Полный текст (31 949 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
الْغَيْرِ وَاجِبُ الْحِفْظِ، وَحُرْمَةُ الْمَال كَحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: حُرْمَةُ مَال الْمُؤْمِنِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ. (١)
وَقَدْ يَحْرُمُ الأَْخْذُ لِمَنْ يَعْجِزُ عَنِ الْحِفْظِ، أَوْ لاَ يَثِقُ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضُ الْمَال لِلْهَلاَكِ. (٢) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي الْوَدِيعَةِ وَاللُّقَطَةِ.
ب - وُجُوبُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الأَْمَانَةِ عَامَّةً، وَدِيعَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، يَقُول الْعُلَمَاءُ: حِفْظُ الأَْمَانَةِ يُوجِبُ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ، وَالْخِيَانَةُ تُوجِبُ الشَّقَاءَ فِيهِمَا، وَالْحِفْظُ يَكُونُ بِحَسَبِ كُل أَمَانَةٍ، فَالْوَدِيعَةُ مَثَلاً يَكُونُ حِفْظُهَا بِوَضْعِهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا. وَالْعَارِيَةُ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَأْجَرُ يَكُونُ حِفْظُهُمَا بِعَدَمِ التَّعَدِّي فِي الاِسْتِعْمَال الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَبِعَدَمِ التَّفْرِيطِ. وَفِي مَال الْمُضَارَبَةِ يَكُونُ بِعَدَمِ مُخَالَفَةِ مَا أُذِنَ فِيهِ لِلْمُضَارِبِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَهَكَذَا. (٣)
ج - وُجُوبُ الرَّدِّ عِنْدَ الطَّلَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : " أَدِّ الأَْمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ". (٥) стр. 3747
د - وُجُوبُ الضَّمَانِ بِالْجُحُودِ أَوِ التَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ (١) .
هـ - سُقُوطُ الضَّمَانِ إِذَا تَلِفَتِ الأَْمَانَةُ دُونَ تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْعَارِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، فَالْعَارِيَّةُ عِنْدَهُمْ مَضْمُونَةٌ. (٢)
و التَّعْزِيرُ عَلَى تَرْكِ أَدَاءِ الأَْمَانَاتِ كَالْوَدَائِعِ وَأَمْوَال الأَْيْتَامِ وَغَلاَّتِ الْوُقُوفِ، وَمَا تَحْتَ أَيْدِي الْوُكَلاَءِ وَالْمُقَارَضِينَ وَشَبَهِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ. (٣)
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ وَفُرُوعٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ (وَدِيعَة، وَلُقَطَة، وَعَارِيَّة، وَإِجَارَة، وَرَهْن، وَضَمَان، وَوَكَالَة) .
ثَانِيًا: الأَْمَانَةُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ:
٣ - تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ الأَْمَانَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى لاِخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ إِجْمَالاً فِيمَا يَأْتِي:
أ - بَيْعُ الأَْمَانَةِ كَالْمُرَابَحَةِ، وَالْمُرَابَحَةُ تُعْتَبَرُ بَيْعَ стр. 3748
أَمَانَةٍ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ ائْتَمَنَ الْبَائِعَ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ الثَّمَنِ الأَْوَّل مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلاَ اسْتِحْلاَفٍ، فَتَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنِ الْخِيَانَةِ وَالتُّهْمَةِ، لأَِنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا. (٢)
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ فَفِي الْجُمْلَةِ يَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَبِيعَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَقِيل: بِحَطِّ الزِّيَادَةِ عَلَى أَصْل رَأْسِ الْمَال وَنِسْبَتِهَا مِنَ الرِّبْحِ مَعَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ. (٣) هَذَا مَعَ تَفْصِيلٍ كَثِيرٍ يُنْظَرُ فِي (بَيْع - مُرَابَحَة - تَوْلِيَة - اسْتِرْسَال) .
ب - اعْتِبَارُ الأَْمَانَةِ شَرْطًا فِيمَنْ تَكُونُ لَهُ وِلاَيَةٌ وَنَظَرٌ فِي مَال غَيْرِهِ كَالْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، فَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ صِفَةَ الأَْمَانَةِ فِي الْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَأَنَّهُ يُعْزَل لَوْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ، أَوْ يُضَمُّ إِلَيْهِ أَمِينٌ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. كَذَلِكَ مَنْ لَهُ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ كَالْقَاضِي، فَالأَْصْل اعْتِبَارُ الأَْمَانَةِ فِيهِ. (٤) وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ (ر: قَضَاء، стр. 3749
وَصِيّ) .
ج - مَنْ يَتَرَتَّبُ عَلَى كَلاَمِهِ حُكْمٌ كَالشَّاهِدِ: فَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي الشَّاهِدِ الْعَدَالَةَ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢) ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّوَقُّفِ عَنْ نَبَأِ الْفَاسِقِ، وَالشَّهَادَةُ نَبَأٌ فَيَجِبُ عَدَمُ قَبُول شَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْخِيَانَةَ مِنَ الْفِسْقِ، (٣) وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلاَ خَائِنَةٍ. (٤)
د - الْحَلِفُ بِالأَْمَانَةِ: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالأَْمَانَةِ مَعَ إِضَافَتِهَا إِلَى اسْمِ اللَّهِ فَقَال: وَأَمَانَةِ اللَّهِ لأََفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ يَمِينًا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ.
أَمَّا الْحَلِفُ بِالأَْمَانَةِ فَقَطْ دُونَ إِضَافَةٍ إِلَى لَفْظِ الْجَلاَلَةِ، فَإِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، فَإِنْ أَرَادَ بِالأَْمَانَةِ صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَالْحَلِفُ بِهَا يَمِينٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِالأَْمَانَةِ مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَْمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ﴾ (٥) أَيِ التَّكَالِيفَ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ. وَيَكُونُ الْحَلِفُ стр. 3750
بِهَا غَيْرَ مَشْرُوعٍ (١) لأَِنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ: مَنْ حَلَفَ بِالأَْمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا. (٢)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يَأْتِي ذِكْرُ الأَْمَانَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ: كَالْبَيْعِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، الْوَدِيعَةِ، وَالْعَارِيَّةِ، وَالإِْجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالْوَقْفِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالأَْيْمَانِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالْقَضَاءِ. وَقَدْ سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى ذِكْرِ ذَلِكَ إِجْمَالاً.
كَذَلِكَ يَأْتِي ذِكْرُ الأَْمَانَةِ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ بِاعْتِبَارِهَا شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْحَاضِنِ وَالْحَاضِنَةِ، وَفِي بَابِ الْحَجِّ فِي الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ بِالنِّسْبَةِ لِسَفَرِ الْمَرْأَةِ، وَفِي بَابِ الصِّيَامِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُخْبِرُ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل.
امْتِثَالٌ
انْظُرْ: طَاعَة стр. 3751
امْتِشَاطٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الاِمْتِشَاطُ لُغَةً: هُوَ تَرْجِيل الشَّعْرِ، (١) وَالتَّرْجِيل: تَسْرِيحُ الشَّعْرِ، وَتَنْظِيفُهُ، وَتَحْسِينُهُ. (٢)
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَعْنَاهُ كَالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - يُسْتَحَبُّ تَرْجِيل شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ مِنَ الرَّجُل، وَكَذَا الرَّأْسُ مِنَ الْمَرْأَةِ، (٣) لِمَا وَرَدَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَل رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ أَنِ اخْرُجْ. كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلاَحَ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَفَعَل الرَّجُل ثُمَّ رَجَعَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ (٤) стр. 3752
وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ (١) وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي خِصَال الْفِطْرَةِ، وَالْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ.
٣ - وَفِي الإِْحْرَامِ: يَحْرُمُ الاِمْتِشَاطُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُزِيل شَعْرًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ يَدْهُنُ وَلَمْ يُزِل شَعْرًا، فَإِنْ كَانَ لاَ يُزِيل شَعْرًا وَكَانَ بِغَيْرِ طِيبٍ فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَبَاحَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام) (٢)
٤ - وَلاَ يُمْنَعُ امْتِشَاطُ الْمُحَدَّةِ عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ، إِنْ كَانَ التَّرْجِيل خَالِيًا عَنْ مَوَادِّ الزِّينَةِ، فَإِنْ كَانَ بِدُهْنٍ أَوْ طِيبٍ حَرُمَ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَحْرُمُ امْتِشَاطُ الْمُحِدَّةِ بِمُشْطٍ ضَيِّقٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ طِيبٌ، وَتَفْصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي (الإِْحْدَادِ) (٣) (ج ٢ ص ١٠٧ ف ١٤) . стр. 3753
امْتِنَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِمْتِنَاعُ لُغَةً: مَصْدَرُ امْتَنَعَ. يُقَال: امْتَنَعَ مِنَ الأَْمْرِ: إِذَا كَفَّ عَنْهُ. وَيُقَال: امْتَنَعَ بِقَوْمِهِ أَيْ: تَقَوَّى بِهِمْ وَعَزَّ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ. (١)
وَالاِمْتِنَاعُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - إِنَّ الاِمْتِنَاعَ عَنِ الْفِعْل الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ، كَالاِمْتِنَاعِ عَنِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَامْتِنَاعِ الْحَائِضِ عَنِ الصَّلاَةِ، وَعَنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ، وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ.
وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الْوَاجِبِ حَرَامٌ، كَامْتِنَاعِ الْمُكَلَّفِ غَيْرِ الْمَعْذُورِ عَنِ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَمِثْل امْتِنَاعِ الْمُحْتَكِرِ عَنْ بَيْعِ الأَْقْوَاتِ، وَالاِمْتِنَاعُ عَنْ إِنْقَاذِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلاَكِ مِمَّنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى إِنْقَاذِهِ.
وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الْمَنْدُوبِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، كَامْتِنَاعِ الْمَرِيضِ عَنِ التَّدَاوِي مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الْمَكْرُوهِ يَكُونُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ، كَالاِمْتِنَاعِ عَنِ التَّدْخِينِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِكَرَاهَتِهِ، وَالاِمْتِنَاعِ عَنْ تَوَلِّي الْقَضَاءِ لِمَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الزَّلَل. стр. 3754
وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الْمُبَاحِ مُبَاحٌ، كَالاِمْتِنَاعِ عَنْ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ فِي الأَْحْوَال الْمُعْتَادَةِ، وَمِثْل امْتِنَاعِ الْمَرْأَةِ عَنِ الدُّخُول حَتَّى تَقْبِضَ مُقَدَّمَ الْمَهْرِ، وَامْتِنَاعِ الْبَائِعِ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ. (١)
وَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ حُكْمِ كُل نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ فِي بَابِهِ.
امْتِهَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِمْتِهَانُ افْتِعَالٌ مِنْ (مَهَنَ) أَيْ خَدَمَ غَيْرَهُ، وَامْتَهَنَهُ: اسْتَخْدَمَهُ، أَوِ ابْتَذَلَهُ. وَمِنْهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَهْل اللُّغَةِ يَسْتَعْمِلُونَ كَلِمَةَ (امْتِهَانٍ) فِي مَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّل: بِمَعْنَى (الاِحْتِرَافِ) ، وَالثَّانِي: بِمَعْنَى (الاِبْتِذَال) .
وَالاِبْتِذَال هُوَ: عَدَمُ صِيَانَةِ الشَّيْءِ بَل تَدَاوُلُهُ وَاسْتِخْدَامُهُ فِي الْعَمَل.
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ الاِمْتِهَانَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَيْضًا. (٢)
أَمَّا الاِمْتِهَانُ بِمَعْنَى الاِحْتِرَافِ، فَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (احْتِرَاف ج ١ ص ٦٩) وَفِيمَا يَلِي مَا يَتَّصِل بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ الاِبْتِذَال. стр. 3755
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الاِسْتِخْفَافُ وَالاِسْتِهَانَةُ:
٢ - سَبَقَ بَيَانُ مَعْنَى (الاِمْتِهَانِ) وَمِنْهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ غَيْرُ الاِسْتِهَانَةِ بِالشَّيْءِ أَوِ الاِسْتِخْفَافِ بِهِ، فَالاِسْتِهَانَةُ بِالشَّيْءِ اسْتِحْقَارُهُ، أَمَّا الاِمْتِهَانُ فَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الاِسْتِحْقَارِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - هُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ الأَْحْوَال يُطْلَبُ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِ أَنْ يَلْبَسَ غَيْرَ ثِيَابِ الْمِهْنَةِ، كَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَمَاعَاتِ، يَدُل عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبِ مِهْنَتِهِ. (٢)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (احْتِرَاف) (وَأَلْبِسَة) . كَمَا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ حُكْمُ مَا فِيهِ صُورَةٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَهَنًا (مُبْتَذَلاً) أَوْ غَيْرَ مُمْتَهَنٍ وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَصْوِير) . стр. 3756
أَمْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْمْرُ فِي اللُّغَةِ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّل: يَأْتِي بِمَعْنَى الْحَال أَوِ الشَّأْنِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (١) أَوِ الْحَادِثَةُ، وَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ﴾ (٣)
قَال الْخَطِيبُ الْقَزْوِينِيُّ فِي الإِْيضَاحِ: أَيْ شَاوِرْهُمْ فِي الْفِعْل الَّذِي تَعْزِمُ عَلَيْهِ. وَيُجْمَعُ بِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى (أُمُورٍ) .
الثَّانِي: طَلَبُ الْفِعْل، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى نَقِيضُ النَّهْيِ. وَجَمْعُهُ (أَوَامِرُ) فَرْقًا بَيْنَهُمَا، كَمَا قَالَهُ الْفَيُّومِيُّ (٤) .
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ يُسْتَعْمَل الأَْمْرُ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِل:
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى:
قَال بَعْضُهُمْ: لَفْظُ (الأَْمْرِ) مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ. وَقَال آخَرُونَ: بَل هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْل стр. 3757
الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ قَوْل الطَّالِبِ لِلْفِعْل، مَجَازٌ فِي الْحَال وَالشَّأْنِ. وَقِيل: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا (١) .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
طَلَبُ الْفِعْل لاَ يُسَمَّى أَمْرًا حَقِيقَةً، إِلاَّ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَتْمِ وَالإِْلْزَامِ.
وَاسْتَدَل مَنْ قَال بِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأََمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُل وُضُوءٍ (٢) قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الأَْمْرُ عَلَى وَجْهِ الْحَتْمِ مَا كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ. وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال الْبَاقِلاَّنِيُّ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، بَل طَلَبُ الْفِعْل أَمْرٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ التَّحَتُّمِ، فَيَدْخُل الْمَنْدُوبُ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ حَقِيقَةً. (٣)
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
إِنَّ طَلَبَ الْفِعْل لاَ يُسَمَّى أَمْرًا حَقِيقَةً إِلاَّ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل الاِسْتِعْلاَءِ، أَيِ اسْتِعْلاَءِ الآْمِرِ عَلَى الْمَأْمُورِ، احْتِرَازًا عَنِ الدُّعَاءِ وَالاِلْتِمَاسِ، فَهُوَ شَرْطُ أَكْثَرِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَالآْمِدِيِّ مِنَ الأَْشْعَرِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الرَّازِيُّ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، لِذَمِّ الْعُقَلاَءِ الأَْدْنَى بِأَمْرِهِ مَنْ هُوَ أَعْلَى.
وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ يَجِبُ الْعُلُوُّ فِي الأَْمْرِ، وَإِلاَّ كَانَ دُعَاءً أَوِ الْتِمَاسًا. стр. 3758
وَعِنْدَ الأَْشْعَرِيِّ لاَ يُشْتَرَطُ الْعُلُوُّ وَلاَ الاِسْتِعْلاَءُ، وَبِهِ قَال أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: وَهُوَ الْحَقُّ، (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ . (٢)
صِيَغُ الأَْمْرِ:
٢ - لِلأَْمْرِ صِيَغٌ صَرِيحَةٌ وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: فِعْل الأَْمْرِ، مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤) ، وَاسْمُ فِعْل الأَْمْرِ نَحْوُ: نَزَال، وَالْمُضَارِعُ الْمُقْتَرِنُ بِلاَمِ الأَْمْرِ، نَحْوَ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٥) . وَصِيَغٌ غَيْرُ صَرِيحَةٍ، قَال الشَّاطِبِيُّ:
(أ) مِنْهَا: مَا جَاءَ مَجِيءَ الإِْخْبَارِ عَنْ تَقْرِيرِ الْحُكْمِ، نَحْوُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ . (٦)
(ب) وَمِنْهَا: مَا جَاءَ مَجِيءَ مَدْحِهِ أَوْ مَدْحِ فَاعِلِهِ، نَحْوَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ . (٧)
(ج) وَمِنْهَا: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ، كَالْمَفْرُوضِ فِي مَسْأَلَةِ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، كَغَسْل جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ، لاِسْتِيفَاءِ غَسْل الْوَجْهِ. (٨) стр. 3759
دَلاَلَةُ صِيغَةِ الأَْمْرِ الصَّرِيحَةِ:
٣ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي دَلاَلَةِ صِيغَةِ (افْعَل) غَيْرِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يُعَيِّنُ مَعْنَاهَا.
فَهِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، وَعِنْدَ أَبِي هَاشِمٍ وَكَثِيرٍ مِنَ الأُْصُولِيِّينَ حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيل: مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيل: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِمُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الاِقْتِضَاءُ حَتْمًا كَانَ أَوْ نَدْبًا، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ، وَنُسِبَ إِلَى مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ.
٤ - الأَْمْرُ الْوَارِدُ بَعْدَ الْحَظْرِ هُوَ لِلإِْبَاحَةِ عِنْدَ الأَْكْثَرِ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَالآْمِدِيُّ كَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلاَ فَزُورُوهَا. (١)
وَلِلْوُجُوبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ الْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةِ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيُّ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَاخْتَارَ ابْنُ الْهُمَامِ وَالشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ الْحُكْمُ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل الْحَظْرِ إِبَاحَةً أَوْ وُجُوبًا. (٢)
وُرُودُ الأَْمْرِ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ:
٥ - تَرِدُ صِيغَةُ الأَْمْرِ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ فِي أَكْثَرِ مِنْ عِشْرِينَ مَعْنًى، مِنْهَا: الاِلْتِمَاسُ وَالتَّهْدِيدُ.
اقْتِضَاءُ الأَْمْرِ لِلتَّكْرَارِ:
٦ - الأَْمْرُ لِطَلَبِ الْفِعْل مُطْلَقًا لاَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَيَبْرَأُ بِالْفِعْل مَرَّةً وَيَحْتَمِل التَّكْرَارَ، стр. 3760
وَاخْتَارَهُ الرَّازِيُّ وَالآْمِدِيُّ.
وَقَال الأُْسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإِْسْفِرَايِينِيُّ: هُوَ لاَزِمٌ مُدَّةَ الْعُمُرِ إِنْ أَمْكَنَ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْل الأُْصُول إِلَى أَنَّهَا لِلْمَرَّةِ، وَلاَ يَحْتَمِل التَّكْرَارَ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ. أَمَّا إِنْ قُيِّدَ بِشَرْطٍ، نَحْوَ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١) أَوْ بِالصِّفَةِ نَحْوَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ أَوِ الصِّفَةِ، وَقِيل بِالْوَقْفِ فِي ذَلِكَ. (٣)
دَلاَلَةُ الأَْمْرِ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي:
٧ - الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الأَْمْرَ لِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ كَمَا يَجُوزُ الْبِدَارُ، وَعُزِيَ إِلَى الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ. وَاخْتَارَهُ الرَّازِيُّ وَالآْمِدِيُّ.
وَقِيل: يُوجِبُ الْفَوْرَ، وَعُزِيَ إِلَى الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْكَرْخِيِّ، وَاخْتَارَهُ السَّكَّاكِيُّ وَالْقَاضِي.
وَتَوَقَّفَ الإِْمَامُ فِي أَنَّهُ لِلْفَوْرِ أَوْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي. (٤)
الأَْمْرُ بِالأَْمْرِ:
٨ - مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يَأْمُرَ آخَرَ بِفِعْلٍ مَا فَلَيْسَ هَذَا أَمْرًا لِلْمَأْمُورِ الثَّانِي عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ. فَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ стр. 3761
سَبْعِ سِنِينَ (١) لَيْسَ أَمْرًا مِنْهُ لِلصِّبْيَانِ بِالصَّلاَةِ. لَكِنْ إِنْ أَفْهَمَتِ الْقَرِينَةُ أَنَّ الْوَاسِطَةَ مُجَرَّدُ مُبَلِّغٍ كَانَ الأَْمْرُ بِالأَْمْرِ أَمْرًا لِلْمَأْمُورِ الثَّانِي، وَمِنْهُ أَنَّ عُمَرَ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَال: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا (٢) . وَلَيْسَ مِنْ مَوْضُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَوْ صَرَّحَ الأَْمْرُ بِالتَّبْلِيغِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: (قُل لِفُلاَنٍ يَفْعَل كَذَا) فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لِلثَّانِي بِلاَ خِلاَفٍ. (٣)
تَكْرَارُ الأَْمْرِ:
٩ - إِذَا كَرَّرَ الآْمِرُ الأَْمْرَ قَبْل أَنْ يُنَفِّذَ الْمَأْمُورُ الأَْمْرَ الأَْوَّل، فَقَدْ يَتَعَيَّنُ الثَّانِي لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا فِي نَحْوِ: صُمْ هَذَا الْيَوْمَ، صُمْ هَذَا الْيَوْمَ، إِذْ لاَ يُصَامُ الْيَوْمُ مَرَّتَيْنِ. وَنَحْوُ: اسْقِنِي اسْقِنِي، فَإِنَّ الْحَاجَةَ الَّتِي دَعَتْ إِلَى طَلَبِ الْمَاءِ تَنْدَفِعُ بِالشُّرْبِ الأَْوَّل. فَإِنْ دَارَ الثَّانِي بَيْنَ التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ، فَقِيل: يُحْمَل عَلَى التَّأْسِيسِ احْتِيَاطًا، وَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ الإِْتْيَانَ بِالْفِعْل مُكَرَّرًا. وَقِيل: يُحْمَل عَلَى التَّأْكِيدِ لِكَثْرَتِهِ فِي الْكَلاَمِ. (٤)
امْتِثَال الآْمِرِ يَقْتَضِي الإِْجْزَاءَ:
١٠ - الْمَأْمُورُ إِذَا أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ كَمَا طُلِبَ стр. 3762
مَعَ الشَّرَائِطِ وَالأَْرْكَانِ، يَسْتَلْزِمُ الإِْجْزَاءَ اتِّفَاقًا، إِذَا فُسِّرَ الإِْجْزَاءُ بِالاِمْتِثَال. أَمَّا إِنْ فُسِّرَ الإِْجْزَاءُ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الإِْتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ يُسْقِطُهُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيِّ. (١)
تَعَارُضُ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ:
١١ - النَّهْيُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ يَتَرَجَّحُ عَلَى الأَْمْرِ، لأَِنَّ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنَ النَّهْيِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ، وَلِذَا يَتَرَجَّحُ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى حَدِيثِ الأَْمْرِ بِصَلاَةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْل الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ، فِي حَقِّ مَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ قُبَيْل غُرُوبِ الشَّمْسِ مَثَلاً. (٢)
وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِل الْمُتَقَدِّمَةِ خِلاَفَاتٌ وَتَفْصِيلاَتٌ أَوْسَعُ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا ضِمْنَ مَبَاحِثِ الأَْمْرِ مِنْ كُتُبِ أُصُول الْفِقْهِ، وَالْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
الأَْحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ إِجْمَالاً:
طَاعَةُ الأَْوَامِرِ:
١٢ - تَجِبُ طَاعَةُ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَكَذَلِكَ أَوَامِرُ رَسُولِهِ ﷺ . وَيُطَاعُ سِوَاهُمَا فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ (٣) فَيُطَاعُ الأَْبَوَانِ وَوَلِيُّ الأَْمْرِ وَنُوَّابُهُ فِي غَيْرِ الْحَرَامِ. (ر: طَاعَة) . стр. 3763
الأَْمْرُ فِي الْجِنَايَاتِ:
١٣ - مَنْ أَمَرَ إِنْسَانًا بِقَتْل إِنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِل دُونَ الآْمِرِ، إِنْ كَانَ الْقَاتِل مُكَلَّفًا، لَكِنْ إِنْ كَانَ لِلآْمِرِ وِلاَيَةٌ عَلَى الْمَأْمُورِ، أَوْ خَافَ الْمَأْمُورُ عَلَى نَفْسِهِ لَوْ لَمْ يَفْعَل، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ. (١) يُنْظَرُ فِي (إِكْرَاه، وَقَتْل، وَقِصَاص)
ضَمَانُ الآْمِرِ:
١٤ - مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِعَمَلٍ، فَأَتْلَفَ شَيْئًا، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتْلِفِ لاَ عَلَى الآْمِرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ، مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الآْمِرُ سُلْطَانًا أَوْ أَبًا، أَوْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ أَجِيرًا لَدَى الآْمِرِ (٢) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (ضَمَان وَإِكْرَاه) .
الإِْيجَابُ أَوِ الْقَبُول بِصِيغَةِ الأَْمْرِ:
١٥ - إِذَا قَال: بِعْنِي هَذَا الثَّوْبَ بِعِشْرِينَ، فَقَال: بِعْتُكَ بِهَا، انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَصَحَّ. وَكَذَا لَوْ قَال الْبَائِعُ: اشْتَرِ مِنِّي هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا، فَقَال: اشْتَرَيْتُهُ بِهِ، لِصِدْقِ حَدِّ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول عَلَيْهِمَا. وَكَذَا فِي التَّزْوِيجِ، لَوْ قَال لِرَجُلٍ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، فَقَال: زَوَّجْتُكَهَا، يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ. وَهَذَا بِخِلاَفِ الاِسْتِفْهَامِ أَوِ التَّمَنِّي مَثَلاً، فَلاَ يَنْعَقِدُ بِهِمَا الْعَقْدُ. كَمَا لَوْ قَال: أَتَبِيعُنِي هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا فَقَال: بِعْتُكَهُ стр. 3764
بِهَا (١) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، وَفِي بَعْضِهِ خِلاَفٌ (ر: صِيغَة، عَقْد، زَوَاج) .
امْرَأَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَرْءُ هُوَ الإِْنْسَانُ، وَالأُْنْثَى مِنْهُ (مَرْأَةٌ) بِإِضَافَةِ تَاءِ التَّأْنِيثِ، وَقَدْ تَلْحَقُ بِهَا هَمْزَةُ الْوَصْل فَتُصْبِحُ (امْرَأَة) وَهِيَ اسْمٌ لِلْبَالِغَةِ. (٢)
وَهَذَا فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ، إِلاَّ أَنَّهَا فِي بَعْضِ الأَْبْوَابِ كَالْمَوَارِيثِ تَصْدُقُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - يُمْكِنُ إِجْمَال مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَرْأَةِ مِنْ أَحْكَامٍ غَالِبًا فِيمَا يَأْتِي:
أ - الْمَرْأَةُ كَإِنْسَانٍ لَهَا حَقُّ الرِّعَايَةِ فِي طُفُولَتِهَا مِنْ تَرْبِيَةٍ وَتَعْلِيمٍ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَوْسَعَ عَلَيْهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أَسْبَغَ عَلَيْهِ، كَانَتْ لَهُ مَنَعَةً وَسُتْرَةً مِنَ النَّارِ. (٣) стр. 3765
وَإِذَا رَشَدَتْ كَانَتْ لَهَا ذِمَّتُهَا الْمَالِيَّةُ الْمُسْتَقِلَّةُ، وَصَارَ لَهَا حُرِّيَّةُ التَّعْبِيرِ عَنْ إِرَادَتِهَا، وَلِذَلِكَ لاَ تُزَوَّجُ بِدُونِ إِذْنِهَا. (١)
ب - وَالْمَرْأَةُ كَأُنْثَى، مُطَالَبَةٌ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَظَاهِرِ أُنُوثَتِهَا، فَلَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ بِزِينَةِ النِّسَاءِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا التَّشَبُّهُ بِالرِّجَال.
وَمُطَالَبَةٌ كَذَلِكَ بِالتَّسَتُّرِ وَعَدَمِ الاِخْتِلاَطِ بِالرِّجَال الأَْجَانِبِ أَوِ الْخَلْوَةِ بِهِمْ، وَلِذَلِكَ تَقِفُ فِي الصَّلاَةِ مُتَأَخِّرَةً عَنْ صُفُوفِ الرِّجَال. (٢)
ج - وَالْمَرْأَةُ كَمُسْلِمَةٍ، مُطَالَبَةٌ بِكُل التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، مَعَ الاِخْتِلاَفِ عَنِ الذَّكَرِ فِي بَعْضِ هَيْئَاتِ الْعِبَادَةِ. (٣)
د - وَالْمَرْأَةُ اخْتَصَّهَا اللَّهُ بِالْحَيْضِ وَالْحَمْل وَالْوِلاَدَةِ، وَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ كَالتَّخْفِيفِ عَنْهَا فِي الْعِبَادَاتِ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ. (٤)
هـ - وَلِضَعْفِ الْمَرْأَةِ فِي الْخِلْقَةِ وَالتَّكْوِينِ، فَإِنَّهَا لاَ تَتَوَلَّى مِنَ الأَْعْمَال مَا يَحْتَاجُ إِلَى بَذْل الْجُهْدِ الْجَسَدِيِّ وَالذِّهْنِيِّ كَالإِْمَارَةِ وَالْقَضَاءِ، وَلَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهَا الْجِهَادُ فِي الْجُمْلَةِ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ стр. 3766
شَهَادَةِ الرَّجُل. (١)
و وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ أَكْثَرُ حَنَانًا وَشَفَقَةً مِنَ الرَّجُل كَانَ حَقُّهَا فِي الْحَضَانَةِ مُقَدَّمًا عَلَى الرَّجُل. (٢)
ز - وَالأَْصْل أَنْ يَكُونَ عَمَل الْمَرْأَةِ هُوَ رِعَايَةَ بَيْتِهَا وَزَوْجِهَا وَأَوْلاَدِهَا، لِذَلِكَ كَانَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا وَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً. وَكَانَ الرَّجُل قَوَّامًا عَلَيْهَا، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّل اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ . (٣)
وَتَفْصِيل كُل هَذِهِ الأُْمُورِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أُنُوثَة) .
الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْمْرُ فِي اللُّغَةِ: كَلاَمٌ دَالٌّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْل، أَوْ قَوْل الْقَائِل لِمَنْ دُونَهُ: افْعَل.
وَأَمَرْتُ بِالْمَعْرُوفِ: أَيْ بِالْخَيْرِ وَالإِْحْسَانِ.
وَيَقُول ابْنُ الأَْثِيرِ: الْمَعْرُوفُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُل مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالإِْحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَكُل مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ مِنَ الْمُحَسَّنَاتِ، وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُقَبَّحَاتِ. وَهُوَ مِنَ стр. 3767
الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ أَيْ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ، إِذَا رَأَوْهُ لاَ يُنْكِرُونَهُ (١) .
وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الأَْمْرُ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَدِينِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَصْل الْمَعْرُوفِ: كُل مَا كَانَ مَعْرُوفًا فِعْلُهُ جَمِيلاً غَيْرَ مُسْتَقْبَحٍ عِنْدَ أَهْل الإِْيمَانِ، وَلاَ يَسْتَنْكِرُونَ فِعْلَهُ.
أَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنَّ النَّهْيَ فِي اللُّغَةِ ضِدُّ الأَْمْرِ، وَهُوَ قَوْل الْقَائِل لِمَنْ دُونَهُ: لاَ تَفْعَل.
وَالْمُنْكَرُ لُغَةً: الأَْمْرُ الْقَبِيحُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمُنْكَرُ مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.
فَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الاِصْطِلاَحِ: طَلَبُ الْكَفِّ عَنْ فِعْل مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى (٢) .
هَذَا، وَقَدْ عَرَّفَ الزُّبَيْدِيُّ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ بِقَوْلِهِ: هُوَ مَا قَبِلَهُ الْعَقْل، وَأَقَرَّهُ الشَّرْعُ، وَوَافَقَ كَرَمَ الطَّبْعِ. وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ: هُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحِسْبَةُ:
٢ - الاِحْتِسَابُ فِي اللُّغَةِ: الْعَدُّ وَالْحِسَابُ وَنَحْوُهُ، وَمِنْهُ احْتِسَابُ الأَْجْرِ عِنْدَ اللَّهِ، أَيْ: طَلَبُهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَهُ (٣) أَيِ: احْتَسَبَ الأَْجْرَ بِصَبْرِهِ عَلَى مُصِيبَتِهِ بِهِ، قَال стр. 3768
صَاحِبُ اللِّسَانِ: مَعْنَاهُ عَدَّ مُصِيبَتَهُ بِهِ فِي جُمْلَةِ بَلاَيَا اللَّهِ الَّتِي يُثَابُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا.
وَفِي الشَّرِيعَةِ يَتَنَاوَل كُل مَشْرُوعٍ يُؤَدَّى لِلَّهِ تَعَالَى، كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، إِلَخْ، وَلِهَذَا قِيل: الْقَضَاءُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِسْبَةِ.
قَال التَّهَانُوِيُّ: وَاخْتَصَّ فِي الْعُرْفِ بِأُمُورٍ، مِنْهَا: إِرَاقَةُ الْخَمْرِ وَكَسْرُ الْمَعَازِفِ وَإِصْلاَحُ الشَّوَارِعِ، وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ. (١)
وَالْحِسْبَةُ مِنَ الْوِلاَيَاتِ الإِْسْلاَمِيَّةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ مِمَّا لَيْسَ مِنِ اخْتِصَاصِ الْوُلاَةِ وَالْقُضَاةِ وَأَهْل الدِّيوَانِ وَنَحْوِهِمْ.
وَمِمَّا يُقَارِبُ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ - النُّصْحُ وَالإِْرْشَادُ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَهُمَا فِي مُصْطَلَحِ (إِرْشَاد) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَحَكَى الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِهِ، وَتَطَابَقَتْ آيَاتُ الْكِتَابِ وَأَحَادِيثُ الرَّسُول ﷺ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ. (٢)
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . (٣)
وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ стр. 3769
بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ. (١)
قَال الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ: الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ أَصْل الدِّينِ، وَأَسَاسُ رِسَالَةِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَوْ طُوِيَ بِسَاطُهُ، وَأُهْمِل عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ، لَتَعَطَّلَتِ النُّبُوَّةُ وَاضْمَحَلَّتِ الدِّيَانَةُ، وَعَمَّتِ الْفَوْضَى، وَهَلَكَ الْعِبَادُ. (٢)
إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي حُكْمِهِ، هَل هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ، أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، أَوْ نَافِلَةٌ؟ أَوْ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ يَكُونُ تَابِعًا لِقَاعِدَةِ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ. عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْل السُّنَّةِ، وَبِهِ قَال الضَّحَّاكُ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَالطَّبَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي مَوَاضِعَ:
أ - إِذَا كَانَ الْمُنْكَرُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَعْلَمُ بِهِ إِلاَّ هُوَ، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إِزَالَتِهِ.
ب - مَنْ يَرَى الْمُنْكَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ، أَوْ يَرَى الإِْخْلاَل بِشَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ.
ج - وَالِي الْحِسْبَةِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، لاِخْتِصَاصِهِ بِهَذَا الْفَرْضِ. (٣)
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: إِنَّ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ نَافِلَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ.
الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: التَّفْصِيل، وَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: стр. 3770
الْقَوْل الأَْوَّل: إِنَّ الأَْمْرَ وَالنَّهْيَ يَكُونُ وَاجِبًا فِي الْوَاجِبِ فِعْلُهُ أَوْ فِي الْوَاجِبِ تَرْكُهُ، وَمَنْدُوبًا فِي الْمَنْدُوبِ فِعْلُهُ أَوْ فِي الْمَنْدُوبِ تَرْكُهُ هَكَذَا، وَهُوَ رَأْيُ جَلاَل الدِّينِ الْبُلْقِينِيِّ وَالأَْذْرَعِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. (١)
الْقَوْل الثَّانِي: فَرَّقَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ بَيْنَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَال: إِنَّ الأَْمْرَ بِالْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَبِالنَّافِلَةِ نَافِلَةٌ، وَأَمَّا الْمُنْكَرُ فَكُلُّهُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْ جَمِيعِهِ. (٢)
الْقَوْل الثَّالِثُ: لاِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ وَعِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ، قَالُوا: إِنَّ مَقْصُودَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَزُول وَيَخْلُفَهُ ضِدُّهُ، أَوْ يَقِل وَإِنْ لَمْ يَزُل بِجُمْلَتِهِ، أَوْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَالأَْوَّلاَنِ مَشْرُوعَانِ، وَالثَّالِثُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَالرَّابِعُ مُحَرَّمٌ. (٣)
أَرْكَانُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:
٤ - عَقَدَ الْغَزَالِيُّ فِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ مَبْحَثًا جَيِّدًا لأَِرْكَانِهِ، وَحَاصِلُهُ مَا يَلِي: الأَْرْكَانُ اللاَّزِمَةُ لِلأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ:
(أ) الأَْمْرُ.
(ب) مَا فِيهِ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ (الْمَأْمُورُ فِيهِ) .
(ج) نَفْسُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (الصِّيغَةُ) .
(د) الْمَأْمُورُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ لِكُل رُكْنٍ مِنَ الأَْرْكَانِ شُرُوطُهُ الْخَاصَّةُ بِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: стр. 3771
أَوَّلاً: الآْمِرُ وَشُرُوطُهُ:
أ - التَّكْلِيفُ، وَلاَ يَخْفَى وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ، فَإِنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لاَ يَلْزَمُهُ أَمْرٌ، وَمَا ذُكِرَ يُرَادُ بِهِ شَرْطُ الْوُجُوبِ، فَأَمَّا إِمْكَانُ الْفِعْل وَجَوَازُهُ فَلاَ يَسْتَدْعِي إِلاَّ الْعَقْل.
ب - الإِْيمَانُ، وَلاَ يَخْفَى وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ، لأَِنَّ هَذَا نُصْرَةٌ لِلدِّينِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ هُوَ جَاحِدٌ لأَِصْلِهِ وَمِنْ أَعْدَائِهِ.
ج - الْعَدَالَةُ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الشَّرْطِ، فَاعْتَبَرَهَا قَوْمٌ، وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْفَاسِقِ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) . وقَوْله تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ (٢) . وَقَال آخَرُونَ: لاَ تُشْتَرَطُ فِي الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعِصْمَةُ مِنَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا، وَإِلاَّ كَانَ خَرْقًا لِلإِْجْمَاعِ، وَلِهَذَا قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلاَّ مَنْ لاَ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ. وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فَأَعْجَبَهُ.
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ بِأَنَّ لِشَارِبِ الْخَمْرِ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَكَذَلِكَ ظَالِمُ الْيَتِيمِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ لاَ فِي عَهْدِ الرَّسُول ﷺ وَلاَ بَعْدَهُ.
ثَانِيًا: مَحَل الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَشُرُوطُهُ:
أ - كَوْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ مَعْرُوفًا فِي الشَّرْعِ، وَكَوْنُ стр. 3772
الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَحْظُورَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرْعِ.
ب - أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْحَال، وَهَذَا احْتِرَازٌ عَمَّا فُرِغَ مِنْهُ.
ج - أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ ظَاهِرًا بِغَيْرِ تَجَسُّسٍ، فَكُل مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ لاَ يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ (١) وَقَال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (٢) وَقَال: ﴿لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ . (٣)
د - أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ مُعْتَبَرٍ، فَكُل مَا هُوَ مَحَل اجْتِهَادٍ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلإِْنْكَارِ، بَل يَكُونُ مَحَلًّا لِلإِْرْشَادِ، يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِرْشَاد) . (٤)
ثَالِثًا: الشَّخْصُ الْمَأْمُورُ أَوِ الْمَنْهِيُّ:
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِصِفَةٍ يَصِيرُ الْفِعْل الْمَمْنُوعُ مِنْهُ فِي حَقِّهِ مُنْكَرًا، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا، إِذْ لَوْ شَرِبَ الصَّبِيُّ الْخَمْرَ مُنِعَ مِنْهُ وَأُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَبْل الْبُلُوغِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُمَيِّزًا، فَالْمَجْنُونُ أَوِ الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيَّزِ لَوْ وُجِدَا يَرْتَكِبَانِ مُنْكَرًا لَوَجَبَ مَنْعُهُمَا مِنْهُ. стр. 3773
رَابِعًا: نَفْسُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:
وَلَهُ دَرَجَاتٌ وَآدَابٌ. أَمَّا الدَّرَجَاتُ فَأَوَّلُهَا التَّعْرِيفُ، ثُمَّ النَّهْيُ، ثُمَّ الْوَعْظُ وَالنُّصْحُ، ثُمَّ التَّعْنِيفُ، ثُمَّ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ، ثُمَّ التَّهْدِيدُ بِالضَّرْبِ، ثُمَّ إِيقَاعُ الضَّرْبِ، ثُمَّ شَهْرُ السِّلاَحِ، ثُمَّ الاِسْتِظْهَارُ فِيهِ بِالأَْعْوَانِ وَالْجُنُودِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ. (١)
مَرَاتِبُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:
٥ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَرَاتِبَ الأَْسَاسِيَّةَ لِلأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ثَلاَثٌ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (٢)
فَمِنْ وَسَائِل الإِْنْكَارِ التَّعْرِيفُ بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ، لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَخَاصَّةً لأَِصْحَابِ الْجَاهِ وَالْعِزَّةِ وَالسُّلْطَانِ وَلِلظَّالِمِ الْمَخُوفِ شَرُّهُ، فَهُوَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِهِ الْمَوْعِظَةَ. وَأَعْلَى الْمَرَاتِبُ الْيَدُ، فَيَكْسِرُ آلاَتِ الْبَاطِل وَيُرِيقُ الْمُسْكِرَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يَفْعَلُهُ، وَيَنْزِعُ الْمَغْصُوبَ، وَيَرُدُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا انْتَهَى الأَْمْرُ بِذَلِكَ إِلَى شَهْرِ السِّلاَحِ رَبَطَ الأَْمْرَ بِالسُّلْطَانِ.
وَقَدْ فَصَّل الْغَزَالِيُّ فِي الإِْحْيَاءِ مَرَاتِبَ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ стр. 3774
وَقَسَّمَهَا إِلَى سَبْعِ مَرَاتِبَ، تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حِسْبَة) .
هَذَا وَيَجِبُ قِتَال الْمُقِيمِينَ عَلَى الْمَعَاصِي الْمُوبِقَاتِ، الْمُصِرِّينَ عَلَيْهَا الْمُجَاهِرِينَ بِهَا عَلَى كُل أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَرْتَدِعُوا - وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلإِْمَامِ - لأَِنَّنَا مَأْمُورُونَ بِوُجُوبِ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ، وَالنَّكِيرِ بِمَا أَمْكَنَ بِالْيَدِ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْ بِلِسَانِهِ، وَذَلِكَ إِذَا رَجَا أَنَّهُ إِنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْل أَنْ يَزُولُوا عَنْهُ وَيَتْرُكُوهُ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ. فَلَوْ قَدَرَ وَاحِدٌ بِالْيَدِ وَآخَرُونَ بِاللِّسَانِ تَعَيَّنَ عَلَى الأَْوَّل، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ التَّأْثِيرُ بِاللِّسَانِ أَقْرَب، أَوْ أَنَّهُ يَتَأَثَّرُ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فِي حِينِ لاَ يَتَأَثَّرُ بِذِي الْيَدِ إِلاَّ ظَاهِرًا فَقَطْ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى ذِي اللِّسَانِ حِينَئِذٍ.
٦ - وَلاَ يَسْقُطُ الإِْنْكَارُ بِالْقَلْبِ عَنِ الْمُكَلَّفِ بِالْيَدِ أَوِ اللِّسَانِ أَصْلاً، إِذْ هُوَ كَرَاهَةُ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَلَّفُ عَنِ الإِْنْكَارِ بِاللِّسَانِ وَقَدَرَ عَلَى التَّعْبِيسِ وَالْهَجْرِ وَالنَّظَرِ شَزْرًا لَزِمَهُ، وَلاَ يَكْفِيهِ إِنْكَارُ الْقَلْبِ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْكَرَ بِالْقَلْبِ وَاجْتَنَبَ صَاحِبَ الْمَعْصِيَةِ. قَال ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: جَاهِدُوا الْكُفَّارَ بِأَيْدِيكُمْ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا إِلاَّ أَنْ تَكْفَهِرُّوا فِي وُجُوهِهِمْ فَافْعَلُوا (١) .
أَخْذُ الأَْجْرِ عَلَى الْقِيَامِ بِالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:
٧ - الأَْصْل أَنَّ كُل طَاعَةٍ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا، стр. 3775
كَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالأَْذَانِ وَالْحَجِّ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْجِهَادِ. وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (١) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَال: إِنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لاَ يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا (٢) وَمَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَال: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْل الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا، قُلْتُ:
قَوْسٌ وَلَيْسَ بِمَالٍ، أَتَقَلَّدُهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال: إِنْ كُنْت تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا (٣)
وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَمُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ ذَلِكَ (٤) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَال بِهِ أَبُو قِلاَبَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، " لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ رَجُلاً بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ (٥) وَجَعَل ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَهْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَحَقُّ стр. 3776
مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ (١)
عَلَى أَنَّ الْمُحْتَسِبَ الْمُعَيَّنَ يُفْرَضُ لَهُ كِفَايَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، مَا يُفْرَضُ لِلْقُضَاةِ وَأَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ، بِخِلاَفِ الْمُتَطَوِّعِ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَفَرِّغٍ لِذَلِكَ (٢) . (ر: إِجَارَة) .
أَمْرَدُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْمْرَدُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْمَرَدِ، وَهُوَ نَقَاءُ الْخَدَّيْنِ مِنَ الشَّعْرِ، يُقَال: مَرَدَ الْغُلاَمُ مَرَدًا: إِذَا طَرَّ شَارِبُهُ وَلَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ. (٣)
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ مَنْ لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ، وَلَمْ يَصِل إِلَى أَوَانِ إِنْبَاتِهَا فِي غَالِبِ النَّاسِ (٤)
وَالظَّاهِرُ أَنَّ طُرُورَ الشَّارِبِ وَبُلُوغَهُ مَبْلَغَ الرِّجَال لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَل هُوَ بَيَانٌ لِغَايَتِهِ، وَأَنَّ ابْتِدَاءَهُ حِينَ بُلُوغِهِ سِنًّا تَشْتَهِيهِ النِّسَاءُ. (٥)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الأَْجْرَدُ:
٢ - الأَْجْرَدُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَنْ لاَ شَعْرَ عَلَى جَسَدِهِ، стр. 3777
وَالْمَرْأَةُ جَرْدَاءُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الَّذِي لَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ شَعْرٌ، وَقَدْ مَضَى أَوَانُ طُلُوعِ لِحْيَتِهِ. وَيُقَال لَهُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا: ثَطٌّ وَأَثَطُّ. (١) (ر: أَجْرَد)
أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ شَعْرٌ، فَهُوَ أَشْعَرُ (٢) .
الْمُرَاهِقُ:
٣ - إِذَا قَارَبَ الْغُلاَمُ الاِحْتِلاَمَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ فَهُوَ مُرَاهِقٌ. فَيُقَال: جَارِيَةٌ مُرَاهِقَةٌ، وَغُلاَمٌ مُرَاهِقٌ، وَيُقَال أَيْضًا: جَارِيَةٌ رَاهِقَةٌ وَغُلاَمٌ رَاهِقٌ (٣) .
الأَْحْكَامُ الإِْجْمَالِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالأَْمْرَدِ:
أَوَّلاً: النَّظَرُ وَالْخَلْوَةُ:
٤ - إِنْ كَانَ الأَْمْرَدُ غَيْرَ صَبِيحٍ وَلاَ يَفْتِنُ، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ غَيْرِهِ مِنَ الرِّجَال. (٤)
أَمَّا إِنْ كَانَ صَبِيحًا حَسَنًا يَفْتِنُ، وَضَابِطُهُ أَنْ يَكُونَ جَمِيلاً بِحَسَبِ طَبْعِ النَّاظِرِ وَلَوْ كَانَ أَسْوَدَ، لأَِنَّ الْحُسْنَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الطِّبَاعِ (٥) فَلَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حَالَتَانِ:
الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ وَالْخَلْوَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالأَْمْرِ بِلاَ قَصْدِ الاِلْتِذَاذِ، وَالنَّاظِرُ مَعَ ذَلِكَ آمِنُ الْفِتْنَةِ، كَنَظَرِ الرَّجُل إِلَى وَلَدِهِ أَوْ أَخِيهِ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ، فَهُوَ فِي غَالِبِ الأَْحْوَال لاَ يَكُونُ стр. 3778
بِتَلَذُّذٍ، فَهَذَا مُبَاحٌ وَلاَ إِثْمَ فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِلَذَّةٍ وَشَهْوَةٍ، فَالنَّظَرُ إِلَيْهِ حَرَامٌ. (١)
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّة أَنَّ الأَْمْرَدَ يَلْحَقُ بِالْمَرْأَةِ فِي النَّظَرِ إِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ، وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِهَا، وَحُرْمَةُ النَّظَرِ إِلَيْهِ بِشَهْوَةٍ أَعْظَمُ إِثْمًا، قَالُوا: لأَِنَّ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ أَعْظَمُ مِنْهَا. (٢)
أَمَّا الْخَلْوَةُ بِالأَْمْرَدِ فَهِيَ كَالنَّظَرِ، بَل أَقْرَبُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ (٣) حَتَّى رَأَى الشَّافِعِيَّةُ حُرْمَةَ خَلْوَةِ الأَْمْرَدِ بِالأَْمْرَدِ وَإِنْ تَعَدَّدَ، أَوْ خَلْوَةُ الرَّجُل بِالأَْمْرَدِ وَإِنْ تَعَدَّدَ. نَعَمْ إِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ رِيبَةٌ فَلاَ تَحْرُمُ كَشَارِعٍ وَمَسْجِدٍ مَطْرُوقٍ. (٤)
ثَانِيًا: مُصَافَحَةُ الأَْمْرَدِ:
٥ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى حُرْمَةِ مَسِّ وَمُصَافَحَةِ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَسَّ بِشَهْوَةٍ عِنْدَهُمْ كَالنَّظَرِ بَل أَقْوَى وَأَبْلَغُ مِنْهُ. (٥)
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ كَرَاهَةَ مَسِّ الأَْمْرَدِ وَمُصَافَحَتِهِ (٦) . стр. 3779
ثَالِثًا: انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الأَْمْرَدِ:
٦ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ إِنَّهُ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِلَمْسِ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ لِشَهْوَةٍ. (١) وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لأَِحْمَدَ - عَدَمَ انْتِقَاضِهِ. (٢)
رَابِعًا: إِمَامَةُ الأَْمْرَدِ:
٧ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ خَلْفَ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مَحَل فِتْنَةٍ. (٣) وَلَمْ نَجِدْ نَصًّا لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
خَامِسًا: مَا يُرَاعَى فِي التَّعَامُل مَعَ الأَْمْرَدِ وَتَطْبِيبِهِ:
٨ - التَّعَامُل مَعَ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ مِنْ غَيْرِ الْمَحَارِمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الْحَذَرِ غَالِبًا (٤) وَلَوْ فِي مَقَامِ تَعْلِيمِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الآْفَاتِ.
وَعِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى مُعَامَلَةِ الأَْمْرَدِ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ نَحْوِهِ يَنْبَغِي الاِقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَبِشَرْطِ السَّلاَمَةِ وَحِفْظِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ عِنْدَ التَّعَامُل مَعَهُمْ، وَحَمْلِهِمْ عَلَى الْجِدِّ وَالتَّأَدُّبِ وَمُجَانَبَةِ الاِنْبِسَاطِ مَعَهُمْ. (٥) стр. 3780
وَالأَْصْل: أَنَّ كُل مَا كَانَ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ، حَيْثُ يَجِبُ سَدُّ الذَّرِيعَةِ إِلَى الْفَسَادِ إِذَا لَمْ يُعَارِضْهَا مَصْلَحَةٌ. (١)
إِمْسَاكٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الإِْمْسَاكِ فِي اللُّغَةِ الْقَبْضُ. يُقَال: أَمْسَكْتُهُ بِيَدِي إِمْسَاكًا: قَبَضْتُهُ، وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا الْكَفُّ، يُقَال: أَمْسَكْتُ عَنِ الأَْمْرِ: كَفَفْتُ عَنْهُ. (٢)
وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ، لأَِنَّ مُرَادَهُمْ بِالإِْمْسَاكِ فِي الْجِنَايَاتِ الْقَبْضُ بِالْيَدِ. فَإِذَا أَمْسَكَ رَجُلٌ آخَرَ فَقَتَلَهُ الثَّالِثُ يُقْتَل الْمُمْسِكُ قِصَاصًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَ الإِْمْسَاكُ بِقَصْدِ الْقَتْل، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ لاَ يُقْتَل كَمَا سَيَأْتِي. وَمُرَادُهُمْ بِالإِْمْسَاكِ فِي الصِّيَامِ: الْكَفُّ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الاِحْتِبَاسُ:
٢ - الاِحْتِبَاسُ لُغَةً: هُوَ الْمَنْعُ مِنْ حُرِّيَّةِ السَّعْيِ، стр. 3781
وَيَخْتَصُّ بِمَا يَحْبِسُهُ الإِْنْسَانُ لِنَفْسِهِ. تَقُول: احْتَبَسْتُ الشَّيْءَ؛ إِذَا اخْتَصَصْتَهُ لِنَفْسِكَ خَاصَّةً. (١)
وَيُطْلَقُ الاِحْتِبَاسُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا لِزَوْجِهَا، كَمَا قَالُوا: إِنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الاِحْتِبَاسِ (٢) . كَمَا يُطْلِقُونَ الاِحْتِبَاسَ أَوِ الْحَبْسَ عَلَى الْوَقْفِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْعِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَالاِحْتِبَاسُ أَخَصُّ مِنَ الإِْمْسَاكِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ الإِْمْسَاكِ بِاخْتِلاَفِ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا: مِنَ الصِّيَامِ، وَالصَّيْدِ، وَالطَّلاَقِ، وَالْقِصَاصِ.
أَوَّلاً: إِمْسَاكُ الصَّيْدِ:
٣ - يُطْلَقُ إِمْسَاكُ الصَّيْدِ عَلَى الاِصْطِيَادِ، وَعَلَى إِبْقَاءِ الصَّيْدِ فِي الْيَدِ بَدَلاً مِنْ إِرْسَالِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِمْسَاكَ صَيْدِ الْبَرِّ حَرَامٌ إِذَا كَانَ فِي حَالَةِ الإِْحْرَامِ، أَوْ كَانَ فِي دَاخِل حُدُودِ الْحَرَمِ. وَكَذَلِكَ الدَّلاَلَةُ وَالإِْشَارَةُ إِلَى الصَّيْدِ، وَالإِْعَانَةُ فِي قَتْلِهِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام) عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ.
٤ - وَيَجُوزُ الاِصْطِيَادُ بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْجَارِحِ أَنْ يُمْسِكَ الصَّيْدَ عَلَى صَاحِبِهِ، بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا.
وَالإِْمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ كَوْنِ الْكَلْبِ مُعَلَّمًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّ تَعْلِيمَ стр. 3782
الْكَلْبِ هُوَ أَنَّهُ إِذَا أُرْسِل اتَّبَعَ الصَّيْدَ. وَإِذَا أَخَذَهُ أَمْسَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَلاَ يَأْكُل مِنْهُ شَيْئًا، حَتَّى لَوْ أَخَذَ صَيْدًا فَأَكَل مِنْهُ لاَ يُؤْكَل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) إِشَارَةً إِلَى أَنَّ حَدَّ تَعْلِيمِ الْكَلْبِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ هُوَ الإِْمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَرْكُ الأَْكْل مِنْهُ، وَالْكَلْبُ الَّذِي يَأْكُل إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ لاَ عَلَى صَاحِبِهِ، فَكَانَ فِعْلُهُ مُضَافًا إِلَيْهِ لاَ إِلَى الْمُرْسِل فَلاَ يَجُوزُ أَكْلُهُ. وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: فَإِنْ أَكَل فَلاَ تَأْكُل، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ (٢) وَقَال مَالِكٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِنَّ الإِْمْسَاكَ لَيْسَ شَرْطًا فِي تَعْلِيمِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُرْسَل إِلَى الصَّيْدِ. فَالْحَيَوَانُ الْمُعَلَّمُ هُوَ الَّذِي إِذَا أُرْسِل أَطَاعَ وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ، لأَِنَّ التَّعْلِيمَ إِنَّمَا شُرِطَ حَالَةَ الاِصْطِيَادِ وَهِيَ حَالَةُ الاِتِّبَاعِ. أَمَّا الإِْمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَرْكُ الأَْكْل فَيَكُونَانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنِ الاِصْطِيَادِ فَلاَ يُشْتَرَطَانِ. (٣)
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَيْد) . стр. 3783
ثَانِيًا: الإِْمْسَاكُ فِي الصِّيَامِ:
٥ - الإِْمْسَاكُ عَنِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ هُوَ مَعْنَى الصِّيَامِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وَهُنَاكَ إِمْسَاكٌ لاَ يُعَدُّ صَوْمًا، لَكِنَّهُ وَاجِبٌ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا: مَا إِذَا أَفْطَرَ لاِعْتِقَادِهِ أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ شَعْبَانَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، لَزِمَهُ الإِْمْسَاكُ عَنْ جَمِيعِ الْمُفْطِرَاتِ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ (١) ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَحْتَسِبُ إِمْسَاكَهُ هَذَا صَوْمًا.
كَذَلِكَ يَلْزَمُ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِكُل مَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَالصَّوْمُ لاَزِمٌ لَهُ، كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالْمُفْطِرُ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ، مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
٦ - أَمَّا مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ وَزَال عُذْرُهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ كَمَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ، أَوْ صَحَّ الْمَرِيضُ أَوْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ، أَوْ طَهُرَتِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، فَالْمَالِكِيَّةُ وَكَذَا الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الإِْمْسَاكِ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ.
وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِاسْتِحْبَابِ إِمْسَاكِهِمْ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ (٢)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلِهِمُ الثَّانِي وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ فَقَدْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ الإِْمْسَاكِ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، كَمَا إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ. (٣) стр. 3784
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُنْدَبُ الإِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ بِقَدْرِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالثُّبُوتِ فِيهِ لِيَتَحَقَّقَ الْحَال. (١)
وَلِلتَّفْصِيل فِي هَذِهِ الْمَسَائِل يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (صِيَام) .
ثَالِثًا: الإِْمْسَاكُ فِي الْقِصَاصِ:
٧ - إِنْ أَمْسَكَ شَخْصٌ إِنْسَانًا وَقَتَلَهُ آخَرُ فَلاَ خِلاَفَ أَنَّ الْقَاتِل يُقْتَل قِصَاصًا. أَمَّا الْمُمْسِكُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْجَانِيَ كَانَ يُرِيدُ الْقَتْل فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، لأَِنَّهُ مُتَسَبِّبٌ وَالْقَاتِل مُبَاشِرٌ، وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ تَقُول: (إِذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ وَالْمُتَسَبِّبُ يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَى الْمُبَاشِرِ) .
كَذَلِكَ إِذَا كَانَ الإِْمْسَاكُ بِقَصْدِ الْقَتْل بِحَيْثُ لَوْلاَ إِمْسَاكُهُ لَهُ لَمَا أَدْرَكَهُ الْقَاتِل مَعَ عِلْمِ الْمُمْسِكِ بِأَنَّ الْجَانِيَ قَاصِدٌ قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ الثَّالِثُ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنَ الْمُمْسِكِ، لِتَقْدِيمِ الْمُبَاشِرِ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ (٢) .
وَقَال مَالِكٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: يُقْتَصُّ مِنَ الْمُمْسِكِ لِتَسَبُّبِهِ كَمَا يُقْتَصُّ مِنَ الْقَاتِل لِمُبَاشَرَتِهِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْسِكْهُ لَمَا قَدَرَ الْقَاتِل عَلَى قَتْلِهِ، وَبِإِمْسَاكِهِ تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ، فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ (٣) .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَنْ أَمْسَكَ شَخْصًا لِيَقْتُلَهُ الطَّالِبُ يُحْبَسُ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ. لأَِنَّهُ أَمْسَكَ الْقَتِيل حَتَّى الْمَوْتِ (٤) . стр. 3785
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (قِصَاص)
رَابِعًا: الإِْمْسَاكُ فِي الطَّلاَقِ:
٨ - الإِْمْسَاكُ مِنْ صِيَغِ الرَّجْعَةِ فِي الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) فَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِقَوْلِهِ: مَسَكْتُكِ أَوْ أَمْسَكْتُكِ بِدُونِ حَاجَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، لأَِنَّهُ وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) يَعْنِي الرَّجْعَةَ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قَال: أَمْسَكْتُهَا، يَكُونُ مُرَاجِعًا بِشَرْطِ النِّيَّةِ (٣) .
وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالإِْمْسَاكِ الْفِعْلِيِّ إِذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا اقْتَرَنَ الإِْمْسَاكُ بِالنِّيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَحْصُل الرَّجْعَةُ بِفِعْلٍ كَوَطْءٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ حُرِّمَ بِالطَّلاَقِ، وَمَقْصُودُ الرَّجْعَةِ حِلُّهُ، فَلاَ تَحْصُل بِهِ.
أَمَّا الإِْمْسَاكُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ (٤) .
٩ - وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الطَّلاَقَ فِي الْحَيْضِ طَلاَقُ بِدْعَةٍ لَكِنَّهُ إِنْ حَصَل وَقَعَ، وَتُسْتَحَبُّ مُرَاجَعَتُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَال مَالِكٌ: يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ. (٥) следующие страницы →