← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

إِجْمَالٌ تَوْضِيحُهُ فِيمَا يَلِي: الأَْصْل فِي الْيَمِينِ الْكَرَاهَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) وَقَوْلِهِ : ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٢) وَلِحَدِيثِ: إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ (٣) . وَقَدْ يُقَال: إِنَّ الآْيَةَ الأُْولَى يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا: لاَ تَجْعَلُوا الْحَلِفَ بِاللَّهِ حَاجِزًا لِمَا حَلَفْتُمْ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُرْضَةَ مَعْنَاهَا: الْحَاجِزُ وَالْمَانِعُ، وَالأَْيْمَانُ مَعْنَاهَا: الأُْمُورُ الَّتِي حَلَفْتُمْ عَلَى تَرْكِهَا. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا: لاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ نَصْبًا لأَِيْمَانِكُمْ، فَتَبْذُلُوهُ بِكَثْرَةِ الْحَلِفِ بِهِ فِي كُل حَقٍّ وَبَاطِلٍ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ نَوْعَ جُرْأَةٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَالآْيَةُ الأُْولَى لاَ تَدُل عَلَى حُكْمِ الْحَلِفِ، وَعَلَى الاِحْتِمَال الثَّانِي تَدُل عَلَى كَرَاهَةِ الإِْكْثَارِ، لاَ كَرَاهَةِ أَصْل الْحَلِفِ. وَالآْيَةُ الثَّانِيَةُ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا طَلَبُ حِفْظِ الأَْيْمَانِ الْمَحْلُوفَةِ عَنِ الْحِنْثِ، إِذَا كَانَ الْوَفَاءُ بِهَا لاَ مَانِعَ مِنْهُ، فَتَدُل عَلَى كَرَاهَةِ الْحِنْثِ أَوْ حُرْمَتِهِ، وَلاَ شَأْنَ لَهَا بِالإِْقْدَامِ عَلَى الْحَلِفِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا طَلَبَ حِفْظِ الأَْيْمَانِ الَّتِي فِي الْقُلُوبِ

стр. 4517

عَنِ الإِْظْهَارِ، فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ تَرْكَ الأَْيْمَانِ حَذَرًا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْحِنْثِ وَالْكَفَّارَةِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الإِْقْدَامُ عَلَى الْيَمِينِ مَكْرُوهًا إِلاَّ لِعَارِضٍ يُخْرِجُهُ عَنِ الْكَرَاهَةِ إِلَى حُكْمٍ آخَرَ. وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ بَعْدَ الآْيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ ضَعِيفُ الإِْسْنَادِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ فَيْضِ الْقَدِيرِ، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ فَالْحَصْرُ فِيهِ إِنَّمَا يَصِحُّ فِيمَنْ يُكْثِرُ الْحَلِفَ مِنْ غَيْرِ مُبَالاَةٍ، فَيَقَعُ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ فِي الْحِنْثِ، وَفِي بَعْضِهَا يَأْتِي بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَارِهًا لَهُ مُسْتَثْقِلاً إِيَّاهُ، نَادِمًا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْحَلِفِ. ١١٧ - وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ شَبِيهٌ بِمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، إِذِ الأَْصْل عِنْدَهُمُ الإِْبَاحَةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ فَصَّلُوا، فَقَالُوا: تَنْقَسِمُ الْيَمِينُ إِلَى وَاجِبَةٍ، وَمَنْدُوبَةٍ، وَمُبَاحَةٍ، وَمَكْرُوهَةٍ، وَحَرَامٍ. فَتَجِبُ لإِِنْجَاءِ مَعْصُومٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ، وَلَوْ نَفْسَهُ، كَأَيْمَانِ قَسَامَةٍ تَوَجَّهَتْ عَلَى بَرِيءٍ مِنْ دَعْوَى قَتْلٍ. وَتُنْدَبُ لِمَصْلَحَةٍ، كَإِزَالَةِ حِقْدٍ وَإِصْلاَحٍ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ وَدَفْعِ شَرٍّ وَهُوَ صَادِقٌ فِيهَا. وَتُبَاحُ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِهِ، كَمَنْ حَلَفَ لاَ يَأْكُل سَمَكًا مَثَلاً أَوْ لَيَأْكُلَنَّهُ، وَكَالْحَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ بِشَيْءٍ هُوَ صَادِقٌ فِيهِ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ صَادِقٌ. وَتُكْرَهُ عَلَى فِعْل مَكْرُوهٍ، كَمَنْ حَلَفَ لَيُصَلِيَنَّ وَهُوَ حَاقِنٌ (١) أَوْ لَيَأْكُلَنَّ بَصَلاً نِيئًا (٢) وَمِنْهُ الْحَلِفُ فِي

стр. 4518

الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ (١) أَوْ عَلَى تَرْكِ مَنْدُوبٍ كَحَلِفِهِ لاَ يُصَلِّي الضُّحَى. وَتَحْرُمُ عَلَى فِعْل مُحَرَّمٍ، كَشُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، كَمَنْ حَلَفَ لاَ يَصُومُ رَمَضَانَ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ. ثُمَّ إِنَّ إِبَاحَتَهَا عَلَى فِعْل مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِهِ مَا لَمْ تَتَكَرَّرْ، فَالتَّكْرَارُ خِلاَفُ السُّنَّةِ، فَإِنْ أَفْرَطَ فِيهِ كُرِهَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُل حَلاَّفٍ مَهِينٍ﴾ (٢) وَهُوَ ذَمٌّ لَهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الإِْكْثَارِ. (٣) وَهَذَا التَّقْسِيمُ لاَ تَأْبَاهُ الْمَذَاهِبُ الأُْخْرَى. ب - حُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهَا: ١١٨ - الْيَمِينُ الْمَعْقُودَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى فِعْلٍ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ أَوْ عَكْسِهِمَا، أَوْ فِعْل مَا هُوَ أَوْلَى أَوْ تَرْكِ مَا تَرْكُهُ أَوْلَى أَوْ عَكْسِهِمَا، أَوْ فِعْل مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ أَوْ تَرْكِهِ. فَالْيَمِينُ عَلَى فِعْل وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، كَوَاللَّهِ لأَُصَلِيَنَّ الظُّهْرَ الْيَوْمَ، أَوْ لاَ أَسْرِقُ اللَّيْلَةَ، يَجِبُ الْبِرُّ فِيهَا وَيَحْرُمُ الْحِنْثُ، وَلاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ كَمَا لاَ يَخْفَى. وَالْيَمِينُ عَلَى فِعْل مَعْصِيَةٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، كَوَاللَّهِ لأََسْرِقَنَّ اللَّيْلَةَ أَوْ لاَ أُصَلِّي الظُّهْرَ الْيَوْمَ يَحْرُمُ الْبِرُّ فِيهَا وَيَجِبُ الْحِنْثُ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا.

стр. 4519

لَكِنْ يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ إِلَى أَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الْمُطْلَقَةِ عَنِ التَّوْقِيتِ يَلْزَمُهُ فِيهَا الْعَزْمُ عَلَى الْحِنْثِ؛ لأَِنَّ الْحِنْثَ فِيهَا إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمَوْتِ وَنَحْوِهِ. وَالْيَمِينُ عَلَى فِعْل مَا فِعْلُهُ أَوْلَى أَوْ عَلَى تَرْكِ مَا تَرْكُهُ أَوْلَى - كَوَاللَّهِ لأَُصَلِيَنَّ سُنَّةَ الصُّبْحِ أَوْ لاَ أَلْتَفِتُ فِي الصَّلاَةِ - يُطْلَبُ الْبِرُّ فِيهَا وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْحِنْثِ. هَكَذَا عَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ الْقُدَامَى بِالأَْوْلَوِيَّةِ، وَبَحَثَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (١) يَدُل عَلَى وُجُوبِ الْبِرِّ وَعَدَمِ جَوَازِ الْحِنْثِ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ وَغَيْرُهُ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ الْبِرُّ وَيُكْرَهُ الْحِنْثُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَالْيَمِينُ عَلَى تَرْكِ مَا فِعْلُهُ أَوْلَى، أَوْ فِعْل مَا تَرْكُهُ أَوْلَى - كَوَاللَّهِ لاَ أُصَلِّي سُنَّةَ الصُّبْحِ أَوْ لأََلْتَفِتَنَّ فِي الصَّلاَةِ - يُطْلَبُ الْحِنْثُ فِيهَا وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْبِرِّ. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ الْحِنْثُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيُكْرَهُ الْبِرُّ. وَالْيَمِينُ عَلَى فِعْل مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ أَوْ عَلَى تَرْكِهِ - كَوَاللَّهِ لأََتَغَدَّيَنَّ هَذَا الْيَوْمَ أَوْ لاَ أَتَغَدَّى هَذَا الْيَوْمَ - يُطْلَبُ الْبِرُّ فِيهَا، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْحِنْثِ. هَكَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ الْقُدَامَى، وَمُقْتَضَى بَحْثِ الْكَمَال وُجُوبُ الْبِرِّ وَعَدَمُ جَوَازِ الْحِنْثِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْبِرُّ أَفْضَل، مَا لَمْ يَتَأَذَّ بِذَلِكَ صَدِيقُهُ، كَمَنْ حَلَفَ لاَ يَأْكُل كَذَا، وَكَانَ صَدِيقُهُ يَتَأَذَّى مِنْ تَرْكِ أَكْلِهِ إِيَّاهُ، فَيَنْعَكِسُ الْحُكْمُ وَيَكُونُ الْحِنْثُ أَفْضَل.

стр. 4520

وَمَقْصُودُ الشَّافِعِيَّةِ بِالأَْفْضَلِيَّةِ الأَْوْلَوِيَّةُ، وَهِيَ الاِسْتِحْبَابُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدِ، وَيُقَال لِمُقَابِلِهَا خِلاَفُ الأَْوْلَى أَوْ خِلاَفُ الأَْفْضَل، وَهُوَ أَقَل مِنَ الْمَكْرُوهِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَالْبِرُّ أَوْلَى، فَمَذْهَبُهُمْ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ. (١) الْحَلِفُ عَلَى الْغَيْرِ وَاسْتِحْبَابِ إِبْرَارِ الْقَسَمِ: ١١٩ - قَدْ يَحْلِفُ الإِْنْسَانُ عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ مَنْسُوبَيْنِ إِلَيْهِ، نَحْوُ: وَاللَّهِ لأََفْعَلَنَّ أَوْ لاَ أَفْعَل، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ. وَقَدْ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ مَنْسُوبَيْنِ إِلَى غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ أَوْ لاَ تَفْعَل، وَقَوْلُهُ: وَاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ فُلاَنٌ كَذَا أَوْ لاَ يَفْعَلُهُ. وَأَحْكَامُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ السَّابِقُ ذِكْرُهَا إِنَّمَا هِيَ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل نَفْسِهِ أَوْ تَرْكِهَا. وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل غَيْرِهِ أَوْ تَرْكِهِ، مُخَاطَبًا كَانَ أَوْ غَائِبًا، فَإِنَّهُ يَتَّفِقُ حُكْمُ التَّحْنِيثِ وَالإِْبْرَارِ فِيهِ مَعَ حُكْمِ الْحِنْثِ وَالْبِرِّ السَّابِقَيْنِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَيَخْتَلِفُ فِي بَعْضِهَا. أ - فَمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَفْعَل وَاجِبًا أَوْ يَتْرُكَ مَعْصِيَةً وَجَبَ إِبْرَارُهُ؛ لأَِنَّ الإِْبْرَارَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِنَّمَا هُوَ قِيَامٌ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ أَوِ انْتِهَاءٌ عَمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. ب - وَمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَفْعَل مَعْصِيَةً أَوْ يَتْرُكَ وَاجِبًا لَمْ يَجُزْ إِبْرَارُهُ، بَل يَجِبُ تَحْنِيثُهُ؛ لِحَدِيثِ: لاَ طَاعَةَ لأَِحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﵎ (٢)

стр. 4521

ج - وَمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَفْعَل مَكْرُوهًا أَوْ يَتْرُكَ مَنْدُوبًا فَلاَ يَبَرُّهُ، بَل يُحَنِّثُهُ نَدْبًا؛ لأَِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى طَاعَةِ الْمَخْلُوقِ. د - وَمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَفْعَل مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا، أَوْ يَتْرُكَ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا فَهَذَا يُطْلَبُ إِبْرَارُهُ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْبَابِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِحَدِيثِ الأَْمْرِ بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال: أَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، أَوِ الْمُقْسِمِ، (١) وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ (٢) وَظَاهِرُ الأَْمْرِ الْوُجُوبُ، لَكِنِ اقْتِرَانُهُ بِمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ - كَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ - قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ عَنِ الْوُجُوبِ. وَمِمَّا يَدُل عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ حَدِيثًا طَوِيلاً يَشْتَمِل عَلَى رُؤْيَا قَصَّهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁

стр. 4522

وَجَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَال لِرَسُول اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي: أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ فَقَال: أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا. قَال: فَوَاللَّهِ لَتُحَدِّثُنِي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ، قَال: لاَ تُقْسِمْ (١) فَقَوْلُهُ ﷺ " لاَ تُقْسِمْ " مَعْنَاهُ لاَ تُكَرِّرِ الْقَسَمَ الَّذِي أَتَيْتَ بِهِ؛ لأَِنِّي لَنْ أُجِيبَكَ، وَلَعَل هَذَا الصَّنِيعَ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَإِنَّهُ ﵊ لاَ يَفْعَل خِلاَفَ الْمُسْتَحْسَنِ إِلاَّ بِقَصْدِ بَيَانِ الْجَوَازِ، وَهُوَ يَدُل عَلَى أَنَّ الأَْمْرَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، بَل لِلاِسْتِحْبَابِ. (٢) ج - الْحُكْمُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْبِرِّ وَالْحِنْثِ: ١٢٠ - الْيَمِينُ الْمَعْقُودَةُ إِذَا بَرَّ فِيهَا الْحَالِفُ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ كَمَا لاَ يَخْفَى، وَإِذَا حَنِثَ - بِأَنِ انْتَفَى مَا أَثْبَتَهُ أَوْ ثَبَتَ مَا نَفَاهُ - لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، سَوَاءٌ أَكَانَ حَالِفًا عَلَى فِعْل مَعْصِيَةٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ كَاذِبًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ قَاصِدًا لِلْحَلِفِ أَمْ لاَ. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، فَهُمْ يُوجِبُونَ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ حَنِثَ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ لَيْسَ مُسْتَحِيلاً عَقْلاً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَلَيْسَ مُسْتَحِيلاً عَادَةً أَيْضًا عِنْدَ زُفَرَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَالِفُ قَاصِدًا أَمْ غَيْرَ قَاصِدٍ، وَكَذَا مَنْ حَلَفَ بِتَعْلِيقِ الْكُفْرِ.

стр. 4523

١٢١ - وَالْمَالِكِيَّةُ يُخَالِفُونَ الْحَنَفِيَّةَ فِي أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْكَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ إِذَا كَانَتْ عَلَى أَمْرٍ حَاضِرٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ، وَالْحَنَفِيَّةُ لاَ يُوجِبُونَ الْكَفَّارَةَ فِيهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتْ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ عَقْلاً. ثَانِيهَا: أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْكَفَّارَةَ فِي الْحَلِفِ عَلَى الْمُسْتَقْبَل الْمُسْتَحِيل عَقْلاً إِنْ كَانَ عَالِمًا بِاسْتِحَالَتِهِ أَوْ مُتَرَدِّدًا فِيهَا، وَالْحَنَفِيَّةُ لاَ يُوجِبُونَهَا مُطْلَقًا. ثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ يُفَصِّلُونَ فِي الْيَمِينِ غَيْرِ الْمَقْصُودَةِ، فَيَقُولُونَ: مَنْ أَرَادَ النُّطْقَ بِكَلِمَةٍ فَنَطَقَ بِالْيَمِينِ بَدَلَهَا لِخَطَأِ لِسَانِهِ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَمَنْ أَرَادَ النُّطْقَ بِشَيْءٍ فَنَطَقَ مَعَهُ بِالْيَمِينِ زِيَادَةً بِغَيْرِ قَصْدٍ كَانَتْ كَالْيَمِينِ الْمَقْصُودَةِ، فَيُكَفِّرُهَا إِنْ كَانَتْ مُسْتَقْبَلِيَّةً مُطْلَقًا، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ غَمُوسًا حَاضِرَةً، وَالْحَنَفِيَّةُ لَمْ نَرَ لَهُمْ تَفْصِيلاً فِي غَيْرِ الْمَقْصُودَةِ، فَقَدْ أَطْلَقُوا الْقَوْل بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَصْدِ. رَابِعُهَا: أَنَّهُمْ لاَ يَقُولُونَ بِالْكَفَّارَةِ فِي تَعْلِيقِ الْكُفْرِ، وَالْحَنَفِيَّةُ يَجْعَلُونَهُ كِنَايَةً عَنِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَيُوجِبُونَ الْكَفَّارَةَ فِيهِ إِنْ كَانَ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ غَيْرِ مُسْتَحِيلٍ عَقْلاً. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالْكِنَايَةِ أَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّهَا لَفْظٌ أُطْلِقَ وَأُرِيدَ لاَزِمُ مَعْنَاهُ، كَمَا يَقُول عُلَمَاءُ الْبَلاَغَةِ. ١٢٢ - وَالشَّافِعِيَّةُ يُخَالِفُونَ فِي أُمُورٍ: أَحَدِهَا: أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْكَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ عَلَى مَاضٍ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِيجَابُهَا فِي الْغَمُوسِ عَلَى حَاضِرٍ وَمُسْتَقْبَلٍ، فَإِنَّ الْغَمُوسَ عِنْدَهُمْ مُنْعَقِدَةٌ مُطْلَقًا. ثَانِيهَا: أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْكَفَّارَةَ فِي الْحَلِفِ عَلَى

стр. 4524

الْمُسْتَحِيل عَقْلاً، مَاضِيًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا أَوْ مُسْتَقْبَلاً، إِلاَّ إِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ غَيْرَ مَقْصُودَةٍ، أَوْ كَانَ جَاهِلاً بِالاِسْتِحَالَةِ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْيَمِينَ غَيْرَ الْمَقْصُودَةِ تُعَدُّ لَغْوًا مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ مَعْنَى عَدَمِ الْقَصْدِ خَطَأَ اللِّسَانِ، أَمْ كَانَ مَعْنَاهُ سَبْقَ اللِّسَانِ إِلَى النُّطْقِ بِهَا، فَلاَ كَفَّارَةَ فِيهَا وَلَوْ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ. وَيَقُولُونَ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِ الْوَاقِعِ، جَاهِلاً بِمُخَالَفَتِهِ لِلْوَاقِعِ: لاَ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ. سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَاضِيًا أَمْ حَاضِرًا أَمْ مُسْتَقْبَلاً، إِلاَّ إِذَا قَصَدَ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ هُوَ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الأَْمْرِ، فَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ حِينَئِذٍ. رَابِعُهَا: أَنَّهُمْ لاَ يُوجِبُونَ الْكَفَّارَةَ فِي تَعْلِيقِ الْكُفْرِ مُطْلَقًا. وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ فُقَهَاءِ السَّلَفِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَالْكَفَّارَةُ تَرْكُ الْمَعْصِيَةِ، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ تَنْعَقِدُ وَيَجِبُ الْحِنْثُ، وَلَيْسَ فِيهَا الْكَفَّارَةُ الْمَعْهُودَةُ. (١) الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ مَعْنَاهُ وَمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ: ١٢٣ - أَمَّا مَعْنَاهُ فَهُوَ: مُخَالَفَةُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِثُبُوتِ مَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ، أَوْ عَدَمِ مَا حَلَفَ عَلَى ثُبُوتِهِ. وَأَمَّا مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِلَيْكَ الْبَيَانُ. الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إِمَّا مَاضٍ أَوْ حَاضِرٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ.

стр. 4525

١٢٤ - أَمَّا الْمَاضِي: فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ لاَ يَعْتَبِرُونَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ مَعْقُودَةً أَصْلاً، فَلاَ حِنْثَ فِيهَا بِالْكَذِبِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً. وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فَيَعْتَبِرُونَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ مَعْقُودَةً إِذَا كَانَ الْحَالِفُ كَاذِبًا عَمْدًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْحِنْثُ مُقَارِنًا لِلاِنْعِقَادِ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ مِنْ حِينِ تَمَامِ الإِْتْيَانِ بِهَا. ١٢٥ - وَأَمَّا الْحَاضِرُ: فَهُوَ كَالْمَاضِي، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ مُتَّفِقُونَ مَعَ الْفَرِيقِ الثَّانِي الْقَائِل بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْحَالِفُ كَاذِبًا عَمْدًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فَضَمُّوا إِلَى الْكَذِبِ الْعَمْدِ مَا تَرَدَّدَ فِيهِ الْمُتَكَلِّمُ، بِأَنْ حَلَفَ عَلَى مَا يَظُنُّهُ ظَنًّا ضَعِيفًا، أَوْ يَشُكُّ فِيهِ، أَوْ يَظُنُّ نَقِيضَهُ ظَنًّا ضَعِيفًا، وَسَبَقَ ذَلِكَ فِي تَعْرِيفِ الْغَمُوسِ وَحُكْمِهَا. ١٢٦ - وَأَمَّا الْمُسْتَقْبَل: فَالْيَمِينُ عَلَيْهِ إِنْ وُجِدَتْ فِيهَا شَرَائِطُ الاِنْعِقَادِ، فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا مُطْلَقٌ وَإِمَّا مُقَيَّدٌ بِوَقْتٍ. أَمَّا الْيَمِينُ عَلَى النَّفْيِ الْمُطْلَقِ: فَالْحِنْثُ فِيهَا يَتَحَقَّقُ بِثُبُوتِ مَا حَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ عَقِبَ الْيَمِينِ أَمْ بَعْدَهُ بِزَمَانٍ قَصِيرٍ أَوْ طَوِيلٍ، وَهَل يَمْنَعُ الْحِنْثَ نِسْيَانٌ أَوْ خَطَأٌ فِي الاِعْتِقَادِ، أَوْ خَطَأٌ لِسَانِيٌّ أَوْ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ أَوْ إِكْرَاهٌ؟ وَهَل يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ إِذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ذَا أَجْزَاءٍ أَوْ لاَ يَحْنَثُ إِلاَّ بِالْجَمِيعِ؟ كُل ذَلِكَ مَحَل خِلاَفٍ يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي شَرَائِطِ الْحِنْثِ. ١٢٧ - وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى النَّفْيِ الْمُؤَقَّتِ: فَالْحِنْثُ فِيهَا يَتَحَقَّقُ بِحُصُول الضِّدِّ فِي الْوَقْتِ، لاَ بِحُصُولِهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَ تَمَامِهِ. وَفِي النِّسْيَانِ وَنَحْوِهِ الْخِلاَفُ الَّذِي سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ.

стр. 4526

١٢٨ - وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الإِْثْبَاتِ الْمُطْلَقِ: فَالْحِنْثُ فِيهَا يَتَحَقَّقُ بِالْيَأْسِ مِنَ الْبِرِّ، إِمَّا بِمَوْتِ الْحَالِفِ قَبْل أَنْ يَفْعَل مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِمَّا بِفَوْتِ مَحَل الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَال: وَاللَّهِ لأََلْبَسَنَّ هَذَا الثَّوْبَ، فَأَحْرَقَهُ هُوَ أَوْ غَيْرَهُ. (١) هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَفَصَّل غَيْرُهُمْ فِي فَوْتِ الْمَحَل بَيْنَ مَا كَانَ بِاخْتِيَارِ الْحَالِفِ وَمَا كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَمَا كَانَ بِاخْتِيَارِهِ يَحْنَثُ بِهِ، وَمَا كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُعْلَمُ مِنْ شَرَائِطِ الْحِنْثِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحِنْثَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ - وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى الإِْثْبَاتِ الْمُطْلَقِ - يَحْصُل أَيْضًا بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْوِيَ عَدَمَ الإِْتْيَانِ بِالْمَحْلُوفِ مَا دَامَ حَيًّا، وَهَذَا الْحِنْثُ مُحَتَّمٌ لاَ يَزُول بِالرُّجُوعِ عَنِ الْعَزْمِ عَلَى قَوْل ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالدَّرْدِيرِ فِي أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ وَاعْتَمَدَهُ الْبُنَانِيُّ، خِلاَفًا لِلْقَائِلِينَ بِالتَّفْصِيل بَيْنَ الطَّلاَقِ وَغَيْرِهِ، حَيْثُ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلاَقِ عَلَى الإِْثْبَاتِ الْمُطْلَقِ يَحْنَثُ فِيهِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْفَوَاتِ، وَالْحَلِفَ بِالْعِتْقِ وَبِالْقُرْبَةِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى لاَ يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِهَا بِالْعَزْمِ الْمَذْكُورِ إِلاَّ إِذَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ عَزْمِهِ رَجَعَتِ الْيَمِينُ كَمَا كَانَتْ، وَلَمْ يَحْنَثْ إِلاَّ بِالْفَوَاتِ. وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ لَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى. ١٢٩ - وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الإِْثْبَاتِ الْمُؤَقَّتِ: فَالْحِنْثُ

стр. 4527

فِيهَا يَتَحَقَّقُ بِالْيَأْسِ مِنَ الْبِرِّ فِي الْوَقْتِ، إِنْ كَانَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَيْنِ، كَأَنْ قَال: وَاللَّهِ لآَكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ الْيَوْمَ، فَغَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ حَيٌّ وَالرَّغِيفُ مَوْجُودٌ وَلَمْ يَأْكُلْهُ. وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ فِي الْوَقْتِ وَلَمْ يَفُتْ مَحَل الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَمْ يُعْتَبَرْ حَانِثًا بِالْمَوْتِ وَلاَ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ بَعْدَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَمِيعًا؛ لأَِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْحِنْثَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ فِي الْيَمِينِ الْمُؤَقَّتَةِ، وَالْحَالِفُ مَيِّتٌ فِي هَذَا الْجُزْءِ الأَْخِيرِ، وَلاَ يُوصَفُ الْمَيِّتُ بِالْحِنْثِ، وَيَحْنَثُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ عَلَى تَفْصِيلٍ يُعْلَمُ مِنْ شَرَائِطِ الْحِنْثِ. وَإِنْ فَاتَ مَحَل الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ، كَأَنْ أَكَل الرَّغِيفَ إِنْسَانٌ آخَرُ، وَلَمْ يَمُتِ الْحَالِفُ، لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لأَِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ إِمْكَانَ الْبِرِّ، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ، حَيْثُ قَال بِالْحِنْثِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَشْتَرِطُ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ. وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي وَقْتِ الْحِنْثِ: فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لاَ يَحْنَثُ إِلاَّ آخِرَ الْوَقْتِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْحَال - أَيْ حَال فَوْتِ مَحَل الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ - وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ. وَفِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى تَفْصِيلٌ بَيْنَ فَوْتِ الْمَحَل بِاخْتِيَارِ الْحَالِفِ، وَفَوْتِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَبَيْنَ حُصُول الْفَوْتِ أَوَّل الْوَقْتِ، أَوْ بَعْدَ أَوَّلِهِ، مَعَ التَّفْرِيطِ أَوْ عَدَمِهِ، وَكُل ذَا يُعْلَمُ مِنَ الشَّرَائِطِ الآْتِيَةِ. ١٣٠ - وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ إِلَيْهِ أَنَّ الْمُؤَقَّتَةَ إِذَا لَمْ يَبْدَأْ وَقْتُهَا مِنْ حِينِ الْحَلِفِ فَمَاتَ الْحَالِفُ، أَوْ فَاتَ الْمَحَل قَبْل بَدْءِ الْوَقْتِ فَلاَ حِنْثَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي الثَّانِيَةِ، فَقَالُوا بِالْحِنْثِ فِيهَا، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَال: وَاللَّهِ لأََشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوبِ غَدًا، فَمَاتَ هُوَ أَوْ شَرِبَ الْمَاءَ إِنْسَانٌ آخَرُ قَبْل فَجْرِ الْغَدِ، فَإِنَّهُ لاَ يُعَدُّ

стр. 4528

حَانِثًا فِي الْحَالَيْنِ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ. وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ أَيْضًا: أَنَّ التَّوْقِيتَ فِي الْيَمِينِ الْمُؤَقَّتَةِ يَشْمَل التَّوْقِيتَ نَصًّا، وَالتَّوْقِيتَ دَلاَلَةً، كَمَا لَوْ قِيل لإِِنْسَانٍ: أَتَدْخُل دَارَ فُلاَنٍ الْيَوْمَ؟ فَقَال: وَاللَّهِ لأََدْخُلَنَّهَا، أَوْ وَاللَّهِ لاَ أَدْخُلُهَا، فَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُؤَقَّتٌ بِالْيَوْمِ دَلاَلَةً؛ لِوُقُوعِهِ جَوَابًا عَنِ السُّؤَال الْمُحْتَوِي عَلَى قَيْدِ التَّوْقِيتِ بِالْيَوْمِ، وَهَذَا مِنْ يَمِينِ الْفَوْرِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا وَالْخِلاَفُ فِيهَا. شَرَائِطُ الْحِنْثِ: ١٣١ - الْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحِنْثَ هُوَ السَّبَبُ الْوَحِيدُ، أَوْ ثَانِي السَّبَبَيْنِ لِلْكَفَّارَةِ، أَوْ شَرِيطَةٌ لَهَا، لَمْ يُصَرِّحُوا بِشَرَائِطَ لِلْحِنْثِ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا أُمُورًا يَخْتَلِفُ الرَّأْيُ فِيهَا، إِذَا كَانَ الْحِنْثُ فِعْلاً أَوْ تَرْكًا، وَمِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ: الْعَمْدُ وَالطَّوَاعِيَةُ وَالتَّذَكُّرُ وَالْعَقْل. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لاَ يَشْتَرِطُونَ فِي الْحَلِفِ الطَّوَاعِيَةَ وَلاَ الْعَمْدَ، وَهُمْ لاَ يَشْتَرِطُونَهُمَا فِي الْحِنْثِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ لاَ يَشْتَرِطُونَ فِيهِ التَّذَكُّرَ وَلاَ الْعَقْل، فَمَنْ حَلَفَ أَوْ حَنِثَ مُخْطِئًا (١) أَوْ مُكْرَهًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَكَذَا مَنْ حَلَفَ أَلاَّ يَفْعَل شَيْئًا فَفَعَلَهُ وَهُوَ ذَاهِلٌ أَوْ سَاهٍ أَوْ نَاسٍ (٢) أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، بَل فَعَلَهُ بِهِ غَيْرُهُ قَهْرًا عَنْهُ لَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَلاَّ يَشْرَبَ هَذَا

стр. 4529

الْمَاءَ، فَصَبَّهُ إِنْسَانٌ فِي حَلْقِهِ قَهْرًا؛ لأَِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ شَارِبًا، فَلَمْ يَفْعَل مَا حَلَفَ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْهُ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ النِّسْيَانِ فِي الْحِنْثِ: مَا لَوْ قَال إِنْسَانٌ: وَاللَّهِ لاَ أَحْلِفُ، ثُمَّ حَلَفَ نَاسِيًا لِهَذِهِ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ بِهَذَا الْحَلِفِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ حِنْثًا فِي الْيَمِينِ الأُْولَى، ثُمَّ إِذَا حَنِثَ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى عَلَى الْقَوْل بِعَدَمِ تَدَاخُل الْكَفَّارَاتِ (١) وَسَيَأْتِي الْخِلاَفُ فِي ذَلِكَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْيَمِينَ إِمَّا يَمِينُ بِرٍّ، نَحْوُ وَاللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا، وَإِمَّا يَمِينُ حِنْثٍ، نَحْوُ وَاللَّهِ لأََفْعَلَنَّ كَذَا. ١٣٢ - أَمَّا يَمِينُ الْبِرِّ: فَيَحْنَثُ فِيهَا بِفِعْل مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ - وَكَذَا بِفِعْل بَعْضِهِ إِنْ كَانَ ذَا أَجْزَاءٍ - عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ خَطَأً قَلْبِيًّا، بِمَعْنَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِهَا إِذَا لَمْ يُقَيِّدْ يَمِينَهُ بِالْعَمْدِ أَوِ الْعِلْمِ، فَإِنْ قَيَّدَهَا بِالْعَمْدِ، بِأَنْ قَال: لاَ أَفْعَلُهُ عَمْدًا، لَمْ يَحْنَثْ بِالْخَطَأِ، وَإِنْ قَيَّدَ بِالْعِلْمِ، بِأَنْ قَال: لاَ أَفْعَلُهُ عَالِمًا، أَوْ لاَ أَفْعَلُهُ مَا لَمْ أَنْسَ لَمْ يَحْنَثْ بِالنِّسْيَانِ. وَلاَ يَحْنَثُ فِي يَمِينِ الْبِرِّ بِالْخَطَأِ اللِّسَانِيِّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لاَ يَذْكُرُ فُلاَنًا، ثُمَّ سَبَقَ لِسَانُهُ بِذِكْرِ اسْمِهِ، وَكَذَا لاَ يَحْنَثُ فِيهَا بِالإِْكْرَاهِ عَلَى فِعْل مَا حَلَفَ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِقُيُودٍ سِتَّةٍ: أ - أَلاَّ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُكْرَهُ عَلَى الْفِعْل. ب - أَلاَّ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِإِكْرَاهِهِ لَهُ ج - أَلاَّ يَكُونَ الإِْكْرَاهُ شَرْعِيًّا.

стр. 4530

د - أَلاَّ يَفْعَل ثَانِيًا طَوْعًا بَعْدَ زَوَال الإِْكْرَاهِ. هـ - أَلاَّ يَكُونَ الْحَلِفُ عَلَى شَخْصٍ بِأَنَّهُ لاَ يَفْعَل كَذَا، وَالْحَالِفُ هُوَ الْمُكْرَهُ لَهُ عَلَى فِعْلِهِ. و أَلاَّ يَقُول فِي يَمِينِهِ: لاَ أَفْعَلُهُ طَائِعًا وَلاَ مُكْرَهًا. فَإِنْ وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ حَنِثَ بِالإِْكْرَاهِ وَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ. ١٣٣ - وَأَمَّا يَمِينُ الْحِنْثِ: فَيَحْنَثُ فِيهَا بِالإِْكْرَاهِ عَلَى تَرْكِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَتَّى يَفُوتَ، كَمَا لَوْ قَال: وَاللَّهِ لأََدْخُلَنَّ دَارَ زَيْدٍ غَدًا، فَمُنِعَ مِنْ دُخُولِهَا بِالإِْكْرَاهِ حَتَّى غَرَبَتْ شَمْسُ الْغَدِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا: أَنَّهُ يَحْنَثُ أَيْضًا بِالتَّرْكِ نَاسِيًا وَمُخْطِئًا، بِأَنْ لَمْ يَتَذَكَّرِ الْحَلِفَ مِنَ الْغَدِ، أَوْ تَذَكَّرَهُ وَدَخَل دَارًا أُخْرَى يَعْتَقِدُ أَنَّهَا الدَّارُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْحَال حَتَّى مَضَى الْغَدُ. وَإِذَا فَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي يَمِينِ الْحِنْثِ بِمَانِعٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ شَرْعِيًّا أَوْ عَادِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا. ١٣٤ - فَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ شَرْعِيًّا حَنِثَ بِالْفَوَاتِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَتَقَدَّمَ الْمَانِعُ عَلَى الْحَلِفِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَمْ تَأَخَّرَ، وَسَوَاءٌ أَفَرَّطَ فِيهِ حَتَّى فَاتَ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْيَمِينُ مُؤَقَّتَةً أَمْ لاَ. مِثَال ذَلِكَ: مَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يُبَاشِرَ زَوْجَتَهُ غَدًا فَطَرَأَ الْحَيْضُ، أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْل الْحَلِفِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَيَحْنَثُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْبَغَ خِلاَفًا لاِبْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِالْغَدِ لَمْ يَحْنَثْ، بَل يَنْتَظِرُ حَتَّى تَطْهُرَ فَيُبَاشِرَهَا. ١٣٥ - وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ عَادِيًّا، فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْيَمِينِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَحَلَفَ لَمْ يَحْنَثْ مُطْلَقًا، أَقَّتَ أَمْ لاَ، فَرَّطَ أَمْ لاَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ حَنِثَ مُطْلَقًا، خِلاَفًا

стр. 4531

لأَِشْهَبَ حَيْثُ قَال بِعَدَمِ الْحِنْثِ. مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَحْلِفَ لَيَذْبَحَنَّ هَذَا الْكَبْشَ، أَوْ لَيَلْبَسَنَّ هَذَا الثَّوْبَ، أَوْ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ، فَسُرِقَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَوْ غُصِبَ، أَوْ مُنِعَ الْحَالِفُ مِنَ الْفِعْل بِالإِْكْرَاهِ، أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سُرِقَ قَبْل الْيَمِينِ أَوْ غُصِبَ وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَلِفِ. وَمَحَل الْحِنْثِ مِنَ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَانِعِ الْعَادِيِّ، إِذَا أَطْلَقَ الْحَالِفُ الْيَمِينَ فَلَمْ يُقَيَّدْ بِإِمْكَانِ الْفِعْل وَلاَ بِعَدَمِهِ، أَوْ قَيَّدَ بِالإِْطْلاَقِ، كَأَنْ قَال: لأََفْعَلَنَّ كَذَا وَسَكَتَ، أَوْ لأََفْعَلَنَّ كَذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ أَمْ لاَ، فَإِنْ قَيَّدَ بِالإِْمْكَانِ فَلاَ حِنْثَ، بِأَنْ قَال: لأََفْعَلَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ، أَوْ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ. ١٣٦ - وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ عَقْلِيًّا، فَإِنْ تَقَدَّمَ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْمَانِعِ الْعَادِيِّ، وَإِنْ تَأَخَّرَ فَإِمَّا إِنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُؤَقَّتَةً أَوْ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ. فَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً، وَفَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَبْل ضِيقِ الْوَقْتِ، لَمْ يَحْنَثْ إِنْ حَصَل الْمَانِعُ عَقِبَ الْيَمِينِ، وَكَذَا إِنْ تَأَخَّرَ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ فَرَّطَ، فَإِنْ تَأَخَّرَ مَعَ التَّفْرِيطِ حَنِثَ. مِثَال ذَلِكَ: مَا لَوْ حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّ هَذَا الْحَمَامَ أَوْ لَيَلْبَسَنَّ هَذَا الثَّوْبَ، فَمَاتَ الْحَمَامُ أَوْ أُحْرِقَ الثَّوْبُ وَكَانَ قَدْ أَطْلَقَ الْيَمِينَ، أَوْ أَقَّتَ بِقَوْلِهِ: هَذَا الْيَوْمَ، أَوْ هَذَا الشَّهْرَ مَثَلاً. وَصُورَةُ تَقَدُّمِ الْمَانِعِ: أَنْ يَكُونَ غَائِبًا عَنِ الْمَنْزِل مَثَلاً، فَيَقُول: وَاللَّهِ لأََذْبَحَنَّ الْحَمَامَ الَّذِي بِالْمَنْزِل، أَوْ لأََلْبَسَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي فِي الْخِزَانَةِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ بَعْدَ الْحَلِفِ مَوْتُ الْحَمَامِ أَوِ احْتِرَاقُ الثَّوْبِ قَبْل أَنْ يَحْلِفَ. (١)

стр. 4532

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَحْنَثُ مَنْ خَالَفَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ جَاهِلاً أَوْ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ مَقْهُورًا، وَلاَ تَنْحَل الْيَمِينُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَلاَ يَحْنَثُ أَيْضًا إِنْ تَعَذَّرَ الْبِرُّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْجَهْل: مَا لَوْ حَلَفَ لاَ يُسَلِّمُ عَلَى زَيْدٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي ظُلْمَةٍ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ أَنَّهُ زَيْدٌ، وَمَا لَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل عَلَى بَكْرٍ، فَدَخَل دَارًا هُوَ فِيهَا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِيهَا. وَأَمْثِلَةُ النِّسْيَانِ وَالإِْكْرَاهِ ظَاهِرَةٌ. وَمِثَال الْقَهْرِ: مَا لَوْ حَلَفَ: لاَ يَدْخُل دَارَ خَالِدٍ، فَحُمِل وَأُدْخِل قَهْرًا، وَيُلْحَقُ بِهِ مَنْ حُمِل بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلَمْ يَمْتَنِعْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى دَاخِلاً، بِخِلاَفِ مَنْ حُمِل بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لأَِنَّهُ يُسَمَّى دَاخِلاً، كَمَا لَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَدَخَل بِهَا. وَمِنْ صُوَرِ تَعَذُّرِ الْبِرِّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، مَا لَوْ قَال: وَاللَّهِ لآَكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدًا، فَتَلِفَ الطَّعَامُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْحَالِفِ، أَوْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْل فَجْرِ الْغَدِ، فَإِنَّهُ لاَ يَحْنَثُ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَلِفَ بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَفِي وَقْتِ حِنْثِهِ خِلاَفٌ، فَقِيل: هُوَ وَقْتُ التَّلَفِ، وَقِيل: هُوَ غُرُوبُ شَمْسِ الْغَدِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْحِنْثَ يَتَحَقَّقُ بِمُضِيِّ زَمَنِ إِمْكَانِ الأَْكْل مِنْ فَجْرِ الْغَدِ. وَمِنْ صُوَرِ الْفَوْتِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ: مَا لَوْ تَلِفَ فِي الْغَدِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، أَوْ مَاتَ فِي الْغَدِ قَبْل التَّمَكُّنِ مِنْ أَكْلِهِ. (١) وَقَالُوا أَيْضًا: لَوْ حَلَفَ لاَ يَأْكُل هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ، أَوْ لاَ يَلْبَسُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ، أَوْ لَيَفْعَلَنَّ ذَلِكَ، تَعَلَّقَ الْحِنْثُ وَالْبِرُّ بِالْمَجْمُوعِ وَلَوْ مُتَفَرِّقًا، وَكَذَا لَوْ عَطَفَ

стр. 4533

بِالْوَاوِ نَحْوَ: لاَ أُكَلِّمُ زَيْدًا وَعَمْرًا، أَوْ لاَ آكُل اللَّحْمَ وَالْعِنَبَ، أَوْ لأَُكَلِّمَنَّ زَيْدًا وَعَمْرًا، أَوْ لآَكُلَنَّ اللَّحْمَ وَالْعِنَبَ، فَإِنَّ الْحِنْثَ وَالْبِرَّ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، فَلاَ يَحْنَثُ فِي الْمِثَالَيْنِ الأَْوَّلَيْنِ، وَلاَ يَبَرُّ فِي الْمِثَالَيْنِ الأَْخِيرَيْنِ إِلاَّ بِفِعْل الْمَجْمُوعِ وَلَوْ مُتَفَرِّقًا. ١٣٧ - وَيُسْتَثْنَى فِي حَالَةِ النَّفْيِ مَا لَوْ كَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ، كَأَنْ قَال: وَاللَّهِ لاَ أُكَلِّمُ زَيْدًا وَلاَ عَمْرًا. فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِتَكْلِيمِ أَحَدِهِمَا، وَتَبْقَى الْيَمِينُ، فَيَحْنَثُ حِنْثًا ثَانِيًا بِتَكْلِيمِ الثَّانِي. وَإِنْ قَال: لاَ أُكَلِّمُ أَحَدَهُمَا أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَأَطْلَقَ، حَنِثَ بِكَلاَمِ وَاحِدٍ وَانْحَلَّتِ الْيَمِينُ. وَإِنْ قَال: لاَ آكُل هَذِهِ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا إِلاَّ حَبَّةً لَمْ يَحْنَثْ، أَوْ قَال: لآَكُلَنَّ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ، فَأَكَلَهَا إِلاَّ حَبَّةً لَمْ يَبَرَّ. وَخَرَجَ بِالْحَبَّةِ: الْقِشْرُ وَنَحْوُهُ مِمَّا لاَ يُؤْكَل مِنَ الرُّمَّانَةِ عَادَةً (١) . وَالْحَنَابِلَةُ يُوَافِقُونَ الشَّافِعِيَّةَ فِي كُل مَا سَبَقَ، مَا عَدَا تَفْوِيتَ الْبِرِّ، فَقَدْ قَالُوا: لَوْ حَلَفَ إِنْسَانٌ لَيَشْرَبَنَّ هَذَا الْمَاءَ غَدًا، فَتَلِفَ قَبْل الْغَدِ أَوْ فِيهِ حَنِثَ، وَلاَ يَحْنَثُ بِجُنُونِهِ أَوْ إِكْرَاهِهِ قَبْل الْغَدِ مَعَ اسْتِمْرَارِ ذَلِكَ إِلَى خُرُوجِ الْغَدِ، وَلاَ يَحْنَثُ أَيْضًا بِمَوْتِهِ قَبْل الْغَدِ. وَلَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ هَذَا الْمَاءَ الْيَوْمَ أَوْ أَطْلَقَ، فَتَلِفَ قَبْل مُضِيِّ وَقْتٍ يَسَعُ الشُّرْبَ لَمْ يَحْنَثْ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَلِفَ بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَقِيل: يَحْنَثُ فِي الْحَالَيْنِ. (٢)

стр. 4534

بَيَانُ الْكَفَّارَةِ: ١٣٨ - كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى إِذَا حَنِثَ فِيهَا وَهِيَ مُنْعَقِدَةٌ قَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حَيْثُ قَال: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِين مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) فَقَدْ بَيَّنَتِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّخْيِيرِ ابْتِدَاءً، وَالتَّرْتِيبِ انْتِهَاءً، فَالْحَالِفُ إِذَا حَنِثَ وَجَبَ عَلَيْهِ إِحْدَى خِصَالٍ ثَلاَثٍ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كِسْوَتُهُمْ، أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإِذَا عَجَزَ عَنِ الثَّلاَثِ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ نَصٌّ قُرْآنِيٌّ قَاطِعٌ، غَيْرَ أَنَّ فِي التَّفَاصِيل اخْتِلاَفَاتٍ مَنْشَؤُهَا الاِجْتِهَادُ، وَمَوْضِعُ بَسْطِهَا (الْكَفَّارَاتُ) . هَل تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ ؟ ١٣٩ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَحَنِثَ فِيهَا وَأَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ يَمِينًا أُخْرَى وَحَنِثَ فِيهَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى، وَلاَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ الأُْولَى عَنْ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ. وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِيمَنْ حَلَفَ أَيْمَانًا وَحَنِثَ فِيهَا، ثُمَّ أَرَادَ التَّكْفِيرَ، هَل تَتَدَاخَل الْكَفَّارَاتُ فَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ

стр. 4535

وَاحِدَةٌ؟ أَوْ لاَ تَتَدَاخَل فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِكُل يَمِينٍ كَفَّارَةٌ؟ فَإِنَّ الْكَفَّارَاتِ تَتَدَاخَل عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحَدِ الأَْقْوَال عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَلاَ تَتَدَاخَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَلاَ الشَّافِعِيَّةِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (الْكَفَّارَاتِ) . وَمِثْل الْحَلِفِ بِاللَّهِ الْحَلِفُ بِالنُّذُورِ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا الْحَلِفُ بِالطَّلاَقِ عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، كَمَا لَوْ قَال: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، قَاصِدًا الْمَنْعَ، أَوْ يَلْزَمُنِي الطَّلاَقُ إِنْ فَعَلْتِ كَذَا. (١) أَحْكَامُ الْيَمِينِ التَّعْلِيقِيَّةِ حُكْمُ تَعْلِيقِ الْكُفْرِ: ١٤٠ - سَبَقَ بَيَانُ الْخِلاَفِ فِي أَنَّ تَعْلِيقَ الْكُفْرِ عَلَى مَا لاَ يُرِيدُهُ الإِْنْسَانُ يُعْتَبَرُ يَمِينًا أَوْ لاَ يُعْتَبَرُ. فَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ يَمِينًا لاَ يُرَتِّبُونَ عَلَى الْحِنْثِ فِيهِ كَفَّارَةً، فَيَسْتَوِي عِنْدَهُمْ أَنْ يَبَرَّ فِيهِ وَأَنْ يَحْنَثَ، لَكِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ حُكْمَ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ. وَالْقَائِلُونَ بِاعْتِبَارِهِ يَمِينًا يَجْعَلُونَهُ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَفِي الْبَدَائِعِ مَا خُلاَصَتُهُ: أَنَّ الْحَلِفَ بِأَلْفَاظِ الْكُفْرِ يَمِينٌ اسْتِحْسَانًا؛ لأَِنَّهُ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ بِهَذِهِ الأَْلْفَاظِ مِنْ عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. (٢) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَلِفًا شَرْعِيًّا لَمَا تَعَارَفُوهُ؛ لأَِنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْصِيَةٌ، فَدَل تَعَارُفُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ الْحَلِفِ بِاللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِل

стр. 4536

وَجْهَ الْكِنَايَةِ. وَقَال إِبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ مَا خُلاَصَتُهُ: يُمْكِنُ تَقْرِيرُ وَجْهِ الْكِنَايَةِ، بِأَنْ يُقَال مَقْصُودُ الْحَالِفِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الاِمْتِنَاعُ عَنِ الشَّرْطِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ النَّفْرَةَ عَنِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ تَعْظِيمَ اللَّهِ، كَأَنْ قَال: وَاللَّهِ الْعَظِيمِ لاَ أَفْعَل كَذَا. (١) وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى فِي شَرَائِطِ انْعِقَادِهِ وَبَقَائِهِ، وَفِي تَقْسِيمِهِ إِلَى غَمُوسٍ وَلَغْوٍ وَمُنْعَقِدٍ، وَفِي أَحْكَامِ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ وَالْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحِنْثِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِيهِ نِسْبَةُ الْكُفْرِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ مُعَلَّقَةً عَلَى شَرْطٍ أَمْكَنَ الْقَوْل بِأَنَّهُ تَارَةً يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ، وَتَارَةً لاَ، وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ عِنْدَ النُّطْقِ لَمْ يَكُنْ مُنْعَقِدًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ الإِْسْلاَمَ فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى فَكَذَلِكَ يَشْتَرِطُونَهُ فِي انْعِقَادِ تَعْلِيقِ الْكُفْرِ، وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْحَلِفِ بَطَل عِنْدَهُمْ بَعْدَ انْعِقَادِهِ، كَمَا تَبْطُل الْيَمِينُ بِاللَّهِ بَعْدَ انْعِقَادِهَا إِذَا كَفَّرَ قَائِلُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. حُكْمُ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ: ١٤١ - مَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُنَجَّزَةً يَكُونُ كَافِرًا حَالاً مَتَى تَوَفَّرَتْ شَرَائِطُ الرِّدَّةِ، وَمَنْ عَلَّقَهَا عَلَى أَمْرٍ بِغَيْرِ قَصْدِ الْيَمِينِ يَكُونُ كَافِرًا فِي الْحَال أَيْضًا وَإِنْ كَانَ مَا عَلَّقَهَا عَلَيْهِ مُسْتَقْبَلاً؛ لأَِنَّ الرِّضَى بِالْكُفْرِ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَل ارْتِدَادٌ عَنِ الإِْسْلاَمِ فِي الْحَال، وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُول إِنْسَانٌ: إِذَا كَانَ الْغَدُ فَهُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ إِذَا شَفَاهُ اللَّهُ عَلَى يَدِ هَذَا النَّصْرَانِيِّ فَهُوَ نَصْرَانِيٌّ.

стр. 4537

وَأَمَّا مَنْ عَلَّقَ الْكُفْرَ بِقَصْدِ الْيَمِينِ فَالأَْصْل فِيهِ أَنَّهُ لاَ يَكْفُرُ، سَوَاءٌ أَعَلَّقَهُ عَلَى مَاضٍ أَمْ حَاضِرٍ أَمْ مُسْتَقْبَلٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ كَاذِبًا أَمْ لَمْ يَكُنْ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا يَقْصِدُ الْمَنْعَ مِنَ الشَّرْطِ أَوِ الْحَثَّ عَلَى نَقِيضِهِ أَوِ الإِْخْبَارَ بِنَقِيضِهِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا - تَرْوِيجًا لِكَذِبِهِ. فَمَنْ قَال: إِنْ كَلَّمْتُ فُلاَنَةَ، أَوْ إِنْ لَمْ أُكَلِّمْهَا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الإِْسْلاَمِ، فَمَقْصُودُهُ مَنْعُ نَفْسِهِ مِنَ التَّكْلِيمِ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى أَوْ حَثُّ نَفْسِهِ عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ حَذَرًا مِنَ الْكُفْرِ، فَلاَ يَكُونُ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ، وَمَنْ قَال: إِنْ لَمْ أَكُنِ اشْتَرَيْتُ هَذَا بِدِينَارٍ فَهُوَ يَهُودِيٌّ، وَأَرَادَ بِهَذَا حَمْل الْمُخَاطَبِ عَلَى تَصْدِيقِ مَا ادَّعَاهُ وَكَانَ كَاذِبًا عَمْدًا لاَ يَكُونُ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ تَرْوِيجَ كَذِبِهِ بِتَعْلِيقِ الْكُفْرِ عَلَى نَقِيضِهِ. هَذَا هُوَ الأَْصْل، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ جَاهِلاً، فَيَعْتَقِدُ أَنَّ الْحَلِفَ بِصِيغَةِ الْكُفْرِ كُفْرٌ، أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِإِقْدَامِهِ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ أَوْ إِحْجَامِهِ عَمَّا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ. فَفِي الصُّورَةِ الأُْولَى يُعْتَبَرُ كَافِرًا بِمُجَرَّدِ الْحَلِفِ لأَِنَّهُ تَكَلَّمَ بِمَا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا، فَكَانَ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ حَالاً. وَفِي الصُّورَتَيْنِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ يَكْفُرُ بِالإِْقْدَامِ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَالإِْحْجَامِ عَمَّا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ؛ لأَِنَّهُ عَمِل عَمَلاً يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا، فَكَانَ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ، وَلاَ يَكْفُرُ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِالْيَمِينِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ إِلاَّ إِذَا كَانَ حِينَ النُّطْقِ عَازِمًا عَلَى الْحِنْثِ؛ لأَِنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْكُفْرِ كُفْرٌ. (١) ١٤٢ - وَصَفْوَةُ الْقَوْل أَنَّ الْحَلِفَ بِالْكُفْرِ لاَ يُعَدُّ

стр. 4538

كُفْرًا، إِلاَّ إِذَا كَانَ قَائِلُهُ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ، وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْغَمُوسِ وَغَيْرِهَا، وَيُقَابِلُهُ رَأْيَانِ فِي الْغَمُوسِ - أَيِ الْحَلِفِ عَلَى الْكَذِبِ الْعَمْدِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَكْفُرُ وَإِنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ. ثَانِيهِمَا: أَنَّهُ يَكْفُرُ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْكُفْرَ. وَوَجْهُ الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنِ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ الرِّضَى بِهِ، فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يُقْدِمُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ. وَالْحَالِفُ غَرَضُهُ تَرْوِيجُ كَذِبِهِ أَوْ إِظْهَارُ امْتِنَاعِهِ، فَهُوَ حِينَمَا يَنْطِقُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا إِنَّمَا يَأْتِي بِهِ صُورَةً مَحْضَةً خَالِيَةً مِنَ الرِّضَى بِالْكُفْرِ. وَوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَالِفَ لَمَّا عَلَّقَ الْكُفْرَ بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ كَانَ تَنْجِيزًا فِي الْمَعْنَى، كَأَنَّهُ قَال ابْتِدَاءً: هُوَ كَافِرٌ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَال: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِْسْلاَمِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَال (١) . حُكْمُ الإِْقْدَامِ عَلَى تَعْلِيقِ الْكُفْرِ فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ: ١٤٣ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ تَعْلِيقُ الْكُفْرِ بِقَصْدِ الْحَلِفِ، وَلاَ يَرْتَدُّ إِنْ فَعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَفَعَلَهُ أَمْ لَمْ يَفْعَلْهُ، لأَِنَّهُ ارْتَكَبَ ذَنْبًا. فَإِنْ قَصَدَ الإِْخْبَارَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ كَانَ رِدَّةً، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ هَزْلاً (٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَحْرُمُ تَعْلِيقُ الْكُفْرِ

стр. 4539

الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْيَمِينَ عَادَةً، وَلاَ يَكْفُرُ بِهِ إِذَا قَصَدَ تَبْعِيدَ نَفْسِهِ عَنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ أَطْلَقَ، فَإِنْ قَصَدَ حَقِيقَةَ التَّعْلِيقِ، أَوْ قَصَدَ الرِّضَى بِالْكُفْرِ كَفَرَ مِنْ فَوْرِهِ، دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى حُصُول الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، إِذِ الرِّضَى بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، ثُمَّ إِنْ كَفَرَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالْعَوْدَةُ إِلَى الإِْسْلاَمِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ أَيْضًا، وَنُدِبَ لَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ كَأَنْ يَقُول: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. وَنُدِبَ لَهُ أَنْ يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَمَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ وَتَعَذَّرَتْ مُخَاطَبَتُهُ، وَكَانَ قَدْ عَلَّقَ الْكُفْرَ وَلَمْ يُعْرَفْ قَصْدُهُ، فَمُقْتَضَى كَلاَمِ الأَْذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، خِلاَفًا لِمَا اعْتَمَدَهُ الإِْسْنَوِيُّ مِنَ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ عَنِ الْكُفْرِ. (١) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَحْرُمُ الإِْقْدَامُ عَلَى الْيَمِينِ بِالْكُفْرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِصُورَةِ التَّعْلِيقِ نَحْوَ: إِنْ فَعَل كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ، أَمْ بِصُورَةِ الْقَسَمِ نَحْوَ: هُوَ يَهُودِيٌّ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا. وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهُ يَكْفُرُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَفَرَ مُنَجَّزًا. (٢) حُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهِ: ١٤٤ - إِذَا قَصَدَ بِتَعْلِيقِ الْكُفْرِ تَأْكِيدَ خَبَرٍ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا كَانَ الْحَالِفُ بَارًّا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كَانَ

стр. 4540

الْحَالِفُ حَانِثًا، وَالْبِرُّ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى، وَالْحِنْثُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مُقَارِنَانِ لِتَمَامِ الْيَمِينِ، فَلاَ حُكْمَ لَهُمَا سِوَى حُكْمِ الإِْقْدَامِ. وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْبِرِّ وَالْحِنْثِ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَأْكِيدَ الْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ، فَإِنَّهُمَا حِينَئِذٍ يَكُونَانِ مُتَأَخِّرَيْنِ. وَالْخُلاَصَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْكُفْرِ بِقَصْدِ الْيَمِينِ إِنْ كَانَ صَادِقًا أَوْ غَمُوسًا أَوْ لَغْوًا فَلَيْسَ لِلْبِرِّ فِي الأَْوَّل وَالْحِنْثِ فِي الأَْخِيرَيْنِ حُكْمٌ سِوَى حُكْمِ الإِْقْدَامِ عَلَى التَّعْلِيقِ. وَإِنْ كَانَ مُنْعَقِدًا، فَحُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهِ هُوَ حُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى الْمُنْعَقِدَةِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِيهِ تَفْصِيلاً. مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحِنْثِ فِيهِ: ١٤٥ - سَبَقَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيقِ الْكُفْرِ بِقَصْدِ الْيَمِينِ، أَهُوَ يَمِينٌ شَرْعِيَّةٌ أَمْ لاَ؟ فَمَنْ قَال: إِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ قَال: لاَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهِ، وَمَنْ قَال: إِنَّهُ يَمِينٌ قَال: إِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهِ إِنْ كَانَ مُنْعَقِدًا، فَإِنْ كَانَ لَغْوًا لَمْ تَجِبْ فِيهِ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَمُوسًا فَفِيهِ الْخِلاَفُ الَّذِي فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ بِاللَّهِ تَعَالَى. أَحْكَامُ تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ وَالْتِزَامِ الْقُرْبَةِ: مُقَارَنَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى: ١٤٦ - سَبَقَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْكُفْرِ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهَا مِنْ شَرَائِطَ وَأَقْسَامٍ وَأَحْكَامٍ.

стр. 4541

وَلَيْسَ لِبَقِيَّةِ التَّعْلِيقَاتِ هَذِهِ الصِّفَةُ، فَهِيَ تُخَالِفُ الْيَمِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى فِي أُمُورٍ: الأَْمْرُ الأَْوَّل: أَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ قَبِيل الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، بِخِلاَفِ تَعْلِيقِ الْكُفْرِ فَقَدْ قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِذَاتِهِ، لَكِنَّهُمْ قَرَّرُوا أَيْضًا أَنَّ يَمِينَ الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ إِذَا كَانَتْ لِلاِسْتِيثَاقِ جَازَتْ عَلَى الأَْصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ. الأَْمْرُ الثَّانِي: أَنَّهَا لاَ تَنْقَسِمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى غَمُوسٍ وَلَغْوٍ وَمُنْعَقِدَةٍ، بَل تُعْتَبَرُ كُلُّهَا مُنْعَقِدَةً، سَوَاءٌ أَقَصَدَ بِهَا تَأْكِيدَ خَبَرٍ أَمْ تَأْكِيدَ حَثٍّ أَوْ مَنْعٍ، فَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا وَقَعَ طَلاَقُهُ، وَكَذَا مَنْ كَانَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ صَادِقٌ وَكَانَ مُخْطِئًا فِي اعْتِقَادِهِ (١) لأَِنَّ الطَّلاَقَ وَالْعِتْقَ وَالْتِزَامَ الْقُرْبَةِ يَسْتَوِي فِيهَا الْهَزْل وَالْجِدُّ؛ لِحَدِيثِ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ (٢) . وَيُقَاسُ بِالطَّلاَقِ الْعَتَاقُ وَالْتِزَامُ الْقُرْبَةِ، فَإِذَا كَانَ هَزْل هَذِهِ الثَّلاَثَةِ جِدًّا، فَالْكَذِبُ فِي الْحَلِفِ بِهَا يَكُونُ جِدًّا أَيْضًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ هَزْلَهَا جِدٌّ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ، لَكِنْ لَمْ يُلْحَقْ فِيهَا الْغَمُوسُ وَاللَّغْوُ بِالْهَزْل لأَِدِلَّةٍ أَخْرَجَتْهُمَا. الأَْمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ التَّعْلِيقَاتِ يَقَعُ جَزَاؤُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ، فَتَعْلِيقُ الطَّلاَقِ يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ عِنْدَ تَحَقُّقِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ، وَكَذَا تَعْلِيقُ الْعَتَاقِ، وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْتِزَامِ الْقُرْبَةِ فَيُخَيَّرُ الْحَالِفُ بِهِ

стр. 4542

بَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ سَبَقَ بَيَانُهَا. حُكْمُ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ: ١٤٧ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَجُوزُ (١) وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمُ الإِْقْسَامُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، نَحْوَ " وَأَبِي "، كَمَا يَدْخُل الْحَلِفُ بِالطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ مِنَ التَّعْلِيقَاتِ، لَكِنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ تَعْلِيقَ الْكُفْرِ، فَقَدْ جَعَلُوهُ كِنَايَةً عَنِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا تَعْلِيقَ الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ بِقَصْدِ الاِسْتِيثَاقِ، فَأَجَازُوهُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا هَذَا، (٢) كَمَا تَقَدَّمَ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ الْحَلِفِ بِالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ (٣) ، وَلِمَعْرِفَةِ بَاقِي الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَوَاضِعِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. حُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهِ: ١٤٨ - إِذَا قَصَدَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ التَّعْلِيقَاتِ تَأْكِيدَ خَبَرٍ، وَكَانَ صَادِقًا فِي الْوَاقِعِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهَا حِنْثٌ؛ لأَِنَّهَا مَبْرُورَةٌ حِينَ النُّطْقِ بِهَا، وَلَيْسَ لِلْبِرِّ فِيهَا حُكْمٌ سِوَى حُكْمِ الإِْقْدَامِ عَلَيْهَا. وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي الْوَاقِعِ لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهَا بِرٌّ؛ لأَِنَّ

стр. 4543

الْحِنْثَ مُقَارِنٌ لِتَمَامِ الإِْتْيَانِ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ حُكْمٌ سِوَى حُكْمِ الإِْقْدَامِ عَلَيْهَا. وَإِنْ قَصَدَ بِشَيْءٍ مِنْهَا تَأْكِيدَ الْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ، فَحُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهَا هُوَ حُكْمُ الْحِنْثِ وَالْبِرِّ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى الْمُنْعَقِدَةِ، فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ الاِخْتِلاَفِ فِيهِ، كَمَا سَبَقَ حُكْمُ الإِْبْرَارِ إِنْ كَانَ حَلِفًا عَلَى الْغَيْرِ. مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحِنْثِ فِيهِ: ١٤٩ - يَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّ الْحِنْثَ فِي هَذِهِ التَّعْلِيقَاتِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُصُول الْجَزَاءِ، إِلاَّ تَعْلِيقَ الْتِزَامِ الْقُرْبَةِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحِنْثِ بِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ يَتَخَيَّرُ الْحَالِفُ بَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. انْحِلاَل الْيَمِينِ: الْيَمِينُ إِمَّا مُؤَكِّدَةٌ لِلْخَبَرِ الْمَاضِي أَوِ الْحَاضِرِ أَوِ الْمُسْتَقْبَل، وَإِمَّا مُؤَكِّدَةٌ لِلْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ. ١٥٠ - فَالْمُؤَكِّدَةُ لِلْخَبَرِ: إِنْ كَانَ مَاضِيًا أَوْ حَاضِرًا فَهِيَ مُنْحَلَّةٌ مِنْ حِينِ النُّطْقِ بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ صَادِقَةً أَمْ غَمُوسًا أَمْ لَغْوًا؛ لأَِنَّ الْبِرَّ وَالْحِنْثَ وَالإِْلْغَاءَ يَقْتَضِي كُلٌّ مِنْهَا انْحِلاَل الْيَمِينِ. وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلاً صُدِّقَا يَقِينًا فَهِيَ مُنْحَلَّةٌ أَيْضًا مِنْ حِينِ النُّطْقِ بِهَا، نَحْوَ: وَاللَّهِ لأََمُوتَنَّ، أَوْ لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ الْخَلاَئِقَ؛ لأَِنَّهَا بَارَّةٌ مِنْ حِينِ النُّطْقِ بِهَا، وَلاَ يَتَوَقَّفُ بِرُّهَا عَلَى حُصُول الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ. وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلاً كَذِبًا عَمْدًا، كَقَوْل الْقَائِل: وَاللَّهِ لأََشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ مَاءَ

стр. 4544

فِيهِ، فَهِيَ غَمُوسٌ، وَقَدْ سَبَقَ الْخِلاَفُ فِي انْعِقَادِهَا: فَمَنْ قَال بِانْعِقَادِهَا يَقُول: إِنَّ الْحِنْثَ قَارَنَ الاِنْعِقَادَ فَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ وَانْحَلَّتْ، وَمَنْ قَال بِعَدَمِ انْعِقَادِهَا قَال: إِنَّهَا لاَ حَاجَةَ بِهَا إِلَى الاِنْحِلاَل كَمَا لاَ يَخْفَى. وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلاً كَذِبًا خَطَأً، بِأَنْ كَانَ الْحَالِفُ يَعْتَقِدُهُ صِدْقًا، فَحُكْمُهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ حُكْمُ اللَّغْوِ، فَهِيَ مُنْحَلَّةٌ مِنْ حِينِ انْعِقَادِهَا، أَوْ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ أَصْلاً، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْيَمِينِ عَلَى الْحَثِّ وَالْمَنْعِ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا. ١٥١ - وَالْمُؤَكِّدَةُ لِلْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ تَنْحَل بِأُمُورٍ: الأَْوَّل: الرِّدَّةُ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى - وَهِيَ تَحُل الْيَمِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ تَحْرِيمِ الْحَلاَل وَتَعْلِيقِ الْكُفْرِ بِقَصْدِ الْيَمِينِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ فِي بَقَاءِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ الإِْسْلاَمَ، كَمَا يَشْتَرِطُونَهُ فِي أَصْل الاِنْعِقَادِ، فَالرِّدَّةُ عِنْدَهُمْ تُبْطِل الاِنْعِقَادَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ قَبْل الْحِنْثِ أَمْ بَعْدَهُ، وَلاَ يَرْجِعُ الاِنْعِقَادُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الإِْسْلاَمِ. الثَّانِي: ذِكْرُ الاِسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ بِشَرَائِطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ. فَمَنْ حَلَفَ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ الاِسْتِثْنَاءُ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، فَإِذَا وَصَل بِهَا الاِسْتِثْنَاءَ انْحَلَّتْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَخَالَفَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: لاَ بُدَّ مِنْ قَصْدِ الاِسْتِثْنَاءِ قَبْل فَرَاغِ الْيَمِينِ، ثُمَّ وَصَل الاِسْتِثْنَاءَ بِهِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الاِسْتِثْنَاءُ مَانِعًا مِنَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ. الثَّالِثُ: فَوَاتُ الْمَحَل فِي الْيَمِينِ عَلَى الإِْثْبَاتِ الْمُؤَقَّتِ، نَحْوَ: وَاللَّهِ لأََشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ، فَإِذَا صَبَّهُ الْحَالِفُ أَوْ غَيْرُهُ انْحَلَّتِ الْيَمِينُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْبِرَّ لاَ يَجِبُ إِلاَّ آخِرَ الْيَوْمِ - أَيِ الْوَقْتِ الْمُتَّصِل بِغُرُوبِ الشَّمْسِ - وَفِي هَذَا الْوَقْتِ لاَ يُمْكِنُهُ

стр. 4545

الْبِرُّ؛ لِحُصُول الْفَرَاغِ مِنَ الْمَاءِ قَبْلَهُ، فَلاَ يَحْنَثُ، وَبِهَذَا يَعْلَمُ انْحِلاَل يَمِينِهِ مِنْ حِينِ فَرَاغِ الْكُوزِ. وَغَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ يَرَوْنَ أَنَّ فَوَاتَ الْمَحَل إِذَا كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْحَالِفِ وَقَبْل تَمَكُّنِهِ مِنَ الْبِرِّ يُحَل يَمِينُهُ، كَمَا لَوِ انْصَبَّ الْكُوزُ عَقِبَ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ، أَوْ أَخَذَهُ إِنْسَانٌ فَشَرِبَهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ. الرَّابِعُ: الْبِرُّ فِي الْيَمِينِ، بِأَنْ يَفْعَل كُل مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، أَوْ يَسْتَمِرَّ عَلَى تَرْكِ كُل مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ. الْخَامِسُ: الْحِنْثُ، فَإِنَّ الْيَمِينَ إِذَا انْعَقَدَتْ، ثُمَّ حَصَل الْحِنْثُ بِوُقُوعِ مَا حَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ، أَوْ بِالْيَأْسِ مِنْ وُقُوعِ مَا حَلَفَ عَلَى ثُبُوتِهِ، فَهَذَا الْحِنْثُ تَنْحَل بِهِ الْيَمِينُ. السَّادِسُ: الْعَزْمُ عَلَى الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ عَلَى الإِْثْبَاتِ الْمُطْلَقِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَلَوْ قَال: وَاللَّهِ لأََتَزَوَّجَنَّ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ الزَّوَاجِ طُول حَيَاتِهِ، فَمِنْ حِينِ الْعَزْمِ تَنْحَل الْيَمِينُ، وَيُعْتَبَرُ حَانِثًا، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ رَجَعَ عَنْ عَزْمِهِ لَمْ تَرْجِعِ الْيَمِينُ. السَّابِعُ: الْبَيْنُونَةُ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلاَقِ، فَمَنْ قَال لاِمْرَأَتِهِ: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ بِخُلْعٍ أَوْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ، أَوْ بِإِكْمَال الطَّلاَقِ ثَلاَثًا، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ لَمْ يَعُدِ التَّعْلِيقُ لاِنْحِلاَلِهِ بِالْبَيْنُونَةِ. جَامِعُ الأَْيْمَانِ الأُْمُورُ الَّتِي تُرَاعَى فِي أَلْفَاظِ الأَْيْمَانِ: ١٥٢ - مَعْلُومٌ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْحَالِفُ يَشْتَمِل عَلَى أَفْعَالٍ وَأَسْمَاءٍ وَحُرُوفٍ لَهَا مَعَانٍ لُغَوِيَّةٌ

стр. 4546

أَوْ عُرْفِيَّةٌ، وَأَنَّهَا تَارَةً تَكُونُ مُقَيَّدَةً بِقُيُودٍ لَفْظِيَّةٍ، وَتَارَةً تَقُومُ الْقَرَائِنُ عَلَى تَقْيِيدِهَا، وَقَدْ يَقْصِدُ الْحَالِفُ مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ أَوْ لاَ يَحْتَمِلُهُ، وَكُل هَذَا يَخْتَلِفُ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَجِبُ مُرَاعَاتُهُ عِنْدَ اخْتِلاَفِ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ وَالنِّيَّةِ وَالسِّيَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ الْقَوَاعِدِ الَّتِي تُتْبَعُ مُرَتَّبَةً مَعَ بَيَانِ اخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ فِيهَا. الْقَاعِدَةُ الأُْولَى: مُرَاعَاةُ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ: ١٥٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ (١) وَالْمَعْنَى: يَمِينُكَ الَّتِي تَحْلِفُهَا، مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي لَوْ نَوَيْتَهُ، وَكُنْتَ صَادِقًا، لاَعْتَقَدَ خَصْمُكَ أَنَّكَ صَادِقٌ فِيهَا، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَخْطِرُ بِبَالِهِ حِينَ اسْتِحْلاَفِهِ إِيَّاكَ، وَهُوَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ مُتَّفِقًا مَعَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ التَّوْرِيَةَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُسْتَحْلِفِ لاَ تَنْفَعُ الْحَالِفَ، بَل تَكُونُ يَمِينُهُ غَمُوسًا تَغْمِسُهُ فِي الإِْثْمِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ تَفْصِيلاَتٍ وَشَرَائِطَ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي: ١٥٤ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: حَكَى الْكَرْخِيُّ أَنَّ الْمَذْهَبَ كَوْنُ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إِنْ كَانَ مَظْلُومًا، فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَعَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ، لَكِنْ فَرَّقَ الْقُدُورِيُّ بَيْنَ الْيَمِينِ عَلَى الْمَاضِي وَعَلَى

стр. 4547

الْمُسْتَقْبَل، فَقَال: إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ عَلَى مَاضٍ فَفِيهَا التَّفْصِيل السَّابِقُ؛ لأَِنَّ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَيْهَا إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً إِنَّمَا هِيَ بِالإِْثْمِ، كَالْمَظْلُومِ إِذَا نَوَى بِهَا مَا يُخْرِجُهَا عَنِ الْكَذِبِ، صَحَّتْ نِيَّتُهُ فَلَمْ يَأْثَمْ، لأَِنَّهُ لَمْ يَظْلِمْ بِهَا أَحَدًا، بِخِلاَفِ الظَّالِمِ إِذَا نَوَى بِيَمِينِهِ مَا يُخْرِجُهَا عَنِ الْكَذِبِ فَإِنَّ نِيَّتَهُ بَاطِلَةٌ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ فَتَكُونُ كَاذِبَةً ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيَأْثَمُ لأَِنَّهُ ظَلَمَ بِهَا غَيْرَهُ. وَإِذَا كَانَتْ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ فَهِيَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ؛ لأَِنَّهَا حِينَئِذٍ عَقْدٌ، وَالْعَقْدُ عَلَى نِيَّةِ الْعَاقِدِ. (١) وَالْيَمِينُ بِالطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ تُعْتَبَرُ فِيهَا نِيَّةُ الْحَالِفِ، ظَالِمًا كَانَ أَوْ مَظْلُومًا، إِذَا لَمْ يَنْوِ خِلاَفَ الظَّاهِرِ، فَلاَ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ لاَ قَضَاءً وَلاَ دِيَانَةً، لَكِنَّهُ يَأْثَمُ - إِنْ كَانَ ظَالِمًا - إِثْمَ الْغَمُوسِ، فَلَوْ نَوَى خِلاَفَ الظَّاهِرِ - كَمَا لَوْ نَوَى الطَّلاَقَ عَنْ وَثَاقٍ - اعْتُبِرَتْ نِيَّتُهُ دِيَانَةً لاَ قَضَاءً، فَيَحْكُمُ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِوُقُوعِ الطَّلاَقِ سَوَاءٌ أَكَانَ ظَالِمًا أَمْ مَظْلُومًا. وَقَال الْخَصَّافُ: تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ قَضَاءً إِنْ كَانَ مَظْلُومًا. (٢) ١٥٥ - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَال سَحْنُونٌ وَأَصْبَغُ وَابْنُ الْمَوَّازِ: إِنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ إِنَّهَا عَلَى، نِيَّةِ الْحَالِفِ، فَيَنْفَعُهُ الاِسْتِثْنَاءُ، فَلاَ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ

стр. 4548

مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَنَعَ حَقَّ غَيْرِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ. ثُمَّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهَا عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ اسْتِحْلاَفِهِ، فَذَهَبَ خَلِيلٌ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَكُونُ عَلَى نِيَّتِهِ، وَذَهَبَ الصَّاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الشَّرْحِ الصَّغِيرِ إِلَى أَنَّهَا تَكُونُ عَلَى نِيَّتِهِ، وَسَبَقَ فِي شَرَائِطِ صِحَّةِ الاِسْتِثْنَاءِ بَيَانٌ مُوَضَّحٌ تَكُونُ فِيهِ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ أَوِ الْمَحْلُوفِ لَهُ عِنْدَهُمْ. ١٥٦ - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: الْيَمِينُ تَكُونُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ بِشَرَائِطَ: الشَّرِيطَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحْلِفُ مِمَّنْ يَصِحُّ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ كَالْقَاضِي وَالْمُحَكِّمِ وَالإِْمَامِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَتْ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، وَأَلْحَقَ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ الْخَصْمَ بِالْقَاضِي، عَمَلاً بِحَدِيثِ: يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ (١) أَيْ خَصْمُكَ. الشَّرِيطَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ الْقَاضِي وَنَحْوُهُ بِطَلَبٍ مِنَ الْخَصْمِ، فَإِنِ اسْتَحْلَفَهُ بِلاَ طَلَبٍ مِنْهُ كَانَتِ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ. الشَّرِيطَةُ الثَّالِثَةُ: أَلاَّ يَكُونَ الْحَالِفُ مُحِقًّا فِيمَا نَوَاهُ عَلَى خِلاَفِ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ، فَإِنِ ادَّعَى زَيْدٌ أَنَّ عَمْرًا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ كَذَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَسَأَل رَدَّهُ، وَكَانَ عُمَرُ وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، فَأَجَابَ بِنَفْيِ الاِسْتِحْقَاقِ، فَقَال زَيْدٌ لِلْقَاضِي: حَلِّفْهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ مَالِي شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي. وَكَانَ الْقَاضِي يَرَى إِجَابَتَهُ لِذَلِكَ، فَيَجُوزُ لِعَمْرٍو أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا مِنْ

стр. 4549

مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيَنْوِي أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَيَمِينُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ عَلَى نِيَّتِهِ الْمُقَيَّدَةِ، لاَ عَلَى نِيَّةِ الْقَاضِي الْمُطْلَقَةِ، وَلاَ يَأْثَمُ بِذَلِكَ. الشَّرِيطَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ الاِسْتِحْلاَفُ بِاللَّهِ تَعَالَى لاَ بِالطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ يَرَى جَوَازَ التَّحْلِيفِ بِالطَّلاَقِ كَالْحَنَفِيِّ، كَانَتِ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّتِهِ لاَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ. (١) ١٥٧ - مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: يَرْجِعُ فِي الْيَمِينِ إِلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ فَهِيَ مَبْنَاهَا ابْتِدَاءً، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْحَالِفُ ظَالِمًا، وَيَسْتَحْلِفُهُ لِحَقٍّ عَلَيْهِ، فَهَذَا يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَحْلِفُ. (٢) الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: مُرَاعَاةُ نِيَّةِ الْحَالِفِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحْلِفٌ أَصْلاً، أَوْ كَانَ مُسْتَحْلِفٌ وَلَكِنْ عُدِمَتْ شَرِيطَةٌ مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الرُّجُوعُ إِلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ، رُوعِيَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ الَّتِي يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ: ١٥٨ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: الأَْصْل عِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَلاَمَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْعُرْفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةُ شَيْءٍ وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ انْعَقَدَتِ الْيَمِينُ بِاعْتِبَارِهِ، فَمَنْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل بَيْتًا فَدَخَل الْمَسْجِدَ لاَ يَحْنَثُ إِذَا لَمْ يَنْوِهِ؛ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ لاَ يُعْتَبَرُ فِي الْعُرْفِ بَيْتًا، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ قَدْ سَمَّاهُ بَيْتًا. (٣) ١٥٩ - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ لَمْ تَجِبْ مُرَاعَاةُ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَجَبَتْ مُرَاعَاةُ نِيَّةِ الْحَالِفِ، فَهِيَ

стр. 4550

تُخَصِّصُ الْعَامَّ وَتُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ وَتُبَيِّنُ الْمُجْمَل ثُمَّ إِنَّ النِّيَّةَ الْمُخَصَّصَةَ وَالْمُقَيَّدَةَ لَهَا ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ: الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، بِأَنْ يَحْتَمِل اللَّفْظُ إِرَادَتَهَا وَعَدَمَ إِرَادَتِهَا عَلَى السَّوَاءِ بِلاَ تَرْجِيحٍ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، كَحَلِفِهِ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ تَزَوَّجَ فِي حَيَاتِهَا فَالَّتِي يَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ أَوْ فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ إِلَى مَكَّةَ، فَتَزَوَّجَ بَعْدَ طَلاَقِهَا، وَقَال: كُنْتُ نَوَيْتُ أَنِّي إِنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهَا وَهِيَ فِي عِصْمَتِي، وَهِيَ الآْنَ لَيْسَتْ فِي عِصْمَتِي. فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَصْدُقُ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوِ الطَّلاَقِ أَوِ الْتِزَامِ قُرْبَةٍ فِي كُلٍّ مِنَ الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ حَلَفَ: لاَ يَأْكُل لَحْمًا، فَأَكَل لَحْمَ طَيْرٍ، وَقَال: كُنْتُ أَرَدْتُ لَحْمَ غَيْرِ الطَّيْرِ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ مُطْلَقًا أَيْضًا. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ مُقَارِبَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ أَرْجَحَ مِنْهَا، كَحَلِفِهِ لاَ يَأْكُل لَحْمًا أَوْ سَمْنًا إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ نَوَى لَحْمَ الْبَقَرِ وَسَمْنَ الضَّأْنِ، فَأَكَل لَحْمَ الضَّأْنِ وَسَمْنَ الْبَقَرِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَصْدُقُ فِي حَلِفِهِ بِاللَّهِ، وَبِتَعْلِيقِ الْقُرْبَةِ مَا عَدَا الطَّلاَقَ، إِذَا رُفِعَ أَمْرُهُ لِلْقَاضِي وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِالطَّلاَقِ، وَمِثْل الْبَيِّنَةِ الإِْقْرَارُ. وَيُقْبَل مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ فِي الْفَتْوَى مُطْلَقًا، فَلاَ يُعَدُّ حَانِثًا فِي جَمِيعِ أَيْمَانِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ حَلَفَ: لاَ يُكَلِّمُ فُلاَنًا فَكَلَّمَهُ، وَقَال: إِنِّي كُنْتُ نَوَيْتُ أَلاَّ أُكَلِّمَهُ شَهْرًا أَوْ أَلاَّ أُكَلِّمَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَدْ كَلَّمْتُهُ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، فَيُقْبَل فِي الْفَتْوَى مُطْلَقًا، وَيُقْبَل فِي الْقَضَاءِ فِي غَيْرِ الْحَلِفِ بِالطَّلاَقِ. وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ: أَلاَّ يَبِيعَهُ أَوْ أَلاَّ يَضْرِبَهُ، ثُمَّ

стр. 4551

وَكَّل إِنْسَانًا فِي بَيْعِهِ أَوْ أَمَرَهُ بِضَرْبِهِ، وَقَال: إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الاِمْتِنَاعَ عَنْ تَكْلِيمِهِ وَضَرْبِهِ بِنَفْسِي. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ بَعِيدَةً عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلْتُ دَارَ فُلاَنٍ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ زَوْجَتَهُ الْمَيِّتَةَ، ثُمَّ دَخَل الدَّارَ اسْتِنَادًا إِلَى هَذِهِ النِّيَّةِ لَمْ يُقْبَل مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ لاَ فِي الْقَضَاءِ وَلاَ فِي الْفَتْوَى، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى. (١) ١٦٠ - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ: مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَقَال: أَرَدْتُ مُدَّةَ شَهْرٍ فَقَطْ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُخَصِّصُ الْيَمِينَ قُبِل مِنْهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لأَِنَّهُ أَمِينٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ كَطَلاَقٍ وَإِيلاَءٍ، فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ ظَاهِرًا وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ حَلَفَ: لاَ يُكَلِّمُ أَحَدًا، وَقَال: أَرَدْتُ زَيْدًا مَثَلاً لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ عَمَلاً بِنِيَّتِهِ. ثُمَّ اللَّفْظُ الْخَاصُّ لاَ يُعَمَّمُ بِالنِّيَّةِ، مِثْل أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِمَا نَال مِنْهُ، فَحَلَفَ لاَ يَشْرَبُ لَهُ مَاءً مِنْ عَطَشٍ لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ، مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ وَمَاءٍ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ نَوَاهُ وَكَانَتِ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا تَقْتَضِي مَا نَوَاهُ؛ لاِنْعِقَادِ الْيَمِينِ عَلَى الْمَاءِ مِنْ عَطَشٍ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ إِذَا احْتَمَل اللَّفْظُ مَا نَوَى بِجِهَةٍ يَتَجَوَّزُ بِهَا. وَقَدْ يُصْرَفُ اللَّفْظُ إِلَى الْمَجَازِ بِالنِّيَّةِ، كَلاَ أَدْخُل دَارَ زَيْدٍ، وَنَوَى مَسْكَنَهُ دُونَ مِلْكِهِ، فَيُقْبَل فِي غَيْرِ حَقِّ آدَمِيٍّ - كَأَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ - لاَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ، كَأَنْ حَلَفَ بِطَلاَقٍ. (٢)

стр. 4552

١٦١ - مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحْلَفٌ، أَوْ كَانَ مُسْتَحْلَفٌ وَلَمْ يَكُنِ الْحَالِفُ ظَالِمًا رَجَعَ إِلَى نِيَّتِهِ هُوَ - سَوَاءٌ أَكَانَ مَظْلُومًا أَمْ لاَ - وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى نِيَّتِهِ إِنِ احْتَمَلَهَا لَفْظُهُ، كَأَنْ يَنْوِيَ السَّقْفَ وَالْبِنَاءَ السَّمَاءَ، وَبِالْفِرَاشِ وَالْبِسَاطِ الأَْرْضَ، وَبِاللِّبَاسِ اللَّيْل، وَبِالأُْخُوَّةِ أُخُوَّةَ الإِْسْلاَمِ. ثُمَّ إِنْ كَانَ الاِحْتِمَال بَعِيدًا لَمْ يُقْبَل قَضَاءً، وَإِنَّمَا يُقْبَل دِيَانَةً، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ مُتَوَسِّطًا قُبِل قَضَاءً وَدِيَانَةً. فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِل أَصْلاً لَمْ تَنْصَرِفْ يَمِينُهُ إِلَيْهِ، بَل تَنْصَرِفُ إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُول: وَاللَّهِ لاَ آكُل، وَيَنْوِيَ عَدَمَ الْقِيَامِ دُونَ عَدَمِ الأَْكْل. وَمِنْ أَمْثِلَةِ النِّيَّةِ الْمُحْتَمَلَةِ احْتِمَالاً قَرِيبًا: مَا لَوْ نَوَى التَّخْصِيصَ، كَأَنْ يَحْلِفَ: لاَ يَدْخُل دَارَ زَيْدٍ، وَيَنْوِي تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالْيَوْمِ، فَيُقْبَل مِنْهُ حُكْمًا، فَلاَ يَحْنَثُ بِالدُّخُول فِي يَوْمٍ آخَرَ، وَلَوْ كَانَ حَلِفُهُ بِالطَّلاَقِ. (١) الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: مُرَاعَاةُ قَرِينَةِ الْفَوْرِ أَوِ الْبِسَاطِ، أَوِ السَّبَبِ: إِذَا عُدِمَتْ نِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ الْمُحِقِّ وَنِيَّةُ الْحَالِفِ، وَكَانَتِ الْيَمِينُ عَامَّةً أَوْ مُطْلَقَةً فِي الظَّاهِرِ، لَكِنْ كَانَ سَبَبُهَا الَّذِي أَثَارَهَا خَاصًّا أَوْ مُقَيَّدًا كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا تَخْصِيصَ الْيَمِينِ أَوْ تَقْيِيدَهَا. وَهَذَا السَّبَبُ يُسَمَّى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِسَاطُ الْيَمِينِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ السَّبَبُ الْمُهَيِّجُ لِلْيَمِينِ، وَيُعَبِّرُ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ هَذِهِ الْيَمِينِ بِيَمِينِ الْفَوْرِ. وَفِيمَا يَلِي أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ:

стр. 4553

١٦٢ - فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُقَيَّدًا نَصًّا، وَلَكِنْ دَلَّتِ الْحَال عَلَى تَقْيِيدِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَيْدَ يُرَاعَى فِي الْيَمِينِ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الرَّاجِحُ. مِثَال ذَلِكَ: أَنْ تَخْرُجَ الْيَمِينُ جَوَابًا لِكَلاَمٍ مُقَيَّدٍ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَمْرٍ مُقَيَّدٍ، وَلَكِنَّ الْحَالِفَ لاَ يَذْكُرُ فِي يَمِينِهِ هَذَا الْقَيْدَ نَصًّا، كَمَا لَوْ قَال إِنْسَانٌ: تَعَال تَغَدَّ مَعِي، فَقَال: وَاللَّهِ لاَ أَتَغَدَّى، فَلَمْ يَتَغَدَّ مَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَتَغَدَّى، فَإِنَّهُ لاَ يَحْنَثُ لأَِنَّ كَلاَمَهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلطَّلَبِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ الْغَدَاءُ الْمَدْعُوُّ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَال: وَاللَّهِ لاَ أَتَغَدَّى الْغَدَاءَ الَّذِي دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ. وَقَال زُفَرُ: يَحْنَثُ؛ لأَِنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ عَنِ التَّغَدِّي عَامًّا، فَلَوْ صَرَفَ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، وَذَا هُوَ الْقِيَاسُ (١) . ١٦٣ - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحْلِفٌ ذُو حَقٍّ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ صَرِيحَةٌ، أَوْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ صَرِيحَةٌ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَضْبِطْهَا، رُوعِيَ بِسَاطُ يَمِينِهِ فِي التَّعْمِيمِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ، وَالْبِسَاطُ هُوَ السَّبَبُ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ، وَمِثْلُهُ كُل سِيَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا، وَيُعْتَبَرُ الْبِسَاطُ قَرِينَةً عَلَى النِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً وَلاَ مُنْضَبِطَةً، وَعَلاَمَتُهُ صِحَّةُ تَقْيِيدِ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ مَا دَامَ هَذَا الشَّيْءُ مَوْجُودًا. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: مَا لَوْ حَلَفَ لاَ يَشْتَرِي لَحْمًا، أَوْ لاَ يَبِيعُ فِي السُّوقِ، إِذَا كَانَ الْحَامِل عَلَى الْحَلِفِ زَحْمَةٌ أَوْ وُجُودُ ظَالِمٍ، فَيَمِينُهُ تُقَيَّدُ بِذَلِكَ، فَلاَ يَحْنَثُ بِشِرَاءِ اللَّحْمِ وَلاَ بِالْبَيْعِ فِي السُّوقِ إِذَا انْتَفَتِ الزَّحْمَةُ

стр. 4554

وَالظَّالِمُ، سَوَاءٌ أَكَانَ حَلِفُهُ بِاللَّهِ أَمْ بِتَعْلِيقِ الطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْقَضَاءُ وَالْفُتْيَا، لَكِنْ لاَ بُدَّ فِي الْقَضَاءِ مِنْ إِقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى وُجُودِ الْبِسَاطِ. وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ أَيْضًا: مَا لَوْ كَانَ خَادِمُ الْمَسْجِدِ يُؤْذِيهِ، فَحَلَفَ لاَ يَدْخُلُهُ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُهُ مَا دَامَ هَذَا الْخَادِمُ فِيهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فَاسِقٌ بِمَكَانٍ فَقَال إِنْسَانٌ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ هَذَا الْمَكَانَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكَانَ وُجُودُ هَذَا الْفَاسِقِ الْحَامِل عَلَى الْحَلِفِ، فَإِنَّ الْحَلِفَ يُقَيَّدُ بِوُجُودِهِ، فَإِنْ زَال فَدَخَلَتِ امْرَأَتُهُ الْمَكَانَ لَمْ تَطْلُقْ. وَمِنْ ذَلِكَ: مَا لَوْ مَنَّ إِنْسَانٌ عَلَى آخَرَ، فَحَلَفَ لاَ يَأْكُل لَهُ طَعَامًا، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَلاَّ يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فِيهِ الْمِنَّةُ، سَوَاءٌ أَكَانَ طَعَامًا أَمْ كُسْوَةً أَوْ غَيْرَهُمَا، فَهَذَا تَعْمِيمٌ لِلْيَمِينِ بِالْبِسَاطِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنِ السَّبَبُ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ دَاعِيًا إِلَى مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ لَمْ يَكُنْ بِسَاطًا، كَمَا لَوْ حَلَفَ إِنْسَانٌ: لاَ يُكَلِّمُ فُلاَنًا أَوْ لاَ يَدْخُل دَارَهُ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ شَتَمَهُ أَوْ تَشَاجَرَ مَعَهُ، فَهَذَا السَّبَبُ لاَ يَدْعُو إِلَى مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الاِمْتِنَاعُ مِنَ التَّكْلِيمِ وَمِنْ دُخُول الدَّارِ أَبَدًا. (١) ١٦٤ - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: يَتَّضِحُ مِنَ الاِطِّلاَعِ عَلَى كُتُبِ الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ - بَعْدَ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَنِيَّةِ الْحَالِفِ - هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السَّبَبِ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ، فَلَوْ كَانَتِ الْيَمِينُ عَامَّةً أَوْ مُطْلَقَةً فِي الظَّاهِرِ - لَكِنْ كَانَ سَبَبُهَا

стр. 4555

الَّذِي أَثَارَهَا خَاصًّا أَوْ مُقَيَّدًا - لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا تَخْصِيصَ الْيَمِينِ أَوْ تَقْيِيدَهَا عِنْدَهُمْ. ١٦٥ - مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحْلِفٌ ذُو حَقٍّ، وَلَمْ يَنْوِ الْحَالِفُ مَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَوْ يُخَصِّصُهُ، أَوْ يَكُونُ اللَّفْظُ مَجَازًا فِيهِ، رَجَعَ إِلَى السَّبَبِ الْمُهَيِّجِ لِلْيَمِينِ لأَِنَّهُ يَدُل عَلَى النِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَائِل غَافِلاً عَنْهَا، فَمَنْ حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّ زَيْدًا حَقَّهُ غَدًا فَقَضَاهُ قَبْلَهُ لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ أَمْرًا يَدْعُو إِلَى التَّعْجِيل وَقَطْعِ الْمَطْل، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ غَدٍ، فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ مَانِعًا مِنَ التَّعْجِيل حَامِلاً عَلَى التَّأْخِيرِ إِلَى غَدٍ فَقَضَاهُ قَبْل حَنِثَ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لاَ يَحْنَثُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ غَدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ يَدْعُو إِلَى التَّعْجِيل أَوِ التَّأْخِيرِ حَنِثَ بِهِمَا عِنْدَ الإِْطْلاَقِ عَنِ النِّيَّةِ، وَأَمَّا إِذَا نَوَى التَّعْجِيل أَوِ التَّأْخِيرَ فَإِنَّهُ يَعْمَل بِنِيَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَعِنْدَ نِيَّةِ التَّعْجِيل يَحْنَثُ بِالتَّأْخِيرِ دُونَ التَّقْدِيمِ، وَعِنْدَ التَّأْخِيرِ يَكُونُ الْحُكْمُ عَكْسَ ذَلِكَ. وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ لاَ يَبِيعُهُ إِلاَّ بِمِائَةٍ، وَكَانَ الْحَامِل لَهُ عَلَى الْحَلِفِ عَدَمَ رِضَاهُ بِأَقَل مِنْ مِائَةٍ، حَنِثَ بِبَيْعِهِ بِأَقَل مِنْهَا، وَلَمْ تَحْنَثْ بِبَيْعِهِ بِأَكْثَرَ إِلاَّ إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الْمِائَةَ بِعَيْنِهَا لاَ أَكْثَرَ وَلاَ أَقَل. وَمَنْ حَلَفَ لاَ يَبِيعُهُ بِمِائَةٍ، وَكَانَ الْحَامِل لَهُ عَلَى الْحَلِفِ أَنَّهُ يَسْتَقِل الْمِائَةَ، حَنِثَ بِبَيْعِهِ بِهَا، وَكَذَا يَحْنَثُ بِبَيْعِهِ بِأَقَل مِنْهَا مَا لَمْ يَنْوِ تَعَيُّنَ الْمِائَةِ، وَلاَ يَحْنَثُ بِبَيْعِهِ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمِائَةِ مَا لَمْ يَنْوِ تَعَيُّنَهَا. وَمَنْ دُعِيَ لِغَدَاءٍ، فَحَلَفَ لاَ يَتَغَدَّى، لَمْ يَحْنَثْ بِغَدَاءٍ آخَرَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ؛ لأَِنَّ السَّبَبَ الْحَامِل عَلَى الْحَلِفِ هُوَ عَدَمُ إِرَادَتِهِ لِهَذَا الْغَدَاءِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِالْغَدَاءِ الآْخَرِ إِذَا نَوَى الْعُمُومَ، فَإِنَّ النِّيَّةَ
следующие страницы →