Полный текст (31 949 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
وَكَّل إِنْسَانًا فِي بَيْعِهِ أَوْ أَمَرَهُ بِضَرْبِهِ، وَقَال: إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الاِمْتِنَاعَ عَنْ تَكْلِيمِهِ وَضَرْبِهِ بِنَفْسِي.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ بَعِيدَةً عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلْتُ دَارَ فُلاَنٍ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ زَوْجَتَهُ الْمَيِّتَةَ، ثُمَّ دَخَل الدَّارَ اسْتِنَادًا إِلَى هَذِهِ النِّيَّةِ لَمْ يُقْبَل مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ لاَ فِي الْقَضَاءِ وَلاَ فِي الْفَتْوَى، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى. (١)
١٦٠ - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ: مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَقَال: أَرَدْتُ مُدَّةَ شَهْرٍ فَقَطْ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُخَصِّصُ الْيَمِينَ قُبِل مِنْهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لأَِنَّهُ أَمِينٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ كَطَلاَقٍ وَإِيلاَءٍ، فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ ظَاهِرًا وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ حَلَفَ: لاَ يُكَلِّمُ أَحَدًا، وَقَال: أَرَدْتُ زَيْدًا مَثَلاً لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ عَمَلاً بِنِيَّتِهِ.
ثُمَّ اللَّفْظُ الْخَاصُّ لاَ يُعَمَّمُ بِالنِّيَّةِ، مِثْل أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِمَا نَال مِنْهُ، فَحَلَفَ لاَ يَشْرَبُ لَهُ مَاءً مِنْ عَطَشٍ لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ، مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ وَمَاءٍ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ نَوَاهُ وَكَانَتِ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا تَقْتَضِي مَا نَوَاهُ؛ لاِنْعِقَادِ الْيَمِينِ عَلَى الْمَاءِ مِنْ عَطَشٍ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ إِذَا احْتَمَل اللَّفْظُ مَا نَوَى بِجِهَةٍ يَتَجَوَّزُ بِهَا.
وَقَدْ يُصْرَفُ اللَّفْظُ إِلَى الْمَجَازِ بِالنِّيَّةِ، كَلاَ أَدْخُل دَارَ زَيْدٍ، وَنَوَى مَسْكَنَهُ دُونَ مِلْكِهِ، فَيُقْبَل فِي غَيْرِ حَقِّ آدَمِيٍّ - كَأَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ - لاَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ، كَأَنْ حَلَفَ بِطَلاَقٍ. (٢) стр. 4552
١٦١ - مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحْلَفٌ، أَوْ كَانَ مُسْتَحْلَفٌ وَلَمْ يَكُنِ الْحَالِفُ ظَالِمًا رَجَعَ إِلَى نِيَّتِهِ هُوَ - سَوَاءٌ أَكَانَ مَظْلُومًا أَمْ لاَ - وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى نِيَّتِهِ إِنِ احْتَمَلَهَا لَفْظُهُ، كَأَنْ يَنْوِيَ السَّقْفَ وَالْبِنَاءَ السَّمَاءَ، وَبِالْفِرَاشِ وَالْبِسَاطِ الأَْرْضَ، وَبِاللِّبَاسِ اللَّيْل، وَبِالأُْخُوَّةِ أُخُوَّةَ الإِْسْلاَمِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الاِحْتِمَال بَعِيدًا لَمْ يُقْبَل قَضَاءً، وَإِنَّمَا يُقْبَل دِيَانَةً، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ مُتَوَسِّطًا قُبِل قَضَاءً وَدِيَانَةً.
فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِل أَصْلاً لَمْ تَنْصَرِفْ يَمِينُهُ إِلَيْهِ، بَل تَنْصَرِفُ إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُول: وَاللَّهِ لاَ آكُل، وَيَنْوِيَ عَدَمَ الْقِيَامِ دُونَ عَدَمِ الأَْكْل.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ النِّيَّةِ الْمُحْتَمَلَةِ احْتِمَالاً قَرِيبًا: مَا لَوْ نَوَى التَّخْصِيصَ، كَأَنْ يَحْلِفَ: لاَ يَدْخُل دَارَ زَيْدٍ، وَيَنْوِي تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالْيَوْمِ، فَيُقْبَل مِنْهُ حُكْمًا، فَلاَ يَحْنَثُ بِالدُّخُول فِي يَوْمٍ آخَرَ، وَلَوْ كَانَ حَلِفُهُ بِالطَّلاَقِ. (١)
الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: مُرَاعَاةُ قَرِينَةِ الْفَوْرِ أَوِ الْبِسَاطِ، أَوِ السَّبَبِ:
إِذَا عُدِمَتْ نِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ الْمُحِقِّ وَنِيَّةُ الْحَالِفِ، وَكَانَتِ الْيَمِينُ عَامَّةً أَوْ مُطْلَقَةً فِي الظَّاهِرِ، لَكِنْ كَانَ سَبَبُهَا الَّذِي أَثَارَهَا خَاصًّا أَوْ مُقَيَّدًا كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا تَخْصِيصَ الْيَمِينِ أَوْ تَقْيِيدَهَا.
وَهَذَا السَّبَبُ يُسَمَّى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِسَاطُ الْيَمِينِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ السَّبَبُ الْمُهَيِّجُ لِلْيَمِينِ، وَيُعَبِّرُ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ هَذِهِ الْيَمِينِ بِيَمِينِ الْفَوْرِ. وَفِيمَا يَلِي أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ: стр. 4553
١٦٢ - فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُقَيَّدًا نَصًّا، وَلَكِنْ دَلَّتِ الْحَال عَلَى تَقْيِيدِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَيْدَ يُرَاعَى فِي الْيَمِينِ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الرَّاجِحُ.
مِثَال ذَلِكَ: أَنْ تَخْرُجَ الْيَمِينُ جَوَابًا لِكَلاَمٍ مُقَيَّدٍ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَمْرٍ مُقَيَّدٍ، وَلَكِنَّ الْحَالِفَ لاَ يَذْكُرُ فِي يَمِينِهِ هَذَا الْقَيْدَ نَصًّا، كَمَا لَوْ قَال إِنْسَانٌ: تَعَال تَغَدَّ مَعِي، فَقَال: وَاللَّهِ لاَ أَتَغَدَّى، فَلَمْ يَتَغَدَّ مَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَتَغَدَّى، فَإِنَّهُ لاَ يَحْنَثُ لأَِنَّ كَلاَمَهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلطَّلَبِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ الْغَدَاءُ الْمَدْعُوُّ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَال: وَاللَّهِ لاَ أَتَغَدَّى الْغَدَاءَ الَّذِي دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ.
وَقَال زُفَرُ: يَحْنَثُ؛ لأَِنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ عَنِ التَّغَدِّي عَامًّا، فَلَوْ صَرَفَ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، وَذَا هُوَ الْقِيَاسُ (١) .
١٦٣ - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحْلِفٌ ذُو حَقٍّ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ صَرِيحَةٌ، أَوْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ صَرِيحَةٌ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَضْبِطْهَا، رُوعِيَ بِسَاطُ يَمِينِهِ فِي التَّعْمِيمِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ، وَالْبِسَاطُ هُوَ السَّبَبُ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ، وَمِثْلُهُ كُل سِيَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا، وَيُعْتَبَرُ الْبِسَاطُ قَرِينَةً عَلَى النِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً وَلاَ مُنْضَبِطَةً، وَعَلاَمَتُهُ صِحَّةُ تَقْيِيدِ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ مَا دَامَ هَذَا الشَّيْءُ مَوْجُودًا.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: مَا لَوْ حَلَفَ لاَ يَشْتَرِي لَحْمًا، أَوْ لاَ يَبِيعُ فِي السُّوقِ، إِذَا كَانَ الْحَامِل عَلَى الْحَلِفِ زَحْمَةٌ أَوْ وُجُودُ ظَالِمٍ، فَيَمِينُهُ تُقَيَّدُ بِذَلِكَ، فَلاَ يَحْنَثُ بِشِرَاءِ اللَّحْمِ وَلاَ بِالْبَيْعِ فِي السُّوقِ إِذَا انْتَفَتِ الزَّحْمَةُ стр. 4554
وَالظَّالِمُ، سَوَاءٌ أَكَانَ حَلِفُهُ بِاللَّهِ أَمْ بِتَعْلِيقِ الطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْقَضَاءُ وَالْفُتْيَا، لَكِنْ لاَ بُدَّ فِي الْقَضَاءِ مِنْ إِقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى وُجُودِ الْبِسَاطِ.
وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ أَيْضًا: مَا لَوْ كَانَ خَادِمُ الْمَسْجِدِ يُؤْذِيهِ، فَحَلَفَ لاَ يَدْخُلُهُ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُهُ مَا دَامَ هَذَا الْخَادِمُ فِيهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فَاسِقٌ بِمَكَانٍ فَقَال إِنْسَانٌ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ هَذَا الْمَكَانَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكَانَ وُجُودُ هَذَا الْفَاسِقِ الْحَامِل عَلَى الْحَلِفِ، فَإِنَّ الْحَلِفَ يُقَيَّدُ بِوُجُودِهِ، فَإِنْ زَال فَدَخَلَتِ امْرَأَتُهُ الْمَكَانَ لَمْ تَطْلُقْ.
وَمِنْ ذَلِكَ: مَا لَوْ مَنَّ إِنْسَانٌ عَلَى آخَرَ، فَحَلَفَ لاَ يَأْكُل لَهُ طَعَامًا، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَلاَّ يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فِيهِ الْمِنَّةُ، سَوَاءٌ أَكَانَ طَعَامًا أَمْ كُسْوَةً أَوْ غَيْرَهُمَا، فَهَذَا تَعْمِيمٌ لِلْيَمِينِ بِالْبِسَاطِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنِ السَّبَبُ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ دَاعِيًا إِلَى مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ لَمْ يَكُنْ بِسَاطًا، كَمَا لَوْ حَلَفَ إِنْسَانٌ: لاَ يُكَلِّمُ فُلاَنًا أَوْ لاَ يَدْخُل دَارَهُ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ شَتَمَهُ أَوْ تَشَاجَرَ مَعَهُ، فَهَذَا السَّبَبُ لاَ يَدْعُو إِلَى مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الاِمْتِنَاعُ مِنَ التَّكْلِيمِ وَمِنْ دُخُول الدَّارِ أَبَدًا. (١)
١٦٤ - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: يَتَّضِحُ مِنَ الاِطِّلاَعِ عَلَى كُتُبِ الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ - بَعْدَ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَنِيَّةِ الْحَالِفِ - هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السَّبَبِ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ، فَلَوْ كَانَتِ الْيَمِينُ عَامَّةً أَوْ مُطْلَقَةً فِي الظَّاهِرِ - لَكِنْ كَانَ سَبَبُهَا стр. 4555
الَّذِي أَثَارَهَا خَاصًّا أَوْ مُقَيَّدًا - لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا تَخْصِيصَ الْيَمِينِ أَوْ تَقْيِيدَهَا عِنْدَهُمْ.
١٦٥ - مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحْلِفٌ ذُو حَقٍّ، وَلَمْ يَنْوِ الْحَالِفُ مَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَوْ يُخَصِّصُهُ، أَوْ يَكُونُ اللَّفْظُ مَجَازًا فِيهِ، رَجَعَ إِلَى السَّبَبِ الْمُهَيِّجِ لِلْيَمِينِ لأَِنَّهُ يَدُل عَلَى النِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَائِل غَافِلاً عَنْهَا، فَمَنْ حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّ زَيْدًا حَقَّهُ غَدًا فَقَضَاهُ قَبْلَهُ لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ أَمْرًا يَدْعُو إِلَى التَّعْجِيل وَقَطْعِ الْمَطْل، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ غَدٍ، فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ مَانِعًا مِنَ التَّعْجِيل حَامِلاً عَلَى التَّأْخِيرِ إِلَى غَدٍ فَقَضَاهُ قَبْل حَنِثَ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لاَ يَحْنَثُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ غَدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ يَدْعُو إِلَى التَّعْجِيل أَوِ التَّأْخِيرِ حَنِثَ بِهِمَا عِنْدَ الإِْطْلاَقِ عَنِ النِّيَّةِ، وَأَمَّا إِذَا نَوَى التَّعْجِيل أَوِ التَّأْخِيرَ فَإِنَّهُ يَعْمَل بِنِيَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَعِنْدَ نِيَّةِ التَّعْجِيل يَحْنَثُ بِالتَّأْخِيرِ دُونَ التَّقْدِيمِ، وَعِنْدَ التَّأْخِيرِ يَكُونُ الْحُكْمُ عَكْسَ ذَلِكَ.
وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ لاَ يَبِيعُهُ إِلاَّ بِمِائَةٍ، وَكَانَ الْحَامِل لَهُ عَلَى الْحَلِفِ عَدَمَ رِضَاهُ بِأَقَل مِنْ مِائَةٍ، حَنِثَ بِبَيْعِهِ بِأَقَل مِنْهَا، وَلَمْ تَحْنَثْ بِبَيْعِهِ بِأَكْثَرَ إِلاَّ إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الْمِائَةَ بِعَيْنِهَا لاَ أَكْثَرَ وَلاَ أَقَل.
وَمَنْ حَلَفَ لاَ يَبِيعُهُ بِمِائَةٍ، وَكَانَ الْحَامِل لَهُ عَلَى الْحَلِفِ أَنَّهُ يَسْتَقِل الْمِائَةَ، حَنِثَ بِبَيْعِهِ بِهَا، وَكَذَا يَحْنَثُ بِبَيْعِهِ بِأَقَل مِنْهَا مَا لَمْ يَنْوِ تَعَيُّنَ الْمِائَةِ، وَلاَ يَحْنَثُ بِبَيْعِهِ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمِائَةِ مَا لَمْ يَنْوِ تَعَيُّنَهَا.
وَمَنْ دُعِيَ لِغَدَاءٍ، فَحَلَفَ لاَ يَتَغَدَّى، لَمْ يَحْنَثْ بِغَدَاءٍ آخَرَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ؛ لأَِنَّ السَّبَبَ الْحَامِل عَلَى الْحَلِفِ هُوَ عَدَمُ إِرَادَتِهِ لِهَذَا الْغَدَاءِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِالْغَدَاءِ الآْخَرِ إِذَا نَوَى الْعُمُومَ، فَإِنَّ النِّيَّةَ
стр. 4556
الْمُوَافِقَةَ لِلظَّاهِرِ تُقَدَّمُ عَلَى السَّبَبِ الْمُخَصَّصِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
وَمَنْ حَلَفَ لاَ يَشْرَبُ لِفُلاَنٍ مَاءً مِنْ عَطَشٍ، وَكَانَ السَّبَبُ عَدَمَ رِضَاهُ بِمِنَّتِهِ، حَنِثَ بِأَكْل خُبْزِهِ وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وَمَا مَاثَل ذَلِكَ مِنْ كُل مَا فِيهِ مِنَّةٌ تَزِيدُ عَلَى شُرْبِ الْمَاءِ مِنَ الْعَطَشِ، بِخِلاَفِ مَا هُوَ أَقَل مِنَّةً مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ كَقُعُودِهِ فِي ضَوْءِ نَارِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ عَنِ النِّيَّةِ، فَإِنْ نَوَى ظَاهِرَ اللَّفْظِ عَمِل بِهِ.
وَمَنْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل بَلَدًا، وَكَانَ السَّبَبُ ظُلْمًا رَآهُ فِيهَا، أَوْ حَلَفَ لاَ رَأَى مُنْكَرًا إِلاَّ رَفَعَهُ إِلَى الْوَالِي، وَكَانَ السَّبَبُ طَلَبَ الْوَالِي ذَلِكَ مِنْهُ، ثُمَّ زَال الظُّلْمُ فِي الْمِثَال الأَْوَّل، وَعُزِل الْوَالِي فِي الْمِثَال الثَّانِي، لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُول الْبَلَدِ بَعْدَ زَوَال الظُّلْمِ، وَلاَ بِتَرْكِ رَفْعِ الْمُنْكَرِ إِلَى الْوَالِي بَعْدَ عَزْلِهِ، فَإِنْ عَادَ الظُّلْمُ أَوْ عَادَ الْوَالِي لِلْحُكْمِ حَنِثَ بِمُخَالَفَةِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ مَا لَوْ أَطْلَقَ الْحَالِفُ لَفْظَهُ عَنِ النِّيَّةِ، وَمَا لَوْ نَوَى التَّقْيِيدَ بِدَوَامِ الْوَصْفِ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ.
١٦٦ - هَذَا وَإِذَا تَعَارَضَتِ النِّيَّةُ وَالسَّبَبُ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُوَافِقًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَالثَّانِي أَعَمُّ مِنْهُ عَمِل بِالْمُوَافِقِ، فَمَنْ حَلَفَ لاَ يَأْوِي مَعَ امْرَأَتِهِ بِدَارِ فُلاَنٍ نَاوِيًا جَفَاءَهَا، وَكَانَ السَّبَبُ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ هُوَ عَدَمُ مُلاَءَمَةِ الدَّارِ عَمِل بِالسَّبَبِ، فَلاَ يَحْنَثُ بِاجْتِمَاعِهِ مَعَهَا فِي دَارٍ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِنِيَّتِهِ. فَإِنْ كَانَ نَاوِيًا عَدَمَ الاِجْتِمَاعِ مَعَهَا فِي الدَّارِ بِخُصُوصِهَا، وَكَانَ السَّبَبُ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ يَدْعُو إِلَى الْجَفَاءِ الْعَامِّ فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ، عَمَلاً بِالنِّيَّةِ الْمُوَافِقَةِ لِلظَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا
стр. 4557
لِلسَّبَبِ. فَإِنْ وُجِدَتْ نِيَّةٌ وَلاَ سَبَبَ، أَوْ كَانَ السَّبَبُ يَدْعُو إِلَى الْجَفَاءِ وَلاَ نِيَّةَ، أَوِ اتَّفَقَا مَعًا فِي الْجَفَاءِ حَنِثَ بِالاِجْتِمَاعِ مَعَهَا مُطْلَقًا، وَإِنِ اتَّفَقَا فِي تَخْصِيصِ الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهَا. (١)
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: مُرَاعَاةُ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ وَالْقَوْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ وَالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ:
١٦٧ - مَنْ تَصَفَّحَ كُتُبَ الْمَذَاهِبِ وَجَدَ عِبَارَاتِهَا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ تَخْتَلِفُ.
فَالْحَنَفِيَّةُ يَذْكُرُونَ مُرَاعَاةَ الْعُرْفِ فَاللُّغَةَ، وَلاَ يُقَسِّمُونَ الْعُرْفَ إِلَى فِعْلِيٍّ وَقَوْلِيٍّ وَشَرْعِيٍّ، وَلَعَلَّهُمُ اكْتَفَوْا بِأَنَّ الْكَلِمَةَ إِذَا أُطْلِقَتْ لَمْ تَتَنَازَعْهَا أَعْرَافٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ لأَِنَّهَا قَدْ يَكُونُ الْمَشْهُورُ فِيهَا هُوَ الْفِعْلِيُّ فَقَطْ أَوِ الْقَوْلِيُّ فَقَطْ أَوِ الشَّرْعِيُّ فَقَطْ، فَلاَ حَاجَةَ لِتَرْتِيبِهَا.
وَالْمَالِكِيَّةُ ذَكَرَ بَعْضُهُمُ الْعُرْفَ الْفِعْلِيَّ وَقَدَّمَهُ عَلَى الْقَوْلِيِّ، وَأَغْفَلَهُ بَعْضُهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الشَّرْعِيَّ عَلَى اللُّغَوِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ.
وَالشَّافِعِيَّةُ لَمْ يُفَصِّلُوا فِي الْعُرْفِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَارَةً يُقَدِّمُونَ الْعُرْفَ عَلَى اللُّغَةِ، وَتَارَةً يَعْكِسُونَ.
وَالْحَنَابِلَةُ قَدَّمُوا الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ، وَأَتْبَعُوهُ بِالْعُرْفِيِّ فَاللُّغَوِيِّ، وَلَمْ يُقَسِّمُوا الْعُرْفِيَّ إِلَى فِعْلِيٍّ وَقَوْلِيٍّ.
أ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ:
١٦٨ - الأَْصْل فِي الأَْلْفَاظِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الْحَالِفُ أَنْ يُرَاعِيَ فِيهَا مَعْنَى الْمُفْرَدَاتِ فِي اللُّغَةِ، وَأَنْ يُرَاعِيَ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيَّ مِنْ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ وَإِطْلاَقٍ وَتَقْيِيدٍ بِالْوَقْتِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْقُيُودِ، وَمَعَانِي الْحُرُوفِ الَّتِي فِيهَا كَالْوَاوِ وَالْفَاءِ وَثُمَّ وَأَوْ. стр. 4558
وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَلاَمُ النَّاسِ بِخِلاَفِهِ، فَإِنْ كَانَ كَلاَمُ النَّاسِ بِخِلاَفِهِ وَجَبَ حَمْل اللَّفْظِ عَلَى مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً.
وَمِنْ أَدِلَّةِ تَقْدِيمِ الْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ عَلَى اللُّغَوِيِّ الأَْصْلِيِّ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَقَال: إِنَّ صَاحِبًا لَنَا مَاتَ وَأَوْصَى بِبَدَنَةٍ، أَفَتُجْزِي عَنْهُ الْبَقَرَةُ؟ فَقَال: " مِمَّنْ صَاحِبُكُمْ؟ فَقَال مِنْ بَنِي رَبَاحٍ، فَقَال: " مَتَى اقْتَنَتْ بَنُو رَبَاحٍ الْبَقَرَ؟ إِنَّمَا الْبَقَرُ لِلأَْزْدِ، وَذَهَبَ وَهْمُ صَاحِبِكُمْ إِلَى الإِْبِل (١)
فَهَذَا الأَْثَرُ أَصْلٌ أَصِيلٌ فِي حَمْل الْكَلاَمِ الْمُطْلَقِ عَلَى مَا يُرِيدُهُ النَّاسُ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ إِرَادَةَ النَّاسِ تَذْهَبُ إِلَى الْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ، فِيمَا لَهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ وَمَعْنًى عُرْفِيٌّ، فَالظَّاهِرُ عِنْدَ إِطْلاَقِ اللَّفْظِ إِرَادَةُ الْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ، وَلِهَذَا لَوْ قَال الْغَرِيمُ لِغَرِيمِهِ: وَاللَّهِ لأََجُرَّنَّكَ فِي الشَّوْكِ، لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَتَهُ اللُّغَوِيَّةَ عَادَةً، وَإِنَّمَا يُرِيدُ شِدَّةَ الْمَطْل، فَلاَ يَحْنَثُ بِعَدَمِ جَرِّهِ فِي الشَّوْكِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِإِعْطَائِهِ الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ مُمَاطَلَةٍ.
وَلَوْ حَلَفَ: أَلاَّ يَجْلِسَ فِي سِرَاجٍ، فَجَلَسَ فِي الشَّمْسِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ سَمَّاهَا سِرَاجًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَل الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٢) وَكَذَا لاَ يَحْنَثُ مَنْ جَلَسَ عَلَى الأَْرْضِ، وَكَانَ قَدْ حَلَفَ أَلاَّ يَجْلِسَ عَلَى بِسَاطٍ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ سَمَّى الأَْرْضَ بِسَاطًا فِي قَوْلِهِ: ﴿ стр. 4559
وَاللَّهُ جَعَل لَكُمُ الأَْرْضَ بِسَاطًا﴾ (١) وَكَذَا مَنْ حَلَفَ أَلاَّ يَمَسَّ وَتَدًا، فَمَسَّ جَبَلاً لاَ يَحْنَثُ، وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَدًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْجِبَال أَوْتَادًا﴾ (٢) وَكَذَا مَنْ حَلَفَ لاَ يَرْكَبُ دَابَّةً فَرَكِبَ إِنْسَانًا لاَ يَحْنَثُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى دَابَّةً فِي الْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى دَابَّةً فِي اللُّغَةِ. (٣)
وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَجْعَل اللَّفْظَ فِي الْعُرْفِ مَجَازًا عَنْ مَعْنًى آخَرَ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لاَ يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلاَنٍ، فَإِنَّهُ صَارَ مَجَازًا عَنِ الدُّخُول مُطْلَقًا، فَفِي هَذَا لاَ يُعْتَبَرُ اللَّفْظُ أَصْلاً، حَتَّى لَوْ وَضَعَ قَدَمَهُ وَلَمْ يَدْخُل لاَ يَحْنَثُ؛ لأَِنَّ الْمَعْنَى الأَْصْلِيَّ وَالْعُرْفِيَّ لِلَّفْظِ قَدْ هُجِرَ، وَصَارَ الْمُرَادُ بِهِ مَعْنًى آخَرَ، وَمِثْلُهُ: لاَ آكُل مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - وَهِيَ مِنَ الأَْشْجَارِ الَّتِي لاَ تُثْمِرُ وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْل شَيْءٍ مِنْهَا - فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تَنْصَرِفُ إِلَى الاِنْتِفَاعِ بِثَمَنِهَا، فَلاَ يَحْنَثُ بِتَنَاوُل شَيْءٍ مِنْهَا وَمَضْغِهِ وَابْتِلاَعِهِ. (٤)
ب - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ:
١٦٩ - إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحْلِفٌ ذُو حَقٍّ، وَلَمْ يَنْوِ الْحَالِفُ نِيَّةً مُعْتَبَرَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِلْيَمِينِ بِسَاطٌ دَالٌّ عَلَى مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ، فَالْمُعْتَمَدُ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لاَ يَأْكُل خُبْزًا، وَكَانَ أَهْل بَلَدِهِ لاَ يَأْكُلُونَ стр. 4560
إِلاَّ خُبْزَ الْقَمْحِ، فَأَكْل الْقَمْحِ عِنْدَهُمْ عُرْفٌ فِعْلِيٌّ، فَهُوَ مُخَصِّصٌ لِلْخُبْزِ الَّذِي حَلَفَ عَلَى عَدَمِ أَكْلِهِ، فَلاَ يَحْنَثُ بِأَكْل خُبْزِ الذُّرَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ فِعْلِيٌّ اعْتُبِرَ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ، كَمَا لَوْ كَانَ عُرْفُ قَوْمٍ اسْتِعْمَال لَفْظِ الدَّابَّةِ فِي الْحِمَارِ وَحْدَهُ، وَلَفْظَ الثَّوْبِ فِيمَا يُلْبَسُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ وَيَسْلُكُ فِي الْعُنُقِ، فَحَلَفَ حَالِفٌ مِنْهُمْ: أَلاَّ يَشْتَرِيَ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا، فَلاَ يَحْنَثُ بِشِرَاءِ فَرَسٍ وَلاَ عِمَامَةٍ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ فِعْلِيٌّ وَلاَ قَوْلِيٌّ اعْتُبِرَ الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ، فَمَنْ حَلَفَ: لاَ يُصَلِّي فِي هَذَا الْوَقْتِ، أَوْ لاَ يَصُومُ غَدًا، أَوْ لاَ يَتَوَضَّأُ الآْنَ، أَوْ لاَ يَتَيَمَّمُ حَنِثَ بِالشَّرْعِيِّ مِنْ ذَلِكَ دُونَ اللُّغَوِيِّ، فَلاَ يَحْنَثُ بِالدُّعَاءِ، وَلاَ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، مَعَ أَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ صَلاَةً فِي اللُّغَةِ، وَلاَ يَحْنَثُ بِالإِْمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى صِيَامًا فِي اللُّغَةِ، وَلاَ بِغُسْل الْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ يُسَمَّى وُضُوءًا فِي اللُّغَةِ، وَلاَ بِقَصْدِهِ إِنْسَانًا وَالذَّهَابَ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ يُسَمَّى تَيَمُّمًا فِي اللُّغَةِ.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَا يَدُل عَلَى مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ اللُّغَوِيِّ، مِنْ نِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ عُرْفٍ فِعْلِيٍّ أَوْ قَوْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ، حُمِلَتِ الْيَمِينُ عَلَى الظَّاهِرِ اللُّغَوِيِّ، فَمَنْ حَلَفَ لاَ يَرْكَبُ دَابَّةً أَوْ لاَ يَلْبَسُ ثَوْبًا، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةٌ، وَلاَ لأَِهْل بَلَدِهِ عُرْفٌ فِي دَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ، حَنِثَ بِرُكُوبِهِ التِّمْسَاحَ وَلُبْسِهِ الْعِمَامَةَ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَدْلُول اللُّغَوِيُّ. (١) стр. 4561
ج - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ:
١٧٠ - الأَْصْل عِنْدَهُمْ أَنْ يُتَّبَعَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ عِنْدَ ظُهُورِهِ وَشُمُولِهِ، ثُمَّ يُتَّبَعَ الْعُرْفُ إِذَا كَانَ مُطَّرِدًا وَكَانَتِ الْحَقِيقَةُ بَعِيدَةً، مِثْل لاَ آكُل مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَإِنَّهُ يُحْمَل عَلَى الثَّمَرِ لاَ الْوَرَقِ، وَلَوْ حَلَفَ: لاَ يَأْكُل الرَّأْسَ، حُمِل عَلَى رُءُوسِ النَّعَمِ، وَهِيَ الْبَقَرُ وَالإِْبِل وَالْغَنَمُ؛ لأَِنَّهَا هِيَ الْمُتَعَارَفَةُ، حَتَّى إِنِ اخْتَصَّ بَعْضُهَا بِبَلَدِ الْحَالِفِ، بِخِلاَفِ رَأْسِ الطَّيْرِ وَالْحُوتِ وَالظَّبْيِ وَنَحْوِهَا فَلاَ تُحْمَل الْيَمِينُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا إِلاَّ إِذَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِبَيْعِهَا فِي بَلَدِ الْحَالِفِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تُفْهَمُ مِنَ اللَّفْظِ عِنْدَ إِطْلاَقِهِ. (١)
د - مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ:
١٧١ - إِنْ عُدِمَتِ النِّيَّةُ وَالسَّبَبُ رَجَعَ فِي الْيَمِينِ إِلَى مَا تَنَاوَلَهُ الاِسْمُ شَرْعًا فَعُرْفًا فَلُغَةً، فَالْيَمِينُ عَلَى الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْوُضُوءِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُل مَا لَهُ مَعْنًى شَرْعِيٌّ وَمَعْنًى لُغَوِيٌّ تُحْمَل عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، وَيُحْمَل عَلَى الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ، فِيمَا عَدَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ.
وَلَوْ قَيَّدَ حَالِفٌ يَمِينَهُ بِمَا لاَ يَصِحُّ شَرْعًا، كَأَنْ حَلَفَ لاَ يَبِيعُ الْخَمْرَ، فَفَعَل، حَنِثَ بِصُورَةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ لِتَعَذُّرِ الصَّحِيحِ.
وَمَنْ حَلَفَ عَلَى الرَّاوِيَةِ وَالظَّعِينَةِ وَالدَّابَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا اشْتُهِرَ مَجَازُهُ حَتَّى غَلَبَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ، فَهَذَا حَلِفٌ عَلَى أَسْمَاءٍ لَهَا مَعَانٍ عُرْفِيَّةٌ وَهِيَ الَّتِي اشْتُهِرَتْ، وَمَعَانٍ لُغَوِيَّةٌ وَهِيَ الَّتِي صَارَتْ كَالْمَجْهُولَةِ. فَالرَّاوِيَةُ فِي стр. 4562
اللُّغَةِ: اسْمٌ لِمَا يُسْتَقَى عَلَيْهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَاشْتُهِرَتْ فِي الْمَزَادَةِ، وَهِيَ وِعَاءٌ يُحْمَل فِيهِ الْمَاءُ فِي السَّفَرِ كَالْقِرْبَةِ وَنَحْوِهَا. وَالظَّعِينَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلنَّاقَةِ الَّتِي يُظْعَنُ عَلَيْهَا، ثُمَّ اشْتُهِرَتْ فِي الْمَرْأَةِ فِي الْهَوْدَجِ. وَالدَّابَّةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا دَبَّ وَدَرَجَ، وَاشْتُهِرَتْ فِي ذَوَاتِ الأَْرْبَعِ مِنْ خَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ وَيُرَاعَى فِي الْحَلِفِ عَلَيْهَا الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ لاَ اللُّغَوِيُّ.
وَمَنْ حَلَفَ: لاَ يَأْكُل لَحْمًا أَوْ شَحْمًا أَوْ رَأْسًا أَوْ بَيْضًا أَوْ لَبَنًا، أَوْ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأَْسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يَغْلِبْ مَجَازُهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا، يُرَاعَى فِي يَمِينِهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَيَحْنَثُ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ أَكْل اللَّحْمِ بِأَكْل سَمَكٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَلاَ بِمَرَقِ اللَّحْمِ، وَلاَ بِالْمُخِّ وَالشَّحْمِ وَالْكَبِدِ وَالْكُلْيَةِ وَالْمُصْرَانِ وَالطِّحَال وَالْقَلْبِ وَالأَْلْيَةِ وَالدِّمَاغِ وَالْقَانِصَةِ وَالْكَارِعِ وَلَحْمِ الرَّأْسِ وَاللِّسَانِ؛ لأَِنَّ مُطْلَقَ اللَّحْمِ لاَ يَتَنَاوَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ نَوَى الاِمْتِنَاعَ مِنْ تَنَاوُل الدَّسَمِ حَنِثَ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
وَيَحْنَثُ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ أَكْل الشَّحْمِ بِجَمِيعِ الشُّحُومِ، حَتَّى شَحْمِ الظَّهْرِ وَالْجَبِّ وَالأَْلْيَةِ وَالسَّنَامِ؛ لأَِنَّ الشَّحْمَ مَا يَذُوبُ مِنَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ، لاَ بِاللَّحْمِ الأَْحْمَرِ وَلاَ الْكَبِدِ وَالطِّحَال وَالرَّأْسِ وَالْكُلْيَةِ وَالْقَلْبِ وَالْقَانِصَةِ وَنَحْوِهَا.
وَالْحَالِفُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْ أَكْل الرُّءُوسِ يَحْنَثُ بِجَمِيعِ الرُّءُوسِ: رَأْسِ الطَّيْرِ وَرَأْسِ السَّمَكِ وَرَأْسِ الْجَرَادِ.
وَالْحَالِفُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْ أَكْل الْبَيْضِ يَحْنَثُ بِكُل بَيْضٍ، حَتَّى بَيْضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ.
وَالْحَالِفُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْ أَكْل اللَّبَنِ يَحْنَثُ بِكُل مَا يُسَمَّى لَبَنًا، حَتَّى لَبَنَ الظَّبْيَةِ وَالآْدَمِيَّةِ،
стр. 4563
وَسَوَاءٌ أَكَانَ حَلِيبًا أَمْ رَائِبًا أَمْ مُجَمَّدًا، وَيَحْنَثُ بِالْمُحَرَّمِ كَلَبَنِ الْخِنْزِيرَةِ وَالأَْتَانِ، وَلاَ يَحْنَثُ بِأَكْل الزُّبْدِ أَوِ السَّمْنِ أَوِ الْكِشْكِ أَوِ الْمَصْل (١) أَوِ الْجُبْنِ أَوِ الأَْقَطِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُعْمَل مِنَ اللَّبَنِ وَيَخْتَصُّ بِاسْمٍ. (٢)
إِيمَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْيمَانُ مَصْدَرُ " آمَنَ " " وَآمَنَ " أَصْلُهُ مِنَ الأَْمْنِ ضِدُّ الْخَوْفِ.
يُقَال: آمَنَ فُلاَنٌ الْعَدُوَّ يُؤْمِنُهُ إِيمَانًا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمِنْ هُنَا يَأْتِي الإِْيمَانُ بِمَعْنَى: جُعِل الإِْنْسَانِ فِي مَأْمَنٍ مِمَّا يَخَافُ. جَاءَ فِي اللِّسَانِ: قُرِئَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ ﴿إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ﴾ (٣) مَنْ قَرَأَهُ بِكَسْرِ الأَْلِفِ مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ إِنْ أَجَارُوا وَأَمِنُوا الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَفُوا وَغَدَرُوا، وَالإِْيمَانُ هُنَا: الإِْجَارَةُ.
وَالْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ الإِْيمَانُ لُغَةً بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ ضِدَّ التَّكْذِيبِ (٤) . يُقَال: آمَنَ بِالشَّيْءِ إِذَا صَدَّقَ بِهِ، وَآمَنَ لِفُلاَنٍ إِذَا صَدَّقَهُ فِيمَا يَقُول. فَفِي التَّنْزِيل ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (٥) وَفِيهِ ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (٦) وَالإِْيمَانُ فِي الاِصْطِلاَحِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: стр. 4564
فَقِيل: هُوَ تَصْدِيقُ الرَّسُول ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مَعَ إِظْهَارِ الْخُضُوعِ وَالْقَبُول لِمَا أَتَى بِهِ. فَهُوَ اعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَْرْكَانِ.
وَالْمُرَادُ بِالاِعْتِقَادِ: الإِْيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْقَدَرِ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيل ﵇.
وَالْمُرَادُ بِقَوْل اللِّسَانِ: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَالْمُرَادُ بِالْعَمَل بِالْجَوَارِحِ: فِعْلُهَا وَكَفُّهَا تَبَعًا لِلأَْمْرِ وَالنَّهْيِ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: هَذَا قَوْل السَّلَفِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْل الْمُعْتَزِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ جَعَلُوا الأَْعْمَال شَرْطًا فِي صِحَّةِ الإِْيمَانِ، وَالسَّلَفَ جَعَلُوهَا شَرْطًا فِي كَمَالِهِ.
وَقِيل: الإِْيمَانُ هُوَ: التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْفُقَهَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ لِلَفْظِ (الإِْيمَانِ) وَأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ النَّقْل. وَلَيْسَتِ الأَْعْمَال عِنْدَهُمْ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الإِْيمَانِ. فَإِذَا وُجِدَ لَدَى الإِْنْسَانِ الإِْيمَانُ وُجِدَ كَامِلاً، وَإِنْ زَال زَال دَفْعَةً وَاحِدَةً.
أَمَّا عَلَى قَوْل السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّ الإِْيمَانَ دَرَجَاتٌ بِحَسَبِ قُوَّةِ التَّصْدِيقِ لِوُضُوحِ الأَْدِلَّةِ وَجَوْدَةِ الْفَهْمِ. وَيَزِيدُ الإِْيمَانُ بِالطَّاعَاتِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي، وَيُفَاضَل النَّاسُ فِيهِ.
وَاسْتَشْهَدَ لَهُمْ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ (٢) . стр. 4565
الْفَرْقُ بَيْنَ الإِْسْلاَمِ وَالإِْيمَانِ:
٢ - الإِْسْلاَمُ لُغَةً: الاِسْتِسْلاَمُ، وَشَرْعًا: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْعَمَل بِالْفَرَائِضِ، فَالإِْيمَانُ أَخَصُّ مِنَ الإِْسْلاَمِ، إِذْ يُؤْخَذُ فِي مَعْنَى الإِْيمَانِ - مَعَ النُّطْقِ وَالْعَمَل - التَّصْدِيقُ، وَالإِْحْسَانُ أَخَصُّ مِنَ الإِْيمَانِ. فَكُل مُحْسِنٍ مُؤْمِنٌ، وَكُل مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلاَ عَكْسَ.
قَال الأَْزْهَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُل الإِْيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١) قَال: الإِْسْلاَمُ إِظْهَارُ الْخُضُوعِ وَالْقَبُول لِمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَبِهِ يُحْقَنُ الدَّمُ. فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الإِْظْهَارِ اعْتِقَادٌ وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ فَذَلِكَ هُوَ الإِْيمَانُ، الَّذِي يُقَال لِلْمَوْصُوفِ بِهِ هُوَ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ.
فَأَمَّا مَنْ أَظْهَرَ قَبُول الشَّرِيعَةِ وَاسْتَسْلَمَ؛ لِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ، فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُسْلِمٌ، وَبَاطِنُهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُول: أَسْلَمْتُ. وَحُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ (٢) .
وَفِي الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ وَشَرْحِهَا أَنَّ الإِْيمَانَ وَالإِْسْلاَمَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، أَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا لاَ يَنْفَكُّ عَنِ الآْخَرِ (٣) . стр. 4566
وَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الإِْيمَانَ وَالإِْسْلاَمَ إِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَل فِيهِ الآْخَرُ، وَدَل بِانْفِرَادِهِ عَلَى مَا يَدُل عَلَيْهِ الآْخَرُ بِانْفِرَادِهِ. وَإِنْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا تَغَايَرَا، عَلَى وِزَانِ مَا قَالُوهُ فِي (الْفَقِيرِ) (وَالْمِسْكِينِ) (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - الإِْيمَانُ وَاجِبٌ، بَل هُوَ أَعْظَمُ الْفَرَائِضِ. وَلاَ يُعْتَبَرُ التَّصْدِيقُ إِلاَّ مَعَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنَ الْقَادِرِ (٢) . وَالاِمْتِنَاعُ مِنَ التَّلَفُّظِ - مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ - مُنَافٍ لِلإِْذْعَانِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الإِْيمَانِ، عَلَى قَوْلَيْنِ (٣) .
٤ - وَالإِْيمَانُ شَرْطٌ فِي قَبُول الْعِبَادَاتِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿مَنْ عَمِل صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤) وَقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (٥) وَنَحْوِهِمَا مِنَ الآْيَاتِ.
أَمَّا صِحَّةُ الأَْعْمَال ظَاهِرًا وَجَرَيَانُ الأَْحْكَامِ عَلَى الشَّخْصِ، كَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيُشْتَرَطُ لَهَا الإِْسْلاَمُ فَقَطْ، إِذِ التَّصْدِيقُ وَالاِعْتِقَادُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ الأَْحْكَامُ الظَّاهِرَةُ.
وَقَدْ يَكُونُ الإِْسْلاَمُ شَرْطَ وُجُوبٍ، كَوُجُوبِ стр. 4567
الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْجِهَادِ حَيْثُ وَجَبَتْ، فَإِنَّمَا تَجِبُ ظَاهِرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
مِنْ أَجْل ذَلِكَ، وَأَنَّ مَبَاحِثَ الْفِقْهِ مُنَصَّبَةٌ عَلَى الأُْمُورِ الظَّاهِرَةِ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَسْتَعْمِلُونَ غَالِبًا فِي بَيَانِهِمْ لِلأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَفْظَ (الإِْسْلاَمِ) ، وَيَجْعَلُونَهُ مُتَعَلِّقُ الأَْحْكَامِ، دُونَ لَفْظِ (الإِْيمَانِ)
وَلِذَلِكَ يُنْظَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ (ر: إِسْلاَمٌ) .
٥ - وَإِذَا وُجِدَتِ الرِّدَّةُ - بِارْتِكَابِ أَحَدِ الْمُكَفِّرَاتِ اخْتِيَارًا - أَبْطَلَتِ الإِْسْلاَمَ وَالإِْيمَانَ ظَاهِرًا. وَخَرَجَ صَاحِبُهُ مِنْهُ إِلَى الْكُفْرِ اتِّفَاقًا (ر: رِدَّةٌ) .
٦ - أَمَّا الْفِسْقُ وَالْمَعَاصِي فَلاَ يَخْرُجُ بِهِمَا الْمُؤْمِنُ مِنَ الإِْيمَانِ عَلَى قَوْل أَهْل السُّنَّةِ. وَعِنْدَ الْخَوَارِجِ يَخْرُجُ بِهِمَا مِنَ الإِْيمَانِ وَيَدْخُل فِي الْكُفْرِ. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ يَخْرُجُ مِنَ الإِْيمَانِ، وَلاَ يَدْخُل الْكُفْرَ، بَل هُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ (١) .
٧ - وَفِي حُكْمِ الاِسْتِثْنَاءِ فِي الإِْيمَانِ، بِأَنْ يَقُول الإِْنْسَانُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ اخْتِلاَفٌ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ خِلاَفٌ لَفْظِيٌّ؛ لأَِنَّهُ لَوْ قَصَدَ حَقِيقَةَ التَّعْلِيقِ لاَ يَكُونُ مُؤْمِنًا بِالإِْجْمَاعِ، وَلَوْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ وَالتَّأَدُّبَ، بِإِسْنَادِ الأَْمْرِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ تَبَرُّكًا، فَلاَ يُمْكِنُ الْقَوْل بِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ (٢) .
شُعَبُ الإِْيمَانِ:
٨ - الإِْيمَانُ أَصْلٌ تَنْشَأُ عَنْهُ الأَْعْمَال الصَّالِحَةُ وَتَنْبَنِي стр. 4568
عَلَيْهِ، كَمَا تَنْبَنِي فُرُوعُ الشَّجَرَةِ عَلَى أَصْلِهَا وَتَتَغَذَّى مِنْهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الإِْيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلاَهَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ. وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِْيمَانِ (١) . وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا جُمْلَةً فِي أَوَّل سُورَةِ (الْمُؤْمِنُونَ) . وَتَتَبَّعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَاقِيَ الْعَدَدِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (٢) .
وَإِتْمَامًا لِهَذَا الْمُصْطَلَحِ تُرَاجَعُ كُتُبُ الْعَقَائِدِ وَالتَّوْحِيدِ.
إِيهَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْيهَامُ لُغَةً: إِيقَاعُ الْغَيْرِ فِي الظَّنِّ (٣) . وَاصْطِلاَحًا: الإِْيقَاعُ فِي الْوَهْمِ (٤) . إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ وَالأُْصُولِيِّينَ يَخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَى الْوَهْمِ، فَهُوَ عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ مُرَادِفٌ لِلشَّكِّ، فَالشَّكُّ عِنْدَهُمْ هُوَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ وُجُودِ الشَّيْءِ وَعَدَمِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الطَّرَفَانِ فِي التَّرَدُّدِ سَوَاءً، أَمْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا (٥) . стр. 4569
وَعِنْدَ أَصْحَابِ الأُْصُول وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ: الْوَهْمُ هُوَ إِدْرَاكُ الطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ (١) .
وَالْبَعْضُ يُطْلِقُ الإِْيهَامَ وَيُرِيدُ بِهِ الظَّنَّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْغِشُّ:
٢ - الْغِشُّ: أَنْ يَكْتُمَ الْبَائِعُ عَنِ الْمُشْتَرِي عَيْبًا فِي الْمَبِيعِ لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمَا اشْتَرَاهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ (٣) .
التَّدْلِيسُ:
٣ - التَّدْلِيسُ: الْعِلْمُ بِالْعَيْبِ وَكِتْمَانُهُ (٤) .
الْغَرَرُ:
٤ - الْغَرَرُ: مَا يَكُونُ مَجْهُول الْعَاقِبَةِ، وَلاَ يُدْرَى أَيَكُونُ أَمْ لاَ (٥) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - إِيهَامُ اللُّقِيِّ وَالرِّحْلَةِ مِنْ تَدْلِيسِ الإِْسْنَادِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ، لَكِنْ لاَ يُعْتَبَرُ سَبَبًا لِتَجْرِيحِ الرَّاوِي.
فَإِيهَامُ اللُّقِيِّ: كَقَوْل مَنْ عَاصَرَ الزُّهْرِيَّ مَثَلاً وَلَمْ يَلْقَهُ: قَال الزُّهْرِيُّ، مُوهِمًا أَيْ مُوقِعًا فِي الْوَهْمِ - أَيِ الذِّهْنِ - أَنَّهُ سَمِعَهُ.
وَإِيهَامُ الرِّحْلَةِ نَحْوُ أَنْ يُقَال: حَدَّثَنَا وَرَاءَ النَّهْرِ، مُوهِمًا جَيْحُونَ، وَالْمُرَادُ نَهْرُ مِصْرَ، كَأَنْ يَكُونَ стр. 4570
بِالْجِيزَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَارِيضِ لاَ كَذِبَ فِيهِ (١) .
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: إِيهَامُ الْبَائِعِ الْمُشْتَرِيَ سَلاَمَةَ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمُوجِبُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْجُمْلَةِ (٢) عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ خِيَارُ الْعَيْبِ.
إِيوَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْيوَاءُ لُغَةً: مَصْدَرُ آوَى - وَهُوَ مُتَعَدٍّ - ضَمُّ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ إِلَى مَكَانٍ يُقِيمُ وَيَأْمَنُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ (٣) وَمُجَرَّدُهُ أَوَى، وَهُوَ لاَزِمٌ. وَقَدْ يُسْتَعْمَل مُتَعَدِّيًا، يُقَال: أَوَى إِلَى فُلاَنٍ إِذَا الْتَجَأَ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ. وَالْمَأْوَى لِكُل حَيَوَانٍ سَكَنُهُ (٤) .
وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَال ﵊ لِلأَْنْصَارِ: أَسْأَلُكُمْ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَسْأَلُكُمْ لِنَفْسِي وَلأَِصْحَابِي أَنْ تُؤْوُونَا. . (٥) أَيْ تَضُمُّونَا إِلَيْكُمْ، стр. 4571
وَقَال صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: لاَ يَأْوِي الضَّالَّةَ إِلاَّ ضَالٌّ (١) أَيْ يَأْخُذُهَا وَيَضُمُّهَا إِلَيْهِ وَهَكَذَا (٢) .
الْحُكْمُ الْعَامُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - حَيْثُمَا كَانَ الإِْيوَاءُ لِغَايَةٍ مَشْرُوعَةٍ كَانَ الإِْيوَاءُ مَشْرُوعًا، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى مَنْعِهِ دَلِيلٌ، كَإِيوَاءِ الْيَتِيمِ، وَإِيوَاءِ الْمُشَرَّدِ، وَإِيوَاءِ الضَّيْفِ، وَإِيوَاءِ الْفَارِّ مِنَ الظَّالِمِ، وَإِيوَاءِ اللُّقَطَةِ الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْتَنِعَ بِنَفْسِهَا.
وَحَيْثُمَا كَانَ الإِْيوَاءُ لِغَايَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، فَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ كَإِيوَاءِ الْجَاسُوسِ وَالْجَانِي (٣) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٤) .
٣ - وَإِيوَاءُ الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ مِنْ قِبَل مَالِكِهَا شَرْطٌ لِقَطْعِ سَارِقِهَا، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ بِالْحِرْزِ.
لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، فَإِذَا ضَمَّهُ الْجَرِينُ قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَلاَ تُقْطَعُ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَل، فَإِذَا آوَى الْمَرَاحُ قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ (٥) стр. 4572
كَمَا فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ. (ر: سَرِقَةٌ) .
٤ - وَإِيوَاءُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي - بِمَعْنَى نَقْلِهِ وَضَمِّهِ إِلَى الْمُشْتَرِي - فِي الْمَنْقُولاَتِ شَرْطٌ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِجَوَازِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي لَهُ، لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَبْتَاعُونَ جُزَافًا - يَعْنِي الطَّعَامَ - يَضْرِبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ (١) .
الأَْيَّامُ الْبِيضُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْيَّامُ الْبِيضُ هِيَ: الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ كُل شَهْرٍ عَرَبِيٍّ. وَسُمِّيَتْ بِيضًا لاِبْيِضَاضِ لَيَالِيِهَا بِالْقَمَرِ؛ لأَِنَّهُ يَطْلُعُ فِيهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا. وَلِذَلِكَ قَال ابْنُ بَرِّيٍّ: الصَّوَابُ أَنْ يُقَال: أَيَّامُ الْبِيضِ، بِالإِْضَافَةِ لأَِنَّ الْبِيضَ مِنْ صِفَةِ اللَّيَالِيِ - أَيْ أَيَّامِ اللَّيَالِيِ الْبَيْضَاءِ. стр. 4573
وَقَال الْمُطَرِّزِيُّ: مَنْ فَسَّرَهَا بِالأَْيَّامِ فَقَدْ أَبْعَد (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الأَْيَّامُ السُّودُ:
٢ - الأَْيَّامُ السُّودُ أَوْ أَيَّامُ اللَّيَالِيِ السُّودِ: هِيَ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَتَالِيَاهُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَمَرَ فِي هَذِهِ اللَّيَالِيِ يَكُونُ فِي تَمَامِ الْمِحَاقِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يُسْتَحَبُّ صَوْمُ الأَْيَّامِ الْبِيضِ مِنْ كُل شَهْرٍ؛ لِكَثْرَةِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ صَامَ مِنْ كُل شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ (٣)
وَعَنْ مِلْحَانَ الْقَيْسِيِّ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ: ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَال: هُوَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ (٤) وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى كُل شُهُورِ الْعَامِ عَدَا شَهْرَ ذِي الْحِجَّةِ، فَلاَ يُصَامُ فِيهِ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِهَا.
وَالأَْوْجَهُ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يُصَامَ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَصَوْمُ هَذِهِ الأَْيَّامِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٥) . стр. 4574
وَكَانَ مَالِكٌ يَصُومُ أَوَّل يَوْمِهِ، وَحَادِي عَشَرَهُ، وَحَادِي عِشْرِينِهِ. وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ كَوْنَهَا الثَّلاَثَةَ الأَْيَّامِ الْبِيضِ، مَخَافَةَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهَا وَفِرَارًا مِنَ التَّحْدِيدِ.
وَهَذَا إِذَا قَصَدَ صَوْمَهَا بِعَيْنِهَا، وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَلَى سَبِيل الاِتِّفَاقِ فَلاَ كَرَاهَةَ (١)
أَيَّامُ التَّشْرِيقِ
التَّعْرِيفُ:
١ - أَيَّامُ التَّشْرِيقِ - عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ - ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، قِيل: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّ لُحُومَ الأَْضَاحِيِّ تُشَرَّقُ فِيهَا، أَيْ تُقَدَّدُ فِي الشَّمْسِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ:
٢ - الأَْيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ هِيَ الْوَارِدَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣) وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلاَثَةِ كَمَا ذَكَرَ اللُّغَوِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ (٤) . стр. 4575
ب - الأَْيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ:
٣ - الأَْيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ الْوَارِدَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (١) هِيَ الْعَشْرُ الأَْوَائِل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقِيل: هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَقِيل: هِيَ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَدْ رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الأَْيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ وَالأَْيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ يَجْمَعُهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلاَثَةٌ بَعْدَهُ، فَيَوْمُ النَّحْرِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ، وَالْيَوْمَانِ بَعْدَهُ مَعْلُومَانِ مَعْدُودَانِ، وَالْيَوْمُ الرَّابِعُ مَعْدُودٌ لاَ مَعْلُومٌ.
وَقِيل: هِيَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالنَّحْرِ وَالْحَادِيَ عَشَرَ (٢) .
ج - أَيَّامُ النَّحْرِ:
٤ - أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلاَثَةٌ: الْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلاَثَةٌ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ أَرْبَعَةٌ: يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : كُل أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ (٣) . стр. 4576
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (١) .
د - أَيَّامُ مِنًى:
٥ - أَيَّامُ مِنًى هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلاَثَةِ، وَهِيَ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَتُسَمَّى أَيَّامَ مِنًى وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَأَيَّامَ رَمْيِ الْجِمَارِ وَالأَْيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ، كُل هَذِهِ الأَْسْمَاءِ وَاقِعَةٌ عَلَيْهَا (٢) .
وَالْفُقَهَاءُ يُعَبِّرُونَ بِأَيَّامِ مِنًى تَارَةً، وَبِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَارَةً أُخْرَى.
مَا يَتَعَلَّقُ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
أ - رَمْيُ الْجِمَارِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
٦ - أَيَّامُ رَمْيِ الْجِمَارِ أَرْبَعَةٌ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَثَلاَثَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ هِيَ وَقْتٌ لِرَمْيِ بَاقِي الْجِمَارِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، يَرْمِي الْحَاجُّ كُل يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوَال إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً لِثَلاَثِ جَمَرَاتٍ، كُل جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَالأَْصْل فِي هَذَا مَا رَوَتْهُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُل جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الأُْولَى стр. 4577
وَالثَّانِيَةِ، فَيُطِيل الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ وَلاَ يَقِفُ عِنْدَهَا. (١)
وَرَمْيُ الْجِمَارِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَاجِبٌ، وَيَفُوتُ وَقْتُ الرَّمْيِ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ سَقَطَ عَنْهُ الرَّمْيُ لِفَوَاتِ وَقْتِهِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ (٢) . وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (٣) .
وَبَاقِي تَفْصِيل أَحْكَامِ الرَّمْيِ فِي مُصْطَلَحِ (رَمْيٍ، وَحَجٍّ) .
ب - ذَبْحُ الْهَدْيِ وَالأُْضْحِيَّةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
٧ - وَقْتُ ذَبْحِ الأُْضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ: يَوْمُ الأَْضْحَى، وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَالْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ، فَيَدْخُل الْيَوْمُ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَرَوَاهُ الأَْثْرَمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ стр. 4578
نَهَى عَنِ الأَْكْل مِنَ النُّسُكِ فَوْقَ ثَلاَثٍ (١) وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ مَشْرُوعًا فِي وَقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الأَْكْل، ثُمَّ نُسِخَ تَحْرِيمُ الأَْكْل وَبَقِيَ وَقْتُ الذَّبْحِ بِحَالِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ أَهْل الْمَدِينَةِ إِجَازَةُ الأُْضْحِيَّةِ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَبْقَى وَقْتُ ذَبْحِ الأُْضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ، كَمَا قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : كُل أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ (٢) وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال: النَّحْرُ يَوْمَ الأَْضْحَى وَثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (٣) .
ج - الإِْحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
٨ - يُكْرَهُ الإِْحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِمَا رَوَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ (٤) : стр. 4579
وَقْتُ الْعُمْرَةِ السَّنَةُ كُلُّهَا، إِلاَّ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ (١) وَمِثْل هَذَا لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِالتَّوْقِيفِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِذَا أَهَل بِعُمْرَةٍ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَزِمَتْهُ، وَيَقْطَعُهَا؛ لأَِنَّهُ قَدْ أَدَّى رُكْنَ الْحَجِّ مِنْ كُل وَجْهٍ، وَالْعُمْرَةُ مَكْرُوهَةٌ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ، فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ قَطْعُهَا، فَإِنْ رَفَضَهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ لِقَطْعِهَا، وَعُمْرَةٌ مَكَانَهَا، وَإِنْ مَضَى عَلَيْهَا أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّ الْكَرَاهَةَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ كَوْنُهُ مَشْغُولاً فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ بِأَدَاءِ بَقِيَّةِ أَعْمَال الْحَجِّ، فَيَجِبُ تَخْلِيصُ الْوَقْتِ لَهُ تَعْظِيمًا، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا (٣) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ الإِْحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنَ السَّنَةِ، إِلاَّ لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ مُفْرِدًا، فَيُمْنَعُ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ - وَلاَ يَنْعَقِدُ، وَلاَ يَجِبُ قَضَاؤُهَا - إِلَى أَنْ يَتَحَلَّل مِنْ جَمِيعِ أَفْعَال الْحَجِّ، وَذَلِكَ بِرَمْيِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ لِغَيْرِ الْمُتَعَجِّل، وَمُضِيِّ قَدْرِهِ لِمَنْ تَعَجَّل، وَهُوَ قَدْرُ زَمَنِهِ عَقِبَ زَوَال الرَّابِعِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْل غُرُوبِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ صَحَّ إِحْرَامُهُ، لَكِنْ لاَ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ أَفْعَال الْعُمْرَةِ إِلاَّ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ فَعَل قَبْلَهُ شَيْئًا فَلاَ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ (٤) . стр. 4580
د - صَلاَةُ عِيدِ الأَْضْحَى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ:
٩ - صَلاَةُ عِيدِ الأَْضْحَى تَكُونُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، فَإِذَا تُرِكَتْ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُصَلَّى فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُمَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَسَوَاءٌ أَتُرِكَتْ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، إِلاَّ أَنَّهَا إِذَا تُرِكَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَتَلْحَقُهُمُ الإِْسَاءَةُ، وَتَكُونُ أَدَاءً فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ، وَإِنَّمَا جَازَ الأَْدَاءُ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ اسْتِدْلاَلاً بِالأُْضْحِيَّةِ، فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَكَذَا صَلاَةُ الْعِيدِ؛ لأَِنَّهَا مَعْرُوفَةٌ بِوَقْتِ الأُْضْحِيَّةِ فَتَتَقَيَّدُ بِأَيَّامِهَا.
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْجَمَاعَةِ، أَمَّا الْمُنْفَرِدُ إِذَا فَاتَتْهُ صَلاَةُ الْعِيدِ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَمِثْلُهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يُجِيزُونَ صَلاَتَهَا فِي كُل أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَفِيمَا بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيَعْتَبِرُونَهَا قَضَاءً لاَ أَدَاءً. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَال فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ فَاتَتْهُ صَلاَةُ الْعِيدِ مَعَ الإِْمَامِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ، وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: إِنْ فَاتَتْ صَلاَةُ الْعِيدِ جَمَاعَةً، فَأَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا بِجَمَاعَتِهِمْ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَهَا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِهِ، قَال سَحْنُونٌ: لاَ أَرَى أَنْ يَجْمَعُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا صَلَّوْا أَفْذَاذًا (١) .
هـ - الصَّوْمُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
١٠ - مِنَ الأَْيَّامِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصِّيَامِ فِيهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ стр. 4581
قَال: أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٌ لِلَّهِ (١) إِلاَّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ أَوِ الْقَارِنِ الَّذِي لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ أَنْ يَصُومَ هَذِهِ الأَْيَّامَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمَا قَالاَ: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ (٢) .
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَفِي الْقَدِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنِ الْهَدْيِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْجَدِيدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ صَوْمُهَا لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ.
وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ لَمْ يَدْخُل فِي نَذْرِهِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَأَفْطَرَ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْفِطْرِ وَلاَ يَتَنَاوَلُهَا النَّذْرُ.
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ وَرِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ نَذْرُهُ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ، لَكِنِ الأَْفْضَل أَنْ يُفْطِرَ فِيهَا وَيَصُومَ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ، وَلَوْ صَامَ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ يَكُونُ مُسِيئًا لَكِنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ النَّذْرِ.
وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِمَنْ نَذَرَهُ (٣) . стр. 4582
و - الْخُطْبَةُ فِي الْحَجِّ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
١١ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ الإِْمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيل وَالتَّأْخِيرِ وَتَوْدِيعَهُمْ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ قَالاَ: رَأَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بَيْنَ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَنَحْنُ عِنْدَ رَاحِلَتِهِ. (١)
وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ - غَيْرَ زُفَرَ - تَكُونُ الْخُطْبَةُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ ثَانِي أَيَّامِ النَّحْرِ (٢) .
ز - الْمَبِيتُ بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
١٢ - الْمَبِيتُ بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَاجِبٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَل ذَلِكَ، قَالَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ ﵂: أَفَاضَ رَسُول اللَّهِ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، (٣) وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: لَمْ يُرَخِّصِ النَّبِيُّ ﷺ لأَِحَدٍ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ إِلاَّ لِلْعَبَّاسِ مِنْ أَجْل سِقَايَتِهِ، وَرَوَى الأَْثْرَمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: لاَ يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ إِلاَّ بِمِنًى، وَكَانَ يَبْعَثُ رِجَالاً لاَ يَدَعُونَ أَحَدًا يَبِيتُ وَرَاءَ الْعَقَبَةِ (٤) . стр. 4583
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةً عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ " رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ مِنْ أَجْل سِقَايَتِهِ (١) " وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبَّاسِ أَنْ يَتْرُكَ الْوَاجِبَ لأَِجْل السِّقَايَةِ، وَلاَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرَخِّصُ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَفِعْل النَّبِيِّ ﷺ مَحْمُولٌ عَلَى السُّنَّةِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ (٢) .
وَمَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَعِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمَبِيتَ سُنَّةٌ فَقَدْ أَسَاءَ لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَالْمَبِيتُ بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كُلِّهَا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُتَعَجِّل، أَمَّا مَنْ تَعَجَّل فَلَيْسَ عَلَيْهِ سِوَى مَبِيتِ لَيْلَتَيْنِ فَقَطْ، وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ مَبِيتِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ لِلآْيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَيُرَخَّصُ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى لِلسُّقَاةِ وَالرُّعَاةِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْل سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ (٣) وَلِحَدِيثِ مَالِكٍ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِرِعَاءِ الإِْبِل فِي الْبَيْتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ стр. 4584
بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا (١) قَال مَالِكٌ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَال: فِي يَوْمٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفَرِ. وَالْمَرِيضُ، وَمَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ، كَغَيْرِهِ مِنَ السُّقَاةِ وَالرُّعَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى لِضَرُورَةٍ، كَخَوْفِهِ عَلَى مَتَاعِهِ عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَجٍّ، وَرَمْيٍ) .
ح - التَّكْبِيرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
١٣ - التَّكْبِيرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَشْرُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣) ، وَالْمُرَادُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، عَدَا أَبَا حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لاَ تَكْبِيرَ عِنْدَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَمَعَ اتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِهِ، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ سُنَّةٌ لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ.
وَهُوَ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ؛ لِلأَْمْرِ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ .
كَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ التَّكْبِيرِ، فَبِالنِّسْبَةِ لِلْبَدْءِ فَإِنَّهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ يَكُونُ قَبْل بِدَايَةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي كَوْنِهِ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ стр. 4585
النَّحْرِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، أَوْ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ وَعُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْخَتْمِ فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَكُونُ إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ يَكُونُ إِلَى صُبْحِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَقَال ابْنُ بَشِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يَكُونُ إِلَى ظُهْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَالتَّكْبِيرُ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ يَكُونُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، وَلاَ يَكُونُ بَعْدَ النَّافِلَةِ، إِلاَّ فِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَمَا فَاتَ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقُضِيَ فِيهَا فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ خَلْفَهَا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
أَمَّا إِنْ قَضَى فِي غَيْرِهَا فَلاَ يُكَبِّرُ خَلْفَهَا بِاتِّفَاقٍ.
وَمَا فَاتَ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقُضِيَ فِيهَا، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُكَبِّرُ خَلْفَهَا.
وَلاَ تَكْبِيرَ خَلْفَ مَقْضِيَّةٍ مُطْلَقًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ هُوَ أَنْ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يُكَبِّرُ ثَلاَثًا فِي الأَْوَّل (١) .
وَفِي مَوْضُوعِ التَّكْبِيرِ تَفْصِيلاَتٌ أُخْرَى تُنْظَرُ فِي: (تَكْبِيرٍ - عِيدٍ) . стр. 4586
أَيَّامُ مِنًى
التَّعْرِيفُ:
١ - أَيَّامُ مِنًى أَرْبَعَةٌ هِيَ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَهِيَ الْحَادِيَ عَشَرَ، وَالثَّانِيَ عَشَرَ، وَالثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا هَذَا الاِسْمُ لِعَوْدَةِ الْحُجَّاجِ إِلَى مِنًى بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْمَبِيتِ بِهَا لَيَالِيَ هَذَا الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ.
وَكَمَا أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى هَذِهِ الأَْيَّامِ أَيَّامُ مِنًى، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا كَذَلِكَ أَيَّامُ الرَّمْيِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَأَيَّامُ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَالأَْيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ. كُل هَذِهِ الأَْسْمَاءُ وَاقِعَةٌ عَلَيْهَا، وَيُعَبِّرُ بِهَا الْفُقَهَاءُ، إِلاَّ أَنَّهُ
стр. 4587
اشْتُهِرَ التَّعْبِيرُ عِنْدَهُمْ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - لأَِيَّامِ مِنًى أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا، كَالْمَبِيتِ بِمِنًى فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ فِيهَا.
وَقَدْ ذُكِرَ تَفْصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ فِي مُصْطَلَحِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، نَظَرًا لِشُهْرَةِ هَذِهِ الأَْيَّامِ بِهَا. (ر: أَيَّامٌ، التَّشْرِيقُ) .
أَيِّمٌ
انْظُرْ: نِكَاحٌ стр. 4588
بِئْرٌ
انْظُرْ: آبَار
بِئْرُ بُضَاعَةَ
انْظُرْ: آبَار
стр. 4589
بَاءَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبَاءَةُ لُغَةً: النِّكَاحُ (١) ، كُنِّيَ بِهِ عَنِ الْجِمَاعِ. إِمَّا لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْمَنْزِل غَالِبًا، أَوْ لأَِنَّ الرَّجُل يَتَبَوَّأُ مِنْ أَهْلِهِ - أَيْ يَسْتَمْكِنُ مِنْهَا - كَمَا يَتَبَوَّأُ مِنْ دَارِهِ (٢) .
وَفِي الْحَدِيثِ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ. (٣) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ.
وَقَال شَارِحُ الْمِنْهَاجِ: الْبَاءَةُ: مُؤَنُ النِّكَاحِ. (٤) стр. 4590
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - أ - الْبَاهُ: هُوَ الْوَطْءُ.
ب - أُهْبَةُ النِّكَاحِ: الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤَنِهِ مِنْ مَهْرٍ وَغَيْرِهِ، فَهِيَ بِمَعْنَى الْبَاءَةِ عَلَى قَوْل مَنْ فَسَّرَ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - الْبَاءَةُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ تُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مَوْضُوعِهَا (ر: وَطْء) .
أَمَّا بِمَعْنَى مُؤَنِ النِّكَاحِ فَإِنَّ مَنْ وَجَدَهَا، وَكَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إِلَى الْوَطْءِ، وَلاَ يَخْشَى الْوُقُوعَ فِي الْمُحَرَّمِ، اسْتُحِبَّ لَهُ النِّكَاحُ. (٢) لِقَوْلِهِ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ. . . الْحَدِيثَ.
فَإِنْ كَانَ يَتَحَقَّقُ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْظُورِ، فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعْفَافُ نَفْسِهِ، وَصَوْنُهَا عَنِ الْحَرَامِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلأَِنَّ مَا لاَ يُتَوَصَّل إِلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إِلاَّ بِهِ يَكُونُ فَرْضًا (٣) .
أَمَّا إِنْ وَجَدَ الأُْهْبَةَ، وَكَانَ بِهِ مَرَضٌ كَهَرَمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ كَرِهَ لَهُ النِّكَاحَ، (٤) следующие страницы →