← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

فَإِنَّ الْعَقْدَ يَنْقَضِي بِانْتِهَاءِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الثَّابِتَ إِلَى غَايَةٍ يَنْتَهِي عِنْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ. وَهَكَذَا كُل عَقْدٍ مُقَيَّدٌ بِزَمَنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ يَنْقَضِي بِانْتِهَاءِ ذَلِكَ، مِثْل عَقْدِ الْهُدْنَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ. وَإِذَا انْقَضَى الْعَقْدُ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ مِنْ وُجُوبِ الرَّدِّ، وَثُبُوتِ حَقِّ الاِسْتِرْدَادِ، وَاسْتِقْرَارِ الأُْجْرَةِ، أَوِ الْقَدْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَالضَّمَانُ بِالتَّعَدِّي، أَوِ التَّفْرِيطِ، وَإِنْذَارُ الأَْعْدَاءِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْهُدْنَةِ، وَهَكَذَا. وَالاِنْقِضَاءُ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُذْرٌ يَسْتَدْعِي امْتِدَادَهَا فَتْرَةً أُخْرَى دَفْعًا لِلضَّرَرِ (١) . (ر: إِجَارَةٌ. هُدْنَةٌ. مُسَاقَاةٌ) . ب - عَقْدُ الْوَكَالَةِ: يَنْقَضِي عَقْدُ الْوَكَالَةِ بِتَمَامِ الْمُوَكَّل فِيهِ. فَالْوَكَالَةُ بِالشِّرَاءِ مَثَلاً تَنْقَضِي بِشِرَاءِ الْوَكِيل مَا وُكِّل فِي شِرَائِهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَل فَيَنْقَضِي الْعَقْدُ بِذَلِكَ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ مِنَ انْعِزَال الْوَكِيل وَمَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي الرَّهْنِ يَنْقَضِي بِسَدَادِ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ تَنْقَضِي بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ، وَتَتَرَتَّبُ أَحْكَامُ الْعُقُودِ مِنْ سُقُوطِ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ، وَرَدِّ الْمَرْهُونِ، وَالضَّمَانُ بِالتَّفْرِيطِ أَوِ التَّعَدِّي وَهَكَذَا (٢) . (ر: وَكَالَةٌ. رَهْنٌ. كَفَالَةٌ) .

стр. 4027

فَسَادُ الْعَقْدِ: ٦ - إِذَا كَانَ الْعَقْدُ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ كَالْبَيْعِ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ فَاسِدًا، كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى كُلٍّ مِنْ طَرَفَيْهِ فَسْخُهُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ يَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ حَقًّا لِلَّهِ لِمَا فِي الْفَسْخِ مِنْ رَفْعِ الْفَسَادِ، وَرَفْعُ الْفَسَادِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ، فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الْكُل فَكَانَ فَسْخًا فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً، فَلاَ تَقِفُ صِحَّتُهُ عَلَى الْقَضَاءِ وَلاَ عَلَى الرِّضَى. وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي فَسْخُهُ جَبْرًا عَلَى الْعَاقِدَيْنِ. وَيَنْقَضِي الْعَقْدُ بِالْفَسْخِ لِلْفَسَادِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ وُجُوبُ رَدِّ الْمَبِيعِ، وَالثَّمَنِ، وَالضَّمَانِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ (١) . وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ (ر: بَيْعٌ - فَسَادٌ - عُقُودٌ) . إِنْهَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ: ٧ - يَنْقَضِي الْعَقْدُ بِإِنْهَاءِ مَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْنْهَاءُ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ أَمْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: أ - الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ غَيْرُ اللاَّزِمَةِ كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْعَارِيَّةِ: هَذِهِ الْعُقُودُ يَجُوزُ فِيهَا لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُ الْعَقْدِ لأَِنَّهُ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَيُعْتَبَرُ الْعَقْدُ مُنْقَضِيًا بِذَلِكَ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْفَسْخِ مِنْ وُجُوبِ الرَّدِّ، وَثُبُوتِ حَقِّ الاِسْتِرْدَادِ، وَمِنَ الضَّمَانِ بِالتَّفْرِيطِ أَوِ التَّعَدِّي، وَمِنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي الرِّبْحِ. هَذَا مَعَ التَّفْصِيل فِيمَا إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقٌّ، أَوْ كَانَ

стр. 4028

رَأْسُ الْمَال فِي الْمُضَارَبَةِ لَمْ يَنِضَّ وَغَيْرُ ذَلِكَ (١) وَيُنْظَرُ فِي (وَكَالَةٌ - مُضَارَبَةٌ - شَرِكَةٌ) . ب - الإِْقَالَةُ: قَدْ يَصْدُرُ الْعَقْدُ مُسْتَكْمِلاً أَرْكَانَهُ وَشُرُوطَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ بِرِضَاهُمَا، وَذَلِكَ مَا يُسَمَّى بِالإِْقَالَةِ، فَإِذَا تَقَايَلاَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِأَنَّ الإِْقَالَةَ فَسْخٌ، وَانْقَضَى الْعَقْدُ بِذَلِكَ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْقَالَةِ رَدُّ كُل حَقٍّ لِصَاحِبِهِ (٢) . (ر: إِقَالَةٌ) . ج - عَقْدُ النِّكَاحِ: يَنْقَضِي عَقْدُ النِّكَاحِ بِالْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ بِإِنْهَاءِ الزَّوْجِ لَهُ بِالطَّلاَقِ الْبَائِنِ، وَكَذَلِكَ يَمْلِكُ الزَّوْجَانِ إِنْهَاءَهُ بِالْخُلْعِ، وَبِذَلِكَ يَنْقَضِي عَقْدُ النِّكَاحِ وَتَتَرَتَّبُ أَحْكَامُ الْفُرْقَةِ مِنْ عِدَّةٍ وَغَيْرِهَا (٣) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نِكَاحٍ - طَلاَقٍ) . د - الْعُقُودُ الْمَوْقُوفَةُ: مِنَ الْعُقُودِ مَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ غَيْرِ الْعَاقِدِ، كَعَقْدِ الْفُضُولِيِّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ صَاحِبِ الشَّأْنِ، عِنْدَ مَنْ يَرَى مَشْرُوعِيَّةَ هَذَا الْعَقْدِ، كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَلِلْمَالِكِ أَيْضًا إِنْهَاءُ الْعَقْدِ بِعَدَمِ إِجَازَتِهِ، وَبِذَلِكَ يَنْقَضِي الْعَقْدُ (٤) .

стр. 4029

اسْتِحَالَةُ التَّنْفِيذِ: ٨ - قَدْ يَتَعَذَّرُ تَنْفِيذُ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ الْقِيَمِيُّ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْل أَنْ يَتَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي، وَكَذَهَابِ مَحَل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فِي الإِْجَارَةِ، وَكَمَوْتِ الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل أَوِ الشَّرِيكِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالاَتِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَيَنْقَضِي لاِسْتِحَالَةِ تَنْفِيذِهِ، وَتَتَرَتَّبُ الأَْحْكَامُ الْمُقَرَّرَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ سُقُوطِ الثَّمَنِ وَالأُْجْرَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ (ر: هَلاَكٌ - انْفِسَاخٌ) . هَذِهِ هِيَ أَسْبَابُ انْقِضَاءِ الْعُقُودِ غَالِبًا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا كَالْجُنُونِ، وَتَعَدِّي الأَْمِينِ فِي عُقُودِ الأَْمَانَاتِ (١) . ثَانِيًا: الْعِدَّةُ: ٩ - تَنْقَضِي عِدَّةُ الْمُعْتَدَّةِ، إِمَّا بِوَضْعِ الْحَمْل، أَوْ بِانْتِهَاءِ الأَْشْهُرِ أَوْ بِالأَْقْرَاءِ. وَإِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَحْكَامُهُ، مِنَ انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا، وَانْقِطَاعِ الإِْرْثِ، وَانْقِطَاعِ النَّفَقَةِ، وَالسُّكْنَى، وَانْتِهَاءِ الإِْحْدَادِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَإِبَاحَةِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَنْزِل، وَحِلِّهَا لِلأَْزْوَاجِ (٢) . وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي (عِدَّةٍ) . ثَالِثًا: الْحَضَانَةُ وَالْكَفَالَةُ: ١٠ - إِذَا كَانَ الطِّفْل بَيْنَ أَبَوَيْهِ فَإِنَّ حَضَانَتَهُ تَكُونُ لَهُمَا، وَتَنْقَضِي بِبُلُوغِ الطِّفْل ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى،

стр. 4030

وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَكُونُ حَضَانَةُ الذَّكَرِ لِبُلُوغِهِ، وَالأُْنْثَى لِدُخُول الزَّوْجِ بِهَا. أَمَّا إِذَا افْتَرَقَ الأَْبَوَانِ فَإِنَّ الْحَضَانَةَ تَكُونُ لِلأُْمِّ أَوَّلاً عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي وَقْتِ انْقِضَاءِ حَضَانَتِهَا. فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَنْقَضِي حَضَانَةُ الأُْمِّ عِنْدَ سِنِّ التَّمْيِيزِ، وَحَدَّدَهَا الْحَنَابِلَةُ بِسَبْعِ سِنِينَ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: أَوْ ثَمَانِي سِنِينَ، ثُمَّ تَكُونُ الْحَضَانَةُ لِمَنْ يَخْتَارُهُ الطِّفْل مِنْ أَبَوَيْهِ إِلَى وَقْتِ الْبُلُوغِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الطِّفْل ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَجْعَلُونَ التَّخْيِيرَ لِلذَّكَرِ، أَمَّا الأُْنْثَى فَتَنْتَقِل حَضَانَتُهَا إِلَى الأَْبِ دُونَ تَخْيِيرٍ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَظَل الْحَضَانَةُ لِلأُْمِّ قَائِمَةً بَعْدَ طَلاَقِهَا، وَلاَ تَنْقَضِي حَضَانَتُهَا إِلاَّ بِبُلُوغِ الذَّكَرِ وَدُخُول الأُْنْثَى. وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ. تَنْقَضِي حَضَانَةُ الأُْمِّ بِبَلُوعِ الأُْنْثَى وَبِاسْتِغْنَاءِ الذَّكَرِ، بِأَنْ يَأْكُل وَحْدَهُ، وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ، وَيَسْتَنْجِيَ وَحْدَهُ، دُونَ تَقْدِيرِ سِنٍّ، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيَ سِنِينَ. وَإِذَا اسْتَغْنَى الذَّكَرُ أَوْ بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيًا كَمَا يَقُول الْخَصَّافُ انْعَقَلَتْ حَضَانَتُهُ لِلأَْبِ إِلَى بُلُوغِهِ (١) . (ر: حَضَانَةٌ) . رَابِعًا: الإِْيلاَءُ: ١١ - يَنْقَضِي الإِْيلاَءُ (وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الزَّوْجَةِ) بِالآْتِي:

стр. 4031

أ - تَعْجِيل مُقْتَضِي الْحِنْثِ بِالْفَيْءِ قَبْل مُضِيِّ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ (وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) بِأَنْ يَفْعَل مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ الْوَطْءُ، وَيَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ. ب - تَكْفِيرُ الْيَمِينِ وَالْوَطْءُ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا. ج - مُضِيُّ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ وَهِيَ الأَْرْبَعَةُ الأَْشْهُرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ تَبِينُ الزَّوْجَةُ مِنْهُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى انْقِضَاءِ أَجَل الإِْيلاَءِ إِمَّا وُجُوبُ الْفَيْءِ أَوِ الطَّلاَقُ الرَّجْعِيُّ كَمَا يَقُول الْجُمْهُورُ، أَوِ الْبَائِنُ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، إِلاَّ إِذَا رَضِيَتِ الزَّوْجَةُ بِالْمُقَامِ مَعَهُ دُونَ فَيْءٍ كَمَا يَقُول الْجُمْهُورُ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِيلاَءٍ) . خَامِسًا: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ: ١٢ - يَنْقَضِي حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِالْغُسْل الْوَاجِبِ، وَبِتَخَرُّقِ الْخُفِّ كَثِيرًا، وَبِنَزْعِهِ، وَبِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (٢) . وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ بُطْلاَنُ الْمَسْحِ. (ر: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ) . سَادِسًا: صَلاَةُ الْمُسَافِرِ: ١٣ - مِمَّا يَنْقَضِي بِهِ حُكْمُ قَصْرِ الصَّلاَةِ لِلْمُسَافِرِ انْقِضَاءُ مُدَّةِ الإِْقَامَةِ الْمُبِيحَةِ لِلْقَصْرِ، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَوْنِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ،

стр. 4032

وَكَذَلِكَ يَنْقَضِي بِنِيَّةِ الإِْتْمَامِ، وَبِدُخُول الْوَطَنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (١) . (ر: صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) . سَابِعًا: انْقِضَاءُ الأَْجَل: ١٤ - يَنْقَضِي الأَْجَل إِمَّا بِالإِْسْقَاطِ أَوْ بِالسُّقُوطِ. وَمِثَالُهُ فِي الإِْسْقَاطِ: إِسْقَاطُ الْمَدِينِ حَقَّهُ مِنَ الأَْجَل. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُصْبِحَ الدَّيْنُ حَالًّا. وَمِثَالُهُ فِي السُّقُوطِ: انْتِهَاءُ مُدَّتِهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِمَّا بَدْءُ تَنْفِيذِ الاِلْتِزَامِ، كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ بِانْقِضَاءِ الْحَوْل عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ، وَإِمَّا إِنْهَاءُ الاِلْتِزَامِ كَالإِْجَارَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِزَمَنٍ، فَإِنَّهَا تَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ الأَْجَل. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (أَجَلٍ) . هَذِهِ بَعْضُ أَمْثِلَةٍ لِلاِنْقِضَاءِ، وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ، كَانْقِضَاءِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، وَانْقِضَاءِ الْحَجْرِ بِالرُّشْدِ، وَانْقِضَاءِ خِيَارِ الشَّرْطِ بِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ. الاِخْتِلاَفُ فِي الاِنْقِضَاءِ: ١٥ - إِذَا تَنَازَعَ طَرَفَانِ فِي انْقِضَاءِ شَيْءٍ أَوْ بَقَائِهِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالاِنْقِضَاءِ وَعَدَمِهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ التَّصَرُّفَاتِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: أ - فِي الْهِدَايَةِ: إِذَا قَالَتِ الْمُعْتَدَّةُ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ، كَانَ الْقَوْل قَوْلَهَا مَعَ الْيَمِينِ؛ لأَِنَّهَا

стр. 4033

أَمِينَةٌ فِي ذَلِكَ، وَقَدِ اتُّهِمَتْ فِي ذَلِكَ فَتَحْلِفُ كَالْمُودَعِ (١) . ب - فِي جَوَاهِرِ الإِْكْلِيل: إِنِ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي انْقِضَاءِ الأَْجَل (بِالنِّسْبَةِ لِلثَّمَنِ) لاِخْتِلاَفِهِمَا فِي مَبْدَئِهِ بِأَنْ قَال الْبَائِعُ: أَوَّل الشَّهْرِ وَقَال الْمُبْتَاعُ مُنْتَصَفُهُ، وَلاَ بَيِّنَةَ لأَِحَدِهِمَا، وَفَاتَتِ السِّلْعَةُ فَالْقَوْل لِمُنْكِرِ التَّقَضِّي، أَيِ انْقِضَاءِ الأَْجَل مُشْتَرِيًا كَانَ أَوْ بَائِعًا، بِيَمِينِهِ إِنْ أَشْبَهَ سَوَاءٌ أَشْبَهَ الآْخَرَ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ انْقِضَائِهِ، فَإِنْ لَمْ تَفُتِ السِّلْعَةُ حَلَفَا وَفُسِخَ الْبَيْعُ (٢) . ج - فِي الْمُهَذَّبِ: إِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ فَادَّعَتِ الْمَرْأَةُ انْقِضَاءَهَا وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَالْقَوْل قَوْل الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّهَا لَمْ تَنْقَضِ؛ وَلأَِنَّ هَذَا اخْتِلاَفٌ فِي وَقْتِ الإِْيلاَءِ فَكَانَ الْقَوْل فِيهِ قَوْلَهُ (٣) . انْقِطَاعٌ التَّعْرِيفُ: ١ - يَأْتِي الاِنْقِطَاعُ فِي اللُّغَةِ بِمَعَانٍ عِدَّةٍ مِنْهَا: التَّوَقُّفُ وَالتَّفَرُّقُ (٤) . وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي، كَمَا يُطْلِقُونَ

стр. 4034

لَفْظَ الْمُنْقَطِعِ عَلَى الصَّغِيرِ الَّذِي فَقَدَ أُمَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ (١) . وَالاِنْقِطَاعُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ: عَدَمُ اتِّصَال سَنَدِ الْحَدِيثِ، سَوَاءٌ سَقَطَ ذِكْرُ الرَّاوِي مِنْ أَوَّل الإِْسْنَادِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّاوِي وَاحِدًا أَمْ أَكْثَرَ، عَلَى التَّوَالِي أَوْ غَيْرِهِ، فَيَشْمَل الْمُرْسَل، وَالْمُعَلَّقَ، وَالْمُعْضَل، وَالْمُدَلَّسَ، إِلاَّ أَنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي رِوَايَةِ مَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ كَمَالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٢) . وَهَذَا أَحَدُ مَعَانِيهِ، وَلَهُ بَعْضُ الْمَعَانِي يَتَكَلَّمُ عَنْهَا الأُْصُولِيُّونَ فِي مَبْحَثِ السُّنَّةِ (الْمُرْسَل) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الاِنْقِرَاضُ: ٢ - يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ بِالاِنْقِطَاعِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ أَصْلاً كَالْوَقْفِ عَلَى مُنْقَطِعِ الأَْوَّل، أَمَّا الاِنْقِرَاضُ فَيَكُونُ فِي الأَْشْيَاءِ الَّتِي وُجِدَتْ ثُمَّ انْعَدَمَتْ (٣) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٣ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي الاِنْقِطَاعِ بِاخْتِلاَفِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ، فَفِي انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ يَكُونُ الْحُكْمُ كَالآْتِي: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ وَطْءِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ

стр. 4035

قَبْل انْقِطَاعِ دَمِهِمَا، وَاخْتَلَفُوا هَل يَكُونُ الْغُسْل شَرْطًا لِحِل الاِسْتِمْتَاعِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، أَوْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ؟ . فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ حَتَّى تَغْتَسِل أَوْ تَتَيَمَّمَ إِنْ كَانَتْ أَهْلاً لَهُ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لأَِكْثَرِ الْحَيْضِ وَهُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عِنْدَهُ حَل الْوَطْءُ فِي الْحَال، وَإِنِ انْقَطَعَ لأَِقَلِّهِ لَمْ يَحِل حَتَّى تَغْتَسِل أَوْ تَتَيَمَّمَ، أَوْ تَصِيرَ الصَّلاَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، بِأَنْ يَمْضِيَ وَقْتٌ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ يَتَّسِعُ لِلْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ وَالصَّلاَةِ (١) ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَابِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. انْقِطَاعُ الاِقْتِدَاءِ بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ: ٤ - يَنْقَطِعُ الاِقْتِدَاءُ فِي الصَّلاَةِ مِنْ جَانِبِ الْمَأْمُومِ إِنْ نَوَى مُفَارَقَةَ إِمَامِهِ، وَفِي كَوْنِ الصَّلاَةِ مَعَ الْمُفَارَقَةِ صَحِيحَةً أَوْ بَاطِلَةً خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهَا صَحِيحَةٌ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهَا بَاطِلَةٌ مُطْلَقًا، وَيُفَرِّقُ الْبَعْضُ بَيْنَ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ مَعَ الْعُذْرِ وَبِدُونِهِ، فَهِيَ مَعَ الْعُذْرِ صَحِيحَةٌ، وَبَاطِلَةٌ بِدُونِهِ (٢) . وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ وَالاِقْتِدَاءِ. وَكَذَلِكَ تَنْقَطِعُ الْقُدْوَةُ بِخُرُوجِ الإِْمَامِ مِنْ صَلاَتِهِ وَمَعَ خُرُوجِهِ تَنْشَأُ بَعْضُ الأَْحْكَامِ، فَقَدْ تَبْطُل صَلاَتُهُ وَصَلاَةُ الْمَأْمُومِينَ، وَقَدْ يَسْتَخْلِفُ وَتَصِحُّ الصَّلاَةُ (٣) وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي (صَلاَةِ

стр. 4036

الْجَمَاعَةِ، وَاسْتِخْلاَفٌ) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٥ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ الاِنْقِطَاعَ فِي الْمَوَاضِعِ الآْتِيَةِ: فِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا التَّتَابُعُ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْل وَالظِّهَارِ وَالإِْفْطَارِ فِي رَمَضَانَ. وَفِي الْوَقْفِ فِي شَرْطِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَهَل يَصِحُّ الْوَقْفُ إِنْ كَانَ عَلَى مُنْقَطِعِ الأَْوَّل أَوِ الآْخَرِ أَوِ الْوَسَطِ (١) ؟ . وَفِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَحُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ أَوِ الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ: أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَنْ بَذْل مِيَاهِ الآْبَارِ إِذَا كَانَتْ تَنْقَطِعُ أَوْ تَسْتَخْلِفُ، وَعَمَّا إِذَا حَفَرَ بِئْرًا فَانْقَطَعَ بِهِ مَاءُ بِئْرِ جَارِهِ (٢) . وَفِي النِّكَاحِ: عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ، وَنَقَل الْوِلاَيَةُ بِسَبَبِهَا. وَفِي الْقَضَاءِ: عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى انْقِطَاعِ الإِْنْسَانِ لِلْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا، وَرِزْقُ الْقَاضِي لِلْمُنْقَطِعِ لَهُمَا، وَعِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ انْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ بِالْيَمِينِ (٣) . انْقِلاَبُ الْعَيْنِ انْظُرْ: تَحَوُّلٌ.

стр. 4037

إِنْكَارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْنْكَارُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَنْكَرَ وَيَأْتِي فِي اللُّغَةِ لِثَلاَثَةِ مَعَانٍ: الأَْوَّل: الْجَهْل بِالشَّخْصِ أَوِ الشَّيْءِ أَوِ الأَْمْرِ. تَقُول: أَنْكَرْتُ زَيْدًا وَأَنْكَرْتُ الْخَبَرَ إِنْكَارًا، وَنَكَّرْتُهُ، إِذَا لَمْ تَعْرِفْهُ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (١) . وَقَدْ يَكُونُ فِي الإِْنْكَارِ مَعَ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالشَّيْءِ النَّفْرَةُ مِنْهُ وَالتَّخَوُّفُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آل لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (٢) أَيْ تُنْكِرُكُمْ نَفْسِي وَتَنْفِرُ مِنْكُمْ، فَأَخَافُ أَنْ تَطْرُقُونِي بِشَرٍّ. الثَّانِي: نَفْيُ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى، أَوِ الْمَسْئُول عَنْهُ. وَالثَّالِثُ: تَغْيِيرُ الأَْمْرِ الْمُنْكَرِ وَعَيْبُهُ وَالنَّهْيُ عَنْهُ. وَالْمُنْكَرُ هُوَ الأَْمْرُ الْقَبِيحُ، خِلاَفُ الْمَعْرُوفِ. وَاسْمُ الْمَصْدَرِ هُنَا (النَّكِيرُ) ، وَمَعْنَاهُ (الإِْنْكَارُ) (٣) أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ فَيَرِدُ اسْتِعْمَال (الإِْنْكَارِ) بِمَعْنَى الْجَحْدِ، وَبِمَعْنَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَلَمْ يُسْتَدَل عَلَى وُرُودِهِ بِمَعْنَى الْجَهْل بِالشَّيْءِ فِي كَلاَمِهِمْ.

стр. 4038

أَوَّلاً: الإِْنْكَارُ بِمَعْنَى الْجَحْدِ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ الإِْنْكَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَالْجَحْدِ وَالْجُحُودِ: ٢ - سَاوَى بَعْضُ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الإِْنْكَارِ وَبَيْنَ الْجَحْدِ وَالْجُحُودِ. قَال فِي اللِّسَانِ: الْجَحْدُ وَالْجُحُودُ نَقِيضُ الإِْقْرَارِ، كَالإِْنْكَارِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَقَال الْجَوْهَرِيُّ: الْجُحُودُ الإِْنْكَارُ مَعَ الْعِلْمِ. يُقَال: جَحَدَهُ حَقَّهُ وَبِحَقِّهِ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - النَّفْيُ: ٣ - النَّفْيُ يَكُونُ بِمَعْنَى الإِْنْكَارِ أَوِ الْجَحْدِ، وَهُوَ مُقَابِل الإِْيجَابِ: وَقِيل الْفَرْقُ بَيْنَ النَّفْيِ وَبَيْنَ الْجَحْدِ أَنَّ النَّافِيَ إِنْ كَانَ صَادِقًا سُمِّيَ كَلاَمُهُ نَفْيًا وَلاَ يُسَمَّى جَحْدًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا سُمِّيَ جَحْدًا وَنَفْيًا أَيْضًا، فَكُل جَحْدٍ نَفْيٌ. وَلَيْسَ كُل نَفْيٍ جَحْدًا. ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ. قَالُوا: وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٢) . ب - النُّكُول: ٤ - النُّكُول أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْحَلِفِ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الدَّعْوَى، بِقَوْلِهِ: أَنَا نَاكِلٌ، أَوْ يَقُول لَهُ الْقَاضِي: احْلِفْ، فَيَقُول: لاَ أَحْلِفُ. أَوْ سَكَتَ سُكُوتًا يَدُل عَلَى الاِمْتِنَاعِ. ج - الرُّجُوعُ: ٥ - الرُّجُوعُ عَنِ الشَّيْءِ تَرْكُهُ بَعْدَ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ.

стр. 4039

فَالرُّجُوعُ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُول الشَّاهِدُ أَبْطَلْتُ شَهَادَتِي، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ رَدَدْتُهَا. وَقَدْ يَكُونُ الرُّجُوعُ عَنِ الإِْقْرَارِ بِادِّعَاءِ الْغَلَطِ وَنَحْوِهِ (١) . د - الاِسْتِنْكَارُ: ٦ - الاِسْتِنْكَارُ يَأْتِي بِمَعْنَى عَدِّ الشَّيْءِ مُنْكَرًا، وَبِمَعْنَى الاِسْتِفْهَامِ عَمَّا تُنْكِرُهُ، وَبِمَعْنَى جَهَالَةِ الشَّيْءِ مَعَ حُصُول الاِشْتِبَاهِ (٢) . وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الاِسْتِنْكَارَ يُوَافِقُ الإِْنْكَارَ فِي مَجِيئِهِمَا بِمَعْنَى الْجَهَالَةِ، وَيَنْفَرِدُ الإِْنْكَارُ بِمَجِيئِهِ بِمَعْنَى الْجَحْدِ، وَيَنْفَرِدُ الاِسْتِنْكَارُ بِمَجِيئِهِ بِمَعْنَى الاِسْتِفْهَامِ عَمَّا يُنْكَرُ. الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالإِْنْكَارِ فِي الدَّعْوَى . ٧ - يَجِبُ عَلَى الْمُدَّعِي لإِِثْبَاتِ حَقِّهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ دَعْوَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ عَمَّا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُقِرَّ، وَإِمَّا أَنْ يُنْكِرَ. فَإِنْ أَقَرَّ لَزِمَهُ الْحَقُّ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَضَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا وَطَلَبَ الْيَمِينَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ نَكَل حَكَمَ عَلَيْهِ. وَقِيل: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي. هَذَا طَرِيقُ الْحُكْمِ إِجْمَالاً، لِقَوْل النَّبِيِّ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (٣)

стр. 4040

وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي (إِثْبَاتٍ، وَدَعْوَى، حَلِفٍ، إِقْرَارٍ، نُكُولٍ) . مَا بِهِ يَتَحَقَّقُ الإِْنْكَارُ: أَوَّلاً: النُّطْقُ: ٨ - يَتَحَقَّقُ الإِْنْكَارُ بِالنُّطْقِ. وَيُشْتَرَطُ فِي النُّطْقِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا بِحَيْثُ لاَ يُحْتَمَل إِلاَّ الإِْنْكَارَ، كَأَنْ يَقُول لَمْ تُسَلِّفْنِي مَا تَدَّعِيهِ. وَهُنَاكَ أَلْفَاظٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِهَا صَرِيحَةً أَوْ غَيْرَ صَرِيحَةٍ، كَأَنْ يَقُول: لاَ حَقَّ لَهُ عِنْدِي. فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِنْكَارًا، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل الْحَنَابِلَةِ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارًا؛ لأَِنَّ نَفْيَ الْمُطْلَقِ يَشْمَل نَفْيَ الْمُقَيَّدِ، فَقَوْلُهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ نَفْيٌ مُطْلَقٌ لِحَقِّ الْمُدَّعِي، أَيًّا كَانَ سَبَبُهُ، فَيُعْتَبَرُ جَوَابًا كَافِيًا وَإِنْكَارًا مُوجِبًا لِلْحَلِفِ بِشُرُوطِهِ (١) . ثَانِيًا: الاِمْتِنَاعُ مِنَ الإِْقْرَارِ وَالإِْنْكَارِ: ٩ - لَوْ قَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ امْتِنَاعِهِ هَذَا. فَقَال صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ ﵏: هُوَ إِنْكَارٌ، فَيُسْتَحْلَفُ بَعْدَهُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِنَّ قَوْلَهُ لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ بِمَنْزِلَةِ النُّكُول، فَيَقْضِي بِلاَ اسْتِحْلاَفٍ، كَمَا يَقْضِي عَلَى النَّاكِل عَنِ الْيَمِينِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ

стр. 4041

يُعْلِمَهُ الْقَاضِي أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ حَكَمَ عَلَيْهِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ الْمُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ: إِنْ قَال لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ لاَ يُسْتَحْلَفُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُظْهِرِ الإِْنْكَارَ، وَيُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ وَيُنْكِرَ. وَفِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يُؤَدِّبُهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى امْتِنَاعِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ. وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ إِقْرَارٌ (١) . وَلَمْ نَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. ثَالِثًا: السُّكُوتُ: ١٠ - مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَمَامَ الْقَضَاءِ فَسَكَتَ، فَفِي اعْتِبَارِ سُكُوتِهِ إِنْكَارًا أَقْوَالٌ: الأَْوَّل: إِنَّ سُكُوتَهُ إِنْكَارٌ، وَهَذَا قَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ. قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: لأَِنَّ الدَّعْوَى أَوْجَبَتِ الْجَوَابَ عَلَيْهِ، وَالْجَوَابُ إِمَّا إِقْرَارٌ وَإِمَّا إِنْكَارٌ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَمْل السُّكُوتِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْحَمْل عَلَى الإِْنْكَارِ أَوْلَى؛ لأَِنَّ الْعَاقِل الْمُتَدَيِّنَ لاَ يَسْكُتُ عَنْ إِظْهَارِ الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ لِغَيْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ حَمْل السُّكُوتِ عَلَى الإِْنْكَارِ أَوْلَى، فَكَانَ السُّكُوتُ إِنْكَارًا دَلاَلَةً. وَهَذَا إِنْ كَانَ سُكُوتُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَمَا لَوْ كَانَ فِي لِسَانِهِ آفَةٌ تَمْنَعُهُ عَنِ التَّكَلُّمِ، أَوْ فِي

стр. 4042

سَمْعِهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ سَمَاعِ الْكَلاَمِ، فَلاَ يُعَدُّ سُكُوتُهُ إِنْكَارًا. وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الأَْعْذَارِ أَيْضًا أَنْ يَسْكُتَ لِدَهْشَةٍ أَوْ غَبَاوَةٍ. أَمَّا الأَْخْرَسُ فَقَالُوا: إِنَّ تَرْكَهُ الإِْشَارَةَ بِمَنْزِلِهِ السُّكُوتِ (١) . فَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَطْلُبُ الْقَاضِي مِنَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي دُرَرِ الْحُكَّامِ (٢) . ١١ - الْقَوْل الثَّانِي مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ ثَانِي قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ سُكُوتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ النُّكُول، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِالسُّكُوتِ كَمَا يَحْكُمُ عَلَى الْمُنْكِرِ النَّاكِل عَنِ الْيَمِينِ، بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُ الْقَاضِي بِحُكْمِ سُكُوتِهِ، فَيَقُول لَهُ: إِنْ أَجَبْتَ عَنْ دَعْوَاهُ وَإِلاَّ جَعَلْتُك نَاكِلاً وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. ١٢ - الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ أَيْضًا: يَحْبِسُهُ الْقَاضِي حَتَّى يُجِيبَ عَنِ الدَّعْوَى (٣) . غَيْبَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ: ١٣ - إِذَا حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي، فَأَنْكَرَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ، ثُمَّ غَابَ قَبْل إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ

стр. 4043

عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَكَذَا إِذَا سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ ثُمَّ غَابَ قَبْل الْقَضَاءِ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ قِيَامُ الإِْنْكَارِ وَقْتَ الْقَضَاءِ. وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀، فَقَال بِصِحَّةِ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الْحَال؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُ الإِْصْرَارُ عَلَى الإِْنْكَارِ إِلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ، وَالإِْصْرَارُ ثَابِتٌ بَعْدَ غَيْبَتِهِ بِالاِسْتِصْحَابِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَصْلاً. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا وَالْمُعَامَلاَتِ وَالْمُدَايَنَاتِ وَالْوَكَالاَتِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ إِلاَّ الْعَقَارَ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِيهِ إِلاَّ أَنْ تَطُول غَيْبَتُهُ وَيَضُرَّ ذَلِكَ بِخَصْمِهِ (١) . حُكْمُ الْمُنْكِرِ: ١٤ - إِذَا ادُّعِيَ عَلَى إِنْسَانٍ بِشَيْءٍ فَأَنْكَرَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تُطْلَبُ مِنْ خَصْمِهِ، فَإِنْ أَقَامَهَا حُكِمَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِقَامَتِهَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَحْلِفُ الْمُنْكِرَ إِذَا طَلَبَ خَصْمُهُ تَحْلِيفَهُ، فَإِنْ حَلَفَ حَكَمَ بِبَرَاءَتِهِ مِنَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ نَكَل قَضَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَلاَ يَقْضِي عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ، فَإِنْ حَلَفَ الطَّالِبُ حِينَئِذٍ قَضَى لَهُ (٢) . وَدَلِيل اسْتِحْلاَفِ الْمُنْكِرِ حَدِيثُ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (٣) السَّابِقُ،

стр. 4044

وَحَدِيثُ وَائِل بْنِ حُجْرٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلاً مِنْ كِنْدَةَ أَتَيَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال الْحَضْرَمِيُّ: إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي وَرِثْتُهَا عَنْ أَبِي. وَقَال الْكِنْدِيُّ: أَرْضِي وَفِي يَدَيَّ لاَ حَقَّ لَهُ فِيهَا. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ قَال: إِنَّهُ لاَ يَتَوَرَّعُ عَنْ شَيْءٍ. قَال: لَيْسَ لَكَ إِلاَّ ذَلِكَ (١) . شَرْطُ اسْتِحْلاَفِ الْمُنْكِرِ: ١٥ - انْفَرَدَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ بِاشْتِرَاطِ شَرْطَيْنِ لاِسْتِحْلاَفِ الْمُنْكِرِ، وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ فِي شَرْحِ الأَْرْبَعِينَ: أ - أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ مُخَالَطَةٌ بِدَيْنٍ أَوْ تَكَرُّرُ بَيْعٍ وَلَوْ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، وَأَنْكَرَ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمُنْكِرِ شَيْءٌ، وَلَمْ يُطَالَبْ بِيَمِينٍ. وَالْمُخَالَطَةُ عِنْدَهُمْ فِي كُل مُعَامَلَةٍ بِحَسْبِهَا. وَاسْتَثْنَوْا مَوَاضِعَ تَجِبُ فِيهَا الْيَمِينُ بِدُونِ خُلْطَةٍ: مِنْهَا: أَهْل الظُّلْمِ، وَالضَّيْفُ، وَالْمُتَّهَمُ، وَالْمَرِيضُ، وَالصُّنَّاعُ فِيمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِمُ اسْتِصْنَاعُهُ، وَأَرْبَابُ الأَْسْوَاقِ وَالْحَوَانِيتِ فِيمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِمْ بَيْعُهُ، وَالرُّفَقَاءُ فِي السَّفَرِ يَدَّعِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، الْوَدِيعَةُ إِذَا ادُّعِيَتْ عَلَى أَهْلِهَا، وَالْمُزَايَدَةُ إِذَا ادُّعِيَ عَلَى مَنْ حَضَرَهَا أَنَّهُ اشْتَرَى الْمَعْرُوضَ لِلْبَيْعِ (٢) .

стр. 4045

ب - أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى التَّعَدِّي وَالْغَصْبِ وَنَحْوِهِمَا مَعْرُوفًا بِمِثْل مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا بِمِثْلِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي: دَعْوَى، وَقَضَاءٍ، وَيَمِينٍ. الْمَوَاضِعُ الَّتِي يُسْتَحْلَفُ فِيهَا الْمُنْكِرُ وَالَّتِي لاَ يُسْتَحْلَفُ فِيهَا: ١٦ - إِنَّهُ وَإِنْ كَانَتِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الأُْمُورِ لاَ اسْتِحْلاَفَ فِيهَا؛ لأَِنَّ الْحُقُوقَ نَوْعَانِ: الأَْوَّل: حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْعِبَادَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ: فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ، أَنَّ الْمُنْكِرَ يُسْتَحْلَفُ فِيهَا إِذَا اتُّهِمَ. وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ تَزَوَّجَ مَنْ لاَ تَحِل لَهُ، ثُمَّ ادَّعَى الْجَهْل. أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى دَعْوَاهُ. وَكَذَا قَال إِسْحَاقُ فِي طَلاَقِ السَّكْرَانِ: يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْقِل، وَفِي طَلاَقِ النَّاسِي: يَحْلِفُ عَلَى نِسْيَانِهِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ اسْتِحْلاَفَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَصْلاً. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الزَّكَاةِ، وَبِهِ قَال طَاوُوسٌ وَالثَّوْرِيُّ. الثَّانِي: حُقُوقُ الْعِبَادِ. أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الاِسْتِحْلاَفِ فِي الأَْمْوَال، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهَا: فَقَال الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ: يُسْتَحْلَفُ فِي جَمِيعِ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ.

стр. 4046

وَقَال مَالِكٌ: لاَ يُسْتَحْلَفُ إِلاَّ فِي كُل دَعْوَى لاَ تَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدَيْنِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: لاَ يُسْتَحْلَفُ إِلاَّ فِيمَا يَصِحُّ بَذْلُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ: لاَ يُسْتَحْلَفُ إِلاَّ فِيمَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُول. وَمَثَّل لَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِمَنِ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى مَيِّتٍ، وَلِلْمَيِّتِ وَصِيٌّ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ، فَأَنْكَرَ. فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ حَكَمَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْوَصِيِّ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ مَقْصُودَ التَّحْلِيفِ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُول، وَالْوَصِيُّ لاَ يُقْبَل إِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ، وَلَوْ نَكَل لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي تَحْلِيفِهِ. وَهَذَا الْخِلاَفُ الْمُتَقَدِّمُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ هُوَ فِي غَيْرِ الْمُؤْتَمَنِ، أَمَّا الْمُؤْتَمَنُ فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ، عَلَيْهِ الْيَمِينُ؛ لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ فَيَدْخُل فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ: الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. الثَّانِي: لاَ يَمِينَ؛ لأَِنَّهُ صَدَّقَهُ، وَلاَ يَمِينَ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَهُوَ قَوْل الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ. الثَّالِثُ: وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ. لاَ يَمِينَ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يُتَّهَمَ؛ لأَِنَّهُ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ تُنَافِي مَعْنَى الاِئْتِمَانِ فَقَدِ اخْتَل الاِئْتِمَانُ (١) . وَتَفْصِيل مَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ الاِسْتِحْلاَفَ لاَ يَكُونُ فِي الْحُدُودِ وَاللِّعَانِ، بِأَنْ

стр. 4047

ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَذَفَهَا بِمَا يُوجِبُ اللِّعَانَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَاهَا، فَلاَ يُؤْخَذُ فِيهِمَا بِالنُّكُول. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُسْتَحْلَفُ الْمُنْكِرُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الإِْيلاَءِ وَالرِّقِّ وَالاِسْتِيلاَدِ وَالْوَلاَءِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُسْتَحْلَفُ فِيهَا. وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا. وَقِيل عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي حَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ رَآهُ مُتَعَنِّتًا يُحَلِّفُهُ أَخْذًا بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ رَآهُ مَظْلُومًا لاَ يُحَلِّفُهُ أَخْذًا بِقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ. ثُمَّ قَدْ قَال صَاحِبُ الأَْشْبَاهِ: لاَ يُسْتَحْلَفُ فِي إِحْدَى وَثَلاَثِينَ صُورَةً. وَنَقَل هَذَا صَاحِبُ الدُّرِّ وَعَدَّدَهَا بِالتَّفْصِيل، وَأَضَافَ إِلَيْهَا هُوَ وَابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الصُّوَرِ مَا تَمَّتْ بِهِ تِسْعًا وَسِتِّينَ صُورَةً (١) . حُكْمُ الإِْنْكَارِ كَذِبًا: ١٧ - يَجُوزُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الإِْنْكَارُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي عِنْدَهُ حَقٌّ وَكَانَ مُبْطِلاً فِي دَعْوَاهُ. أَمَّا إِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَالِمًا بِحَقِّ الْمُدَّعِي عِنْدَهُ فَلاَ يَحِل لَهُ الإِْنْكَارُ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَسْأَلَتَيْنِ يَجُوزُ فِيهِمَا الإِْنْكَارُ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُحِقٌّ: الأُْولَى: دَعْوَى الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، كَمَا إِذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمَال الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ فِيهِ كَذَا، فَلِلْبَائِعِ - وَلَوْ كَانَ وَاقِفًا عَلَى الْعَيْبِ الْقَدِيمِ - أَنْ

стр. 4048

يُنْكِرَ وُجُودَهُ حَتَّى يَثْبُتَهُ الْمُشْتَرِي، وَيَرُدَّهُ إِلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ بِدَوْرِهِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى مَنْ بَاعَهُ إِيَّاهُ. الثَّانِيَةُ: لِوَصِيِّ الْمُتَوَفَّى أَنْ يُنْكِرَ دَيْنَ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي دُرَرِ الْحُكَّامِ. وَفِي شَرْحِ الأَْتَاسِيِّ عَلَى الْمَجَلَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَسُوغُ لَهُ الإِْنْكَارُ إِنْ تَحَقَّقَتْ حَاجَتُهُ إِلَى الْبَيِّنَةِ. قَال: وَهَذَا فِي مَسَائِل مِنْهَا: اسْتَحَقَّ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يُعْذَرُ فِي الإِْنْكَارِ، وَإِنْ عَلِمَ صِدْقَ الْمُدَّعِي، إِذْ لَوْ أَقَرَّ هُوَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى بَائِعِهِ بِالْيَمِينِ (١) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا نَصَبَ الْقَاضِي مُسَخَّرًا (أَيْ مُمَثِّلاً لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ) يُنْكِرُ عَنِ الْبَائِعِ جَازَ لِلْمُسَخِّرِ الإِْنْكَارُ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِالْمَصْلَحَةِ (٢) . وَلَعَلَّهُمْ يَقْصِدُونَ مَصْلَحَةَ تَمْكِينِ الْمُدَّعِي مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِتَكُونَ الْبَيِّنَةُ بِنَاءً عَلَى إِنْكَارِ مُنْكِرٍ. وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ الإِْنْكَارُ فِي حَال الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ أَوِ الْمَال، وَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ بَابِ الإِْكْرَاهِ. قَالُوا: إِذَا اسْتَخْفَى الرَّجُل عِنْدَ الرَّجُل مِنَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ الَّذِي يُرِيدُ دَمَهُ أَوْ مَالَهُ، فَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ عَنْهُ، فَسَتَرَ عَلَيْهِ، وَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ، فَقَال لَهُ: احْلِفْ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَك، فَحَلَفَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي؛ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَدَمِهِ، أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ. أَمَّا إِنْ كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَقِيَهُ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أُجِرَ فِيمَا فَعَل، وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ فِيمَا حَلَفَ.

стр. 4049

قَالُوا: وَكَذَلِكَ فَعَل مَالِكٌ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ. أَمَّا التَّخَلُّصُ مِنْ مِثْل هَذَا الْمَأْزِقِ بِالتَّأْوِيل وَالتَّوْرِيَةِ فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَوْرِيَةٌ) (١) . جَحَدَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَذِبًا، إِنْ كَانَ الآْخَرُ جَاحِدًا لِحَقِّهِ: ١٨ - ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْحَدَهُ حَتَّى فِي حَالَةِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ قِبَل الْمُدَّعِي، وَكَانَ الْمُدَّعِي قَدْ جَحَدَهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أَدِّ الأَْمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ (٢) . وَلأَِنَّ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ دَيْنِهِ، كَأَنْ يَكُونَ دَيْنُ أَحَدِهِمَا ذَهَبًا وَدَيْنُ الآْخَرِ فِضَّةً، فَإِنَّ الْجَحْدَ هُنَا يَكُونُ كَبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ لاَ يَجُوزُ وَلَوْ تَرَاضَيَا. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيل الْمُقَاصَّةِ، وَهِيَ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي. إِذَنْ لَيْسَ لَهُ تَعْيِينُ حَقِّهِ بِغَيْرِ صَاحِبِهِ. وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ لِلْمَدِينِ جَحْدُ دَيْنِ مَنْ جَحَدَ دَيْنَهُ، إِذَا كَانَ عَلَى الْجَاحِدِ مِثْل مَا لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ، فَتَحْصُل الْمُقَاصَّةُ بَيْنَ الدَّيْنَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ شُرُوطُهَا لِلضَّرُورَةِ. فَإِنْ كَانَ لَهُ دُونَ مَا لِلآْخَرِ جَحَدَ مِنْ حَقَّةِ بِقَدْرِهِ (٣) . وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

стр. 4050

تَعْرِيضُ الْقَاضِي بِالإِْنْكَارِ فِي الْحُدُودِ: ١٩ - لِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ تَعْرِيضِ الْقَاضِي بِالإِْنْكَارِ لِلْمُقِرِّ بِحَدٍّ، ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْقَوْل الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لَدَى الْحَاكِمِ ابْتِدَاءً، أَوْ بَعْدَ دَعْوَى بِمَا يَسْتَوْجِبُ عُقُوبَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ، فَإِنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى سَبِيل الْجَوَازِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْبَابِ. وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِمَاعِزٍ لَمَّا أَقَرَّ بِالزِّنَى: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ (١) . وَقَوْلِهِ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ. مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ (٢) . الْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ لِلشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بِالإِْنْكَارِ فِي ذَلِكَ أَصْلاً. وَالْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا، أَنَّهُ يَعْرِضُ لَهُ بِالرُّجُوعِ إِنْ كَانَ الْمُقِرُّ لاَ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ. فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ لاَ يَعْرِضُ لَهُ. أَمَّا التَّصْرِيحُ بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ بِالْحَدِّ، وَتَلْقِينُ الْمُقِرِّ ذَلِكَ، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِهِ.

стр. 4051

قَالُوا: لاَ يَقُول لَهُ: " ارْجِعْ عَنْ إِقْرَارِكَ " وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَقَالُوا: لاَ بَأْسَ بِتَلْقِينِهِ الرُّجُوعَ. وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ جَوَازُ التَّصْرِيحِ. وَيُؤَيِّدُهُ احْتِجَاجُ صَاحِبِ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ أُتِيَ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ سَرَقَتْ، فَقَال لَهَا: (أَسَرَقْتِ؟ قُولِي: لاَ) فَقَالَتْ: لاَ. فَخَلَّى سَبِيلَهَا (١) . الضَّمَانُ بَعْدَ إِنْكَارِ الْحَقِّ: ٢٠ - إِذَا أَنْكَرَ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ طَلَبِ رَبِّهَا لَهَا، دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ إِنْكَارِهِ، كَأَنْ كَانَتْ دَابَّةً فَمَاتَتْ، أَوْ دَارًا فَانْهَدَمَتْ، يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا، وَيَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا؛ لأَِنَّهُ بِإِنْكَارِهِ لَهَا يَكُونُ غَاصِبًا؛ وَلأَِنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ بِطَلَبِ الْمَالِكِ الْوَدِيعَةَ وَإِنْكَارِ الْمُودِعِ لَهَا؛ لأَِنَّهُ بِإِنْكَارِهِ عَزَل نَفْسَهُ عَنِ الْحِفْظِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَيَبْقَى مَال الْغَيْرِ بِيَدِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا، فَإِذَا هَلَكَ ضَمِنَهُ. وَلَوْ أَنَّ الْمُودِعَ عَادَ بَعْدَ إِنْكَارِهِ، فَأَقَرَّ الْوَدِيعَةَ، لَمْ يَزُل عَنْهُ الضَّمَانُ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَضْمَنُ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ بِالإِْنْكَارِ، إِلاَّ إِنْ نَقَلَهَا مِنْ مَكَانِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ وَقْتَ الإِْنْكَارِ، إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُنْقَل، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ بَعْدَ الْجُحُودِ، فَهَلَكَتْ، لاَ يَضْمَنُ. أَمَّا إِنْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إِلَى صَاحِبِهَا بَعْدَ الإِْنْكَارِ وَقَبْل

стр. 4052

تَلَفِهَا فَيَزُول الضَّمَانُ، فَلَوْ أَوْدَعَهُ إِيَّاهَا مَرَّةً ثَانِيَةً فَتَلِفَتْ فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ (١) . قَطْعُ مُنْكِرِ الْعَارِيَّةِ: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لاَ قَطْعَ عَلَى مُنْكِرِ الْوَدِيعَةِ أَوِ الْعَارِيَّةِ أَوِ الأَْمَانَةِ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِهِمْ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الأَْخْذِ مِنْ حِرْزٍ. قَالُوا: وَلِحَدِيثِ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ، وَلاَ مُخْتَلِسٍ، قَطْعٌ (٢) . وَالْخَائِنُ هُوَ جَاحِدُ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا. وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِمْ، إِلاَّ جَاحِدَ الْعَارِيَّةِ خَاصَّةً يَجِبُ قَطْعُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ سَارِقٌ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا (٣) . قَال أَحْمَدُ: لاَ أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ. وَقَال الْجُمْهُورُ: فِي حَدِيثِ الْمَخْزُومِيَّةِ هَذَا، إِنَّ أَكْثَر رِوَايَاتِهِ أَنَّهَا " سَرَقَتْ " فَيُؤْخَذُ بِهَا. وَيُحْتَمَل أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَعِيرُ وَتَجْحَدُ، وَكَانَتْ تَسْرِقُ فَقُطِعَتْ لَسَرِقَتِهَا لاَ لِجُحُودِهَا (٤)

стр. 4053

وَيَرْجِعُ فِي تَفْصِيل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْخِلاَفُ فِيهَا إِلَى مُصْطَلَحِ: (سَرِقَةٌ) . الإِْنْكَارُ بَعْدَ الإِْقْرَارِ: ٢١ - مَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُ فِي الْحُدُودِ الَّتِي لِحَقِّ اللَّهِ، أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ: أ - الإِْنْكَارُ بَعْدَ الإِْقْرَارِ بِمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ: ٢٢ - لَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِالزِّنَى أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ حَقُّ اللَّهِ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ أَوْ رَجَعَ عَنْهُ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ اتِّجَاهَاتٌ ثَلاَثَةٌ: الأَْوَّل: وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْقَوْل الْمُقَدَّمُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَلْزَمُهُ حُكْمُ إِقْرَارِهِ، بَل إِذَا رَجَعَ وَأَنْكَرَ السَّبَبَ أَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، أَوْ أَنْكَرَ إِقْرَارَهُ بِهِ، أَوْ أَكْذَب الشُّهُودَ - أَيْ شُهُودَ الإِْقْرَارِ - سَقَطَ الْحَدُّ، فَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ رُجُوعُهُ أَثْنَاءَ إِقَامَةِ الْحَدِّ سَقَطَ بَاقِيهِ. قَال الْمَرْغِينَانِيُّ: لأَِنَّ الرُّجُوعَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ، كَالإِْقْرَارِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُكَذِّبُهُ فِيهِ، فَتَتَحَقَّقُ الشُّبْهَةُ فِي الإِْقْرَارِ، بِخِلاَفِ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ؛ لِوُجُودِ مَنْ يُكَذِّبُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا هُوَ حَقٌّ خَالِصٌ لِلشَّرْعِ (١) . وَمِثْل حَدِّ الزِّنَى فِي ذَلِكَ حَدُّ السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ. الثَّانِي: أَنَّ الْحَدَّ إِذَا ثَبَتَ بِالإِْقْرَارِ لَمْ يَسْقُطْ بِإِنْكَارِهِ أَوِ الرُّجُوعِ عَنْهُ.

стр. 4054

وَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي السَّرِقَةِ خَاصَّةً (١) . الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ الرُّجُوعَ لاَ يُقْبَل إِلاَّ بِأَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ الْمُقِرُّ - لاَ مُطْلَقًا - وَمِثَال مَا يُعْذَرُ بِهِ الْمُقِرُّ أَنْ يَقُول وَطِئْتُ زَوْجَتِي أَوْ أَمَتِي وَهِيَ حَائِضٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ زِنًى (٢) . ب - الإِْنْكَارُ بَعْدَ الإِْقْرَارِ فِيمَا هُوَ حَقٌّ لِلْعِبَادِ: ٢٣ - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: حُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ وَحُقُوقُ اللَّهِ الَّتِي لاَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ لاَ يُقْبَل رُجُوعُهُ عَنْ إِقْرَارِهِ بِهَا. لاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا (٣) . حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا ثَبَتَ الْمَال؛ لأَِنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ، وَسَقَطَ الْقَطْعُ؛ لأَِنَّهُ حَقُّ اللَّهِ. غَيْرَ أَنَّ الشُّبْهَةَ الَّتِي عَرَضَتْ مِنَ احْتِمَال أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي رُجُوعِهِ عَنْ إِقْرَارِهِ، دَعَتْ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَقُولُوا إِنَّ الْقَاضِيَ، إِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي إِقْرَارٍ، لاَ يَقْضِي عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ اسْتِحْلاَفِ خَصْمِهِ أَنَّ الإِْقْرَارَ لَمْ يَكُنْ بَاطِلاً. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ وَأَقْبَضَ الْهِبَةَ، أَوْ أَنَّهُ قَبَضَ الْمَبِيعَ، أَوْ آجَرَ الْمُسْتَأْجِرُ، ثُمَّ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَسَأَل إِحْلاَفَ خَصْمِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُسْتَحْلَفُ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لأَِنَّ دَعْوَاهُ تَكْذِيبٌ لإِِقْرَارِهِ؛ وَلأَِنَّ الإِْقْرَارَ أَقْوَى مِنَ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ فَقَال: حَلِّفُوهُ لِي مَعَ بَيِّنَتِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ. فَكَذَلِكَ هُنَا. قَال: وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يُسْتَحْلَفُ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛

стр. 4055

لأَِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِالإِْقْرَارِ قَبْل الْقَبْضِ، فَيُحْتَمَل صِحَّةُ مَا قَالَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْلَفَ خَصْمُهُ لِنَفْيِ الاِحْتِمَال (١) . أَثَرُ جُحُودِ الْعُقُودِ فِي انْفِسَاخِهَا: ٢٤ - إِذَا جَحَدَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْبَيْعَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ - غَيْرَ النِّكَاحِ - لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى إِنْكَارِهِ لَهُ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ، وَكَانَ لِلآْخَرِ التَّمَسُّكُ بِالْعَقْدِ، وَلَهُ بَعْدَ الإِْثْبَاتِ الْمُطَالَبَةُ بِتَنْفِيذِهِ. لَكِنْ إِنْ رَضِيَ هَذَا الآْخَرُ بِالْفَسْخِ قَوْلاً، أَوْ بِتَرْكِهِ الْخُصُومَةَ مَعَ فِعْلٍ يَدُل عَلَى الرِّضَى بِالْفَسْخِ، كَنَقْلِهِ الْمَبِيعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ. فَلَوْ قَال الْمَالِكُ: اشْتَرَيْتُ مِنِّي هَذِهِ الدَّابَّةَ، وَأَنْكَرَ الآْخَرُ الشِّرَاءَ، فَرَضِيَ الْبَائِعُ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ، وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ ادَّعَى الشِّرَاءَ بَعْدَ رِضَى الْبَائِعِ بِالْفَسْخِ لاَ يُقْبَل؛ لاِنْفِسَاخِ الْعَقْدِ. أَمَّا النِّكَاحُ فَلَوْ جَحَدَ الرَّجُل أَنَّهُ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ، ثُمَّ ادَّعَى الزَّوَاجَ وَبَرْهَنَ، يُقْبَل مِنْهُ بُرْهَانُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ لاَ يَحْتَمِل الْفَسْخَ بِسَائِرِ الأَْسْبَابِ فَكَذَا بِهَذَا السَّبَبِ (٢) . وَيُوَافِقُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى أَنَّ إِنْكَارَ الزَّوْجِ النِّكَاحَ لاَ يَكُونُ فَسْخًا، وَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا طَلاَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَلَوْ نَوَاهُ؛ لأَِنَّ الْجُحُودَ هُنَا لِعَقْدِ النِّكَاحِ، لاَ لِكَوْنِهَا امْرَأَتَهُ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَال: لَيْسَتْ هِيَ

стр. 4056

امْرَأَتِي، فَإِنَّهُ إِنْ نَوَى الطَّلاَقَ وَقَعَ طَلاَقًا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَوْ نَوَى الطَّلاَقَ بِجَحْدِ النِّكَاحِ يَكُونُ طَلاَقًا، كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلاَقِ (١) . أَثَرُ إِنْكَارِ الرِّدَّةِ فِي حُصُول التَّوْبَةِ مِنْهَا: ٢٥ - إِذَا ثَبَتَتْ رِدَّةُ إِنْسَانٍ بِالْبَيِّنَةِ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ارْتَدَّ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ الإِْنْكَارِ مِنْهُ تَوْبَةً قَوْلاَنِ: الأَْوَّل: وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالرِّدَّةِ، وَهُوَ يُنْكِرُهَا، وَهُوَ مُقِرٌّ بِالتَّوْحِيدِ وَبِمَعْرِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِدِينِ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهُ، لاَ لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ، بَل لأَِنَّ إِنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ، فَيُمْتَنَعُ الْقَتْل فَقَطْ، وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ، كَحُبُوطِ عَمَلٍ وَبُطْلاَنِ وَقْفٍ. . . إِلَخْ (٢) . الثَّانِي: وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل اسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل (٣) . وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمَالِكِيَّةُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ كَلاَمِهِمْ. هَذَا وَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ ثُبُوتُ رِدَّتِهِ بِالإِْقْرَارِ. فَإِنَّ إِنْكَارَهُ يَكُونُ تَوْبَةً، وَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهُ، كَمَا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ (٤) . وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الْحَنَابِلَةِ نَصًّا فِي ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ.

стр. 4057

الصُّلْحُ مَعَ الإِْنْكَارِ: ٢٦ - الصُّلْحُ عَقْدٌ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى الإِْصْلاَحِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ. وَالصُّلْحُ فِي الأَْمْوَال نَوْعَانِ: صُلْحٌ مَعَ الإِْنْكَارِ، وَصُلْحٌ مَعَ الإِْقْرَارِ. وَالصُّلْحُ مَعَ الإِْنْكَارِ عِنْدَمَا يَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَرَى أَنَّهُ لاَ حَقَّ عَلَيْهِ، فَيَدْفَعُ إِلَى الْمُدَّعِي شَيْئًا افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ، وَصِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنِ التَّبَذُّل بِالْمُخَاصَمَةِ فِي مَجَالِسِ الْقَضَاءِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ مِثْل هَذَا الصُّلْحِ، فَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ. وَأَمَّا مَتَى كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُقِرًّا بِالْحَقِّ فَصَالَحَ عَنْهُ بِبَعْضِهِ، فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالصُّلْحِ مَعَ الإِْقْرَارِ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْقَوْل فِي نَوْعَيِ الصُّلْحِ تَحْتَ عُنْوَانِ (صُلْحٌ) . إِنْكَارُ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ: ٢٧ - لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُنْكِرَ شَيْئًا مِنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ. وَلَكِنْ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ مَا أَنْكَرَهُ أَمْرًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ قَدْ عُلِمَ قَطْعًا مَجِيءُ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ. كَوُجُوبِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمُنْكِرُ جَاهِلاً بِالْحُكْمِ وَلاَ مُكْرَهًا، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْحُودُ قَدْ عَلِمَ مَجِيءَ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ بِالضَّرُورَةِ، أَيْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى

стр. 4058

نَظَرٍ وَاسْتِدْلاَلٍ. أَوْ كَمَا عَبَّرَ الْبَعْضُ: يَعْرِفُهُ كُل الْمُسْلِمِينَ. قَال ابْنُ الْهُمَامِ فِي مُسَايَرَةٍ: وَأَمَّا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الضَّرُورَةِ، كَاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الاِبْنِ السُّدُسَ مَعَ الْبِنْتِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، فَظَاهِرُ كَلاَمِ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ الإِْكْفَارُ بِجَحْدِهِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْرِطُوا سِوَى الْقَطْعِ فِي الثُّبُوتِ. وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ شَرَطَ كَوْنَهُ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَلاَ يَكْفُرُ عِنْدَهُ مَنْ جَحَدَ مِثْل هَذَا الْحُكْمِ. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَسَائِل الإِْجْمَاعِيَّةَ تَارَةً يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَتَارَةً لاَ يَصْحَبُهَا. فَالأَْوَّل يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَاتُرَ لاَ لِمُخَالَفَتِهِ الإِْجْمَاعَ. وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ مِثْل ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَرِيبٌ مِنْ قَوْل مَنِ اشْتَرَطَ فِي الْمَجْحُودِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ قَوْل الْحَنَابِلَةِ، فَإِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا لِمَا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنْتَهَى: مَنْ جَحَدَ حُكْمًا ظَاهِرًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ - بِخِلاَفِ (نَحْوِ) فَرْضِ السُّدُسِ لِبِنْتِ الاِبْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا لاَ سُكُوتِيًّا؛ لأَِنَّ فِيهِ - أَيِ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ - شُبْهَةً، كَجَحْدِ تَحْرِيمِ الزِّنَى، أَوْ جَحْدِ تَحْرِيمِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، أَوْ مُذَكَّاةِ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ وَالدَّجَاجِ، وَمِثْلُهُ لاَ يَجْهَلُهُ لِكَوْنِهِ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُهُ وَعَرَفَ حُكْمَهُ، وَأَصَرَّ عَلَى الْجَحْدِ، كَفَرَ (١) .

стр. 4059

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَحْتَ عُنْوَانِ (رِدَّةٌ) . ثَانِيًا الإِْنْكَارُ فِي الْمُنْكَرَاتِ ٢٨ - إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ بِالْيَدِ أَوِ بِاللِّسَانِ، أَوْ بِالْقَلْبِ. فَمَنْ رَأَى حُدُودَ اللَّهِ تُنْتَهَكُ شُرِعَ لَهُ التَّغْيِيرُ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (٢) . وَتَفْصِيل الْقَوْل فِي هَذَا الأَْمْرِ، وَبَيَانِ آدَابِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ يُنْظَرُ تَحْتَ عُنْوَانِ. (الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) . هَذَا، وَإِنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ الإِْنْكَارَ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الأَْفْعَال، أَوْ مَا يَسْمَعُهُ مِنَ الأَْقْوَال، يَدُل عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْفِعْل أَوِ الْقَوْل، وَأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ شَرْعًا. وَهَذَا التَّرْكُ هُوَ أَحَدُ أُصُول الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَيُسَمِّيهِ الأُْصُولِيُّونَ (الإِْقْرَارَ) أَوِ (التَّقْرِيرَ) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَبَاحِثِهِ تَحْتَ عُنْوَانِ (تَقْرِيرٌ) وَفِي بَابِ (السُّنَّةِ) مِنَ الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

стр. 4060

إِنْمَاءٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْنْمَاءُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَنْمَى، وَهُوَ مِنْ نَمَى يَنْمِي نَمْيًا، وَنَمَاءً، وَفِي لُغَةٍ: نَمَا يَنْمُو نُمُوًّا، أَيْ زَادَ وَكَثُرَ، وَنَمَّيْتُ الشَّيْءَ تَنْمِيَةً جَعَلْتُهُ يَنْمُو. فَالإِْنْمَاءُ وَالتَّنْمِيَةُ: فِعْل مَا بِهِ يَزِيدُ الشَّيْءُ وَيَكْثُرُ. وَنَمَى الصَّيْدُ: غَابَ، وَالإِْنْمَاءُ أَنْ يَرْمِيَ الصَّيْدَ فَيَغِيبَ عَنْ عَيْنِهِ ثُمَّ يُدْرِكَهُ مَيِّتًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: كُل مَا أَصْمَيْتَ، وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَمَّا وَرَدَ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) . ثُمَّ النَّمَاءُ هُوَ الزِّيَادَةُ، أَيْ مَا يَكُونُ نَتِيجَةَ الإِْنْمَاءِ غَالِبًا، كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ، وَقَدْ يَكُونُ النَّمَاءُ ذَاتِيًّا. وَالنَّمَاءُ نَوْعَانِ: حَقِيقِيٌّ وَتَقْدِيرِيٌّ، فَالْحَقِيقِيُّ الزِّيَادَةُ بِالتَّوَالُدِ وَالتَّنَاسُل وَالتِّجَارَاتِ. وَالتَّقْدِيرِيُّ: التَّمَكُّنُ مِنَ الزِّيَادَةِ بِكَوْنِ الْمَال فِي يَدِهِ أَوْ يَدِ نَائِبِهِ (٣) .

стр. 4061

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّثْمِيرُ وَالاِسْتِثْمَارُ: ٢ - التَّثْمِيرُ وَالاِسْتِثْمَارُ كَالإِْنْمَاءِ أَيْضًا، يُقَال: ثَمَّرَ مَالَهُ إِذَا نَمَّاهُ (١) . ب - التِّجَارَةُ: ٣ - التِّجَارَةُ تَقْلِيبُ الْمَال بِالْمُعَاوَضَةِ لِغَرَضِ الرِّبْحِ. فَهِيَ بِذَلِكَ مِنَ الأَْعْمَال الَّتِي يَطْلُبُ بِهَا زِيَادَةَ الْمَال وَتُعْتَبَرُ وَسِيلَةً مِنْ وَسَائِل تَنْمِيَتِهِ (٢) . ج - الاِكْتِسَابُ: ٤ - الاِكْتِسَابُ هُوَ طَلَبُ الرِّزْقِ. وَأَصْل الْكَسْبِ السَّعْيُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَالْمَعِيشَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: أَطْيَبُ مَا أَكَل الرَّجُل مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ (٣) . فَالاِكْتِسَابُ هُوَ طَلَبُ الْمَال، سَوَاءٌ أَكَانَ بِتَنْمِيَةِ مَالٍ مَوْجُودٍ، أَمْ بِالْعَمَل بِغَيْرِ مَالٍ، كَمَنْ يَعْمَل بِأُجْرَةٍ. أَمَّا الإِْنْمَاءُ فَهُوَ الْعَمَل عَلَى زِيَادَةِ الْمَال، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الاِكْتِسَابُ أَعَمَّ مِنَ الإِْنْمَاءِ (٤) . د - الزِّيَادَةُ: ٥ - الإِْنْمَاءُ هُوَ فِعْل مَا يَزِيدُ بِهِ الشَّيْءُ، كَمَا سَبَقَ، أَمَّا

стр. 4062

الزِّيَادَةُ فَهِيَ الشَّيْءُ الزَّائِدُ أَوِ الْمَزِيدُ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِي الْفُرُوقِ فِي اللُّغَةِ: الْفِعْل نَمَا يُفِيدُ زِيَادَةً مِنْ نَفْسِهِ، وَزَادَ لاَ يُفِيدُ ذَلِكَ. يُقَال: زَادَ مَال فُلاَنٍ بِمَا وَرِثَهُ عَنْ وَالِدِهِ وَلاَ يُقَال ذَلِكَ فِي نَمَا. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الإِْنْمَاءَ هُوَ الْعَمَل عَلَى أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ نَابِعَةً مِنْ نَفْسِ الشَّيْءِ وَلَيْسَتْ مِنْ خَارِجٍ، أَمَّا الزِّيَادَةُ فَقَدْ تَكُونُ مِنْ خَارِجٍ فَهِيَ أَعَمُّ. وَيُقَسِّمُ الْفُقَهَاءُ الزِّيَادَةَ إِلَى مُتَّصِلَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ، وَيُقَسِّمُونَ كُلًّا مِنْهُمَا إِلَى مُتَوَلِّدَةٍ وَغَيْرِ مُتَوَلِّدَةٍ، فَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ كَالسِّمَنِ وَالْجَمَال، وَغَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ كَالصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ، وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرِ، وَغَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ كَالأُْجْرَةِ (١) . هـ - الْكَنْزُ: ٦ - الْكَنْزُ مَصْدَرُ كَنَزَ، وَهُوَ أَيْضًا اسْمٌ لِلْمَال إِذَا أُحْرِزَ فِي وِعَاءٍ. وَقِيل: الْكَنْزُ الْمَال الْمَدْفُونُ، وَتُسَمِّي الْعَرَبُ كُل كَثِيرٍ مَجْمُوعٍ يُتَنَافَسُ فِيهِ كَنْزًا، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَال الْمَخْزُونِ وَالْمَصُونِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) وَفِي الْحَدِيثِ: كُل مَالٍ لاَ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ (٣) . فَالْكَنْزُ ضِدُّ الإِْنْمَاءِ.

стр. 4063

و - تَعْطِيلٌ: ٧ - التَّعْطِيل التَّفْرِيغُ، وَالْمُعَطَّل الْمَوَاتُ مِنَ الأَْرْضِ، وَإِبِلٌ مُعَطَّلَةٌ لاَ رَاعِيَ لَهَا، وَعَطَّل الدَّارَ أَخْلاَهَا، وَتَعَطَّل الرَّجُل إِذَا بَقِيَ لاَ عَمَل لَهُ، وَيَقُول الْفُقَهَاءُ: مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا وَتَرَكَ عِمَارَتَهَا، قِيل لَهُ: إِمَّا أَنْ تُعَمِّرَ وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَكَ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ تَعْطِيلُهَا فَمَنْ عَمَّرَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا (١) ، لِقَوْل عُمَرَ ﵁: مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا فَعَطَّلَهَا ثَلاَثَ سِنِينَ فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا (٢) . فَالتَّعْطِيل أَيْضًا ضِدُّ الإِْنْمَاءِ. ز - الْقِنْيَةُ: ٨ - الْقِنْيَةُ (بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا) الْكَسَبَةُ، وَاقْتَنَيْتُهُ: كَسَبْتُهُ، وَيُقَال: اقْتَنَيْتُهُ أَيِ اتَّخَذْتُهُ لِنَفْسِي قِنْيَةً لاَ لِلتِّجَارَةِ، وَالْقِنْيَةُ الإِْمْسَاكُ، وَفِي الزَّاهِرِ: الْقِنْيَةُ: الْمَال الَّذِي يُؤَثِّلُهُ الرَّجُل وَيَلْزَمُهُ، وَلاَ يَبِيعُهُ لِيَسْتَغِلَّهُ. وَالْفُقَهَاءُ يُفَرِّقُونَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ بَيْنَ مَا يُتَّخَذُ لِلْقِنْيَةِ أَيْ لِلْمِلْكِ وَمَا يُتَّخَذُ لِلتِّجَارَةِ (٣) . فَالْقِنْيَةُ أَيْضًا تَعْطِيلٌ لِلْمَال عَنِ الإِْنْمَاءِ. ح - ادِّخَارٌ: ٩ - الاِدِّخَارُ: إِعْدَادُ الشَّيْءِ وَإِمْسَاكُهُ لاِسْتِعْمَالِهِ

стр. 4064

لِوَقْتِ الْحَاجَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَْضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ (١) . فَالْمَال فِي حَال الاِدِّخَارِ مُعَطَّلٌ عَنِ الإِْنْمَاءِ. (أَوَّلاً) الإِْنْمَاءُ (بِمَعْنَى زِيَادَةِ الْمَال) حُكْمُ إِنْمَاءِ الْمَال: تَمْهِيدٌ: ١٠ - الإِْنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَال: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ (الْعَيْنِ) وَلِلتَّصَرُّفِ فِيهَا، كَالشَّيْءِ الَّذِي يَتَمَلَّكُهُ الإِْنْسَانُ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِرْثٍ وَيَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ وَأَهْلاً لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ فَقَطْ دُونَ التَّصَرُّفِ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فَقَطْ دُونَ الرَّقَبَةِ كَالْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيل وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْقَاضِي وَالسُّلْطَانِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْمَال، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لاَ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ وَلاَ التَّصَرُّفَ كَالْغَاصِبِ وَالْفُضُولِيِّ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُودَعِ وَالْمُلْتَقِطِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ. حُكْمُ الإِْنْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ وَالتَّصَرُّفِ: مَشْرُوعِيَّتُهُ: ١١ - إِنْمَاءُ الْمَال الَّذِي يَمْلِكُهُ الإِْنْسَانُ وَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ جَائِزٌ مَشْرُوعٌ، وَالدَّلِيل عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَل الْبَيْعَ وَالتِّجَارَةَ حَتَّى

стр. 4065

فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، وَذَلِكَ الْعَمَل وَسِيلَةٌ لِلإِْنْمَاءِ كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ (١) . يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) ، وَيَقُول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وَيَقُول: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَْرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْل اللَّهِ﴾ (٤) أَيْ يُسَافِرُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَيَقُول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥) يَعْنِي فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ (٦) . كَمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ. دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ (٧) وَكَذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَْمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ (٨) . وَيَقُول: الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ
следующие страницы →