Полный текст (31 949 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
هَجْوَهُ. (١) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ إِعْطَاءَ الرِّبَا لِلضَّرُورَةِ فَيَأْثَمَ الْمُقْرِضُ دُونَ الْمُقْتَرِضِ.
الأَْوْصَافُ الْمُغَيِّرَةُ لآِثَارِ الاِلْتِزَامِ:
إِذَا تَمَّتِ التَّصَرُّفَاتُ الْمُلْزِمَةُ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الاِلْتِزَامِ مُسْتَوْفِيَةً أَرْكَانَهَا وَشَرَائِطَهَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا آثَارُهَا وَوَجَبَ تَنْفِيذُ الاِلْتِزَامِ.
لَكِنْ قَدْ يَتَّصِل بِالتَّصَرُّفِ بَعْضُ الأَْوْصَافِ الَّتِي تُغَيِّرُ مِنْ آثَارِ الاِلْتِزَامِ، فَتُوقِفُهُ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهِ الْتِزَامًا آخَرَ أَوْ تُبْطِلُهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أَوَّلاً: الْخِيَارَاتُ:
٤٧ - مِنَ الْخِيَارَاتِ مَا يَتَّصِل بِالتَّصَرُّفِ، فَيَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ وَيَتَأَخَّرُ تَنْفِيذُ الاِلْتِزَامِ إِلَى أَنْ يُبَتَّ فِيهَا، فَيَتَبَيَّنَ مَا يَنْفُذُ وَمَا لاَ يَنْفُذُ. وَالْخِيَارَاتُ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّا نَكْتَفِي بِالْخِيَارَاتِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَهِيَ خِيَارُ الشَّرْطِ وَالتَّعْيِينِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ.
يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: مِنَ الْخِيَارَاتِ مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ، وَهُمَا خِيَارُ الشَّرْطِ وَالتَّعْيِينِ، وَمِنْهُ مَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَمِنْهُ مَا يَمْنَعُ لُزُومَهُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ.
وَيَقُول الْكَاسَانِيُّ: شَرَائِطُ لُزُومِ الْبَيْعِ بَعْدَ انْعِقَادِهِ وَنَفَاذِهِ وَصِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ خَالِيًا مِنْ خِيَارَاتٍ أَرْبَعَةٍ: خِيَارِ الشَّرْطِ، وَالتَّعْيِينِ وَالرُّؤْيَةِ، وَالْعَيْبِ. فَلاَ يَلْزَمُ مَعَ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ، إِذْ لاَ بُدَّ لِلُّزُومِ مِنَ الرِّضَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ стр. 3607
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . (١)
وَفِي الْمَوْضُوعُ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَدْخُلُهَا الْخِيَارَاتُ وَالتَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَدْخُلُهَا، وَبِالنِّسْبَةِ لِمَا هُوَ عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، فَخِيَارُ التَّعْيِينِ مَثَلاً لاَ يَأْخُذُ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ. وَكَذَلِكَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَلِغَيْرِهِمْ تَفْصِيلٌ فِيهِ. (٢) (ر: خِيَار)
ثَانِيًا: الشُّرُوطُ:
٤٨ - الشَّرْطُ قَدْ يَكُونُ تَعْلِيقِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ تَقْيِيدِيًّا: فَالشَّرْطُ التَّعْلِيقِيُّ: هُوَ رَبْطُ وُجُودِ الشَّيْءِ بِوُجُودِ غَيْرِهِ، أَيْ أَنَّ الْمُلْتَزِمَ يُعَلِّقُ تَنْفِيذَ الْتِزَامِهِ عَلَى وُجُودِ مَا شَرَطَهُ. وَبِذَلِكَ يَكُونُ أَثَرُ الشَّرْطِ التَّعْلِيقِيِّ فِي الاِلْتِزَامِ هُوَ تَوَقُّفَ تَنْفِيذِ الاِلْتِزَامِ حَتَّى يَحْصُل الشَّرْطُ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَثَلاً إِذَا قَال لِشَخْصٍ: إِنْ بَنَيْتَ بَيْتَكَ، أَوْ إِنْ تَزَوَّجْتَ فَلَكَ كَذَا فَهُوَ لاَزِمٌ، إِذَا وَقَعَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ. (٣)
وَهَذَا طَبْعًا فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَقْبَل التَّعْلِيقَ، كَالإِْسْقَاطَاتِ وَالإِْطْلاَقَاتِ وَالاِلْتِزَامِ بِالْقُرَبِ بِالنَّذْرِ. أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَقْبَل التَّعْلِيقَ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، فَإِنَّ التَّعْلِيقَ يَمْنَعُ الاِنْعِقَادَ لِعَدَمِ صِحَّةِ стр. 3608
التَّصَرُّفَاتِ حِينَئِذٍ. (ر: شَرْط - تَعْلِيق) .
وَأَمَّا الشَّرْطُ التَّقْيِيدِيُّ فَهُوَ مَا جَزَمَ فِيهِ بِالأَْصْل وَشَرَطَ فِيهِ أَمْرًا آخَرَ.
وَأَمَّا أَثَرُهُ فِي الاِلْتِزَامِ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا، فَمَا كَانَ مِنْهُ مُلاَئِمًا لِلتَّصَرُّفِ، كَمَنْ يَبِيعُ وَيَشْتَرِطُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَهُ بِالثَّمَنِ رَهْنًا أَوْ كَفِيلاً. . . أَوْ كَانَ جَرَى بِهِ التَّعَامُل بَيْنَ النَّاسِ كَمَنْ يَشْتَرِي جِرَابًا عَلَى أَنْ يَخْرِزَهُ لَهُ الْبَائِعُ. . . فَإِنَّهُ يُنْشِئُ الْتِزَامًا زَائِدًا عَلَى الاِلْتِزَامِ الأَْصْلِيِّ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنَ الأَْمْثِلَةِ وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ مُؤَكِّدًا لِمُقْتَضَى التَّصَرُّفِ، كَاشْتِرَاطِ التَّسْلِيمِ فِي الْبَيْعِ مَثَلاً، فَلاَ أَثَرَ لَهُ فِي الاِلْتِزَامِ، إِذِ الشَّرْطُ هُنَا تَأْكِيدٌ وَبَيَانٌ لِمُقْتَضَى الاِلْتِزَامِ.
وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا، فَإِنْ كَانَ لاَ يَقْتَضِيهِ التَّصَرُّفُ وَلَيْسَ مُلاَئِمًا لَهُ وَلاَ جَرَى بِهِ التَّعَامُل بَيْنَ النَّاسِ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهَا صَاحِبٌ يُطَالِبُ بِهَا، كَمَنْ يَبِيعُ الدَّارَ عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا الْبَائِعُ شَهْرًا، أَوِ الثَّوْبَ عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ أُسْبُوعًا، فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ فَاسِدٌ وَيَفْسُدُ مَعَهُ التَّصَرُّفُ، وَبِالتَّالِي يَفْسُدُ الاِلْتِزَامُ الأَْصْلِيُّ لِلتَّصَرُّفِ حَيْثُ قَدْ فَسَدَ مَصْدَرُهُ.
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ يَجْرِي فِي عُقُودِ الْمُبَادَلاَتِ الْمَالِيَّةِ فَقَطْ، خِلاَفًا لِلتَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ حَيْثُ يَفْسُدُ الشَّرْطُ وَيَبْقَى التَّصَرُّفُ فِي الاِلْتِزَامِ بِهِ كَمَا هُوَ، وَيُصْبِحُ الشَّرْطُ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي الاِلْتِزَامِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّ مِثْل هَذَا الشَّرْطِ يَفْسُدُ، وَيَفْسُدُ مَعَهُ التَّصَرُّفُ، وَيُجْرُونَ هَذَا فِي كُل التَّصَرُّفَاتِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَإِنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يُفْسِدُ التَّصَرُّفَ عِنْدَهُمْ، فَهُوَ مَا كَانَ مُنَافِيًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَوْ كَانَ
стр. 3609
مُخِلًّا بِالثَّمَنِ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ. إِذْ هُوَ عِنْدَهُمْ: مَا كَانَ مُنَافِيًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَوْ كَانَ الْعَقْدُ يَشْتَمِل عَلَى شَرْطِهِ.
أَمَّا مَا كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لأَِحَدٍ، فَإِنَّهُ غَيْرُ فَاسِدٍ عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً. فَمَنْ يَبِيعُ الدَّارَ وَيَشْتَرِطُ سُكْنَاهَا شَهْرًا مَثَلاً فَشَرْطُهُ صَحِيحٌ وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ بَاعَ النَّبِيَّ ﷺ جَمَلاً، وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَيْ رُكُوبَهُ، وَفِي لَفْظٍ قَال: بِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي. (١)
عَلَى أَنَّ الْجُمْهُورَ وَمَعَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَاشْتَرَطَ أَنْ يُعْتِقَهُ الْمُشْتَرِي فَهُوَ شَرْطٌ صَحِيحٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ، بَل إِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَال: يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الشَّرْطُ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ هُوَ وَيَبْقَى التَّصَرُّفُ صَحِيحًا فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ. (٢)
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ (ر: اشْتِرَاط، شَرْط) .
ثَالِثًا: الأَْجَل:
٤٩ - الأَْجَل هُوَ الْمُدَّةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا الْمُسْتَقْبَلَةُ الْمُحَقَّقَةُ الْوُقُوعِ. وَالاِلْتِزَامُ قَدْ يَكُونُ مُؤَجَّلاً إِذَا كَانَ الأَْجَل أَجَل تَوْقِيتٍ، فَإِنَّهُ يَجْعَل تَنْفِيذَ الاِلْتِزَامِ مُسْتَمِرًّا стр. 3610
طِوَال الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ حَتَّى تَنْتَهِيَ، فَمَنْ أَجَّرَ دَارًا لِمُدَّةِ شَهْرٍ أَصْبَحَ مِنْ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ الاِنْتِفَاعُ بِالدَّارِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُلْتَزِمِ - وَهُوَ الْمُؤَجِّرُ - أَنْ يُطَالِبَهُ بِتَسْلِيمِ الدَّارِ قَبْل انْتِهَاءِ الأَْجَل الْمَضْرُوبِ. (١)
وَإِذَا كَانَ أَجَل إِضَافَةٍ، فَإِنَّ تَنْفِيذَ الاِلْتِزَامِ لاَ يَبْدَأُ إِلاَّ عِنْدَ حُلُول الأَْجَل، فَالدَّيْنُ الْمُؤَجَّل إِلَى رَمَضَانَ يَمْنَعُ الدَّائِنَ مِنَ الْمُطَالَبَةِ قَبْل دُخُول رَمَضَانَ. فَإِذَا حَل الأَْجَل وَجَبَ عَلَى الْمُلْتَزِمِ بِالدَّيْنِ الْوَفَاءُ، وَصَارَ مِنْ حَقِّ الدَّائِنِ الْمُطَالَبَةُ بِدَيْنِهِ. (٢)
وَالتَّصَرُّفَاتُ تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْجَل تَوْقِيتًا أَوْ إِضَافَةً، فَمِنْهَا مَا هُوَ مُؤَقَّتٌ أَوْ مُضَافٌ بِطَبِيعَتِهِ، كَالإِْجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُنْجَزٌ وَلاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ بِحَالٍ كَالصَّرْفِ وَالنِّكَاحِ، وَإِذَا دَخَلَهُمَا التَّأْقِيتُ بَطَلاَ، وَيَكُونُ أَثَرُ التَّأْقِيتِ هُنَا بُطْلاَنَ الأَْجَل.
وَأَمَّا الْعَقْدُ فَيَبْطُل فِي الصَّرْفِ إِجْمَاعًا. وَفِي النِّكَاحِ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ. (٣)
وَمِنْهَا مَا يَكُونُ الأَْصْل فِيهِ التَّنْجِيزَ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ لَكِنْ يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ إِرْفَاقًا فَيَتَغَيَّرُ أَثَرُ الاِلْتِزَامِ مِنَ التَّسْلِيمِ الْفَوْرِيِّ إِلَى تَأْخِيرِهِ إِلَى الأَْجَل الْمُحَدَّدِ.
عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَقْبَل التَّأْجِيل يُشْتَرَطُ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ: أَنْ يَكُونَ الأَْجَل مَعْلُومًا، إِذْ فِي الْجَهَالَةِ غَرَرٌ يُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ، وَأَلاَّ يُعْتَاضَ عَنِ الأَْجَل، إِذِ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا. стр. 3611
وَيَكُونُ الأَْثَرُ حِينَئِذٍ بُطْلاَنَ الشَّرْطِ. (١)
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، إِذْ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ مَا يَكُونُ الأَْجَل فِيهِ مَجْهُولاً بِطَبِيعَتِهِ، كَالْجِعَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا الْوَكَالَةُ وَالْقِرَاضُ وَالإِْذْنُ فِي التِّجَارَةِ إِذَا لَمْ يُحَدِّدْ لِلْعَمَل مُدَّةً. كَذَلِكَ التَّبَرُّعَاتُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَجُوزُ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ. (٢)
وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ مُطَوَّلَةٌ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا وَفِي (بَحْثِ: أَجَل) .
تَوْثِيقُ الاِلْتِزَامِ:
٥٠ - تَوْثِيقُ الاِلْتِزَامِ - أَيْ إِحْكَامُهُ وَإِثْبَاتُهُ - أَمْرٌ مَشْرُوعٌ لاِحْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَى مُعَامَلَةِ مَنْ لاَ يَعْرِفُونَهُ، خَشْيَةَ جَحْدِ الْحُقُوقِ أَوْ ضَيَاعِهَا.
وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ لِلنَّاسِ مَا يَضْمَنُ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ بِتَوْثِيقِهَا، وَجَعَل لِذَلِكَ طُرُقًا مُتَعَدِّدَةً وَهِيَ:
(١) الْكِتَابَةُ وَالإِْشْهَادُ:
٥١ - شَرَعَ اللَّهُ الْكِتَابَةَ وَالإِْشْهَادَ صِيَانَةً لِلْحُقُوقِ، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ . . ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ . . ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣) وَقَدْ стр. 3612
أَوْجَبَ الشَّرْعُ تَوْثِيقَ بَعْضِ الاِلْتِزَامَاتِ لِخَطَرِهِ كَالنِّكَاحِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ فَلاَ تَثْبُتُ عِنْدَ الإِْنْكَارِ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ، وَمِثْلُهُ الإِْشْهَادُ عِنْدَ دَفْعِ مَال الْيَتِيمِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ.
وَمِنَ الاِلْتِزَامَاتِ مَا اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الإِْشْهَادِ فِيهِ أَوِ اسْتِحْبَابِهِ، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ وَالرَّجْعَةِ. (١) وَالشَّهَادَةُ تُعْتَبَرُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْحَقُّ. وَلِبَيَانِ مَا يَجِبُ فِيهِ الإِْشْهَادُ وَمَا لاَ يَجِبُ، وَبَيَانِ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ فِي الْحُقُوقِ مِنْ حَيْثُ التَّحَمُّل وَالأَْدَاءُ وَالْعَدَدُ وَصِفَةُ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ بِهِ يُنْظَرُ: (إِثْبَات، إِشْهَاد - شَهَادَة - أَدَاء - تَحَمُّل) .
(٢) الرَّهْنُ:
٥٢ - الرَّهْنُ شُرِعَ كَذَلِكَ لِتَوْثِيقِ الاِلْتِزَامَاتِ، لأَِنَّهُ احْتِبَاسُ الْعَيْنِ لِيَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْ ثَمَنِهَا، أَوْ مِنْ ثَمَنِ مَنَافِعِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِهِ مِنَ الْغَرِيمِ.
وَالأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ . (٢) وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. (٣) стр. 3613
وَالرَّهْنُ مَشْرُوعٌ بِطَرِيقِ النَّدْبِ لاَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ، بِدَلِيل قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١) ، وَلأَِنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ تَيَسُّرِ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا. (٢)
هَذَا وَلِلرَّهْنِ شُرُوطٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَقْبُوضًا وَكَوْنُهُ بِدَيْنٍ لاَزِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (ر: رَهْن) .
(٣) الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ:
٥٣ - الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ قَدْ يُسْتَعْمَلاَنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل الضَّمَانُ لِلدَّيْنِ، وَالْكَفَالَةُ لِلنَّفْسِ. وَهُمَا مَشْرُوعَانِ أَيْضًا لِيَتَوَثَّقَ بِهِمَا الاِلْتِزَامُ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْل بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ . (٣)
وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ وَاخْتِلاَفَاتٌ لِلْفُقَهَاءِ تُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهَا (ر: كَفَالَة) .
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَدْخُلُهَا التَّوْثِيقُ وَاَلَّتِي стр. 3614
لاَ يَدْخُلُهَا، فَقَدْ قَال السُّيُوطِيُّ: الْوَثَائِقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالأَْعْيَانِ ثَلاَثَةٌ: الرَّهْنُ وَالْكَفَالَةُ وَالشَّهَادَةُ، ثُمَّ قَال: مِنَ الْعُقُودِ مَا تَدْخُلُهُ الثَّلاَثَةُ كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ، وَمِنْهَا مَا تَدْخُلُهُ الشَّهَادَةُ دُونَهُمَا وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ - جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ - وَنُجُومُ الْكِتَابَةِ.
وَمِنْهَا مَا تَدْخُلُهُ الشَّهَادَةُ وَالْكَفَالَةُ دُونَ الرَّهْنِ وَهُوَ الْجِعَالَةُ.
وَمِنْهَا مَا تَدْخُلُهُ الْكَفَالَةُ دُونَهُمَا وَهُوَ ضَمَانُ الدَّرْكِ.
ثُمَّ قَال: لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَجِبُ فِيهِ الإِْشْهَادُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ إِلاَّ النِّكَاحَ قَطْعًا، وَالرَّجْعَةَ عَلَى قَوْلٍ، وَعَقْدَ الْخِلاَفَةِ عَلَى وَجْهٍ، وَمِمَّا قِيل بِوُجُوبِ الإِْشْهَادِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْعُقُودِ: اللُّقَطَةُ عَلَى وَجْهٍ، وَاللَّقِيطُ عَلَى الأَْصَحِّ لِخَوْفِ إِرْقَاقِهِ. (١)
وَقَدْ زَادَ الزَّرْكَشِيُّ أُرُوشَ الْجِنَايَاتِ الْمُسْتَقِرَّةَ فِيمَا يَدْخُلُهُ الثَّلاَثَةُ.
وَقَدِ اعْتَبَرَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ التَّوْثِيقَ لاَ يَنْحَصِرُ فِي هَذِهِ الثَّلاَثَةِ (الشَّهَادَةِ وَالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ) وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ مِنْهَا: الْحَبْسَ عَلَى الْحُقُوقِ إِلَى الْوَفَاءِ، وَمِنْهَا حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَكَذَلِكَ مَنْعُ الْمَرْأَةِ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مُعَجَّل الْمَهْرِ (٢) . .
انْتِقَال الاِلْتِزَامِ:
٥٤ - يَجُوزُ انْتِقَال الاِلْتِزَامِ بِالدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى، إِذْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّوْثِيقِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْحَوَالَةِ، وَهِيَ مُعَامَلَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَجَازَتْ لِلْحَاجَةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِيل أَحَدُكُمْ عَلَى стр. 3615
مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (١) . وَلِلتَّفْصِيل وَمَعْرِفَةِ الْخِلاَفِ (ر: حَوَالَة) .
إِثْبَاتُ الاِلْتِزَامِ:
٥٥ - إِثْبَاتُ الاِلْتِزَامِ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عِنْدَ إِنْكَارِ الْمُلْتَزِمِ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ عَلَى الْمُلْتَزَمِ لَهُ (صَاحِبِ الْحَقِّ) إِثْبَاتُ حَقِّهِ، عَمَلاً بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (٢) . وَلِلْقَاضِي - إِنْ لَمْ يُظْهِرْ صَاحِبُ الْحَقِّ بَيِّنَتَهُ - أَنْ يَسْأَلَهُ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ لِمَا رُوِيَ " أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَِبِي، فَقَال الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَال: لاَ، قَال: فَلَكَ يَمِينُهُ. (٣)
وَلِلإِْثْبَاتِ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَالإِْقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ وَالنُّكُول وَالْقَسَامَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (ر: إِثْبَات) . стр. 3616
انْقِضَاءُ الاِلْتِزَامِ:
٥٦ - الأَْصْل أَنَّ الاِلْتِزَامَ يَنْقَضِي بِوَفَاءِ الْمُلْتَزِمِ وَتَنْفِيذِهِ مَا الْتَزَمَ بِهِ مِنْ تَسْلِيمِ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ، كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، وَالْمَأْجُورِ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَالأُْجْرَةِ لِلْمُؤَجِّرِ وَالْمَوْهُوبِ لِلْمُتَّهِبِ وَبَدَل الْقَرْضِ لِلْمُقْرِضِ وَهَكَذَا.
وَيَنْقَضِي الاِلْتِزَامُ أَيْضًا بِالْقِيَامِ بِالْعَمَل الْمُلْتَزَمِ بِهِ فِي إِجَارَةٍ أَوِ اسْتِصْنَاعٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ أَوْ وَكَالَةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ، وَبِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فِي التَّصَرُّفِ الْمُقَيَّدِ بِالزَّمَنِ كَالإِْجَارَةِ الْمُحَدَّدَةِ.
٥٧ - وَقَدْ يَنْقَضِي الاِلْتِزَامُ بِغَيْرِ هَذَا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:
(١) إِبْرَاءُ الدَّائِنِ لِلْمَدِينِ (١) .
٢ - الْفَسْخُ أَوِ الْعَزْل فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْوَدِيعَةِ، إِلاَّ إِذَا اقْتَضَى فَسْخُهَا ضَرَرًا عَلَى الطَّرَفِ الآْخَرِ.
يَقُول السُّيُوطِيُّ: الشَّرِكَةُ وَالْوَكَالَةُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْوَدِيعَةُ وَالْقِرَاضُ كُلُّهَا تَنْفَسِخُ بِالْعَزْل مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. (٢)
وَفِي الْمَنْثُورِ لِلزَّرْكَشِيِّ: الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ إِذَا اقْتَضَى فَسْخُهَا ضَرَرًا عَلَى الطَّرَفِ الآْخَرِ امْتَنَعَ وَصَارَتْ لاَزِمَةً. وَلِهَذَا قَال النَّوَوِيُّ: لِلْوَصِيِّ عَزْل نَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُ الْمَال بِاسْتِيلاَءِ ظَالِمٍ. стр. 3617
وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي الشَّرِيكِ وَالْمُقَارِضِ، وَقَدْ قَالُوا فِي الْعَامِل إِذَا فَسَخَ الْقِرَاضَ: عَلَيْهِ التَّقَاضِي وَالاِسْتِيفَاءُ، لأَِنَّ الدَّيْنَ مِلْكٌ نَاقِصٌ، وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْهُ كَامِلاً، فَلْيَرُدَّهُ كَمَا أَخَذَهُ، وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِل حَتَّى يَنِضَّ الْمَال. (١)
(٣) الرُّجُوعُ فِي التَّبَرُّعَاتِ قَبْل الْقَبْضِ كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ فِي الْعَارِيَّةِ وَالْقَرْضِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .
(٤) الْمُقَاصَّةُ فِي الدُّيُونِ. (٣)
(٥) انْعِدَامُ الأَْهْلِيَّةِ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَالْجُنُونِ وَالْمَوْتِ. (٤)
(٦) الْفَلَسُ أَوْ مَرَضُ الْمَوْتِ فِي التَّبَرُّعَاتِ قَبْل الْقَبْضِ. (٥)
(٧) عَدَمُ إِمْكَانِ التَّنْفِيذِ، كَهَلاَكِ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ.
يَقُول الْكَاسَانِيُّ: هَلاَكُ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ، إِنْ هَلَكَ كُلُّهُ قَبْل الْقَبْضِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، لأَِنَّهُ لَوْ بَقِيَ أَوْجَبَ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَإِذَا طَالَبَهُ بِالثَّمَنِ فَهُوَ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ التَّسْلِيمِ فَتَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ أَصْلاً، فَلَمْ يَكُنْ فِي стр. 3618
بَقَاءِ الْبَيْعِ فَائِدَةٌ فَيَنْفَسِخُ، وَكَذَلِكَ إِذَا هَلَكَ بِفِعْل الْمَبِيعِ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا فَقَتَل نَفْسَهُ، وَكَذَا إِذَا هَلَكَ بِفِعْل الْبَائِعِ يَبْطُل الْبَيْعُ وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنِ الْمُشْتَرِي عِنْدَنَا.
وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْل الْمُشْتَرِي لاَ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ، لأَِنَّهُ بِالإِْتْلاَفِ صَارَ قَابِضًا. (١) .
الْتِصَاقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْتَصَقَ وَالْتَزَقَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْتَصَقَ بِالشَّيْءِ: لَزِقَ وَعَلِقَ بِهِ، وَالاِلْتِصَاقُ: اتِّصَال الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ بِحَيْثُ لاَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا فَجْوَةٌ بِتَلَزُّجٍ أَوْ تَمَاسُكٍ أَوْ تَمَاسٍّ. (٢)
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِالْمَعْنَى نَفْسِهِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الاِلْتِصَاقُ مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي قَدْ تَحْدُثُ تِلْقَائِيًّا، كَالْتِصَاقِ الدُّورِ، وَالْتِصَاقِ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ بِالْمَاءِ، وَكَالْتِصَاقِ عُضْوٍ زَائِدٍ بِجِسْمٍ. وَقَدْ يَحْدُثُ بِقَصْدٍ كَلَصْقِ جَبِيرَةٍ عَلَى جُرْحٍ.
وَسَوَاءٌ حَدَثَ الاِلْتِصَاقُ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَإِنَّهُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْضُ الأَْحْكَامِ.
٣ - فَالْتِصَاقُ الدَّارَيْنِ مَثَلاً فِي سِكَّةٍ نَافِذَةٍ يُعْطِي стр. 3619
أَحَدَ الْجَارَيْنِ الْمُلاَصِقَيْنِ الأَْوْلَوِيَّةَ فِي الشُّفْعَةِ، إِذَا أَرَادَ الآْخَرُ بَيْعَ دَارِهِ، وَهَذَا كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ. (١) إِذْ لاَ شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ.
وَالْتِصَاقُ الْجَبِيرَةِ عَلَى الْجُرْحِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ فِي الطَّهَارَةِ. (٢)
٤ - عَلَى أَنَّ الاِلْتِصَاقَ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ، كَالْتِصَاقِ الْجَبْهَةِ بِالأَْرْضِ فِي السُّجُودِ. (٣) وَمِنْهُ مَا هُوَ حَرَامٌ كَالْتِصَاقِ رَجُلَيْنِ أَوِ امْرَأَتَيْنِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ بِدُونِ حَائِلٍ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يُفْضِي الرَّجُل إِلَى الرَّجُل وَلاَ تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. (٤)
وَيَكُونُ مَكْرُوهًا إِذَا كَانَ بِحَائِلٍ وَبِدُونِ قَصْدِ التَّلَذُّذِ. (٥)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - يَأْتِي الاِلْتِصَاقُ فِي مَوَاطِنَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ: الْتِصَاقُ الثَّوْبِ بِالْجِسْمِ فِي الصَّلاَةِ، وَيُنْظَرُ فِي (سَتْرُ الْعَوْرَةِ (٦)) .
وَفِي الْتِصَاقِ الدَّارَيْنِ، وَإِسَاءَةِ أَحَدِ صَاحِبِ الدَّارَيْنِ إِلَى الآْخَرِ (٧) وَيُنْظَرُ فِي (جِنَايَة - إِتْلاَف стр. 3620
ارْتِفَاق - شُفْعَة) وَفِي مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الْبَحْرُ، وَيُنْظَرُ فِي (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ) . (١) وَفِي الْتِصَاقِ عُضْوَيْنِ فِي الْجِسْمِ وَيُنْظَرُ فِي (طَهَارَة) . (٢) .
الْتِفَاتٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِلْتِفَاتُ: هُوَ لُغَةً: الاِنْصِرَافُ إِلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَوِ الشِّمَال. (٣)
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَخْتَلِفُ اسْتِعْمَال اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - انْحِرَافٌ:
الاِنْحِرَافُ هُوَ: الْمَيْل عَنِ الشَّيْءِ، وَهُوَ غَيْرُ الاِلْتِفَاتِ، فَقَدْ يَمِيل الإِْنْسَانُ وَهُوَ فِي نَفْسِ الاِتِّجَاهِ (٥) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
الاِلْتِفَاتُ تَارَةً يُطْلَبُ شَرْعًا، وَأَحْيَانًا يُنْهَى عَنْهُ.
٣ - وَمِمَّا يُطْلَبُ فِيهِ الاِلْتِفَاتُ: الأَْذَانُ، فَعِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ يُسْتَحَبُّ الاِلْتِفَاتُ عِنْدَ أَغْلِبِ الْفُقَهَاءِ، стр. 3621
لِفِعْل بِلاَلٍ ﵁، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوْ لِمَوْلُودٍ. وَلِلاِلْتِفَاتِ كَيْفِيَّاتٌ ثَلاَثٌ يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي (الأَْذَانِ) . (١)
وَيُسَنُّ الاِلْتِفَاتُ كَذَلِكَ عِنْدَ تَسْلِيمِ الْمُصَلِّي، يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالاً، (٢) رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَْيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَْيْسَرِ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي (التَّسْلِيمِ) .
٤ - أَمَّا الاِلْتِفَاتُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، فَمِنْهُ: الاِلْتِفَاتُ فِي الصَّلاَةِ، وَهُوَ إِمَّا بِالْوَجْهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَعِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ يُكْرَهُ الاِلْتِفَاتُ بِالْوَجْهِ فِي الصَّلاَةِ (٤) ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ : يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ الاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلاَةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لاَ فِي الْفَرِيضَةِ (٥) . стр. 3622
أَمَّا الاِلْتِفَاتُ بِالصَّدْرِ أَوْ بِالْبَدَنِ كُلِّهِ فَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: تَبْطُل بِهِ الصَّلاَةُ إِنْ حَوَّل قَدَمَيْهِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي (اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ) . (١)
وَفِي الْخُطْبَةِ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْتِفَاتِ الْخَطِيبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ كَرَاهِيَةَ الْتِفَاتِ الْمُسْتَمِعِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ بَيَّنَهُ الْفُقَهَاءُ فِي (خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ) . (٢)
الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ
انْظُرْ: وَطْء
الْتِقَاطٌ
انْظُرْ: لُقَطَة. стр. 3623
الْتِمَاسٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِلْتِمَاسُ لُغَةً: الطَّلَبُ، وَالتَّلَمُّسُ: التَّطَلُّبُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. (١)
وَاصْطِلاَحًا: هُوَ الطَّلَبُ مَعَ التَّسَاوِي بَيْنَ الأَْمْرِ وَالْمَأْمُورِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - قَدْ يَكُونُ الاِلْتِمَاسُ مَطْلُوبًا أَوْ مَمْنُوعًا.
٣ - فَالاِلْتِمَاسُ الْمَطْلُوبُ مِثْل: الْتِمَاسِ رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ، وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنْدُوبٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَالْتِمَاسِ الْمَاءِ قَبْل التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ - ر - (صِيَام وَتَيَمُّم) . (٣)
وَالْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي قِيَامِ اللَّيْل، فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. (٤) (ر - صِيَام - قِيَامُ اللَّيْل) .
٤ - أَمَّا الاِلْتِمَاسُ الْمَمْنُوعُ، فَهُوَ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُلْتَمَسُ قَدْ حَرَّمَهُ الشَّرْعُ، كَالْتِمَاسِ الْخَمْرِ وَبَقِيَّةِ الْمَحْظُورَاتِ الَّتِي حَرَّمَهَا الشَّارِعُ. (٥) (ر - أَشْرِبَة) . стр. 3624
أَلْثَغُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْلْثَغُ لُغَةً: مَنْ بِهِ لُثْغَةٌ، وَاللُّثْغَةُ: حَبْسَةٌ فِي اللِّسَانِ حَتَّى تَصِيرَ الرَّاءُ لاَمًا أَوْ غَيْنًا، أَوِ السِّينُ ثَاءً وَنَحْوُ ذَلِكَ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الأَْرَتُّ
، وَهُوَ مَنْ يُدْغِمُ الْحَرْفَ فِي الْحَرْفِ مِمَّا لاَ يُدْغَمُ فِي كَلاَمِ النَّاسِ.
وَالتَّأْتَاءُ
، وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ التَّاءَ.
وَالْفَأْفَاءُ
، وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ الْفَاءَ (٢) . .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - اللُّثْغَةُ صِفَةُ نَقْصٍ فِي إِمَامِ الصَّلاَةِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ سِوَى الْقَاضِي مِنْهُمْ، إِلَى إِلْحَاقِ الأَْلْثَغِ بِالأُْمِّيِّ فِي الإِْمَامَةِ، فَيُمْنَعُ اقْتِدَاءُ السَّالِمِ بِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ مِثْلَهُ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ، وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، فَيَأْثَمُ الْمُقْتَدِي بِهِ إِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ مِمَّنْ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، وَإِلاَّ فَلاَ. стр. 3625
غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ اشْتَرَطُوا لِصِحَّةِ إِمَامَةِ الأَْلْثَغِ بِمِثْلِهِ أَنْ تَكُونَ اللُّثْغَةُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَلْثَغُ فِي كَلِمَةٍ، وَالآْخَرُ يَلْثَغُ فِي غَيْرِهَا لَمْ تَصِحَّ إِمَامَةُ أَحَدِهِمَا لِلآْخَرِ. (١)
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَأَمَّا مَنْ لاَ يُقِيمُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، فَلاَ يُصَلِّي خَلْفَهُ إِلاَّ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، فَلاَ يُصَلِّي خَلْفَ الأَْلْثَغِ الَّذِي يُبَدِّل حَرْفًا بِحَرْفٍ، إِلاَّ حَرْفَ الضَّادِ إِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرَفِ الْفَمِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ:
مِنْهُمْ مَنْ قَال: لاَ يُصَلِّي خَلْفَهُ، وَلاَ تَصِحُّ صَلاَتُهُ فِي نَفْسِهِ، لأَِنَّهُ أَبْدَل حَرْفًا بِحَرْفٍ، لأَِنَّ مَخْرَجَ الضَّادِ الشَّدْقُ، وَمَخْرَجَ الظَّاءِ طَرَفُ الأَْسْنَانِ. فَإِذَا قَال: (وَلاَ الظَّالِّينَ) كَانَ مَعْنَاهُ ظَل يَفْعَل كَذَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَصِحُّ، وَهَذَا أَقْرَبُ، لأَِنَّ الْحَرْفَيْنِ فِي السَّمْعِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَحِسُّ أَحَدِهِمَا مِنْ جِنْسِ حِسِّ الآْخِرِ لِتَشَابُهِ الْمَخْرَجَيْنِ. وَالْقَارِئُ إِنَّمَا يَقْصِدُ الضَّلاَل الْمُخَالِفَ لِلْهُدَى، وَهُوَ الَّذِي يَفْهَمُهُ الْمُسْتَمِعُ، فَأَمَّا الْمَعْنَى الْمَأْخُوذُ مِنْ ظَل فَلاَ يَخْطِرُ بِبَال وَاحِدٍ، وَهَذَا بِخِلاَفِ الْحَرْفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ صَوْتًا وَمَخْرَجًا وَسَمْعًا، كَإِبْدَال الرَّاءِ بِالْغَيْنِ، فَإِنَّ هَذَا لاَ يَحْصُل بِهِ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ. (٢)
وَفِي الدِّمَاءِ، وَالدِّيَاتِ: لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْجِنَايَةِ عَلَى لِسَانِ السَّلِيمِ، وَلِسَانِ الأَْلْثَغِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ فُرُوعِ غَيْرِهِمْ. (٣) стр. 3626
أَمَّا فِي إِذْهَابِ الْكَلاَمِ، فَيُرَاعَى قِسْطُ اللُّثْغَةِ، فَلَوْ جَنَى عَلَى سَلِيمٍ فَأَصَابَتْهُ لُثْغَةٌ فَإِنَّ أَغْلَبَ الْفُقَهَاءِ يُوجِبُ دِيَةَ الْحَرْفِ الْمُبْدَل، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ بَيْنَهُمْ فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ الَّتِي تُقَسَّمُ عَلَيْهَا الدِّيَةُ، وَكَذَا مَخَارِجُ الْحُرُوفِ. (١)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُقَدَّرُ ذَلِكَ بِالاِجْتِهَادِ، وَلاَ يُحْسَبُ عَلَى عَدَدِ الْحُرُوفِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ. (٢)
فَإِنْ مَنَعَتِ الْجِنَايَةُ نُطْقَ الأَْلْثَغِ، فَإِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ أَوْجَبَ الدِّيَةَ كَامِلَةً فِيهِ، وَقَال الْبَعْضُ: لاَ يَجِبُ إِلاَّ قِسْطُ الْحُرُوفِ الذَّاهِبَةِ. (٣)
وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ اللُّثْغَةِ فِي الطَّلاَقِ، كَمَا إِذَا قَال لِزَوْجَتِهِ: أَنْتَ تَالِقٌ بَدَل طَالِقٌ (٤) .
إِلْجَاءٌ
انْظُرْ: إِكْرَاه. стр. 3627
إِلْحَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْلْحَادُ فِي اللُّغَةِ، وَاللَّحْدُ: الْمَيْل وَالْعُدُول عَنِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ: لَحْدُ الْقَبْرِ وَإِلْحَادُهُ أَيْ جَعْل الشَّقِّ فِي جَانِبِهِ لاَ فِي وَسَطِهِ. وَأَلْحَدْتُ الْمَيِّتَ، وَلَحَدْتُهُ: جَعَلْتُهُ فِي اللَّحْدِ، أَوْ عَمِلْتُ لَهُ لَحْدًا. (١)
وَيُسْتَعْمَل الإِْلْحَادُ فِي الاِصْطِلاَحِ بِمَعَانٍ مِنْهَا: الإِْلْحَادُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ: الطَّعْنُ فِيهِ أَوِ الْخُرُوجُ عَنْهُ.
وَمِنْهَا: الإِْخْلاَل بِمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ بِفِعْل الْمُحَرَّمَاتِ فِيهِ، أَوْ مَنْعِ عِمَارَتِهِ وَالصَّدِّ عَنْهُ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الإِْلْحَادُ فِي الدِّينِ: هُوَ الْمَيْل عَنِ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ إِلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْكُفْرِ كَالْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ لِلْقُرْآنِ ظَاهِرًا، وَأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الْبَاطِنَ، فَأَحَالُوا بِذَلِكَ الشَّرِيعَةَ، لأَِنَّهُمْ تَأَوَّلُوا بِمَا يُخَالِفُ الْعَرَبِيَّةَ الَّتِي نَزَل بِهَا الْقُرْآنُ.
وَمِنَ الإِْلْحَادِ: الطَّعْنُ فِي الدِّينِ مَعَ ادِّعَاءِ الإِْسْلاَمِ، أَوِ التَّأْوِيل فِي ضَرُورَاتِ الدِّينِ لإِِجْرَاءِ الأَْهْوَاءِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرِّدَّةُ:
٢ - الرِّدَّةُ لُغَةً: هِيَ الرَّجْعَةُ مُطْلَقًا. стр. 3628
وَشَرْعًا: هِيَ كُفْرُ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِل الْمُخْتَارِ الَّذِي ثَبَتَ إِسْلاَمُهُ وَلَوْ بِبُنُوَّتِهِ لِمُسْلِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ. أَوْ كُفْرُ مَنْ نَطَقَ بِهِمَا عَالِمًا بِأَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ مُلْتَزِمًا بِهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالإِْتْيَانِ بِصَرِيحِ الْكُفْرِ بِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (١) وَهَذَا التَّعْرِيفُ هُوَ أَجْمَعُ التَّعَارِيفِ فِي الرِّدَّةِ.
ب - النِّفَاقُ:
٣ - النِّفَاقُ: إِظْهَارُ الإِْيمَانِ بِاللِّسَانِ، وَكِتْمَانُ الْكُفْرِ بِالْقَلْبِ. وَلاَ يُطْلَقُ هَذَا الاِسْمُ عَلَى مَنْ يُظْهِرُ شَيْئًا وَيُخْفِي غَيْرَهُ مِمَّا لاَ يَخْتَصُّ بِالْعَقِيدَةِ (٢) .
ج - الزَّنْدَقَةُ:
٤ - الزَّنْدَقَةُ: إِبْطَانُ الْكُفْرِ وَالاِعْتِرَافُ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَال الزِّنْدِيقِ وَأَفْعَالِهِ.
وَقِيل: هُوَ مَنْ لاَ دِينَ لَهُ (٣) .
وَمِنَ الزَّنْدَقَةِ: الإِْبَاحِيَّةُ، وَهِيَ: الاِعْتِقَادُ بِإِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَنَّ الأَْمْوَال وَالْحُرَمَ مُشْتَرَكَةٌ.
د - الدَّهْرِيَّةُ:
٥ - الدَّهْرِيُّ: مَنْ يَقُول بِقِدَمِ الدَّهْرِ، وَلاَ يُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ، وَيُنْكِرُ حَشْرَ الأَْجْسَادِ وَيَقُول: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ стр. 3629
حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ (١) مَعَ إِنْكَارِ إِسْنَادِ الْحَوَادِثِ إِلَى الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ (٢) .
الْفَرْقُ بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ وَالدَّهْرِيَّةِ وَبَيْنَ الإِْلْحَادِ:
٦ - نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ ابْنِ كَمَالٍ بَاشَا قَوْلَهُ: الزِّنْدِيقُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى: مَنْ يَنْفِي الْبَارِيَ تَعَالَى، وَعَلَى مَنْ يُثْبِتُ الشَّرِيكَ، وَعَلَى مَنْ يُنْكِرُ حِكْمَتَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُرْتَدِّ الْعُمُومُ الْوَجْهِيُّ، لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يَكُونُ مُرْتَدًّا، كَمَا لَوْ كَانَ زِنْدِيقًا أَصْلِيًّا غَيْرَ مُنْتَقِلٍ عَنْ دَيْنِ الإِْسْلاَمِ. وَالْمُرْتَدُّ قَدْ لاَ يَكُونُ زِنْدِيقًا، كَمَا لَوْ تَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ. وَقَدْ يَكُونُ مُسْلِمًا فَيَتَزَنْدَقُ. وَأَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الشَّرْعِ فَالْفَرْقُ أَظْهَرُ، لاِعْتِبَارِهِمْ فِيهِ إِبْطَانَ الْكُفْرِ وَالاِعْتِرَافَ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وَالْمُنَافِقِ وَالدَّهْرِيِّ وَالْمُلْحِدِ - مَعَ الاِشْتِرَاكِ فِي إِبْطَانِ الْكُفْرِ - أَنَّ الْمُنَافِقَ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَالدَّهْرِيُّ كَذَلِكَ مَعَ إِنْكَارِ إِسْنَادِ الْحَوَادِثِ إِلَى الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ ، وَالْمُلْحِدُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الاِعْتِرَافُ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَلاَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى. وَبِهَذَا فَارَقَ الدَّهْرِيَّ أَيْضًا. وَلاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ إِضْمَارُ الْكُفْرِ، وَبِهِ فَارَقَ الْمُنَافِقَ. كَمَا لاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ سَبْقُ الإِْسْلاَمِ وَبِهِ فَارَقَ الْمُرْتَدَّ. فَالْمُلْحِدُ أَوْسَعُ فِرَقِ الْكُفْرِ حَدًّا، وَأَعَمُّ فِي الْجُمْلَةِ مِنَ الْكُل. (٣) أَيْ هُوَ مَعْنَى الْكَافِرِ مُطْلَقًا، تَقَدَّمَهُ إِسْلاَمُهُ أَمْ لاَ، أَظْهَرَ كُفْرَهُ أَمْ أَبْطَنَهُ. стр. 3630
الإِْلْحَادُ فِي الْحَرَمِ:
٧ - الإِْلْحَادُ فِي الْحَرَمِ هُوَ الْمَيْل بِالظُّلْمِ فِيهِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١)
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الإِْلْحَادِ فِي الْحَرَمِ عَلَى أَقْوَالٍ مِنْهَا:
أ - قَال ابْنُ مَسْعُودٍ: الإِْلْحَادُ هُوَ الشِّرْكُ، وَقَال أَيْضًا هُوَ اسْتِحْلاَل الْحَرَامِ.
ب - قَال الْجَصَّاصُ: الْمُرَادُ بِهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الْحَرَمِ بِالظُّلْمِ فِيهِ.
ج - قَال مُجَاهِدٌ: هُوَ الْعَمَل السَّيِّئُ.
د - الإِْلْحَادُ فِي الْحَرَمِ هُوَ مَنْعُ النَّاسِ عَنْ عِمَارَتِهِ.
هـ - قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هُوَ الاِحْتِكَارُ.
قَال أبو حَيَّانَ: الأَْوْلَى حَمْل هَذِهِ الأَْقْوَال فِي الآْيَةِ عَلَى التَّمْثِيل لاَ عَلَى الْحَصْرِ، إِذِ الْكَلاَمُ يَدُل عَلَى الْعُمُومِ.
وَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ الذَّنْبَ فِي الْحَرَمِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَاتِ تَعْظُمُ عَلَى قَدْرِ عِظَمِ الزَّمَانِ كَالأَْشْهُرِ الْحُرُمِ، وَعَلَى قَدْرِ الْمَكَانِ كَالْبَلَدِ الْحَرَامِ، فَتَكُونُ الْمَعْصِيَةُ مَعْصِيَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا الْمُخَالَفَةُ، وَالثَّانِيَةُ إِسْقَاطُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَوِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ. (٢)
إِلْحَادُ الْمَيِّتِ:
٨ - إِلْحَادُ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، стр. 3631
لِقَوْلِهِ ﵊: اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا (١) وَلِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ قَال فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: " الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ، كَمَا صُنِعَ بِرَسُول اللَّهِ " ﷺ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِلْحَافِرِ: أَوْسِعْ مِنْ قِبَل رَأْسِهِ، وَأَوْسِعْ مِنْ قِبَل رِجْلِهِ. (٣) وَلِقَوْل الرَّسُول ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: احْفِرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَعَمِّقُوا (٤) وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يُلْحِدُ وَآخَرُ يُضْرِحُ، فَقَالُوا: نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ تَرَكْنَاهُ، فَأَرْسَل إِلَيْهِمَا، فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ، فَلَحَدُوا النَّبِيَّ ﷺ (٥) وَهَذَا عِنْدَ الْجَمِيعِ إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ صُلْبَةً، أَمَّا إِذَا كَانَتْ رَخْوَةً فَإِنَّهُ يُصَارُ إِلَى الشِّقِّ بِدُونِ стр. 3632
خِلاَفٍ وَيَكُونُ أَفْضَل، وَيَكُونُ اللَّحْدُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ بِقَدْرِ الْمَيِّتِ. (١) .
الإِْلْحَادُ فِي الدِّينِ:
٩ - الْمُلْحِدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الأَْصْل عَلَى الشِّرْكِ، فَحُكْمُهُ يُنْظَرُ تَحْتَ عِنْوَانِ (إِشْرَاك) ، أَوْ يَكُونَ ذِمِّيًّا فَيُلْحِدُ أَيْ يَطْعَنُ فِي الدِّينِ جِهَارًا، فَيَنْتَقِضُ بِذَلِكَ عَهْدُهُ، وَيُنْظَرُ حُكْمُهُ تَحْتَ عِنْوَانِ (أَهْل الذِّمَّةِ) أَوْ يَكُونُ مُسْلِمًا فَيُلْحِدُ، فَيُنْظَرُ حُكْمُهُ تَحْتَ عِنْوَانِ (ارْتِدَاد - زَنْدَقَة (٢)) .
الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الإِْلْحَادِ:
١٠ - مَنْ أَلْحَدَ بَعْدَ إِسْلاَمٍ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، إِمَّا أَنْ يُسْتَتَابَ عَلَى رَأْيِ مَنْ قَال بِذَلِكَ، فَيَأْخُذَ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ فِي الْعِبَادَاتِ فِي الْجُمْلَةِ فِي حَالَةِ رُجُوعِهِ عَنْ إِلْحَادِهِ، مِنْ نَقْضِ وُضُوئِهِ بِالإِْلْحَادِ وَعَدَمِهِ، وَمِنْ قَضَائِهِ لِلْعِبَادَاتِ، وَأَدَائِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ زَكَاةٍ، وَقَضَائِهِ لِلْحَجِّ قَبْل الإِْلْحَادِ وَبَعْدَهُ. كَمَا يَأْخُذُ حُكْمَهُ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ، مِنْ سُقُوطِ شُفْعَتِهِ بِالرِّدَّةِ وَنَفَاذِ عُقُودِهِ وَعَدَمِهَا، وَبَيْنُونَةِ امْرَأَتِهِ، وَلُزُومِ الْمَهْرِ، وَالنَّفَقَةِ، وَانْفِسَاخِ النِّكَاحِ. كَمَا يَأْخُذُ حُكْمَهُ فِي الْجِنَايَاتِ وَالدُّيُونِ عَلَى الْخِلاَفِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَاَلَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّة) .
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُسْتَتَبْ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ الْمَقْتُول стр. 3633
فِي الرِّدَّةِ، مِنْ حَيْثُ زَوَال مِلْكِهِ عَنْ أَمْوَالِهِ، وَحُكْمُ تِلْكَ الأَْمْوَال بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْمِيرَاثِ، وَمِنْ حَيْثُ سُقُوطُ وَصِيَّتِهِ أَوْ عَدَمُهُ، وَقَضَاءُ دُيُونِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُرَاجَعُ فِي ذَلِكَ مُصْطَلَحُ (رِدَّة (١)) .
إِلْحَاقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - (الإِْلْحَاقُ) فِي اللُّغَةِ: الاِتِّبَاعُ. يُقَال: أَلْحَقْتُهُ بِهِ: إِذَا أَتْبَعْتُهُ إِيَّاهُ حَتَّى لَحِقَهُ. (٢) وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ إِلْحَاقَ الْفُرُوعِ بِالأُْصُول فِي الْقِيَاسِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل ابْنِ قُدَامَةَ فِي رَوْضَةِ النَّاظِرِ: إِنَّ الإِْلْحَاقَ يُسَمَّى قِيَاسًا، إِذَا بُيِّنَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ وَأُثْبِتَ وُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ.
وَجَرَى عَلَى لِسَانُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ بِأَنَّهُ: إِلْحَاقُ الْمَسْكُوتِ بِالْمَنْطُوقِ. وَجَرَى أَيْضًا عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ: إِلْحَاقُ الْوَلَدِ بِمَنِ ادَّعَاهُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ اللَّقِيطِ، حَتَّى إِنَّ إِطْلاَقَ لَفْظِ (الإِْلْحَاقِ) يَنْصَرِفُ إِلَى الإِْلْحَاقِ فِي النَّسَبِ (٣) . стр. 3634
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقِيَاسُ:
٢ - يَظْهَرُ مِنْ تَتَبُّعِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْلْحَاقَ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّل: الْقِيَاسُ، بِإِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِالأَْصْل لِوُجُودِ عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَتَعَدَّى بِهَا الْحُكْمُ مِنَ الأَْصْل إِلَى الْفَرْعِ بِشُرُوطِهِ، فَهُوَ حَمْل الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ لِعِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ. (١)
وَالثَّانِي: إِلْحَاقُ الإِْنْسَانِ الْمَجْهُول النَّسَبِ بِمَنِ ادَّعَاهُ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِشُرُوطِهِ، كَمَا يُعْرَفُ فِي بَابِ النَّسَبِ. ٣ - وَالإِْلْحَاقُ لَهُ طَرِيقَانِ:
الطَّرِيقُ الأَْوَّل: إِلْغَاءُ الْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْحُكْمِ لِكَيْ يَشْمَل الْمَسْكُوتَ عَنْهُ فَلاَ يَحْتَاجَ إِلَى التَّعَرُّضِ لِلْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الاِجْتِمَاعِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا قِيَاسًا. (٢)
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْجَامِعِ وَيُبَيِّنَ وُجُودَهُ فِي الْفَرْعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - نَظَرًا لأَِنَّ الإِْلْحَاقَ إِتْبَاعُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْمُلْحَقِ نَفْسَ الْحُكْمِ الَّذِي فِي الْمُلْحَقِ بِهِ. وَلِتَطْبِيقِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:
أَوَّلاً: إِلْحَاقُ جَنِينِ الْمُذَكَّاةِ بِأُمِّهِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى إِلْحَاقِ جَنِينِ стр. 3635
الْمُذَكَّاةِ بِهَا، إِذَا كَانَ كَامِل الْخِلْقَةِ، وَمَاتَ بِذَبْحِ أُمِّهِ، فَهَذَا إِلْحَاقٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ. وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ. (١) وَلأَِنَّ جَنِينَ الدَّابَّةِ تَبَعٌ فَيُبَاعُ بِبَيْعِ الأُْمِّ، وَلِذَا يَأْخُذُ جَنِينُ الْمُذَكَّاةِ حُكْمَ الْمُذَكَّاةِ بِالتَّبَعِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ قَدْ أَشْعَرَ عَلَى رَأْيٍ، وَقِيل: لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ فَذَهَبَا إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل الْجَنِينُ إِلاَّ إِذَا أُدْرِكَ حَيًّا وَذُبِحَ. كَذَلِكَ لاَ يُمْكِنُ إِلْحَاقُ الْجَنِينِ الَّذِي ظَهَرَ مِنَ الأُْمِّ حَيًّا فَمَاتَ بَعْدَهَا بِدُونِ الذَّبْحِ. (٢) وَيُرْجَعُ لِتَفْصِيلِهِ إِلَى مُصْطَلَحَيْ (ذَبِيحَة) (وَذَكَاة) .
ثَانِيًا: إِلْحَاقُ صِغَارِ السَّوَائِمِ بِالْكِبَارِ فِي الذَّكَاةِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي إِلْحَاقِ صِغَارِ السَّوَائِمِ بِالْكِبَارِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا، إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الْكِبَارِ وَتَمَّ الْحَوْل عَلَيْهَا. أَمَّا إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا صِغَارًا فُصْلاَنًا أَوْ حُمْلاَنًا أَوْ عَجَاجِيل، فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجِبُ فِي الصِّغَارِ مَا يَجِبُ فِي الْكِبَارِ إِلْحَاقًا.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: يَجِبُ فِيهَا وَاحِدَةٌ مِنْهَا، وَصُورَتُهُ إِذَا كَانَ لَهُ نِصَابٌ مِنَ стр. 3636
الْكِبَارِ ثُمَّ مَاتَتِ الأُْمَّهَاتُ، وَتَمَّ الْحَوْل عَلَى الأَْوْلاَدِ وَهِيَ صِغَارٌ. (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (ذَكَاة) .
ثَالِثًا: إِلْحَاقُ تَوَابِعِ الْمَبِيعِ بِهِ فِي الْبَيْعِ:
٧ - يَدْخُل الْجَنِينُ فِي بَيْعِ الأُْمِّ تَبَعًا، وَلاَ يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ، لأَِنَّ التَّابِعَ تَابِعٌ. وَكَذَلِكَ حَقُّ الْمُرُورِ وَالشُّرْبِ يَدْخُلاَنِ فِي بَيْعِ الأَْرْضِ تَبَعًا. وَوَلَدُ الْبَقَرَةِ الْمُشْتَرَاةِ لِلَّبَنِ دَاخِلٌ فِي بَيْعِ الأُْمِّ. وَيَدْخُل الْغِرَاسُ فِي بَيْعِ الأَْرْضِ، وَتَدْخُل الأَْرْضُ وَمَا يَتَّصِل بِهَا فِي بَيْعِ الدَّارِ. وَكَذَلِكَ كُل مَا يُعْتَبَرُ مِنْ تَوَابِعِ الْمَبِيعِ يَدْخُل فِي الْبَيْعِ إِلْحَاقًا، وَيَأْخُذُ حُكْمَ الْمَبِيعِ عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهِ. (٢)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٨ - تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنْ إِلْحَاقِ الْفُرُوعِ بِالأُْصُول فِي بَحْثِ (الْقِيَاسِ) ، وَفِي (الْبَيْعِ) فِي إِلْحَاقِ الثَّمَرِ بِالشَّجَرِ، وَإِلْحَاقِ الثِّمَارِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا بِمَا بَدَا صَلاَحُهُ مِنْهَا، وَإِلْحَاقِ تَوَابِعِ الْمَبِيعِ بِالْمَبِيعِ، وَإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِخَيْرِ الأَْبَوَيْنِ فِي (الدِّيَانَةِ) إِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ دِينًا، وَمَسَائِل أُخْرَى.
لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَعَرَّضُونَ فِيهِ لِلإِْلْحَاقِ هُوَ فِي بَحْثِ (النَّسَبِ) فِي إِلْحَاقِ مَجْهُول النَّسَبِ بِمَنِ ادَّعَاهُ بِشُرُوطِهِ، فَلْيُرْجَعْ لِتَفْصِيلِهِ إِلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ. стр. 3637
إِلْزَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْلْزَامُ مَصْدَرُ أَلْزَمَ الْمُتَعَدِّي بِالْهَمْزَةِ، وَهُوَ مِنْ لَزِمَ، يُقَال: لَزِمَ يَلْزَمُ لُزُومًا: ثَبَتَ وَدَامَ، وَأَلْزَمْتُهُ: أَثْبَتُّهُ وَأَدَمْتُهُ، وَأَلْزَمْتُهُ الْمَال وَالْعَمَل وَغَيْرَهُ فَالْتَزَمَهُ، وَلَزِمَهُ الْمَال: وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَلْزَمَهُ إِيَّاهُ فَالْتَزَمَهُ. (١)
وَيَقُول الرَّاغِبُ: الإِْلْزَامُ ضَرْبَانِ: إِلْزَامٌ بِالتَّسْخِيرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنَ الإِْنْسَانِ، وَإِلْزَامٌ بِالْحُكْمِ وَالأَْمْرِ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (٢) وَقَوْلِهِ ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ . (٣)
فَيَكُونُ مَعْنَى الإِْلْزَامِ: الإِْيجَابَ عَلَى الْغَيْرِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْيجَابُ:
٢ - وَجَبَ الشَّيْءُ يَجِبُ وُجُوبًا أَيْ: لَزِمَ، وَأَوْجَبَهُ هُوَ وَأَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ стр. 3638
أَنَّهُ أَوْجَبَ نَجِيبًا، أَيْ أَهْدَاهُ فِي حَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ كَأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِهِ، وَأَوْجَبَهُ إِيجَابًا أَيْ أَلْزَمَهُ.
وَقَدْ فَرَّقَ أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالإِْلْزَامِ، فَقَال: الإِْلْزَامُ يَكُونُ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِل، يُقَال: أَلْزَمْتُهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِل. وَالإِْيجَابُ لاَ يَسْتَعْمِل إِلاَّ فِيمَا هُوَ حَقٌّ، فَإِنِ اسْتُعْمِل فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مَجَازٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ الإِْلْزَامُ (١) .
الإِْجْبَارُ وَالإِْكْرَاهُ:
٣ - الإِْجْبَارُ وَالإِْكْرَاهُ هُمَا الْحَمْل عَلَى الشَّيْءِ قَهْرًا، وَالإِْلْزَامُ قَدْ يَكُونُ بِالْقَهْرِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالإِْلْزَامِ الْحِسِّيِّ، وَقَدْ يَكُونُ بِدُونِهِ (٢) .
الاِلْتِزَامُ:
٤ - الاِلْتِزَامُ هُوَ: إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ.
فَالاِلْتِزَامُ يَكُونُ مِنَ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ كَالنَّذْرِ وَالْوَعْدِ، وَالإِْلْزَامُ يَكُونُ مِنْهُ عَلَى الْغَيْرِ كَإِنْشَاءِ الإِْلْزَامِ مِنَ الْقَاضِي.
وَالاِلْتِزَامُ يَكُونُ وَاقِعًا عَلَى الشَّيْءِ، يُقَال: الْتَزَمْتُ الْعَمَل، وَالإِْلْزَامُ يَقَعُ عَلَى الشَّخْصِ، يُقَال: أَلْزَمْتُ فُلاَنًا الْمَال (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - الأَْصْل امْتِنَاعُ الإِْلْزَامِ مِنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ стр. 3639
لِبَعْضٍ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسَلُّطِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الإِْلْزَامُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، إِمَّا بِطَرِيقِ التَّسْخِيرِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ الْحُكْمِ وَالأَْمْرِ (١) .
وَقَدْ يَقَعُ الإِْلْزَامُ مِنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِتَسْلِيطِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْوِلاَيَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ خَاصَّةً أَمْ عَامَّةً، وَحِينَئِذٍ قَدْ يَكُونُ الإِْلْزَامُ وَاجِبًا، فَإِنَّ الإِْمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِلْزَامُ النَّاسِ بِالأَْخْذِ بِشَرِيعَةِ الإِْسْلاَمِ، وَلَهُ سُلْطَةُ إِلْزَامِهِمْ بِالْقُوَّةِ وَحَمْلِهِمْ عَلَى فِعْل الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ (٢) . وَلَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ. (٣) وَقَدْ قَاتَل أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَانِعِي الزَّكَاةِ (٤) . وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ مِنْ دُيُونِ وَغَيْرِهَا أُخِذَتْ مِنْهُ جَبْرًا إِذَا أَمْكَنَ، وَيُحْبَسُ بِهَا إِذَا تَعَذَّرَتْ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا فَيُنْظَرَ إِلَى مَيْسَرَتِهِ (٥) .
بَل إِنَّ الشَّعَائِرَ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، فَإِنَّ لِلإِْمَامِ إِلْزَامَ النَّاسِ بِهَا كَمَا إِذَا اجْتَمَعَ أَهْل بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ стр. 3640
الأَْذَانِ، فَإِنَّ الإِْمَامَ أَوْ نَائِبَهُ يُقَاتِلُهُمْ، لأَِنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ الظَّاهِرَةِ (١) . وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَالْمُحْتَسِبُ لَهُمْ هَذَا الْحَقُّ فِيمَا وُكِّل إِلَيْهِمْ (٢) .
وَقَدْ يَكُونُ الإِْلْزَامُ حَرَامًا، وَذَلِكَ فِي الأَْمْرِ بِالظُّلْمِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (٣) ، وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ أَمَرَهُ الْوَالِي بِقَتْل رَجُلٍ ظُلْمًا أَوْ قَطْعِهِ أَوْ جَلْدِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ بَيْعِ مَتَاعِهِ فَلاَ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (٤) .
وَقَدْ يَكُونُ الإِْلْزَامُ جَائِزًا كَإِلْزَامِ الْوَالِي بَعْضَ النَّاسِ بِالْمُبَاحَاتِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا (٥) ، وَإِلْزَامِ الرَّجُل زَوْجَتَهُ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْ مُبَاحٍ (٦) .
وَقَدْ يَكُونُ الإِْلْزَامُ مُسْتَحَبًّا، وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَكُونُ مَوْضُوعُهُ مُسْتَحَبًّا، كَإِلْزَامِ الإِْمَامِ رَعِيَّتَهُ بِالاِجْتِمَاعِ عَلَى صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ فِي الْمَسَاجِدِ (٧) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ .
٦ - تَتَعَدَّدُ مَوَاطِنُ الإِْلْزَامِ بِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهِ، فَقَدْ يَكُونُ стр. 3641
بِسَبَبِ الإِْكْرَاهِ الْمُلْجِئِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ. (ر: إِكْرَاه) .
وَمِنْ ذَلِكَ الْعُقُودُ الَّتِي يَكُونُ مِنْ آثَارِهَا الإِْلْزَامُ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ كَالْبَيْعِ إِذَا تَمَّ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِلْزَامُ الْبَائِعِ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَإِلْزَامُ الْمُشْتَرِي بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ.
وَكَالإِْجَارَةِ إِذَا تَمَّتْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا إِلْزَامُ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْقِيَامِ بِالْعَمَل (ر: عَقْد - بَيْع - إِجَارَة) .
إِلْغَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْلْغَاءُ مَصْدَرُ أَلْغَيْتُ الشَّيْءَ، أَيْ: أَبْطَلْتُهُ، وَمِنْهُ الأَْثَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُلْغِي طَلاَقَ الْمُكْرَهِ، أَيْ يُبْطِلُهُ (١) .
وَيُعَرِّفُهُ الأُْصُولِيُّونَ بِقَوْلِهِمْ: وُجُودُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ صُورَةً، وَحَاصِلُهُ عَدَمُ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ أَيِ الْعِلَّةِ (٢) .
وَيَأْتِي الإِْلْغَاءُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الإِْبْطَال وَالإِْسْقَاطِ وَالْفَسَادِ وَالْفَسْخِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي تَحَقُّقِ الإِْلْغَاءِ مِنْ قِيَامِ الْحَقِّ أَوِ الْمِلْكِ الَّذِي يُرَادُ إِلْغَاؤُهُ، إِذْ لاَ يَصِحُّ إِلْغَاءُ فِعْلٍ أَوْ شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ (٣) .
وَيُطْلِقُهُ الأُْصُولِيُّونَ فِي تَقْسِيمِ الْمَصَالِحِ إِلَى مُعْتَبَرَةٍ، وَمُرْسَلَةٍ، وَمُلْغَاةٍ، وَيَقْصِدُونَ بِهَذِهِ الأَْخِيرَةِ مَا أَبْطَلَهُ الشَّرْعُ، كَإِلْغَاءِ مَا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالرِّبَا مِنْ مَصَالِحَ стр. 3642
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْبْطَال:
٢ - الإِْبْطَال فِي اللُّغَةِ: إِفْسَادُ الشَّيْءِ وَإِزَالَتُهُ حَقًّا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أَوْ بَاطِلاً (١) ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِل الْبَاطِل﴾ . (٢)
وَشَرْعًا: الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ بِالْبُطْلاَنِ (٣) ، وَيَأْتِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الْفَسْخِ وَالإِْسْقَاطِ وَالنَّقْصِ وَالإِْلْغَاءِ.
وَهُوَ بِهَذَا يَكُونُ بِمَعْنَى الإِْلْغَاءِ، إِلاَّ أَنَّ الإِْبْطَال قَدْ يَقَعُ قَبْل وُجُودِ الشَّيْءِ، وَلاَ يَكُونُ الإِْلْغَاءُ إِلاَّ بَعْدَ وُجُودِ الشَّيْءِ أَوْ فِعْلِهِ.
ب - الإِْسْقَاطُ:
٣ - مِنْ مَعَانِي الإِْسْقَاطِ لُغَةً: الإِْزَالَةُ (٤) ، وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِزَالَةُ الْمِلْكِ أَوِ الْحَقِّ لاَ إِلَى مَالِكٍ أَوْ مُسْتَحِقٍّ، كَالطَّلاَقِ فَإِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَكَالْعِتْقِ فَإِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ (٥) .
وَعَلَى هَذَا يُوَافِقُ الإِْلْغَاءَ فِي كَوْنِهِ لاَ بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْمِلْكِ وَالْحَقِّ الَّذِي يُرَادُ إِسْقَاطُهُ أَوْ إِلْغَاؤُهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الإِْسْقَاطُ وَالإِْلْغَاءُ، فَيُقَال أَسْقَطَ عَنْهُ الرِّقَّ: أَلْغَاهُ، كَمَا أَنَّهُمَا يَكُونَانِ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ. стр. 3643
ج - الْفَسْخُ:
٤ - الْفَسْخُ لُغَةً: النَّقْضُ، يُقَال فَسَخَ الشَّيْءَ يَفْسَخُهُ فَسْخًا فَانْفَسَخَ أَيْ: نَقَضَهُ فَانْتَقَضَ، وَتَفَاسَخَتِ الأَْقَاوِيل: تَنَاقَضَتْ، وَيُطْلَقُ اصْطِلاَحًا عَلَى حَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ وَالتَّصَرُّفِ وَقَلْبِ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ بِهَذَا يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الإِْلْغَاءِ وَالإِْبْطَال (١) . وَقَدْ يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ تَارَةً بِالإِْلْغَاءِ وَالإِْبْطَال، وَتَارَةً بِالْفَسْخِ. غَيْرَ أَنَّ الْفَسْخَ غَالِبًا مَا يَكُونُ فِي الْعُقُودِ، وَيَقِل فِي الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهُ: فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَفَسْخُ نِيَّةِ الْفَرْضِ إِلَى النَّفْل، غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْعُقُودِ قَبْل تَمَامِهَا، وَعِنْدَ تَمَامِهَا بِشُرُوطٍ مِثْل خِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارِ الْعَيْبِ وَالإِْقَالَةِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - أَجَازَ الْعُلَمَاءُ إِلْغَاءَ التَّصَرُّفَاتِ وَالْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ مِنْ جَانِبِ الْعَاقِدَيْنِ، أَمَّا فِي الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الإِْلْغَاءُ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ غَيْرِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ كَالْوَصِيَّةِ.
وَأَمَّا فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُلْزَمَةِ فَلاَ يَرِدُ عَلَيْهَا الإِْلْغَاءُ بَعْدَ نَفَاذِهَا إِلاَّ بِرَضِا الْعَاقِدَيْنِ، كَمَا فِي الإِْقَالَةِ، أَوْ بِوُجُودِ سَبَبٍ مَانِعٍ مِنِ اسْتِمْرَارِ الْعَقْدِ كَظُهُورِ الرَّضَاعِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَقَدْ يَكُونُ هُنَا الإِْلْغَاءُ بِمَعْنَى الْفَسْخِ.
الإِْلْغَاءُ فِي الشُّرُوطِ:
٦ - تَنْقَسِمُ الشُّرُوطُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِْلْغَاءِ إِلَى стр. 3644
أَقْسَامٍ:
مِنْهَا شُرُوطٌ يُلْغَى بِهَا الْعَقْدُ مُطْلَقًا، لِمُخَالَفَتِهَا نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، كَمَا لَوْ أَقْرَضَ وَاشْتَرَطَ رِبًا عَلَى الْقَرْضِ. وَمِنْهَا شُرُوطٌ لاَغِيَةٌ وَلاَ تُبْطِل الْعَقْدَ، كَمَا إِذَا بَاعَ ثَوْبًا عَلَى أَلاَّ يَبِيعَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لاَ يَهَبَهُ، جَازَ الْبَيْعُ وَيُلْغَى الشَّرْطُ كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
وَشُرُوطٌ غَيْرُ لاَغِيَةٍ تَصِحُّ وَيَصِحُّ بِهَا الْعَقْدُ، لأَِنَّهَا تَوْثِيقٌ لِلْعَقْدِ، كَمَا إِذَا اشْتَرَطَ رَهْنًا أَوْ كَفِيلاً بِالْبَيْعِ (٢) .
إِلْغَاءُ التَّصَرُّفَاتِ:
٧ - تُلْغَى التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ يُقِرُّهَا الشَّارِعُ، مِثْل رَهْنِ الْخَمْرِ وَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، كَمَا تُلْغَى تَصَرُّفَاتُ عَدِيمِ الأَْهْلِيَّةِ كَالْمَجْنُونِ (٣) وَالسَّفِيهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ (ر: حَجْر) .
الإِْلْغَاءُ فِي الإِْقْرَارِ:
٨ - وَذَلِكَ إِذَا كَذَّبَهُ الظَّاهِرُ، أَوْ كَذَّبَ الْمُقِرُّ نَفْسَهُ، أَوْ رَجَعَ فِيمَا يَحِقُّ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَهُوَ حُقُوقُ اللَّهِ. وَمِنْهَا الْحُدُودُ (٤) ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (الإِْقْرَار) .
إِلْغَاءُ الْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ:
٩ - وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ اتِّحَادَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا (ر: إِلْغَاءُ الْفَارِقِ) . (٥) стр. 3645
إِلْغَاءُ الْفَارِقِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْلْغَاءُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الإِْبْطَال. وَالْفَارِقُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: إِذَا فَصَل بَيْنَهُمَا. (١)
وَإِلْغَاءُ الْفَارِقِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: بَيَانُ عَدَمِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ فِي الْقِيَاسِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ لِمَا اشْتَرَكَا فِيهِ، وَذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الأَْمَةِ بِالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ مِنْ بَعْضِهِ إِلَى سَائِرِهِ. وَهَذِهِ السِّرَايَةُ فِي الْعَبْدِ ثَابِتَةٌ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ (٢) فَالْفَارِقُ بَيْنَ الأَْمَةِ وَالْعَبْدِ هُوَ الأُْنُوثَةُ، وَلاَ تَأْثِيرَ لَهَا فِي السِّرَايَةِ وَمِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الآْيَة: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣) تَقْتَضِي حَدَّ قَاذِفِ الْمَرْأَةِ الْمُحْصَنَةِ، وَسَكَتَتْ عَنْ قَذْفِ الرِّجَال الْمُحْصَنِينَ، فَيَلْحَقُونَ بِهِنَّ، لأَِنَّ الْفَارِقَ الأُْنُوثَةُ وَهِيَ مُلْغَاةٌ، أَيْ لاَ أَثَرَ لَهَا فِي الْحُكْمِ. (٤) وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ عَنْهُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ. وَشَبِيهٌ بِهِ: " إِلْغَاءُ التَّفَاوُتِ " (٥) وَمُقَابِلُهُ: إِبْدَاءُ الْفَارِقِ، أَوْ следующие страницы →