Полный текст (31 949 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
وَإِذْ قَدْ كَانَ الأَْمْرُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالْمُنَاسَبَةِ بِأَنَّ الْمُنَاسِبَ وَصْفٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ مِثْل الْحَرَجِ وَالزَّجْرِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهَا مُشَكِّكَاتٌ، وَلاَ يُعْتَبَرُ كُل قَدْرٍ مِنْ آحَادِهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُنَاسِبَ مُنْضَبِطٌ، وَطُرُقُ انْضِبَاطِهِ ثَلاَثَةٌ:
الأُْولَى: أَنْ يَنْضَبِطَ بِنَفْسِهِ بِأَنْ يَعْتَبِرَ مُطْلَقَهُ كَالإِْيمَانِ لَوْ قِيل بِتَشْكِيكِ الْيَقِينِ، فَالْمُعْتَبَرُ مُطْلَقُ الْيَقِينِ فِي أَيِّ فَرْدٍ تَحَقَّقَ مِنْ أَفْرَادِهِ الْمُخْتَلِفَةِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْضَبِطَ فِي الْعُرْفِ كَالْمَنْفَعَةِ وَالْمَضَرَّةِ، فَإِنَّهُمَا وَصْفَانِ مَضْبُوطَانِ عُرْفًا.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَنْضَبِطَ فِي الشَّرْعِ بِالْمَظِنَّةِ كَالسَّفَرِ، فَإِنَّ مَرْتَبَةَ الْحَرَجِ إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ بِهِ، وَكَالْحَدِّ فَإِنَّهُ بِهِ يَتَحَدَّدُ مِقْدَارُ الزَّجْرِ. (١)
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الاِنْضِبَاطِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
أَوَّلاً: انْضِبَاطُ الْمُسْلَمِ فِيهِ:
٣ - يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْمُخْتَلَطِ بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ، إِذَا انْضَبَطَتْ عِنْدَ أَهْل تِلْكَ الصَّنْعَةِ الأَْجْزَاءُ الْمَقْصُودَةُ الَّتِي صُنِعَ مِنْهَا الْمُسْلَمُ فِيهِ، وَذَلِكَ كَالْعَتَّابِيِّ، وَهُوَ مَا رُكِّبَ مِنْ قُطْنٍ وَحَرِيرٍ، وَكَالْخَزِّ وَهُوَ مَا رُكِّبَ مِنْ حَرِيرٍ وَوَبَرٍ وَصُوفٍ، فَلاَ بُدَّ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعْرِفَةُ وَزْنِ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الأَْجْزَاءِ؛ لأَِنَّ الْقِيَمَ وَالأَْغْرَاضَ تَتَفَاوَتُ بِذَلِكَ تَفَاوُتًا ظَاهِرًا، (٢) فَإِذَا لَمْ تُضْبَطْ هَذِهِ الأُْمُورُ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى النِّزَاعِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إِذَا كَانَتْ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهَا. стр. 3957
ثَانِيًا: الاِنْضِبَاطُ فِي الْقِصَاصِ:
٤ - يُشْتَرَطُ فِي قِصَاصِ مَا دُونَ النَّفْسِ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ مُنْضَبِطَةً كَالْقَطْعِ مِنَ الْمِفْصَل، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ انْضِبَاطُهُمَا كَالْجَوَائِفِ فَلاَ يَجِبُ، بِخِلاَفِ قِصَاصِ النَّفْسِ فَلاَ يُشْتَرَطُ الاِنْضِبَاطُ فِي جِرَاحَتِهِ الَّتِي سَرَتْ إِلَيْهَا. (١)
ثَالِثًا: الاِنْضِبَاطُ فِي الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ:
٥ - عَلَى الْمُدَّعِي إِذَا ادَّعَى عَيْنًا تَنْضَبِطُ أَنْ يَصِفَهَا بِصِفَةِ السَّلَمِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ مِثْلِيَّةً كَالْحُبُوبِ، أَوْ قِيَمِيَّةً كَالْحَيَوَانِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي بَابِ السَّلَمِ. (٢)
مِنْ مَوَاطِنِ الْبَحْثِ:
٦ - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ الاِنْضِبَاطَ فِي كَلاَمِهِمْ عَلَى عِلَّةِ الْقِيَاسِ، وَفِي آدَابِ الْمُنَاظَرَةِ ضَمْنَ الأَْسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ. وَذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كَلاَمِهِمْ عَلَى شُرُوطِ الْمُسْلَمِ وَالْقِصَاصِ وَالدَّعْوَى. (٣)
إِنْظَارٌ
انْظُرْ: إِمْهَالٌ стр. 3958
أَنْعَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْنْعَامُ لُغَةً: جَمْعٌ مُفْرَدُهُ نَعَمٌ، وَهِيَ ذَوَاتُ الْخُفِّ وَالظِّلْفِ، وَهِيَ الإِْبِل، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ عَلَى الإِْبِل. وَالنَّعَمُ مُذَكَّرٌ، فَيُقَال: هَذَا نَعَمٌ وَارِدٌ. وَالأَْنْعَامُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْوَاحِدِيِّ: اتِّفَاقَ أَهْل اللُّغَةِ عَلَى إِطْلاَقِهِ عَلَى الإِْبِل، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ. وَقِيل: تُطْلَقُ الأَْنْعَامُ عَلَى هَذِهِ الثَّلاَثَةِ، فَإِذَا انْفَرَدَتِ الإِْبِل فَهِيَ نَعَمٌ، وَإِنِ انْفَرَدَتِ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ لَمْ تُسَمَّ نَعَمًا. (١)
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ الأَْنْعَامُ هِيَ الإِْبِل، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ (٢) سُمِّيَتْ نَعَمًا لِكَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا عَلَى خَلْقِهِ بِالنُّمُوِّ، وَالْوِلاَدَةِ، وَاللَّبَنِ، وَالصُّوفِ، وَالْوَبَرِ، وَالشَّعْرِ، وَعُمُومِ الاِنْتِفَاعِ. (٣)
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالأَْنْعَامِ، وَمَوَاطِنِ الْبَحْثِ:
٢ - تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الأَْنْعَامِ إِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. (٤) стр. 3959
رَوَى أَبُو ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلاَ بَقَرٍ وَلاَ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، كُلَّمَا نَفَذَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ. (١) وَتَفْصِيل النِّصَابِ فِي الأَْنْعَامِ بِأَنْوَاعِهَا الثَّلاَثَةِ وَالْوَاجِبِ فِيهَا يُنْظَرُ فِي (الزَّكَاةُ) .
وَلاَ يُشْرَعُ الْهَدْيُ وَالأُْضْحِيَّةُ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الذَّبَائِحِ الْمُسَمَّاةِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا كَالْعَقِيقَةِ إِلاَّ مِنَ الأَْنْعَامِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ . (٢)
وَالأَْفْضَل فِي الْهَدْيِ الإِْبِل ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ؛ (٣) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنِ اغْتَسَل يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْل الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقَرْنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً (٤) стр. 3960
وَلِلأَْنْعَامِ الَّتِي تُجْعَل هَدْيًا أَوْ عَقِيقَةً أَوْ أُضْحِيَّةً أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.
وَيَحِل ذَبْحُ الأَْنْعَامِ وَأَكْلُهَا فِي الْحِل وَالْحَرَمِ، وَحَالَةِ الإِْحْرَامِ بِخِلاَفِ الصَّيْدِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْوَحْشِيِّ، وَبِخِلاَفِ مَا حَرُمَ مِنْهَا مِنَ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَفْصِيلُهُ فِي (أَطْعِمَةٍ) ؛ لِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَْنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١)
وَالأَْفْضَل فِي تَذْكِيَةِ الأَْنْعَامِ: النَّحْرُ فِي الإِْبِل، وَالذَّبْحُ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنْ وَسْمِ إِبِل الصَّدَقَةِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ. (٢) وَفِي خِيَارِ الرَّدِّ بِالتَّصْرِيَةِ (٣) عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ، نَرَى أَنَّ الْبَعْضَ يَجْعَل الْخِيَارَ خَاصًّا بِالنَّعَمِ دُونَ غَيْرِهَا، وَالْبَعْضَ يُخَيِّرُ فِي رَدِّ الْمُصَرَّاةِ مِنْ نَعَمٍ وَغَيْرِهِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ. (٤)
انْعِزَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِنْعِزَال: انْفِعَالٌ مِنَ الْعَزْل. وَالْعَزْل: هُوَ стр. 3961
فَصْل الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ: تَقُول: عَزَلْتُ الشَّيْءَ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا نَحَّيْتُهُ عَنْهُ، وَمِنْهُ عَزَلْتُ النَّائِبَ أَوِ الْوَكِيل: إِذَا أَخْرَجْتُهُ عَمَّا كَانَ لَهُ مِنَ الْحُكْمِ. (١)
وَيُفْهَمُ مِنَ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عِنْدَهُمْ: خُرُوجُ ذِي الْوِلاَيَةِ عَمَّا كَانَ لَهُ مِنْ حَقِّ التَّصَرُّفِ. وَالاِنْعِزَال قَدْ يَكُونُ بِالْعَزْل، أَوْ يَكُونُ حُكْمِيًّا، كَانْعِزَال الْمُرْتَدِّ وَالْمَجْنُونِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الأَْصْل أَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَمَلاً بِأَهْلِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ شُرُوطٍ خَاصَّةٍ، ثُمَّ فَقَدَ هَذِهِ الأَْهْلِيَّةَ، أَوْ شَرْطًا مِنَ الشُّرُوطِ الأَْسَاسِيَّةِ (لاَ شُرُوطِ الأَْوْلَوِيَّةِ) فَإِنَّهُ يَنْعَزِل حُكْمًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى عَزْلٍ، هَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَفِي تَطْبِيقَاتِ هَذَا الأَْصْل تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي كُل مُصْطَلَحٍ ذِي صِلَةٍ، كَالإِْمَامَةِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْوَقْفِ (النَّاظِرِ) وَالْوِلاَيَةِ عَلَى الْيَتِيمِ وَنَحْوِهِ.
هَذَا، وَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الاِنْعِزَال وَاسْتِحْقَاقِ الْعَزْل، فَإِنَّ الاِنْعِزَال قَدْ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْعَزْل، وَلاَ يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِ مَنِ انْعَزَل. أَمَّا اسْتِحْقَاقُ الْعَزْل فَيَكُونُ بِأَنْ يَرْتَكِبَ ذُو الْوِلاَيَةِ أَمْرًا يُوجِبُ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ، أَوْ عَلَى الأَْصِيل أَنْ يُعْزَل، كَفِسْقِ الْقَاضِي، أَوْ حُكْمِهِ بِالْهَوَى، أَوْ أَخْذِهِ الرِّشْوَةَ (٣) . стр. 3962
انْعِقَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِنْعِقَادُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الاِنْحِلاَل، وَمِنْهُ انْعِقَادُ الْحَبْل، وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا الْوُجُوبُ، وَالاِرْتِبَاطُ، وَالتَّأَكُّدُ. (١)
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ يَخْتَلِفُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِاخْتِلاَفِ الْمَوْضُوعِ، فَانْعِقَادُ الْعِبَادَةِ مِنْ صَلاَةٍ، وَصَوْمٍ: ابْتِدَاؤُهَا صَحِيحَةً (٢) ، وَانْعِقَادُ الْوَلَدِ حَمْل الأُْمِّ بِهِ، (٣) وَانْعِقَادُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صِيغَةٍ مِنَ الْعُقُودِ: هُوَ ارْتِبَاطُ الإِْيجَابِ بِالْقَبُول عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ شَرْعًا. (٤)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الصِّحَّةُ:
٢ - يُعَبِّرُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الصِّحَّةِ بِالاِنْعِقَادِ، فَقَوْلُهُمْ: تَنْعَقِدُ الصَّلاَةُ بِقِرَاءَةِ الآْيَةِ مَعْنَاهُ: تَصِحُّ بِهَا، إِلاَّ أَنَّ النَّاظِرَ فِي اللَّفْظَيْنِ يَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالاِنْعِقَادِ، فَالصِّحَّةُ لاَ تَحْصُل إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِ стр. 3963
الأَْرْكَانِ وَالشُّرُوطِ، أَمَّا الاِنْعِقَادُ فَإِنَّهُ قَدْ يَحْصُل وَإِنْ لَمْ تَتِمَّ الشُّرُوطُ. (١)
مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِنْعِقَادُ:
٣ - انْعِقَادُ الْعُقُودِ يَكُونُ تَارَةً بِالْقَوْل، وَتَارَةً بِالْفِعْل، فَالْقَوْل كَالاِرْتِبَاطِ الْحَاصِل بِسَبَبِ صِيَغِ الْعُقُودِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا كَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِ. (٢) وَالْفِعْل كَالْمُعَاطَاةِ عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ. وَالاِنْعِقَادُ قَدْ يَقَعُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، وَقَدْ يُشْتَرَطُ فِيهِ اللَّفْظُ الصَّرِيحُ.
فَالأَْوَّل نَحْوُ كُل تَصَرُّفٍ يَسْتَقِل بِهِ الشَّخْصُ كَالطَّلاَقِ، وَالْعَتَاقِ وَالإِْبْرَاءِ، (٣) فَإِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، وَكَذَا مَا لاَ يَسْتَقِل بِهِ الشَّخْصُ مِنَ الْعُقُودِ، وَكَانَ مِمَّا يَقْبَل التَّعْلِيقَ كَالْمُكَاتَبَةِ وَالْخُلْعِ، فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ لاَ يَقْبَل التَّعْلِيقَ فَفِي انْعِقَادِهِ خِلاَفٌ، وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ. (٤) стр. 3964
وَالْبَاطِل مِنْ عِبَادَةٍ وَعَقْدٍ وَغَيْرِهِمَا غَيْرُ مُنْعَقِدٍ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْمُعَامَلاَتُ فَفِي انْعِقَادِ فَاسِدِهَا خِلاَفٌ، وَأَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ يَنْعَقِدُ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَالاِنْعِقَادُ حِينَئِذٍ بِمَشْرُوعِيَّةِ الأَْصْل دُونَ الْوَصْفِ. (١)
وَمِنَ التَّصَرُّفَاتِ مَا يَنْعَقِدُ مَعَ الْهَزْل كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلاَقِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ، (٢) وَمِنْهَا مَا لاَ يَنْعَقِدُ مَعَهُ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. (٣)
وَأَغْلَبُ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ تَنْعَقِدُ بِإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ، كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. (٤)
أَمَّا إِشَارَةُ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ فَلاَ يَتِمُّ بِهَا الاِنْعِقَادُ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ إِذْ لاَ يَعْدِل عَنِ الْعِبَارَةِ إِلَى الإِْشَارَةِ إِلاَّ لِعُذْرٍ. (٥) стр. 3965
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ إِشَارَةَ غَيْرِ الأَْخْرَسِ يُعْتَدُّ بِهَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ. (١)
وَانْعِقَادُ الإِْمَامَةِ الْكُبْرَى يَكُونُ بِاخْتِيَارِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَتَفَاوَتُونَ فِي تَحْدِيدِ أَقَل عَدَدٍ تَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعَةُ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، وَمَوْطِنُ ذَلِكَ مُصْطَلَحُ (الإِْمَامَةِ الْكُبْرَى) . (٢)
أَوْ يَكُونُ بِعَهْدٍ مِنَ الإِْمَامِ لِمَنْ بَعْدَهُ مَعَ الْمُبَايَعَةِ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّةِ الْعَهْدِ بِالإِْمَامَةِ لأَِمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ عَهِدَ بِهَا إِلَى عُمَرَ ﵁.
وَالثَّانِي: أَنَّ عُمَرَ عَهِدَ بِهَا إِلَى أَهْل الشُّورَى، فَقَبِلَتِ الْجَمَاعَةُ دُخُولَهُمْ فِيهَا، وَهُمْ أَعْيَانُ الْعَصْرِ، اعْتِقَادًا لِصِحَّةِ الْعَهْدِ بِهَا، فَصَارَ الْعَهْدُ بِهَا إِجْمَاعًا فِي انْعِقَادِ الإِْمَامَةِ. (٣)
أَمَّا انْعِقَادُ الإِْمَامَةِ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلاَ اخْتِيَارٍ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَنْعَقِدُ، وَيَلْزَمُ أَهْل الاِخْتِيَارِ عَقْدُ الإِْمَامَةِ لَهُ، لَكِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى انْعِقَادِهَا بِالتَّغَلُّبِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (الإِْمَامَةِ الْكُبْرَى) . (٤)
وَتَنْعَقِدُ الْوِلاَيَاتُ مَعَ الْحُضُورِ بِاللَّفْظِ مُشَافَهَةً، وَمَعَ الْغَيْبَةِ مُكَاتَبَةً، وَمُرَاسَلَةً، وَكَيْفِيَّةُ انْعِقَادِ كُل وِلاَيَةٍ تُذْكَرُ فِي مَوْطِنِهَا، وَيَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنْ ذَلِكَ стр. 3966
غَالِبًا فِي كُتُبِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ. (١)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْيْمَانِ عَنِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ، وَمَوَاطِنُ الاِنْعِقَادِ يَصْعُبُ سَرْدُهَا لِذَا يَرْجِعُ إِلَى كُل عِبَادَةٍ أَوْ تَصَرُّفٍ فِي مَوْطِنِهِ لِبَيَانِ الاِنْعِقَادِ مِنْ عَدَمِهِ.
انْعِكَاسٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِنْعِكَاسُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ انْعَكَسَ مُطَاوِعُ عَكَسَ. (٢) وَالْعَكْسُ: رَدُّ أَوَّل الشَّيْءِ عَلَى آخِرِهِ. يُقَال: عَكَسَهُ يَعْكِسُهُ عَكْسًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ. (٣) وَمِنْهُ قِيَاسُ الْعَكْسِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ وَهُوَ: إِثْبَاتُ عَكْسِ حُكْمِ شَيْءٍ لِمِثْلِهِ لِتَعَاكُسِهِمَا فِي الْعِلَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَال: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ (٤)
وَالاِنْعِكَاسُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: انْتِفَاءُ الْحُكْمِ стр. 3967
بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ كَانْتِفَاءِ حُرْمَةِ الْخَمْرِ بِزَوَال إِسْكَارِهَا. (١)
وَضِدُّ الاِنْعِكَاسِ الاِطِّرَادُ، كَمَا أَنَّ ضِدَّ الْعَكْسِ الطَّرْدُ. (ر: اطِّرَادٌ) .
٢ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الأُْصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّ الاِنْعِكَاسَ مَعَ الاِطِّرَادِ مَسْلَكٌ مِنَ الْمَسَالِكِ الَّتِي بِهَا تُعْرَفُ الْعِلَّةُ. وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الْحَنَفِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الأَْشْعَرِيَّةِ كَالْغَزَالِيِّ وَالآْمِدِيِّ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ. (٢)
كَمَا ذَهَبَ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّ الاِنْعِكَاسَ مِنْ شَرَائِطِ الْعِلَّةِ، وَالآْخَرُونَ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا هَذَا الشَّرْطَ. (٣)
وَتَمَامُ الْكَلاَمِ عَلَى ذَلِكَ مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ الاِنْعِكَاسَ فِي مَبَاحِثِ الْعِلَّةِ مِنَ الْقِيَاسِ، فِي شُرُوطِهَا، وَفِي مَسَالِكِهَا، بِاعْتِبَارِهِ أَحَدَ شُرُوطِهَا وَمَسَالِكِهَا عَلَى الْخِلاَفِ الَّذِي تَقَدَّمَ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي مَبْحَثِ التَّرْجِيحَاتِ الْقِيَاسِيَّةِ بِاعْتِبَارِهِ أَحَدَ طُرُقِ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الأَْقْيِسَةِ، (٤) وَفِي الْكَلاَمِ عَلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَظِنَّةِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ فِي مَظِنَّةِ الْحِكْمَةِ الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ، (٥) وَفِي الْكَلاَمِ عَلَى قَوَادِحِ الْعِلَّةِ. (٦) стр. 3968
أَنْفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْنْفُ: الْمَنْخِرُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ آنَافٌ وَأُنُوفٌ (١)
مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ:
تَخْتَلِفُ الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالأَْنْفِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ.
أ - فِي الْوُضُوءِ:
٢ - غَسْل الأَْنْفِ مِنَ الدَّاخِل (الاِسْتِنْشَاقُ) سُنَّةٌ، وَغَسْلُهُ مِنَ الظَّاهِرِ فَرْضٌ بِاعْتِبَارِهِ جُزْءًا مِنَ الْوَجْهِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وُضُوءٍ) .
ب - فِي الْغُسْل:
٣ - غَسْل ظَاهِرِ الأَْنْفِ فِي الْغُسْل فَرْضٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ. وَغَسْل بَاطِنِهِ (وَهُوَ الاِسْتِنْشَاقُ) فَرْضٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَسُنَّةٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (غُسْلٍ) .
ج - السُّجُودُ عَلَى الأَْنْفِ فِي الصَّلاَةِ:
٤ - تَمْكِينُ الأَْنْفِ مَعَ الْجَبْهَةِ فِي السُّجُودِ سُنَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ стр. 3969
أَنَّ النَّبِيَّ سَجَدَ وَمَكَّنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ عَلَى الأَْرْضِ. (١)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ وَالْقَوْل الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ (٢) وَإِشَارَتُهُ إِلَى أَنْفِهِ تَدُل عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُ. (٣)
د - وُصُول شَيْءٍ إِلَى جَوْفِ الصَّائِمِ عَنْ طَرِيقِ الأَْنْفِ:
٥ - إِذَا اسْتَعَطَ الصَّائِمُ فَوَصَل الدَّوَاءُ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ حَلْقِهِ أَوْ دِمَاغِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَفْسُدُ إِلاَّ بِالْوُصُول إِلَى الْجَوْفِ أَوِ الْحَلْقِ - كَذَلِكَ مَنِ اسْتَنْشَقَ فَوَصَل الْمَاءُ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ حَلْقِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَلِلْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِذَا بَالَغَ فِي الاِسْتِنْشَاقِ فَوَصَل الْمَاءُ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ حَلْقِهِ رَأْيَانِ: الْفَسَادُ وَعَدَمُهُ (٤) . стр. 3970
هـ - الْجِنَايَةُ عَلَى الأَْنْفِ:
٦ - الْجِنَايَةُ عَلَى الأَْنْفِ عَمْدًا تُوجِبُ الْقِصَاصَ مَتَى أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الْمِثْل بِلاَ حَيْفٍ. وَالْقِصَاصُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأَْنْفُ بِالأَْنْفِ﴾ . (١)
فَإِذَا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفَاءُ الْمِثْل أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَالْوَاجِبُ هُوَ الدِّيَةُ، وَفِي ذَهَابِ الشَّمِّ وَحْدَهُ الدِّيَةُ.
وَفِي ذَهَابِ الشَّمِّ وَمَارِنِ الأَْنْفِ دِيَتَانِ.
وَإِنْ قَطَعَ جُزْءًا مِنَ الأَْنْفِ وَجَبَ فِيهِ الدِّيَةُ بِقَدْرِهِ. (٢)
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ (ر: جِنَايَةٌ، وَدِيَةٌ، وَأَطْرَافٌ، وَجِرَاحٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٧ - لِلأَْنْفِ أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ وَتَرِدُ فِي مَسَائِل مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَذَلِكَ كَالاِسْتِنْشَاقِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ، وَبَابِ الْغُسْل، وَغُسْل الْمَيِّتِ، وَفِي صَبِّ لَبَنِ الْمُرْضِعِ فِيهِ، وَهَل يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ بِذَلِكَ أَمْ لاَ، وَذَلِكَ فِي بَابِ الرَّضَاعِ، وَاتِّخَاذِ أَنْفٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَذَلِكَ فِي بَابِ اللِّبَاسِ.
إِنْفَاقٌ
انْظُرْ: نَفَقَةٌ. стр. 3971
أَنْفَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - النَّفَل بِالتَّحْرِيكِ: الْغَنِيمَةُ، وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَْنْفَال﴾ (١) سَأَلُوا عَنْهَا؛ لأَِنَّهَا كَانَتْ حَرَامًا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ فَأَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ. وَأَصْل مَعْنَى الأَْنْفَال مِنَ النَّفْل - بِسُكُونِ الْفَاءِ - أَيِ الزِّيَادَةِ. (٢)
وَاصْطِلاَحًا، اخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِهَا عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ:
٢ - الأَْوَّل: هِيَ الْغَنَائِمُ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ، وَمُجَاهِدٍ فِي رِوَايَةٍ، وَالضِّحَاكِ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ فِي رِوَايَةٍ.
٣ - الثَّانِي: الْفَيْءُ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ كُلٍّ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ، وَهُوَ مَا يَصِل إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَال الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ.
٤ - الثَّالِثُ: الْخُمُسُ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ.
٥ - الرَّابِعُ: التَّنْفِيل، وَهُوَ مَا أُخِذَ قَبْل إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ وَقِسْمَتِهَا، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ يَجُوزُ التَّنْفِيل إِلاَّ مِنَ الْخُمْسِ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي стр. 3972
مُصْطَلَحِ (تَنْفِيلٍ) .
٦ - خَامِسًا: السَّلَبُ، وَهُوَ الَّذِي يُدْفَعُ إِلَى الْفَارِسِ زَائِدًا عَنْ سَهْمِهِ مِنَ الْمَغْنَمِ، تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْقِتَال، كَمَا إِذَا قَال الإِْمَامُ: وَمَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ " أَوْ قَال لِسَرِيَّةٍ: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ، أَوْ يَقُول: فَلَكُمْ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ أَوْ رُبُعُهُ (١) .
٧ - فَالأَْنْفَال بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الأَْقْوَال تُطْلَقُ عَلَى أَمْوَال الْحَرْبِيِّينَ الَّتِي آلَتْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالٍ أَوْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَيَدْخُل فِيهَا الْغَنِيمَةُ وَالْفَيْءُ. قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَال عُلَمَاؤُنَا ﵏: هَا هُنَا ثَلاَثَةُ أَسْمَاءٍ: الأَْنْفَال، وَالْغَنَائِمُ، وَالْفَيْءُ.
فَالنَّفَل الزِّيَادَةُ، وَتَدْخُل فِيهِ الْغَنِيمَةُ، وَهِيَ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَال الْكُفَّارِ بِقِتَالٍ.
وَالْفَيْءُ، وَهُوَ مَا أُخِذَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَسُمِّيَ كَذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ انْتِفَاعُ الْمُؤْمِنِ بِهِ. (٢)
وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا بَذَلَهُ الْكُفَّارُ لِنَكُفَّ عَنْ قِتَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَا أُخِذَ بِغَيْرِ تَخْوِيفٍ كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَالْعُشْرِ، وَمَال الْمُرْتَدِّ، وَمَال مَنْ مَاتَ مِنَ الْكُفَّارِ وَلاَ وَارِثَ لَهُ. (٣)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرَّضْخُ:
٨ - الرَّضْخُ لُغَةً: الْعَطَاءُ غَيْرُ الْكَثِيرِ، وَاصْطِلاَحًا: مَالٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ لاَ يَزِيدُ عَلَى سَهْمٍ وَاحِدٍ مِنَ стр. 3973
الْغَانِمِينَ، تَقْدِيرُهُ إِلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ كَقَائِدِ الْجَيْشِ يُعْطَى لِمَنْ حَضَرَ الْمَعْرَكَةَ، وَأَعَانَ عَلَى الْقِتَال، مِنَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَنَحْوِهِمْ، وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّونَ وَالْعَبِيدُ بِقَدْرِ مَا يَبْذُلُونَ مِنْ جَهْدٍ، مِثْل مُدَاوَاةِ الْجَرْحَى وَالْمَرْضَى، وَالدَّلاَلَةُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٩ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الأَْنْفَال بِحَسَبِ مُفْرَدَاتِهَا السَّابِقَةِ مِنْ: غَنِيمَةٍ، وَفَيْءٍ، وَسَلَبٍ، وَرَضْخٍ، وَتَنْفِيلٍ، وَيُنْظَرُ حُكْمُ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِهِ (٢)
انْفِرَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِنْفِرَادُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ انْفَرَدَ وَهُوَ بِمَعْنَى تَفَرَّدَ. (٣) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ (٤) стр. 3974
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِبْدَادُ:
٢ - الاِسْتِبْدَادُ: مَصْدَرُ اسْتَبَدَّ، يُقَال: اسْتَبَدَّ بِالأَْمْرِ إِذَا انْفَرَدَ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُشَارِكٍ لَهُ فِيهِ (١) .
ب: الاِسْتِقْلاَل:
٣ - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِقْلاَل: الاِعْتِمَادُ عَلَى النَّفْسِ، وَالاِسْتِبْدَادُ بِالأَْمْرِ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يُرَادِفُ الاِنْفِرَادَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ إِطْلاَقَاتِهِ اللُّغَوِيَّةِ، فَيَكُونُ مِنَ الْقِلَّةِ وَمِنَ الاِرْتِفَاعِ. (٢)
ج - الاِشْتِرَاكُ:
٤ - الاِشْتِرَاكُ ضِدُّ الاِنْفِرَادِ.
أَحْكَامُ الاِنْفِرَادِ:
الاِنْفِرَادُ فِي الصَّلاَةِ:
٥ - صَلاَةُ الْمُنْفَرِدِ جَائِزَةٌ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالْجَمَاعَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (إِلاَّ فِي الْجُمُعَةِ بِالاِتِّفَاقِ، وَالْعِيدَيْنِ عَلَى خِلاَفٍ) ، وَفِي صَلاَةِ الْمُنْفَرِدِ أَجْرٌ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (٣) стр. 3975
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (١) لأَِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ النِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا - بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ - ثُبُوتُ الأَْجْرِ فِيهِمَا، وَإِلاَّ فَلاَ نِسْبَةَ وَلاَ تَقْدِيرَ، وَلاَ يَنْقُصُ أَجْرُ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا مَعَ الْعُذْرِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَل صَحِيحًا مُقِيمًا (٢) وَلاَ تَجِبُ الإِْعَادَةُ لِفَرْضٍ عَلَى مَنْ صَلاَّهُ وَحْدَهُ.
أَمَّا صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ فَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلرِّجَال عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيل: هِيَ وَاجِبَةٌ إِلاَّ فِي جُمُعَةٍ فَشَرْطٌ، وَكَذَا الْعِيدُ عَلَى الْقَوْل بِوُجُوبِ الْعِيدِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ وَاجِبًا. (٣) (ر: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) .
الاِنْفِرَادُ فِي التَّصَرُّفَاتِ:
أ - انْفِرَادُ أَحَدِ الأَْوْلِيَاءِ بِالتَّزْوِيجِ:
٦ - إِنِ اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ الْمُتَسَاوِينَ فِي جِهَةِ الْقَرَابَةِ وَالدَّرَجَةِ وَالْقُوَّةِ كَالإِْخْوَةِ الأَْشِقَّاءِ، أَوِ الأَْبِ، وَالأَْعْمَامُ كَذَلِكَ، وَتَشَاحَّوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَطَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ. فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، وَلِتَسَاوِيهِمْ فِي الْحَقِّ، стр. 3976
وَتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ زَوَّجَ. فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَزَوَّجَ، وَقَالَتْ أَذِنْتُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَحَّ التَّزْوِيجُ؛ لأَِنَّهُ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ كَامِل الْوِلاَيَةِ بِإِذْنِ مُوَلِّيَتِهِ فَصَحَّ مِنْهُ، كَمَا لَوِ انْفَرَدَ بِالْوِلاَيَةِ؛ وَلأَِنَّ الْقُرْعَةَ شُرِعَتْ لإِِزَالَةِ الْمُشَاحَّةِ لاَ لِسَلْبِ الْوِلاَيَةِ. (١)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: عِنْدَ تَسَاوِيهِمْ دَرَجَةً وَقَرَابَةً يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِيمَنْ يَرَاهُ أَحْسَنَهُمْ رَأْيًا لِيَتَوَلَّى الْعَقْدَ. (٢)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَكُونُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ وَيُزَوِّجَ، رَضِيَ الآْخَرُ أَوْ سَخِطَ، إِذَا كَانَ التَّزْوِيجُ مِنْ كُفْءٍ وَبِمَهْرٍ وَافِرٍ. (٣) وَهَذَا إِذَا اتَّحَدَ الْخَاطِبُ.
٧ - أَمَّا إِذَا تَعَدَّدَ الْخَاطِبُ، فَالتَّزْوِيجُ لِمَنْ تَرْضَاهُ الْمَرْأَةُ؛ لأَِنَّ لَهَا الْحَقَّ عِنْدَهُمْ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْ كُفْءٍ إِذَا كَانَتْ بَالِغَةً رَشِيدَةً، وَلاَ يُزَوِّجُهَا إِلاَّ الْوَلِيُّ الَّذِي تَرْضَاهُ بِوَكَالَةٍ، فَإِنْ لَمْ تُعَيِّنِ الْمَرْأَةُ وَاحِدًا مِنَ الْمُسْتَوِينَ دَرَجَةً وَقَرَابَةً، وَأَذِنَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ بِانْفِرَادِهِ، أَوْ قَالَتْ: أَذِنْتُ فِي فُلاَنٍ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُزَوِّجْنِي مِنْهُ، صَحَّ التَّزْوِيجُ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوِلاَيَةِ فِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ فَزَوَّجَهَا مِنْ كُفْءٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُمَيِّزُ стр. 3977
أَحَدَهُمْ عَنْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ أَذِنَتْ لَهُمْ فِي التَّزْوِيجِ، فَزَوَّجَهَا أَحَدُ الأَْوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِينَ فِي الدَّرَجَةِ، وَزَوَّجَهَا الآْخَرُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ عُرِفَ السَّابِقُ فَهُوَ الصَّحِيحُ وَالآْخَرُ بَاطِلٌ، وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدَانِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، أَوْ جُهِل السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَبَاطِلاَنِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ " نِكَاحٌ، وَوِلاَيَةٌ ".
ب - انْفِرَادُ أَحَدِ الأَْوْلِيَاءِ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَال الصَّغِيرِ:
٨ - قَال فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ مَاتَ الرَّجُل عَنْ أَوْلاَدٍ صِغَارٍ، وَلَمْ يُوصِ إِلَى أَحَدٍ عَلَيْهِمْ، فَتَصَرَّفَ فِي أَمْوَالِهِمْ أَحَدُ أَعْمَامِهِمْ، أَوْ إِخْوَتُهُمُ الْكِبَارُ بِالْمَصْلَحَةِ، فَتَصَرُّفُهُ مَاضٍ، لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِأَنَّ مَنْ ذُكِرَ يَقُومُ مَقَامَ الأَْبِ، (٢)
وَلَمْ يَعْثُرْ عَلَى تَعَدُّدِ الأَْوْلِيَاءِ وَانْفِرَادِ أَحَدِهِمْ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَال سِوَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ.
وَإِذَا تَعَدَّدَ الأَْوْلِيَاءُ أَوِ الأَْوْصِيَاءُ فَإِنِ اتَّفَقُوا فِي التَّصَرُّفِ فَالأَْمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا يُرْفَعُ لِلْحَاكِمِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحَيْ (إِيصَاءٍ) (وَوِلاَيَةٍ) .
ج - انْفِرَادُ أَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ بِالتَّصَرُّفِ:
٩ - لِكُلٍّ مِنَ الْوَكِيلَيْنِ الاِنْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، إِنْ جَعَل стр. 3978
الْمُوَكِّل الاِنْفِرَادَ بِالتَّصَرُّفِ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَبِهَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ؛ لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَل لَهُ الاِنْفِرَادَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِهِ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ لأَِحَدِ الْوَكِيلَيْنِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا لاَ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى اجْتِمَاعِ رَأْيِهِمَا كَتَوْكِيل الْمُوَكِّل لَهَا فِي الْخُصُومَةِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمَا؛ لأَِنَّ اجْتِمَاعَهُمَا فِيهَا مُتَعَذَّرٌ لِلإِْفْضَاءِ إِلَى الشَّغَبِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ صِيَانَتِهِ عَنِ الشَّغَبِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ إِظْهَارُ الْحَقِّ، وَلِهَذَا لَوْ خَاصَمَ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الآْخَرِ جَازَ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرِ الآْخَرُ عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال بَعْضُهُمْ: يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ أَثْنَاءَ مُخَاصَمَةِ الأَْوَّل، وَكَتَوْكِيلِهِ لَهُمَا بِطَلاَقِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ، أَوْ بِقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَى الْمُوَكِّل؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ أَدَاءُ الْوَكَالَةِ فِيهَا تَعْبِيرٌ مَحْضٌ لِكَلاَمِ الْمُوَكِّل، وَعِبَارَةُ الْمُثَنَّى وَالْوَاحِدِ سَوَاءٌ؛ لِعَدَمِ اخْتِلاَفِ الْمَعْنَى.
أَمَّا مَا يَحْتَاجُ إِلَى رَأْيٍ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّزْوِيجِ فَلاَ بُدَّ مِنَ اجْتِمَاعِهِمَا (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لأَِحَدِ الْوَكِيلَيْنِ عَلَى مَالٍ وَنَحْوِهِ الاِنْفِرَادُ بِمَا يَفْعَلُهُ عَنْ مُوَكِّلِهِ، دُونَ إِطْلاَعِ الْوَكِيل الآْخَرِ، إِلاَّ لِشَرْطٍ مِنَ الْمُوَكِّل أَلاَّ يَسْتَبِدَّ أَيُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ أَلاَّ يَسْتَبِدَّ فُلاَنٌ، فَحِينَئِذٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الاِسْتِبْدَادُ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذُكِرَ إِنْ كَانَتْ وَكَالَتُهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ، عَلِمَ أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ أَمْ لاَ، стр. 3979
أَوْ وَكَّلاَ جَمِيعًا.
وَالْوَكِيل عَلَى مَالٍ كَأَنْ يَكُونَ وَكَّلَهُمَا عَلَى بَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ، وَنَحْوُ الْمَال: كَطَلاَقٍ وَهِبَةٍ وَوَقْفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (١) وَالتَّفْصِيل يَكُونُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَةٌ) .
د - انْفِرَادُ أَحَدِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلشُّفْعَةِ بِطَلَبِهَا:
١٠ - إِنْ كَانَ أَحَدُ الشُّفَعَاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلشُّفْعَةِ حَاضِرًا أَوْ قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا وَطَلَبَ الْحَاضِرُ الشُّفْعَةَ، فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ أَخْذُ الْكُل أَوْ تَرْكُهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَعْلَمِ الآْنَ مُطَالِبَ سِوَاهُ؛ وَلأَِنَّ فِي أَخْذِهِ الْبَعْضَ تَبْعِيضًا لِصَفْقَةِ الْمُشْتَرِي، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَلاَ يُمْكِنُ تَأْخِيرُ حَقِّهِ إِلَى أَنْ يَقْدُمَ شُرَكَاؤُهُ لأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي.
وَإِنْ كَانَ الشُّفَعَاءُ كُلُّهُمْ غَائِبِينَ لَمْ تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ لِمَوْضِعِ الْعُذْرِ. فَإِذَا أَخَذَ مَنْ حَضَرَ جَمِيعَ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ، ثُمَّ حَضَرَ شَرِيكٌ آخَرُ قَاسَمَهُ إِنْ شَاءَ؛ لأَِنَّ الْمُطَالَبَةَ إِنَّمَا وُجِدَتْ مِنْهُمَا، وَإِنْ عَفَا بَقِيَ الشِّقْصُ لِلأَْوَّل. فَإِنْ قَاسَمَهُ ثُمَّ حَضَرَ الثَّالِثُ قَاسَمَهُمَا إِنْ أَحَبَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ، وَبَطَلَتِ الْقِسْمَةُ الأُْولَى؛ لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ لَهُمَا شَرِيكًا لَمْ يُقَاسِمْ وَلَمْ يَأْذَنْ، وَإِنْ عَفَا الثَّالِثُ عَنْ شُفْعَتِهِ بَقِيَ الشِّقْصُ لِلأَْوَّلَيْنِ؛ لأَِنَّهُ لاَ مُشَارِكَ لَهُمَا وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (٢)
وَالتَّفْصِيل يَكُونُ فِي مُصْطَلَحِ: (شُفْعَةٌ) . стр. 3980
هـ - انْفِرَادُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِالتَّصَرُّفِ:
١١ - إِذَا كَانَتِ الشَّرِكَةُ شَرِكَةَ مِلْكٍ، كَمَنْ وَرِثُوا دَارًا وَلَمْ يَقْسِمُوهَا، فَلَيْسَ لأَِحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الاِنْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ الدَّارِ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي، أَوْ بِالْمُهَايَأَةِ أَيِ اسْتِقْلاَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالاِنْتِفَاعِ بِجَمِيعِهَا زَمَنًا مُحَدَّدًا وَهَكَذَا.
أَمَّا فِي شَرِكَاتِ الْعَقْدِ، فَفِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ (١) يَجُوزُ لأَِحَدِ الشُّرَكَاءِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالأَْمَانَةِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَفْعِ الْمَال إِلَى صَاحِبِهِ أَمِنَهُ، وَبِإِذْنِهِ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ وَكَّلَهُ، وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَأْذَنَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ تَصَرَّفَ فِيهَا، وَيَجُوزُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ مُسَاوَمَةً، وَمُرَابَحَةً، وَتَوْلِيَةً، وَمُوَاضَعَةً، وَكَيْفَمَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ؛ لأَِنَّ هَذَا عَادَةُ التُّجَّارِ، وَأَنْ يَقْبِضَ الْمَبِيعَ، وَالثَّمَنَ، وَيَقْبِضَهُمَا، وَيُخَاصِمَ فِي الدَّيْنِ وَيُطَالِبَ بِهِ، وَيُحِيل وَيَقْبَل الْحَوَالَةَ، وَيَرُدَّ بِالْعَيْبِ فِيمَا وَلِيَهُ هُوَ، وَفِيمَا وَلِيَ صَاحِبُهُ، وَأَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ مَال الشَّرِكَةِ وَيُؤَجِّرَ، وَأَنْ يَفْعَل كُل مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِ مِنَ التُّجَّارِ، إِذَا رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً؛ لِتَنَاوُل الإِْذْنِ لِذَلِكَ دُونَ التَّبَرُّعِ، وَالْحَطِيطَةِ، وَالْقَرْضِ، وَتَزْوِيجِهِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ، وَإِنَّمَا فَوَّضَ стр. 3981
إِلَيْهِ الْعَمَل بِرَأْيِهِ فِي التِّجَارَةِ. وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلآْخَرِ جِنْسًا، أَوْ نَوْعًا، أَوْ بَلَدًا، تَصَرَّفَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالإِْذْنِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ. (١)
وَإِنْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَأْذَنِ الآْخَرُ تَصَرَّفَ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَلاَ يَتَصَرَّفُ الآْخَرُ إِلاَّ فِي نَصِيبِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٢) وَالتَّفْصِيل يَكُونُ فِي مُصْطَلَحِ (شَرِكَةٌ)
وَ - انْفِرَادُ أَحَدِ الْوَصِيِّينَ أَوِ النَّاظِرَيْنِ بِالتَّصَرُّفِ:
١٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا أَوْصَى لاِثْنَيْنِ مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَأَطْلَقَ أَوْ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ اجْتِمَاعِهِمَا، فَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ. أَمَّا إِذَا نَصَّ عَلَى جَوَازِ الاِنْفِرَادِ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ، عَمَلاً بِقَوْل الْمُوصِي. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الاِنْفِرَادُ، وَلَوْ نَصَّ عَلَى الاِجْتِمَاعِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل الْخِلاَفَةِ، وَالْخَلِيفَةُ يَنُوبُ عَنِ الْمُسْتَخْلِفِ فِي كُل مَا يَمْلِكُهُ، وَفِي الْمَسَائِل الَّتِي لاَ تَحْتَاجُ إِلَى تَبَادُل الرَّأْيِ كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ، وَشِرَاءِ حَاجَاتِ الطِّفْل، وَشِرَاءِ كَفَنِ الْمَيِّتِ، وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَقَضَاءِ الدَّيْنِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِجَوَازِ انْفِرَادِ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا.
هَذَا، وَإِنَّ أَحْكَامَ الْوَقْفِ مُسْتَقَاةٌ غَالِبًا مِنْ стр. 3982
أَحْكَامِ الْوَصِيَّةِ، وَمَا يَجْرِي عَلَى الْوَصِيِّينَ هُنَا يَجْرِي كَذَلِكَ عَلَى نُظَّارِ الْوَقْفِ. (١)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (وَصِيَّةٌ، وَوَكَالَةٌ، وَالْوَقْفُ) .
ز - انْفِرَادُ الزَّوْجَةِ بِمَسْكَنٍ:
١٣ - لِلزَّوْجَةِ حَقُّ الاِنْفِرَادِ بِمَسْكَنٍ خَاصٍّ بِهَا لَهُ غَلْقٌ وَمَرَافِقُ، (٢) وَلَوْ كَانَ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَتَسْكُنُ ضَرَّتُهَا فِي جُزْءٍ مُسْتَقِلٍّ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ أَهْل زَوْجِهَا، وَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَمْنَعَ طِفْل زَوْجِهَا غَيْرَ الْمُمَيِّزِ مِنَ السُّكْنَى مَعَهُمَا. وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (٣)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهَا سُكْنَاهَا مَعَ أَقَارِبِ الزَّوْجِ أَوْ مَعَ ضَرَّتِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَ بِسَكَنٍ مُنْفَرِدٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُسْتَوَاهَا الاِجْتِمَاعِيُّ يَسْمَحُ بِذَلِكَ. (٤)
وَالشُّرُوطُ الْوَاجِبُ تَوَافُرُهَا فِي مَسْكَنِ الزَّوْجَةِ وَتَقْدِيرِ مُسْتَوَاهُ يَكُونُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْتُ الطَّاعَةِ) (وَنَفَقَةٌ) . стр. 3983
انْفِسَاخٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِنْفِسَاخُ: مَصْدَرُ انْفَسَخَ، وَهُوَ مُطَاوِعُ فَسَخَ، وَمِنْ مَعْنَاهُ: النَّقْضُ وَالزَّوَال. يُقَال: فَسَخْتُ الشَّيْءَ فَانْفَسَخَ أَيْ: نَقَضْتُهُ فَانْتَقَضَ، وَفَسَخْتُ الْعَقْدَ أَيْ: رَفَعْتُهُ. (١)
وَالاِنْفِسَاخُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ انْحِلاَل الْعَقْدِ إِمَّا بِنَفْسِهِ، وَإِمَّا بِإِرَادَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، أَوْ بِإِرَادَةِ أَحَدِهِمَا. (٢)
وَقَدْ يَكُونُ الاِنْفِسَاخُ أَثَرًا لِلْفَسْخِ، فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُطَاوِعٌ لِلْفَسْخِ وَنَتِيجَةٌ لَهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي أَسْبَابِ الاِنْفِسَاخِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْقَالَةُ:
٢ - الإِْقَالَةُ فِي اللُّغَةِ، عِبَارَةٌ عَنِ الرَّفْعِ، (٣) وَفِي الشَّرْعِ: رَفْعُ الْعَقْدِ وَإِزَالَتُهُ بِرِضَا الطَّرَفَيْنِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِهَا فَسْخًا أَوْ عَقْدًا جَدِيدًا. (٤)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِقَالَةٌ) . стр. 3984
ب - الاِنْتِهَاءُ:
٣ - انْتِهَاءُ الشَّيْءِ: بُلُوغُهُ أَقْصَى مَدَاهُ، وَانْتَهَى الأَْمْرُ: بَلَغَ النِّهَايَةَ. (١) وَانْتِهَاءُ الْعَقْدِ: مَعْنَاهُ بُلُوغُهُ نِهَايَتَهُ، وَهَذَا يَكُونُ بِتَمَامِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالاِسْتِئْجَارِ لأَِدَاءِ عَمَلٍ فَأَتَمَّهُ الأَْجِيرُ، أَوِ الْقَضَاءُ مُدَّةَ الْعَقْدِ كَاسْتِئْجَارِ مَسْكَنٍ أَوْ أَرْضٍ لِمُدَّةٍ مَحْدُودَةٍ. وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْعُقُودِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَانْتِهَاءِ عَقْدِ الزَّوَاجِ بِالْمَوْتِ أَوِ الطَّلاَقِ (٢) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِنْفِسَاخِ وَالاِنْتِهَاءِ، أَنَّ الاِنْفِسَاخَ يُسْتَعْمَل فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ، وَيَكُونُ فِي عُقُودِ الْمُدَّةِ قَبْل نِهَايَتِهَا أَيْضًا، بِخِلاَفِ الاِنْتِهَاءِ، وَبَعْضُهُمْ يَسْتَعْمِل الاِنْفِسَاخَ مَكَانَ الاِنْتِهَاءِ وَبِالْعَكْسِ. (٣)
ج - الْبُطْلاَنُ:
٤ - الْبُطْلاَنُ لُغَةً: فَسَادُ الشَّيْءِ وَزَوَالُهُ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى: النَّقْضِ وَالسُّقُوطِ. (٤) وَالْبُطْلاَنُ يَطْرَأُ عَلَى الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ إِذَا وُجِدَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِهِ، وَيُرَادِفُ الْفَسَادَ إِذَا اسْتُعْمِل فِي الْعِبَادَاتِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِلاَّ فِي الْحَجِّ. (٥)
أَمَّا فِي الْعُقُودِ فَالْبَاطِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، هُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لاَ بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ، بِأَنْ فَقَدَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِهِ، أَوْ وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ، стр. 3985
وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ نَقْل الْمِلْكِيَّةِ أَوِ الضَّمَانِ أَوْ غَيْرِهِمَا.
وَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ الاِنْفِسَاخُ عَن الْبُطْلاَنِ، بِأَنَّ الاِنْفِسَاخَ يَرِدُ عَلَى الْمُعَامَلاَتِ دُونَ الْعِبَادَاتِ، وَيُعْتَبَرُ الْعَقْدُ قَبْل الاِنْفِسَاخِ عَقْدًا مَوْجُودًا ذَا أَثَرٍ شَرْعِيٍّ، بِخِلاَفِ الْبُطْلاَنِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الْبَاطِل فِي اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ لاَ وُجُودَ لَهُ أَصْلاً، وَكَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَاسِدِ. (١)
د - الْفَسَادُ:
٥ - الْفَسَادُ نَقِيضُ الصَّلاَحِ، وَفَسَادُ الْعِبَادَةِ بُطْلاَنُهَا إِلاَّ فِي بَعْضِ مَسَائِل الْحَجِّ كَمَا سَبَقَ، وَالْفَاسِدُ مِنَ الْعُقُودِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ: مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ دُونَ وَصْفِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَيُطْلَقُ الْفَاسِدُ وَالْبَاطِل عَلَى كُل تَصَرُّفٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، وَالْفَاسِدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَدْ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْضُ الأَْحْكَامِ، فَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ عِنْدَهُمْ إِذَا اتَّصَل بِهِ الْقَبْضُ أَفَادَ الْمِلْكَ، وَلَكِنَّهُ مِلْكٌ خَبِيثٌ، يَجِبُ فَسْخُ الْعَقْدِ مَا دَامَتِ الْعَيْنُ قَائِمَةً، لِحَقِّ الشَّارِعِ. (٢)
وَيُعْتَبَرُ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ عَقْدًا مَوْجُودًا ذَا أَثَرٍ، لَكِنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، يَجِبُ شَرْعًا فَسْخُهُ رَفْعًا لِلْفَسَادِ (٣) . стр. 3986
هـ - الْفَسْخُ:
٦ - الْفَسْخُ: هُوَ حَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ، وَهَذَا يَكُونُ بِإِرَادَةِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا، أَوْ بِحُكْمِ الْقَاضِي، فَهُوَ عَمَل الْمُتَعَاقِدَيْنِ غَالِبًا، أَوْ فِعْل الْحَاكِمِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ.
أَمَّا الاِنْفِسَاخُ: فَهُوَ انْحِلاَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَثَرًا لِلْفَسْخِ، أَوْ نَتِيجَةً لِعَوَامِل غَيْرِ اخْتِيَارِيَّةٍ. فَإِذَا كَانَ الاِنْحِلاَل أَثَرًا لِلْفَسْخِ كَانَتِ الْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالاِنْفِسَاخِ عَلاَقَةَ السَّبَبِ بِالْمُسَبَّبِ، كَمَا إِذَا فَسَخَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ عَقْدَ الْبَيْعِ بِسَبَبِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ مَثَلاً، فَالاِنْفِسَاخُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ نَتِيجَةُ الْفَسْخِ الَّذِي مَارَسَهُ الْعَاقِدُ اخْتِيَارًا. يَقُول الْقَرَافِيُّ: الْفَسْخُ قَلْبُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَالاِنْفِسَاخُ انْقِلاَبُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ، فَالأَْوَّل فِعْل الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِذَا ظَفِرُوا بِالْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالثَّانِي صِفَةُ الْعِوَضَيْنِ، فَالأَْوَّل سَبَبٌ شَرْعِيٌّ، وَالثَّانِي حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَهَذَانِ فَرْعَانِ: فَالأَْوَّل مِنْ جِهَةِ الْمَوْضُوعَاتِ، وَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ الأَْسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ. (١)
وَمِثْلُهُ مَا جَاءَ فِي الْمَنْثُورِ لِلزَّرْكَشِيِّ، إِلاَّ أَنَّهُ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدِ الْفَسْخَ بِالْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ؛ لأَِنَّ الْفَسْخَ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِي الْعُقُودِ غَيْرِ الْمُحَرَّمَةِ، وَذَلِكَ بِإِرَادَةِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا كَمَا هُوَ الْحَال غَالِبًا. (٢)
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الاِنْفِسَاخُ أَثَرًا لِلْفَسْخِ، بَل نَتِيجَةً لِعَوَامِل خَارِجَةٍ عَنْ إِرَادَةِ الْعَاقِدَيْنِ، كَمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ مَثَلاً، فَلاَ يُوجَدُ بَيْنَ стр. 3987
الْفَسْخِ وَالاِنْفِسَاخِ عَلاَقَةُ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي قَرَّرَهَا الْقَرَافِيُّ.
٧ - وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ الَّتِي قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا انْفِسَاخَ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ مَا يَأْتِي:
أ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ، كَمَا إِذَا تَلِفَتِ الدَّابَّةُ الْمُعَيَّنَةُ، أَوِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ الْمُسْتَأْجَرَةُ. (١)
ب - لَوْ غُصِبَتِ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ مِنْ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ سَقَطَ الأَْجْرُ لِزَوَال التَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ، وَتَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ قَالُوا: لاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِنَفْسِهِ، بَل يَثْبُتُ خِيَارُ الْفَسْخِ لِلْمُسْتَأْجِرِ. (٢)
ج - إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلاَهُمَا فِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، (٣) كَالْعَارِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ.
د - يَنْفَسِخُ عَقْدُ الإِْجَارَةِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ، وَكَذَلِكَ تَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ بِالأَْعْذَارِ (٤) ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي أَسْبَابِ الاِنْفِسَاخِ.
وَسَوْفَ يَقْتَصِرُ الْكَلاَمُ فِي هَذَا الْبَحْثِ عَلَى الاِنْفِسَاخِ الَّذِي لاَ يَكُونُ أَثَرًا لِلْفَسْخِ. أَمَّا الاِنْفِسَاخُ الَّذِي هُوَ أَثَرٌ لِلْفَسْخِ فَيُرْجَعُ إِلَيْهِ تَحْتَ عُنْوَانِ (فَسْخٌ) . стр. 3988
مَا يَرِدُ عَلَيْهِ الاِنْفِسَاخُ:
٨ - مَحَل الاِنْفِسَاخِ الْعَقْدُ لاَ غَيْرُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ سَبَبُهُ الْفَسْخَ أَمْ غَيْرَهُ؛ لأَِنَّهُمْ عَرَّفُوا الاِنْفِسَاخَ بِانْحِلاَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يُتَصَوَّرُ إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ ارْتِبَاطٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ بِوَاسِطَةِ الْعَقْدِ. (١)
أَمَّا إِذَا أُرِيدَ مِنَ الاِنْفِسَاخِ الْبُطْلاَنُ وَالنَّقْضُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَرِدَ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ إِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعُهُودُ وَالْوُعُودُ، كَمَا يُسْتَعْمَل أَحْيَانًا فِي الْعِبَادَاتِ وَيَرِدُ عَلَى النِّيَّاتِ، كَانْفِسَاخِ نِيَّةِ صَلاَةِ الْفَرْضِ إِلَى النَّفْل، وَكَذَلِكَ انْفِسَاخُ الْحَجِّ بِالْعُمْرَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَصَرَفَهُ إِلَى الْعُمْرَةِ يَنْفَسِخُ الْحَجُّ إِلَى الْعُمْرَةِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَفْسَخَ نِيَّةَ الْحَجِّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ، وَيَقْطَعَ أَفْعَالَهُ، وَيَجْعَل إِحْرَامَهُ وَأَفْعَالَهُ لِلْعُمْرَةِ. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْرَامٌ) .
أَسْبَابُ الاِنْفِسَاخِ:
٩ - الاِنْفِسَاخُ لَهُ أَسْبَابٌ مُخْتَلِفَةٌ: مِنْهَا مَا هُوَ اخْتِيَارِيٌّ، وَهُوَ مَا يَأْتِي بِإِرَادَةِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ بِإِرَادَةِ كِلَيْهِمَا أَوْ بِحُكْمِ الْقَاضِي، وَمِنْهَا مَا هُوَ سَمَاوِيٌّ وَهُوَ مَا يَأْتِي بِدُونِ إِرَادَةِ الْعَاقِدَيْنِ أَوِ الْقَاضِي، بَل بِعَوَامِل خَارِجَةٍ عَنِ الإِْرَادَةِ لاَ يُمْكِنُ اسْتِمْرَارُ الْعَقْدِ مَعَهَا. стр. 3989
يَقُول الْكَاسَانِيُّ: مَا يَنْفَسِخُ بِهِ الْعَقْدُ نَوْعَانِ: اخْتِيَارِيٌّ وَضَرُورِيٌّ، فَالاِخْتِيَارِيُّ هُوَ أَنْ يَقُول: فَسَخْتُ الْعَقْدَ أَوْ نَقَضْتُهُ وَنَحْوُهُ، وَالضَّرُورِيُّ: أَنْ يَهْلِكَ الْمَبِيعُ قَبْل الْقَبْضِ مَثَلاً. (١)
الأَْسْبَابُ الاِخْتِيَارِيَّةُ:
أَوَّلاً: الْفَسْخُ:
١٠ - الْمُرَادُ بِالْفَسْخِ هُنَا مَا يَرْفَعُ بِهِ حُكْمَ الْعَقْدِ بِإِرَادَةِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا، وَهَذَا يَكُونُ فِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ بِطَبِيعَتِهَا، كَعَقْدَيِ الْعَارِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ مَثَلاً، أَوْ مَا يَكُونُ فِيهِ أَحَدُ الْخِيَارَاتِ، أَوْ بِسَبَبِ الأَْعْذَارِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ بِهَا اسْتِمْرَارُ الْعَقْدِ، أَوْ بِسَبَبِ الْفَسَادِ.
وَيُنْظَرُ حُكْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مُصْطَلَحَيْ: (إِقَالَةٌ وَفَسْخٌ) .
ثَانِيًا: الإِْقَالَةُ:
١١ - الإِْقَالَةُ رَفْعُ الْعَقْدِ وَإِزَالَتُهُ بِرِضَى الطَّرَفَيْنِ (٢) ، وَهِيَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الاِنْفِسَاخِ الاِخْتِيَارِيَّةِ، وَتَرِدُ عَلَى الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَقْدُ غَيْرَ لاَزِمٍ كَالْعَارِيَّةِ، أَوْ لاَزِمًا بِطَبِيعَتِهِ وَلَكِنْ فِيهِ أَحَدُ الْخِيَارَاتِ فَلاَ حَاجَةَ فِيهِ لِلإِْقَالَةِ؛ لِجَوَازِ فَسْخِهِ بِطَرِيقٍ أُخْرَى، كَمَا تَقَدَّمَ. (٣)
وَيُنْظَرُ الْكَلاَمُ فِيهِ تَحْتَ عُنْوَانِ: (إِقَالَةٌ) . стр. 3990
أَسْبَابُ الاِنْفِسَاخِ غَيْرُ الاِخْتِيَارِيَّةِ:
أَوَّلاً: تَلَفُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ:
تَلَفُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَهُ أَثَرٌ فِي انْفِسَاخِ بَعْضِ الْعُقُودِ، وَالْعُقُودُ نَوْعَانِ:
١٢ - الأَْوَّل: الْعُقُودُ الْفَوْرِيَّةُ: وَهِيَ الَّتِي لاَ يَحْتَاجُ تَنْفِيذُهَا إِلَى زَمَنٍ مُمْتَدٍّ يَشْغَلُهُ بِاسْتِمْرَارٍ، بَل يَتِمُّ تَنْفِيذُهَا فَوْرًا دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الْعَاقِدَانِ، كَالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ وَالصُّلْحِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعُقُودِ لاَ يَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إِذَا تَمَّ قَبْضُهُ. فَعَقْدُ الْبَيْعِ مَثَلاً يَتِمُّ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَإِذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَهَلَكَ بِيَدِهِ لاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ الْهَالِكَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَحَمَّل تَبِعَةَ الْهَالِكِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (١)
أَمَّا إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ بَعْدَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول وَقَبْل الْقَبْضِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَبَيَانٌ: فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ لِمُشْتَرِيهِ، وَهُوَ الْمَال الْمِثْلِيُّ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ، يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِالتَّلَفِ وَالضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مُعَيَّنًا وَكَانَ عَقَارًا، أَوْ مِنَ الأَْمْوَال الْقِيَمِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ لِمُشْتَرِيهَا حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِالتَّلَفِ، وَيَنْتَقِل الضَّمَانُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ اللاَّزِمِ. (٢) стр. 3991
وَأَطْلَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الْقَوْل بِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِهِ. قَال السَّمَرْقَنْدِيُّ: وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْل التَّسْلِيمِ فَالْهَلاَكُ يَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ، يَعْنِي يَسْقُطُ الثَّمَنُ وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ. (١) وَمِثْلُهُ مَا جَاءَ فِي الْقَلْيُوبِيِّ: الْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، فَإِنْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ عَنِ الْمُشْتَرِي. (٢)
١٣ - وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ، أَمَّا إِذَا تَلِفَ الثَّمَنُ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ غَيْرَهُمَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَبِيعِ، لَوْ تَلِفَ انْفَسَخَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا هَلَكَ الثَّمَنُ قَبْل الْقَبْضِ فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا لاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ تَسْلِيمُ مِثْلِهِ، بِخِلاَفِ الْمَبِيعِ؛ لأَِنَّهُ عَيْنٌ وَلِلنَّاسِ أَغْرَاضٌ فِي الأَْعْيَانِ. أَمَّا إِنْ هَلَكَ الثَّمَنُ وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ فِي الْحَال فَفِيهِ خِلاَفٌ. وَلاَ أَثَرَ لِتَلَفِ الثَّمَنِ فِي الاِنْفِسَاخِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَيْنًا بِأَنْ كَانَ نَقْدًا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ (٣) ؛ وَلأَِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ.
هَذَا، وَأَمَّا إِتْلاَفُ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ إِنْ كَانَ مِنْ قِبَل الْبَائِعِ يَنْفَسِخُ بِهِ الْعَقْدُ بِلاَ خِلاَفٍ. وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَل الْمُشْتَرِي يُعْتَبَرُ قَبْضًا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ. (٤) стр. 3992
١٤ - الثَّانِي: الْعُقُودُ الْمُسْتَمِرَّةُ: وَهِيَ الَّتِي يَسْتَغْرِقُ تَنْفِيذُهَا مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ وَتَمْتَدُّ بِامْتِدَادِ الزَّمَنِ حَسَبَ الشُّرُوطِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَالَّتِي تَقْتَضِيهَا طَبِيعَةُ هَذِهِ الْعُقُودِ، كَالإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ وَالْوَكَالَةِ وَأَمْثَالِهَا.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعُقُودِ يَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل الْقَبْضِ أَمْ بَعْدَهُ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ.
فَعَقْدُ الإِْجَارَةِ مَثَلاً يَنْفَسِخُ بِهَلاَكِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ. فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْل الْقَبْضِ أَوْ عَقِيبَ الْقَبْضِ قَبْل مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ وَيَسْقُطُ الأَْجْرُ. وَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ بَعْدَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنَ الْمُدَّةِ فَإِنَّ الإِْجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ، دُونَ مَا مَضَى، وَيَكُونُ لِلْمُؤَجِّرِ مِنَ الأَْجْرِ بِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَى مِنَ الْمَنْفَعَةِ أَوْ بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ. (١)
وَفِي إِجَارَةِ الدَّوَابِّ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ: أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الإِْجَارَةُ عَلَى دَوَابَّ بِعَيْنِهَا لِحَمْل الْمَتَاعِ، فَمَاتَتِ انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا وَقَعَتْ عَلَى دَوَابَّ لاَ بِعَيْنِهَا وَسَلَّمَ الأَْجْرَ إِلَيْهِ فَمَاتَتْ لاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، وَعَلَى الْمُؤَجِّرِ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لِلْمُسْتَأْجِرِ. (٢)
وَكَذَلِكَ إِذَا وَقَعَ عَلَى الْعَيْنِ مَا يَمْنَعُ نَفْعَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَتِ الدَّارُ الْمُسْتَأْجَرَةُ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلسُّكْنَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ стр. 3993
ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) وَذَلِكَ لِزَوَال الاِسْمِ بِفَوَاتِ السُّكْنَى؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا تَلِفَتْ فَانْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَزَمِنَتْ (أَيْ مَرِضَتْ مَرَضًا مُزْمِنًا) بِحَيْثُ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِتَدُورَ فِي الرَّحَى.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ لَكِنْ لَهُ الْفَسْخُ؛ لأَِنَّ أَصْل الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لاَ يَفُوتُ؛ لأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ بِالْعَرْصَةِ (وَهِيَ أَرْضُ الْمَبْنَى) مُمْكِنٌ بِدُونِ الْبِنَاءِ، إِلاَّ أَنَّهُ نَاقِصٌ، فَصَارَ كَالْعَيْبِ (١)
وَمِنَ الْعُقُودِ الْمُسْتَمِرَّةِ الَّتِي تَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَقْدُ الشَّرِكَةِ وَعَقْدُ الْمُضَارَبَةِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِمَا. وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْعَارِيَّةِ بِتَلَفِ الْمُعَارِ، وَتَنْتَهِي الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ بِفَوَاتِ مَحَل الْوَكَالَةِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحَيْ (إِعَارَةٌ، وَوَكَالَةٌ) .
أَمَّا إِذَا غُصِبَ الْمَحَل وَحِيل بَيْنَ الشَّخْصِ الْمُنْتَفِعِ وَالْعَيْنِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا فَلاَ يَنْفَسِخُ بِهِ الْعَقْدُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) بَل لِلْمُسْتَأْجِرِ حَقُّ الْفَسْخِ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْغَصْبَ أَيْضًا مُوجِبٌ لِلاِنْفِسَاخِ؛ لِزَوَال التَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ، كَمَا سَيَأْتِي. (٢) стр. 3994
ثَانِيًا: مَوْتُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا:
١٥ - لاَ يُؤَثِّرُ الْمَوْتُ فِي انْفِسَاخِ جَمِيعِ الْعُقُودِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَبَعْضُ الْعُقُودِ يَتِمُّ الْغَرَضُ مِنْهَا بَعْدَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول فَوْرًا، فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْعَاقِدَيْنِ وَأَهْلِيَّتِهِمَا بَعْدَ انْعِقَادِهَا، كَالْبَيْعِ الَّذِي يُفِيدُ تَمَلُّكَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، وَتَمَلُّكَ الْبَائِعَ الثَّمَنَ فَوْرَ إِنْشَائِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِالْخِيَارِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلاَهُمَا بَعْدَ إِتْمَامِ الْعَقْدِ وَانْتِقَال مِلْكِيَّةِ الْبَدَلَيْنِ لاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَعَلَى عَكْسِ ذَلِكَ يَنْتَهِي عَقْدُ النِّكَاحِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ دَوَامُ الْعِشْرَةِ وَقَدْ زَال بِالْمَوْتِ.
وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهِ، وَهُنَاكَ عُقُودٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْفِسَاخِهَا بِالْمَوْتِ، كَعَقْدِ الإِْجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ، وَعُقُودٌ أُخْرَى اتَّفَقُوا عَلَى انْفِسَاخِهَا بِالْمَوْتِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَكْيِيفِ انْفِسَاخِهَا وَتَعْلِيلِهِ، كَعُقُودِ الْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ، (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أ - انْفِسَاخُ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ:
١٦ - الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ هُوَ مَا لاَ يَسْتَبِدُّ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ بِفَسْخِهَا، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَنَحْوِهَا.
وَبَعْضُ هَذِهِ الْعُقُودِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى امْتِدَادِ الزَّمَنِ، فَلاَ أَثَرَ لِلْمَوْتِ فِي انْفِسَاخِهَا بَعْدَ تَمَامِهَا، كَعَقْدِ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْفَسِخُ بِوَفَاةِ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ مَا تَمَّ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا، وَيَقُومُ الْوَرَثَةُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِيمَا نَشَأَ مِنْ آثَارِ الْعَقْدِ.
وَهُنَاكَ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ يَتَوَقَّفُ آثَارُهَا стр. 3995
عَلَى مُرُورِ الزَّمَنِ، كَعَقْدِ الإِْجَارَةِ، وَفِي انْفِسَاخِ عَقْدِ الإِْجَارَةِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ:
فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) عَلَى أَنَّ عَقْدَ الإِْجَارَةِ لاَ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، بَل تَبْقَى إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ؛ لأَِنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَلاَ يَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ، كَعَقْدِ الْبَيْعِ. وَيَخْلُفُ الْمُسْتَأْجَرَ وَارِثُهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ مَعَ خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ. (١)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الإِْجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ إِنْ عَقَدَهَا لِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّهَا عَقْدٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَتَنْعَقِدُ الإِْجَارَةُ بِحُدُوثِهَا شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلاَ تَبْقَى بِدُونِ الْعَاقِدِ. وَإِنْ عَقَدَهَا لِغَيْرِهِ لَمْ تَنْفَسِخْ كَالْوَصِيِّ وَالْوَلِيِّ وَقَيِّمِ الْوَقْفِ؛ وَلأَِنَّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُؤَجِّرَ فَالْعَقْدُ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الْمَنَافِعِ مِنْ مِلْكِهِ، وَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ لاَسْتُوفِيَتِ الْمَنَافِعُ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَهَذَا خِلاَفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَأْجِرَ فَالْعَقْدُ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الأُْجْرَةِ مِنْ مَالِهِ، وَلَوْ بَقِيَ الْعَقْدُ بَعْدَ مَوْتِهِ لاَسْتَحَقَّتِ الأُْجْرَةَ مِنْ مَال غَيْرِهِ، وَهَذَا خِلاَفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا مَاتَ مَنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ الْعَقْدُ كَالْوَكِيل وَنَحْوِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الْمَنَافِعِ وَلاَ اسْتِحْقَاقَ الأُْجْرَةِ مِنْ مِلْكِهِ، فَإِبْقَاءُ الْعَقْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ لاَ يُوجِبُ تَغْيِيرَ مُوجِبِ الْعَقْدِ. (٢) следующие страницы →