Полный текст (31 949 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
وَيَخْتَصُّ بِمَا يَحْبِسُهُ الإِْنْسَانُ لِنَفْسِهِ. تَقُول: احْتَبَسْتُ الشَّيْءَ؛ إِذَا اخْتَصَصْتَهُ لِنَفْسِكَ خَاصَّةً. (١)
وَيُطْلَقُ الاِحْتِبَاسُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا لِزَوْجِهَا، كَمَا قَالُوا: إِنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الاِحْتِبَاسِ (٢) . كَمَا يُطْلِقُونَ الاِحْتِبَاسَ أَوِ الْحَبْسَ عَلَى الْوَقْفِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْعِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَالاِحْتِبَاسُ أَخَصُّ مِنَ الإِْمْسَاكِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ الإِْمْسَاكِ بِاخْتِلاَفِ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا: مِنَ الصِّيَامِ، وَالصَّيْدِ، وَالطَّلاَقِ، وَالْقِصَاصِ.
أَوَّلاً: إِمْسَاكُ الصَّيْدِ:
٣ - يُطْلَقُ إِمْسَاكُ الصَّيْدِ عَلَى الاِصْطِيَادِ، وَعَلَى إِبْقَاءِ الصَّيْدِ فِي الْيَدِ بَدَلاً مِنْ إِرْسَالِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِمْسَاكَ صَيْدِ الْبَرِّ حَرَامٌ إِذَا كَانَ فِي حَالَةِ الإِْحْرَامِ، أَوْ كَانَ فِي دَاخِل حُدُودِ الْحَرَمِ. وَكَذَلِكَ الدَّلاَلَةُ وَالإِْشَارَةُ إِلَى الصَّيْدِ، وَالإِْعَانَةُ فِي قَتْلِهِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام) عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ.
٤ - وَيَجُوزُ الاِصْطِيَادُ بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْجَارِحِ أَنْ يُمْسِكَ الصَّيْدَ عَلَى صَاحِبِهِ، بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا.
وَالإِْمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ كَوْنِ الْكَلْبِ مُعَلَّمًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّ تَعْلِيمَ стр. 3782
الْكَلْبِ هُوَ أَنَّهُ إِذَا أُرْسِل اتَّبَعَ الصَّيْدَ. وَإِذَا أَخَذَهُ أَمْسَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَلاَ يَأْكُل مِنْهُ شَيْئًا، حَتَّى لَوْ أَخَذَ صَيْدًا فَأَكَل مِنْهُ لاَ يُؤْكَل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) إِشَارَةً إِلَى أَنَّ حَدَّ تَعْلِيمِ الْكَلْبِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ هُوَ الإِْمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَرْكُ الأَْكْل مِنْهُ، وَالْكَلْبُ الَّذِي يَأْكُل إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ لاَ عَلَى صَاحِبِهِ، فَكَانَ فِعْلُهُ مُضَافًا إِلَيْهِ لاَ إِلَى الْمُرْسِل فَلاَ يَجُوزُ أَكْلُهُ. وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: فَإِنْ أَكَل فَلاَ تَأْكُل، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ (٢) وَقَال مَالِكٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِنَّ الإِْمْسَاكَ لَيْسَ شَرْطًا فِي تَعْلِيمِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُرْسَل إِلَى الصَّيْدِ. فَالْحَيَوَانُ الْمُعَلَّمُ هُوَ الَّذِي إِذَا أُرْسِل أَطَاعَ وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ، لأَِنَّ التَّعْلِيمَ إِنَّمَا شُرِطَ حَالَةَ الاِصْطِيَادِ وَهِيَ حَالَةُ الاِتِّبَاعِ. أَمَّا الإِْمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَرْكُ الأَْكْل فَيَكُونَانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنِ الاِصْطِيَادِ فَلاَ يُشْتَرَطَانِ. (٣)
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَيْد) . стр. 3783
ثَانِيًا: الإِْمْسَاكُ فِي الصِّيَامِ:
٥ - الإِْمْسَاكُ عَنِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ هُوَ مَعْنَى الصِّيَامِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وَهُنَاكَ إِمْسَاكٌ لاَ يُعَدُّ صَوْمًا، لَكِنَّهُ وَاجِبٌ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا: مَا إِذَا أَفْطَرَ لاِعْتِقَادِهِ أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ شَعْبَانَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، لَزِمَهُ الإِْمْسَاكُ عَنْ جَمِيعِ الْمُفْطِرَاتِ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ (١) ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَحْتَسِبُ إِمْسَاكَهُ هَذَا صَوْمًا.
كَذَلِكَ يَلْزَمُ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِكُل مَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَالصَّوْمُ لاَزِمٌ لَهُ، كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالْمُفْطِرُ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ، مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
٦ - أَمَّا مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ وَزَال عُذْرُهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ كَمَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ، أَوْ صَحَّ الْمَرِيضُ أَوْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ، أَوْ طَهُرَتِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، فَالْمَالِكِيَّةُ وَكَذَا الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الإِْمْسَاكِ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ.
وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِاسْتِحْبَابِ إِمْسَاكِهِمْ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ (٢)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلِهِمُ الثَّانِي وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ فَقَدْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ الإِْمْسَاكِ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، كَمَا إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ. (٣) стр. 3784
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُنْدَبُ الإِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ بِقَدْرِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالثُّبُوتِ فِيهِ لِيَتَحَقَّقَ الْحَال. (١)
وَلِلتَّفْصِيل فِي هَذِهِ الْمَسَائِل يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (صِيَام) .
ثَالِثًا: الإِْمْسَاكُ فِي الْقِصَاصِ:
٧ - إِنْ أَمْسَكَ شَخْصٌ إِنْسَانًا وَقَتَلَهُ آخَرُ فَلاَ خِلاَفَ أَنَّ الْقَاتِل يُقْتَل قِصَاصًا. أَمَّا الْمُمْسِكُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْجَانِيَ كَانَ يُرِيدُ الْقَتْل فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، لأَِنَّهُ مُتَسَبِّبٌ وَالْقَاتِل مُبَاشِرٌ، وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ تَقُول: (إِذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ وَالْمُتَسَبِّبُ يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَى الْمُبَاشِرِ) .
كَذَلِكَ إِذَا كَانَ الإِْمْسَاكُ بِقَصْدِ الْقَتْل بِحَيْثُ لَوْلاَ إِمْسَاكُهُ لَهُ لَمَا أَدْرَكَهُ الْقَاتِل مَعَ عِلْمِ الْمُمْسِكِ بِأَنَّ الْجَانِيَ قَاصِدٌ قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ الثَّالِثُ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنَ الْمُمْسِكِ، لِتَقْدِيمِ الْمُبَاشِرِ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ (٢) .
وَقَال مَالِكٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: يُقْتَصُّ مِنَ الْمُمْسِكِ لِتَسَبُّبِهِ كَمَا يُقْتَصُّ مِنَ الْقَاتِل لِمُبَاشَرَتِهِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْسِكْهُ لَمَا قَدَرَ الْقَاتِل عَلَى قَتْلِهِ، وَبِإِمْسَاكِهِ تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ، فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ (٣) .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَنْ أَمْسَكَ شَخْصًا لِيَقْتُلَهُ الطَّالِبُ يُحْبَسُ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ. لأَِنَّهُ أَمْسَكَ الْقَتِيل حَتَّى الْمَوْتِ (٤) . стр. 3785
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (قِصَاص)
رَابِعًا: الإِْمْسَاكُ فِي الطَّلاَقِ:
٨ - الإِْمْسَاكُ مِنْ صِيَغِ الرَّجْعَةِ فِي الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) فَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِقَوْلِهِ: مَسَكْتُكِ أَوْ أَمْسَكْتُكِ بِدُونِ حَاجَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، لأَِنَّهُ وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) يَعْنِي الرَّجْعَةَ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قَال: أَمْسَكْتُهَا، يَكُونُ مُرَاجِعًا بِشَرْطِ النِّيَّةِ (٣) .
وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالإِْمْسَاكِ الْفِعْلِيِّ إِذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا اقْتَرَنَ الإِْمْسَاكُ بِالنِّيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَحْصُل الرَّجْعَةُ بِفِعْلٍ كَوَطْءٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ حُرِّمَ بِالطَّلاَقِ، وَمَقْصُودُ الرَّجْعَةِ حِلُّهُ، فَلاَ تَحْصُل بِهِ.
أَمَّا الإِْمْسَاكُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ (٤) .
٩ - وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الطَّلاَقَ فِي الْحَيْضِ طَلاَقُ بِدْعَةٍ لَكِنَّهُ إِنْ حَصَل وَقَعَ، وَتُسْتَحَبُّ مُرَاجَعَتُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَال مَالِكٌ: يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ. (٥) стр. 3786
فَإِذَا رَاجَعَهَا وَجَبَ إِمْسَاكُهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الْحَيْضِ وَنُدِبَ إِمْسَاكُهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى (١) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (رَجْعَة) .
إِمْضَاءٌ
انْظُرْ: إِجَازَة.
إِمْلاَكٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْمْلاَكُ هُوَ: التَّزْوِيجُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ (٢)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - الإِْمْلاَكُ بِمَعْنَى: عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَهُ مُصْطَلَحٌ خَاصٌّ بِهِ تُذْكَرُ فِيهِ أَحْكَامُهُ.
وَوَلِيمَةُ الإِْمْلاَكِ بِمَعْنَى وَلِيمَةِ الْعَقْدِ، فَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٣) ، وَالإِْجَابَةُ إِلَيْهَا سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ قُدَامَةَ وَغَيْرِهِ مِنَ стр. 3787
الْحَنَابِلَةِ (١) ، وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّهَا مُبَاحَةٌ (٢) .
وَهَل تَتَعَدَّدُ مَعَ وَلِيمَةِ الدُّخُول؟ قَال الشَّافِعِيَّةُ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ (٣) . وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى حُكْمِ وَلِيمَةِ ال إِْمْ لاَكِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ.
وَيَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ الإِْمْلاَكِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (وَلِيمَة) .
أُمٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - أُمُّ الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ: أَصْلُهُ، وَالأُْمُّ: الْوَالِدَةُ، وَالْجَمْعُ أُمَّهَاتٌ وَأُمَّاتٌ، وَلَكِنْ كَثُرَ (أُمَّهَاتٌ) فِي الآْدَمِيَّاتِ (وَأُمَّاتٌ) فِي الْحَيَوَانِ (٤) .
وَيَقُول الْفُقَهَاءُ: إِنَّ مَنْ وَلَدَتِ الإِْنْسَانَ فَهِيَ أُمُّهُ حَقِيقَةً، أَمَّا مَنْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَهُ فَهِيَ أُمُّهُ مَجَازًا، وَهُوَ الْجَدَّةُ، وَإِنْ عَلَتْ كَأُمِّ الأَْبِ وَأُمِّ الأُْمِّ (٥) .
وَمَنْ أَرْضَعَتْ إِنْسَانًا وَلَمْ تَلِدْهُ فَهِيَ أُمُّهُ مِنَ الرَّضَاعِ (٦) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
لِلأُْمِّ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ تَفْصِيلُهَا فِيمَا يَلِي: стр. 3788
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ:
٢ - وَمِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، وَيَجِبُ طَاعَتُهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَلْيُصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، وَلاَ يُطِعْهُمَا فِي كُفْرٍ وَلاَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) وَقَال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢)
وَهِيَ أَوْلَى مِنَ الأَْبِ بِالْبِرِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٣) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَال: أُمُّكَ. قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمُّكَ. قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمُّكَ. قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أَبُوكَ (٤) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْعَمَل أَفْضَل؟ قَال: الصَّلاَةُ لأَِوَّل وَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ (٥)
تَحْرِيمُ الأُْمِّ:
٣ - أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الأُْمِّ النَّسَبِيَّةِ وَإِنْ عَلَتْ عَلَى ابْنِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٦) стр. 3789
وَمِثْلُهَا الأُْمُّ مِنَ الرَّضَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١) .
النَّظَرُ إِلَى الأُْمِّ، وَالْمُسَافَرَةُ بِهَا:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى الأُْمِّ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَحَل جَوَازِ النَّظَرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ النَّظَرِ مِنَ الأُْمِّ إِلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَالْعَضُدَيْنِ، فَلاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالأَْطْرَافِ، فَلاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الصَّدْرِ وَالظَّهْرِ وَالثَّدْيِ وَالسَّاقِ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَذَّ بِهِ.
وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ كَالْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ أَجَازُوا النَّظَرَ إِلَى السَّاقِ مِنَ الْمَحْرَمِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ مِنَ الْمَحْرَمِ إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَيَحِل مَا عَدَاهُ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ فِي النَّظَرِ عَلَى اخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ حَرُمَ.
وَيَجُوزُ لِلأُْمِّ أَنْ تُسَافِرَ مَعَ وَلَدِهَا لأَِنَّهُ مِنْ أَقْوَى الْمَحَارِمِ لَهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ (٢) . стр. 3790
النَّفَقَةُ:
٥ - قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لاَ كَسْبَ لَهُمَا وَلاَ مَال، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَالِدَانِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَرْعُ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١) وَلِقَوْلِهِ ﵊: إِنَّ أَطْيَبَ مَا يَأْكُل الرَّجُل مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ (نَفَقَة) .
الْحَضَانَةُ:
٦ - تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ لِلأُْمِّ الْمُسْلِمَةِ اتِّفَاقًا مَا لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ، بَل هِيَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا، وَكَذَا الأُْمُّ الْكِتَابِيَّةُ - عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِيهَا - وَتَجِبُ عَلَيْهَا الْحَضَانَةُ إِذَا تَعَيَّنَتْ بِأَلاَّ يَكُونَ غَيْرُهَا (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل: انْظُرْ مُصْطَلَحَ (حَضَانَة) . стр. 3791
الْمِيرَاثُ:
٧ - لِلأُْمِّ فِي الْمِيرَاثِ ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ:
الأَْوَّل: اسْتِحْقَاقُ السُّدُسِ فَرْضًا، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ فَرْعٌ وَارِثٌ، أَوِ اثْنَانِ مِنَ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانُوا.
الثَّانِي: اسْتِحْقَاقُ ثُلُثِ التَّرِكَةِ كُلِّهَا فَرْضًا، وَذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْفَرْعِ الْوَارِثِ أَصْلاً، وَعَدَمِ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنَ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ.
الثَّالِثُ: اسْتِحْقَاقُ ثُلُثِ الْبَاقِي مِنَ التَّرِكَةِ، وَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
أ - أَنْ يَكُونَ الْوَرَثَةُ زَوْجًا وَأَمًّا وَأَبًا، فَلِلأُْمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ، وَهُوَ يُسَاوِي هُنَا السُّدُسَ.
ب - أَنْ يَكُونَ الْوَرَثَةُ زَوْجَةً وَأُمًّا وَأَبًا، فَلِلأُْمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ يُسَاوِي هُنَا الرُّبُعَ.
وَقَدْ سَمَّى الْفُقَهَاءُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالْغَرَّاوَيْنِ أَوِ الْعُمَرِيَّتَيْنِ، لِقَضَاءِ عُمَرَ ﵁ فِيهِمَا بِذَلِكَ (١) .
الْوَصِيَّةُ:
٨ - لاَ يَدْخُل الْوَالِدَانِ وَالْوَلَدُ فِي الْوَصِيَّةِ لِلأَْقْرِبَاءِ، لأَِنَّهُمْ يَرِثُونَ فِي كُل حَالٍ، وَلاَ يُحْجَبُونَ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ (٢) стр. 3792
الْوِلاَيَةُ:
٩ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لِلأُْمِّ عَلَى مَال الصَّغِيرِ؛ لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ ثَبَتَتْ بِالشَّرْعِ فَلَمْ تَثْبُتْ لِلأُْمِّ كَوِلاَيَةِ النِّكَاحِ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُوصَى إِلَيْهَا فَتَصِيرَ وَصِيَّةً بِالإِْيصَاءِ.
وَفِي رَأْيٍ لِلشَّافِعِيَّةِ - خِلاَفُ الأَْصَحِّ - وَهُوَ قَوْلٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: تَكُونُ لَهَا الْوِلاَيَةُ بَعْدَ الأَْبِ وَالْجَدِّ، لأَِنَّهَا أَكْثَرُ شَفَقَةً عَلَى الاِبْنِ.
وَكَذَلِكَ لاَ وِلاَيَةَ لَهَا فِي النِّكَاحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَمْلِكُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا وَلاَ غَيْرِهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا (١) .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ стр. 3793
عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجُوزُ وِلاَيَةُ الأُْمِّ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَةِ (١) .
إِقَامَةُ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ عَلَى الأُْمِّ:
١٠ - لاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ عَلَى الأُْمِّ إِذَا سَرَقَتْ مِنْ مَال وَلَدِهَا (٢) . وَلاَ تُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ أَيْضًا إِذَا قَذَفَتْ وَلَدَهَا، وَخِلاَفُ الرَّاجِحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُحَدُّ (٣) ، وَكَذَا لاَ يُعَزَّرُ الْوَالِدَانِ لِحُقُوقِ الأَْوْلاَدِ (٤) .
الْقِصَاصُ:
١١ - لاَ يُقْتَصُّ لِلْقَتِيل مِنْ قِبَل أُصُولِهِ، وَمِنْهُمُ الأُْمُّ لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ (٥) стр. 3794
وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ الأُْصُول، وَلأَِنَّ الأَْصْل سَبَبٌ لإِِحْيَاءِ الْفَرْعِ، فَمِنَ الْمُحَال أَنْ يَسْتَحِقَّ لَهُ إِفْنَاؤُهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، إِلاَّ إِذَا قَصَدَ الأَْصْل إِزْهَاقَ رُوحِ الْفَرْعِ، كَأَنْ يَرْمِيَ عُنُقَ الْفَرْعِ بِالسَّيْفِ، أَوْ يُضْجِعَهُ وَيَذْبَحَهُ (١) .
شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِلأُْمِّ وَعَكْسُهُ:
١٢ - أ - لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلآْخَرِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَبِهِ قَال شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ - وَهِيَ الْمَذْهَبُ - وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ شَهَادَةَ الاِبْنِ لأَِصْلِهِ مَقْبُولَةٌ بِخِلاَفِ الْعَكْسِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ شَهَادَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلآْخَرِ مَقْبُولَةٌ (٢) وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَبِهِ قَال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَدَاوُدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. стр. 3795
ب - أَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا - أَيِ الْفَرْعِ وَالأَْصْل - عَلَى صَاحِبِهِ فَتُقْبَل، وَهُوَ قَوْل عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ، لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ مَحَل قَبُول الشَّهَادَةِ حَيْثُ لاَ عَدَاوَةَ وَإِلاَّ لَمْ تُقْبَل (١) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (شَهَادَة) .
إِذْنُ الأُْمِّ لِوَلَدِهَا فِي الْجِهَادِ:
١٣ - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجِهَادُ لِلْوَلَدِ فِي حَال كَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ وَالِدَيْهِ إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلرَّجُل الَّذِي اسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ (٢) .
تَأْدِيبُ الأُْمِّ لِوَلَدِهَا:
١٤ - يَجُوزُ لِلأَْبِ وَالأُْمِّ ضَرْبُ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ زَجْرًا لَهُمَا عَنْ سَيِّئِ الأَْخْلاَقِ وَإِصْلاَحًا لَهُمَا (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل: انْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَعْزِير) стр. 3796
أُمُّ الأَْرَامِل
التَّعْرِيفُ:
١ - الأُْمُّ لُغَةً الْوَالِدَةُ، وَالأَْرَامِل جَمْعُ أَرْمَلَةٍ وَهِيَ الَّتِي مَاتَ زَوْجُهَا (١) . وَمَسْأَلَةُ أُمِّ الأَْرَامِل عِنْدَ الْفَرْضِيِّينَ إِحْدَى الْمَسَائِل الْمُلَقَّبَاتِ: وَهِيَ جَدَّتَانِ، وَثَلاَثَةُ زَوْجَاتٍ، وَأَرْبَعُ أَخَوَاتٍ لأُِمٍّ، وَثَمَانِي أَخَوَاتٍ لأَِبَوَيْنِ أَوْ لأَِبٍ (٢) ، وَتُسَمَّى أَيْضًا بِأُمِّ الْفُرُوجِ لأُِنُوثَةِ الْجَمِيعِ، وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّبْعَةَ عَشْرِيَّةَ، لِنِسْبَتِهَا إِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ (٣) ، وَهُوَ عَدَدُ أَسْهُمِهَا.
بَيَانُ الأَْنْصِبَةِ فِيهَا:
٢ - أَصْل الْمَسْأَلَةِ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ (وَتَعُول إِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ) فَيَكُونُ لِلْجَدَّتَيْنِ السُّدُسُ، وَهُوَ اثْنَانِ، لِكُل وَاحِدَةٍ سَهْمٌ، وَلِلزَّوْجَاتِ الرُّبْعُ، ثَلاَثَةٌ، لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سَهْمٌ، وَلِلأَْخَوَاتِ لأُِمٍّ الثُّلُثُ، أَرْبَعَةٌ، لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سَهْمٌ، وَالثُّلُثَانِ وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ لِلأَْخَوَاتِ الثَّمَانِي لِكُل وَاحِدَةٍ سَهْمٌ، وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَوَارِيثِ فِي بَابِ الْعَوْل (٤) . стр. 3797
أُمُّ الدِّمَاغِ
التَّعْرِيفُ:
١ - أُمُّ الدِّمَاغِ لُغَةً: الْهَامَةُ، وَقِيل: الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الدِّمَاغِ (١) .
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: الْجِلْدَةُ الَّتِي تَحْتَ الْعَظْمِ فَوْقَ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى بِأُمِّ الرَّأْسِ، وَخَرِيطَةِ الدِّمَاغِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الشَّجَّةُ الَّتِي تَصِل إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ دُونَ أَنْ تَخْرِقَهَا تُسَمَّى آمَّةً وَمَأْمُومَةً، وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَلاَ قِصَاصَ فِيهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (٣) ، رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ وَلاَ الْجَائِفَةِ وَلاَ الْمُنَقِّلَةِ (٤) ، وَفِي стр. 3798
الْمُغْنِي: " وَلَيْسَ فِيهَا قِصَاصٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ نَعْلَمُهُ إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَصَّ مِنَ الْمَأْمُومَةِ فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَقَالُوا مَا سَمِعْنَا أَحَدًا قَصَّ مِنْهَا قَبْل ابْنِ الزُّبَيْرِ (١) .
٣ - فَإِنْ خَرَقَتِ الشَّجَّةُ أُمَّ الدِّمَاغِ سُمِّيَتِ الدَّامِغَةَ (٢) ، وَلِلْفُقَهَاءِ فِيهَا عِدَّةُ آرَاءٍ. مِنْهَا: أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا مَا يَجِبُ فِي الآْمَّةِ وَلاَ يُزَادُ لَهَا شَيْءٌ (٣) ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُزَادُ فِيهَا حُكُومَةٌ بِالإِْضَافَةِ إِلَى دِيَةِ الآْمَّةِ (٤) . وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا مَا يَجِبُ فِي النَّفْسِ إِذْ لاَ يَعِيشُ الإِْنْسَانُ مَعَهَا غَالِبًا (٥) .
وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ: (الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، دِيَةِ الأَْطْرَافِ وَالْمَنَافِعِ) .
٤ - وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنْ إِفْطَارِ الصَّائِمِ بِوُصُول شَيْءٍ إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى بُطْلاَنَ صَوْمِهِ بِوُصُول شَيْءٍ إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَرَى بُطْلاَنَ صَوْمِهِ إِلاَّ إِذَا وَصَل إِلَى الدِّمَاغِ نَفْسِهِ (٦) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، بَابِ (مَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ) стр. 3799
أُمُّ الْفُرُوخِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأُْمُّ لُغَةً: الْوَالِدَةُ، وَالْفُرُوخُ جَمْعُ فَرْخٍ، وَهُوَ وَلَدُ الطَّائِرِ، وَقَدِ اسْتُعْمِل فِي كُل صَغِيرٍ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ وَغَيْرِهَا (١) .
٢ - وَأُمُّ الْفُرُوخِ عِنْدَ الْفَرْضِيِّينَ لَقَبٌ لِمَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِل الْمِيرَاثِ هِيَ: زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَأُخْتَانِ شَقِيقَتَانِ أَوْ لأَِبٍ، وَاثْنَانِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَوْلاَدِ الأُْمِّ، وَسُمِّيَتْ بِأُمِّ الْفُرُوخِ لِكَثْرَةِ السِّهَامِ الْعَائِلَةِ فِيهَا، شُبِّهَتْ بِطَائِرٍ حَوْلَهَا أَفْرَاخُهَا، وَقِيل: إِنَّهُ لَقَبٌ لِكُل مَسْأَلَةٍ عَائِلَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ. وَيُقَال لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا (الْبَلْجَاءُ) لِوُضُوحِهَا لأَِنَّهَا عَالَتْ بِثُلُثَيْهَا، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا تَعُول إِلَيْهِ مَسْأَلَةٌ فِي الْفَرَائِضِ، وَتُلَقَّبُ أَيْضًا (الشُّرَيْحِيَّةَ) لِوُقُوعِهَا فِي زَمَنِ الْقَاضِي شُرَيْحٍ.
رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ وَهُوَ قَاضٍ بِالْبَصْرَةِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَجَعَلَهَا مِنْ عَشَرَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَانَ الزَّوْجُ يَلْقَى الْفَقِيهَ فَيَسْتَفْتِيهِ قَائِلاً: رَجُلٌ مَاتَتِ امْرَأَتُهُ، وَلَمْ تَتْرُكْ وَلَدًا وَلاَ وَلَدَ ابْنٍ، فَيُجِيبُهُ الْفَقِيهُ: لَهُ النِّصْفُ، فَيَقُول: وَاَللَّهِ مَا أُعْطِيتُ نِصْفًا وَلاَ ثُلُثًا، فَيَقُول لَهُ: مَنْ أَعْطَاكَ ذَلِكَ؟ فَيَقُول: شُرَيْحٌ، فَيَلْقَى الْفَقِيهُ شُرَيْحًا فَيَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَيُخْبِرُهُ الْخَبَرَ، فَكَانَ شُرَيْحٌ إِذَا لَقِيَ الزَّوْجَ يَقُول لَهُ: إِذَا رَأَيْتَنِي ذَكَرْتَ فِيَّ حُكْمًا جَائِرًا، وَإِذَا رَأَيْتُكَ ذَكَرْتُ رَجُلاً فَاجِرًا стр. 3800
تَبَيَّنَ لِي فُجُورُهُ، إِنَّك تَذِيعُ الشَّكْوَى وَتَكْتُمُ الْفَتْوَى (١) .
كَيْفِيَّةُ التَّوْرِيثِ فِيهَا:
٣ - لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلأُْخْتَيْنِ لِغَيْرِ أُمٍّ الثُّلُثَانِ، وَلِلأُْمِّ السُّدُسُ، وَلأَِوْلاَدِ الأُْمِّ الثُّلُثُ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ عَشَرَةٌ، وَأَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ، هَذَا عَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ (٢) .
وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الْعَوْل مِنْ كُتُبِ الْفَرَائِضِ.
أُمُّ الْكِتَابِ
التَّعْرِيفُ:
١ - أُمُّ الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ: أَصْلُهُ (٣) ، وَأُمُّ الْكِتَابِ هِيَ أَصْلُهُ.
وَبِهَذَا الْمَعْنَى وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أَيْ أَصْلُهُ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ (٤) ، وَأُطْلِقَ فِي قَوْلِهِ جَل شَأْنُهُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الَّذِي فِيهِ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى (٥) стр. 3801
وَقَدْ وَرَدَ فِي عَدَدٍ مِنَ الأَْحَادِيثِ وَالآْثَارِ إِطْلاَقُ (أُمِّ الْكِتَابِ) عَلَى سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. مِنْ ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ (١)
وَقَوْلُهُ ﷺ : مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل أَحْكَامِ (أُمِّ كِتَابِ) بِالإِْطْلاَقِ الأَْخِيرِ فِي مُصْطَلَحِ (الْفَاتِحَة، وَقِرَاءَة) .
أُمُّ الْوَلَدِ
انْظُرِ: اسْتِيلاَد.
أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ
التَّعْرِيفُ:
١ - يُؤْخَذُ مِنِ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِـ " أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ " كُل امْرَأَةٍ عَقَدَ عَلَيْهَا رَسُول اللَّهِ стр. 3802
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَخَل بِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ (١) .
وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَدْخُل بِهَا فَإِنَّهَا لاَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ " أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ".
وَمَنْ دَخَل بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى وَجْهِ التَّسَرِّي، لاَ عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ، لاَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا " أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ " كَمَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ.
وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَْحْزَابِ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٢) .
عَدَدُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ:
٢ - النِّسَاءُ اللاَّتِي عَقَدَ عَلَيْهِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَدَخَل بِهِنَّ - وَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ - اثْنَتَا عَشْرَةَ امْرَأَةً، هُنَّ عَلَى تَرْتِيبِ دُخُولِهِ بِهِنَّ كَمَا يَلِي:
(١) خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ.
(٢) سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَقِيل: إِنَّهُ دَخَل بِهَا بَعْدَ عَائِشَةَ.
(٣) عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ التَّيْمِيَّةُ.
(٤) حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيَّةُ.
(٥) زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلاَلِيَّةُ.
(٦) أُمُّ سَلَمَةَ، وَاسْمُهَا: هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّةُ.
(٧) زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأََسَدِيَّةُ.
(٨) جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيَّةُ.
(٩) رَيْحَانَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَظِيَّةُ. стр. 3803
(١٠) أُمُّ حَبِيبَةَ، وَاسْمُهَا: رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ الأُْمَوِيَّةُ.
(١١) صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ النَّضِيرِيَّةُ.
(١٢) مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ الْهِلاَلِيَّةُ.
وَتُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ تِسْعٍ مِنْهُنَّ، وَهُنَّ: سَوْدَةُ - وَعَائِشَةُ - وَحَفْصَةُ - وَأُمُّ سَلَمَةَ - وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ - وَأُمُّ حَبِيبَةَ - وَجُوَيْرِيَةُ - وَصْفِيَّةُ - وَمَيْمُونَةُ.
وَقَدْ وَقَعَ الْخِلاَفُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي (رَيْحَانَةَ) فَقِيل: كَانَ دُخُول رَسُول اللَّهِ ﷺ بِهَا دُخُول نِكَاحٍ، وَقِيل: كَانَ دُخُولُهُ بِهَا دُخُول تَسَرٍّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالصَّحِيحُ الأَْوَّل (١) .
مَا يَجِبُ أَنْ تَتَّصِفَ بِهِ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ:
يَجِبُ أَنْ تَتَّصِفَ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصِّفَاتِ التَّالِيَةِ:
أ - الإِْسْلاَمُ:
٣ - لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كِتَابِيَّةً، بَل كُنَّ كُلُّهُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ، وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِكِتَابِيَّةٍ، لأَِنَّهُ ﵊ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَضَعَ نُطْفَتَهُ فِي رَحِمٍ كَافِرَةٍ، بَل لَوْ نَكَحَ كِتَابِيَّةً لَهُدِيَتْ إِلَى الإِْسْلاَمِ كَرَامَةً لَهُ، لِخَبَرِ سَأَلْتُ رَبِّي أَلاَّ أُزَوَّجَ إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ فَأَعْطَانِي (٢) стр. 3804
ب - الْحُرِّيَّةُ:
٤ - وَلَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ رَقِيقَةً، بَل كُنَّ كُلُّهُنَّ حَرَائِرَ، بَل ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ وَلَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً؛ لأَِنَّ نِكَاحَهَا لِعَدَمِ الطَّوْل (الْقُدْرَةِ عَلَى زَوَاجِ الْحُرَّةِ) وَخَوْفِ الْعَنَتِ (الزِّنَا) ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الأَْوَّل ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ مَهْرٍ - كَمَا سَيَأْتِي - وَعَنِ الثَّانِي لِلْعِصْمَةِ الَّتِي عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا (١) .
ج - عَدَمُ الاِمْتِنَاعِ عَنِ الْهِجْرَةِ:
٥ - لَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ فَلَمْ تُهَاجِرْ، وَلَوْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً مُسْلِمَةً (٢) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَْحْزَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ (٣) . وَلِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: نُهِيَ رَسُول اللَّهِ عَنْ أَصْنَافِ النِّسَاءِ، إِلاَّ مَا كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ стр. 3805
الْمُهَاجِرَاتِ (١) وَلِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: خَطَبَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاعْتَذَرْتُ إِلَيْهِ بِعُذْرٍ فَعَذَرَنِي، فَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ. . .﴾ الآْيَةَ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قَالَتْ: فَلَمْ أَكُنْ أُحِل لَهُ، لأَِنِّي لَمْ أُهَاجِرْ مَعَهُ، كُنْتُ مِنَ الطُّلَقَاءِ (٢) .
وَقَال الإِْمَامُ أَبُو يُوسُفَ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ -: لاَ دَلاَلَةَ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّ اللاَّتِي لَمْ يُهَاجِرْنَ كُنَّ مُحَرَّمَاتٍ عَلَى الرَّسُول ﵊؛ لأَِنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لاَ يَنْفِي مَا عَدَاهُ (٣) .
وَيَجُوزُ لِلرَّسُول ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ نِسَاءِ الأَْنْصَارِ، قَدْ تَزَوَّجَ ﵊ مِنْ غَيْرِ الْمُهَاجِرَاتِ صَفِيَّةَ وَجُوَيْرِيَةَ، وَفِي مُسْنَدِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ قَال: كَانَتِ الأَْنْصَارُ إِذَا كَانَ لأَِحَدِهِمْ أَيِّمٌ - لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى يَعْلَمَ هَل لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهَا حَاجَةٌ أَمْ لاَ (٤) فَلَوْلاَ عِلْمُهُمْ بِأَنَّهُ يَحِل لَهُ стр. 3806
التَّزَوُّجُ مِنْ نِسَاءِ الأَْنْصَارِ لَمَا كَانَ هُنَاكَ دَاعٍ لِلتَّرَبُّصِ وَالاِنْتِظَارِ.
د - التَّنَزُّهُ عَنِ الزِّنَا:
٦ - أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ بِحُكْمِ كَوْنِهِنَّ زَوْجَاتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مُنَزَّهَاتٌ عَنِ الزِّنَا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَنْفِيرِ النَّاسِ عَنِ الرَّسُول، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (١) . قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَغَتِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ (٢) ، وَمَا رُمِيَتْ بِهِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ مِنَ الإِْفْكِ فِرْيَةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئَةٌ بَرَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِقَوْلِهِ جَل شَأْنُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِْفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَل هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُل امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِْثْمِ وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . الآْيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) .
أَحْكَامُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ الرَّسُول ﷺ
:
الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ:
٧ - لاَ حَقَّ لأُِمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقَسْمِ فِي الْمَبِيتِ وَلاَ فِي الْعَدْل بَيْنَهُنَّ، وَلاَ يُطَالَبُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَضِّل مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ عَلَى غَيْرِهَا فِي الْمَبِيتِ وَالْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ (٤) . стр. 3807
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فِي قَسْمِ أَزْوَاجِهِ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ كَيْفَ شَاءَ (١) . وَعَلَّل ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ فِي وُجُوبِ الْقَسْمِ عَلَيْهِ شُغْلاً عَنْ لَوَازِمِ الرِّسَالَةِ (٢)
وَقَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ مِنْ نَفْسِهِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ (٣)
تَحْرِيمُ نِكَاحِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى التَّأْبِيدِ:
٨ - ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَقَال جَل شَأْنُهُ ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُول اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٤) .
وَأَمَّا اللاَّتِي فَارَقَهُنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَبْل الدُّخُول كَالْمُسْتَعِيذَةِ - وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ النُّعْمَانِ، وَكَالَتِي رَأَى فِي كَشْحِهَا بَيَاضًا - وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ يَزِيدَ (٥) عِنْدَمَا دَخَل عَلَيْهَا، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ رَأْيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُنَّ يَحْرُمْنَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ لِعُمُومِ الآْيَةِ السَّابِقَةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أَيْ مِنْ بَعْدِ نِكَاحِهِ. стр. 3808
وَالثَّانِي: لاَ يَحْرُمْنَ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ الأَْشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ نَكَحَ الْمُسْتَعِيذَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَامَ عُمَرُ بِرَجْمِهِ وَرَجْمِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: كَيْفَ تَرْجُمُنِي وَلَمْ يُضْرَبْ عَلَيَّ حِجَابٌ، وَلَمْ أُسَمَّ لِلْمُؤْمِنِينَ أُمًّا؟ فَكَفَّ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ (١) .
وَفِي وُجُوبِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْتِمْرَارِ حَقِّهِنَّ فِي النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى خِلاَفٌ (٢)
عُلُوُّ مَنْزِلَتِهِنَّ:
٩ - إِذَا عَقَدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَدَخَل بِهَا صَارَتْ أُمًّا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِدَلاَلَةِ صَدْرِ الآْيَةِ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٣) .
وَعِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ: تُصْبِحُ أُمًّا لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مُسْتَدِلًّا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: يَا أُمَّهُ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ، إِنَّمَا أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ (٤) .
دُخُولُهُنَّ فِي آل بَيْتِ الرَّسُول ﷺ :
١٠ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دُخُول أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي стр. 3809
أَهْل بَيْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ . فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: يَدْخُل نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَهْل الْبَيْتِ، وَبِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَعُرْوَةُ وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرُهُمْ، وَيَسْتَدِل هَؤُلاَءِ بِمَا رَوَاهُ الْخَلاَّل بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ سُفْرَةً مِنَ الصَّدَقَةِ فَرَدَّتْهَا وَقَالَتْ: إِنَّا آل مُحَمَّدٍ لاَ تَحِل لَنَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَ عِكْرِمَةُ يُنَادِي فِي السُّوقِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) نَزَلَتْ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً (٢) .
وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الَّذِي يَدُل عَلَيْهِ سِيَاقُ الآْيَةِ؛ لأَِنَّ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا خِطَابٌ لأُِمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَرْن فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُْولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (٣)
وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: لاَ يَدْخُل نِسَاءُ النَّبِيِّ فِي آل بَيْتِ رَسُول اللَّهِ، وَيَسْتَدِل هَؤُلاَءِ بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ رَسُول اللَّهِ قَال: نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ стр. 3810
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَدَعَا النَّبِيُّ فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْل بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَال: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ، وَأَنْتِ إِلَى خَيْرٍ (١)
حُقُوقُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ:
١١ - مِنْ حَقِّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحْتَرَمْنَ وَيُعَظَّمْنَ، وَيُصَنَّ عَنِ الأَْعْيَنِ وَالأَْلْسُنِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَحْوَهُنَّ.
فَإِنْ تَطَاوَل مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ عَلَى تَنَاوُلِهِنَّ بِالْقَذْفِ أَوِ السَّبِّ، فَفِي الْقَذْفِ يُفَرِّقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ قَذْفِ عَائِشَةَ ﵂، وَقَذْفِ غَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ ﵂ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ - مِنَ الزِّنَا - فَقَدْ كَفَرَ، وَجَزَاؤُهُ الْقَتْل (٢) ، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى стр. 3811
ذَلِكَ (١) ؛ لأَِنَّ مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، وَمَنْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ قُتِل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . أَمَّا مَنْ قَذَفَ وَاحِدَةً مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عُقُوبَتِهِ، فَقَال بَعْضُهُمْ وَمِنْهُمْ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ حُكْمَ قَذْفِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَحُكْمِ قَذْفِ عَائِشَةَ ﵂ أَيْ يُقْتَل - لأَِنَّ فِيهِ عَارًا وَغَضَاضَةً وَأَذًى لِرَسُول اللَّهِ ﷺ بَل فِي ذَلِكَ قَدْحٌ بِدِينِ رَسُول اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهُ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ قَذْفَ وَاحِدَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرِ عَائِشَة كَقَذْفِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵁، أَوْ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ يُحَدُّ الْقَاذِفُ حَدًّا وَاحِدًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٣) لأَِنَّهُ لاَ يَقْتَضِي شَرَفُهُنَّ زِيَادَةً فِي حَدِّ مَنْ قَذَفَهُنَّ؛ لأَِنَّ شَرَفَ الْمَنْزِلَةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْحُدُودِ.
وَقَال بَعْضُهُمْ وَمِنْهُمْ مَسْرُوقُ بْنُ الأَْجْدَعِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَنْ قَذَفَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ يُحَدُّ حَدَّيْنِ لِلْقَذْفِ - أَيْ يُجْلَدُ مِائَةً وَسِتِّينَ جَلْدَةً (٤) - стр. 3812
أَمَّا سَبُّ وَاحِدَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ - بِغَيْرِ الزِّنَا - مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلاَلٍ لِهَذَا السَّبِّ، فَهُوَ فِسْقٌ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَبِّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، يُعَزَّرُ فَاعِلُهُ (١) .
أُمِّيٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأُْمِّيُّ: الْمَنْسُوبُ إِلَى الأُْمِّ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ لاَ يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ، نُسِبَ إِلَى الأُْمِّ لأَِنَّهُ بَقِيَ عَلَى مَا وَلَدَتْهُ عَلَيْهِ أُمُّهُ. لأَِنَّ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ مُكْتَسَبَةٌ (٢) .
صَلاَةُ الأُْمِّيِّ:
٢ - الأُْمِّيُّ الَّذِي لاَ يُحْسِنُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، وَيُحْسِنُ قِرَاءَةَ آيَةٍ مِنْهَا وَيُرِيدُ الصَّلاَةَ، قَال الْبَعْضُ: إِنَّهُ يُكَرِّرُ هَذَا الَّذِي يُحْسِنُهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، لِيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ سَبْعِ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ، وَقَال آخَرُونَ: لاَ يُكَرِّرُهُ.
وَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ وَيُحْسِنُ غَيْرَهَا، قَرَأَ مَا يُحْسِنُهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
فَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ شَيْئًا وَاجْتَهَدَ آنَاءَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّعَلُّمِ، قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ стр. 3813
الْمَالِكِيَّةِ: يُصَلِّي دُونَ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا لاَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلاَ مِنَ الأَْذْكَارِ. وَقَال الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: يُصَلِّي وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُهَلِّلُهُ وَيُكَبِّرُهُ بَدَل الْقِرَاءَةِ (١) ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وَإِلاَّ فَاحْمَدْهُ وَهَلِّلْهُ وَكَبِّرْهُ (٢) . وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ (الصَّلاَةِ) عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ.
أَمْنٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْمْنُ ضِدُّ الْخَوْفِ، وَهُوَ: عَدَمُ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الزَّمَانِ الآْتِي، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) стр. 3814
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ
أ - أَمَانٌ:
٢ - الأَْمَانُ: ضِدُّ الْخَوْفِ، يُقَال: أَمَّنْتُ الأَْسِيرَ: أَعْطَيْتُهُ الأَْمَانَ فَأَمِنَ، فَهُوَ كَالأَْمْنِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، فَلَهُ مَعْنًى يَخْتَلِفُ عَنِ الأَْمْنِ، إِذْ هُوَ عِنْدَهُمْ، عَقْدٌ يُفِيدُ تَرْكَ الْقِتَال مَعَ الْكُفَّارِ فَرْدًا أَوْ جَمَاعَةً مُؤَقَّتًا أَوْ مُؤَبَّدًا (١) .
ب - خَوْفٌ:
٣ - الْخَوْفُ: الْفَزَعُ، وَهُوَ ضِدُّ الأَْمْنِ (٢)
ج - إِحْصَارٌ:
٤ - الإِْحْصَارُ: الْمَنْعُ وَالْحَبْسُ.
وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَنْعِ الْحَاجِّ بِعَدُوٍّ وَنَحْوِهِ مِنْ بَعْضِ أَعْمَالٍ مُعَيَّنَةٍ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ (٣) ، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالطَّوَافِ.
حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى الأَْمْنِ وَوَاجِبُ الإِْمَامِ تُجَاهَ ذَلِكَ:
٥ - الأَْمْنُ لِلْفَرْدِ وَلِلْمُجْتَمَعِ وَلِلدَّوْلَةِ مِنْ أَهَمِّ مَا تَقُومُ عَلَيْهِ الْحَيَاةُ، إِذْ بِهِ يَطْمَئِنُّ النَّاسُ عَلَى دِينِهِمْ стр. 3815
وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَيَتَّجِهُ تَفْكِيرُهُمْ إِلَى مَا يَرْفَعُ شَأْنَ مُجْتَمَعِهِمْ وَيَنْهَضُ بِأُمَّتِهِمْ.
وَمِنْ طَبَائِعِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْبَشَرِيَّةِ - كَمَا يَقُول ابْنُ خَلْدُونٍ - حُدُوثُ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَهُمْ، وَوُقُوعُ التَّنَازُعِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْمُشَاحَنَاتِ وَالْحُرُوبِ، وَإِلَى الْهَرَجِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَالْفَوْضَى، بَل إِلَى الْهَلاَكِ إِذَا خُلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْفُسِهِمْ بِدُونِ وَازِعٍ (١) .
وَبَيَّنَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ وُجُودَ الإِْمَامِ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ الْفَوْضَى، فَيَقُول: الإِْمَامَةُ مَوْضُوعَةٌ لِخِلاَفَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا، وَلَوْلاَ الْوُلاَةُ لَكَانَ النَّاسُ فَوْضَى مُهْمَلِينَ وَهَمَجًا مُضَيَّعِينَ (٢) .
ثُمَّ يُوَضِّحُ الْمَاوَرْدِيُّ وَاجِبَاتِ الإِْمَامِ فِي ذَلِكَ فَيَقُول: الَّذِي يَلْزَمُ الإِْمَامَ مِنَ الأُْمُورِ الْعَامَّةِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: حِفْظُ الدِّينِ عَلَى أُصُولِهِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُْمَّةِ، فَإِنْ نَجَمَ مُبْتَدِعٌ أَوْ زَاغَ ذُو شُبْهَةٍ عَنْهُ أَوْضَحَ لَهُ الْحُجَّةَ، وَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابَ، وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ، لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنْ خَلَلٍ، وَالأُْمَّةُ مَمْنُوعَةً مِنْ زَلَلٍ.
الثَّانِي: تَنْفِيذُ الأَْحْكَامُ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَقَطْعُ الْخِصَامِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ، حَتَّى تَعُمَّ النَّصَفَةُ، فَلاَ يَتَعَدَّى ظَالِمٌ، وَلاَ يَضْعُفُ مَظْلُومٌ.
الثَّالِثُ: حِمَايَةُ الْبَيْضَةِ وَالذَّبُّ عَنِ الْحَرِيمِ لِيَتَصَرَّفَ النَّاسُ فِي الْمَعَايِشِ وَيَنْتَشِرُوا فِي الأَْسْفَارِ، آمِنِينَ مِنْ تَغْرِيرٍ بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ. стр. 3816
الرَّابِعُ: إِقَامَةُ الْحُدُودِ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الاِنْتِهَاكِ وَتُحْفَظَ حُقُوقُ عِبَادِهِ مِنْ إِتْلاَفٍ وَاسْتِهْلاَكٍ.
الْخَامِسُ: تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ، حَتَّى لاَ تَظْفَرَ الأَْعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ فِيهَا مَحْرَمًا، أَوْ يَسْفِكُونَ فِيهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ دَمًا.
السَّادِسُ: جِهَادُ مَنْ عَانَدَ الإِْسْلاَمَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يُسْلِمَ، أَوْ يَدْخُل فِي الذِّمَّةِ، لِيُقَامَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِظْهَارِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
السَّابِعُ: جِبَايَةُ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ نَصًّا وَاجْتِهَادًا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ عَسْفٍ.
الثَّامِنُ: تَقْدِيرُ الْعَطَايَا وَمَا يُسْتَحَقُّ فِي بَيْتِ الْمَال مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلاَ تَقْتِيرٍ، وَدَفْعُهُ فِي وَقْتٍ لاَ تَقْدِيمَ فِيهِ وَلاَ تَأْخِيرَ.
التَّاسِعُ: اسْتِكْفَاءُ الأُْمَنَاءِ وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوَّضُ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَْعْمَال وَيُوَكَّل إِلَيْهِمْ مِنَ الأَْمْوَال، لِتَكُونَ الأَْعْمَال بِالْكَفَاءَةِ مَضْبُوطَةً، وَالأَْمْوَال بِالأُْمَنَاءِ مَحْفُوظَةً.
الْعَاشِرُ: أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الأُْمُورِ وَتَصَفُّحَ الأَْحْوَال، لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الأُْمَّةِ وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ، وَلاَ يُعَوِّل عَلَى التَّفْوِيضِ تَشَاغُلاً بِلَذَّةٍ أَوْ عِبَادَةٍ، فَقَدْ يَخُونُ الأَْمِينُ، وَيَغِشُّ النَّاصِحُ (١) .
اشْتِرَاطُ الأَْمْنِ بِالنِّسْبَةِ لأَِدَاءِ الْعِبَادَاتِ:
٦ - الأَْمْنُ مَقْصُودٌ بِهِ سَلاَمَةُ النَّفْسِ وَالْمَال وَالْعِرْضِ وَالدَّيْنِ وَالْعَقْل، وَهِيَ الضَّرُورِيَّاتُ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا стр. 3817
لِقِيَامِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَمْنَ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ بِالْعِبَادَاتِ (١) . لأَِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى النُّفُوسِ وَالأَْعْضَاءِ لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلضَّرَرِ بِسَبَبِ الْعِبَادَةِ (٢) .
وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ مِنَ الأَْمْثِلَةِ الآْتِيَةِ:
أَوَّلاً: فِي الطَّهَارَةِ:
٧ - الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ مِنَ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ أَوِ الأَْكْبَرِ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلاَةِ لَكِنْ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ عَدُوٌّ أَوْ لِصٌّ أَوْ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلاَكَ أَوِ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ أُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لأَِنَّ إِلْقَاءَ النَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ حَرَامٌ، وَكَذَا مَنْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ أَوْ مَرَضٌ وَيَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ بِاسْتِعْمَال الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤)
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلاً أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي رَأْسِهِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلاَمٌ فَأُمِرَ بِالاِغْتِسَال، فَاغْتَسَل فَكُزَّ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: قَتَلُوهُ стр. 3818
قَتَلَهُمُ اللَّهُ (١) (ر: طَهَارَة - وُضُوء - غُسْل - تَيَمُّم) .
ثَانِيًا: فِي الصَّلاَةِ:
٨ - أ - مِنْ شَرَائِطِ الصَّلاَةِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ مَعَ الأَْمْنِ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الأَْمْنُ بِأَنْ خَافَ مِنْ نَحْوِ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ سَقَطَ الاِسْتِقْبَال وَصَلَّى عَلَى حَالِهِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٢) (ر: اسْتِقْبَال) .
ب - صَلاَةُ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ إِلاَّ أَنَّهَا لاَ تَجِبُ عَلَى خَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ إِجْمَاعًا (٣) .
ج - صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ أَوْ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى стр. 3819
اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنَّ الْجَمَاعَةَ تَسْقُطُ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِرْضٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنِ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ - قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَال: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ - لَمْ تُقْبَل مِنْهُ الصَّلاَةُ الَّتِي صَلَّى (١) .
ثَالِثًا: فِي الْحَجِّ:
٩ - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ أَمْنُ الطَّرِيقِ فِي النَّفْسِ وَالْمَال وَالْعِرْضِ، فَمَنْ خَافَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ إِنْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آخَرَ آمِنًا. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَجِّ مَثَلاً طَرِيقٌ إِلاَّ بِالْبَحْرِ، وَكَانَ الْغَالِبُ عَدَمَ سَلاَمَةِ الْوُصُول لَمْ يَجِبِ الْحَجُّ (٢) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٣) وَقَوْلُهُ: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤) (ر حَجّ) . стр. 3820
رَابِعًا: فِي الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:
١٠ - الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيل الْكِفَايَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) وَشَرْطُ وُجُوبِهِ أَنْ يَأْمَنَ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَإِنْ قَل أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (٢) . لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (٣)
(ر: أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ)
اشْتِرَاطُ الأَْمْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلاِمْتِنَاعِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ:
١١ - الْحِفَاظُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَال وَالْعِرْضِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا تَقَدَّمَ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْقِيَامِ بِعِبَادَةٍ مَا تَلَفٌ لِلإِْنْسَانِ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ وَيُخَفَّفُ عَنْهُ فِيهَا.
وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي الْمُحَرَّمَاتِ. فَلَوْ كَانَ فِيمَا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ ضَرَرٌ يَلْحَقُ الإِْنْسَانَ فِي نَفْسِهِ لَوِ امْتَنَعَ عَنْهُ امْتِثَالاً لِلنَّهْيِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُبَاحُ لَهُ مَا حَرُمَ فِي الأَْصْل وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ следующие страницы →