Полный текст (31 949 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّثْمِيرُ وَالاِسْتِثْمَارُ:
٢ - التَّثْمِيرُ وَالاِسْتِثْمَارُ كَالإِْنْمَاءِ أَيْضًا، يُقَال: ثَمَّرَ مَالَهُ إِذَا نَمَّاهُ (١) .
ب - التِّجَارَةُ:
٣ - التِّجَارَةُ تَقْلِيبُ الْمَال بِالْمُعَاوَضَةِ لِغَرَضِ الرِّبْحِ. فَهِيَ بِذَلِكَ مِنَ الأَْعْمَال الَّتِي يَطْلُبُ بِهَا زِيَادَةَ الْمَال وَتُعْتَبَرُ وَسِيلَةً مِنْ وَسَائِل تَنْمِيَتِهِ (٢) .
ج - الاِكْتِسَابُ:
٤ - الاِكْتِسَابُ هُوَ طَلَبُ الرِّزْقِ. وَأَصْل الْكَسْبِ السَّعْيُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَالْمَعِيشَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: أَطْيَبُ مَا أَكَل الرَّجُل مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ (٣) .
فَالاِكْتِسَابُ هُوَ طَلَبُ الْمَال، سَوَاءٌ أَكَانَ بِتَنْمِيَةِ مَالٍ مَوْجُودٍ، أَمْ بِالْعَمَل بِغَيْرِ مَالٍ، كَمَنْ يَعْمَل بِأُجْرَةٍ.
أَمَّا الإِْنْمَاءُ فَهُوَ الْعَمَل عَلَى زِيَادَةِ الْمَال، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الاِكْتِسَابُ أَعَمَّ مِنَ الإِْنْمَاءِ (٤) .
د - الزِّيَادَةُ:
٥ - الإِْنْمَاءُ هُوَ فِعْل مَا يَزِيدُ بِهِ الشَّيْءُ، كَمَا سَبَقَ، أَمَّا стр. 4062
الزِّيَادَةُ فَهِيَ الشَّيْءُ الزَّائِدُ أَوِ الْمَزِيدُ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِي الْفُرُوقِ فِي اللُّغَةِ: الْفِعْل نَمَا يُفِيدُ زِيَادَةً مِنْ نَفْسِهِ، وَزَادَ لاَ يُفِيدُ ذَلِكَ. يُقَال: زَادَ مَال فُلاَنٍ بِمَا وَرِثَهُ عَنْ وَالِدِهِ وَلاَ يُقَال ذَلِكَ فِي نَمَا. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الإِْنْمَاءَ هُوَ الْعَمَل عَلَى أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ نَابِعَةً مِنْ نَفْسِ الشَّيْءِ وَلَيْسَتْ مِنْ خَارِجٍ، أَمَّا الزِّيَادَةُ فَقَدْ تَكُونُ مِنْ خَارِجٍ فَهِيَ أَعَمُّ.
وَيُقَسِّمُ الْفُقَهَاءُ الزِّيَادَةَ إِلَى مُتَّصِلَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ، وَيُقَسِّمُونَ كُلًّا مِنْهُمَا إِلَى مُتَوَلِّدَةٍ وَغَيْرِ مُتَوَلِّدَةٍ، فَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ كَالسِّمَنِ وَالْجَمَال، وَغَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ كَالصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ، وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرِ، وَغَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ كَالأُْجْرَةِ (١) .
هـ - الْكَنْزُ:
٦ - الْكَنْزُ مَصْدَرُ كَنَزَ، وَهُوَ أَيْضًا اسْمٌ لِلْمَال إِذَا أُحْرِزَ فِي وِعَاءٍ. وَقِيل: الْكَنْزُ الْمَال الْمَدْفُونُ، وَتُسَمِّي الْعَرَبُ كُل كَثِيرٍ مَجْمُوعٍ يُتَنَافَسُ فِيهِ كَنْزًا، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَال الْمَخْزُونِ وَالْمَصُونِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) وَفِي الْحَدِيثِ: كُل مَالٍ لاَ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ (٣) . فَالْكَنْزُ ضِدُّ الإِْنْمَاءِ. стр. 4063
و - تَعْطِيلٌ:
٧ - التَّعْطِيل التَّفْرِيغُ، وَالْمُعَطَّل الْمَوَاتُ مِنَ الأَْرْضِ، وَإِبِلٌ مُعَطَّلَةٌ لاَ رَاعِيَ لَهَا، وَعَطَّل الدَّارَ أَخْلاَهَا، وَتَعَطَّل الرَّجُل إِذَا بَقِيَ لاَ عَمَل لَهُ، وَيَقُول الْفُقَهَاءُ: مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا وَتَرَكَ عِمَارَتَهَا، قِيل لَهُ: إِمَّا أَنْ تُعَمِّرَ وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَكَ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ تَعْطِيلُهَا فَمَنْ عَمَّرَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا (١) ، لِقَوْل عُمَرَ ﵁: مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا فَعَطَّلَهَا ثَلاَثَ سِنِينَ فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا (٢) .
فَالتَّعْطِيل أَيْضًا ضِدُّ الإِْنْمَاءِ.
ز - الْقِنْيَةُ:
٨ - الْقِنْيَةُ (بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا) الْكَسَبَةُ، وَاقْتَنَيْتُهُ: كَسَبْتُهُ، وَيُقَال: اقْتَنَيْتُهُ أَيِ اتَّخَذْتُهُ لِنَفْسِي قِنْيَةً لاَ لِلتِّجَارَةِ، وَالْقِنْيَةُ الإِْمْسَاكُ، وَفِي الزَّاهِرِ: الْقِنْيَةُ: الْمَال الَّذِي يُؤَثِّلُهُ الرَّجُل وَيَلْزَمُهُ، وَلاَ يَبِيعُهُ لِيَسْتَغِلَّهُ. وَالْفُقَهَاءُ يُفَرِّقُونَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ بَيْنَ مَا يُتَّخَذُ لِلْقِنْيَةِ أَيْ لِلْمِلْكِ وَمَا يُتَّخَذُ لِلتِّجَارَةِ (٣) . فَالْقِنْيَةُ أَيْضًا تَعْطِيلٌ لِلْمَال عَنِ الإِْنْمَاءِ.
ح - ادِّخَارٌ:
٩ - الاِدِّخَارُ: إِعْدَادُ الشَّيْءِ وَإِمْسَاكُهُ لاِسْتِعْمَالِهِ стр. 4064
لِوَقْتِ الْحَاجَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَْضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ (١) . فَالْمَال فِي حَال الاِدِّخَارِ مُعَطَّلٌ عَنِ الإِْنْمَاءِ.
(أَوَّلاً)
الإِْنْمَاءُ (بِمَعْنَى زِيَادَةِ الْمَال)
حُكْمُ إِنْمَاءِ الْمَال:
تَمْهِيدٌ:
١٠ - الإِْنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَال: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ (الْعَيْنِ) وَلِلتَّصَرُّفِ فِيهَا، كَالشَّيْءِ الَّذِي يَتَمَلَّكُهُ الإِْنْسَانُ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِرْثٍ وَيَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ وَأَهْلاً لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ فَقَطْ دُونَ التَّصَرُّفِ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فَقَطْ دُونَ الرَّقَبَةِ كَالْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيل وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْقَاضِي وَالسُّلْطَانِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْمَال، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لاَ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ وَلاَ التَّصَرُّفَ كَالْغَاصِبِ وَالْفُضُولِيِّ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُودَعِ وَالْمُلْتَقِطِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ.
حُكْمُ الإِْنْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ وَالتَّصَرُّفِ:
مَشْرُوعِيَّتُهُ:
١١ - إِنْمَاءُ الْمَال الَّذِي يَمْلِكُهُ الإِْنْسَانُ وَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ جَائِزٌ مَشْرُوعٌ، وَالدَّلِيل عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَل الْبَيْعَ وَالتِّجَارَةَ حَتَّى стр. 4065
فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، وَذَلِكَ الْعَمَل وَسِيلَةٌ لِلإِْنْمَاءِ كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ (١) .
يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) ، وَيَقُول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وَيَقُول: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَْرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْل اللَّهِ﴾ (٤) أَيْ يُسَافِرُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَيَقُول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥) يَعْنِي فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ (٦) .
كَمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ. دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ (٧) وَكَذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَْمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ (٨) . وَيَقُول: الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ стр. 4066
مَحْرُومٌ أَوْ مَلْعُونٌ (١) ، وَيَقُول: لاَ يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلاَ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُل مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلاَ دَابَّةٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ (٢) . وَيَقُول: نِعْمَ الْمَال الصَّالِحُ لِلرَّجُل الصَّالِحِ (٣) .
وَلِتَحْصِيل هَذَا الْغَرَضِ (وَهُوَ الإِْنْمَاءُ) أَبَاحَتِ الشَّرِيعَةُ أَنْوَاعًا مِنَ الْعُقُودِ كَالشَّرِكَاتِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ دَفَعُوا مَال الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً، كَذَلِكَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَ بِالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَأَقَرَّهُمْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ (٤) .
حِكْمَةُ الْمَشْرُوعِيَّةِ:
١٢ - شُرِعَ لِلإِْنْسَانِ تَنْمِيَةُ مَالِهِ حِفَاظًا عَلَى الْمَال стр. 4067
لِمَصْلَحَتِهِ وَمَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ، وَالْحِفَاظُ عَلَى الْمَال مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ مِنْهُ السُّفَهَاءَ حَتَّى لاَ يُضَيِّعُوهُ. وَمِنْ وَسَائِل حِفْظِهِ تَنْمِيَتُهُ بِتِجَارَةٍ أَوْ زِرَاعَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ يَقُول الْفُقَهَاءُ فِي الْحِكْمَةِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الشَّرِكَةِ: الشَّرِكَةُ وُضِعَتْ لاِسْتِنْمَاءِ الْمَال بِالتِّجَارَةِ لأَِنَّ غَالِبَ نَمَاءِ الْمَال بِالتِّجَارَةِ، وَالنَّاسُ فِي الاِهْتِدَاءِ إِلَى التِّجَارَةِ مُخْتَلِفُونَ بَعْضُهُمْ أَهْدَى مِنْ بَعْضٍ، فَشُرِعَتِ الشَّرِكَةُ لِتَحْصِيل غَرَضِ الاِسْتِنْمَاءِ، وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَى اسْتِنْمَاءِ الْمَال مُتَحَقِّقَةٌ، فَشُرِعَتْ هَذِهِ الْعُقُودُ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ.
وَفِي الْقِرَاضِ يَقُول الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ لاِحْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَتَنْمِيَتِهَا بِالتَّجْرِ فِيهَا، فَهُوَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَلَيْسَ كُل أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَيَضْطَرُّ إِلَى الاِسْتِنَابَةِ عَلَيْهِ (١) .
إِنْمَاءُ الْمَال بِحَسَبِ نِيَّةِ الشَّخْصِ:
١٣ - الإِْنْمَاءُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الاِكْتِسَابِ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِحَسَبِ الْغَرَضِ مِنْهُ.
فَيُفْرَضُ إِنْ كَانَ لِتَحْصِيل الْمَال بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ،
وَيُسْتَحَبُّ الزَّائِدُ عَلَى الْحَاجَةِ إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ مُوَاسَاةَ الْفَقِيرِ وَنَفْعَ الْقَرِيبِ وَهُوَ حِينَئِذٍ أَفْضَل مِنَ التَّفَرُّغِ لِنَفْل الْعِبَادَةِ. стр. 4068
وَيُبَاحُ الزَّائِدُ إِذَا كَانَ بِغَرَضِ التَّجَمُّل وَالتَّنَعُّمِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ . نِعْمَ الْمَال الصَّالِحُ لِلرَّجُل الصَّالِحِ (١) .
وَيُكْرَهُ (أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ) الزَّائِدُ إِذَا كَانَ لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّكَاثُرِ وَالْبَطَرِ وَالأَْشَرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ حِلٍّ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ طَلَبَهَا حَلاَلاً مُكَاثِرًا لَهَا مُفَاخِرًا. لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ (٢) .
حُكْمُ الإِْنْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ دُونَ الرَّقَبَةِ
١٤ - مَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَال دُونَ الرَّقَبَةِ كَالْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْوَكِيل وَالْقَاضِي وَالسُّلْطَانِ. هَؤُلاَءِ يَتَصَرَّفُونَ فِيمَا يَلُونَهُ مِنْ أَمْوَال الْيَتَامَى وَالْقُصَّرِ وَأَمْوَال الْوَقْفِ وَالْمُوَكِّل وَبَيْتِ الْمَال بِإِذْنٍ شَرْعِيٍّ، وَهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى هَذِهِ الأَْمْوَال، وَنَظَرُهُمْ فِيهَا يَكُونُ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ لأَِرْبَابِهَا، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لَهُمْ إِنْمَاءُ هَذِهِ الأَْمْوَال لأَِنَّهُ أَوْفَرُ حَظًّا.
يَقُول الْفُقَهَاءُ: الْوَكِيل وَالْوَصِيُّ وَالْوَلِيُّ وَالْقَاضِي وَالسُّلْطَانُ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْمَال يَتَصَرَّفُونَ بِإِذْنٍ شَرْعِيٍّ.
وَلِلْوَصِيِّ دَفْعُ الْمَال إِلَى مَنْ يَعْمَل فِيهِ مُضَارَبَةً نِيَابَةً عَنِ الْيَتِيمِ، وَلِلْقَاضِي - حَيْثُ لاَ وَصِيَّ - стр. 4069
إِعْطَاءُ مَال الْوَقْفِ وَالْغَائِبِ وَاللُّقَطَةِ وَالْيَتِيمِ مُضَارَبَةً.
وَلِنَاظِرِ الْوَقْفِ تَنْمِيَتُهُ بِإِيجَارٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَلِلإِْمَامِ النَّظَرُ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْمَال بِالتَّثْمِيرِ وَالإِْصْلاَحِ، وَقَدِ اسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِ هَؤُلاَءِ الْمَذْكُورِينَ بِالإِْنْمَاءِ فِيمَا يَلُونَهُ مِنْ أَمْوَالٍ بِالآْتِي:
أ - مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ بِمَالِهِ وَلاَ يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ (١) .
ب - مَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ دَفَعُوا مَال الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً، مِنْهُمْ: عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵃.
ج - مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : دَفَعَ إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ (٢) .
د - اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الإِْمَامَ لَهُ النَّظَرُ فِي أَمْوَال بَيْتِ الْمَال بِالتَّثْمِيرِ وَالإِْصْلاَحِ، بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ ابْنَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخَذَا مِنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ - وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ - مَالاً مِنْ بَيْتِ الْمَال لِيَبْتَاعَا وَيَرْبَحَا، ثُمَّ يُؤَدِّيَا رَأْسَ الْمَال إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَبَى عُمَرُ، وَجَعَل الْمَال стр. 4070
قِرَاضًا، وَأَخَذَ نِصْفَ الرِّبْحِ لِبَيْتِ الْمَال وَتَرَكَ لَهُمَا النِّصْفَ (١) .
هـ - كَمَا وَرَدَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يُرْسِل إِبِل الصَّدَقَةِ إِذَا كَانَتْ عِجَافًا إِلَى الرَّبَذَةِ وَمَا وَالاَهَا تَرْعَى هُنَاكَ (٢) .
حُكْمُ الإِْنْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ دُونَ التَّصَرُّفِ
مَنْ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ وَلاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ كَالسَّفِيهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا هُوَ لِلْحِفَاظِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَل اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٣) ، فَأَضَافَ الأَْمْوَال إِلَى الأَْوْلِيَاءِ؛ لأَِنَّهُمْ مُدَبِّرُوهَا، كَذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاخْتِبَارِ الْيَتَامَى وَعَدَمِ دَفْعِ الأَْمْوَال إِلَيْهِمْ إِلاَّ عِنْدَ إِينَاسِ الرُّشْدِ مِنْهُمْ. يَقُول تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٤) ، يَقُول ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أَيْ صَلاَحًا فِي стр. 4071
أَمْوَالِهِمْ. فَالْمَنْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ نَظَرٌ لَهُمْ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ تَبْذِيرُ الْمَال بِمَا يَعْقِدُونَهُ مِنْ بِيَاعَاتٍ. لَكِنْ إِذَا أَذِنَ الْوَلِيُّ لِلصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ جَازَ تَصَرُّفُهُ بِالإِْذْنِ، أَمَّا الصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونُ فَلاَ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا وَلَوْ بِالإِْذْنِ (١) .
حُكْمُ الإِْنْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ:
١٥ - مَنْ لاَ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ وَلاَ التَّصَرُّفَ، وَلَهُ يَدٌ عَلَى الْمَال، سَوَاءٌ أَكَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَالْمُودَعِ، أَوْ كَانَتْ يَدًا مُعْتَدِيَةً كَيَدِ الْغَاصِبِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الإِْنْمَاءُ، إِذِ الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَصَرُّفُ أَحَدٍ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ. وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل (غَصْبٌ. وَدِيعَةٌ) .
وَسَائِل الإِْنْمَاءِ - مَا يَجُوزُ مِنْهَا وَمَا لاَ يَجُوزُ:
١٦ - تَقَدَّمَ أَنَّ الأَْصْل فِي إِنْمَاءِ الْمَال أَنَّهُ مَشْرُوعٌ، إِلاَّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى الْوَسَائِل الْمَشْرُوعَةِ، كَالتِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْقَوَاعِدِ وَالشَّرَائِطِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْفُقَهَاءُ لِلتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَكُونُ سَبِيلاً إِلَى الإِْنْمَاءِ، كَالْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْوَكَالَةِ، وَذَلِكَ لِضَمَانِ صِحَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ، وَلِيَخْلُصَ الرِّبْحُ مِنْ شُبْهَةِ الْحَرَامِ (ر: بَيْعٌ - شَرِكَةٌ - مُضَارَبَةٌ. . . إِلَخْ) . стр. 4072
وَلِذَلِكَ يَحْرُمُ تَنْمِيَةُ الْمَال عَنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ كَالرِّبَا وَالْقِمَارِ وَالتِّجَارَةِ بِالْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخَمْرِ: لَعَنَ اللَّهُ شَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا. . . (٣) الْحَدِيثَ. وَقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (٤) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّمَاءِ مِنْ أَحْكَامٍ:
١٧ - الْمَال سَوَاءٌ أَكَانَ فِي يَدِ مَالِكِهِ أَوْ يَدِ الْمُتَصَرِّفِ فِيهِ. أَمْ كَانَ أَمَانَةً أَوْ غَصْبًا، إِذَا نَمَا، سَوَاءٌ أَكَانَ نَمَاؤُهُ طَبِيعِيًّا أَوْ نَاتِجًا بِعَمَلٍ، فَلِنَمَائِهِ أَحْكَامٌ، تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهَا. وَلِمَعْرِفَةِ تَفَاصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (زِيَادَةٌ) (٥) . стр. 4073
(ثَانِيًا)
الإِْنْمَاءُ (بِمَعْنَى تَغَيُّبِ الصَّيْدِ بَعْدَ رَمْيِهِ)
١٨ - التَّعْبِيرُ بِالإِْنْمَاءِ بِمَعْنَى رَمْيِ الصَّيْدِ حَتَّى غَابَ عَنِ الْعَيْنِ بَعْدَ رَمْيِهِ، وَرَدَ مَنْسُوبًا لاِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْفُقَهَاءَ لاَ يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا اللَّفْظَ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْمَسْأَلَةَ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى رَأْيِهِمْ بِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ، جَاءَ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ: إِذَا رَمَى الصَّيْدَ وَتَوَارَى عَنْ عَيْنِهِ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ لَمْ يُؤْكَل، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَوَارَ أَوْ تَوَارَى لَكِنَّهُ لَمْ يَقْعُدْ عَنِ الطَّلَبِ حَتَّى وَجَدَهُ يُؤْكَل اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يُؤْكَل، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِل عَنْ ذَلِكَ فَقَال: كُل مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ (١) .
قَال أَبُو يُوسُفَ ﵀: الإِْصْمَاءُ مَا عَايَنَهُ، وَالإِْنْمَاءُ مَا تَوَارَى عَنْهُ. وَقَال هِشَامٌ: الإِْنْمَاءُ مَا تَوَارَى عَنْ بَصَرِك، إِلاَّ أَنَّهُ أُقِيمَ الطَّلَبُ مَقَامَ الْبَصَرِ لِلضَّرُورَةِ، وَلاَ ضَرُورَةَ عِنْدَ عَدَمِ الطَّلَبِ (٢) .
وَفِي الْمُغْنِي لاِبْنِ قُدَامَةَ: إِذَا رَمَى الصَّيْدَ فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَسَهْمُهُ فِيهِ وَلاَ أَثَرَ بِهِ غَيْرَهُ حَل أَكْلُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَل كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَمَعَهُ كَلْبُهُ حَل، وَعَنْ أَحْمَدَ إِنْ غَابَ نَهَارًا فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ غَابَ لَيْلاً لَمْ يَأْكُلْهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ إِنْ غَابَ مُدَّةً طَوِيلَةً لَمْ يُبَحْ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً أُبِيحَ؛ لأَِنَّهُ قِيل لَهُ: إِنْ غَابَ يَوْمًا؟ قَال: يَوْمٌ كَثِيرٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا رَمَيْتَ فَأَقْعَصْتَ فَكُل، стр. 4074
وَإِنْ رَمَيْتَ فَوَجَدْتَ فِيهِ سَهْمَكَ مِنْ يَوْمِكَ أَوْ لَيْلَتِكَ فَكُل، وَإِنْ بَاتَ عَنْكَ لَيْلَةً فَلاَ تَأْكُل، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا حَدَثَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ (١)
. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلاَنِ لأَِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَال: كُل مَا أَصْمَيْتَ، وَمَا أَنْمَيْتَ فَلاَ تَأْكُل.
قَال الْحَكَمُ: الإِْصْمَاءُ الإِْقْعَاصُ، يَعْنِي أَنَّهُ يَمُوتُ فِي الْحَال، وَالإِْنْمَاءُ أَنْ يَغِيبَ عَنْكَ يَعْنِي أَنَّهُ لاَ يَمُوتُ فِي الْحَال (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي (صَيْدٌ) .
أُنْمُوذَجٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - لِلأُْنْمُوذَجِ مَعَانٍ مِنْهَا: أَنَّهُ مَا يَدُل عَلَى صِفَةِ الشَّيْءِ، كَأَنْ يُرِيَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا صَاعًا مِنْ صُبْرَةِ قَمْحٍ مَثَلاً، وَيَبِيعَهُ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الصَّاعِ. وَيُقَال لَهُ أَيْضًا نَمُوذَجٌ. قَال الصَّغَائِيُّ:
النَّمُوذَجُ: مِثَال الشَّيْءِ الَّذِي يُعْمَل عَلَيْهِ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ (٣) . стр. 4075
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَرْنَامَجُ:
٢ - الْبَرْنَامَجُ: هُوَ الْوَرَقَةُ الْجَامِعَةُ لِلْحِسَابِ وَهُوَ مُعَرَّبُ " برنامه " (١) .
وَفِي الْمُغْرِبِ: هِيَ النُّسْخَةُ الْمَكْتُوبُ فِيهَا عَدَدُ الثِّيَابِ وَالأَْمْتِعَةِ وَأَنْوَاعِهَا الْمَبْعُوثِ بِهَا مِنْ إِنْسَانٍ لآِخَرَ. فَالْبَرْنَامَجُ هِيَ تِلْكَ النُّسْخَةُ الَّتِي فِيهَا مِقْدَارُ الْمَبْعُوثِ، وَمِنْهُ قَوْل السِّمْسَارِ: إِنَّ وَزْنَ الْحُمُولَةِ فِي الْبَرْنَامَجِ كَذَا (٢) .
وَنَصَّ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْبَرْنَامَجَ: هُوَ الدَّفْتَرُ الْمَكْتُوبُ فِيهِ صِفَةُ مَا فِي الْوِعَاءِ مِنَ الثِّيَابِ الْمَبِيعَةِ (٣) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (بَرْنَامَجٌ) .
ب - الرَّقْمُ:
٣ - الرَّقْمُ: مِنْ رَقَّمْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَعْلَمْتُهُ بِعَلاَمَةٍ تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ كَالْكِتَابَةِ وَنَحْوِهَا (٤) . وَفَسَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلِهِمُ الْبَيْعُ بِالرَّقْمِ بِأَنَّهُ عَلاَمَةٌ يُعْرَفُ بِهَا مِقْدَارُ مَا يَقَعُ بِهِ الْبَيْعُ (٥) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهُ الثَّمَنُ الْمَكْتُوبُ عَلَى الثَّوْبِ (٦) ، وَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ: (الْبَيْعُ بِالرَّقْمِ) . стр. 4076
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - أَوْرَدَ الْحَنَفِيَّةُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول. وَأَنَّهُ لاَ بُدَّ لِلْعَاقِدَيْنِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ مَعْرِفَةً نَافِيَةً لِلْجَهَالَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْمُنَازَعَةِ. فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ حَاضِرًا اكْتُفِيَ بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلتَّعْرِيفِ قَاطِعَةٌ لِلْمُنَازَعَةِ. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالأُْنْمُوذَجِ كَالْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ فَرُؤْيَةُ الأُْنْمُوذَجِ كَرُؤْيَةِ الْجَمِيعِ إِلاَّ أَنْ يَخْتَلِفَ فَيَكُونَ لَهُ خِيَارُ الْعَيْبِ، أَوْ خِيَارُ فَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يُعْرَفُ بِالأُْنْمُوذَجِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ فَيَذْكُرُ لَهُ جَمِيعَ الأَْوْصَافِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ وَيَكُونُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
كَمَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ كَذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَصِفَتِهِ إِذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الثَّمَنَ فَهُوَ عَلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَامَلُوا بِهَا انْصَرَفَ إِلَى الْمُعْتَادِ عِنْدَهُمْ. وَيَكْفِي أَنْ يَرَى الْمُشْتَرِي مِنَ الْمَبِيعِ مَا يَدُل عَلَى الْعِلْمِ؛ لأَِنَّ رُؤْيَةَ جَمِيعِ الْمَبِيعِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ لِتَعَذُّرِهَا كَوَجْهِ صُبْرَةٍ لاَ تَتَفَاوَتُ آحَادُهَا (١) . فَمَتَى كَانَ الأُْنْمُوذَجُ قَدْ دَل عَلَى مَا فِي الصُّبْرَةِ مِنْ مَبِيعٍ دَلاَلَةً نَافِيَةً لِلْجَهَالَةِ، وَكَانَ مِمَّا لاَ تَتَفَاوَتُ آحَادُهُ، وَكَانَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، كَانَ الْبَيْعُ بِهِ صَحِيحًا وَبِغَيْرِهِ لاَ.
هَذَا مَا عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، فَقَدْ شَرَطُوا فِيمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ: مَعْرِفَةُ الْعَاقِدَيْنِ بِالْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ مَعْرِفَةً نَافِيَةً لِلْجَهَالَةِ، وَأَنَّ رُؤْيَةَ بَعْضِ الْمَبِيعِ تَكْفِي إِنْ دَلَّتْ عَلَى الْبَاقِي فِيمَا لاَ يَخْتَلِفُ أَجْزَاؤُهُ اخْتِلاَفًا بَيِّنًا.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأُْنْمُوذَجِ الْمُتَمَاثِل الْمُتَسَاوِي стр. 4077
الأَْجْزَاءَ كَالْحُبُوبِ: إِنَّ رُؤْيَتَهُ تَكْفِي عَنْ رُؤْيَةِ بَاقِي الْمَبِيعِ، وَالْبَيْعُ بِهِ جَائِزٌ. وَإِذَا أَحْضَرَ الْبَائِعُ الأُْنْمُوذَجَ وَقَال: بِعْتُكَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ مَالاً لِيَكُونَ بَيْعًا، وَلَمْ يُرَاعِ شَرْطَ السَّلَمِ، وَلاَ يَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ الْوَصْفِ فِي السَّلَمِ؛ لأَِنَّ الْوَصْفَ بِاللَّفْظِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ النِّزَاعِ، فَإِنْ عَيَّنَ الثَّمَنَ وَبَيَّنَهُ جَازَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْبَيْعَ بِالأُْنْمُوذَجِ لاَ يَصِحُّ إِذَا لَمْ يَرَ الْمَبِيعَ وَقْتَ الْعَقْدِ، أَمَّا إِذَا رُئِيَ فِي وَقْتِهِ وَكَانَ عَلَى مِثَالِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ (١) .
إِنْهَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْنْهَاءُ فِي اللُّغَةِ: يَكُونُ بِمَعْنَى الإِْعْلاَمِ، وَالإِْبْلاَغِ، يُقَال أَنْهَيْتُ الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ أَيْ أَعْلَمْتُهُ بِهِ. وَيَكُونُ بِمَعْنَى الإِْتْمَامِ وَالإِْنْجَازِ. يُقَال: أَنْهَى الْعَمَل إِذَا أَنْجَزَهُ (٢) .
وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِمَعْنَى إِبْلاَغِ الْقَاضِي قَاضِيًا آخَرَ بِحُكْمِهِ لِيُنَفِّذَهُ، أَوْ بِمَا حَصَل عِنْدَهُ مِمَّا هُوَ دُونَ الْحُكْمِ، كَسَمَاعِ الدَّعْوَى لِقَاضٍ آخَرَ لِيُتَمِّمَهُ. وَيَكُونَ إِمَّا مُشَافَهَةً أَوْ بِكِتَابٍ أَوْ стр. 4078
بِشَاهِدَيْنِ (١) . وَيَرْجِعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى (دَعْوَى. قَضَاءٍ) .
وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ، وَيُرْجَعُ إِلَى بَحْثِ (إِتْمَامٍ) .
أُنُوثَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأُْنُوثَةُ خِلاَفُ الذُّكُورَةِ، وَالأُْنْثَى - كَمَا جَاءَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ - خِلاَفُ الذَّكَرِ، قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٢) ، وَتُجْمَعُ عَلَى إِنَاثٍ وَأَنَاثَى، وَامْرَأَةٌ أُنْثَى. أَيْ كَامِلَةٌ فِي أُنُوثَتِهَا.
وَالأُْنْثَيَانِ: الْخُصْيَتَانِ (٣) . (ر: خِصَاءٌ) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.
هَذَا، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ لِلأُْنُوثَةِ عَلاَمَاتٍ وَأَمَارَاتٍ تُمَيِّزُهَا عَنِ الذُّكُورَةِ فَضْلاً عَنْ أَعْضَاءِ الأُْنُوثَةِ، وَتِلْكَ الأَْمَارَاتُ إِمَّا حِسِّيَّةٌ كَالْحَيْضِ، وَإِمَّا مَعْنَوِيَّةٌ كَالطِّبَاعِ.
وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (خُنْثَى) . стр. 4079
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْخُنُوثَةُ:
٢ - الْخُنُوثَةُ حَالَةٌ بَيْنَ الذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ. وَتَذْكُرُ كُتُبُ اللُّغَةِ أَنَّ الْخُنْثَى مَنْ لَهُ مَا لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا (١) .
وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، فَقَدْ قَال النَّوَوِيُّ: الْخُنْثَى ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ لَهُ فَرْجُ الْمَرْأَةِ وَذَكَرُ الرِّجَال، وَضَرْبٌ لَيْسَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (خُنْثَى) .
أَحْكَامُ الأُْنُوثَةِ
أُنْثَى الآْدَمِيِّ:
أَوَّلاً: تَكْرِيمُ الإِْسْلاَمِ لِلأُْنْثَى:
يَتَمَثَّل تَكْرِيمُ الإِْسْلاَمِ لِلأُْنْثَى فِيمَا يَأْتِي:
حُسْنُ اسْتِقْبَالِهَا عِنْدَ وِلاَدَتِهَا:
٣ - كَانَ اسْتِقْبَال الأُْنْثَى فِي الْعَرَبِ قَبْل الإِْسْلاَمِ اسْتِقْبَالاً سَيِّئًا، يَتَبَرَّمُونَ بِهَا، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُهُمْ، وَيَتَوَارَوْنَ عَنِ الأَْعْيُنِ، إِذْ هِيَ فِي نَظَرِهِمْ مَجْلَبَةٌ لِلْفَقْرِ أَوْ لِلْعَارِ، فَكَانُوا يَئِدُونَهَا حَيَّةً، وَيَسْتَكْثِرُ الرَّجُل عَلَيْهَا النَّفَقَةَ الَّتِي لاَ يَسْتَكْثِرُهَا عَلَى عَبْدِهِ أَوْ حَيَوَانِهِ (٣) ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وَذَمَّ هَذَا الْفِعْل الشَّنِيعَ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ بَاءَ بِالْخُسْرَانِ الْمُبِينِ، ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤) . стр. 4080
وَنَبَّهَ الإِْسْلاَمُ إِلَى أَنَّ حَقَّ الْوُجُودِ وَحَقَّ الْحَيَاةِ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لِكُل إِنْسَانٍ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (١) .
قَال ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (٢) : قَدَّمَ اللَّهُ مَا كَانَتْ تُؤَخِّرُهُ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ أَمْرِ الْبَنَاتِ حَتَّى كَانُوا يَئِدُونَهُنَّ، أَيْ هَذَا النَّوْعَ الْمُؤَخَّرَ الْحَقِيرَ عِنْدَكُمْ مُقَدَّمٌ عِنْدِي فِي الذِّكْرِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ التَّسَخُّطَ بِالإِْنَاثِ مِنْ أَخْلاَقِ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُْنْثَى ظَل وَجْهُهُ مُسَوَّدًا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣) .
وَقَال قَتَادَةَ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِخُبْثِ صَنِيعِهِمْ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، وَقَضَاءُ اللَّهِ لَهُ خَيْرٌ مِنْ قَضَاءِ الْمَرْءِ نَفْسِهِ، وَلَعَمْرِي مَا يَدْرِي أَنَّهُ خَيْرٌ؛ لَرُبَّ جَارِيَةٍ خَيْرٌ لأَِهْلِهَا مِنْ غُلاَمٍ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَكُمُ اللَّهُ بِصَنِيعِهِمْ لِتَجْتَنِبُوهُ وَتَنْتَهُوا عَنْهُ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَغْذُو كَلْبَهُ وَيَئِدُ ابْنَتَهُ (٤) .
وَالإِْسْلاَمُ لاَ يَكْتَفِي مِنَ الْمُسْلِمِ بِأَنْ يَجْتَنِبَ وَأْدَ الْبَنَاتِ، بَل يَرْتَقِي بِالْمُسْلِمِ إِلَى دَرَجَةِ الإِْنْسَانِيَّةِ الْمُثْلَى، فَيَأْبَى عَلَيْهِ أَنْ يَتَبَرَّمَ بِذُرِّيَّةِ الْبَنَاتِ، وَيَتَلَقَّى وِلاَدَتَهُنَّ بِالْعَبُوسِ وَالاِنْقِبَاضِ، بَل يَتَقَبَّلُهَا بِالرِّضَى وَالْحَمْدِ، قَال صَالِحُ بْنُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: كَانَ أَحْمَدُ إِذَا стр. 4081
وُلِدَ لَهُ ابْنَةٌ يَقُول: الأَْنْبِيَاءُ كَانُوا آبَاءَ بَنَاتٍ، وَيَقُول: قَدْ جَاءَ فِي الْبَنَاتِ مَا عَلِمْتَ (١) .
الْعَقُّ عَنْهَا:
٤ - الْعَقِيقَةُ عَنِ الْمَوْلُودِ سُنَّةٌ، وَيَسْتَوِي فِي السُّنَّةِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى، فَكَمَا يَعُقُّ الْوَلِيُّ عَنِ الذَّكَرِ يَوْمَ السَّابِعِ يَعُقُّ عَنِ الأُْنْثَى أَيْضًا (٢) ، وَلَكِنْ يَعُقُّ عَنِ الأُْنْثَى شَاةٌ، وَعَنِ الذَّكَرِ شَاتَانِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ فِي (عَقِيقَةٍ) .
تَسْمِيَتُهَا بِاسْمٍ حَسَنٍ:
٥ - مِنَ السُّنَّةِ تَسْمِيَةُ الْمَوْلُودِ بِاسْمٍ حَسَنٍ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى، وَكَمَا كَانَ النَّبِيُّ يُغَيِّرُ أَسْمَاءَ الذُّكُورِ مِنَ الْقَبِيحِ إِلَى الْحَسَنِ، فَإِنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ يُغَيِّرُ أَسْمَاءَ الإِْنَاثِ مِنَ الْقَبِيحِ إِلَى الْحَسَنِ (٣) ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ ابْنَةً لِعُمَرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يُقَال لَهَا عَاصِيَةٌ فَسَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ جَمِيلَةٌ (٤) .
وَالْكُنْيَةُ مِنَ الأُْمُورِ الْمَحْمُودَةِ، يَقُول النَّوَوِيُّ: مِنَ الأَْدَبِ أَنْ يُخَاطَبَ أَهْل الْفَضْل وَمَنْ قَارَبَهُمْ بِالْكُنْيَةِ، وَقَدْ كُنِّيَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي الْقَاسِمِ، بِابْنِهِ الْقَاسِمِ. وَالْكُنْيَةُ كَمَا تَكُونُ لِلذَّكَرِ تَكُونُ لِلأُْنْثَى. قَال стр. 4082
النَّوَوِيُّ: رَوَيْنَا بِالأَْسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ كُل صَوَاحِبِي لَهُنَّ كُنًى، قَال: فَاكْتَنِّي بِابْنِكِ عَبْدِ اللَّهِ قَال الرَّاوِي. يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُكَنَّى أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ (١) .
لَهَا نَصِيبٌ فِي الْمِيرَاثِ:
٦ - جَعَل اللَّهُ لِلأُْنْثَى نَصِيبًا فِي الْمِيرَاثِ كَمَا لِلذَّكَرِ نَصِيبٌ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يُوَرِّثُونَ الإِْنَاثَ. قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ الْمَال لِلرِّجَال الْكِبَارِ وَلاَ يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلاَ الأَْطْفَال شَيْئًا، فَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَال نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ مِمَّا قَل مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٢) أَيِ الْجَمِيعُ فِيهِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَوُونَ فِي أَصْل الْوِرَاثَةِ وَإِنْ تَفَاوَتُوا بِحَسَبِ مَا فَرَضَ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ (٣) .
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: سَبَبُ نُزُول هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإِْنَاثِ، فَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَال: نَزَل стр. 4083
قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَال نَصِيبٌ﴾ . الآْيَةَ فِي أُمِّ كَجَّةَ وَبَنَاتِهَا وَثَعْلَبَةَ وَأَوْسِ بْنِ سُوَيْدٌ (١) وَهُمْ مِنَ الأَْنْصَارِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا زَوْجَهَا وَالآْخَرُ عَمَّ وَلَدِهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ تُوُفِّيَ زَوْجِي وَتَرَكَنِي وَابْنَتَهُ وَلَمْ نُوَرَّثْ، فَقَال عَمُّ وَلَدِهَا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَلَدُهَا لاَ يَرْكَبُ فَرَسًا وَلاَ يَحْمِل كَلًّا، وَلاَ يَنْكَأُ عَدُوًّا يَكْسِبُ عَلَيْهَا وَلاَ تَكْسِبُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ (٢) .
وَوَرَدَ كَذَلِكَ فِي سَبَبِ نُزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ﴾ (٣) مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَال: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إِلَى رَسُول اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِل أَبُوهُمَا مَعَكَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالاً، وَلاَ يُنْكَحَانِ إِلاَّ وَلَهُمَا مَالٌ فَقَال: يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَأَرْسَل رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى عَمِّهِمَا فَقَال: أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ (٤) . стр. 4084
رِعَايَةُ طُفُولَتِهَا، وَعَدَمُ تَفْضِيل الذَّكَرِ عَلَيْهَا:
٧ - يَعْتَنِي الإِْسْلاَمُ بِالأُْنْثَى فِي كُل أَطْوَارِ حَيَاتِهَا فَيَرْعَاهَا وَهِيَ طِفْلَةٌ، وَيَجْعَل رِعَايَتَهَا سِتْرًا مِنَ النَّارِ وَسَبِيلاً إِلَى الْجَنَّةِ. فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ عَال جَارَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ (١) .
وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُفَضِّل الذَّكَرَ عَلَيْهَا فِي التَّرْبِيَةِ وَالْعِنَايَةِ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ (يَعْنِي الذُّكُورَ) عَلَيْهَا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ (٢) . وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً كَانَ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ ابْنٌ لَهُ فَقَبَّلَهُ وَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ جَاءَتْ بِنْتُهُ فَأَخَذَهَا فَأَجْلَسَهَا إِلَى جَنْبِهِ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : فَمَا عَدَلْتَ بَيْنَهُمَا (٣) . وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ تَفْضِيل الذَّكَرِ عَلَى الأُْنْثَى فِي الْعَطِيَّةِ (٤) ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَبْطُل الْوَقْفُ إِذَا وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ الذُّكُورِ دُونَ بَنَاتِهِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ عَمَل الْجَاهِلِيَّةِ (٥) .
وَتَشْمَل الْعِنَايَةُ بِهَا فِي طُفُولَتِهَا تَأْهِيلَهَا لِحَيَاتِهَا стр. 4085
الْمُسْتَقْبَلَةِ، فَيُسْتَثْنَى مِمَّا يَحْرُمُ مِنَ الصُّوَرِ صُوَرُ لَعِبِ الْبَنَاتِ فَإِنَّهَا لاَ تَحْرُمُ، وَيَجُوزُ اسْتِصْنَاعُهَا وَصُنْعُهَا وَبَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لَهُنَّ؛ لأَِنَّهُنَّ يَتَدَرَّبْنَ بِذَلِكَ عَلَى رِعَايَةِ الأَْطْفَال، وَقَدْ كَانَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا جَوَارٍ يُلاَعِبْنَهَا بِصُوَرِ الْبَنَاتِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ، فَإِذَا رَأَيْنَ الرَّسُول ﷺ يَسْتَحِينَ مِنْهُ وَيَتَقَمَّعْنَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَشْتَرِيهَا لَهَا (١) . (ر: تَصْوِيرٌ) .
إِكْرَامُ الأُْنْثَى حِينَ تَكُونُ زَوْجَةً:
٨ - أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِحْسَانِ مُعَاشَرَةِ الزَّوْجَةِ فَقَال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) قَال ابْنُ كَثِيرٍ: أَيْ طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا فَافْعَل أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) . وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَِهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَِهْلِي (٤) ، وَكَانَ مِنْ أَخْلاَقِهِ ﷺ أَنَّهُ جَمِيل الْعِشْرَةِ دَائِمُ الْبِشْرِ، يُدَاعِبُ أَهْلَهُ وَيَتَلَطَّفُ بِهِمْ وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ فِي النَّفَقَةِ وَيُضَاحِكُ نِسَاءَهُ، حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يُسَابِقُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ، стр. 4086
قَالَتْ: سَابَقَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَبَقْتُهُ وَذَلِكَ قَبْل أَنْ أَحْمِل اللَّحْمَ، ثُمَّ سَابَقْتُهُ بَعْدَمَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ فَسَبَقَنِي فَقَال: " هَذِهِ بِتِلْكَ " (١) ، وَ " كَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ يَدْخُل مَنْزِلَهُ يَسْمُرُ مَعَ أَهْلِهِ قَلِيلاً قَبْل أَنْ يَنَامَ " (٢) .
وَيَنْبَغِي الصَّبْرُ عَلَى الزَّوْجَةِ حَتَّى لَوْ كَرِهَهَا، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣) قَال ابْنُ كَثِيرٍ، أَيْ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ صَبْرُكُمْ فِي إِمْسَاكِهِنَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، كَمَا قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يَعْطِفَ عَلَيْهَا فَيُرْزَقَ مِنْهَا وَلَدًا وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَلَدِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ (٤) .
هَذَا، وَحُقُوقُ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَبْسُوطَةٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَنَذْكُرُ هُنَا مَثَلاً وَاحِدًا مِمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ، يَتَّصِل بِإِكْرَامِ أُمُومَةِ الأُْنْثَى، فَقَدْ أَكْثَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْوِصَايَةِ بِالأُْمِّ وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ عَلَى الأَْبِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَال: أُمُّكَ، قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمُّكَ، قَال: ثُمَّ стр. 4087
مَنْ؟ قَال: أُمُّكَ، قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أَبُوكَ (١) . وَجَعَل النَّبِيُّ ﷺ رِضَاهَا طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَدْ قَال رَجُلٌ: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَدْتُ الْغَزْوَ وَجِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَال: فَهَل لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْهَا (٢) .
ثَانِيًا: الْحُقُوقُ الَّتِي تَتَسَاوَى فِيهَا مَعَ الرَّجُل:
تَتَسَاوَى الْمَرْأَةُ وَالرَّجُل فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ مَعَ التَّقْيِيدِ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ بِمَا يَتَلاَءَمُ مَعَ طَبِيعَتِهَا.
وَفِيمَا يَأْتِي بَعْضُ هَذِهِ الْحُقُوقِ:
أ - حَقُّ التَّعْلِيمِ:
٩ - لِلْمَرْأَةِ حَقُّ التَّعْلِيمِ مِثْل الرَّجُل: فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ (٣) . وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى الْمُسْلِمَةِ أَيْضًا، فَقَدْ قَال الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ: قَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ بِآخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ (وَمُسْلِمَةٍ) وَلَيْسَ لَهَا ذِكْرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا صَحِيحًا. (٤)
وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَن أَدَبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَسْبَغَ стр. 4088
عَلَيْهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أَسْبَغَ عَلَيْهِ كَانَتْ لَهُ سِتْرًا أَوْ حِجَابًا مِنَ النَّارِ. (١)
وَقَدْ كَانَ النِّسَاءُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْعَيْنَ إِلَى الْعِلْمِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَال فَاجْعَل لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَاعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ (٢) . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَْنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ (٣) .
وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُنَّ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ. (٤)
قَال النَّوَوِيُّ: وَالْحَدِيثُ يَتَنَاوَل بِمَنْطُوقِهِ الصَّبِيَّ وَالصَّبِيَّةَ، وَأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِلاَ خِلاَفٍ، ثُمَّ قَال النَّوَوِيُّ: قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَْصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلاَدِهِمُ الصِّغَارِ الطَّهَارَةَ وَالصَّلاَةَ وَالصَّوْمَ وَنَحْوَهَا، وَتَعْلِيمُهُمْ تَحْرِيمَ الزِّنَى وَاللِّوَاطِ وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ стр. 4089
الْمُسْكِرِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَشِبْهِهَا، وَأَنَّهُمْ بِالْبُلُوغِ يَدْخُلُونَ فِي التَّكْلِيفِ، وَهَذَا التَّعْلِيمُ وَاجِبٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأُجْرَةُ التَّعْلِيمِ تَكُونُ فِي مَال الصَّبِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَقَدْ جَعَل الشَّافِعِيُّ وَالأَْصْحَابُ لِلأُْمِّ مَدْخَلاً فِي وُجُوبِ التَّعْلِيمِ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ التَّرْبِيَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا كَالنَّفَقَةِ (١) .
وَمِنَ الْعُلُومِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُعْتَبَرُ ضَرُورَةً بِالنِّسْبَةِ لِلأُْنْثَى كَطِبِّ النِّسَاءِ حَتَّى لاَ يَطَّلِعَ الرِّجَال عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ. جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: امْرَأَةٌ أَصَابَتْهَا قُرْحَةٌ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَحِل لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، لاَ يَحِل أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا، لَكِنْ يُعَلِّمُ امْرَأَةً تُدَاوِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا امْرَأَةً تُدَاوِيهَا وَلاَ امْرَأَةً تَتَعَلَّمُ ذَلِكَ إِذَا عُلِّمَتْ، وَخِيفَ عَلَيْهَا الْبَلاَءُ أَوِ الْوَجَعُ أَوِ الْهَلاَكُ فَإِنَّهُ يَسْتُرُ مِنْهَا كُل شَيْءٍ إِلاَّ مَوْضِعَ تِلْكَ الْقُرْحَةِ، ثُمَّ يُدَاوِيهَا الرَّجُل، وَيَغُضُّ بَصَرَهُ مَا اسْتَطَاعَ إِلاَّ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. (٢)
١٠ - وَإِذَنْ، فَلاَ خِلاَفَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ تَعْلِيمِ الأُْنْثَى. لَكِنْ فِي الْحُدُودِ الَّتِي لاَ مُخَالَفَةَ فِيهَا لِلشَّرْعِ وَذَلِكَ مِنَ النَّوَاحِي الآْتِيَةِ:
أ - أَنْ تَحْذَرَ الاِخْتِلاَطَ بِالشَّبَابِ فِي قَاعَاتِ الدَّرْسِ، فَلاَ تَجْلِسِ الْمَرْأَةُ بِجَانِبِ الرَّجُل، فَقَدْ جَعَل النَّبِيُّ ﷺ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا غَيْرَ يَوْمِ الرِّجَال يَعِظُهُنَّ فِيهِ. بَل حَتَّى فِي الْعِبَادَةِ لاَ يُخَالِطْنَ الرِّجَال، بَل стр. 4090
يَكُنْ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهُمْ يَسْتَمِعْنَ إِلَى الْوَعْظِ وَيُؤَدِّينَ الصَّلاَةَ، وَلاَ يَجِبُ اسْتِحْدَاثُ مَكَانٍ خَاصٍّ لِصَلاَتِهِنَّ، أَوْ إِقَامَةِ حَاجِزٍ بَيْنَ صُفُوفِهِنَّ وَصُفُوفِ الرِّجَال.
ب - أَنْ تَكُونَ مُحْتَشِمَةً غَيْرَ مُتَبَرِّجَةٍ بِزِينَتِهَا لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) وَفِي اتِّبَاعِ ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ مِنَ الْفِتْنَةِ وَمِنْ إِشَاعَةِ الْفَسَادِ (٢) .
ب - أَهْلِيَّتُهَا لِلتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ:
١١ - الْمَرْأَةُ أَهْلٌ لِلتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مِثْل الرَّجُل، وَوَلِيُّ أَمْرِهَا مُطَالَبٌ بِأَمْرِهَا بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَتَعْلِيمِهَا لَهَا مُنْذُ الصِّغَرِ؛ لِمَا جَاءَ فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُنَّ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ (٣) وَالْحَدِيثُ يَتَنَاوَل الأُْنْثَى بِلاَ خِلاَفٍ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ (٤) .
وَهِيَ بَعْدَ الْبُلُوغِ مُكَلَّفَةٌ بِالْعِبَادَاتِ مِنْ صَلاَةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ - زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ - مَنْعُهَا مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ. فَجُمْلَةُ الْعَقَائِدِ وَالْعِبَادَاتِ وَالأَْخْلاَقِ وَالأَْحْكَامِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِلإِْنْسَانِ يَسْتَوِي فِي التَّكْلِيفِ بِهَا وَالْجَزَاءِ عَلَيْهَا الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى. (٥) стр. 4091
يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِل صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) . وَيُؤَكِّدُ اللَّهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) وَيُرْوَى فِي سَبَبِ نُزُول هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا لَهُ يَذْكُرُ الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَذْكُرُ الْمُؤْمِنَاتِ، فَنَزَلَتْ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ: أَيُذْكَرُ الرِّجَال فِي كُل شَيْءٍ وَلاَ نُذْكَرُ؟ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ. (٣)
وَفِي اسْتِجَابَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِسُؤَال الْمُؤْمِنِينَ قَال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَل عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ . (٤)
وَلَقَدْ رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مَا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُول الآْيَةِ السَّابِقَةِ، وَيَقُول ابْنُ كَثِيرٍ: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ جَمِيعُكُمْ فِي ثَوَابِي سَوَاءٌ. وَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ الَّذِي يُؤْذِي الْمُؤْمِنَاتِ هُوَ فِي الإِْثْمِ كَمَنْ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: стр. 4092
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١) .
وَهِيَ مُطَالَبَةٌ بِالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ كَالرَّجُل، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . (٢)
وَالْجِهَادُ كَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا هَاجَمَ الْعَدُوُّ الْبِلاَدَ. يَقُول الْفُقَهَاءُ: إِذَا غَشِيَ الْعَدُوُّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ كَانَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْجَمِيعِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لاَ يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ فَرْضِ الْعَيْنِ. (٣)
وَقَدْ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الْعِبَادَاتِ فِي فَتَرَاتِ تَعَبِهَا مِنَ الْحَيْضِ وَالْحَمْل وَالنِّفَاسِ وَالرَّضَاعِ. وَتُنْظَرُ الأَْحْكَامُ الْخَاصَّةُ بِذَلِكَ فِي (حَيْضٌ، حَمْلٌ، نِفَاسٌ، رَضَاعٌ) .
ج - احْتِرَامُ إِرَادَتِهَا:
١٢ - لِلأُْنْثَى حُرِّيَّةُ الإِْرَادَةِ وَالتَّعْبِيرُ عَمَّا فِي نَفْسِهَا، وَقَدْ مَنَحَهَا اللَّهُ هَذَا الْحَقَّ الَّذِي سَلَبَتْهُ مِنْهَا الْجَاهِلِيَّةُ وَحَرَمَتْهَا مِنْهُ، فَقَدْ كَانَتْ حِينَ يَمُوتُ زَوْجُهَا لاَ تَمْلِكُ مِنْ أَمْرِ نَفْسِهَا شَيْئًا، وَكَانَ يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُ مَال زَوْجِهَا. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِل لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٤) قَال: كَانُوا إِذَا стр. 4093
مَاتَ الرَّجُل كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا. (١) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ، وَقَال زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ كَانَ أَهْل يَثْرِب إِذَا مَاتَ الرَّجُل مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَرِثَ امْرَأَتَهُ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ، وَكَانَ يَعْضُلُهَا حَتَّى يَرِثَهَا أَوْ يُزَوِّجَهَا مَنْ أَرَادَ، وَكَانَ أَهْل تِهَامَةَ يُسِيءُ الرَّجُل صُحْبَةَ الْمَرْأَةِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا، وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهَا أَلاَّ تَنْكِحَ إِلاَّ مَنْ أَرَادَ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِبَعْضِ مَا أَعْطَاهَا، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَال ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِي كَبِيشَةِ بِنْتِ مَعْنِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الأَْوْسِ، تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُو قَيْسِ بْنُ الأَْسْلَتِ، فَجَنَحَ عَلَيْهَا ابْنُهُ، فَجَاءَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ لاَ أَنَا وَرِثْتُ زَوْجِي، وَلاَ أَنَا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَأَنْزَل اللَّهُ هَذِهِ الآْيَةَ. قَال ابْنُ كَثِيرٍ: فَالآْيَةُ تَعُمُّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ، وَكُل مَا كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ. (٢)
وَإِرَادَتُهَا كَذَلِكَ مُعْتَبَرَةٌ فِي نِكَاحِهَا، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ الْبُخَارِيُّ: لاَ تُنْكَحِ الأَْيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحِ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ (٣) .
وَالاِسْتِئْمَارُ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ الْعَاقِلَةِ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَإِذَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهَا فَنِكَاحُهَا مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَتِهَا، عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ. وَهُوَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ مُسْتَحَبٌّ стр. 4094
عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَأْمِرُ بَنَاتِهِ إِذَا أَنْكَحَهُنَّ (١) . وَاسْتِئْذَانُهَا وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. بَل إِنَّهَا يَجُوزُ لَهَا تَزْوِيجُ نَفْسِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. جَاءَ فِي الاِخْتِيَارِ: عِبَارَةُ النِّسَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فِي النِّكَاحِ، حَتَّى لَوْ زَوَّجَتِ الْحُرَّةُ الْعَاقِلَةُ الْبَالِغَةُ نَفْسَهَا جَازَ، وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَتْ غَيْرَهَا بِالْوِلاَيَةِ أَوِ الْوَكَالَةِ، وَكَذَا إِذَا وَكَّلَتْ غَيْرَهَا فِي تَزْوِيجِهَا، أَوْ زَوَّجَهَا غَيْرُهَا فَأَجَازَتْ، وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ خَنْسَاءَ بِنْتَ حِزَامٍ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ (٢) وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً زَوَّجَتْ بِنْتَهَا بِرِضَاهَا فَجَاءَ الأَْوْلِيَاءُ وَخَاصَمُوهَا إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَأَجَازَ النِّكَاحَ. هَذَا دَلِيل الاِنْعِقَادِ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ، وَأَنَّهُ أَجَازَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ؛ لأَِنَّهُمْ كَانُوا غَائِبِينَ؛ لأَِنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ حَقِّهَا، وَلاَ ضَرَرَ فِيهِ لِغَيْرِهَا فَيَنْفُذُ، كَتَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا. (٣)
هَذَا مَا انْفَرَدَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَتَفْصِيل الْخِلاَفِ فِي هَذَا يَنْظُرُ فِي (نِكَاحٌ) .
وَلِلْمَرْأَةِ أَيْضًا مُشَارَكَةُ زَوْجِهَا الرَّأْيَ بَل وَمُعَارَضَتُهُ، قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي стр. 4095
الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، حَتَّى أَنْزَل اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَل، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ، قَال: فَبَيْنَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتُ كَذَا وَكَذَا، قَال: فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ وَلِمَا هَا هُنَا، فِيمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَك لَتُرَاجِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَظَل يَوْمَهُ غَضْبَانَ. فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دَخَل عَلَى حَفْصَةَ، فَقَال لَهَا: يَا بُنَيَّةُ إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَظَل يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ. فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وَغَضَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ . يَا بُنَيَّةُ لاَ يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا - يُرِيدُ عَائِشَةَ - قَال: خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَك يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، دَخَلْتَ فِي كُل شَيْءٍ، حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُل بَيْنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ. فَأَخَذَتْنِي وَاللَّهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدَهَا، وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الأَْنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ، وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدِ امْتَلأََتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، فَإِذَا صَاحِبِي الأَْنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ، فَقَال: افْتَحِ افْتَحْ، فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَال: بَل أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَل رَسُول اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ، فَقُلْتُ رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ. فَأَخَذْتُ ثَوْبِي، فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ، وَغُلاَمٌ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قُل هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
стр. 4096
فَأَذِنَ لِي. قَال عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ، فَقَال: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُول اللَّهِ، فَقَال: أَمَّا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآْخِرَةُ؟ (١)
وَاسْتِشَارَةُ الْمَرْأَةِ فِيمَا يَتَّصِل بِشُئُونِ النِّسَاءِ أَوْ فِيمَا لَدَيْهَا خِبْرَةٌ بِهِ مَطْلُوبَةٌ، بِأَصْل نَدْبِ الْمَشُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٢) وَلِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كِتَابِ الصُّلْحِ قَال لأَِصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، فَمَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَال النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَل عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، قَالَتْ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَل ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَل بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا (٣) . стр. 4097
وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْقِدَ الأَْمَانَ مَعَ الْكُفَّارِ، وَيَسْرِي ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَفِي الْمُغْنِي: إِذَا أَعْطَتِ الْمَرْأَةُ الأَْمَانَ لِلْكُفَّارِ جَازَ عَقْدُهَا، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ، وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَجَرْتُ أَحْمَائِي وَأَغْلَقْتُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ ابْنَ أُمِّي أَرَادَ قَتْلَهُمْ، فَقَال لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ (١) ، وَأَجَارَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ قَبْل أَنْ يُسْلِمَ فَأَمْضَاهُ رَسُول اللَّهِ. (٢)
د - ذِمَّتُهَا الْمَالِيَّةُ:
١٣ - لِلأُْنْثَى ذِمَّةٌ مَالِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَالرَّجُل، وَحَقُّهَا فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِهَا أَمْرٌ مُقَرَّرٌ فِي الشَّرِيعَةِ مَا دَامَتْ رَشِيدَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣) . وَلَهَا أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي مَالِهَا كُلِّهِ عَنْ طَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ بِدُونِ إِذْنٍ مِنْ أَحَدٍ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا تَصَرُّفُهَا فِي مَالِهَا عَنْ طَرِيقِ التَّبَرُّعِ بِهِ، فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: يَجُوزُ لَهَا التَّصَرُّفُ فِي كُل مَالِهَا بِالتَّبَرُّعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَرِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ قَال: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ стр. 4098
وَأَنَّهُنَّ تَصَدَّقْنَ فَقَبِل صَدَقَتَهُنَّ، وَلَمْ يَسْأَل وَلَمْ يَسْتَفْصِل. (١) وَلِهَذَا جَازَ لَهَا التَّصَرُّفُ بِدُونِ إِذْنٍ لِزَوْجِهَا فِي مَالِهَا، فَلَمْ يَمْلِكِ الْحَجْرَ عَلَيْهَا فِي التَّصَرُّفِ بِجَمِيعِهِ.
وَعِنْدَ الإِْمَامِ مَالِكٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا التَّبَرُّعُ فِي حُدُودِ الثُّلُثِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهَا التَّبَرُّعُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا. (٢)
وَلأَِنَّ لِلْمَرْأَةِ ذِمَّةً مَالِيَّةً مُسْتَقِلَّةً فَقَدْ أَجَازَ الْفُقَهَاءُ لَهَا أَنْ تَضْمَنَ غَيْرَهَا، جَاءَ فِي الْمُغْنِي: يَصِحُّ ضَمَانُ كُل جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً؛ لأَِنَّهُ عَمْدٌ يُقْصَدُ بِهِ الْمَال، فَصَحَّ مِنَ الْمَرْأَةِ كَالْبَيْعِ.
وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ لَهَا التَّبَرُّعَ بِكُل مَالِهَا، أَمَّا مَنْ لاَ يُجِيزُ لَهَا التَّبَرُّعَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، فَإِنَّهُمْ يُجِيزُونَ لَهَا الضَّمَانَ فِي حُدُودِ ثُلُثِ مَالِهَا أَوْ بِزَائِدٍ يَسِيرٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ، وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الزَّوْجِ. (٣)
هـ - حَقُّ الْعَمَل:
١٤ - الأَْصْل أَنَّ وَظِيفَةَ الْمَرْأَةِ الأُْولَى هِيَ إِدَارَةُ بَيْتِهَا وَرِعَايَةُ أُسْرَتِهَا وَتَرْبِيَةُ أَبْنَائِهَا وَحُسْنُ تَبَعُّلِهَا، يَقُول стр. 4099
النَّبِيُّ ﷺ : الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا (١) . وَهِيَ غَيْرُ مُطَالَبَةٍ بِالإِْنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهَا، فَنَفَقَتُهَا وَاجِبَةٌ عَلَى أَبِيهَا أَوْ زَوْجِهَا؛ لِذَلِكَ كَانَ مَجَال عَمَلِهَا هُوَ الْبَيْتُ، وَعَمَلُهَا فِي الْبَيْتِ يُسَاوِي عَمَل الْمُجَاهِدِينَ. (٢)
وَمَعَ ذَلِكَ فَالإِْسْلاَمُ لاَ يَمْنَعُ الْمَرْأَةَ مِنَ الْعَمَل فَلَهَا أَنْ تَبِيعَ وَتَشْتَرِيَ، وَأَنْ تُوَكِّل غَيْرَهَا، وَيُوَكِّلَهَا غَيْرُهَا، وَأَنْ تُتَاجِرَ بِمَالِهَا، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ مَا دَامَتْ مُرَاعِيَةً أَحْكَامَ الشَّرْعِ وَآدَابَهُ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَ لَهَا كَشْفُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، قَال الْفُقَهَاءُ: لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى إِبْرَازِ الْوَجْهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِلَى إِبْرَازِ الْكَفِّ لِلأَْخْذِ وَالإِْعْطَاءِ.
وَفِي الاِخْتِيَارِ: لاَ يَنْظُرُ الرَّجُل إِلَى الْحُرَّةِ الأَْجْنَبِيَّةِ إِلاَّ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. .؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً لِلأَْخْذِ وَالإِْعْطَاءِ وَمَعْرِفَةُ وَجْهِهَا عِنْدَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الأَْجَانِبِ؛ لإِِقَامَةِ مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا لِعَدَمِ مَنْ يَقُومُ بِأَسْبَابِ مَعَاشِهَا. (٣)
وَالنُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى جَوَازِ عَمَل الْمَرْأَةِ كَثِيرَةٌ، وَالَّذِي يُمْكِنُ اسْتِخْلاَصُهُ مِنْهَا، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْحَقَّ فِي الْعَمَل بِشَرْطِ إِذْنِ الزَّوْجِ لِلْخُرُوجِ، إِنِ اسْتَدْعَى عَمَلُهَا الْخُرُوجَ وَكَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، وَيَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الإِْذْنِ إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا. стр. 4100
جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: إِذَا أَعْسَر الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ وَتَحَقَّقَ الإِْعْسَارُ فَالأَْظْهَرُ إِمْهَالُهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَلَهَا الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ، وَلِلزَّوْجَةِ - وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً - الْخُرُوجُ زَمَنَ الْمُهْلَةِ نَهَارًا لِتَحْصِيل النَّفَقَةِ بِنَحْوِ كَسْبٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا لأَِنَّ الْمَنْعَ فِي مُقَابِل النَّفَقَةِ. (١)
وَفِي مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: إِذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ خُيِّرَتِ الزَّوْجَةُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ الْمُقَامِ مَعَهُ مَعَ مَنْعِ نَفْسِهَا، فَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا مِنْهُ وَمَكَّنَتْهُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا فَلاَ يَمْنَعُهَا تَكَسُّبًا، وَلاَ يَحْبِسُهَا مَعَ عُسْرَتِهِ إِذَا لَمْ تَفْسَخْ لأَِنَّهُ إِضْرَارٌ بِهَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا يَمْلِكُ حَبْسَهَا إِذَا كَفَاهَا الْمَئُونَةَ وَأَغْنَاهَا عَمَّا لاَ بُدَّ لَهَا مِنْهُ. (٢)
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْعَمَل مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ قَابِلَةً، أَوْ كَانَ لَهَا حَقٌّ عَلَى آخَرَ، أَوْ لآِخَرَ عَلَيْهَا حَقٌّ تَخْرُجُ بِالإِْذْنِ وَبِغَيْرِ الإِْذْنِ، وَمِثْل ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ سَعْدِي جَلَبِي عَنْ مَجْمُوعِ النَّوَازِل. (٣) إِلاَّ أَنَّ ابْنَ عَابِدِينَ بَعْدَ أَنْ نَقَل مَا فِي الْفَتْحِ قَال: وَفِي الْبَحْرِ عَنِ الْخَانِيَّةِ تَقْيِيدُ خُرُوجِهَا بِالإِْذْنِ؛ لأَِنَّ حَقَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ. (٤)
هَذَا، وَإِذَا كَانَ لَهَا مَالٌ فَلَهَا أَنْ تُتَاجِرَ بِهِ مَعَ غَيْرِهَا، كَأَنْ تُشَارِكَهُ أَوْ تَدْفَعَهُ مُضَارَبَةً دُونَ إِذْنٍ مِنْ أَحَدٍ. جَاءَ فِي جَوَاهِرِ الإِْكْلِيل: قِرَاضُ الزَّوْجَةِ أَيْ следующие страницы →