Полный текст (31 949 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
بِسَبَبِ الإِْكْرَاهِ الْمُلْجِئِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ. (ر: إِكْرَاه) .
وَمِنْ ذَلِكَ الْعُقُودُ الَّتِي يَكُونُ مِنْ آثَارِهَا الإِْلْزَامُ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ كَالْبَيْعِ إِذَا تَمَّ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِلْزَامُ الْبَائِعِ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَإِلْزَامُ الْمُشْتَرِي بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ.
وَكَالإِْجَارَةِ إِذَا تَمَّتْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا إِلْزَامُ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْقِيَامِ بِالْعَمَل (ر: عَقْد - بَيْع - إِجَارَة) .
إِلْغَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْلْغَاءُ مَصْدَرُ أَلْغَيْتُ الشَّيْءَ، أَيْ: أَبْطَلْتُهُ، وَمِنْهُ الأَْثَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُلْغِي طَلاَقَ الْمُكْرَهِ، أَيْ يُبْطِلُهُ (١) .
وَيُعَرِّفُهُ الأُْصُولِيُّونَ بِقَوْلِهِمْ: وُجُودُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ صُورَةً، وَحَاصِلُهُ عَدَمُ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ أَيِ الْعِلَّةِ (٢) .
وَيَأْتِي الإِْلْغَاءُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الإِْبْطَال وَالإِْسْقَاطِ وَالْفَسَادِ وَالْفَسْخِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي تَحَقُّقِ الإِْلْغَاءِ مِنْ قِيَامِ الْحَقِّ أَوِ الْمِلْكِ الَّذِي يُرَادُ إِلْغَاؤُهُ، إِذْ لاَ يَصِحُّ إِلْغَاءُ فِعْلٍ أَوْ شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ (٣) .
وَيُطْلِقُهُ الأُْصُولِيُّونَ فِي تَقْسِيمِ الْمَصَالِحِ إِلَى مُعْتَبَرَةٍ، وَمُرْسَلَةٍ، وَمُلْغَاةٍ، وَيَقْصِدُونَ بِهَذِهِ الأَْخِيرَةِ مَا أَبْطَلَهُ الشَّرْعُ، كَإِلْغَاءِ مَا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالرِّبَا مِنْ مَصَالِحَ стр. 3642
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْبْطَال:
٢ - الإِْبْطَال فِي اللُّغَةِ: إِفْسَادُ الشَّيْءِ وَإِزَالَتُهُ حَقًّا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أَوْ بَاطِلاً (١) ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِل الْبَاطِل﴾ . (٢)
وَشَرْعًا: الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ بِالْبُطْلاَنِ (٣) ، وَيَأْتِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الْفَسْخِ وَالإِْسْقَاطِ وَالنَّقْصِ وَالإِْلْغَاءِ.
وَهُوَ بِهَذَا يَكُونُ بِمَعْنَى الإِْلْغَاءِ، إِلاَّ أَنَّ الإِْبْطَال قَدْ يَقَعُ قَبْل وُجُودِ الشَّيْءِ، وَلاَ يَكُونُ الإِْلْغَاءُ إِلاَّ بَعْدَ وُجُودِ الشَّيْءِ أَوْ فِعْلِهِ.
ب - الإِْسْقَاطُ:
٣ - مِنْ مَعَانِي الإِْسْقَاطِ لُغَةً: الإِْزَالَةُ (٤) ، وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِزَالَةُ الْمِلْكِ أَوِ الْحَقِّ لاَ إِلَى مَالِكٍ أَوْ مُسْتَحِقٍّ، كَالطَّلاَقِ فَإِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَكَالْعِتْقِ فَإِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ (٥) .
وَعَلَى هَذَا يُوَافِقُ الإِْلْغَاءَ فِي كَوْنِهِ لاَ بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْمِلْكِ وَالْحَقِّ الَّذِي يُرَادُ إِسْقَاطُهُ أَوْ إِلْغَاؤُهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الإِْسْقَاطُ وَالإِْلْغَاءُ، فَيُقَال أَسْقَطَ عَنْهُ الرِّقَّ: أَلْغَاهُ، كَمَا أَنَّهُمَا يَكُونَانِ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ. стр. 3643
ج - الْفَسْخُ:
٤ - الْفَسْخُ لُغَةً: النَّقْضُ، يُقَال فَسَخَ الشَّيْءَ يَفْسَخُهُ فَسْخًا فَانْفَسَخَ أَيْ: نَقَضَهُ فَانْتَقَضَ، وَتَفَاسَخَتِ الأَْقَاوِيل: تَنَاقَضَتْ، وَيُطْلَقُ اصْطِلاَحًا عَلَى حَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ وَالتَّصَرُّفِ وَقَلْبِ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ بِهَذَا يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الإِْلْغَاءِ وَالإِْبْطَال (١) . وَقَدْ يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ تَارَةً بِالإِْلْغَاءِ وَالإِْبْطَال، وَتَارَةً بِالْفَسْخِ. غَيْرَ أَنَّ الْفَسْخَ غَالِبًا مَا يَكُونُ فِي الْعُقُودِ، وَيَقِل فِي الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهُ: فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَفَسْخُ نِيَّةِ الْفَرْضِ إِلَى النَّفْل، غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْعُقُودِ قَبْل تَمَامِهَا، وَعِنْدَ تَمَامِهَا بِشُرُوطٍ مِثْل خِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارِ الْعَيْبِ وَالإِْقَالَةِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - أَجَازَ الْعُلَمَاءُ إِلْغَاءَ التَّصَرُّفَاتِ وَالْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ مِنْ جَانِبِ الْعَاقِدَيْنِ، أَمَّا فِي الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الإِْلْغَاءُ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ غَيْرِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ كَالْوَصِيَّةِ.
وَأَمَّا فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُلْزَمَةِ فَلاَ يَرِدُ عَلَيْهَا الإِْلْغَاءُ بَعْدَ نَفَاذِهَا إِلاَّ بِرَضِا الْعَاقِدَيْنِ، كَمَا فِي الإِْقَالَةِ، أَوْ بِوُجُودِ سَبَبٍ مَانِعٍ مِنِ اسْتِمْرَارِ الْعَقْدِ كَظُهُورِ الرَّضَاعِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَقَدْ يَكُونُ هُنَا الإِْلْغَاءُ بِمَعْنَى الْفَسْخِ.
الإِْلْغَاءُ فِي الشُّرُوطِ:
٦ - تَنْقَسِمُ الشُّرُوطُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِْلْغَاءِ إِلَى стр. 3644
أَقْسَامٍ:
مِنْهَا شُرُوطٌ يُلْغَى بِهَا الْعَقْدُ مُطْلَقًا، لِمُخَالَفَتِهَا نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، كَمَا لَوْ أَقْرَضَ وَاشْتَرَطَ رِبًا عَلَى الْقَرْضِ. وَمِنْهَا شُرُوطٌ لاَغِيَةٌ وَلاَ تُبْطِل الْعَقْدَ، كَمَا إِذَا بَاعَ ثَوْبًا عَلَى أَلاَّ يَبِيعَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لاَ يَهَبَهُ، جَازَ الْبَيْعُ وَيُلْغَى الشَّرْطُ كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
وَشُرُوطٌ غَيْرُ لاَغِيَةٍ تَصِحُّ وَيَصِحُّ بِهَا الْعَقْدُ، لأَِنَّهَا تَوْثِيقٌ لِلْعَقْدِ، كَمَا إِذَا اشْتَرَطَ رَهْنًا أَوْ كَفِيلاً بِالْبَيْعِ (٢) .
إِلْغَاءُ التَّصَرُّفَاتِ:
٧ - تُلْغَى التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ يُقِرُّهَا الشَّارِعُ، مِثْل رَهْنِ الْخَمْرِ وَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، كَمَا تُلْغَى تَصَرُّفَاتُ عَدِيمِ الأَْهْلِيَّةِ كَالْمَجْنُونِ (٣) وَالسَّفِيهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ (ر: حَجْر) .
الإِْلْغَاءُ فِي الإِْقْرَارِ:
٨ - وَذَلِكَ إِذَا كَذَّبَهُ الظَّاهِرُ، أَوْ كَذَّبَ الْمُقِرُّ نَفْسَهُ، أَوْ رَجَعَ فِيمَا يَحِقُّ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَهُوَ حُقُوقُ اللَّهِ. وَمِنْهَا الْحُدُودُ (٤) ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (الإِْقْرَار) .
إِلْغَاءُ الْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ:
٩ - وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ اتِّحَادَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا (ر: إِلْغَاءُ الْفَارِقِ) . (٥) стр. 3645
إِلْغَاءُ الْفَارِقِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْلْغَاءُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الإِْبْطَال. وَالْفَارِقُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: إِذَا فَصَل بَيْنَهُمَا. (١)
وَإِلْغَاءُ الْفَارِقِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: بَيَانُ عَدَمِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ فِي الْقِيَاسِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ لِمَا اشْتَرَكَا فِيهِ، وَذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الأَْمَةِ بِالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ مِنْ بَعْضِهِ إِلَى سَائِرِهِ. وَهَذِهِ السِّرَايَةُ فِي الْعَبْدِ ثَابِتَةٌ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ (٢) فَالْفَارِقُ بَيْنَ الأَْمَةِ وَالْعَبْدِ هُوَ الأُْنُوثَةُ، وَلاَ تَأْثِيرَ لَهَا فِي السِّرَايَةِ وَمِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الآْيَة: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣) تَقْتَضِي حَدَّ قَاذِفِ الْمَرْأَةِ الْمُحْصَنَةِ، وَسَكَتَتْ عَنْ قَذْفِ الرِّجَال الْمُحْصَنِينَ، فَيَلْحَقُونَ بِهِنَّ، لأَِنَّ الْفَارِقَ الأُْنُوثَةُ وَهِيَ مُلْغَاةٌ، أَيْ لاَ أَثَرَ لَهَا فِي الْحُكْمِ. (٤) وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ عَنْهُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ. وَشَبِيهٌ بِهِ: " إِلْغَاءُ التَّفَاوُتِ " (٥) وَمُقَابِلُهُ: إِبْدَاءُ الْفَارِقِ، أَوْ стр. 3646
إِبْدَاءُ الْخُصُوصِيَّةِ أَوِ الْفَرْقِ. وَهُوَ مِنْ قَوَادِحِ الْعِلَّةِ.
وَيُسَمَّى الْقِيَاسُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى إِلْغَاءِ الْفَارِقِ " الْقِيَاسَ فِي مَعْنَى الأَْصْل " أَوِ " قِيَاسَ الْمَعْنَى " (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - هُنَاكَ مُصْطَلَحَانِ أُصُولِيَّانِ مُلْتَبِسَانِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ أَشَدَّ الْتِبَاسٍ وَأَخْفَاهُ.
أَوَّلُهُمَا: تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ . وَيُسَمِّيهِ الْحَنَفِيَّةُ الاِسْتِدْلاَل، وَهُوَ أَنْ يَدُل نَصٌّ ظَاهِرٌ عَلَى التَّعْلِيل بِوَصْفٍ، فَيُحْذَفَ خُصُوصُهُ عَنِ الاِعْتِبَارِ بِالاِجْتِهَادِ، وَيُنَاطَ الْحُكْمُ بِالأَْعَمِّ، أَوْ كَكَوْنِ أَوْصَافٍ فِي مَحَل الْحُكْمِ، فَيُحْذَفُ بَعْضُهَا عَنِ الاِعْتِبَارِ بِالاِجْتِهَادِ وَيُنَاطُ الْحُكْمُ بِالْبَاقِي.
وَثَانِيهِمَا: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ . وَهُوَ حَصْرُ الأَْوْصَافِ الْمَوْجُودَةِ فِي الأَْصْل الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَإِبْطَال مَا لاَ يَصْلُحُ مِنْهَا لِلْعِلِّيَّةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لَهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ أَنَّ الْوَصْفَ فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فِي شِقِّهِ الأَْوَّل مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِهِ فِي السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَفِي الشِّقِّ الثَّانِي مِنْهُ: إِنَّمَا هُوَ فِي حَذْفِ مَا لاَ يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ وَفِي تَعْيِينِ الْبَاقِي لَهَا، وَفِي السَّبْرِ الاِجْتِهَادُ فِي الْحَذْفِ فَقَطْ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لِلْعِلِّيَّةِ. وَإِلْغَاءُ الْفَارِقِ قَرِيبٌ مِنَ السَّبْرِ إِلاَّ أَنَّهُ فِي السَّبْرِ يُبْطِل الْجَمِيعَ إِلاَّ وَاحِدًا، وَفِي إِلْغَاءِ الْفَارِقِ يَبْطُل وَاحِدٌ فَتَتَعَيَّنُ الْعِلَّةُ بَيْنَ الْبَاقِي، وَالْبَاقِي مَوْجُودٌ فِي الْفَرْعِ فَيَلْزَمُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْعِلَّةِ. (٢) стр. 3647
وَيَبْدُو مِنْ تَعْرِيفَيْ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ وَتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ أَنَّ الْمُلْغَى فِي إِلْغَاءِ الْفَارِقِ وَصْفٌ مَوْجُودٌ فِي الْفَرْعِ، بِخِلاَفِ الْمُلْغَى فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فَهُوَ وَصْفٌ فِي الأَْصْل الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ إِلْغَاءَ الْفَارِقِ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ لِلْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُل الإِْلْحَاقُ بِمُجَرَّدِ الإِْلْغَاءِ، بِخِلاَفِ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فَفِيهِ اجْتِهَادٌ فِي تَعْيِينِ الْبَاقِي مِنَ الأَْوْصَافِ لِلْعِلِّيَّةِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي عَدِّ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، فَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ كِتَابِ الْمُقْتَرَحِ، وَابْنِ السُّبْكِيِّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، بَل ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي كِتَابِ " رَوْضَةِ النَّاظِرِ " الْخِلاَفَ فِي تَسْمِيَةِ إِلْحَاقِ الْمَسْكُوتِ بِالْمَنْطُوقِ قِيَاسًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُ نَفْيَ الْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ عَلَى سَبِيل الْقَطْعِ. (١) وَلَمْ يَعُدَّهُ أَحَدٌ مِنَ الْجَدَلِيِّينَ مِنْ مَسَالِكِ التَّعْلِيل. (٢) وَتَمَامُ الْكَلاَمِ عَلَيْهِ مَحَلُّهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - ذَكَرَ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ إِلْغَاءَ الْفَارِقِ فِي مَبْحَثِ الْعِلَّةِ مِنْ مَبَاحِثِ الْقِيَاسِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، كَمَا ذَكَرُوهُ فِي تَقْسِيمِ الْقِيَاسِ إِلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ، حَيْثُ إِنَّ الْجَلِيَّ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، أَوْ كَانَ تَأْثِيرُ الْفَارِقِ فِيهِ احْتِمَالاً ضَعِيفًا، وَالْخَفِيُّ بِخِلاَفِهِ. كَمَا ذَكَرُوهُ فِي تَقْسِيمِ الْقِيَاسِ بِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ إِلَى قِيَاسِ عِلَّةٍ وَقِيَاسِ دَلاَلَةٍ وَقِيَاسٍ فِي مَعْنَى الأَْصْل، وَأَنَّ الْقِيَاسَ فِي مَعْنَى الأَْصْل هُوَ مَا стр. 3648
يَكُونُ الْقِيَاسُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ فِيهِ. (١)
إِلْهَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْلْهَامُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَلْهَمَ، يُقَال: أَلْهَمَهُ اللَّهُ خَيْرًا أَيْ لَقَّنَهُ إِيَّاهُ، وَالإِْلْهَامُ أَنْ يُلْقِيَ اللَّهُ فِي النَّفْسِ أَمْرًا يَبْعَثُ عَلَى الْفِعْل أَوِ التَّرْكِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْوَحْيِ يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. (٢)
وَعِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: إِيقَاعُ شَيْءٍ فِي الْقَلْبِ يَطْمَئِنُّ لَهُ الصَّدْرُ يَخُصُّ بِهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ (٣) .
وَقَدْ عَدَّ الأُْصُولِيِّينَ الإِْلْهَامَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْوَحْيِ إِلَى الأَْنْبِيَاءِ، وَفِي كِتَابِ التَّقْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ عَنِ الإِْلْهَامِ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ: أَنَّهُ إِلْقَاءُ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ بِلاَ وَاسِطَةِ عِبَارَةِ الْمَلَكِ وَإِشَارَتِهِ مَقْرُونٍ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْهُ تَعَالَى (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْوَسْوَسَةُ:
٢ - الْوَسْوَسَةُ: إِلْقَاءُ مَعْنًى فِي النَّفْسِ بِمُبَاشَرَةِ سَبَبٍ نَشَأَ مِنَ الشَّيْطَانِ لَهُ (٥) . стр. 3649
ب - التَّحَرِّي:
٣ - التَّحَرِّي فِيهِ بَذْل جَهْدٍ وَإِعْمَال فِكْرٍ، أَمَّا الإِْلْهَامُ فَيَقَعُ بِلاَ كَسْبٍ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يَتَّفِقُ الأُْصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ الإِْلْهَامَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لأَِنْبِيَائِهِ حَقٌّ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ، كَذَلِكَ هُوَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ، وَيَكْفُرُ مُنْكِرُ حَقِيقَتِهِ، وَيَفْسُقُ تَارِكُ الْعَمَل بِهِ كَالْقُرْآنِ. (٢)
أَمَّا إِلْهَامُ غَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لأَِنَّ مَنْ لَيْسَ مَعْصُومًا لاَ ثِقَةَ بِخَوَاطِرِهِ لأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ مِنْ دَسِيسَةِ الشَّيْطَانِ فِيهَا، وَهُوَ قَوْل جُمْهُورِ أَهْل الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِمَا قَالَهُ قَوْمٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الأَْحْكَامِ.
وَقِيل: هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُلْهَمِ لاَ عَلَى غَيْرِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَارِضٌ مِنْ نَصٍّ أَوِ اجْتِهَادٍ أَوْ خَاطِرٍ آخَرَ، وَهَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِهِ فِي حَقِّ الْمُلْهَمِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ إِلَيْهِ.
وَاعْتَمَدَهُ الإِْمَامُ الرَّازِيُّ فِي أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. (٣)
وَهَل هُوَ فِي حَقِّ الأَْنْبِيَاءِ مِنَ الْوَحْيِ الظَّاهِرِ أَمِ الْوَحْيِ الْبَاطِنِ؟ خِلاَفٌ بَيْنَ الأُْصُولِيِّينَ. (٤) стр. 3650
أُولُو الأَْرْحَامِ
انْظُرْ: أَرْحَام.
أُولُو الأَْمْرِ
التَّعْرِيفُ:
١ - " أُولُو " مِنَ الأَْلْفَاظِ الْمُلاَزِمَةِ لِلإِْضَافَةِ، نَحْوَ: أُولُو الرَّأْيِ، أَيْ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ وَاحِدُهُ " ذُو " (١) وَلَيْسَ لَهُ مُفْرَدٌ مِنْ لَفْظِهِ.
وَالأَْمْرُ فِي اللُّغَةِ: يَكُونُ بِمَعْنَى: طَلَبِ الْفِعْل عَلَى طَرِيقِ الاِسْتِعْلاَءِ، وَجَمْعُهُ أَوَامِرُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى: الشَّأْنِ وَالْحَال، وَجَمْعُهُ أُمُورٌ. (٢)
وَأُولُو الأَْمْرِ: الرُّؤَسَاءُ وَالْعُلَمَاءُ (٣) .
وَقَدْ وَرَدَ فِي أُولِي الأَْمْرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ﴾ . (٤)
٢ - وَأَصَحُّ الأَْقْوَال الْوَارِدَةِ فِي الْمُرَادِ بِأُولِي الأَْمْرِ قَوْلاَنِ:
(الأَْوَّل) أَهْل الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ، وَنَحْوُهُ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَمُجَاهِدٍ، стр. 3651
وَعَطَاءٍ قَالُوا: هُمُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ فِي الدِّينِ. ذَلِكَ لأَِنَّ أَصْل الأَْمْرِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمُ إِلَيْهِمْ. (١)
(الثَّانِي) قَال الطَّبَرِيُّ عَنْهُ: هُوَ أَوْلَى الأَْقْوَال بِالصَّوَابِ: هُمُ الأُْمَرَاءُ وَالْوُلاَةُ، لِصِحَّةِ الأَْخْبَارِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالأَْمْرِ بِطَاعَةِ الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ، فِيمَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً وَلِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةً. (٢)
وَيَشْمَل أُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِ الرَّسُول ﷺ وَبَعْدَهُ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِمُ الْخُلَفَاءُ وَالسَّلاَطِينُ وَالأُْمَرَاءُ وَالْقُضَاةُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ.
كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ أُمَرَاءَ السَّرَايَا، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
هَذَا، وَقَدْ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا يَعُمُّ الْجَمِيعَ، لِتَنَاوُل الاِسْمِ لَهُمْ، لأَِنَّ لِلأُْمَرَاءِ تَدْبِيرَ الْجَيْشِ وَالْقِتَال، وَلِلْعُلَمَاءِ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ وَبَيَانَ مَا يَجُوزُ مِمَّا لاَ يَجُوزُ. (٣)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أَوْلِيَاءُ الأُْمُورِ:
٣ - يَشْمَل أَوْلِيَاءُ الأُْمُورِ كُل مَنْ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَامَّةً أَمْ خَاصَّةً، وَمِنْ ذَلِكَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ، وَالْقَيِّمُ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَوَلِيُّ الْمَرْأَةِ فِي الزَّوَاجِ، فَضْلاً عَمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ стр. 3652
الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَلِيفَةِ فَمَنْ دُونَهُ (١) .
الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي أُولِي الأَْمْرِ إِجْمَالاً:
٤ - يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُوَلَّى الْخِلاَفَةَ - وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَاتِ أُولِي الأَْمْرِ: الإِْسْلاَمُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْل، وَالذُّكُورَةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْعَدَالَةُ بِشُرُوطِهَا الْجَامِعَةِ، وَالْكِفَايَةُ.
فَالْعِلْمُ يُقْصَدُ بِهِ: الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّصَرُّفِ الْمَشْرُوعِ فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ.
وَالْعَدَالَةُ يُقْصَدُ بِهَا هَاهُنَا: الاِسْتِقَامَةُ فِي السِّيرَةِ وَالتَّجَنُّبُ لِلْمَعَاصِي.
وَالْكِفَايَةُ يُقْصَدُ بِهَا: أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ، بَصِيرًا بِالْحُرُوبِ، كَفِيلاً بِحَمْل النَّاسِ عَلَيْهَا، مَعَ سَلاَمَةِ الْحَوَاسِّ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ، لِيَصِحَّ مَعَهَا مُبَاشَرَةُ مَا يُدْرَكُ بِهَا، وَالْمَقْصُودُ سَلاَمَتُهَا مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي الرَّأْيِ وَالْعَقْل، وَمِنْ سَلاَمَةِ الأَْعْضَاءِ مِنْ نَقْصٍ يَمْنَعُ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحَرَكَةِ وَسُرْعَةِ النُّهُوضِ، وَالْمَقْصُودُ سَلاَمَتُهَا مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي الرَّأْيِ وَالْعَمَل، وَيَكُونُ مُتَّصِفًا بِالشَّجَاعَةِ وَالنَّجْدَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ، وَجِهَادِ الْعَدُوِّ، وَأَنْ يَكُونَ ذَا رَأْيٍ يُؤَهِّلُهُ لِسِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ، وَتَدْبِيرِ الْمَصَالِحِ، قَيِّمًا بِأَمْرِ الْحَرْبِ وَالسِّيَاسَةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، لاَ تَلْحَقُهُ رَأْفَةٌ فِي ذَلِكَ. (٢) стр. 3653
أَمَّا مَنْ دُونَ الْخَلِيفَةِ مِنْ أُولِي الأَْمْرِ فَلَهُمْ شُرُوطٌ أَقَل مِمَّا ذُكِرَ، بِحَسَبِ مَا يَلُونَهُ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَتُعْرَفُ فِي أَبْوَابِ الْقَضَاءِ وَالْجِهَادِ وَنَحْوِهِمَا. (١) وَمَرْجِعُهَا إِلَى تَوَافُرِ الْقُوَّةِ وَالأَْمَانَةِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ﴾ . (٢)
٥ - مَا يَجِبُ لأُِولِي الأَْمْرِ عَلَى الرَّعِيَّةِ:
(١) - (طَاعَةُ أُولِي الأَْمْرِ) :
دَلَّتِ النُّصُوصُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ أُولِي الأَْمْرِ، وَأَنَّ مَعْصِيَتَهُمْ حَرَامٌ، وَلَكِنَّ الطَّاعَةَ الْوَاجِبَ عَلَى الأُْمَّةِ التَّقَيُّدُ بِهَا لَيْسَتْ طَاعَةً مُطْلَقَةً. وَإِنَّمَا هِيَ طَاعَةٌ فِي حُدُودِ الشَّرْعِ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لأُِولِي الأَْمْرِ فِي قَوْلِهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) وَتُسَمَّى هَذِهِ الآْيَةُ (آيَةَ الأُْمَرَاءِ) .
وَالطَّاعَةُ أَمْرٌ أَسَاسِيٌّ لِوُجُودِ الاِنْضِبَاطِ فِي الدَّوْلَةِ.
وَالطَّاعَةُ: امْتِثَال الأَْمْرِ. وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَطَاعَ إِذَا انْقَادَ.
وَوُجُوبُ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ لأَِنَّ стр. 3654
أَطِيعُوا) أَمْرٌ، وَالأَْمْرُ يَتَعَيَّنُ لِلْوُجُوبِ إِذَا حَفَّتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إِلَيْهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ النَّصُّ قَرِينَةً جَازِمَةً تَصْرِفُ الأَْمْرَ إِلَى الْوُجُوبِ، وَذَلِكَ بِرَبْطِ الطَّاعَةِ بِالإِْيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَيْ حَقِيقَةً (١) .
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ طَاعَةً مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ تُقَيِّدُ الطَّاعَةَ بِمَا لاَ يَكُونُ مَعْصِيَةً، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ الطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ. (٢)
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي (٤) стр. 3655
وَيَقُول الطَّبَرِيُّ: إِنَّ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِطَاعَتِهِمْ فِي الآْيَةِ (وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ) هُمُ الأَْئِمَّةُ وَمَنْ وَلاَّهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ. (١)
(٢) أَنْ يُفَوِّضُوا الأَْمْرَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى أَهْل الْعِلْمِ بِالدِّينِ وَأَهْل الْخِبْرَةِ وَيَكِلُوهُ إِلَى تَدْبِيرِهِمْ، حَتَّى لاَ تَخْتَلِفَ الآْرَاءُ. (٢) قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أُولِي الأَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ . (٣)
(٣) النُّصْرَةُ لأُِولِي الأَْمْرِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ.
(٤) النُّصْحُ لَهُمْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ. (٤)
وَاجِبَاتُ أُولِي الأَْمْرِ:
٦ - يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّصَرُّفُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ لِلْمُسْلِمِينَ، كُلٌّ فِي مَجَالِهِ وَبِحَسَبِ سُلْطَتِهِ. وَفِي ذَلِكَ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ " التَّصَرُّفُ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ " وَبِالتَّفْصِيل مَا يَلِي:
(١) حِفْظُ الدِّينِ عَلَى أُصُولِهِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُْمَّةِ، فَإِنْ زَاغَ ذُو شُبْهَةٍ عَنْهُ أَوْضَحَ لَهُ الْحُجَّةَ، وَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابَ، وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ стр. 3656
الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ، لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنَ الْخَلَل، وَالأُْمَّةُ مَمْنُوعَةً مِنَ الزَّلَل.
(٢) تَنْفِيذُ الأَْحْكَامِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ وَقَطْعُ الْخِصَامِ بَيْنَهُمْ، حَتَّى تَظْهَرَ النَّصَفَةُ، فَلاَ يَتَعَدَّى ظَالِمٌ وَلاَ يَضْعُفُ مَظْلُومٌ.
(٣) حِمَايَةُ الدَّوْلَةِ وَالذَّبُّ عَنِ الْحَوْزَةِ، لِيَتَصَرَّفَ النَّاسُ فِي الْمَعَايِشِ، وَيَنْتَشِرُوا فِي الأَْسْفَارِ آمَنِينَ.
(٤) إِقَامَةُ الْحُدُودِ، لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الاِنْتِهَاكِ، وَتُحْفَظَ حُقُوقُ عِبَادِهِ مِنْ إِتْلاَفٍ وَاسْتِهْلاَكٍ.
(٥) تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ، حَتَّى لاَ يَظْفَرَ الأَْعْدَاءُ بِثُغْرَةٍ يَنْتَهِكُونَ بِهَا مَحْرَمًا، وَيَسْفِكُونَ فِيهَا دَمًا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ.
(٦) جِهَادُ مَنْ عَانَدَ الإِْسْلاَمَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يُسْلِمَ، أَوْ يَدْخُل فِي الذِّمَّةِ.
(٧) قِتَال أَهْل الْبَغْيِ وَالْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَتَوْقِيعُ الْمُعَاهَدَاتِ وَعُقُودِ الذِّمَّةِ وَالْهُدْنَةِ وَالْجِزْيَةِ. (١)
وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى) .
(٨) تَعْيِينُ الْوُزَرَاءِ، وَوِلاَيَتُهُمْ عَامَّةٌ فِي الأَْعْمَال الْعَامَّةِ لأَِنَّهُمْ يُسْتَنَابُونَ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
(٩) تَعْيِينُ الأُْمَرَاءِ (الْمُحَافِظِينَ) لِلأَْقَالِيمِ، وَوِلاَيَتُهُمْ عَامَّةٌ فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ، لأَِنَّ النَّظَرَ فِيمَا خُصُّوا بِهِ مِنَ الأَْعْمَال عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ. стр. 3657
(١٠) تَعْيِينُ الْقُضَاةِ وَأُمَرَاءِ الْحَجِّ، وَرُؤَسَاءِ الْجَيْشِ، وَوِلاَيَتُهُمْ خَاصَّةٌ فِي الأَْعْمَال الْعَامَّةِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْصُورٌ عَلَى نَظَرٍ خَاصٍّ فِي جَمِيعِ الأَْعْمَال. وَكَذَا تَعْيِينُ الأَْئِمَّةِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ شُرُوطٌ تَنْعَقِدُ بِهَا وِلاَيَتُهُ.
(١١) تَقْدِيرُ الْعَطَاءِ وَمَا يُسْتَحَقُّ مِنْ بَيْتِ الْمَال (الْمِيزَانِيَّةُ الْعَامَّةُ) مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ فِيهِ. (١) وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى) .
(١٢) اسْتِكْفَاءُ الأُْمَنَاءِ، وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوَّضُ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَْعْمَال، وَيَكِلُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَْمْوَال، لِتَكُونَ الأَْعْمَال مَضْبُوطَةً وَالأَْمْوَال مَحْفُوظَةً.
(١٣) أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَعْوَانِهِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ مُشَارَفَةَ الأُْمُورِ، وَتَصَفُّحَ الأَْحْوَال لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الأُْمَّةِ. (٢)
(١٤) مُشَاوَرَةُ ذَوِي الرَّأْيِ: وَتُعْتَبَرُ الْمُشَاوَرَةُ مَبْدَأً مِنْ أَهَمِّ الْمَبَادِئِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَقَاعِدَةً مِنْ أَهَمِّ الْقَوَاعِدِ الأَْسَاسِيَّةِ فِي الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ. وَقَدْ جَاءَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى الشُّورَى صَرِيحَةً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي آيَتَيْنِ مِنْهُ الأُْولَى: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ﴾ . (٣) стр. 3658
وَالثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . (١)
وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .
أَلْيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْلْيَةُ: هِيَ الْعَجِيزَةُ، أَوْ مَا رَكِبَ الْعَجُزَ مِنْ لَحْمٍ وَشَحْمٍ. (٢)
وَلاَ يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالُوا: إِنَّهَا اللَّحْمُ النَّاتِئُ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْفَخِذِ. (٣)
وَالْفَخِذُ يَلِي الرُّكْبَةَ، وَفَوْقَهُ الْوَرِكُ، وَفَوْقَهُ الأَْلْيَةُ (٤) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - يَتَعَلَّقُ بِالأَْلْيَةِ عِدَّةُ أَحْكَامٍ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِنْهَا:
أ - فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إِذَا نَامَ وَمَكَّنَ أَلْيَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ فَلاَ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، لأَِمْنِ خُرُوجِ مَا يُنْتَقَضُ بِهِ وُضُوءُهُ. стр. 3659
وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْمَالِكِيَّةُ هَيْئَةَ النَّائِمِ، بَل الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ صِفَةُ النَّوْمِ وَحْدَهَا ثِقَلاً أَوْ خِفَّةً، وَالْحَنَابِلَةُ يَنْظُرُونَ إِلَى صِفَةِ النَّوْمِ وَهَيْئَةِ النَّائِمِ مَعًا، فَمَتَى كَانَ النَّائِمُ مُمَكِّنًا مَقْعَدَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ فَلاَ يَنْقُضُ إِلاَّ النَّوْمُ الْكَثِيرُ. (١)
ب - فِي الأُْضْحِيَّةِ: يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي إِجْزَاءِ الشَّاةِ إِنْ كَانَتْ دُونَ أَلْيَةٍ، وَتُسَمَّى الْبَتْرَاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ الذَّنَبِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: عَدَمُ الإِْجْزَاءِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ. (٢)
الثَّانِي: الإِْجْزَاءُ إِنْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً دُونَ أَلْيَةٍ، أَمَّا مَقْطُوعَةُ الأَْلْيَةِ فَإِنَّهَا لاَ تُجْزِئُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٣)
الثَّالِثُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا إِذَا قُطِعَ الأَْكْثَرُ أَوِ الأَْقَل، فَإِنْ قُطِعَ الأَْكْثَرُ تُجْزِئُ، وَتُجْزِئُ إِنْ بَقِيَ الأَْكْثَرُ، لأَِنَّ لِلأَْكْثَرِ حُكْمَ الْكُل بَقَاءً وَذَهَابًا، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ. (٤)
الرَّابِعُ: الإِْجْزَاءُ مُطْلَقًا. وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ.
وَمِمَّنْ كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا بِالْبَتْرَاءِ: ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَكَمُ (٥) .
ج - وَفِي الْجِنَايَةِ عَلَى الأَْلْيَةِ عَمْدًا الْقِصَاصُ عِنْدَ стр. 3660
جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ لَهَا حَدًّا تَنْتَهِي إِلَيْهِ . (١)
وَقَال الْمُزَنِيُّ: لاَ قِصَاصَ فِيهَا، لأَِنَّهَا لَحْمٌ مُتَّصِلٌ بِلَحْمٍ، فَأَشْبَهَ لَحْمَ الْفَخِذِ. (٢)
فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَفِي الأَْلْيَةِ نِصْفُ دِيَةٍ وَفِي الأَْلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ. (٣)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فِي الأَْلْيَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَلْيَةَ رَجُلٍ أَمْ أَلْيَةَ امْرَأَةٍ، هَذَا بِاسْتِثْنَاءِ أَشْهَبَ، فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ أَلْيَةِ الرَّجُل وَأَلْيَةِ الْمَرْأَةِ، فَأَوْجَبَ فِي الأُْولَى حُكُومَةً، وَفِي الثَّانِيَةِ الدِّيَةَ، لأَِنَّهَا أَعْظَمُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ ثَدْيِهَا. (٤)
وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى الْمَوَاضِعِ السَّابِقَةِ يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنْهَا عِنْدَ الاِفْتِرَاشِ فِي قَعَدَاتِ الصَّلاَةِ، وَعِنْدَ التَّوَرُّكِ. (٥)
وَفِي تَكْفِينِ الْمَيِّتِ يَتَكَلَّمُونَ عَنْ شَدِّ الأَْلْيَيْنِ غَرْفَةً بَعْدَ وَضْعِ قُطْنٍ بَيْنَهُمَا، لِيُؤْمَنَ مِنْ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنَ الْمَيِّتِ. (٦)
أَلِيَّةٌ
انْظُرْ: أَيْمَان. стр. 3661
إِمَاءٌ
انْظُرْ: رِقّ.
(
أَمَارَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْمَارَةُ لُغَةً: الْعَلاَمَةُ. (١)
وَهِيَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: الدَّلِيل الظَّنِّيُّ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّل بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ ظَنِّيٍّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ
: أ - الدَّلِيل:
٢ - الدَّلِيل: هُوَ مَا يُتَوَصَّل بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ قَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ. وَقَدْ يُخَصُّ بِالْقَطْعِيِّ (٣) . стр. 3662
ب - الْعَلاَمَةُ:
٣ - الدَّلِيل الظَّنِّيُّ يُسَمَّى أَمَارَةً وَعَلاَمَةً (١) ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ الأَْمَارَةَ لَيْسَتْ بِشُهْرَةِ الْعَلاَمَةِ، بَل الْعَلاَمَةُ أَشْهَرُ.
وَالْعَلاَمَةُ لاَ تَنْفَكُّ عَنِ الشَّيْءِ، بِخِلاَفِ الأَْمَارَةِ (٢) .
ج - الْوَصْفُ الْمُخَيِّل:
٤ - الْوَصْفُ الْمُخَيِّل يُفِيدُ الظَّنَّ الضَّعِيفَ، أَمَّا الأَْمَارَةُ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الظَّنَّ الْقَوِيَّ. (٣)
د - الْقَرِينَةُ:
٥ - الْقَرِينَةُ كَثِيرًا مَا تُطْلَقُ عَلَى الأَْمَارَةِ، وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْقَرِينَةَ قَدْ تَكُونُ قَاطِعَةً (٤) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٦ - عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلاَلَةٌ قَاطِعَةٌ، بَل عَلَيْهِ أَمَارَةٌ فَقَطْ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَل بِمُوجِبِ هَذَا الظَّنِّ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ بِهَذِهِ الأَْمَارَةِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ الْمُقَلِّدِ، لأَِنَّ ظَنَّهُ لاَ يَصِيرُ وَسِيلَةً إِلَى الْعِلْمِ. (٥) стр. 3663
وَيَأْخُذُ الْفُقَهَاءُ بِالأَْمَارَاتِ، فَفِي مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ يَسْتَدِلُّونَ بِهُبُوبِ الرِّيَاحِ، وَمَطَالِعِ النُّجُومِ. (١)
وَفِي الْبُلُوغِ يَرَى أَغْلِبُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ نَبَاتَ شَعْرِ الْعَانَةِ الْخَشِنِ أَمَارَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ (٢) ، وَكَذَلِكَ يَرَى الْبَعْضُ أَنَّ فَرْقَ أَرْنَبَةِ الأَْنْفِ، وَغِلَظَ الصَّوْتِ وَشُهُودَ الثَّدْيِ، وَنَتْنَ الإِْبِطِ - أَمَارَاتٌ عَلَى الْبُلُوغِ. (٣)
٧ - وَفِي الْقَضَاءِ: الْحُكْمُ بِالأَْمَارَاتِ مَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِهَا قَوْلاً وَاحِدًا عَمَلاً بِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ . (٤) رُوِيَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا أَتَوْا بِقَمِيصِ يُوسُفَ إِلَى أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، تَأَمَّلْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ خَرْقًا وَلاَ أَثَرَ نَابٍ، فَاسْتَدَل بِذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِمْ. فَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الآْيَةِ عَلَى إِعْمَال الأَْمَارَاتِ فِي مَسَائِل كَثِيرَةٍ مِنَ الْفِقْهِ. (٥)
وَقَدْ خَصَّصَ الْعَلاَمَةُ ابْنُ فَرْحُونَ الْبَابَ الْمُتَمِّمَ السَّبْعِينَ مِنْ تَبْصِرَتِهِ فِي الْقَضَاءِ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ قَرَائِنِ الأَْحْوَال وَالأَْمَارَاتِ وَحُكْمِ الْفِرَاسَةِ، وَأَيَّدَ الْحُكْمَ بِهَا بِأَدِلَّةٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَكَرَ مَا يَرْبُو عَنْ سِتِّينَ مَسْأَلَةً مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
وَالْبَعْضُ لاَ يَأْخُذُ بِالْقَرَائِنِ، مُسْتَدِلًّا بِمَا أَخْرَجَهُ стр. 3664
ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ فُلاَنَةَ، فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهَا الرِّيبَةُ فِي مَنْطِقِهَا وَهَيْئَتِهَا وَمَنْ يَدْخُل عَلَيْهَا. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَرِينَة) وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
إِمَارَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْمَارَةُ بِالْكَسْرِ، وَالإِْمْرَةُ: الْوِلاَيَةُ، يُقَال: أَمَرَ عَلَى الْقَوْمِ يَأْمُرُ، مِنْ بَابِ قَتَل فَهُوَ أَمِيرٌ. وَأَمَرَ يَأْمُرُ إِمَارَةً وَإِمْرَةً: صَارَ لَهُمْ أَمِيرًا. وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْصِبِ الأَْمِيرِ، وَعَلَى جُزْءٍ مِنَ الأَْرْضِ يَحْكُمُهُ أَمِيرٌ.
وَالاِصْطِلاَحُ الْفِقْهِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الإِْمَارَةَ تَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ، وَلاَ تُسْتَفَادُ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الإِْمَامِ، أَمَّا الْوِلاَيَةُ فَقَدْ تَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْخَاصَّةِ، وَتُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ الإِْمَامِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَوْ غَيْرِهِمَا، كَالْوَصِيَّةِ بِالاِخْتِيَارِ وَالْوَكَالَةِ (٢) . стр. 3665
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْخِلاَفَةُ:
٢ - الْخِلاَفَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ خَلَفَهُ خِلاَفَةً: أَيْ بَقِيَ بَعْدَهُ، أَوْ قَامَ مَقَامَهُ.
وَهِيَ فِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ: مَنْصِبُ الْخَلِيفَةِ. وَهِيَ رِئَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا نِيَابَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتُسَمَّى أَيْضًا الإِْمَامَةَ الْكُبْرَى (١) .
ب - السُّلْطَةُ:
٣ - السُّلْطَةُ هِيَ: السَّيْطَرَةُ وَالتَّمَكُّنُ وَالْقَهْرُ وَالتَّحَكُّمُ، وَمِنْهُ السُّلْطَانُ وَهُوَ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ التَّحَكُّمِ وَالسَّيْطَرَةِ فِي الدَّوْلَةِ، فَإِنْ كَانَتْ سُلْطَتُهُ قَاصِرَةً عَلَى نَاحِيَةٍ خَاصَّةٍ فَلَيْسَ بِخَلِيفَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فَهُوَ الْخَلِيفَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِي الْعُصُورِ الإِْسْلاَمِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ خِلاَفَةٌ بِلاَ سُلْطَةٍ، كَمَا وَقَعَ فِي أَوَاخِرِ عَهْدِ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَسُلْطَةٌ بِلاَ خِلاَفَةٍ كَمَا وَقَعَ فِي عَهْدِ الْمَمَالِيكِ (٢) .
تَقْسِيمُ الإِْمَارَةِ، وَحُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - تَنْقَسِمُ الإِْمَارَةُ إِلَى عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ:
أَمَّا الْعَامَّةُ فَالْمُرَادُ بِهَا الْخِلاَفَةُ أَوِ الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى، وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل أَحْكَامِهَا فِي مُصْطَلَحِ (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .
وَأَمَّا الإِْمَارَةُ الْخَاصَّةُ: فَهِيَ لإِِقَامَةِ فَرْضٍ مُعَيَّنٍ стр. 3666
مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ دُونَ غَيْرِهِ، كَالْقَضَاءِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْجُنْدِ إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ التَّخْصِيصِ.
وَقَدْ يَكُونُ التَّخْصِيصُ مَكَانِيًّا، كَالإِْمَارَةِ عَلَى بَلَدٍ أَوْ إِقْلِيمٍ خَاصٍّ. كَمَا يَكُونُ زَمَانِيًّا، كَأَمِيرِ الْحَاجِّ وَنَحْوِهِ. (١)
وَالإِْمَارَةُ الْخَاصَّةُ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمَنُوطَةِ بِنَظَرِ الإِْمَامِ.
وَكَانَ الرَّسُول ﷺ يُنِيبُ عَنْهُ عُمَّالاً عَلَى الْقَبَائِل وَالْمُدُنِ، وَفَعَل ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. وَعَدَّهَا أَصْحَابُ كُتُبِ الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ مِنَ الأُْمُورِ اللاَّزِمَةِ عَلَى الإِْمَامِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الأُْمَرَاءَ عَلَى النَّوَاحِي وَالْجُيُوشِ وَالْمَصَالِحِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِيمَا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ. (٢)
إِمَارَةُ الاِسْتِكْفَاءِ:
٥ - هِيَ: أَنْ يُفَوِّضَ الإِْمَامُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى شَخْصٍ إِمَارَةَ بَلَدٍ أَوْ إِقْلِيمٍ وِلاَيَةً عَلَى جَمِيعِ أَهْلِهِ وَنَظَرًا فِي الْمَعْهُودِ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ.
وَيَشْتَمِل نَظَرُ الأَْمِيرِ فِي هَذِهِ الإِْمَارَةِ عَلَى أُمُورٍ:
(١) النَّظَرُ فِي تَدْبِيرِ الْجُيُوشِ.
(٢) النَّظَرُ فِي الأَْحْكَامِ، وَتَقْلِيدِ الْقُضَاةِ.
(٣) جِبَايَةُ الْخَرَاجِ، وَأَخْذُ الصَّدَقَاتِ.
(٤) حِمَايَةُ الدِّينِ، وَالذَّبُّ عَنْ دِيَارِ الإِْسْلاَمِ.
(٥) إِقَامَةُ الْحُدُودِ. стр. 3667
(٦) الإِْمَامَةُ فِي الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ.
(٧) تَسْيِيرُ الْحَجِيجِ (إِمَارَةُ الْحَجِّ) .
(٨) قَسْمُ الْغَنَائِمِ. (١)
وَحَاجَةُ الأُْمَّةِ قَدْ تَسْتَدْعِي إِضَافَةَ مَهَامَّ أُخْرَى بِحَسَبِ مَا يَجِدُّ مِنْ أَحْوَالٍ، كَرِعَايَةِ شُئُونِ التَّعْلِيمِ وَالصِّحَّةِ وَنَحْوِهَا.
شُرُوطُ إِمَارَةِ الاِسْتِكْفَاءِ:
٦ - يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُوَلَّى إِمَارَةَ الاِسْتِكْفَاءِ مَا يُشْتَرَطُ لِوِزَارَةِ التَّفْوِيضِ:
فَمِنْهَا شُرُوطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَهِيَ: الإِْسْلاَمُ، وَالتَّكْلِيفُ (الْعَقْل وَالْبُلُوغُ) ، وَالذُّكُورَةُ. وَمِنْهَا شُرُوطٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ: الْعَدَالَةُ وَالاِجْتِهَادُ وَالْكِفَايَةُ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ (النَّسَبُ) اتِّفَاقًا فِي الإِْمَارَةِ. (٢)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .
صِيغَةُ عَقْدِ إِمَارَةِ الاِسْتِكْفَاءِ:
٧ - لاَ بُدَّ لِتَقْلِيدِ الإِْمَارَةِ مِنْ صِيغَةٍ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، فَيَتَحَدَّدُ نَوْعُهَا بِالصِّيغَةِ، فَتَعُمُّ الإِْمَارَةُ بِعُمُومِ الصِّيغَةِ، أَوْ تَخُصُّ بِخُصُوصِهَا،
كَأَنْ يَقُول فِي الإِْمَارَةِ الَّتِي تَعُمُّ التَّصَرُّفَاتِ مَثَلاً: قَلَّدْتُكَ نَاحِيَةَ كَذَا أَوْ إِقْلِيمَ كَذَا إِمَارَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَنَظَرًا عَلَى جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، إِلَخْ. (٣) стр. 3668
نَفَاذُ تَصَرُّفَاتِ أَمِيرِ الاِسْتِكْفَاءِ:
٨ - يَجُوزُ لأَِمِيرِ الاِسْتِكْفَاءِ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ يُعَيِّنُهُ فِي تَنْفِيذِ مَهَامِّهِ لأَِنَّهُ مُعِينٌ لَهُ، وَنَائِبٌ عَنْهُ فِي مُبَاشَرَةِ الأَْعْمَال الَّتِي لاَ تَتَيَسَّرُ مُبَاشَرَتُهَا لِلأَْمِيرِ نَفْسِهِ. وَلَكِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَ لِشَخْصٍ آخَرَ مَا عُهِدَ إِلَيْهِ مِنْ أَصْل الْوِلاَيَةِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ، لأَِنَّهُ مُسْتَقِل النَّظَرِ. (١)
إِمَارَةُ الاِسْتِيلاَءِ:
٩ - الأَْصْل فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ: أَلاَّ يَتَوَلَّى أَحَدٌ مَنْصِبًا إِلاَّ بِتَقْلِيدٍ صَحِيحٍ مِنَ الإِْمَامِ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ كَوَزِيرِ التَّفْوِيضِ، عَلَى أَنَّهُ فِي بَعْضِ الظُّرُوفِ قَدْ يَحْدُثُ أَنْ يَسْتَبِدَّ أَمِيرٌ أَوْ وَالٍ بِالسُّلْطَةِ، بَعْدَ تُوَلِّيهِ بِتَقْلِيدٍ مِنَ الإِْمَامِ، وَيُخْشَى فِتْنَةٌ فِي عَزْلِهِ، فَلِلإِْمَامِ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى إِمَارَتِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى صِحَّةِ هَذَا التَّقْلِيدِ مِنَ الإِْمَامِ لِلضَّرُورَةِ، وَحَسْمًا لِلْفِتْنَةِ وَيُسَمُّونَهَا: إِمَارَةَ الاِسْتِيلاَءِ تَفْرِيقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ إِمَارَةِ الاِسْتِكْفَاءِ. (٢)
وَهِيَ وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى عُرْفِ التَّقْلِيدِ (التَّوْلِيَةِ) ، وَشُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَالْحِكْمَةُ فِي إِقْرَارِهَا هِيَ حِفْظُ وَحْدَةِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ بِالاِعْتِرَافِ بِوُجُودِ الْخِلاَفَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِضْفَاءِ صِفَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الأَْحْكَامِ الَّتِي يُصْدِرُهَا الْمُسْتَوْلِي، وَصَوْنِهَا عَنِ الْفَسَادِ.
وَجَاءَ فِي الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْمَاوَرْدِيِّ: وَاَلَّذِي يَنْحَفِظُ بِتَقْلِيدِ الْمُسْتَوْلِي مِنْ قَوَانِينِ الشَّرْعِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ، فَيَشْتَرِكُ فِي الْتِزَامِهَا الْخَلِيفَةُ، وَالْمُسْتَوْلِي، стр. 3669
وَعَدَّدَ الأَْشْيَاءَ، وَلاَ تَخْرُجُ فِي عُمُومِهَا عَمَّا ذَكَرْنَاهُ، مِنْ حِفْظِ مَرْكَزِ الْخِلاَفَةِ، وَالاِعْتِرَافِ بِوُجُودِهَا، وَإِضْفَاءِ الصِّفَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَعْمَال الإِْمَارَةِ وَصَوْنِهَا عَنِ الْفَسَادِ. (١)
وَلاَ يَخْفَى أَنَّ صِحَّةَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الإِْمَارَةِ هُوَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَصْكَفِيُّ وَغَيْرُهُ. (٢)
الإِْمَارَةُ الْخَاصَّةُ (مِنْ حَيْثُ الْمَوْضُوعُ) :
١٠ - الإِْمَارَةُ الْخَاصَّةُ هِيَ مَا كَانَ الأَْمِيرُ مَقْصُورَ النَّظَرِ فِيهَا عَلَى أَمْرٍ خَاصٍّ، كَقِيَادَةِ الْجَيْشِ، فَيَقْتَصِرُ نَظَرُهُ فِيمَا حُدِّدَ لَهُ، فِي عَقْدِ التَّقْلِيدِ، فَلاَ يَتَعَرَّضُ لِغَيْرِهَا، كَالْقَضَاءِ، وَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ، وَقَبْضِ الصَّدَقَاتِ، وَإِمَارَةِ الْجِهَادِ، وَ إِمَارَةِ الْحَجِّ ، وَإِمَارَةِ السَّفَرِ. (٣)
إِمَارَةُ الْحَجِّ:
١١ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ - إِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِنَفْسِهِ - أَنْ يَنْصِبَ لِلْحَجِيجِ أَمِيرًا يَخْرُجُ بِهِمْ، وَيَرْعَى مَصَالِحَهُمْ فِي حِلِّهِمْ وَتَرْحَالِهِمْ، وَيَخْطُبُ فِيهِمْ فِي الأَْمَاكِنِ الَّتِي شُرِعَتْ فِيهَا الْخُطْبَةُ، يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا مَنَاسِكَ الْحَجِّ وَأَعْمَالَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. (٤)
وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ تَنْصِيبَ أَمِيرٍ لإِِقَامَةِ الْحَجِّ وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ، إِنْ لَمْ يَخْرُجْ стр. 3670
بِنَفْسِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : بَعَثَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وَفِي التَّاسِعَةِ أَبَا بَكْرٍ. وَخَرَجَ بِنَفْسِهِ فِي الْعَاشِرَةِ. (١)
أَقْسَامُ إِمَارَةِ الْحَجِّ:
كُتُبُ الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَحْدَهَا دُونَ كُتُبِ الْفِقْهِ فِيمَا نَعْلَمُ قَسَّمَتْ هَذِهِ الإِْمَارَةَ إِلَى قِسْمَيْنِ: إِمَارَةِ إِقَامَةِ الْحَجِّ، وَ إِمَارَةِ تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ . (٢)
أ - إِمَارَةُ تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ:
١٢ - إِمَارَةُ تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ هِيَ: وِلاَيَةٌ سِيَاسِيَّةٌ، وَزَعَامَةٌ وَتَدْبِيرٌ. فَيُشْتَرَطُ لأَِمِيرِهَا: أَنْ يَكُونَ مُطَاعًا، ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ، وَهَيْبَةٍ (٣) .
وَقَدْ عَدَّ الْمَاوَرْدِيُّ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ جَعَلَهَا مِنْ وَاجِبَاتِ أَمِيرِ الْحَجِيجِ وَهِيَ:
(١) جَمْعُ النَّاسِ فِي مَسِيرِهِمْ وَنُزُولِهِمْ حَتَّى لاَ يَتَفَرَّقُوا.
(٢) تَرْتِيبُهُمْ فِي السَّيْرِ وَالنُّزُول، وَتَقْسِيمُهُمْ إِلَى مَجْمُوعَاتٍ لِكُلٍّ مِنْهَا رَئِيسٌ، حَتَّى يَعْرِفَ كُل فَرِيقٍ مِنْهُمْ جَمَاعَتَهُ إِذَا سَارَ، وَيَأْلَفَ مَكَانَهُ إِذَا نَزَل، فَلاَ يَتَنَازَعُونَ فِيهِ، وَلاَ يَضِلُّونَ عَنْهُ.
(٣) يَرْفُقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ حَتَّى لاَ يَعْجِزَ عَنْهُ ضَعِيفُهُمْ، وَلاَ يَضِل عَنْهُ مُنْقَطِعُهُمْ.
(٤) أَنْ يَسْلُكَ بِهِمْ أَوْضَحَ الطُّرُقِ وَأَخْصَبَهَا، وَيَتَجَنَّبَ أَجْدَبَهَا وَأَوْعَرَهَا. стр. 3671
(٥) أَنْ يَرْتَادَ لَهُمُ الْمِيَاهَ إِذَا انْقَطَعَتْ، وَالْمُرَاعِيَ إِذَا قَلَّتْ.
(٦) أَنْ يَحْرُسَهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَيَحُوطَهُمْ إِذَا رَحَلُوا.
(٧) أَنْ يَمْنَعَ عَنْهُمْ مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنِ الْمَسِيرِ.
(٨) أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَيَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ.
(٩) أَنْ يُؤَدِّبَ خَائِنَهُمْ، وَلاَ يَتَجَاوَزَ التَّعْزِيرَ.
(١٠) أَنْ يُرَاعِيَ اتِّسَاعَ الْوَقْتِ حَتَّى يُؤْمَنَ فَوَاتُ الْحَجِّ عَلَيْهِمْ. (١)
الْحُكْمُ بَيْنَ الْحَجِيجِ:
١٣ - لَيْسَ لأَِمِيرِ الْحَجِّ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْحُكْمِ بَيْنَ الْحَجِيجِ إِجْبَارًا إِلاَّ أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ الْحُكْمُ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. فَإِنْ دَخَلُوا فِي بَلَدٍ فِيهِ حَاكِمٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. كَمَا يَجُوزُ لِحَاكِمِ الْبَلَدِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. هَذَا إِذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْحُجَّاجِ. أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ الْحَجِيجِ وَبَيْنَ أَهْل الْبَلَدِ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ إِلاَّ حَاكِمُ الْبَلَدِ. (٢)
إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِيهِمْ:
١٤ - لاَ يَجُوزُ لأَِمِيرِ الْحَجِّ إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْحَجِيجِ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِيهَا وَهُوَ مِنْ أَهْل الْقَضَاءِ. فَإِنْ أُذِنَ فَلَهُ إِقَامَتُهَا فِيهِمْ. فَإِنْ دَخَل فِي بَلَدٍ فِيهِ مَنْ يَتَوَلَّى إِقَامَةَ الْحُدُودِ، فَإِنْ كَانَ الْمَحْدُودُ قَدْ أَتَى بِمُوجِبِ الْحَدِّ قَبْل دُخُول الْبَلَدِ، فَأَمِيرُ الْحَجِيجِ أَوْلَى بِإِقَامَةِ стр. 3672
الْحَدِّ عَلَيْهِ. أَمَّا إِذَا أَتَى بِهِ بَعْدَ دُخُول الْبَلَدِ فَحَاكِمُ الْبَلَدِ أَوْلَى بِإِقَامَةِ الْحَدِّ مِنْ أَمِيرِ الْحَجِيجِ. (١)
انْتِهَاءُ وِلاَيَتِهِ:
١٥ - إِذَا وَصَل الْحَجِيجُ إِلَى مَكَّةَ زَالَتْ وِلاَيَتُهُ عَمَّنْ لاَ يَرْغَبُ الْعَوْدَةَ. أَمَّا مَنْ كَانَ عَازِمًا عَلَى الْعَوْدِ فَيَبْقَى تَحْتَ وِلاَيَتِهِ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى بِلاَدِهِمْ.
ب - إِمَارَةُ إِقَامَةِ الْحَجِّ:
١٦ - هِيَ أَنْ يَنْصِبَ الإِْمَامُ أَمِيرًا لِلْحَجِيجِ يَخْرُجُ بِهِمْ نِيَابَةً عَنْهُ فِي الْمَشَاعِرِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي أَمِيرِ إِقَامَةِ الْحَجِّ شُرُوطُ إِمَامَةِ الصَّلاَةِ، مُضَافًا إِلَيْهَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَحْكَامِهِ عَارِفًا بِمَوَاقِيتِهِ وَأَيَّامِهِ. (٢)
انْتِهَاءُ إِمَارَتِهِ:
١٧ - تَنْتَهِي وِلاَيَةُ أَمِيرِ إِقَامَةِ الْحَجِّ بِانْتِهَاءِ أَعْمَال الْحَجِّ، وَلاَ تَتَجَاوَزُهَا، وَتَبْدَأُ بِابْتِدَائِهَا، فَتَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ صَلاَةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَتَنْتَهِي فِي يَوْمِ النَّفْرِ الثَّانِي، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. (٣)
وَإِذَا كَانَ تَقْلِيدُهُ مُطْلَقًا عَلَى إِقَامَةِ الْحَجِّ فَلَهُ إِقَامَتُهُ فِي كُل عَامٍ حَتَّى يُصْرَفَ عَنْهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ تَقْلِيدُهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ لَهُ إِقَامَتُهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَْعْوَامِ، إِلاَّ بِتَقْلِيدٍ جَدِيدٍ. (٤) стр. 3673
اخْتِصَاصُهُ:
١٨ - يَخْتَصُّ نَظَرُهُ فِي كُل مَا يَتَعَلَّقُ بِأَعْمَال الْحَجِّ: مِنَ الإِْشْعَارِ بِوَقْتِ الإِْحْرَامِ، وَالْخُرُوجِ بِالنَّاسِ إِلَى مَشَاعِرِهِمْ، وَإِلْقَاءِ الْخُطَبِ فِي الأَْمَاكِنِ الَّتِي شُرِعَتْ فِيهَا، وَتَرْتِيبِهِ الْمَنَاسِكَ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ مَتْبُوعٌ فِيهَا، فَلاَ يُقَدِّمُ مُؤَخَّرًا وَلاَ يُؤَخِّرُ مُقَدَّمًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا. (١)
إِقَامَةُ الْحُدُودِ:
١٩ - لَيْسَ لأَِمِيرِ إِقَامَةِ الْحَجِّ إِقَامَةُ الْحَدِّ، أَوِ التَّعْزِيرُ عَلَى مَنْ أَتَى مَا يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ أَفْرَادِ الْحَجِيجِ، إِنْ كَانَ الْمُوجِبُ مِمَّا لاَ يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ. أَمَّا إِذَا كَانَ مُوجِبُ الْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ فَلَهُ التَّعْزِيرُ.
وَفِي إِقَامَةِ الْحَدِّ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. لأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ، وَوِلاَيَتُهُ خَاصَّةٌ بِالْحَجِّ. وَالثَّانِي لَهُ إِقَامَتُهُ عَلَيْهِ. (٢)
الْحُكْمُ بَيْنَ الْحَجِيجِ:
٢٠ - لاَ يَجُوزُ لأَِمِيرِ إِقَامَةِ الْحَجِّ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْحَجِيجِ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَحْكَامِ الْحَجِّ.
إِمَارَةُ السَّفَرِ:
٢١ - يُسْتَحَبُّ لِكُل جَمَاعَةٍ (ثَلاَثَةٍ فَأَكْثَرَ) قَصَدُوا السَّفَرَ أَنْ يُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ فِيمَا стр. 3674
يَتَعَلَّقُ بِمَا هُمْ فِيهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مُخَالَفَتُهُ (١) ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ فِي السَّفَرِ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ. (٢) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (سَفَر) .
إِمَامٌ
انْظُرْ: إِمَامَة.
إِمَامَةُ الصَّلاَةِ
(الإِْمَامَةُ الصُّغْرَى)
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْمَامَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَمَّ يَؤُمُّ، وَأَصْل مَعْنَاهَا الْقَصْدُ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى التَّقَدُّمِ، يُقَال: أَمَّهُمْ وَأَمَّ بِهِمْ: إِذَا تَقَدَّمَهُمْ. (٣)
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ تُطْلَقُ الإِْمَامَةُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: الإِْمَامَةِ الصُّغْرَى، وَالإِْمَامَةِ الْكُبْرَى.
وَيُعَرِّفُونَ الإِْمَامَةَ الْكُبْرَى بِأَنَّهَا اسْتِحْقَاقُ تَصَرُّفٍ عَامٍّ عَلَى الأَْنَامِ (أَيِ النَّاسِ) ، وَهِيَ رِئَاسَةٌ стр. 3675
عَامَّةٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا خِلاَفَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (١) (ر: إِمَامَةٌ كُبْرَى) .
أَمَّا الإِْمَامَةُ الصُّغْرَى (وَهِيَ إِمَامَةُ الصَّلاَةِ) فَهِيَ ارْتِبَاطُ صَلاَةِ الْمُصَلِّي بِمُصَلٍّ آخَرَ بِشُرُوطٍ بَيَّنَهَا الشَّرْعُ. فَالإِْمَامُ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا إِلاَّ إِذَا رَبَطَ الْمُقْتَدِي صَلاَتَهُ بِصَلاَتِهِ، وَهَذَا الاِرْتِبَاطُ هُوَ حَقِيقَةُ الإِْمَامَةِ، وَهُوَ غَايَةُ الاِقْتِدَاءِ. (٢)
وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا: كَوْنُ الإِْمَامِ مُتَّبِعًا فِي صَلاَتِهِ (٣) كُلِّهَا أَوْ جُزْءٍ مِنْهَا.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقُدْوَةُ:
٢ - الْقُدْوَةُ اسْمٌ لِلاِقْتِدَاءِ، أَيِ الاِتِّبَاعِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّخْصِ الْمَتْبُوعِ، يُقَال: فُلاَنٌ قُدْوَةٌ، أَيْ يُقْتَدَى بِهِ.
ب - الاِقْتِدَاءُ وَالتَّأَسِّي:
٣ - الاِقْتِدَاءُ وَالتَّأَسِّي كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الاِتِّبَاعِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي صَلاَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَالْمَأْمُومُ يَقْتَدِي بِالإِْمَامِ وَيَتَأَسَّى بِهِ، فَيَعْمَل مِثْل عَمَلِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ قُدْوَةٌ وَأُسْوَةٌ (٤) .
مَشْرُوعِيَّةُ الإِْمَامَةِ وَفَضْلُهَا:
٤ - إِمَامَةُ الصَّلاَةِ تُعْتَبَرُ مِنْ خَيْرِ الأَْعْمَال الَّتِي يَتَوَلاَّهَا خَيْرُ النَّاسِ ذَوُو الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي، وَلاَ تُتَصَوَّرُ стр. 3676
صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ إِلاَّ بِهَا. وَصَلاَةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، وَمِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ الَّتِي تُشْبِهُ الْوَاجِبَ فِي الْقُوَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِهَا، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) .
وَقَدْ صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ: بِأَنَّ الإِْمَامَةَ أَفْضَل مِنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ، لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُومَ بِهَا أَعْلَمُ النَّاسِ وَأَقْرَؤُهُمْ، كَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا كَانُوا ثَلاَثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ. (١)
وَلَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﵇ اخْتَارَ أَفْضَل الصَّحَابَةِ لِلإِْمَامَةِ حَيْثُ قَال: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَل بِالنَّاسِ، (٢) فَفَهِمَ الصَّحَابَةُ مِنْ تَقْدِيمِهِ فِي الإِْمَامَةِ الصُّغْرَى اسْتِحْقَاقَهُ الإِْمَامَةَ الْكُبْرَى. (٣)
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: الأَْذَانُ أَفْضَل، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الإِْمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَْئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ (٤) стр. 3677
وَالأَْمَانَةُ أَعْلَى مِنَ الضَّمَانِ، وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنَ الإِْرْشَادِ. وَقَال عُمَرُ ﵁: " لَوْلاَ الْخِلاَفَةُ لأََذَّنْتُ (١) .
شُرُوطُ الإِْمَامَةِ:
يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْمَامَةِ الأُْمُورُ التَّالِيَةُ:
أ - الإِْسْلاَمُ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الإِْمَامِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا. (٢) وَعَلَى هَذَا لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ خَلْفَ مَنْ هُوَ كَافِرٌ يُعْلِنُ كُفْرَهُ، أَمَّا إِذَا صَلَّى خَلْفَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ كُفْرَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَافِرٌ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِذَا أَمَّهُمْ زَمَانًا عَلَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ الصَّلاَةِ، لأَِنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا، وَخَبَرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الدِّيَانَاتِ لِفِسْقِهِ بِاعْتِرَافِهِ. (٣)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ بَانَ إِمَامُهُ كَافِرًا مُعْلِنًا، وَقِيل: أَوْ مُخْفِيًا، وَجَبَتِ الإِْعَادَةُ، لأَِنَّ الْمَأْمُومَ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الْبَحْثِ. وَقَال الشِّرْبِينِيُّ: إِنَّ الأَْصَحَّ عَدَمُ وُجُوبِ الإِْعَادَةِ إِذَا كَانَ الإِْمَامُ مُخْفِيًا كُفْرَهُ. (٤)
وَمِثْلُهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: تَبْطُل الصَّلاَةُ بِالاِقْتِدَاءِ بِمَنْ كَانَ كَافِرًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ سِرِّيَّةً أَمْ جَهْرِيَّةً، وَسَوَاءٌ أَطَالَتْ مُدَّةُ صَلاَتِهِ إِمَامًا بِالنَّاسِ أَمْ لاَ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، بِعَدَمِ стр. 3678
جَوَازِ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الَّذِي أَتَى بِكَبِيرَةٍ كَشَارِبِ خَمْرٍ وَزَانٍ وَآكِل الرِّبَا، أَوْ دَاوَمَ عَلَى صَغِيرَةٍ (١) . لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ ذَهَبُوا إِلَى جَوَازِ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ فِسْقُهُ بِالصَّلاَةِ، وَإِلاَّ بَطَلَتْ عِنْدَهُمْ كَقَصْدِهِ الْكِبْرَ بِالإِْمَامَةِ، وَإِخْلاَلِهِ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ سُنَّةٍ عَمْدًا. (٢)
وَفِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ جَازَ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ، مَعَ تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهِ.
ب - الْعَقْل:
٦ - يُشْتَرَطُ فِي الإِْمَامِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، وَهَذَا الشَّرْطُ أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَلاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ السَّكْرَانِ، وَلاَ إِمَامَةُ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ، وَلاَ إِمَامَةُ الْمَجْنُونِ غَيْرِ الْمُطْبِقِ حَال جُنُونِهِ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلاَتِهِمْ لأَِنْفُسِهِمْ فَلاَ تُبْنَى عَلَيْهَا صَلاَةُ غَيْرِهِمْ.
أَمَّا الَّذِي يُجَنُّ وَيَفِيقُ، فَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ حَال إِفَاقَتِهِ. (٣)
ج - الْبُلُوغُ:
٧ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْمَامَةِ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ بَالِغًا، فَلاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ عِنْدَهُمْ، لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: ﴿ стр. 3679
لاَ تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ، (١) وَلأَِنَّهَا حَال كَمَالٍ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلأَِنَّ الإِْمَامَ ضَامِنٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْل الضَّمَانِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مَعَهُ الإِْخْلاَل بِالْقِرَاءَةِ حَال السِّرِّ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ إِمَامَةِ الصَّبِيِّ لِلْبَالِغِ فِي الْفَرْضِ أَنَّ صَلاَةَ الصَّبِيِّ نَافِلَةٌ فَلاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْفَرْضِ عَلَيْهَا. (٢)
أَمَّا فِي غَيْرِ الْفَرْضِ كَصَلاَةِ الْكُسُوفِ أَوِ التَّرَاوِيحِ فَتَصِحُّ إِمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْهَا بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ جَوَازِ إِمَامَةِ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي الْفَرَائِضِ أَمْ فِي النَّوَافِل، لأَِنَّ نَفْل الصَّبِيِّ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ لُزُومِهِ بِالشُّرُوعِ، وَنَفْل الْمُقْتَدِي الْبَالِغِ قَوِيٌّ لاَزِمٌ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ. (٣)
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الإِْمَامِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، فَتَصِحُّ إِمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي الْفَرَائِضِ أَمِ النَّوَافِل، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ (٤) لَكِنَّهُمْ قَالُوا: الْبَالِغُ أَوْلَى مِنَ الصَّبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ أَقْرَأَ أَوْ أَفْقَهَ، لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ بِالْبَالِغِ بِالإِْجْمَاعِ، وَلِهَذَا نَصَّ فِي стр. 3680
الْبُوَيْطِيِّ عَلَى كَرَاهَةِ الاِقْتِدَاءِ بِالصَّبِيِّ.
أَمَّا إِمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِمِثْلِهِ فَجَائِزَةٌ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ. (١)
د - الذُّكُورَةُ:
٨ - يُشْتَرَطُ لإِِمَامَةِ الرِّجَال أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ ذَكَرًا، فَلاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَال، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ (٢) وَالأَْمْرُ بِتَأْخِيرِهِنَّ نَهْيٌ عَنِ الصَّلاَةِ خَلْفَهُنَّ. وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا: لاَ تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً (٣) وَلأَِنَّ فِي إِمَامَتِهَا لِلرِّجَال افْتِتَانًا بِهَا.
أَمَّا إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ لِلنِّسَاءِ فَجَائِزَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ لِجَوَازِ إِمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلنِّسَاءِ بِحَدِيثِ أُمِّ وَرَقَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْل دَارِهَا. (٤)
لَكِنْ كَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ إِمَامَتَهَا لَهُنَّ، لأَِنَّهَا لاَ تَخْلُو عَنْ نَقْصٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُنَّ الأَْذَانُ وَالإِْقَامَةُ، وَيُكْرَهُ تَقَدُّمُ الْمَرْأَةِ الإِْمَامِ عَلَيْهِنَّ. فَإِذَا صَلَّتِ النِّسَاءُ صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ بِإِمَامَةِ امْرَأَةٍ وَقَفَتِ الْمَرْأَةُ следующие страницы →