ قَبْل التَّأْلِيفِ. فَإِنْ عَجَزَ الْمُنْكِرُ عَنْ رِعَايَةِ هَذَا الْحَدِّ فِي الإِْنْكَارِ لِمَنْعِ صَاحِبِ الْمُنْكَرِ، أَبْطَلَهُ كَيْفَ تَيَسَّرَ. وَعَلَّقَ الرَّمْلِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ أَحْرَقَهَا وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الإِْحْرَاقُ وَسِيلَةً لإِِفْسَادِهَا، غَرِمَ قِيمَتَهَا مَكْسُورَةً بِالْحَدِّ الْمَشْرُوعِ، لِتَمَوُّل رُضَاضِهَا - أَيْ مَا تَبَقَّى مِنْهَا - وَاحْتِرَامِهِ (١) .
١٣ - وَبِالنِّسْبَةِ لآِنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنَّ مَنْ قَال بِجَوَازِ اقْتِنَائِهَا قَال بِالضَّمَانِ، أَمَّا مَنْ مَنَعَ اقْتِنَاءَهَا فَإِنَّهُ لاَ يُوجِبُ ضَمَانَ الصَّنْعَةِ، وَضَمِنَ مَا يُتْلِفُهُ مِنَ الْعَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: يَضْمَنُ الصَّنْعَةَ أَيْضًا (٢) ، عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ (آنِيَة) .
ثَالِثًا: إِتْلاَفٌ مُخْتَلَفٌ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ:
١٤ - صَرَّحَتْ بَعْضُ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي أَكْل زَوَائِدِ الرَّهْنِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ أَتْلَفَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلاَ يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنَ الدَّيْنِ وَيَكُونُ الإِْتْلاَفُ مَشْرُوعًا بِنَاءً عَلَى الإِْذْنِ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْضِعُهُ (الرَّهْنُ) .
١٥ - وَهُنَاكَ اتِّجَاهٌ بِأَنَّ هَذَا إِتْلاَفٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِرَغْمِ الإِْذْنِ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الدُّرِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنِ التَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ стр. 361
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ، بَل نُقِل عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ عَدَمُ الْحِل لأَِنَّهُ رِبًا. لَكِنْ قَال صَاحِبُ الدُّرِّ: إِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ (١) .
١٦ - وَهُنَاكَ اتِّجَاهٌ ثَالِثٌ صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرَّهْنِ فِي دَيْنِ الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ، إِذْ قَالُوا: إِذَا كَانَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ أَجْرِ دَارٍ أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ الْقَرْضِ جَازَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَرْهُونِ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، وَقَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ. وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الرَّهْنِ مِنْ قَرْضٍ لَمْ يَجُزْ لأَِنَّهُ يَحْصُل قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً وَذَلِكَ حَرَامٌ (٢) . وَإِذَا كَانَ الْمَرْهُونُ لَهُ مَئُونَةٌ، فَيَنْتَفِعُ بِنَمَائِهِ نَظِيرَ مَئُونَتِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ إِلاَّ فِي رَهْنِ الْمَبِيعِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي صُورَةِ مَا إِذَا اشْتُرِطَ ذَلِكَ وَكَانَ بِعِوَضٍ؛ لأَِنَّ السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ بَعْضُهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا يُسَمَّى مِنَ الثَّمَنِ وَبَعْضُهَا فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ. فَالْمَنْفَعَةُ لَمْ تَضِعْ عَلَى الرَّاهِنِ. وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْقَرْضِ لأَِنَّهُ يَكُونُ قَرْضًا جَرَّ نَفْعًا، وَيَمْتَنِعُ التَّطَوُّعُ بِالْمَنْفَعَةِ فِي الْقَرْضِ وَالْبَيْعِ مُطْلَقًا (٣) .
رَابِعًا: إِتْلاَفٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ يُوجِبُ الْجَزَاءَ حَقًّا لِلَّهِ:
١٧ - وَذَلِكَ فِي حَالَتَيْنِ:
١ - الصَّيْدُ فِي حَالَةِ الإِْحْرَامِ دَاخِل الْحَرَمِ أَوْ خَارِجَهُ. стр. 362
٢ - الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ لِلْمُحِل وَالْمُحْرِمِ. كَمَا يَلْحَقُ بِصَيْدِ الْحَرَمِ نَبَاتُهُ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
إِنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَل صَيْدًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ﴾ ، وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ لَمَّا صَادَ الأَْتَانَ الْوَحْشِيَّةَ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ قَال النَّبِيُّ ﷺ لأَِصْحَابِهِ: هَل مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا (١)
١٨ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الدَّلاَلَةِ كَحُكْمِ الصَّيْدِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ؛ لأَِنَّ سُؤَال النَّبِيِّ ﷺ يَدُل عَلَى تَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ بِذَلِكَ أَيْضًا.
وَلأَِنَّهُ تَفْوِيتُ الأَْمْنِ عَلَى الصَّيْدِ، إِذْ هُوَ آمِنٌ بِتَوَحُّشِهِ وَتَوَارِيهِ، فَصَارَ كَالإِْتْلاَفِ. وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْعَامِدُ وَالنَّاسِي لأَِنَّهُ ضَمَانٌ (٢) ، وَلَيْسَ عُقُوبَةً فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَمْدِيَّةُ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَيُخَالِفُونَ فِي تَرَتُّبِ الْجَزَاءِ عَلَى الدَّال؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ يَعْتَمِدُ الإِْتْلاَفَ، فَأَشْبَهَ غَرَامَاتِ الأَْمْوَال. يَقُول النَّوَوِيُّ: وَإِنْ أَتْلَفَ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ الاِصْطِيَادُ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلاَلٍ صَيْدًا ضَمِنَهُ. وَيَقُول الْقَلْيُوبِيُّ: وَخَرَجَ بِالإِْتْلاَفِ الإِْعَانَةُ وَلَوْ عَلَى ذَبْحِهِ أَوِ الدَّلاَلَةُ عَلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ (٣) . стр. 363
١٩ - وَالْجَزَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنْ يُقَوَّمَ الصَّيْدُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قُتِل فِيهِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِدَاءِ: إِنْ شَاءَ ابْتَاعَ بِالْقِيمَةِ هَدْيًا وَذَبَحَهُ إِنْ بَلَغَتِ الْقِيمَةُ هَدْيًا، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
وَيَرَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الصَّيْدِ النَّظِيرُ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ، وَمَا لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ عِنْدَهُ، وَإِذَا وَجَبَتِ الْقِيمَةُ كَانَ قَوْلُهُ كَقَوْلِهِمَا (١) .
وَهَذَا أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، فَجَزَاءُ الصَّيْدِ عِنْدَهُ لَيْسَ عَلَى التَّخْيِيرِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ الْمِثْل أَوَّلاً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَلأَِنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهَذَا آكَدُ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ بِفِعْل مَحْظُورٍ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْفِدْيَةِ الْوَاجِبَةِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ: يُخَيَّرُ الْمُتْلِفُ بَيْنَ ذَبْحِ مِثْلِهِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَوَّمَ دَرَاهِمَ وَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا لَهُمْ. وَمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا. وَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُمْ فِي تَقْدِيرِ قِيمَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَكَانِ بِمَحَل الإِْتْلاَفِ، قِيَاسًا عَلَى كُل مُتْلَفٍ مُتَقَوِّمٍ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلزَّمَانِ يَوْمَ إِرَادَةِ تَقْوِيمِهِ بِمَكَّةَ لأَِنَّهَا مَحَل ذَبْحِهِ لَوْ أُرِيدَ. وَعِنْدَ الْعُدُول إِلَى الطَّعَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِسِعْرِهِ فِي مَكَّةَ، وَقِيل: الْعِبْرَةُ فِي سِعْرِهِ بِمَحَل الإِْتْلاَفِ (٢) .
وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّ الْجَزَاءَ هُوَ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ وَلَوْ قَتَلَهُ لِمَخْمَصَةٍ، وَقَالُوا: إِنَّ الْجَزَاءَ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِقَاتِل الصَّيْدِ стр. 364
أَنْ يَخْتَارَ إِخْرَاجَ الْمِثْل أَوْ كَفَّارَةَ طَعَامِ مَسَاكِينَ (١) .
٢٠ - كَمَا يُصَرِّحُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِالْحَرَمِ وَالإِْحْرَامِ إِتْلاَفُ أَجْزَاءِ الصَّيْدِ؛ لأَِنَّ مَا ضُمِنَ جَمِيعُهُ بِالْبَدَل ضُمِنَ أَجْزَاؤُهُ كَالآْدَمِيِّ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِيَدِ الْمُحْرِمِ أَوْ رُفْقَتِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَهُ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِذَلِكَ أَيْضًا (٢) .
٢١ - وَلَوْ أَتْلَفَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ بِأَنْ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ ضَمِنَهُ لِلْقَتْل دُونَ الأَْكْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُ صَيْدُ مَضْمُونٍ بِالْجَزَاءِ، فَلَمْ يُضْمَنْ ثَانِيًا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ الأَْكْل. وَقَال عَطَاءٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُهُ لِلأَْكْل أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ أَكَل مِنْ صَيْدٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ، فَيَضْمَنُهُ. وَتَفْصِيل كُل ذَلِكَ فِي مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، وَجَزَاءِ صَيْدِ الْحَرَمِ.
٢٢ - وَبِالنِّسْبَةِ لِنَبَاتِ الْحَرَمِ قَالُوا: إِنَّهُ يُحْظَرُ قَطْعُ الأَْخْضَرِ مِنْ حَشِيشِ الْحَرَمِ، وَمَا نَبَتَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إِنْبَاتٍ إِلاَّ الإِْذْخِرَ، اتِّفَاقًا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا. فَقَال الْعَبَّاسُ ﵁: إِلاَّ الإِْذْخِرَ؟ فَقَال: إِلاَّ الإِْذْخِرَ (٣) стр. 365
وَقَاسُوا عَلَيْهِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلتَّدَاوِي (١) .
٢٣ - وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ غَيْرُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْجَزَاءَ فِي إِتْلاَفِهِ هُوَ عَلَى مَا قِيل فِي صَيْدِ الْحَرَمِ؛ لأَِنَّهُ مِثْلُهُ فِي التَّحْرِيمِ، لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِي الْحَظْرِ بَيْنَ الأَْخْضَرِ وَالْيَابِسِ، كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يُرَتِّبُوا جَزَاءً عَلَى قَاطِعِ مَا حَرُمَ قَطْعُهُ؛ لأَِنَّهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى التَّحْرِيمِ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ. وَقَالُوا: لَيْسَ فِيهِ إِلاَّ الاِسْتِغْفَارُ.
٢٤ - وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَطَعَ حَشِيشَ الْحَرَمِ، فَنَبَتَ مَكَانَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ قَوْلاً وَاحِدًا، لأَِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ عَادَةً، فَهُوَ كَسِنِّ الصَّبِيِّ إِذَا قَلَعَهَا فَنَبَتَ مَكَانَهَا مِثْلُهَا، بِخِلاَفِ غُصْنِ الشَّجَرِ (٢) .
٢٥ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ: لاَ يَجُوزُ رَعْيُ حَشِيشِ الْحَرَمِ، لأَِنَّ مَا حَرُمَ إِتْلاَفُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرْسَل عَلَيْهِ مَا يُتْلِفُهُ، كَالصَّيْدِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْهَدْيَ كَانَ يَدْخُل الْحَرَمَ فَيَكْثُرُ فِيهِ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهَا كَانَتْ تُسَدُّ أَفْوَاهُهَا، وَلأَِنَّ بِهِمْ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (الإِْحْرَامِ) .
مَحَل الإِْتْلاَفِ:
٢٦ - الإِْتْلاَفُ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَرِدَ عَلَى آدَمِيٍّ، وَإِمَّا أَنْ يَرِدَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْجَمَادَاتِ. فَإِنْ وَرَدَ عَلَى آدَمِيٍّ فَحُكْمُهُ فِي النَّفْسِ стр. 366
وَمَا دُونَهَا مَوْضِعُ بَيَانِهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْجِنَايَاتِ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَى غَيْرِ آدَمِيٍّ حَيَوَانًا كَانَ أَوْ نَبَاتًا أَوْ جَمَادًا، فَإِنْ كَانَ مَالاً مُبَاحًا لَيْسَ فِيهِ مِلْكٌ لأَِحَدٍ فَلاَ يُضْمَنُ بِالإِْتْلاَفِ - مَعَ مُلاَحَظَةِ مَا قِيل بِالنِّسْبَةِ لِصَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ - وَكَذَا إِذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِحَرْبِيٍّ فَإِنَّهُ لاَ يُضْمَنُ بِالإِْتْلاَفِ. وَإِنْ كَانَ مَالاً مُحْتَرَمًا مَمْلُوكًا وَجَبَ الضَّمَانُ لأَِنَّ الإِْتْلاَفَ اعْتِدَاءٌ وَإِضْرَارٌ. وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١) وَقَال ﷺ لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (٢) وَقَدْ تَعَذَّرَ نَفْيُ الضَّرَرِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَيَجِبُ نَفْيُهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِالضَّمَانِ، لِيَقُومَ الضَّمَانُ مَقَامَ الْمُتْلَفِ، فَيَنْتَفِي الضَّرَرُ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ. وَلِهَذَا وَجَبَ الضَّمَانُ بِالْغَصْبِ، فَبِالإِْتْلاَفِ أَوْلَى، سَوَاءٌ وَقَعَ الإِْتْلاَفُ لَهُ صُورَةً وَمَعْنًى بِإِخْرَاجِهِ عَنْ كَوْنِهِ صَالِحًا لِلاِنْتِفَاعِ، أَوْ مَعْنًى بِإِحْدَاثِ مَعْنًى فِيهِ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ مَعَ قِيَامِهِ فِي نَفْسِهِ حَقِيقَةً؛ لأَِنَّ كُل ذَلِكَ اعْتِدَاءٌ وَإِضْرَارٌ (٣) .
طُرُقُ الإِْتْلاَفِ:
٢٧ - الإِْتْلاَفُ إِمَّا بِالْمُبَاشَرَةِ وَإِمَّا بِالتَّسَبُّبِ. وَالتَّسَبُّبُ يَكُونُ بِالْفِعْل فِي مَحَلٍّ يُفْضِي إِلَى تَلَفِ غَيْرِهِ عَادَةً. وَكِلاَهُمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقَعُ اعْتِدَاءً وَإِضْرَارًا أَيْضًا (٤) . стр. 367
وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ ابْنُ رَجَبٍ بِقَوْلِهِ: أَسْبَابُ الضَّمَانِ ثَلاَثَةٌ، فَذَكَرَ مِنْهَا الإِْتْلاَفَ، ثُمَّ قَال: الْمُرَادُ بِالإِْتْلاَفِ أَنْ يُبَاشِرَ الإِْتْلاَفَ بِسَبَبٍ يَقْتَضِيهِ، كَالْقَتْل وَالإِْحْرَاقِ، أَوْ يُنَصِّبُ سَبَبًا عُدْوَانًا فَيَحْصُل بِهِ الإِْتْلاَفُ، كَأَنْ يُؤَجِّجَ نَارًا فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ، فَيَتَعَدَّى إِلَى إِتْلاَفِ مَال الْغَيْرِ، أَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَطَارَ؛ لأَِنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى الإِْتْلاَفِ بِمَا يَقْتَضِيهِ عَادَةً، وَأَطَال فِي الْبَيَانِ وَالتَّفْرِيعِ (١) . وَالإِْتْلاَفُ بِالْمُبَاشَرَةِ هُوَ الأَْصْل، وَمُعْظَمُ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ مِنْ أَمْثِلَتِهِ.
الإِْتْلاَفُ بِالتَّسَبُّبِ:
٢٨ - الإِْتْلاَفُ بِالتَّسَبُّبِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ: الضَّمَانُ فِي الْمَالِيَّاتِ، وَالْجَزَاءُ فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَطْبِيقِ هَذَا الْمَبْدَأِ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ دُونَ بَعْضٍ، فَمَثَلاً: عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا فَتَحَ قَفَصًا فِيهِ طَائِرٌ، فَطَارَ أَوْ ذَهَبَ عَقِبَ فَتْحِهِ، وَالْمُبَاشَرَةُ إِنَّمَا حَصَلَتْ مِمَّنْ لاَ يُمْكِنُ إِحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ نَفَّرَ الطَّائِرَ، أَوْ أَهَاجَ الدَّابَّةَ، أَوْ سَلَّطَ كَلْبًا عَلَى صَبِيٍّ فَقَتَلَهُ؛ لأَِنَّ الطَّائِرَ وَنَحْوَهُ مِنْ طَبْعِهِ النُّفُورُ، وَإِنَّمَا يَبْقَى بِالْمَانِعِ، فَإِذَا أُزِيل الْمَانِعُ ذَهَبَ بِطَبْعِهِ، فَكَانَ ضَمَانُهُ عَلَى مَنْ أَزَال الْمَانِعَ. وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ شَقَّ زِقَّ إِنْسَانٍ فِيهِ دُهْنٌ مَائِعٌ فَسَال وَهَلَكَ. أَمَّا إِنْ فَتَحَ الْقَفَصَ، وَحَل الْفَرَسَ، فَبَقِيَا وَاقِفَيْنِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ стр. 368
فَنَفَّرَهُمَا فَذَهَبَا، فَالضَّمَانُ عَلَى مُنَفِّرِهِمَا؛ لأَِنَّ سَبَبَهُ أَخَصُّ، فَاخْتَصَّ بِهِ الضَّمَانُ، كَالدَّافِعِ شَخْصًا إِلَى بِئْرٍ مَعَ الْحَافِرِ لِلْبِئْرِ، فَالإِْتْلاَفُ يُنْسَبُ لِلدَّافِعِ (١) .
قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَضْمَنُ مَنْ حَل رِبَاطَ الْفَرَسِ، أَوْ فَتَحَ قَفَصَ الطَّائِرِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَهَاجَهُمَا حَتَّى ذَهَبَا؛ لأَِنَّ مُجَرَّدَ الْفَتْحِ لَيْسَ بِإِتْلاَفٍ مُبَاشَرَةً وَلاَ تَسَبُّبًا مُلْجِئًا؛ لأَِنَّ الطَّيْرَ مُخْتَارٌ فِي الطَّيَرَانِ فَكَانَ الطَّيَرَانُ مُضَافًا إِلَى اخْتِيَارِهِ وَالْفَتْحُ سَبَبًا غَيْرَ مُلْجِئٍ فَلاَ حُكْمَ لَهُ. بِخِلاَفِ شَقِّ الزِّقِّ؛ لأَِنَّ الْمَائِعَ سَيَّالٌ بِطَبْعِهِ بِحَيْثُ لاَ يُوجَدُ مِنْهُ الاِسْتِمْسَاكُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ إِلاَّ عَلَى نَقْضِ الْعَادَةِ، فَكَانَ الْفَتْحُ تَسَبُّبًا لِلتَّلَفِ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ. وَكَذَا إِذَا حَل رِبَاطَ الدَّابَّةِ، أَوْ فَتَحَ بَابَ الإِْصْطَبْل (٢) .
وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذِهِ الأَْمْثِلَةَ لِتَكُونَ دَلاَلَةً عَلَى اتِّجَاهَاتِ الْفُقَهَاءِ فِي تَطْبِيقِ مَبْدَإِ التَّسَبُّبِ. وَأَطَال الْفُقَهَاءُ فِي التَّفْرِيعِ وَذِكْرِ الصُّوَرِ فِي بَابَيِ الْغَصْبِ وَالضَّمَانِ.
مَا تُتْلِفُهُ الدَّوَابُّ:
٢٩ - إِذَا أَتْلَفَتِ الدَّابَّةُ زَرْعًا لِلْغَيْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلاً، ضَمِنَ صَاحِبُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَِنَّ فِعْلَهَا مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ تَعَهُّدُهَا وَحِفْظُهَا، وَلأَِنَّ نَفْعَ أَكْلِهَا مِنَ стр. 369
الزَّرْعِ عَائِدٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ. لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ (١) وَلأَِنَّهَا أَفْسَدَتْ وَلَيْسَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ كَانَ الإِْتْلاَفُ نَهَارًا، أَوْ أَتْلَفَتْ غَيْرَ الزَّرْعِ. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِمَا رَوَى مَالِكٌ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْل الأَْمْوَال حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَمَا أَفْسَدَتْهُ بِاللَّيْل فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ (٢) ، وَلأَِنَّ الْعَادَةَ مِنْ أَهْل الْمَوَاشِي إِرْسَالُهَا فِي النَّهَارِ لِلرَّعْيِ وَحِفْظُهَا لَيْلاً، وَعَادَةُ أَهْل الْحَوَائِطِ (الْبَسَاتِينِ) وَالزُّرُوعِ حِفْظُهَا نَهَارًا دُونَ اللَّيْل، فَإِذَا ذَهَبَتْ لَيْلاً كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْ أَهْلِهَا بِتَرْكِهِمْ حِفْظَهَا فِي وَقْتِ عَادَةِ الْحِفْظِ.
٣٠ - أَمَّا إِذَا أَتْلَفَتِ الزَّرْعَ نَهَارًا، وَكَانَتْ وَحْدَهَا، فَلاَ ضَمَانَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِذْ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ حِفْظُ الزَّرْعِ نَهَارًا، فَكَانَ التَّفْرِيطُ مِنْ أَهْل الزَّرْعِ. وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْعَادَةِ. وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِمَا إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ لَمْ تُعْرَفْ بِالاِعْتِدَاءِ، وَإِلاَّ ضَمِنَ لِعَدَمِ حِفْظِهَا بِرَبْطِهَا رَبْطًا مُحْكَمًا.
٣١ - وَإِذَا أَتْلَفَتِ الدَّابَّةُ شَيْئًا غَيْرَ الزَّرْعِ، وَكَانَ стр. 370
مَعَهَا رَاعٍ فِيهِ كِفَايَةُ الْحِفْظِ، أَوْ مَعَهَا مَنْ لَهُ يَدٌ عَلَيْهَا وَلَمْ يَمْنَعْهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ اتِّفَاقًا مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ زَرْعٍ وَغَيْرِهِ (١) أَمَّا إِذَا كَانَتْ وَحْدَهَا فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ مَالِكُهَا؛ لأَِنَّهَا لاَ تُتْلِفُ غَيْرَ الزَّرْعِ عَادَةً، وَلِحَدِيثِ الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ (٢) كَمَا أَنَّهُ لَوْ جَمَحَتِ الدَّابَّةُ بِالرَّاكِبِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ، كَالْمُنْفَلِتَةِ؛ لأَِنَّ الرَّاكِبَ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمُسَيِّرٍ لَهَا، فَلاَ يُضَافُ سَيْرُهَا إِلَيْهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ ضَمَانَ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مِنْ شَأْنِهَا الاِعْتِدَاءُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ حَيْثُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمُ الضَّمَانُ.
٣٢ - مَا تَقَدَّمَ كُلُّهُ خَاصٌّ بِمَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالدَّوَابِّ، أَمَّا مَا لاَ يُمْكِنُ مَنْعُهُ، كَالْحَمَامِ وَالنَّحْل، فَإِنَّهُ لاَ ضَمَانَ فِيمَا أَتْلَفَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدْخُل تَحْتَ الْيَدِ. وَقَدْ أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ، مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي نَحْلٍ قَتَل جَمَلاً بِأَنَّهُ هَدَرٌ، لِتَقْصِيرِ صَاحِبِهِ دُونَ صَاحِبِ النَّحْل. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ صُوَرًا كَثِيرَةً حَوْل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (٣)
٣٣ - مُوجِبُ الإِْتْلاَفِ الضَّمَانُ وَذَلِكَ فِي إِحْدَى حَالَتَيْنِ:
١ - بِإِتْلاَفِ مَال الْغَيْرِ الْمُحْتَرَمِ شَرْعًا بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنَ الشَّارِعِ وَمِنْ صَاحِبِهِ، وَفِي حُكْمِهِ إِتْلاَفُ الأَْمْوَال الْعَامَّةِ مِنْ غَيْرِ الْمُبَاحَاتِ.
٢ - إِتْلاَفُ مَال الْغَيْرِ الْمُحْتَرَمِ شَرْعًا بِإِذْنٍ مِنَ الشَّارِعِ لِلضَّرُورَةِ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْمَال. стр. 371
وَقَدْ يَنْحَصِرُ مُوجِبُ الإِْتْلاَفِ فِي الإِْثْمِ فَقَطْ، كَمَا إِذَا أَتْلَفَ لِنَفْسِهِ مَالاً يَنْتَفِعُ بِهِ.
مَا يُشْتَرَطُ لِضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ:
٣٤ - ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ شُرُوطًا هَذِهِ خُلاَصَتُهَا:
١ - أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُتْلَفُ مَالاً، فَلاَ يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِتْلاَفِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ.
٢ - أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّمًا، فَلاَ يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِتْلاَفِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُتْلِفُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا لِسُقُوطِ تَقَوُّمِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ.
٣ - أَنْ يَكُونَ الْمُتْلِفُ مِنْ أَهْل وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَتْلَفَتْ بَهِيمَةٌ مَال إِنْسَانٍ فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ الضَّمَانُ، عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ ذِكْرُهُ. وَلَوْ أَتْلَفَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ نَفْسًا أَوْ مَالاً لَزِمَ الضَّمَانُ، لِعَدَمِ تَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى الْقَصْدِ، وَإِحْيَاءً لِحَقِّ الْمُتْلَفِ عَلَيْهِ. وَضَمَانُ الْمَال يَكُونُ فِي مَالِهِمَا، أَمَّا ضَمَانُ النَّفْسِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ. وَنَقَل صَاحِبُ الدُّرِّ عَنِ الأَْشْبَاهِ: الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ، فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مِنَ الْمَال لِلْحَال. وَإِذَا قَتَل فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، إِلاَّ فِي مَسَائِل مُسْتَثْنَاةٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِيهَا: لَوْ أَتْلَفَ مَا اقْتَرَضَهُ، وَمَا أُودِعَ عِنْدَهُ بِلاَ إِذْنِ وَلِيِّهِ، وَمَا أُعِيرَ لَهُ، وَمَا بِيعَ مِنْهُ بِلاَ إِذْنٍ. وَأَطَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى بَعْضِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ. (١) стр. 372
٤ - أَنْ يَكُونَ فِي الْوُجُوبِ فَائِدَةٌ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِإِتْلاَفِ مَال الْحَرْبِيِّ، وَلاَ عَلَى الْحَرْبِيِّ بِإِتْلاَفِ مَال الْمُسْلِمِ، فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَى مُقَاتِلِي الْبُغَاةِ إِذَا أَتْلَفُوا مَالاً لَهُمْ، وَلاَ عَلَى الْبُغَاةِ إِذَا أَتْلَفُوا فِي الْمَعْرَكَةِ أَمْوَال مُقَاتِلٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ فَائِدَةَ فِي الْوُجُوبِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْوُصُول إِلَى الضَّمَانِ، لاِنْعِدَامِ الْوِلاَيَةِ، وَلأَِنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَضْمَنُوا الأَْنْفُسَ فَالأَْمْوَال أَوْلَى (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي " الْبُغَاة "
٣٥ - وَالْعِصْمَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ ضَمَانِ الْمَال؛ لأَِنَّ (٢) الصَّبِيَّ مَأْخُوذٌ بِضَمَانِ الإِْتْلاَفِ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عِصْمَةُ الْمُتْلِفِ فِي حَقِّهِ، كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْمُتْلَفِ مَال الْغَيْرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ مَالاً ظَنَّ أَنَّهُ مِلْكُهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ، ضَمِنَ؛ لأَِنَّ الإِْتْلاَفَ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لاَ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى الْعِلْمِ. (٣)
كَيْفِيَّةُ التَّضْمِينِ الْوَاجِبِ بِالإِْتْلاَفِ:
٣٦ - لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي أَنَّ الْمُتْلَفَ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا ضُمِنَ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ قِيَمِيًّا ضُمِنَ بِقِيمَتِهِ. كَمَا لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي أَنَّ تَقْدِيرَ الْقِيمَةِ يُرَاعَى فِيهِ مَكَانُ الإِْتْلاَفِ.
وَأَمَّا إِذَا فُقِدَ الْمِثْلِيُّ، بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الأَْسْوَاقِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُعْدَل عَنِ الْمِثْلِيِّ إِلَى стр. 373
الْقِيمَةِ وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا. أَيُرَاعَى وَقْتُ الإِْتْلاَفِ، أَمْ وَقْتُ انْقِطَاعِهَا عَنِ الأَْسْوَاقِ، أَمْ وَقْتُ الْمُطَالَبَةِ، أَمْ وَقْتُ الأَْدَاءِ؟ فَأَبُو حَنِيفَةَ اعْتَبَرَ يَوْمَ الْحُكْمِ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرُوا يَوْمَ الْغَصْبِ إِنْ كَانَ مَغْصُوبًا، وَيَوْمَ التَّلَفِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَغْصُوبًا، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ اعْتَبَرَ يَوْمَ انْقِطَاعِ الْمِثْل؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ الاِنْتِقَال مِنَ الْقِيمَةِ إِلَى الْمِثْل.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمُ اعْتِبَارُ أَقْصَى مَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مَا بَيْنَ التَّلَفِ وَالأَْدَاءِ (التَّنْفِيذِ) .
وَأَمَّا الْقِيَمِيُّ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ قِيمَتُهُ مِنْ يَوْمِ إِتْلاَفِهِ إِلَى يَوْمِ أَدَائِهِ فَالْعِبْرَةُ بِقِيمَتِهِ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ. أَمَّا إِذَا تَغَيَّرَتِ الْقِيمَةُ مِنْ يَوْمِ إِتْلاَفِهِ إِلَى يَوْمِ أَدَائِهِ فَهُوَ عَلَى الْخِلاَفِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي حَالَةِ انْقِطَاعِ الْمِثْلِيِّ. (١)
الإِْكْرَاهُ عَلَى الإِْتْلاَفِ وَمَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ:
٣٧ - لَوْ أَكْرَهَ شَخْصٌ آخَرَ إِكْرَاهًا مُلْجِئًا عَلَى إِتْلاَفِ مَالٍ مُحْتَرَمٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِ الْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) فَإِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِتْلاَفٌ يُنْسَبُ إِلَى الْحَامِل عَلَى الْفِعْل لاَ إِلَى الْفَاعِل؛ لأَِنَّهُ كَالآْلَةِ (٢) . وَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الْمُتْلِفِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُكْرِهِ لأَِنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ الْفِعْل، فَلَمْ يَلْزَمْهُ стр. 374
الضَّمَانُ (١) . وَالْقَوْل بِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُكْرِهِ يُفْهَمُ أَيْضًا مِمَّا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونَ الْمَالِكِيُّ عَنْ فَضْل بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ قَال فِي السُّلْطَانِ يَأْمُرُ رَجُلاً بِقَتْل رَجُلٍ ظُلْمًا: إِنَّ السُّلْطَانَ يُقْتَل، وَلاَ يُقْتَل الْمَأْمُورُ، إِذِ الإِْلْزَامُ بِتَضْمِينِ الْمَال دُونَ الْقَوَدِ. (٢)
٣٨ - وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا كَالدِّيَةِ، لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الإِْثْمِ. (٣) وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ فَرْحُونَ - أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُكْرَهِ - بِالْفَتْحِ - اسْتِنَادًا إِلَى حَدِيثِ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (٤) يَقُول ابْنُ فَرْحُونَ: إِنَّ مَنْ أَمَرَهُ الْوَالِي بِقَتْل رَجُلٍ ظُلْمًا، أَوْ قَطْعِهِ أَوْ جَلْدِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ بَيْعِ مَتَاعِهِ، فَلاَ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ عَصَاهُ وَقَعَ بِهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ ظَهْرِهِ أَوْ مَالِهِ فَإِنْ أَطَاعَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَالْقَطْعُ وَالْغُرْمُ، وَغَرِمَ ثَمَنَ مَا بَاعَ. (٥) وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِيهِ مَوْطِنُهُ بَحْثُ (الإِْكْرَاه) .
أَثَرُ الإِْتْلاَفِ فِي تَحَقُّقِ الْقَبْضِ وَإِسْقَاطِ الأُْجْرَةِ:
٣٩ - مِنَ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا أَنَّ الْمَبِيعَ قَبْل قَبْضِهِ يَكُونُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَأَنَّ إِتْلاَفَ الْمُشْتَرِي لَهُ وَهُوَ فِي يَدِ الْبَائِعِ يُعْتَبَرُ قَبْضًا فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ إِتْلاَفُهُ إِلاَّ стр. 375
بَعْدَ إِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى الْقَبْضِ، فَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ.
وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الإِْتْلاَفَ يُعْتَبَرُ قَبْضًا وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ، (١) فَقَدْ جَاءَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ عَلَى الْمُقْنِعِ: مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبْضِ إِذَا تَلِفَ قَبْل قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. فَإِنْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ بَطَل الْعَقْدُ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ الْمُشْتَرِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَكَانَ كَالْقَبْضِ؛ لأَِنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ (٢)
٤٠ - وَمِنْ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ فِي الْهِبَةِ مَا نَصُّوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْقَبْضَ يَتِمُّ فِي الْهِبَةِ وَلَوْ بِإِتْلاَفِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ.
٤١ - وَمِنْ صُوَرِهِ فِي الْمَهْرِ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَةَ الرَّشِيدَةَ إِنْ أَتْلَفَتْ صَدَاقَهَا إِتْلاَفًا يَقْتَضِي الضَّمَانَ - وَهُوَ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ أَوْ الْوَلِيِّ - اعْتُبِرَتْ قَابِضَةً لِحَقِّهَا. أَمَّا إِتْلاَفُ غَيْرِ الرَّشِيدَةِ فَلاَ يُعْتَبَرُ قَبْضًا. وَكَذَلِكَ الإِْتْلاَفُ لِدَفْعِ الصِّيَال، فَلاَ يُعْتَبَرُ قَبْضًا. (٣)
٤٢ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الإِْجَارَةِ: لَوْ خَاطَ الْخَيَّاطُ ثَوْبًا بِأَجْرٍ، فَفَتَقَهُ آخَرُ قَبْل أَنْ يَقْبِضَهُ رَبُّ الثَّوْبِ، فَلاَ أَجْرَ لِلْخَيَّاطِ؛ لأَِنَّ الْخِيَاطَةَ مِمَّا لَهُ أَثَرٌ، فَلاَ أَجْرَ قَبْل التَّسْلِيمِ. وَبِالإِْتْلاَفِ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ. وَلِلْخَيَّاطِ تَضْمِينُ الْفَاتِقِ مَا نَقَصَهُ الْفَتْقُ وَأَجْرُ مِثْل الْخِيَاطَةِ، стр. 376
وَلاَ يَجِبُ الأَْجْرُ الْمُسَمَّى لأَِنَّهُ إِنَّمَا لَزِمَ بِالْعَقْدِ وَلاَ عَقْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَاتِقِ) فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى أَجْرِ الْمِثْل. (١)
حُدُوثُ الاِسْتِرْدَادِ بِالإِْتْلاَفِ:
٤٣ - إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ كُلُّهُ بِفِعْل الْبَائِعِ وَهُوَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الَّذِي قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْبَائِعِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ يُعَدُّ مُسْتَرِدًّا لِلْمَبِيعِ، وَبَطَل الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ عَنِ الْمُشْتَرِي. وَإِذَا هَلَكَ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِفِعْل الْبَائِعِ فَإِنْ كَانَ قَبْل الْقَبْضِ بَطَل الْبَيْعُ بِقَدْرِ الْهَالِكِ، وَاعْتُبِرَ مُسْتَرِدًّا هَذَا الْبَعْضَ، وَسَقَطَ عَنِ الْمُشْتَرِي حِصَّةُ الْهَالِكِ مِنَ الثَّمَنِ. وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي الْبَاقِي لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ. وَإِنْ كَانَ إِتْلاَفُ الْبَائِعِ لِلْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لَهُ قَبْضًا صَحِيحًا، وَبَعْدَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِرْدَادًا، وَإِنَّمَا إِهْلاَكُهُ وَإِهْلاَكُ الأَْجْنَبِيِّ سَوَاءٌ. وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْبَائِعِ وَالثَّمَنُ حَالٌّ غَيْرُ مَفْقُودٍ، اعْتُبِرَ ذَلِكَ الإِْهْلاَكُ مِنَ الْبَائِعِ اسْتِرْدَادًا فِي الْقَدْرِ الَّذِي أَتْلَفَهُ، وَسَقَطَ عَنِ الْمُشْتَرِي حِصَّتُهُ مِنَ الثَّمَنِ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ (اسْتِرْدَاد) .
الإِْتْلاَفُ بِالسِّرَايَةِ:
٤٤ - مَا يَتْلَفُ بِالسِّرَايَةِ إِنْ كَانَ بِسَبَبٍ مَأْذُونٍ فِيهِ دُونَ جَهْلٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فَلاَ ضَمَانَ. وَعَلَى هَذَا فَلاَ ضَمَانَ стр. 377
عَلَى طَبِيبٍ وَبَزَّاغٍ (بَيْطَارٍ) وَحَجَّامٍ وَخَتَّانٍ، مَا دَامَ أُذِنَ لَهُمْ بِهَذَا وَلَمْ يُقَصِّرُوا، وَإِلاَّ لَزِمَ الضَّمَانُ. (١)
يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا فَعَل الْحَجَّامُ وَالْخَتَّانُ وَالْمُتَطَبِّبُ مَا أُمِرُوا بِهِ لَمْ يَضْمَنُوا، بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُوا ذَوِي حِذْقٍ فِي صِنَاعَتِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ كَانَ فِعْلاً مُحَرَّمًا، فَيَضْمَنُ سِرَايَتَهُ. الثَّانِي: أَلاَ يَتَجَاوَزَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ. فَإِنْ كَانَ حَاذِقًا وَتَجَاوَزَ، أَوْ قَطَعَ فِي غَيْرِ مَحَل الْقَطْعِ، أَوْ فِي وَقْتٍ لاَ يَصْلُحُ فِيهِ الْقَطْعُ، وَأَشْبَاهُ هَذَا، ضَمِنَ فِيهِ كُلِّهِ؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ لاَ يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَأَشْبَهَ إِتْلاَفَ الْمَال. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْقَاطِعِ فِي الْقِصَاصِ، وَقَاطِعِ يَدِ السَّارِقِ. ثُمَّ قَال: وَلاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا. (٢)
الإِْتْلاَفُ نَتِيجَةُ التَّصَادُمِ:
٤٥ - وَفِي الإِْتْلاَفِ بِالتَّصَادُمِ وَالتَّجَاذُبِ تَضْمَنُ عَاقِلَةُ كُل فَارِسٍ أَوْ رَاجِلٍ دِيَةَ الآْخَرِ، إِنِ اصْطَدَمَا وَمَاتَا مِنْهُ فَوَقَعَا عَلَى الْقَفَا وَكَانَا غَيْرَ عَامِدَيْنِ. أَمَّا لَوْ وَقَعَا عَلَى الْوَجْهِ فَيُهْدَرُ دَمُهُمَا. وَلَوْ كَانَا عَامِدَيْنِ فَعَلَى كُلٍّ نِصْفُ دِيَةِ الآْخَرِ.
٤٦ - وَلَوْ تَجَاذَبَ رَجُلاَنِ حَبْلاً، فَانْقَطَعَ الْحَبْل فَسَقَطَا عَلَى الْقَفَا وَمَاتَا، أُهْدِرَ دَمُهُمَا لِمَوْتِ كُلٍّ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ. فَإِنْ وَقَعَا عَلَى الْوَجْهِ وَجَبَ دِيَةُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الآْخَرِ لِمَوْتِهِ بِقُوَّةِ صَاحِبِهِ. فَإِنْ تَعَاكَسَا فَدِيَةُ стр. 378
الْوَاقِعِ عَلَى الْوَجْهِ عَلَى عَاقِلَةِ الآْخَرِ، وَأُهْدِرَ دَمُ مَنْ وَقَعَ عَلَى الْقَفَا.
وَقَال مَالِكٌ فِي السَّفِينَتَيْنِ تَصْطَدِمَانِ، فَتَغْرَقُ إِحْدَاهُمَا بِمَا فِيهَا، فَلاَ شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ؛ لأَِنَّ الرِّيحَ تَغْلِبُهُمْ، إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ النَّوَاتِيَّةُ (الْبَحَّارَةُ) أَنَّهُمْ لَوْ أَرَادُوا صَرْفَهَا لَقَدَرُوا، فَيَضْمَنُونَ. وَقَال ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ تَجَاذَبَا الْحَبْل، فَانْقَطَعَ فَتَلِفَا، فَكَاصْطِدَامِهِمَا، وَإِنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ، ضَمِنَ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ يَمْشِيَانِ، فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الآْخَرِ. وَإِنْ كَانَتَا امْرَأَتَيْنِ حُبْلَيَيْنِ فَهُمَا كَالرَّجُلَيْنِ. فَإِنْ أَسْقَطَتْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَنِينًا فَعَلَى كُل وَاحِدَةٍ نِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِهَا وَنِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِ صَاحِبَتِهَا. (١)
إِتْلاَفُ بَعْضِ الْمَنْقُول لِسَلاَمَةِ السَّفِينَةِ:
٤٧ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَلاَّحَ السَّفِينَةِ إِنْ كَانَ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْمَحْمُول حَاضِرًا مَعَهُ، عَلَى التَّفْصِيل الْمُبَيَّنِ فِي مُصْطَلَحِ (إِجَارَةٌ)
أَمَّا إِنْ خِيفَ عَلَى السَّفِينَةِ الْغَرَقُ، فَأَلْقَى بَعْضُ الرُّكَّابِ مَتَاعَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، لِتَسْلَمَ السَّفِينَةُ مِنَ الْغَرَقِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ؛ لأَِنَّهُ أَتْلَفَ مَتَاعَ نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ لِصَلاَحِهِ وَصَلاَحِ غَيْرِهِ. وَإِنْ أَلْقَى مَتَاعَ غَيْرِهِ стр. 379
بِغَيْرِ إِذْنِهِ ضَمِنَهُ وَحْدَهُ كَأَكْل مُضْطَرٍّ طَعَامَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنِ اتَّفَقُوا عَلَى إِلْقَاءِ الأَْمْتِعَةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا لِحِفْظِ الأَْنْفُسِ فَقَطْ فَالْغُرْمُ بِعَدَدِ الرُّءُوسِ.
أَمَّا إِذَا قَصَدُوا حِفْظَ الأَْمْتِعَةِ فَقَطْ، بِأَنْ كَانَتِ السَّفِينَةُ فِي مَوْضِعٍ لاَ تَغْرَقُ فِيهِ الأَْنْفُسُ، فَالْغُرْمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الأَْمْوَال.
وَإِنْ قَصَدُوا حِفْظَ الأَْنْفُسِ وَالأَْمْوَال مَعًا فَالْغُرْمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِهِمَا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ فِي حَال طَرْحِ الأَْمْتِعَةِ مِنَ السَّفِينَةِ عِنْدَ خَوْفِ غَرَقِهَا يُوَزَّعُ مَا طُرِحَ عَلَى مَال التِّجَارَةِ فَقَطْ.
٤٨ - وَلاَ سَبِيل لِطَرْحِ الآْدَمِيِّ لإِِنْقَاذِ السَّفِينَةِ مِنَ الْغَرَقِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، إِذْ الإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِمَاتَةُ أَحَدٍ مِنْ الآْدَمِيِّينَ لِنَجَاةِ غَيْرِهِ. وَيَنْقُل الدُّسُوقِيُّ عَنِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ بِالْقُرْعَةِ. (١)
٤٩ - وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ تَلَفٍ فِي الأَْنْفُسِ وَالأَْمْوَال نَتِيجَةَ الْعَجْزِ عَنْ إِنْقَاذِهِ فَلاَ ضَمَانَ فِيهِ وَلاَ قَوَدَ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عَدَمُ التَّحَكُّمِ فِي السَّفِينَةِ لِلرِّيَاحِ الشَّدِيدَةِ.
الظَّاهِرُ مِنْ تَتَبُّعِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي ضَمَانِ الإِْتْلاَفِ النَّاشِئِ عَنِ التَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ، سَوَاءٌ стр. 380
بِالنِّسْبَةِ لِلأَْبِ أَوِ الْوَصِيِّ أَوِ الْمُعَلِّمِ أَوِ الزَّوْجِ، التَّفْصِيل بَيْنَ مُجَاوَزَةِ الْفِعْل الْمُعْتَادِ وَعَدَمِ مُجَاوَزَتِهِ.
فَالضَّمَانُ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ فِي حَال مُجَاوَزَةِ الْفِعْل الْمُعْتَادِ، بَل بَعْضُ الْمَذَاهِبِ يَجْعَل فِيهِ الْقِصَاصَ أَوِ الدِّيَةَ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْفِعْل فِي التَّأْدِيبِ مُعْتَادًا فَفِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، مُجْمَلُهُ: الْقَوْل بِالضَّمَانِ؛ لأَِنَّ الْجَوَازَ لاَ يُنَافِي الضَّمَانَ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ لَهُمْ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالأَْصَحُّ فِي الْجُمْلَةِ - أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ؛ لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ بِهِ شَرْعًا وَعَادَةً، وَلَوْ أَوْجَبَ فِيهِ الضَّمَانَ لَوَقَعَ حَرَجٌ عَلَى النَّاسِ فِي تَأْدِيبِ مَنْ يُوَكَّل إِلَيْهِمْ تَأْدِيبُهُ (١) وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِل تَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (تَأْدِيب) .
إِتْلاَفُ الأَْجِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ لِمَا فِي يَدِهِ:
٥٠ - الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ أَمَانَةٌ، فَلَوْ هَلَكَتْ دُونَ تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ أَوْ مُخَالَفَةٍ لِلْمَأْذُونِ فِيهِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِلاَّ ضَمِنَ. وَالأَْجِيرُ الْخَاصُّ أَمِينٌ، فَلاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ أَوِ الْمُخَالَفَةِ، وَالأَْجِيرُ الْمُشْتَرَكُ اخْتَارَ الْفُقَهَاءُ الْقَوْل بِتَضْمِينِهِ إِلاَّ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ عَلَى التَّفْصِيل الْمُبَيَّنِ فِي مُصْطَلَحِ (الإِْجَارَة) .
إِتْلاَفُ الْمَغْصُوبِ:
٥١ - يَدُ الْغَاصِبِ يَدُ ضَمَانٍ اتِّفَاقًا، وَيَلْزَمُهُ رَدُّ مَا اغْتَصَبَهُ بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، مِثْلِيًّا كَانَ أَوْ قِيَمِيًّا. стр. 381
فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ بِنَفْسِهِ ضَمِنَهُ، وَوَجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ قِيمِيًّا، وَمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا (١) ، عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ فِي كَيْفِيَّةِ تَضْمِينِ الْمُتْلَفَاتِ.
٥٢ - وَإِذَا أَتْلَفَ الْمَغْصُوبَ شَخْصٌ آخَرُ وَهُوَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ وَتَضْمِينِ الْمُتْلِفِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الأَْصْل تَضْمِينُ الْمُتْلِفِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ الإِْتْلاَفُ لِمَصْلَحَةِ الْغَاصِبِ، كَأَنْ قَال لَهُ: اذْبَحْ هَذِهِ الشَّاةَ لِي، أَوْ أَفْهَمَهُ أَنَّ الْمُتْلَفَ مِلْكٌ لَهُ. (٢)
إِتْلاَفُ اللُّقَطَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ:
٥٣ - الْعَيْنُ الْمُلْتَقَطَةُ وَالْمُودَعَةُ وَالْمُعَارَةُ الأَْصْل فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ وَالْوَدِيعِ وَالْمُسْتَعِيرِ. وَالأَْصْل أَنَّ الأَْمِينَ لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالاِعْتِدَاءِ أَوِ الإِْهْمَال لِقَوْلِهِ ﷺ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ، وَلاَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ (٣) وَلأَِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ، فَلَوْ ضَمَّنَّاهُمْ لاَمْتَنَعَ النَّاسُ عَنْهُ. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنْ حَدَثَ مِنْهُ اعْتِدَاءٌ стр. 382
تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إِتْلاَفٌ ضَمِنَ. أَمَّا التَّلَفُ الَّذِي يَقَعُ دُونَ اعْتِدَاءٍ وَلاَ إِهْمَالٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فَإِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ.
لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ الأَْصْل فِي الْعَارِيَّةِ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، فَلَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ ضَمِنَهَا وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ (١) وَقَالُوا: الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ مِنَ الثِّيَابِ أَوْ يَنْسَحِقُ بِالاِسْتِعْمَال. وَقِيل بِالضَّمَانِ فِيهِمَا. وَقِيل: يَضْمَنُ الْمُنْمَحِقَ - أَيِ الْبَالِيَ - دُونَ الْمُنْسَحِقِ - أَيِ التَّالِفِ بَعْضُ أَجْزَائِهِ -. (٢)
٥٤ - وَيَنْبَغِي أَنْ يُلاَحَظَ أَنَّ عَارِيَّةَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ يَكُونُ قَرْضًا فِي الْحَقِيقَةِ، إِذْ لاَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِ أَعْيَانِهَا وَإِتْلاَفِهَا. وَمَا دَامَتْ فِي حَقِيقَتِهَا قَرْضًا فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّ مِثْلِهَا، أَوْ قِيمَتِهَا إِنِ انْعَدَمَ الْمِثْل (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ وَبَيَانُ الْمَذَاهِبِ فِيهِ فِي مَوَاضِعِهِ مِنَ اللُّقَطَة الْوَدِيعَة وَالْعَارِيَّة. стр. 383
إِتْمَام
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْتْمَامُ لُغَةً: الإِْكْمَال (١) . وَلَمْ نَقِفْ لِلْفُقَهَاءِ عَلَى تَعْرِيفٍ اصْطِلاَحِيٍّ لِلإِْتْمَامِ، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُهُمْ عَنِ التَّعْرِيفِ اللُّغَوِيِّ.
هَذَا وَلِلإِْتْمَامِ إِطْلاَقٌ خَاصٌّ يَتَّصِل بِالْعَدَدِ لاَ بِالْكَيْفِيَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ إِتْمَامُ الصَّلاَةِ بَدَلاً مِنْ قَصْرِهَا، فَكُلٌّ مِنَ الْقَصْرِ وَالإِْتْمَامِ كَمَالٌ، وَإِنَّمَا لُوحِظَ فِي لَفْظَيِ الإِْتْمَامِ وَالْقَصْرِ الْعَدَدُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي صَلاَةِ الْمُسَافِرِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الإِْكْمَال: الَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ الرَّاغِبِ لِلْكَمَال وَالتَّمَامِ - كُلٌّ فِي مَادَّتِهِ - أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ انْتِهَاؤُهُ إِلَى حَدٍّ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْهُ، وَأَنَّ كَمَال الشَّيْءِ حُصُول مَا فِيهِ الْغَرَضُ مِنْهُ. وَعَلَيْهِ فَالتَّمَامُ يَسْتَلْزِمُ الْكَمَال. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ تَتَبُّعِ كُتُبِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) عَدَمُ وُضُوحِ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا فَيَكُونَانِ مُتَرَادِفَيْنِ. وَلَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ. стр. 384
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلإِْتْمَامِ أَنَّ إِتْمَامَ مَا شَرَعَ فِيهِ الْمُكَلَّفُ مِنْ طَاعَةٍ وَاجِبَةٍ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ، وَإِتْمَامُ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ طَاعَةٍ نَافِلَةٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. فَفِي الْجُمْلَةِ يَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الإِْتْمَامِ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) . وَيَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوَاطِنِهِ لِكُل تَصَرُّفٍ بِحَسَبِهِ.
وَالأَْثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى التَّمَامِ أَنَّهُ طَالَمَا يَعْنِي الإِْتْيَانَ بِالأَْرْكَانِ الضَّرُورِيَّةِ فَإِنَّ آثَارَ أَيِّ تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ أَوْ فِعْلِيٍّ تَتَوَقَّفُ عَلَى الإِْتْيَانِ بِهَا. (٢)
هَذَا، وَالْفُقَهَاءُ يُفَصِّلُونَ أَحْكَامَ الإِْتْمَامِ بِالنِّسْبَةِ لِكُل مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ فِي مَوْضِعِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ مَسَائِل النَّوَافِل وَالتَّطَوُّعِ بِالنِّسْبَةِ لِلصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا.
اتِّهَام
انْظُرْ: تُهْمَة. стр. 385
إِثْبَات
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْثْبَاتُ لُغَةً مَصْدَرُ أَثْبَتَ، بِمَعْنَى اعْتَبَرَ الشَّيْءَ دَائِمًا مُسْتَقِرًّا أَوْ صَحِيحًا (١) وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْثْبَاتَ إِقَامَةُ الدَّلِيل الشَّرْعِيِّ أَمَامَ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ عَلَى حَقٍّ أَوْ وَاقِعَةٍ مِنَ الْوَقَائِعِ.
الْقَصْدُ مِنَ الإِْثْبَاتِ:
٢ - الْمَقْصُودُ مِنَ الإِْثْبَاتِ وُصُول الْمُدَّعِي إِلَى حَقِّهِ أَوْ مَنْعُ التَّعَرُّضِ لَهُ، فَإِذَا أَثْبَتَ دَعْوَاهُ لَدَى الْقَاضِي بِوَجْهِهَا الشَّرْعِيِّ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَانِعٌ حَقَّهُ، أَوْ مُتَعَرِّضٌ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَمْنَعُهُ الْقَاضِي عَنْ تَمَرُّدِهِ فِي مَنْعِ الْحَقِّ، وَيُوَصِّلُهُ إِلَى مُدَّعِيهِ. (٢)
مَنْ يُكَلَّفُ الإِْثْبَاتَ:
٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي أَنَّ الإِْثْبَاتَ يُطْلَبُ مِنَ الْمُدَّعِي، لِقَوْلِهِ ﷺ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. (٣) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ стр. 386
بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى أُنَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي. (١)
وَلأَِنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِي أَمْرًا خَفِيًّا، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِظْهَارٍ، وَلِلْبَيِّنَةِ قُوَّةُ إِظْهَارٍ؛ لأَِنَّهَا كَلاَمُ مَنْ لَيْسَ بِخَصْمٍ، وَهُمُ الشُّهُودُ، فَجُعِلَتْ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي. وَالْيَمِينُ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّهَا كَلاَمُ الْخَصْمِ، فَلاَ تَصْلُحُ حُجَّةً مُظْهِرَةً لِلْحَقِّ، وَتَصْلُحُ حُجَّةً لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْيَدِ، فَحَاجَتُهُ إِلَى اسْتِمْرَارِ حُكْمِ الظَّاهِرِ. وَالْيَمِينُ وَإِنْ كَانَتْ كَلاَمًا فَهِيَ كَافِيَةٌ لِلاِسْتِمْرَارِ. فَكَانَ جَعْل الْبَيِّنَةِ حُجَّةَ الْمُدَّعِي، وَجَعْل الْيَمِينِ حُجَّةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَضْعَ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ غَايَةُ الْحِكْمَةِ.
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي (الأَْصْل) : الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنْكِرُ، وَالآْخَرُ هُوَ الْمُدَّعِي، غَيْرَ أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا يَحْتَاجُ إِلَى فِقْهٍ وَدِقَّةٍ، إِذْ الْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الْكَلاَمُ مِنْ شَخْصٍ فِي صُورَةِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ إِنْكَارٌ فِي الْمَعْنَى، كَالْوَدِيعِ إِذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّهُ مُدَّعٍ لِلرَّدِّ صُورَةً، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الرَّدِّ مَعْنًى. وَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ إِنَّمَا هِيَ فِي الْمُتَخَاصِمَيْنِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُدَّعِيًا مَعْنًى وَحَقِيقَةً. فَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ стр. 387
عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (١)
هَل يَتَوَقَّفُ الْقَضَاءُ بِالإِْثْبَاتِ عَلَى الطَّلَبِ ؟
٤ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ وَاعْتِبَارِهِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ، وَأَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخُصُومَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَى سَأَل الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا. فَإِنْ أَقَرَّ فَبِهَا، وَإِنْ أَنْكَرَ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي، قُضِيَ عَلَيْهِ بِلاَ طَلَبِ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ مُقْتَضَى الْحَال يَدُل عَلَى إِرَادَتِهِ ذَلِكَ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلاَّ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْمُدَّعِي، فَلاَ يَسْتَوْفِيهِ إِلاَّ بِطَلَبِهِ. (٢)
طُرُقُ إِثْبَاتِ الدَّعْوَى:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ وَالشَّهَادَةَ وَالْيَمِينَ وَالنُّكُول وَالْقَسَامَةَ - عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْكَيْفِيَّةِ أَوِ الأَْثَرِ - حُجَجٌ شَرْعِيَّةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْقَاضِي فِي قَضَائِهِ، وَيُعَوِّل عَلَيْهَا فِي حُكْمِهِ. (٣) стр. 388
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ الآْتِيَةِ، فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ فِي الأَْمْوَال أَوْ مَا يَئُول إِلَيْهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَيْضًا أَبُو ثَوْرٍ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ الْمَدَنِيُّونَ.
وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْل الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَقْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي شَيْءٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ اللَّيْثُ مِنْ أَصْحَابِ الإِْمَامِ مَالِكٍ (١) .
وَزَادَ ابْنُ الْغَرْسِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَرِينَةَ الْوَاضِحَةَ.
وَقَال الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ الْحَنَفِيُّ: لاَ شَكَّ أَنَّ مَا زَادَهُ ابْنُ الْغَرْسِ غَرِيبٌ خَارِجٌ عَنِ الْجَادَّةِ. فَلاَ يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعَضِّدْهُ النَّقْل. (٢)
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَمْ يَحْصُرِ الطُّرُقَ فِي أَنْوَاعٍ مُعَيَّنَةٍ، بَل قَال: إِنَّ كُل مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ يَكُونُ دَلِيلاً يَقْضِي بِهِ الْقَاضِي وَيَبْنِي عَلَيْهِ حُكْمَهُ. وَهَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَابْنِ فَرْحُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
فَقَدْ جَاءَ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ: " وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ، وَهِيَ تَارَةً تَكُونُ أَرْبَعَةَ شُهُودٍ، وَتَارَةً ثَلاَثَةً، بِالنَّصِّ فِي بَيِّنَةِ الْمُفْلِسِ، وَتَارَةً تَكُونُ شَاهِدَيْنِ، وَشَاهِدًا وَاحِدًا وَامْرَأَةً وَاحِدَةً وَنُكُولاً، وَيَمِينًا، أَوْ خَمْسِينَ يَمِينًا، أَوْ أَرْبَعَةَ أَيْمَانٍ. وَتَكُونُ شَاهِدَ الْحَال فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ. فَقَوْلُهُ ﷺ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي (٣) أَيْ عَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ مَا يُبَيِّنُ صِحَّةَ دَعْوَاهُ. стр. 389
فَإِذَا ظَهَرَ صِدْقُهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ حُكِمَ لَهُ. (١)
وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ فِي كُل الطُّرُقِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِلْحُكْمِ سَوَاءٌ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوِ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.
الإِْقْرَارُ:
٦ - الإِْقْرَارُ لُغَةً هُوَ الاِعْتِرَافُ. يُقَال: أَقَرَّ بِالْحَقِّ: إِذَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَقَرَّرَهُ غَيْرُهُ بِالْحَقِّ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ. (٢) وَشَرْعًا: إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ (٣) .
حُجِّيَّةُ الإِْقْرَارِ:
٧ - الإِْقْرَارُ حُجَّةٌ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول:
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤) وقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٥) . إِذِ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْسِ إِقْرَارٌ عَلَيْهَا بِالْحَقِّ. стр. 390
وَمِنَ السُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ (١) بِنَاءً عَلَى إِقْرَارِهِمَا بِالزِّنَا.
وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الآْنَ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُقِرِّ، يُؤْخَذُ بِهِ وَيُعَامَل بِمُقْتَضَاهُ.
وَدَلِيلُهُ مِنْ الْمَعْقُول: انْتِفَاءُ التُّهْمَةِ، فَإِنَّ الْعَاقِل لاَ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ كَذِبًا. (٢)
مَرْتَبَةُ الإِْقْرَارِ بَيْنَ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ .
٨ - الْفُقَهَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ أَقْوَى الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ غَالِبًا.
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فَوْقَ الشَّهَادَةِ، بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ غَالِبًا، وَلاَ يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُقِرِّ وَحْدَهُ، فِي حِينِ أَنَّ الشَّهَادَةَ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ؛ لأَِنَّ الْقُوَّةَ وَالضَّعْفَ وَرَاءَ التَّعَدِّيَةِ وَالاِقْتِصَارِ. فَاتِّصَافُ الإِْقْرَارِ بِالاِقْتِصَارِ عَلَى نَفْسِ الْمُقِرِّ، وَالشَّهَادَةِ بِالتَّعَدِّيَةِ إِلَى الْغَيْرِ، لاَ يُنَافِي اتِّصَافَهُ بِالْقُوَّةِ وَاتِّصَافَهَا بِالضَّعْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ دُونَهَا. (٣)
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ أَبْلَغُ مِنَ الشَّهَادَةِ.
قَال أَشْهَبُ: " قَوْل كُل أَحَدٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْجَبُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ. " (٤) следующие страницы →