Полный текст (31 949 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ أَنْ يَجْمَعَ الْبَدَلَيْنِ اسْمٌ خَاصٌّ، فَالْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ جِنْسَانِ لاَ جِنْسٌ وَاحِدٌ. وَلاَ عِبْرَةَ بِالاِسْمِ الطَّارِئِ، كَالدَّقِيقِ، الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى طَحِينِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَمَعَ ذَلِكَ يُعْتَبَرَانِ جِنْسَيْنِ (١) . وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِاشْتِرَاكِ الأَْنْوَاعِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْمَقَاصِدُ (٢) .
وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مِنْ مَوْضِعٍ لآِخَرَ، فَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ جِنْسَانِ فِي الْبُيُوعِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ، فَالْمُجَانَسَةُ الْعَيْنِيَّةُ لاَ تُعْتَبَرُ فِي الزَّكَاةِ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى فِيهَا بِتَقَارُبِ الْمَنْفَعَةِ (٣) .
وَاتِّحَادُ الْجِنْسِ جُزْءُ عِلَّةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِمِثْلِهِ؛ لأَِنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَهُمْ جُزْءَانِ هُمَا الْجِنْسُ وَالْقَدْرُ. وَالْقَدْرُ: هُوَ الْوَزْنُ أَوِ الْكَيْل. أَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَهُوَ شَرْطٌ (٤) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اتِّحَادُ الْجِنْسِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ، وَمُقَيِّدٌ لِبَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ، فَعِنْدَ اتِّحَادِ جِنْسِ النِّصَابِ فِي زَكَاةِ غَيْرِ الإِْبِل يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُجْزِئُ الْخَارِجُ مِنَ النِّصَابِ فَمَا فَوْقَهُ عَنْهُ، стр. 317
فَإِنِ اخْتَلَفَ جِنْسُ الْخَارِجِ عَنْ جِنْسِ النِّصَابِ فَلاَ يُجْزِئُ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِجَوَازِ إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوِ اخْتَلَفَ (٢) .
وَفِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِرِبَوِيٍّ مِثْلِهِ إِنِ اتَّحَدَ جِنْسُ الْعِوَضَيْنِ حَرُمَ التَّفَاضُل بِاتِّفَاقٍ وَبَطَل الْبَيْعُ، وَصَحَّ مَعَ التَّمَاثُل إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (٣) .
وَلاَ يَخْتَلِفُ اتِّحَادُ النَّوْعِ عَنِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، أَمَّا فِي الزَّكَاةِ فَيَجُوزُ إِخْرَاجُ نَوْعٍ عَنْ آخَرَ لاِتِّحَادِ الْجِنْسِ (٤) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي الزَّكَاةِ (زَكَاةُ الْمَوَاشِي وَالزُّرُوعِ وَالأَْثْمَانِ (٥)) وَفِي الْحَجِّ (اتِّحَادُ الْفِدْيَةِ) وَفِي الرِّبَا وَفِي السَّلَمِ (٦) وَفِي الْمُقَاصَّةِ (٧) وَفِي الدَّعْوَى (مَسْأَلَةُ الظُّفُرِ) . стр. 318
اتِّحَادُ الْحُكْمِ
التَّعْرِيفُ:
الاِتِّحَادُ لُغَةً: صَيْرُورَةُ الشَّيْئَيْنِ شَيْئًا وَاحِدًا. وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الاِصْطِلاَحِ. وَالْحُكْمُ: خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ بِالاِقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ أَوِ الْوَضْعِ.
وَيَتَنَاوَل الأُْصُولِيُّونَ اتِّحَادَ الْحُكْمِ فِي مَوْضِعَيْنِ: الأَْوَّل عِنْدَ وُرُودِ اللَّفْظِ مُطْلَقًا فِي مَكَان، وَمُقَيَّدًا فِي آخَرَ. وَالثَّانِي عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى اتِّحَادِ الْحُكْمِ مَعَ تَعَدُّدِ الْعِلَّةِ.
أَمَّا الأَْوَّل فَيُنْظَرُ الْقَوْل فِيهِ تَحْتَ عِنْوَانِ (اتِّحَادِ السَّبَبِ) .
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ اتِّحَادُ الْحُكْمِ مَعَ تَعَدُّدِ الْعِلَّةِ، فَقَدْ جَوَّزَ الْجُمْهُورُ التَّعْلِيل لِلْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ، قَالُوا: لأَِنَّ الْعِلَل الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ، وَلاَ مَانِعَ مِنِ اجْتِمَاعِ عَلاَمَاتٍ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ. وَادَّعَوْا وُقُوعَهُ، كَمَا فِي اللَّمْسِ وَالْمَسِّ وَالْبَوْل مَثَلاً، يَمْنَعُ كُلٌّ مِنْهَا الصَّلاَةَ.
وَجَوَّزَهُ ابْنُ فُورَكٍ وَالرَّازِيُّ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ؛ لأَِنَّ الأَْوْصَافَ الْمُسْتَنْبَطَةَ الصَّالِحَ كُلٌّ مِنْهَا
стр. 319
لِلْعِلِّيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهَا هُوَ الْعِلَّةَ عِنْدَ الشَّارِعِ.
وَرَأَى صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ الْقَطْعَ بِامْتِنَاعِهِ عَقْلاً (١) .
وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
اتِّحَادُ السَّبَبِ
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّبَبُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْحَبْل، وَلِمَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَقْصُودِ (٢) .
وَالاِتِّحَادُ صَيْرُورَةُ الشَّيْئَيْنِ شَيْئًا وَاحِدًا (٣) . وَالْوَاحِدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا بِالْجِنْسِ كَالْحَيَوَانِ، أَوْ وَاحِدًا بِالنَّوْعِ كَالإِْنْسَانِ، أَوْ وَاحِدًا بِالشَّخْصِ كَزَيْدٍ (٤) .
وَيُعَرِّفُ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ السَّبَبَ بِأَنَّهُ الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الَّذِي أَضَافَ الشَّارِعُ إِلَيْهِ الْحُكْمَ، وَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السَّبَبُ وَالْعِلَّةُ:
٢ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَلاَقَةِ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ، стр. 320
فَقِيل: هُمَا مُتَرَادِفَانِ، فَالتَّعْرِيفُ السَّابِقُ صَالِحٌ لَهُمَا. وَلاَ تُشْتَرَطُ فِي أَيٍّ مِنْهُمَا الْمُنَاسَبَةُ. وَعَلَى ذَلِكَ نَجْرِي فِي هَذَا الْبَحْثِ.
وَقِيل: إِنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ، فَالسَّبَبُ مَا كَانَ مُوَصِّلاً لِلْحُكْمِ دُونَ تَأْثِيرٍ (أَيْ مُنَاسَبَةٍ) ، كَزَوَال الشَّمْسِ، هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ صَلاَةِ الظُّهْرِ، وَالْعِلَّةُ مَا أَوْصَلَتْ مَعَ التَّأْثِيرِ، كَالإِْتْلاَفِ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ (١) .
وَقِيل: بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُل عِلَّةٍ سَبَبٌ، وَلاَ عَكْسَ.
وَاتِّحَادُ السَّبَبِ هُوَ تَمَاثُل الأَْسْبَابِ لأَِكْثَرَ مِنْ حُكْمٍ أَوْ تَشَابُهُهَا أَوْ كَوْنُهَا وَاحِدًا (٢) .
ب - الاِتِّحَادُ وَالتَّدَاخُل:
٣ - التَّدَاخُل: تَرَتُّبُ أَثَرٍ وَاحِدٍ عَلَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، كَتَدَاخُل الْكَفَّارَاتِ وَالْعِدَدِ (٣) .
فَبَيْنَ اتِّحَادِ الأَْسْبَابِ وَتَدَاخُلِهَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، يَجْتَمِعَانِ فِي نَحْوِ تَعَدُّدِ بَعْضِ الْجِنَايَاتِ الْمُتَمَاثِلَةِ، كَتَكْرَارِ السَّرِقَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَطْعِ، فَالأَْسْبَابُ وَاحِدَةٌ وَتَدَاخَلَتْ. стр. 321
وَيَنْفَرِدُ التَّدَاخُل فِي الأَْسْبَابِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مُسَبَّبٌ وَاحِدٌ، كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالشُّرْبِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. وَيَنْفَرِدُ الاِتِّحَادُ فِي نَحْوِ الإِْتْلاَفَيْنِ يَجِبُ فِيهِمَا ضَمَانَانِ، وَإِنِ اتَّحَدَا سَبَبًا (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - إِذَا وَرَدَ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ، وَاخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا، كَمَا إِذَا قَال: أَطْعِمْ فَقِيرًا، وَاكْسُ فَقِيرًا تَمِيمِيًّا، لَمْ يُحْمَل الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. وَنَقَل الْغَزَالِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ الْحَمْل عِنْدَ اتِّحَادِ السَّبَبِ، وَمَثَّل لَهُ بِالْيَدِ، أُطْلِقَتْ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢) وَقُيِّدَتْ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ بِالْغَايَةِ إِلَى الْمَرَافِقِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٣) فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّهَا تُمْسَحُ فِي التَّيَمُّمِ إِلَى الْمَرَافِقِ.
وَإِنِ اتَّحَدَ الْحُكْمُ مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ، فَإِنْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ عُمِل بِهِمَا اتِّفَاقًا، وَلاَ يُحْمَل أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَعَارُضَ، لإِِمْكَانِ الْعَمَل بِهِمَا، كَمَا تَقُول فِي الظِّهَارِ: لاَ تُعْتِقْ مُكَاتَبًا، وَلاَ تُعْتِقْ مُكَاتَبًا كَافِرًا، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْعَمَل بِالْكَفِّ عَنْهُمَا.
وَإِنْ كَانَا مُثْبَتَيْنِ (أَيْ فِي حَال اتِّحَادِ الْحُكْمِ مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ) حُمِل الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ مُطْلَقًا، عِنْدَ стр. 322
الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، أَيْ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ جُهِل الْحَال، وَإِنَّمَا حَمَلُوهُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
وَقِيل: إِنْ وَرَدَا مَعًا حُمِل الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لأَِنَّ السَّبَبَ الْوَاحِدَ لاَ يُوجِبُ الْمُتَنَافِيَيْنِ، وَالْمَعِيَّةُ قَرِينَةُ الْبَيَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ (١) مَعَ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ الَّتِي اشْتُهِرَتْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَمِنْ ذَلِكَ أَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ وُجُوبَ التَّتَابُعِ فِي صِيَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَإِنْ عُلِمَ تَأَخُّرُ الْمُقَيَّدِ فَهُوَ نَاسِخٌ لِلْمُطْلَقِ نَسْخًا جُزْئِيًّا، وَقِيل: يُحْمَل الْمُقَيَّدُ عَلَى الْمُطْلَقِ بِأَنْ يُلْغَى الْقَيْدُ (٢) .
وُقُوعُ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ:
٥ - الْمُخْتَارُ جَوَازُ وُقُوعُ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، إِثْبَاتًا، كَالسَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ، وَالْغُرْمِ حِينَ يَتْلَفُ الْمَسْرُوقُ عِنْدَ مَنْ يَرَى الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالضَّمَانِ. أَوْ نَفْيًا، كَالْقَتْل عِلَّةٌ لِلْحِرْمَانِ مِنَ الإِْرْثِ وَالْوَصِيَّةِ.
وَقِيل: يَمْتَنِعُ تَعْلِيل حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ فِيهَا؛ لأَِنَّ مُنَاسَبَتَهَا لِحُكْمٍ تُحَصِّل الْمَقْصُودَ مِنْهَا، فَلَوْ نَاسَبَتْ آخَرَ لَزِمَ تَحْصِيل الْحَاصِل. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ ذَلِكَ. стр. 323
وَالْقَوْل الثَّالِثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيل حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ إِنْ لَمْ يَتَضَادَّا بِخِلاَفِ مَا إِذَا تَضَادَّا، كَالتَّأْبِيدِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَبُطْلاَنِ الإِْجَارَةِ (١) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ اتِّحَادَ السَّبَبِ - أَوِ اتِّحَادَ الْعِلَّةِ - فِي الطَّهَارَةِ فِي الْوُضُوءِ (٢) ، وَالْغُسْل (٣) ، وَفِي الصَّوْمِ (كَفَّارَةُ الصِّيَامِ) (٤) وَفِي الإِْحْرَامِ (مُحَرَّمَاتُهُ) وَفِي الإِْقْرَارِ (تَكْرَارُ الإِْقْرَارِ) (٥) وَفِي الْحُدُودِ (تَكْرَارُ الْقَذْفِ، وَالزِّنَى، وَالشُّرْبِ، وَالسَّرِقَةِ) (٦) وَفِي الأَْيْمَانِ (كَفَّارَةُ الْيَمِينِ) (٧) وَفِي الْجِنَايَاتِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا.
وَعِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ يُذْكَرُ اتِّحَادُ السَّبَبِ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ (٨) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. стр. 324
اتِّحَاد الْعِلَّةِ
انْظُرْ: اتِّحَاد السَّبَبِ.
اتِّحَاد الْمَجْلِسِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِتِّحَادُ لُغَةً: صَيْرُورَةُ الذَّاتَيْنِ وَاحِدَةً، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْعَدَدِ مِنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا (١) ، وَالْمَجْلِسُ هُوَ مَوْضِعُ الْجُلُوسِ (٢) .
وَيُرَادُ بِهِ الْمَجْلِسُ الْوَاحِدُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ يَسْتَعْمِلُهُ الْحَنَفِيَّةُ دُونَ غَيْرِهِمْ بِمَعْنَى تَدَاخُل مُتَفَرِّقَاتِ الْمَجْلِسِ (٣) . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَجْلِسِ مَوْضِعَ الْجُلُوسِ، بَل هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ يَحْصُل اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ مَعَ الْوُقُوفِ، وَمَعَ تَغَايُرِ الْمَكَانِ وَالْهَيْئَةِ.
٢ - وَالأَْصْل إِضَافَةُ الأَْحْكَامِ إِلَى أَسْبَابِهَا، كَقَوْلِهِمْ: كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، أَوْ: سَجْدَةُ السَّهْوِ، وَقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ وَتُضَافُ إِلَى غَيْرِ الأَْسْبَابِ، كَالْمَجْلِسِ لِلضَّرُورَةِ، كَمَا стр. 325
فِي سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ إِذَا تَكَرَّرَتْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ لِلْعُرْفِ، كَمَا فِي الأَْقَارِيرِ، أَوْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَمَا فِي الإِْيجَابِ وَالْقَبُول (١) .
وَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ يُؤَثِّرُ فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ مُنْفَرِدًا، وَأَحْيَانًا لاَ يُؤَثِّرُ إِلاَّ مَعَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ نَحْوُ اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ النَّوْعِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ فِي تَدَاخُل فِدْيَةِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ (٢) .
وَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: حَقِيقِيٌّ بِأَنْ يَكُونَ الْقَبُول فِي مَجْلِسِ الإِْيجَابِ، وَحُكْمِيٌّ إِذَا تَفَرَّقَ مَجْلِسُ الْقَبُول عَنْ مَجْلِسِ الإِْيجَابِ كَمَا فِي الْكِتَابَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ، فَيَتَّحِدَانِ حُكْمًا (٣) .
وَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الْحَجِّ يُرَادُ بِهِ اتِّحَادُ الْمَكَانِ وَلَوْ تَغَيَّرَتِ الْحَال، وَفِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ عَدَمُ تَخَلُّل زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَوْ عَدَمُ الْفَصْل بِأَدَاءِ قُرْبَةٍ، كَمَا تَدُل عَلَى ذَلِكَ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ.
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الْعِبَادَاتِ:
٣ - تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ:
تَكَلَّمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
الأَْوَّل: الْكَرَاهَةُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، لِلإِْسْرَافِ، стр. 326
وَهُوَ مَا نُقِل عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ - وَوَصَفُوهُ بِالْغَرَابَةِ - إِذَا وَصَلَهُ بِالْوُضُوءِ الأَْوَّل وَلَمْ يَمْضِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّجْدِيدِ زَمَنٌ يَقَعُ بِمِثْلِهِ تَفْرِيقٌ؛ لأَِنَّهُمْ اعْتَبَرُوهُ بِمَثَابَةِ غَسْلَةٍ رَابِعَةٍ (١)
الثَّانِي: اسْتِحْبَابُ التَّجْدِيدِ مَرَّةً وَاحِدَةً مُطْلَقًا، تَبَدَّل الْمَجْلِسُ أَمْ لاَ، وَهُوَ قَوْل عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، لِحَدِيثِ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ. (٢)
الثَّالِثُ: الْكَرَاهَةُ إِذَا تَكَرَّرَ مِرَارًا فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَانْتِفَاؤُهَا إِذَا أَعَادَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهُوَ مَا وَفَّقَ بِهِ صَاحِبُ النَّهْرِ بَيْنَ مَا جَاءَ فِي التَّتَارْخَانِيَّةِ وَمَا فِي السِّرَاجِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ.
هَذَا وَأَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ لِكُل صَلاَةٍ، وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ أَوْ تَعَدُّدِهِ، وَذَلِكَ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
تَكَرُّرُ الْقَيْءِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ:
٤ - لَوْ قَاءَ الْمُتَوَضِّئُ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ صَارَ مِلْءَ الْفَمِ فَإِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ وَالسَّبَبُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنِ اتَّحَدَ السَّبَبُ فَقَطِ انْتَقَضَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ دُونَ السَّبَبِ انْتَقَضَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لأَِنَّ الْمَجْلِسَ يَجْمَعُ مُتَفَرِّقَاتِهِ. стр. 327
وَلَمْ يُشَارِكِ الْحَنَفِيَّةَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْقَيْءِ إِلاَّ الْحَنَابِلَةُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا إِلَى اتِّحَادِ السَّبَبِ أَوِ الْمَجْلِسِ، بَل رَاعَوْا قِلَّةَ الْقَيْءِ وَكَثْرَتِهِ، تَكَرَّرَ السَّبَبُ وَالْمَجْلِسُ أَوْ لاَ (١) .
سُجُودُ التِّلاَوَةِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ يَسْجُدُ لِلتِّلاَوَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ أَوْ سَمَاعِ آيَةِ السَّجْدَةِ، أَمَّا إِذَا تَكَرَّرَتْ قِرَاءَتُهَا فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ يَسْجُدُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ سَجْدَةٍ وَلَوْ كَرَّرَهَا، لِتَعَدُّدِ السَّبَبِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
وَلاَ يَتَكَرَّرُ السُّجُودُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ وَالآْيَةُ، حَتَّى وَلَوِ اجْتَمَعَ سَبَبَا الْوُجُوبِ، وَهُمَا التِّلاَوَةُ وَالسَّمَاعُ، بِأَنْ تَلاَهَا ثُمَّ سَمِعَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ تَكَرَّرَ أَحَدُهُمَا. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ إِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلأُْولَى. وَمَنْ تَكَرَّرَ مَجْلِسُهُ مِنْ سَامِعٍ أَوْ تَالٍ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ (٣) .
اخْتِلاَفُ الْمَجْلِسِ وَأَنْوَاعُهُ:
٦ - مَا لَهُ حُكْمُ الْمَكَانِ الْوَاحِدِ كَالْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ لاَ يَنْقَطِعُ فِيهِ الْمَجْلِسُ بِالاِنْتِقَال إِلاَّ إِنِ اقْتَرَنَ بِعَمَلٍ أَجْنَبِيٍّ كَالأَْكْل وَالْعَمَل الْكَثِيرَيْنِ، وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ. стр. 328
وَاخْتِلاَفُ الْمَجْلِسِ عَلَى نَوْعَيْنِ:
حَقِيقِيٌّ، بِأَنْ يَنْتَقِل مِنَ الْمَكَانِ إِلَى آخَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ خُطْوَتَيْنِ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثٍ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَحُكْمِيٌّ، وَذَلِكَ بِمُبَاشَرَةِ عَمَلٍ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ قَاطِعًا لِمَا قَبْلَهُ، هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَمَّا غَيْرُهُمْ فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُمْ بِالسَّبَبِ اتِّحَادًا وَتَعَدُّدًا لاَ لِلْمَجْلِسِ (١) .
سُجُودُ السَّامِعِ:
٧ - لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْقَارِئِ وَالسَّامِعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي سُجُودِ التِّلاَوَةِ، وَيَأْخُذُ الْمُسْتَمِعُ لاَ السَّامِعُ حُكْمَ الْقَارِئِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ (٢)
وَرَبَطَ الْمَالِكِيَّةُ سُجُودَ الْمُسْتَمِعِ الَّذِي جَلَسَ لِلثَّوَابِ وَالأَْجْرِ وَالتَّعْلِيمِ بِسُجُودِ الْقَارِئِ، فَلاَ يَسْجُدُ إِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْقَارِئُ، فَإِنْ سَجَدَ فَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ (٣) .
الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ:
٨ - لِلْفُقَهَاءِ آرَاءٌ عَدِيدَةٌ فِي حُكْمِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كُلَّمَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْمَجْلِسِ مِنْهَا ثَلاَثَةُ آرَاءٍ: стр. 329
الأَْوَّل: أَنَّهَا تَجِبُ كُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُهُ ﷺ وَلَوِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، وَبِهِ قَال جَمْعٌ، مِنْهُمْ الطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالطُّرْطُوشِيُّ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَالْفَاكِهَانِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ وَأَبُو حَامِدٍ الإِْسْفَرَايِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَابْنُ بَطَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (١) ، لِحَدِيثِ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَل عَلَيَّ فَدَخَل النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ (٢)
الثَّانِي: وُجُوبُ الصَّلاَةِ مَرَّةً فِي كُل مَجْلِسٍ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ النَّسَفِيُّ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَال فِي بَابِ التِّلاَوَةِ: وَهُوَ كَمَنْ سَمِعَ اسْمَهُ مِرَارًا، لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّلاَةُ إِلاَّ مَرَّةً فِي الصَّحِيحِ؛ لأَِنَّ تَكْرَارَ اسْمِهِ ﷺ لِحِفْظِ سُنَّتِهِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الشَّرِيعَةِ، فَلَوْ وَجَبَتِ الصَّلاَةُ بِكُل مَرَّةٍ لأََفْضَى إِلَى الْحَرَجِ.
وَهُوَ قَوْل أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ إِنْ كَانَ السَّامِعُ стр. 330
غَافِلاً فَيَكْفِيهِ مَرَّةٌ فِي آخَرِ الْمَجْلِسِ (١)
الثَّالِثُ: نَدْبُ التَّكْرَارِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ فِي تَحْصِيلِهِ لآِرَاءِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَبَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول بِالنَّدْبِ مُطْلَقًا، اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَمِ اخْتَلَفَ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُذْكَرُ فِي مَبْحَثِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ:
أَوَّلاً - مَا يَتِمُّ بِهِ التَّعَاقُدُ فِي الْجُمْلَةِ:
٩ - وَيُرَادُ بِهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: أَلاَّ يَشْتَغِل أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ بِعَمَلٍ غَيْرِ مَا عُقِدَ لَهُ الْمَجْلِسُ، أَوْ بِمَا هُوَ دَلِيل الإِْعْرَاضِ عَنِ الْعَقْدِ (٢) . وَهُوَ شَرْطٌ لِلاِنْعِقَادِ عِنْدَهُمْ (٣) . وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يُعْتَبَرُ شَرْطًا فِي الصِّيغَةِ عِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ (٤) .
وَهُوَ يَدْخُل فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٥) . стр. 331
وَوَقْتُهُ مَا بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول.
وَمَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ لاَ يَضُرُّ الْفَصْل بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ مَا لَمْ يُشْعِرْ بِالإِْعْرَاضِ عَنِ الإِْيجَابِ؛ لأَِنَّ الْقَابِل يَحْتَاجُ إِلَى التَّأَمُّل، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَوْرِ لاَ يُمْكِنُهُ التَّأَمُّل (١) .
وَيَضُرُّ الْفَصْل الطَّوِيل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
خِيَارُ الْقَبُول مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ:
١٠ - يَثْبُتُ خِيَارُ الْقَبُول لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا دَامَا جَالِسَيْنِ وَلَمْ يَتِمَّ الْقَبُول، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقُّ الرُّجُوعِ مَا لَمْ يَقْبَل الآْخَرُ (٣) .
وَلاَ يُخَالِفُهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ عِنْدَهُمْ يَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ وَاحِدًا، فَخِيَارُ الْقَبُول مُنْدَرِجٌ تَحْتَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ (٤) .
وَلاَ خِيَارَ لِلْقَبُول عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ بَعْدَ الْقَبُول مَا دَامَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ، وَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَلَوْ قَبْل الاِرْتِبَاطِ بَيْنَهُمَا إِلاَّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الإِْيجَابُ أَوِ الْقَبُول بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ ثُمَّ يَدَّعِي الْقَابِل أَوِ الْمُوجِبُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْبَيْعَ فَيَحْلِفُ وَيُصَدَّقُ (٥) . стр. 332
بِمَ يَنْقَطِعُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ ؟
١١ - يَنْقَطِعُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ بِالإِْعْرَاضِ عَنِ الإِْيجَابِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الأُْمُورِ الَّتِي يَحْصُل مَعَهَا الإِْعْرَاضُ، فَالشَّافِعِيَّةُ جَعَلُوا الاِشْتِغَال بِأَجْنَبِيٍّ خَارِجٍ عَنِ الْعَقْدِ إِبْطَالاً لَهُ، وَكَذَلِكَ السُّكُوتُ الطَّوِيل بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، لَكِنَّ الْيَسِيرَ لاَ يَضُرُّ (١) .
وَجَعَل الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْعُرْفَ هُوَ الضَّابِطَ لِذَلِكَ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَنْقَطِعُ بِاخْتِلاَفِ الْمَجْلِسِ، فَلَوْ قَامَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَذْهَبْ بَطَل الإِْيجَابُ، إِذْ لاَ يَبْقَى الْمَجْلِسُ مَعَ الْقِيَامِ. وَإِنْ تَبَايَعَا وَهُمَا يَسِيرَانِ، وَلَوْ كَانَا عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَصِحَّ لاِخْتِلاَفِ الْمَجْلِسِ. وَاخْتَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَالطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إِنْ أَجَابَ عَلَى فَوْرِ كَلاَمِهِ مُتَّصِلاً جَازَ. وَفِي الْخُلاَصَةِ عَنِ النَّوَازِل إِذَا أَجَابَ بَعْدَمَا مَشَى خُطْوَةً أَوْ خُطْوَتَيْنِ جَازَ.
وَكَذَلِكَ يَخْتَلِفُ الْمَجْلِسُ بِالاِشْتِغَال بِالأَْكْل وَتُغْتَفَرُ اللُّقْمَةُ الْوَاحِدَةُ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ كُوزٌ فَشَرِبَ ثُمَّ أَجَابَ جَازَ.
وَلَوْ نَامَا جَالِسَيْنِ فَلاَ يَتَبَدَّل الْمَجْلِسُ، وَلَوْ مُضْطَجِعَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَهِيَ فُرْقَةٌ (٣) .
وَهَذِهِ الصُّوَرُ الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا الْحَنَفِيَّةُ لَمْ تُغْفِلْهَا كُتُبُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، غَيْرَ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا عَنْهَا أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَنِ الْمَجْلِسِ لاَ فِي الْكَلاَمِ عَنِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ؛ стр. 333
لأَِنَّهُ اصْطِلاَحٌ خَاصٌّ بِالْحَنَفِيَّةِ، وَمَوْطِنُ تَفْصِيلِهَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
١٢ - وَغَيْرُ الْبَيْعِ مِثْلُهُ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) وَالْحَنَابِلَةِ (٢) ، وَالْمَالِكِيَّةِ (٣) ، غَيْرَ أَنَّ الْمُتَتَبِّعَ لِعُقُودِ الْمَالِكِيَّةِ يَجِدُ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ الْفَوْرِيَّةَ فِي الْوَكَالَةِ وَالنِّكَاحِ (٤) .
وَلاَ تَخْتَلِفُ أَيْضًا الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْفَوْرِيَّةِ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول (٥) . أَمَّا غَيْرُ اللاَّزِمَةِ فَلاَ يَضُرُّ التَّرَاخِي فِيهَا بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول.
ثَانِيًا - التَّقَابُضُ فِي الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ:
١٣ - إِذَا بِيعَ رِبَوِيٌّ بِمِثْلِهِ اشْتُرِطَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ جِنْسُ الْمَبِيعِ أَوِ اخْتَلَفَ، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ؛ مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا стр. 334
بِيَدٍ (١) وَبَيَانُ الرِّبَوِيِّ مِنْ غَيْرِهِ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الرِّبَا.
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي السَّلَمِ:
١٤ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ رَأْسِ مَال السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، إِذْ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ فِي مَعْنَى بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (٢) ، وَلأَِنَّ السَّلَمَ عَقْدُ غَرَرٍ فَلاَ يُضَمُّ إِلَيْهِ غَرَرٌ آخَرُ، وَلأَِنَّ السَّلَمَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْتِلاَمِ رَأْسِ الْمَال، أَيْ تَعْجِيلِهِ، وَأَسْمَاءُ الْعُقُودِ الْمُشْتَقَّةُ مِنَ الْمَعَانِي لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ تَحَقُّقِ تِلْكَ الْمَعَانِي.
وَلاَ يَخْتَلِفُ مَجْلِسُ السَّلَمِ عَنْ مَجْلِسِ الْبَيْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُخَالِفُ مَجْلِسُ السَّلَمِ مَجْلِسَ الْبَيْعِ، فَمَجْلِسُ الْبَيْعِ يَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ ارْتِبَاطِ الإِْيجَابِ بِالْقَبُول، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الآْثَارُ. أَمَّا السَّلَمُ فَيَعْتَرِيهِ الْفَسْخُ إِنْ لَمْ يَتِمَّ قَبْضُ رَأْسِ الْمَال فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول (٣) ؛ لأَِنَّهُ شَرْطُ بَقَاءٍ عَلَى الصِّحَّةِ وَلَيْسَ شَرْطَ انْعِقَادٍ (٤) . стр. 335
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِتَأْخِيرِهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ؛ لأَِنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يَأْخُذُ حُكْمَهُ، وَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَهُوَ نَقْدٌ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُول بِالْفَسَادِ؛ لأَِنَّهُ ضَارَعَ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول بِالصِّحَّةِ؛ لأَِنَّهُ تَأْخِيرٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَهَذَا مَا لَمْ تَبْلُغِ الزِّيَادَةُ إِلَى حُلُول الْمُسَلَّمِ فِيهِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى حُلُول أَجَل السَّلَمِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَإِنَّهُ لاَ يَخْتَلِفُ فِي فَسَادِهِ (١) .
وَلاَ يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢) ، وَيَدْخُلُهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ الْخِيَارِ فِي السَّلَمِ إِنْ شَرَطَ وَلَمْ يَنْقُدْ رَأْسَ الْمَال فِي زَمَنِ الْخِيَارِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ نَقَدَ وَتَمَّ السَّلَمُ لَكَانَ فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، لإِِعْطَاءِ الْمُسَلَّمِ إِلَيْهِ سِلْعَةً مَوْصُوفَةً لأَِجَلٍ عَمَّا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ فَسْخِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ:
١٥ - لِلْعُلَمَاءِ فِي ارْتِبَاطِ الإِْيجَابِ بِالْقَبُول فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
الأَْوَّل: اشْتِرَاطُ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ لَمْ يَنْعَقِدْ كَمَا لَوْ أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا فَقَامَ الآْخَرُ أَوِ اشْتَغَل بِعَمَلٍ آخَرَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْفَوْرُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ стр. 336
الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَا فِي الْمِعْيَارِ عَنِ الْبَاجِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (١) .
الثَّانِي: اشْتِرَاطُ الْفَوْرِيَّةِ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ عَدَا مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْبَاجِيِّ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اغْتَفَرُوا فِيهِ الْفَاصِل الْيَسِيرَ. وَضَبَطَ الْقَفَّال الْفَاصِل الْكَثِيرَ بِأَنْ يَكُونَ زَمَنًا لَوْ سَكَتَا فِيهِ لَخَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِهِ جَوَابًا. وَالأَْوْلَى ضَبْطُهُ بِالْعُرْفِ (٢) .
الثَّالِثُ: صِحَّةُ الْعَقْدِ مَعَ اخْتِلاَفِ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ. وَعَلَيْهَا لاَ يَبْطُل النِّكَاحُ مَعَ التَّفَرُّقِ (٣) .
وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ الْحَقِيقِيِّ، أَمَّا مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ الْحُكْمِيِّ فَلاَ يَخْتَلِفُ الأَْمْرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُول فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٤) .
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ الْفَوْرِيَّةَ فِي الإِْيجَابِ حِينَ الْعِلْمِ (٥) . وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابَةِ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَبَلَغَهُ الإِْيجَابُ مِنْ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ. وَإِذَا صَحَّحْنَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَيُشْتَرَطُ الْقَبُول فِي مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ وَعَلَى الْفَوْرِ (٦) . стр. 337
تَدَاخُل الْفِدْيَةِ فِي الإِْحْرَامِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ:
١٦ - لاَ يَحْصُل التَّدَاخُل فِي الْمَحْظُورَاتِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ إِلاَّ إِنِ اتَّحَدَ النَّوْعُ، وَأَمَّا مَعَ اخْتِلاَفِ النَّوْعِ وَالْجِنْسِ فِي الْمَحْظُورَاتِ فَلاَ اعْتِبَارَ لاِتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ حِينَئِذٍ بِاتِّحَادِ السَّبَبِ (١) .
وَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ لَهُ أَثَرُهُ فِي تَدَاخُل فِدْيَةِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، غَيْرَ فِدْيَةِ الإِْتْلاَفِ فَإِنَّهَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُتْلَفِ، وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ جَزَاءَ عَلَى الْعَائِدِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَحْظُورُ إِتْلاَفًا أَمْ غَيْرَهُ (٢) .
وَالتَّدَاخُل مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ يَخْتَلِفُ فِي فِدْيَةِ الْجِمَاعِ عَنْهُ فِي بَقِيَّةِ مَحْظُورَاتِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ.
تَدَاخُل فِدْيَةِ غَيْرِ الْجِمَاعِ:
١٧ - لَوْ تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ بِأَنْوَاعِ الطِّيبِ، أَوْ لَبِسَ أَنْوَاعًا كَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ وَالسَّرَاوِيل وَالْخُفِّ، أَوْ نَوْعًا وَاحِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَعَلَى التَّوَالِي فَفِيهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لاِتِّحَادِ الْمَجْلِسِ (٣) .
وَالْحَنَفِيَّةُ - غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ مَا ذُكِرَ فِي مَكَانَيْنِ تَعَدَّدَتِ الْفِدْيَةُ (٤) . стр. 338
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَعَلَيْهِ الأَْصْحَابُ أَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةً وَاحِدَةً إِنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الأَْوَّل؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْسْبَابِ لاَ بِاخْتِلاَفِ الأَْوْقَاتِ وَالأَْجْنَاسِ.
وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِنْ نَوَى التَّكْرَارَ (١) .
تَدَاخُل فِدْيَةِ الْجِمَاعِ فِي الإِْحْرَامِ:
١٨ - لِلْفُقَهَاءِ فِي تَعَدُّدِ الْفِدْيَةِ وَتَدَاخُلِهَا بِتَكَرُّرِ الْجِمَاعِ مِنَ الْمُحْرِمِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
أ - اتِّحَادُ الْفِدْيَةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ (٢) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الأَْوَّل. وَيُكَفِّرُ عَنِ الأَْخِيرِ إِنْ كَانَ كَفَّرَ لِلسَّابِقِ (٣) .
ب - اتِّحَادُ الْفِدْيَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَوِ اخْتَلَفَ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلْوَطْءِ الأَْوَّل، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ (٤) .
ج - تَكَرُّرُ الْفِدْيَةِ بِتَكَرُّرِ الْجِمَاعِ؛ لأَِنَّهُ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ فَأَوْجَبَهَا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٥) .
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الْخُلْعِ:
١٩ - الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ خَالَعَ стр. 339
امْرَأَتَهُ فَإِنَّ الْقَبُول يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، غَيْرَ أَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِمَجْلِسِ الزَّوْجَةِ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ فِيهِ، وَمَا لَمْ تَبْدَأِ الزَّوْجَةُ بِهِ، وَلاَ يَصِحُّ رُجُوعُ الزَّوْجِ وَلَوْ قَبْل قَبُولِهَا، وَيَصِحُّ رُجُوعُهَا مَا لَمْ يَقْبَل إِنْ كَانَتْ هِيَ الْبَادِئَةَ (١) .
وَالْعِبْرَةُ عِنْدَ بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ بِمَجْلِسِ الْمُتَخَالِعَيْنِ مَعًا، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ هِيَ الْمُوجِبَةَ، وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَطَا الْخِيَارَ فِيهِ، وَالْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ فِي الإِْيجَابِ وَالْقَبُول كَالْبَيْعِ عِنْدَهُمْ. وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ التَّعْلِيقِ (٢) .
وَلاَ يُشْتَرَطُ الْقَبُول فِي الْمَجْلِسِ فِي صِيغَةِ التَّعْلِيقِ إِلاَّ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ هِيَ الْبَادِئَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ نَظَرًا لِلْمُعَاوَضَةِ.
وَإِنَّمَا يَكُونُ الْقَبُول فِي صِيغَةِ التَّعْلِيقِ عِنْدَ حُصُول مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ (٣) .
وَمَجْلِسُ الْعِلْمِ كَمَجْلِسِ التَّوَاجُبِ فِي الْخُلْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (٤) ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَلَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ صِيغَةَ الْخُلْعِ كَصِيغَةِ الْبَيْعِ، وَفِي كَلاَمِهِمْ عَنِ الْخُلْعِ стр. 340
مَعَ غَيْبَةِ الزَّوْجَةِ لَمْ يَأْتُوا بِجَدِيدٍ يُخَالِفُ حُضُورَ الزَّوْجَةِ، وَلَمْ يَخُصُّوا الْوَكِيل بِجَدِيدٍ كَذَلِكَ (١) .
اتِّحَادُ مَجْلِسِ الْمُخَيَّرَةِ:
٢٠ - الْمُخَيَّرَةُ هِيَ الَّتِي مَلَّكَهَا زَوْجُهَا طَلاَقَهَا بِقَوْلِهِ لَهَا مَثَلاً: اخْتَارِي نَفْسَكِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَوْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَعَل أَمْرَهَا بِيَدِهَا، فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا - قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ طَال يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ - فَلَوْ قَامَتْ أَوْ أَخَذَتْ فِي عَمَلٍ آخَرَ خَرَجَ الأَْمْرُ مِنْ يَدِهَا لأَِنَّهُ دَلِيل الإِْعْرَاضِ وَالتَّخْيِيرُ يَبْطُل بِصَرِيحِ الإِْعْرَاضِ فَكَذَلِكَ بِمَا يَدُل عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِمَجْلِسِ الزَّوْجَةِ لاَ بِمَجْلِسِ الزَّوْجِ؛ لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ، وَالْعِبْرَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِمَجْلِسِهِمَا مَعًا (٢) .
وَالشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الأَْصَحِّ - وَالْحَنَابِلَةُ يَشْتَرِطُونَ الْفَوْرِيَّةَ فِي الْمَجْلِسِ، وَالاِعْتِدَادُ بِمَجْلِسِهِمَا مَعًا، فَلَوْ قَامَ أَحَدُهُمَا بَطَل خِيَارُهَا. رَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَال: قَضَى عُمَرُ وَعُثْمَانُ فِي الرَّجُل يُخَيِّرُ امْرَأَتَهُ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا (٣) .
وَجَعَل الْمَالِكِيَّةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْخِيَارَ لَهَا خَارِجَ الْمَجْلِسِ مَا لَمْ تَقِفْ أَمَامَ حَاكِمٍ أَوْ تُوطَأْ طَائِعَةً. وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ لَمَّا خَيَّرَهَا: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلاَ عَلَيْكِ أَلاَّ стр. 341
تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ وَهَذَا يَمْنَعُ قَصْرَهُ عَلَى الْمَجْلِسِ (١) .
وَمَا تَقَدَّمَ هُوَ فِي الْحَاضِرَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُخَيَّرَةُ غَائِبَةً فَلاَ يَخْتَلِفُ الْحَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) . وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ عَدَمُ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْغَائِبَةِ وَالْحَاضِرَةِ، فَالْخُلْعُ - عَلَى الأَْصَحِّ - طَلاَقٌ، وَمَجْلِسُ الْعِلْمِ فِيهِ كَمَجْلِسِ التَّوَاجُبِ (٣) . وَكَمَا يُجْرَى الْخِلاَفُ فِي الْمُخَيَّرَةِ الْحَاضِرَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُجْرَى أَيْضًا فِي الْمُخَيَّرَةِ الْغَائِبَةِ عَلَى طَرِيقَةِ اللَّخْمِيِّ. وَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يَبْقَى التَّخْيِيرُ فِي يَدِهَا مَا لَمْ يَطُل أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ، كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ رِضَاهَا بِالإِْسْقَاطِ، وَمَا لَمْ تُوقَفْ أَمَامَ حَاكِمٍ، أَوْ تُوطَأْ طَائِعَةً (٤) .
وَاخْتِلاَفُ الْمَجْلِسِ فِي الْمُخَيَّرَةِ كَاخْتِلاَفِهِ فِي الْبَيْعِ (٥) .
تَكْرَارُ الطَّلاَقِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ:
٢١ - لَوْ قَال لِمَدْخُولٍ بِهَا وَمَنْ فِي حُكْمِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَنَوَى تَكْرَارَ الْوُقُوعِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ ثَلاَثًا عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، وَلاَ стр. 342
تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (١) . وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَزْمٍ (٢) ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَال: أُخْبِرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَغَضِبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَال: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَلاَ أَقْتُلُهُ؟ . (٣)
وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْل الظَّاهِرِ تَقَعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً (٤) . وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ وَطَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ، لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَال: كَانَ الطَّلاَقُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ طَلاَقُ الثَّلاَثِ وَاحِدَةً، فَقَال عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ. (٥)
وَإِنْ أَرَادَ التَّأْكِيدَ أَوِ الإِْفْهَامَ فَإِنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةً. стр. 343
وَتُقْبَل نِيَّةُ التَّأْكِيدِ دِيَانَةً لاَ قَضَاءً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَتُقْبَل قَضَاءً وَإِفْتَاءً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ فَيَقَعُ ثَلاَثًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ التَّأْكِيدِ (١) .
وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأَِنَّ التَّأْكِيدَ مُحْتَمَلٌ، فَيُؤْخَذُ بِالْيَقِينِ. وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَزْمٍ (٢) .
وَمِثْل: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، فِي وُقُوعِ الطَّلاَقِ وَتَعَدُّدِهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ، وَفِي إِرَادَةِ التَّأْكِيدِ وَالإِْفْهَامِ. أَمَّا عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلاَقُ ثَلاَثًا فِي الأُْولَى، وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَةِ (٣) .
الْفَصْل بَيْنَ الطَّلاَقِ وَعَدَدِهِ:
٢٢ - لاَ تَضُرُّ سَكْتَةُ التَّنَفُّسِ، وَالْعِيِّ فِي الاِتِّصَال بَيْنَ الطَّلاَقِ وَعَدَدِهِ. فَإِنْ كَانَ السُّكُوتُ فَوْقَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضُرُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ تَقَعُ مَعَهُ نِيَّةُ التَّأْكِيدِ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ. وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ إِلاَّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا (٤) . وَفِي الْمَدْخُول بِهَا стр. 344
يَحْصُل التَّأْكِيدُ بِدُونِ نَسَقٍ (أَيْ عَطْفِهِ بِالْفَاءِ أَوْ بِالْوَاوِ أَوْ ثُمَّ) .
تَكْرَارُ طَلاَقِ غَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا:
٢٣ - لِلْعُلَمَاءِ فِي تَكْرِيرِ الطَّلاَقِ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
أ - الأَْوَّل: وُقُوعُ الطَّلاَقِ وَاحِدَةً، اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَمْ تَعَدَّدَ.
وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ حَزْمٍ؛ لأَِنَّهَا بَانَتْ بِالأُْولَى وَصَارَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ، وَطَلاَقُ الأَْجْنَبِيَّةِ بَاطِلٌ (١) .
الثَّانِي: وُقُوعُ الطَّلاَقِ ثَلاَثًا إِنْ نَسَّقَهُ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَ كَلاَمِهِ فَهِيَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ (٢) .
الثَّالِثُ: وُقُوعُ الطَّلاَقِ ثَلاَثًا إِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ شَتَّى وَقَعَ مَا كَانَ فِي الْمَجْلِسِ الأَْوَّل فَقَطْ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ (٣) .
اسْتَدَل أَصْحَابُ الرَّأْيِ الأَْوَّل بِمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَتَّابِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا وَلَمْ يَكُنْ دَخَل بِهَا، قَال: هِيَ ثَلاَثٌ، فَإِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ ثَنَّى ثُمَّ ثَلَّثَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِالأُْولَى. وَصَحَّ هَذَا عَنْ خِلاَسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ стр. 345
وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ (١) . وَدَلِيل الثَّانِي مَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَنْ قَال لِغَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَهَا مُتَّصِلَةً، لَمْ تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. فَإِنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَال. أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ، بَانَتْ بِالأُْولَى وَلَمْ تَكُنِ الأُْخْرَيَانِ شَيْئًا، وَمِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ (٢) .
وَدَلِيل الْقَوْل الثَّالِثِ مَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَال قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَال: قَال لِي مَنْصُورٌ: حُدِّثْتُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: إِذَا قَال لِلَّتِي لَمْ يَدْخُل بِهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، فَلاَ تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. فَإِنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَ طَلْقَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ طَلَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ (٣) .
تَكْرَارُ الطَّلاَقِ مَعَ الْعَطْفِ:
٢٤ - التَّكْرَارُ مَعَ الْعَطْفِ كَعَدَمِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فِي تَعَدُّدِ الطَّلاَقِ، وَفِي نِيَّةِ التَّأْكِيدِ وَالإِْفْهَامِ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، стр. 346
وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ وَالْفَاءِ وَثُمَّ (١) .
وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ، وَلاَ تُقْبَل نِيَّةُ التَّوْكِيدِ مَعَ الْفَاءِ وَثُمَّ، وَفِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ مَا يُفِيدُ أَنَّ التَّأْكِيدَ بِثُمَّ كَالتَّأْكِيدِ بِالْوَاوِ، كَمَا فِي الْعُبَابِ (٢) .
وَلاَ تُقْبَل نِيَّةُ التَّأْكِيدِ مَعَ الْعَطْفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣) ، وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَلاَ يَتَأَتَّى مَعَهَا التَّأْكِيدُ (٤) ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ وَثُمَّ (٥) .
تَكَرُّرُ الإِْيلاَءِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ:
٢٥ - الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ يَمِينَ الإِْيلاَءِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَنَوَى التَّأْكِيدَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إِيلاَءً وَاحِدًا وَيَمِينًا وَاحِدَةً، حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا فِي الْمُدَّةِ طَلُقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ قَرَبَهَا فِيهَا لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ التَّأْكِيدَ أَوْ أَطْلَقَ، فَالْيَمِينُ وَاحِدَةٌ، وَالإِْيلاَءُ ثَلاَثٌ (٦) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَتَكَرَّرُ الإِْيلاَءُ إِنْ نَوَى التَّأْكِيدَ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَمْ فِي مَجَالِسَ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَالْيَمِينُ وَاحِدَةٌ إِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ (٧) .
وَلَمْ يَتَكَلَّمِ الْحَنَابِلَةُ عَنِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ فِي الإِْيلاَءِ (٨) . стр. 347
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَكْرَارِ الإِْيلاَءِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَهُ يَمِينًا. وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَهُمْ لاَ تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْيَمِينِ مَا لَمْ يَنْوِ التَّكْرَارَ (١) .
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الظِّهَارِ:
٢٦ - لَيْسَ لاِتِّحَادِ الْمَجْلِسِ أَثَرٌ إِلاَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إِذَا كَرَّرَ الظِّهَارَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَأَرَادَ التَّأْكِيدَ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ قَضَاءً، وَلاَ تَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ، وَلَكِنَّهَا تَتَعَدَّدُ إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَنَوَى التَّكْرَارَ، أَوْ أَطْلَقَ (٢) .
وَلاَ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَكْرَارِ الظِّهَارِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مَا لَمْ يَنْوِ الاِسْتِئْنَافَ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَمْ فِي مَجَالِسَ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا بِعَدَمِ التَّعَدُّدِ بِتَكْرَارِ الظِّهَارِ وَلَوْ نَوَى الاِسْتِئْنَافَ؛ لأَِنَّ تَكْرِيرَهُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ لِتَحْرِيمِهَا بِالْقَوْل الأَْوَّل. وَقَاسُوهُ عَلَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى (٤) .
اتِّزَار
انْظُرْ: ايتِزَار. стр. 348
اتِّصَال
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِتِّصَال عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ: عَدَمُ الاِنْقِطَاعِ، وَهُوَ ضِدُّ الاِنْفِصَال (١)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ لَفْظَيِ اتِّصَالٍ وَمُوَالاَةٍ: أَنَّ الاِتِّصَال هُوَ أَنْ يُوجَدَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِقَاءٌ وَمُمَاسَّةٌ، أَمَّا الْمُوَالاَةُ، فَلاَ يُشْتَرَطُ لِقَاءٌ وَلاَ مُمَاسَّةٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بَل أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَتَابُعٌ (٢) .
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الاِتِّصَال فِي الأَْعْيَانِ وَفِي الْمَعَانِي.
فَفِي الاِتِّصَال فِي الأَْعْيَانِ يَقُولُونَ: اتِّصَال الصُّفُوفِ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ، وَالزَّوَائِدُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالسِّمَنِ وَالصِّبْغِ.
وَفِي الاِتِّصَال فِي الْمَعَانِي يَقُولُونَ: اتِّصَال الإِْيجَابِ بِالْقَبُول، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ لَفْظَيِ اتِّصَالٍ وَوَصْلٍ أَنَّ الاِتِّصَال هُوَ الأَْثَرُ لِلْوَصْل.
الْحُكْمُ الْعَامُّ:
٢ - مِنِ اسْتِقْرَاءِ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا اتَّصَل مِنَ الزَّوَائِدِ بِالأَْصْل اتِّصَال قَرَارٍ شَمِلَهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ فِي الْجُمْلَةِ. стр. 349
فَالزَّوَائِدُ الْمُتَّصِلَةُ تَدْخُل فِي الْمَبِيعِ تَبَعًا، وَكَذَا مَا اتَّصَل اتِّصَال قَرَارٍ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ (١) . (كَمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ) وَلاَ يَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالرَّهْنِ (كَمَا نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ)
كَمَا يَرَى الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَعَانِيَ الأَْلْفَاظِ غَيْرَ الْمُتَّصِلَةِ لاَ تَلْحَقُ الأَْصْل. وَمِنْ هُنَا وَجَبَ الاِتِّصَال فِي الاِسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ وَالنِّيَّةِ فِي كِنَايَاتِ الطَّلاَقِ، وَفِي الْعِبَادَاتِ (٢) . وَفِي بَعْضِ هَذِهِ خِلاَفٌ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي أَبْوَابِ الإِْقْرَارِ وَالْبَيْعِ وَالطَّلاَقِ وَالأَْيْمَانِ وَالصَّلاَةِ.
الْحُكْمُ الْعَامُّ لِلْوَصْل:
٣ - لَمَّا كَانَتِ الصِّلَةُ وَثِيقَةً بَيْنَ الاِتِّصَال وَالْوَصْل نَاسَبَ بَيَانُ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلْوَصْل، فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، كَوَصْل الْقَبْضِ بِالْعَقْدِ فِي الصَّرْفِ، وَقَدْ يَكُونُ جَائِزًا كَوَصْل الاِسْتِعَاذَةِ بِالْبَسْمَلَةِ بِأَوَّل السُّورَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مَمْنُوعًا كَأَنْ يُوصَل بِالْعِبَادَاتِ مَا لَيْسَ مِنْهَا (٣) . وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الصَّلاَةِ وَالأَْذَانِ وَالْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ، وَوَصْل الْبَسْمَلَةِ بِآخِرِ السُّورَةِ كَمَا يُفَصَّل فِي التَّجْوِيدِ، وَوَصْل الصِّيَامِ بِالصِّيَامِ مِنْ غَيْرِ إِفْطَارٍ، وَهُوَ (صِيَامُ الْوِصَال) ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ стр. 350
ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَا يُكْرَهُ مِنَ الصِّيَامِ.
اتِّكَاء
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الاِتِّكَاءِ فِي اللُّغَةِ: الاِعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﵇: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ (١) وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا: الْمَيْل فِي الْقُعُودِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الاِسْتِنَادُ: فِي اللُّغَةِ يَأْتِي بِمَعْنَى الاِتِّكَاءِ بِالظَّهْرِ لاَ غَيْرُ، (٤) فَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِتِّكَاءِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْوَّل عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ. وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ تَبَعًا لِلاِسْتِعْمَالاَتِ الْفِقْهِيَّةِ، فَالاِتِّكَاءُ فِي الصَّلاَةِ مُطْلَقًا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِهِ، стр. 351
بِمَعْنَيَيْهِ لأَِهْل الأَْعْذَارِ (١) .
أَمَّا لِغَيْرِ أَهْل الأَْعْذَارِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي الْفَرِيضَةِ، وَيَجُوزُ فِي النَّافِلَةِ (٢) .
وَالاِتِّكَاءُ عَلَى الْقَبْرِ كَالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ (٣) . وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا بِجَوَازِهِ (٤) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الاِتِّكَاءِ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ مَكْرُوهَاتِ الصَّلاَةِ (٥) ، وَيُفَصِّلُونَ حُكْمَ الاِتِّكَاءِ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ (٦) . وَحُكْمَ الاِتِّكَاءِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ، عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ آدَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (٧) ، وَحُكْمَ الاِتِّكَاءِ عِنْدَ الأَْكْل فِي أَبْوَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ (٨) ، وَحُكْمَ الاِتِّكَاءِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَسَاجِدِ (٩) ، وَحُكْمَ стр. 352
الاِتِّكَاءِ عَلَى شَيْءٍ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ كَالْمِخَدَّةِ وَغَيْرِهَا فِي أَبْوَابِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْوَلِيمَةِ (١) .
إِتْلاَف
١ - جَاءَ فِي الْقَامُوسِ: تَلِفَ كَفَرِحَ: هَلَكَ، وَأَتْلَفَهُ: أَفْنَاهُ (٢) .
وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ اسْتِعْمَالاَتُ الْفُقَهَاءِ. يَقُول الْكَاسَانِيُّ: إِتْلاَفُ الشَّيْءِ إِخْرَاجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ مَنْفَعَةً مَطْلُوبَةً مِنْهُ عَادَةً (٣) .
٢ - الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْهْلاَكُ:
قَدْ يَقَعُ الإِْهْلاَكُ وَالإِْتْلاَفُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. فَفِي مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ: الْهَلاَكُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: افْتِقَادُ الشَّيْءِ عَنْكَ وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِكَ مَوْجُودٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (٤) وَهَلاَكُ الشَّيْءِ بِاسْتِحَالَةٍ وَفَسَادٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل﴾ (٥) وَكَقَوْلِكَ: هَلَكَ الطَّعَامُ. وَهَلَكَ: بِمَعْنَى مَاتَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٦) وَبِمَعْنَى بُطْلاَنِ стр. 353
الشَّيْءِ مِنَ الْعَالَمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (١)
ب - التَّلَفُ:
وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الإِْتْلاَفِ؛ لأَِنَّهُ كَمَا يَكُونُ نَتِيجَةَ إِتْلاَفِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَتِيجَةَ آفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْقَلْيُوبِيِّ إِدْخَال الإِْتْلاَفِ فِي عُمُومِ التَّلَفِ، إِذْ قَال: إِنَّ الْعَارِيَّةَ تُضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ لاَ بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَلَوْ بِإِتْلاَفِ الْمَالِكِ (٢) .
ج - التَّعَدِّي:
جَاءَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: تَعَدَّى الْحَقَّ: جَاوَزَهُ، وَاعْتَدَى فُلاَنٌ عَنِ الْحَقِّ؛ أَيْ جَازَ عَنْهُ إِلَى الظُّلْمِ. وَقَدْ يَكُونُ مِنْ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ مَا هُوَ جَوْرٌ وَاعْتِدَاءٌ (٣) .
د - الإِْفْسَادُ:
جَاءَ فِي الْقَامُوسِ: أَفْسَدَهُ: أَخْرَجَهُ عَنْ صَلاَحِيَتِهِ الْمَطْلُوبَةِ. وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ مُرَادِفًا لِلإِْتْلاَفِ (٤) .
هـ - الْجِنَايَةُ:
يُقَال: جَنَى جِنَايَةً؛ أَيْ أَذْنَبَ ذَنْبًا يُؤَاخَذُ بِهِ. وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ غَلَبَتْ عَلَى الْجَرْحِ وَالْقَطْعِ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ هِيَ تَحَقُّقُ الْمُؤَاخَذَةِ فِي بَعْضِ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ، كَمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْجِنَايَةِ.
و الإِْضْرَارُ:
إِيقَاعُ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ، وَقَدْ يُرَادُ مِنْهُ أَيُّ نَقْصٍ يَدْخُل عَلَى الأَْعْيَانِ. وَقَدْ يَتَحَقَّقُ هَذَا فِي بَعْضِ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ. стр. 354
ز - الْغَصْبُ:
وَهُوَ أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ، وَعَلَى وَجْهٍ يُزِيل يَدَهُ أَوْ يُقَصِّرُ يَدَهُ.
فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الإِْتْلاَفِ وَالْغَصْبِ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمَالِكِ. وَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ الْغَصْبَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِزَوَال يَدِهِ أَوْ تَقْصِيرِ يَدِهِ. أَمَّا الإِْتْلاَفُ فَقَدْ يَتَحَقَّقُ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ. كَمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الآْثَارِ مِنْ حَيْثُ الْمَشْرُوعِيَّةُ وَتَرَتُّبُ الضَّمَانِ (١) .
صِفَةُ الإِْتْلاَفِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
٣ - الأَْصْل فِي الإِْتْلاَفِ: الْحَظْرُ، إِذَا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا، كَإِتْلاَفِ الْمَالِكِ مَالَهُ الْمُنْتَفَعَ بِهِ شَرْعًا وَطَبْعًا.
وَقَدْ يَكُونُ الإِْتْلاَفُ وَاجِبًا إِذَا كَانَ مَأْمُورًا مِنَ الشَّارِعِ بِإِتْلاَفِهِ كَإِتْلاَفِ خِنْزِيرٍ لِمُسْلِمٍ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَإِتْلاَفِ مَا اسْتَغْنَى عَنْهُ مَالِكُهُ وَلَمْ يَجِدْ وَجْهًا لاِنْتِفَاعِهِ هُوَ أَوْ غَيْرِهِ بِهِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَظْرِ حُكْمُهُ الأُْخْرَوِيُّ وَهُوَ الإِْثْمُ.
هَذَا وَلاَ تَلاَزُمَ بَيْنَ الإِْثْمِ وَالضَّمَانِ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الآْخَرِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنِ الضَّمَانِ فِي مَوْطِنِهِ.
أَنْوَاعُ الإِْتْلاَفِ:
٤ - الإِْتْلاَفُ نَوْعَانِ؛ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَقَعَ عَلَى الْعَيْنِ أَوْ عَلَى الْمَنْفَعَةِ. وَعَلَى كُلٍّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِتْلاَفًا لِلْكُل أَوْ لِلْجُزْءِ، سَوَاءٌ فِي الْعَيْنِ أَوِ الْمَنْفَعَةِ.
وَهَذَانِ النَّوْعَانِ الإِْتْلاَفُ فِيهِمَا حَقِيقِيٌّ.
وَقَدْ يَكُونُ الإِْتْلاَفُ مَعْنَوِيًّا، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْعُ стр. 355
تَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمُسْتَعَارَةِ لِلْمُعِيرِ بَعْدَ طَلَبِهَا مِنْهُ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْعَارَةِ.
يَقُول الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ الَّذِي يُغَيِّرُ حَال الْمُسْتَعَارِ مِنَ الأَْمَانَةِ إِلَى الضَّمَانِ هُوَ الْمُغَيِّرُ لِحَال الْوَدِيعَةِ، وَهُوَ الإِْتْلاَفُ حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَبِتَرْكِ الْحِفْظِ، وَبِالْخِلاَفِ (١) ، أَيِ اسْتِعْمَال الْعَيْنِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهَا فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ فِيهِ صَاحِبُهَا. فَقَدِ اعْتُبِرَ هَذَا إِتْلاَفًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَمُوجِبًا لِلضَّمَانِ، كَمَا قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ خَلْطَ الْوَدَائِعِ خَلْطًا يَمْنَعُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهَا يُعْتَبَرُ إِتْلاَفًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لِخَلْطِ الدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ (٢) .
الإِْتْلاَفُ الْمَشْرُوعُ وَغَيْرُ الْمَشْرُوعِ
أَوَّلاً - الإِْتْلاَفُ الْمَشْرُوعُ الْمُتَّفَقُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ:
٥ - مِنْ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ الْمَشْرُوعِ مَعَ تَرَتُّبِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْعَقِدُ عَلَى إِتْلاَفِ الْعَيْنِ ذَاتِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمَنَافِعُ مِمَّا يَقْتَضِي اسْتِيفَاؤُهَا إِتْلاَفَ الْعَيْنِ، كَالشَّمْعَةِ لِلإِْضَاءَةِ، وَالظِّئْرِ لِلإِْرْضَاعِ، وَاسْتِئْجَارِ الشَّجَرِ لِلثَّمَرِ (٣) ، عَلَى التَّفْصِيل следующие страницы →