← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الإِْجَارَةِ الثَّانِيَةِ إِنْ لَمْ تَكُنِ الأُْجْرَةُ فِيهَا مِنْ جِنْسِ الأُْجْرَةِ الأُْولَى، لِلْمَعْنَى السَّابِقِ، أَمَّا إِنِ اتَّحَدَ جِنْسُ الأُْجْرَتَيْنِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لاَ تَطِيبُ لِلْمُسْتَأْجِرِ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ، وَصَحَّتِ الإِْجَارَةُ الثَّانِيَةُ لأَِنَّ الْفَضْل فِيهِ شُبْهَةٌ. أَمَّا إِنْ أَحْدَثَ زِيَادَةً فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَتَطِيبُ الزِّيَادَةُ لأَِنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الزِّيَادَةِ الْمُسْتَحْدَثَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ ثَانٍ لَهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَحْدَثَ الْمُسْتَأْجِرُ الأَْوَّل زِيَادَةً فِي الْعَيْنِ جَازَ لَهُ الزِّيَادَةُ فِي الأَْجْرِ دُونَ اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ جِنْسِ الأَْجْرِ أَوِ اخْتِلاَفِهِ، وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْمُؤَجِّرُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ. وَلِلإِْمَامِ أَحْمَدَ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ إِنْ أَذِنَ الْمُؤَجِّرُ بِالزِّيَادَةِ جَازَ، وَإِلاَّ فَلاَ. فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ. ٥٠ - أَمَّا قَبْل الْقَبْضِ فَيَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مُطْلَقًا عَقَارًا كَانَ أَوْ مَنْقُولاً، بِمُسَاوٍ أَوْ بِزِيَادَةٍ أَوْ بِنُقْصَانٍ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَنَافِعُ، وَهِيَ لاَ تَصِيرُ مَقْبُوضَةً بِقَبْضِ الْعَيْنِ فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهَا الْقَبْضُ. وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ، كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْعَقَارِ دُونَ الْمَنْقُول. وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ مُطْلَقًا. وَهَذَا الْخِلاَفُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْعَقَارِ قَبْل قَبْضِهِ. وَقِيل: إِنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الإِْجَارَةِ. ٥١ - وَأَمَّا إِجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْمُؤَجِّرِ فَالْمَالِكِيَّةُ

стр. 457

وَالشَّافِعِيَّةُ يُجِيزُونَهَا مُطْلَقًا، عَقَارًا أَوْ مَنْقُولاً، قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ لِلْحَنَابِلَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَبْل الْقَبْضِ، بِنَاءً عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ. (١) وَمَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ إِيجَارَهَا لِلْمُؤَجِّرِ مُطْلَقًا، عَقَارًا كَانَ أَوْ مَنْقُولاً قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَوْ بَعْدَ مُسْتَأْجِرٍ آخَرَ. وَهَل إِذَا أَجَّرَهَا ثَانٍ لِلْمُؤَجِّرِ الأَْوَّل تَبْطُل الإِْجَارَةُ الأُْولَى؟ رَأْيَانِ؛ الصَّحِيحُ لاَ تَبْطُل، وَالثَّانِي تَبْطُل، وَذَلِكَ لأَِنَّ إِيجَارَهَا لِلْمُؤَجِّرِ تَنَاقُضٌ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُطَالَبٌ بِالأُْجْرَةِ لِلْمُؤَجِّرِ، فَيُصْبِحُ دَائِنًا وَمَدِينًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ. الْمَطْلَبُ الثَّانِي الأَْحْكَامُ التَّبَعِيَّةُ الَّتِي يَلْتَزِمُ بِهَا الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ الْتِزَامَاتُ الْمُؤَجِّرِ أ - تَسْلِيمُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ: ٥٢ - يَلْتَزِمُ الْمُؤَجِّرُ بِتَمْكِينِ الْمُسْتَأْجِرِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِتَسْلِيمِهِ الْعَيْنَ حَتَّى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ. وَيَشْمَل التَّسْلِيمُ تَوَابِعَ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ الَّتِي لاَ يَتَحَقَّقُ الاِنْتِفَاعُ الْمَطْلُوبُ إِلاَّ بِهَا حَسَبَ الْعُرْفِ.

стр. 458

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى أَنَّ التَّسْلِيمَ تَمْكِينٌ مِنَ الاِنْتِفَاعِ أَنَّ مَا يَعْرِضُ أَثْنَاءَ الْمُدَّةِ مِمَّا يَمْنَعُ الاِنْتِفَاعَ بِغَيْرِ فِعْل الْمُسْتَأْجِرِ يَكُونُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ إِصْلاَحُهُ، كَعِمَارَةِ الدَّارِ وَإِزَالَةِ كُل مَا يُخِل بِالسَّكَنِ، مَعَ مُلاَحَظَةِ مَا سَبَقَ مِنِ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَاشْتِرَاطِ بَيَانِ الْمَنْفَعَةِ وَتَحْدِيدِهَا. ٥٣ - وَفِي إِجَارَةِ الْعَمَل يَكُونُ الأَْجِيرُ هُوَ الْمُؤَجِّرَ لِخِدْمَاتِهِ، وَقِيَامُ الأَْجِيرِ بِالْعَمَل هُوَ الْتِزَامُهُ بِالتَّسْلِيمِ. فَإِنْ كَانَ الْعَمَل يَجْرِي فِي عَيْنٍ تُسَلَّمُ لِلأَْجِيرِ - وَهُوَ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ - كَانَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْمَأْجُورِ فِيهِ بَعْدَ قِيَامِهِ بِالْعَمَل. وَإِنْ كَانَ الْعَمَل لاَ يَجْرِي فِي عَيْنٍ تُسَلَّمُ لِلأَْجِيرِ فَإِنَّ مُجَرَّدَ قِيَامِهِ بِالْعَمَل الْمَطْلُوبِ يُعْتَبَرُ تَسْلِيمًا، كَالطَّبِيبِ أَوِ السِّمْسَارِ، وَإِنْ كَانَ الأَْجِيرُ خَاصًّا كَانَ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ لِلْعَمَل فِي مَحَل الْمُسْتَأْجِرِ تَسْلِيمًا مُعْتَبَرًا. (١) وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ. ب - ضَمَانُ غَصْبِ الْعَيْنِ . ٥٤ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا غُصِبَتِ الْعَيْنُ فِي إِجَارَةِ الأَْعْيَانِ الْمُعَيَّنَةِ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ، أَوْ يَنْتَظِرَ مُدَّةً يَسِيرَةً لَيْسَ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، رَيْثَمَا تُنْتَزَعُ مِنَ الْغَاصِبِ. وَفِي إِجَارَةِ مَا فِي الذِّمَّةِ لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ وَعَلَى الْمُؤَجِّرِ الإِْبْدَال، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ مُخَاصَمَةُ الْغَاصِبِ فِي الْعَيْنِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ تَعَذَّرَ بَدَلُهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ. وَتَنْفَسِخُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ إِنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ، وَإِنْ

стр. 459

كَانَتْ عَلَى عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ لِعَمَلٍ، كَذَا إِلَى جِهَةٍ، كَانَ لَهُ الْفَسْخُ. وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ لِمُدَّةٍ، خُيِّرَ بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ إِبْقَاءِ الْعَقْدِ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْل. فَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى. وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ هُوَ الْمُؤَجِّرَ فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ. وَيَرَى قَاضِي خَانْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ تَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ بِغَصْبِ الْعَيْنِ، وَلَوْ غُصِبَتْ بَعْضَ الْمُدَّةِ فَبِحِسَابِهِ. وَاتَّجَهَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ إِلَى أَنَّهَا تَنْفَسِخُ بِالْغَصْبِ. أَمَّا الأُْجْرَةُ فَتَسْقُطُ؛ لأَِنَّ تَسْلِيمَ الْمَحَل إِنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَ تَسْلِيمِ الْمَنْفَعَةِ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ، فَإِذَا فَاتَ التَّمَكُّنُ بِالْغَصْبِ فَاتَ التَّسْلِيمُ. وَلِذَا فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ لَوْ لَمْ تَفُتْ بِالْغَصْبِ، كَغَصْبِ الأَْرْضِ الْمُقَرَّرَةِ لِلْغَرْسِ مَعَ الْغَرْسِ، لاَ تَسْقُطُ الأُْجْرَةُ. (١) ج - ضَمَانُ الْعُيُوبِ: ٥٥ - يَثْبُتُ خِيَارُ الْعَيْبِ فِي الإِْجَارَةِ، كَالْبَيْعِ. وَالْعَيْبُ الْمُوجِبُ لِلْخِيَارِ فِيهَا هُوَ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِنَقْصِ الْمَنَافِعِ الَّتِي هِيَ مَحَل الْعَقْدِ وَلَوْ بِفَوَاتِ وَصْفٍ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، وَلَوْ حَدَثَ الْعَيْبُ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَبَعْدَ الْعَقْدِ. وَيَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ مَعَ الاِلْتِزَامِ بِتَمَامِ الأَْجْرِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْفَسْخِ لِلْعَيْبِ. (٢)

стр. 460

الْتِزَامَاتُ الْمُسْتَأْجِرِ: أ - دَفْعُ الأُْجْرَةِ (وَحَقِّ الْمُؤَجِّرِ فِي حَبْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) : ٥٦ - الأُْجْرَةُ تَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ عَلَى مَا سَبَقَ. فَإِنْ كَانَتْ مُعَجَّلَةً حُقَّ لِلْمُؤَجِّرِ حَبْسُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الأُْجْرَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ عَمَلَهُ مِلْكُهُ، فَجَازَ لَهُ حَبْسُهُ، لأَِنَّ الْمَنَافِعَ فِي الإِْجَارَةِ كَالْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ. وَلاَ يَحِقُّ لَهُ ذَلِكَ فِي الْقَوْل الآْخَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَرْهَنِ الْعَيْنَ عِنْدَهُ. وَلِكُل صَانِعٍ، لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ، كَالْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ، أَنْ يَحْبِسَ الْعَيْنَ لاِسْتِيفَاءِ الأَْجْرِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ لَهُ الْحَبْسَ. وَكُل صَانِعٍ، لَيْسَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالْحَمَّال، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ نَفْسُ الْعَمَل، وَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ فِي الْعَيْنِ، فَلاَ يُتَصَوَّرُ حَبْسُهُ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ أَثْبَتُوا لَهُ حَقَّ الْحَبْسِ. (١) ب - اسْتِعْمَال الْعَيْنِ حَسَبَ الشَّرْطِ أَوِ الْعُرْفِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا: ٥٧ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَّبِعَ فِي اسْتِعْمَال الْعَيْنِ مَا أُعِدَّتْ لَهُ، مَعَ التَّقَيُّدِ بِمَا شُرِطَ فِي الْعَقْدِ، أَوْ بِمَا هُوَ مُتَعَارَفٌ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ شَرْطٌ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا، أَوْ مَا دُونَهَا مِنْ نَاحِيَةِ اسْتِهْلاَكِ الْعَيْنِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهَا. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِذَا اسْتَأْجَرَ الدَّارَ لِيَتَّخِذَهَا سَكَنًا فَلاَ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا مَدْرَسَةً أَوْ

стр. 461

مَصْنَعًا، وَإِنِ اسْتَأْجَرَ الدَّابَّةَ لِرُكُوبِهِ الْخَاصِّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، (١) (عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ إِجَارَةِ الأَْرْضِ وَالدُّورِ وَالدَّوَابِّ) . وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ إِصْلاَحُ مَا تَلِفَ مِنَ الْعَيْنِ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِهِ. (٢) وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَوْ هَلَكَتْ دُونَ اعْتِدَاءٍ مِنْهُ أَوْ مُخَالَفَةِ الْمَأْذُونِ فِيهِ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ، أَوْ دُونَ تَقْصِيرٍ فِي الصِّيَانَةِ وَالْحِفْظِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ قَبْضَ الإِْجَارَةِ قَبْضٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَلاَ يَكُونُ مَضْمُونًا. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل هَذَا فِي مَوْضِعِهِ. ج - رَفْعُ الْمُسْتَأْجِرِ يَدَهُ عَنِ الْعَيْنِ عِنْدَ انْتِهَاءِ الإِْجَارَةِ: ٥٨ - بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ رَفْعُ يَدِهِ عَنِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِيَسْتَرِدَّهَا الْمُؤَجِّرُ، فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ طَلَبُ اسْتِرْدَادِهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ. وَإِنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَصِل بِهَا إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَ الْمُؤَجِّرَ اسْتِلاَمُهَا مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الإِْجَارَةُ لِلذَّهَابِ وَالْعَوْدَةِ. وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَال: يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ رَدُّ الْعَيْنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا الْمُؤَجِّرُ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي إِمْسَاكِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَقْدِ، فَلَزِمَهُ الرَّدُّ كَالْعَارِيَّةِ (٣) .

стр. 462

وَتَفْصِيل ذَلِكَ سَيَرِدُ فِي مَوْضِعِهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى أَنْوَاعِ الإِْجَارَةِ. الْفَصْل الرَّابِعُ انْقِضَاءُ الإِْجَارَةِ : ٥٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْجَارَةَ تَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، أَوْ بِهَلاَكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ بِالإِْقَالَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا تَنْقَضِي أَيْضًا بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، أَوْ طُرُوءِ عُذْرٍ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الأَْصْل فِي الأُْجْرَةِ أَنَّهَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْمَنْفَعَةِ. وَذَهَبَ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ بِهَذِهِ الأُْمُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الأُْجْرَةَ تَثْبُتُ بِالْعَقْدِ، كَالثَّمَنِ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْبَيْعِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: أَوَّلاً - انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ: ٦٠ - إِذَا كَانَتِ الإِْجَارَةُ مُحَدَّدَةَ الْمُدَّةِ وَانْتَهَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ، فَإِنَّ الإِْجَارَةَ تَنْتَهِي بِلاَ خِلاَفٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ عُذْرٌ يَقْتَضِي امْتِدَادَ الْمُدَّةِ، كَأَنْ تَكُونَ أَرْضًا زِرَاعِيَّةً، وَفِي الأَْرْضِ زَرْعٌ لَمْ يُسْتَحْصَدْ، أَوْ كَانَتْ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ، أَوْ طَائِرَةً فِي الْجَوِّ، وَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ قَبْل الْوُصُول إِلَى الأَْرْضِ. (١) ٦١ - وَإِذَا كَانَتِ الإِْجَارَةُ غَيْرَ مُحَدَّدَةِ الْمُدَّةِ، كَأَنْ يُؤَجِّرَ لَهُ الدَّارَ مُشَاهَرَةً كُل شَهْرٍ بِكَذَا دُونَ بَيَانِ عَدَدِ الأَْشْهُرِ، فَإِنَّ لِكُل ذَلِكَ أَحْكَامًا مُفَصَّلَةً سَيَأْتِي ذِكْرُهَا. (٢)

стр. 463

ثَانِيًا - انْقِضَاءُ الإِْجَارَةِ بِالإِْقَالَةِ: ٦٢ - كَمَا أَنَّ الإِْقَالَةَ جَائِزَةٌ فِي الْبَيْعِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ أَقَال نَادِمًا بَيْعَتَهُ أَقَال اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) فَهِيَ كَذَلِكَ جَائِزَةٌ فِي الإِْجَارَةِ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ بَيْعُ مَنَافِعَ. ثَالِثًا - انْقِضَاءُ الإِْجَارَةِ بِهَلاَكِ الْمَأْجُورِ: ٦٣ - تُفْسَخُ الإِْجَارَةُ بِسَبَبِ هَلاَكِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بِحَيْثُ تَفُوتُ الْمَنَافِعُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا كُلِّيَّةً، كَالسَّفِينَةِ إِذَا نُقِضَتْ وَصَارَتْ أَلْوَاحًا، وَالدَّارِ إِذَا انْهَدَمَتْ وَصَارَتْ أَنْقَاضًا، وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا إِذَا نَقَصَتِ الْمَنْفَعَةُ فَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. (٢) رَابِعًا: فَسْخُ الإِْجَارَةِ لِلْعُذْرِ: ٦٤ - الْحَنَفِيَّةُ، كَمَا سَبَقَ، يَرَوْنَ جَوَازَ فَسْخِ الإِْجَارَةِ لِحُدُوثِ عُذْرٍ بِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، أَوْ بِالْمُسْتَأْجَرِ (بِفَتْحِ الْجِيمِ) وَلاَ يَبْقَى الْعَقْدُ لاَزِمًا وَيَصِحُّ الْفَسْخُ، إِذْ الْحَاجَةُ تَدْعُو إِلَيْهِ عِنْدَ الْعُذْرِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ حِينَئِذٍ لَلَزِمَ صَاحِبَ الْعُذْرِ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِالْعَقْدِ. فَكَانَ الْفَسْخُ فِي الْحَقِيقَةِ امْتِنَاعًا مِنِ الْتِزَامِ

стр. 464

الضَّرَرِ، وَلَهُ وِلاَيَةُ ذَلِكَ. وَقَالُوا: إِنَّ إِنْكَارَ الْفَسْخِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعُذْرِ خُرُوجٌ عَنِ الشَّرْعِ وَالْعَقْل؛ لأَِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ اشْتَكَى ضِرْسَهُ، فَاسْتَأْجَرَ رَجُلاً لِيَقْلَعَهَا، فَسَكَنَ الْوَجَعُ، يُجْبَرُ عَلَى الْقَلْعِ. وَهَذَا قَبِيحٌ شَرْعًا وَعَقْلاً (١) . وَيَقْرُبُ مِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَصْل جَوَازِ الْفَسْخِ بِالْعُذْرِ، لاَ فِيمَا تَوَسَّعَ فِيهِ الْحَنَفِيَّةُ، إِذْ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْعُذْرُ بِغَصْبِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ مَنْفَعَتِهَا أَوْ أَمْرِ ظَالِمٍ لاَ تَنَالُهُ الأَْحْكَامُ بِإِغْلاَقِ الْحَوَانِيتِ الْمُكْتَرَاةِ، أَوْ حَمْل ظِئْرٍ - لأَِنَّ لَبَنَ الْحَامِل يَضُرُّ الرَّضِيعَ - أَوْ مَرَضِهَا الَّذِي لاَ تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَضَاعٍ، حُقَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ أَوِ الْبَقَاءُ عَلَى الإِْجَارَةِ. (٢) ٦٥ - وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا أَشَرْنَا لاَ يَرَوْنَ فَسْخَ الإِْجَارَةِ بِالأَْعْذَارِ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ أَحَدُ نَوْعَيِ الْبَيْعِ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ لاَزِمًا، إِذِ الْعَقْدُ انْعَقَدَ بِاتِّفَاقِهِمَا، فَلاَ يَنْفَسِخُ إِلاَّ بِاتِّفَاقِهِمَا. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فَسْخُ الإِْجَارَةِ بِالأَْعْذَارِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَلَى عَيْنٍ أَمْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ، مَا دَامَ الْعُذْرُ لاَ يُوجِبُ خَلَلاً فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. فَتَعَذُّرُ وُقُودِ الْحَمَّامِ، أَوْ تَعَذُّرُ سَفَرِ الْمُسْتَأْجِرِ، أَوْ مَرَضِهِ، لاَ يُخَوِّلُهُ الْحَقَّ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ، وَلاَ حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الأُْجْرَةِ. (٣) وَقَال الأَْثْرَمُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: قُلْتُ لأَِبِي عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ اكْتَرَى بَعِيرًا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَال لَهُ: فَاسِخْنِي. قَال: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: فَإِنْ مَرِضَ

стр. 465

الْمُسْتَكْرِي بِالْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَجْعَل لَهُ فَسْخًا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ عَقْدٌ لاَزِمٌ. وَإِنْ فَسَخَهُ لَمْ يَسْقُطِ الْعِوَضُ. (١) ٦٦ - وَالْعُذْرُ كَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ قَدْ يَكُونُ مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَأْجِرِ، نَحْوُ أَنْ يُفْلِسَ فَيَقُومَ مِنَ السُّوقِ، أَوْ يُرِيدَ سَفَرًا، أَوْ يَنْتَقِل مِنَ الْحِرْفَةِ إِلَى الزِّرَاعَةِ، أَوْ مِنَ الزِّرَاعَةِ إِلَى التِّجَارَةِ أَوْ يَنْتَقِل مِنْ حِرْفَةٍ إِلَى حِرْفَةٍ؛ لأَِنَّ الْمُفْلِسَ لاَ يَنْتَفِعُ بِالْحَانُوتِ، وَفِي إِلْزَامِهِ إِضْرَارٌ بِهِ، وَفِي إِبْقَاءِ الْعَقْدِ مَعَ ضَرُورَةِ خُرُوجِهِ لِلسَّفَرِ ضَرَرٌ بِهِ. فَلَوِ اسْتَأْجَرَ شَخْصٌ رَجُلاً لِيَقْصِرَ لَهُ ثِيَابًا - أَيْ يُبَيِّضَهَا - أَوْ لِيَقْطَعَهَا، أَوْ لِيَخِيطَهَا، أَوْ يَهْدِمَ دَارًا لَهُ، أَوْ يَقْطَعَ شَجَرًا لَهُ، أَوْ لِيَقْلَعَ ضِرْسًا. ثُمَّ بَدَا لَهُ أَلاَّ يَفْعَل، فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الإِْجَارَةَ؛ لأَِنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِمَصْلَحَةٍ يَأْمُلُهَا، فَإِذَا بَدَا لَهُ أَنْ لاَ مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ صَارَ الْفِعْل ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ، فَكَانَ الاِمْتِنَاعُ مِنَ الضَّرَرِ بِالْفَسْخِ. (٢) ٦٧ - وَقَدْ يَكُونُ الْعُذْرُ مِنْ جَانِبِ الْمُؤَجِّرِ نَحْوُ أَنْ يَلْحَقَهُ دَيْنٌ فَادِحٌ لاَ يَجِدُ قَضَاءَهُ إِلاَّ مِنْ ثَمَنِ الْمُسْتَأْجَرِ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - مِنَ الإِْبِل وَالْعَقَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَيَحِقُّ لَهُ فَسْخُ الإِْجَارَةِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ ثَابِتًا قَبْل عَقْدِ الإِْجَارَةِ. أَمَّا إِذَا كَانَ ثَابِتًا بَعْدَ الإِْجَارَةِ بِالإِْقْرَارِ فَلاَ يَحِقُّ لَهُ الْفَسْخُ بِهِ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ؛ لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي هَذَا الإِْقْرَارِ، وَيَحِقُّ لَهُ عِنْدَ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُقِرُّ بِالدَّيْنِ عَلَى نَفْسِهِ كَاذِبًا، وَبَقَاءُ الإِْجَارَةِ مَعَ لُحُوقِ الدَّيْنِ الْفَادِحِ الْعَاجِل إِضْرَارٌ بِالْمُؤَجِّرِ لأَِنَّهُ يُحْبَسُ بِهِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ حَالُهُ. وَلاَ يَجُوزُ الْجَبْرُ عَلَى تَحَمُّل ضَرَرٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ بِالْعَقْدِ. (٣)

стр. 466

وَقَالُوا فِي امْرَأَةٍ آجَرَتْ نَفْسَهَا ظِئْرًا، وَهِيَ تُعَابُ بِذَلِكَ: لأَِهْلِهَا الْفَسْخُ؛ لأَِنَّهُمْ يُعَيَّرُونَ بِذَلِكَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل إِذَا مَا مَرِضَتِ الظِّئْرُ وَكَانَتْ تَتَضَرَّرُ بِالإِْرْضَاعِ فِي الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ يَحِقُّ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ الْعَقْدَ. ٦٨ - وَمِنْ صُوَرِ الْعُذْرِ الْمُقْتَضِي لِلْفَسْخِ عِنْدَ مَنْ يَرَى الْفَسْخَ بِالْعُذْرِ مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَأْجَرِ " بِفَتْحِ الْجِيمِ " الصَّبِيُّ إِذَا آجَرَهُ وَلِيُّهُ، فَبَلَغَ فِي مُدَّةِ الإِْجَارَةِ، فَهُوَ عُذْرٌ يُخَوِّل لَهُ فَسْخَ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ فِي إِبْقَاءِ الْعَقْدِ بَعْدَ الْبُلُوغِ ضَرَرًا بِهِ. وَمِنْ هَذَا مَا قَالُوا فِي إِجَارَةِ الْوَقْفِ عِنْدَ غَلاَءِ أَجْرِ الْمِثْل، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ عُذْرٌ يَفْسَخُ بِهِ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ الإِْجَارَةَ، وَيُجَدِّدُ الْعَقْدَ فِي الْمُسْتَقْبَل عَلَى سِعْرِ الْغَلاَءِ، وَفِيمَا مَضَى يَجِبُ الْمُسَمَّى بِقَدْرِهِ. أَمَّا إِذَا رَخُصَ أَجْرُ الْمِثْل فَلاَ يُفْسَخُ، مُرَاعَاةً لِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ. (١) ٦٩ - وَعِنْدَ وُجُودِ أَيِّ عُذْرٍ مِنْ هَذَا فَإِنَّ الإِْجَارَةَ يَصِحُّ فَسْخُهَا إِذَا أَمْكَنَ الْفَسْخُ. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْفَسْخُ، بِأَنْ كَانَ فِي الأَْرْضِ زَرْعٌ لَمْ يُسْتَحْصَدْ، لاَ تُفْسَخُ؛ لأَِنَّ فِي الْقَلْعِ ضَرَرًا بِالْمُسْتَأْجِرِ، وَتُتْرَكُ إِلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ بِأَجْرِ الْمِثْل. تَوَقُّفُ الْفَسْخِ عَلَى الْقَضَاءِ: ٧٠ - إِذَا وُجِدَ بَعْضُ هَذِهِ الأَْعْذَارِ، وَكَانَ الْفَسْخُ مُمْكِنًا، فَإِنَّ الإِْجَارَةَ تَكُونُ قَابِلَةً لِلْفَسْخِ، كَمَا يَرَى بَعْضُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ. وَقِيل: إِنَّهَا تَنْفَسِخُ تِلْقَائِيًّا بِنَفْسِهَا. وَيَقُول الْكَاسَانِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى الْعُذْرِ، فَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الاِمْتِنَاعَ عَنِ الْمُضِيِّ فِيهِ شَرْعًا، كَمَا فِي الإِْجَارَةِ عَلَى خَلْعِ الضِّرْسِ، وَقَطْعِ الْيَدِ الْمُتَأَكِّلَةِ إِذَا سَكَنَ الأَْلَمُ وَبَرَأَتْ مِنَ الْمَرَضِ، فَإِنَّهَا

стр. 467

تَنْتَقِضُ بِنَفْسِهَا. وَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ لاَ يُوجِبُ الْعَجْزَ عَنْ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَوْعَ ضَرَرٍ لَمْ يُوجِبْهُ الْعَقْدُ، لاَ يَنْفَسِخُ إِلاَّ بِالْفَسْخِ. وَهُوَ حَقٌّ لِلْعَاقِدِ، إِذِ الْمَنَافِعُ فِي الإِْجَارَةِ لاَ تُمْلَكُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، بَل شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ اعْتِرَاضُ الْعُذْرِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْل الْقَبْضِ. وَهَذَا يُوجِبُ لِلْعَاقِدِ حَقَّ الْفَسْخِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى قَضَاءٍ أَوْ رِضَاءٍ. وَقِيل: إِنَّ الْفَسْخَ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّرَاضِي أَوِ الْقَضَاءِ؛ لأَِنَّ هَذَا الْخِيَارَ ثَبَتَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ. وَقِيل: إِنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا كَالدَّيْنِ اشْتُرِطَ الْقَضَاءُ. وَهُوَ مَا اسْتَحْسَنَهُ الْكَاسَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَعِنْدَ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَإِنَّ الإِْجَارَةَ تُفْسَخُ بِالْقَضَاءِ. ٧١ - وَإِنْ طَلَبَ الْمُسْتَأْجِرُ الْفَسْخَ قَبْل الاِنْتِفَاعِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَفْسَخُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ. وَإِنْ كَانَ قَدِ انْتَفَعَ بِهَا فَلِلْمُؤَجِّرِ مَا سَمَّى مِنَ الأَْجْرِ اسْتِحْسَانًا لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَعَيَّنَ بِالاِنْتِفَاعِ. وَلاَ يَكُونُ لِلْفَسْخِ أَثَرٌ رَجْعِيٌّ. (١) خَامِسًا - انْفِسَاخُ الإِْجَارَةِ بِالْمَوْتِ: ٧٢ - سَبَقَ ذِكْرُ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ الإِْجَارَةَ تَنْقَضِي بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ اللَّذَيْنِ يَعْقِدَانِ لِنَفْسَيْهِمَا، كَمَا تَنْقَضِي بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُسْتَأْجَرِينَ أَوْ أَحَدِ الْمُؤَجِّرَيْنِ فِي حِصَّتِهِ فَقَطْ. (٢) وَقَال زُفَرُ: تَبْطُل فِي نَصِيبِ الْحَيِّ أَيْضًا؛ لأَِنَّ

стр. 468

الشُّيُوعَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الإِْجَارَةِ ابْتِدَاءً، فَأَعْطَاهُ حُكْمَهُ. وَرَجَّحَ الزَّيْلَعِيُّ الرَّأْيَ الأَْوَّل وَقَال: لأَِنَّ الشُّرُوطَ يُرَاعَى وُجُودُهَا فِي الاِبْتِدَاءِ دُونَ الْبَقَاءِ. وَعَلَّل لاِنْفِسَاخِ الإِْجَارَةِ بِالْمَوْتِ، فَقَال: لأَِنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً بِحَسَبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُؤَجِّرُ فَالْمَنَافِعُ الَّتِي تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ هِيَ الَّتِي تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هُوَ عَاقِدًا وَلاَ رَاضِيًا بِهَا. وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ لاَ تُورَثُ. (١) وَلاَ يَظْهَرُ الاِنْفِسَاخُ إِلاَّ بِالطَّلَبِ، فَلَوْ بَقِيَ الْمُسْتَأْجِرُ سَاكِنًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُؤَجِّرِ غَرَّمَهُ الأَْجْرَ لِمُضِيِّهِ فِي الإِْجَارَةِ، وَلاَ يَظْهَرُ الاِنْفِسَاخُ إِلاَّ إِذَا طَالَبَهُ الْوَارِثُ بِالإِْخْلاَءِ. وَإِذَا مَاتَ الْمُؤَجِّرُ، وَالدَّابَّةُ أَوْ مَا يُشْبِهُهَا فِي الطَّرِيقِ، تَبْقَى الإِْجَارَةُ حَتَّى يَصِل الْمُسْتَأْجِرُ إِلَى مَأْمَنِهِ. وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ وَالزَّرْعُ فِي الأَْرْضِ بَقِيَ الْعَقْدُ بِالأَْجْرِ الْمُسَمَّى حَتَّى يُدْرِكَ. (٢) وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ - الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ - إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْقَوْل بِانْفِسَاخِ الإِْجَارَةِ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لأَِنَّ الْمُؤَجِّرَ بَطَل مِلْكُهُ بِمَوْتِهِ، فَيَبْطُل عَقْدُهُ. كَمَا أَنَّ وَرَثَةَ الْمُسْتَأْجِرِ لاَ عَقْدَ لَهُمْ مَعَ الْمُؤَجِّرِ، وَالْمَنَافِعُ الْمُتَجَدِّدَةُ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ لَمْ تَكُنْ ضِمْنَ تَرِكَتِهِ (٣) . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَبْطُل بِالْمَوْتِ فِي إِجَارَةِ الْوَقْفِ. (٤) وَسَبَقَ الْقَوْل: إِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؛ لأَِنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ لاَ

стр. 469

نَقْضِي بِهَلاَكِ أَحَدِهِمَا مَا دَامَ مَا تُسْتَوْفَى بِهِ الْمَنْفَعَةُ بَاقِيًا. وَقَدْ كَانَ رَأْيُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الإِْجَارَةِ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ قَال فِيمَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَمَاتَ الْمُؤَجِّرُ: لَيْسَ لأَِهْلِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الأَْجَل. وَقَال بِذَلِكَ الْحَسَنُ وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. وَقَال ابْنُ عُمَرَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ لأَِهْلِهَا لِيَعْمَلُوا فِيهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ " (١) وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الإِْجَارَةَ. (٢) سَادِسًا: أَثَرُ بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ: ٧٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ اتِّهَامٌ، إِلَى أَنَّهُ لاَ تُفْسَخُ الإِْجَارَةُ بِالْبَيْعِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ تُهْمَةٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ الأَْظْهَرِ، إِلَى أَنَّ الإِْجَارَةَ تُفْسَخُ بِالْبَيْعِ. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ هُوَ الْعَيْنُ، وَالْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الإِْجَارَةِ هُوَ الْمَنَافِعُ، فَلاَ تَعَارُضَ.

стр. 470

وَالدَّلِيل عَلَى الاِتِّجَاهِ الثَّانِي أَنَّ الإِْجَارَةَ تَمْنَعُ مِنَ التَّسْلِيمِ، فَتَنَاقَضَا. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَعْتَبِرُونَ الإِْجَارَةَ عَيْبًا يَثْبُتُ بِهِ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْعَيْبِ. وَإِنْ كَانَ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ نَفْسِهِ فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَابِلَةِ، وَبِالأَْوْلَى عِنْدَ غَيْرِهِمْ، أَنَّهُ لاَ تَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ. (١) وَلاَ أَثَرَ عَلَى عَقْدِ الإِْجَارَةِ مِنْ رَهْنِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ هِبَتِهَا اتِّفَاقًا. وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فَتْوَاهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. سَابِعًا - فَسْخُ الإِْجَارَةِ بِسَبَبِ الْعَيْبِ: ٧٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي أَنَّهُ إِذَا حَدَثَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَيْبٌ فِي مُدَّةِ الْعَقْدِ، وَكَانَ هَذَا الْعَيْبُ يُخِل بِالاِنْتِفَاعِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، كَانْجِرَاحِ ظَهْرِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ الْمُؤَجَّرَةِ لِلرُّكُوبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ عَلَى الْعَقْدِ اتِّفَاقًا، وَيَجْعَلُهُ غَيْرَ لاَزِمٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ أَضَرَّ بِهِ وُجُودُ الْعَيْبِ. فَلَوِ اشْتَرَى شَيْئًا فَآجَرَهُ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ، يَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الإِْجَارَةَ، وَيَرُدَّ الْمَبِيعَ، فَحَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَكُونُ عُذْرًا يُخَوِّل لَهُ فَسْخَ الإِْجَارَةِ وَإِنْ

стр. 471

سَبَقَ لَهُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ تَتَجَدَّدُ، وَلاَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ. (١) وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنْ أَصَابَ إِبِل الْمُؤَجِّرِ مَرَضٌ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ إِذَا كَانَتِ الإِْبِل مُسْتَأْجَرَةً بِعَيْنِهَا. (٢) وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَرُدَّ بِمَا يَحْدُثُ فِي يَدِهِ مِنَ الْعَيْبِ، لأَِنَّ الْمُسْتَأْجَرَ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَإِذَا جَازَ رَدُّ الْبَيْعِ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ عَيْبٍ فِي يَدِ الْبَائِعِ جَازَ بِمَا يَحْدُثُ مِنَ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ. (٣) وَفِي الْمُغْنِي: إِذَا اكْتَرَى عَيْنًا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ فَلَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ. (٤) ٧٥ - أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ لاَ يُفَوِّتُ الْمَنَافِعَ الْمَقْصُودَةَ مِنَ الْعَقْدِ، كَانْهِدَامِ بَعْضِ مَحَال الْحُجُرَاتِ، بِحَيْثُ لاَ يَدْخُل الدَّارَ بَرْدٌ وَلاَ مَطَرٌ، وَكَانْقِطَاعِ ذَيْل الدَّابَّةِ، وَكَانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنِ الأَْرْضِ مَعَ إِمْكَانِ الزَّرْعِ بِدُونِ مَاءٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَأَمْثَالَهُ لاَ يَكُونُ مُقْتَضِيًا الْفَسْخَ. وَالْعِبْرَةُ فِيمَا يَسْتَوْجِبُ الْفَسْخَ أَوْ عَدَمَهُ مِنَ الْعُيُوبِ بِقَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ. وَإِذَا وُجِدَ عَيْبٌ وَزَال سَرِيعًا بِلاَ ضَرَرٍ فَلاَ فَسْخَ (٥) . ٧٦ - وَقَبْضُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لاَ يَمْنَعُ مِنْ طَلَبِ الْفَسْخِ لِحُدُوثِ عَيْبٍ بِالْعَيْنِ، إِذْ الإِْجَارَةُ تَخْتَلِفُ عَنِ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ بَيْعٌ لِلْمَنَافِعِ، وَالْمَنَافِعُ

стр. 472

تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ كُل جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنَافِعِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ عَقْدًا مُبْتَدَأً. فَإِذَا حَدَثَ الْعَيْبُ بِالْمُسْتَأْجَرِ كَانَ هَذَا عَيْبًا حَدَثَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْل الْقَبْضِ، وَهَذَا يُوجِبُ الْخِيَارَ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ، فَكَذَا فِي الإِْجَارَةِ، فَلاَ فَرْقَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَفُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ يُجْمِعُونَ عَلَى هَذَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْمَذَاهِبِ تَرَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ كَالْعَيْنِ، وَأَنَّهُ يَتِمُّ تَسْلِيمُهَا عِنْدَ التَّعَاقُدِ إِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ، بَل صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِهَذَا التَّعْلِيل. يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا حَصَل الْعَيْبُ أَثْنَاءَ الاِنْتِفَاعِ ثَبَتَ لِلْمُكْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ لاَ يَحْصُل قَبْضُهَا إِلاَّ شَيْئًا فَشَيْئًا. إِلَخْ. (١) وَإِنْ زَال الْعَيْبُ قَبْل الْفَسْخِ - بِأَنْ زَال الْعَرَجُ عَنِ الدَّابَّةِ أَوْ بَادَرَ الْمُكْرِي إِلَى إِصْلاَحِ الدَّارِ - لاَ يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ حَقُّ الرَّدِّ وَبَطَل حَقُّهُ فِي طَلَبِ الْفَسْخِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ. (٢) الْفَصْل الْخَامِسُ الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ ٧٧ - قَدْ يَقَعُ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي بَعْضِ أُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِالإِْجَارَةِ، كَالْمُدَّةِ وَالْعِوَضِ وَالتَّعَدِّي، وَالرَّدِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَلِمَنْ يَكُونُ الْقَوْل عِنْدَ انْعِدَامِ الْبَيِّنَةِ؟ وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ (عَلَى اخْتِلاَفِ مَذَاهِبِهِمْ) صُوَرًا شَتَّى فِي هَذَا الأَْمْرِ. وَتَرْجِعُ آرَاؤُهُمْ كُلُّهَا إِلَى تَحْدِيدِ كُلٍّ مِنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَلَى

стр. 473

الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، وَالْقَوْل مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَلِلظَّاهِرِ مَدْخَلٌ فِي تَحْدِيدِ كُلٍّ مِنْهُمَا. فَمَنْ شَهِدَ لَهُ الظَّاهِرُ فَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْل قَوْلُهُ، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا عَلَى الآْخَرِ فَهُوَ الْمُدَّعِي. وَالْفُرُوعُ الَّتِي سِيقَتْ فِي هَذَا الْبَابِ (مَعَ كَثْرَتِهَا) تَرْجِعُ إِلَى هَذَا الأَْصْل. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (دَعْوَى) . الْفَصْل السَّادِسُ كَيْفِيَّةُ اسْتِعْمَال الْعَيْنِ الْمَأْجُورَةِ ٧٩ - الإِْجَارَةُ قَدْ تَكُونُ عَلَى مَنْقُولٍ - حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ - وَقَدْ تَكُونُ عَلَى غَيْرِ مَنْقُولٍ. كَمَا قَدْ تَكُونُ إِجَارَةَ أَشْخَاصٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الأَْجِيرُ خَاصًّا أَمْ مُشْتَرَكًا. وَقَدْ تَتَمَيَّزُ بَعْضُ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ بِأَحْكَامٍ خَاصَّةٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا بِحَسَبِ كُل نَوْعٍ مِنْهَا. وَعَالَجَ الْفُقَهَاءُ مَا كَانَ فِي الْعُهُودِ السَّابِقَةِ مِنْ إِجَارَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُرُوضِ فَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مِنْ حَيْثُ كَيْفِيَّةُ اسْتِعْمَالِهَا. وَبِالنَّظَرِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ آرَاءَهُمْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الأُْسُسِ الآْتِيَةِ: أ - إِذَا كَانَ هُنَاكَ شَرْطٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا وَجَبَ الاِلْتِزَامُ بِهِ. ب - إِذَا كَانَتْ طَبِيعَةُ الْمَأْجُورِ مِمَّا يَتَأَثَّرُ بِاخْتِلاَفِ الاِسْتِعْمَال وَجَبَ أَلاَّ تُسْتَعْمَل عَلَى وَجْهٍ ضَارٍ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى وَجْهٍ أَخَفَّ.

стр. 474

ج - مُرَاعَاةُ الْعُرْفِ فِي الاِسْتِعْمَال سَوَاءٌ كَانَ عُرْفًا عَامًّا أَوْ خَاصًّا. وَمَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْ فُرُوعٍ تَطْبِيقِيَّةٍ يُوهِمُ ظَاهِرُهَا الاِخْتِلاَفَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى هَذِهِ الأُْسُسِ. (١) الْفَصْل السَّابِعُ أَنْوَاعُ الإِْجَارَةِ بِحَسَبِ مَا يُؤَجَّرُ الْفَرْعُ الأَْوَّل إِجَارَةُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ فِيمَا يَجُوزُ إِجَارَتُهُ أَنَّ كُل مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ تَجُوزُ إِجَارَتُهُ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ بَيْعُ مَنَافِعَ، بِشَرْطِ أَلاَّ تُسْتَهْلَكَ الْعَيْنُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، فَضْلاً عَنْ جَوَازِ إِجَارَةِ بَعْضِ مَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، كَإِجَارَةِ الْحُرِّ وَإِجَارَةِ الْوَقْفِ وَإِجَارَةِ الْمُصْحَفِ عِنْدَ مَنْ لاَ يُجِيزُ بَيْعَهُ. كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا بِحَسَبِ الْعُرْفِ. وَمَا وَرَدَ مِنْ خِلاَفٍ بَيْنَ الأَْئِمَّةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَمَرْجِعُهُ إِلَى اخْتِلاَفِ الْعُرْفِ (٢) .

стр. 475

الْمَبْحَثُ الأَْوَّل إِجَارَةُ الأَْرَاضِي ٨٠ - إِجَارَةُ الأَْرَاضِي مُطْلَقًا لِذَاتِهَا جَائِزَةٌ. وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ اسْتِئْجَارِ الأَْرْضِ بِبَيَانِ الْغَرَضِ مِنِ اسْتِئْجَارِهَا، وَذَلِكَ لِتَفَاوُتِ الأَْغْرَاضِ وَاخْتِلاَفِ أَثَرِهَا. فَإِذَا كَانَتْ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ مَاءٍ أَوْ مَرْعَى أَوْ زَرْعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَسَيَأْتِي حُكْمُهَا: أ - إِجَارَةُ الأَْرْضِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ الْمَرْعَى: ٨١ - يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ اتِّفَاقًا، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ لاَ يُجِيزُونَ إِجَارَةَ الآْجَامِ وَالأَْنْهَارِ لِلسَّمَكِ، وَلاَ الْمَرْعَى لِلْكَلأَِ، قَصْدًا، وَإِنَّمَا يُؤَجِّرُ لَهُ الأَْرْضَ فَقَطْ، ثُمَّ يُبِيحُ الْمَالِكُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الاِنْتِفَاعَ بِالْكَلأَِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ بِالْكَلأَِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِ عَيْنِهِ. أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الأَْرْضِ وَالْكَلأَِ مَعًا، وَيَدْخُل الْكَلأَُ تَبَعًا. وَبَيْنَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ اخْتِلاَفٌ فِي اسْتِئْجَارِ طَرِيقٍ خَاصٍّ يَمُرُّ فِيهِ، أَوْ يَمُرُّ النَّاسُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الإِْمَامِ (١) . ب - إِجَارَةُ الأَْرَاضِي الزِّرَاعِيَّةِ: ٨٢ - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ يُجِيزُونَ إِجَارَةَ الأَْرْضِ لِلزِّرَاعَةِ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى وُجُوبِ تَعْيِينِ الأَْرْضِ وَبَيَانِ قَدْرِهَا، فَلاَ تَجُوزُ إِجَارَةُ الأَْرَاضِي إِلاَّ عَيْنًا، لاَ مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ. بَل اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِمَعْرِفَةِ الأَْرْضِ رُؤْيَتَهَا؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ

стр. 476

مَعْدِنِ الأَْرْضِ وَمَوْقِعِهَا وَقُرْبِهَا مِنَ الْمَاءِ، وَلاَ يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالرُّؤْيَةِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ. (١) وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ الرُّؤْيَةَ، فَأَجَازُوا إِجَارَةَ الأَْرْضِ بِقَوْلِهِ: أَكَرِيكَ فَدَّانَيْنِ مِنْ أَرْضِي الَّتِي بِحَوْضِ كَذَا، أَوْ مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ أَرْضِي الْفُلاَنِيَّةِ، إِذَا كَانَ قَدْ عَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا ذَلِكَ الْقَدْرُ، كَأَنْ يَقُول: مِنَ الْجِهَةِ الْبَحْرِيَّةِ، أَوْ لَمْ يُعَيِّنِ الْجِهَةَ، لَكِنْ تَسَاوَتِ الأَْرْضُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ. فَإِنْ لَمْ تُعَيَّنِ الْجِهَةُ، وَاخْتَلَفَتِ الأَْرْضُ مِنْ نَاحِيَةِ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِالتَّعْيِينِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ يُؤَجِّرُ لَهُ قَدْرًا شَائِعًا مِنْهَا كَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ دُونَ تَعْيِينِ الْجِهَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْجُزْءُ. (٢) وَاشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ لِجَوَازِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَاءٌ مَأْمُونٌ دَائِمٌ لِلزِّرَاعَةِ، يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ عَلَى عَيْنٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا، فَتَصِحُّ إِجَارَةُ الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ، مَا دَامَتْ تُسْقَى مِنْ نَهْرٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِانْقِطَاعِهِ وَقْتَ طَلَبِ السَّقْيِ، أَوْ مِنْ عَيْنٍ أَوْ بِرْكَةٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ أَمْطَارٍ تَقُومُ بِكِفَايَتِهَا، أَوْ بِهَا نَبَاتٌ يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنْ مَاءٍ قَرِيبٍ تَحْتَ سَطْحِ الأَْرْضِ. وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ كُلٌّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا اشْتَرَطَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا مَقْدُورَةً حَقِيقَةً وَشَرْعًا. (٣) أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ أَجَازُوا كِرَاءَ أَرْضِ الْمَطَرِ لِلزِّرَاعَةِ، وَلَوْ لِسِنِينَ طَوِيلَةٍ، إِنْ لَمْ يُشْتَرَطِ النَّقْدُ،

стр. 477

سَوَاءٌ حَصَل نَقْدٌ بِالْفِعْل تَطَوُّعًا بَعْدَ الْعَقْدِ أَمْ لاَ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ مَأْمُونَةً لِتَحَقُّقِ رَيِّهَا مِنْ مَطَرٍ مُعْتَادٍ، أَوْ مِنْ نَهْرٍ لاَ يَنْقَطِعُ مَاؤُهُ، أَوْ عَيْنٍ لاَ يَنْضُبُ مَاؤُهَا، فَيَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالنَّقْدِ وَلَوْ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. وَقَالُوا: إِنَّهُ يَجِبُ النَّقْدُ فِي الأَْرْضِ الْمَأْمُونَةِ بِالرَّيِّ بِالْفِعْل وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا. وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَنْفَعَةِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ، وَسَكَتَ عَنِ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ وَعَدَمِهِ، أَوِ اشْتَرَطَ عَدَمَهُ حِينَ الْعَقْدِ، فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ فِي الأَْرْضِ الَّتِي تُسْقَى بِمَاءِ الأَْنْهَارِ الدَّائِمَةِ إِذَا رُوِيَتْ وَتَمَكَّنَ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا بِكَشْفِ الْمَاءِ عَنْهَا، وَأَمَّا الأَْرْضُ الَّتِي تُسْقَى بِالْمَطَرِ وَالْعُيُونِ وَالآْبَارِ فَلاَ يُقْضَى بِالنَّقْدِ فِيهَا. لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مَأْمُونًا كَمَاءِ الْعَيْنِ وَنَحْوِهِ، إِلاَّ إِذَا تَمَّ زَرْعُهَا وَاسْتَغْنَى عَنِ الْمَاءِ. (١) وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الاِنْتِفَاعُ بِالأَْرْضِ إِلاَّ بِهِ كَالشِّرْبِ وَالطَّرِيقِ يَدْخُل تَبَعًا فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ وَإِنْ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ. إِجَارَةُ الأَْرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا: ٨٣ - إِذَا كَانَتْ أُجْرَتُهَا مِمَّا تُنْبِتُهُ فَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَجَازُوا إِجَارَتَهَا بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْهَا؛ لأَِنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ مَعْهُودَةٌ فِيهَا، وَمَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِجَارَتَهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا قِيَاسًا عَلَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ، وَقَيَّدُوا جَوَازَ تَأْجِيرِهَا لِلزِّرَاعَةِ بِأَنْ يَكُونَ لَهَا مَاءٌ تُسْقَى بِهِ، وَلَوْ مَاءُ الْمَطَرِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ

стр. 478

الإِْجَارَةُ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَاشْتَرَطُوا أَنْ تَكُونَ مَأْمُونَةَ الرَّيِّ. (١) الْمُدَّةُ فِي الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ: ٨٤ - يَجُوزُ إِيجَارُ الأَْرْضِ لِلزِّرَاعَةِ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَسَنَةٍ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ، اتِّفَاقًا، حَتَّى قَال الشَّافِعِيَّةُ: تَصِحُّ إِجَارَةُ الأَْرْضِ لِمِائَةِ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَوْ وَقْفًا؛ لأَِنَّ عَقْدَ الإِْجَارَةِ عَلَى الْعَيْنِ يَصِحُّ مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ إِلَيْهَا. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: لاَ تُزَادُ عَلَى ثَلاَثِينَ سَنَةً؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ تَغَيُّرُ الأَْشْيَاءِ بَعْدَهَا. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ أَيْضًا: لاَ يُزَادُ عَلَى سَنَةٍ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِهَا. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ مَوْقُوفَةً فَأَجَّرَهَا الْمُتَوَلِّي إِلَى مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَإِنْ كَانَ السِّعْرُ بِحَالِهِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ أَلاَّ يُؤَجِّرَهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ مُخَالَفَةُ شَرْطِ الْوَاقِفِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ إِيجَارُهَا لأَِكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ أَنْفَعَ لِلْوَقْفِ. (٢) اقْتِرَانُ صِيغَةِ الإِْجَارَةِ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ: ٨٥ - عَقْدُ الإِْجَارَةِ يَقْبَل الاِقْتِرَانَ بِالشَّرْطِ اتِّفَاقًا. لَكِنْ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مِمَّا يَبْقَى أَثَرُهُ فِي الأَْرْضِ بَعْدَ

стр. 479

انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ فَفِيهِ كَلاَمٌ؛ لأَِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُنْتِجُ تَحْقِيقَ مَصْلَحَةٍ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ. فَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ فَذِكْرُهُ لاَ يُوجِبُ الْفَسَادَ كَاشْتِرَاطِ الْكِرَابِ وَالسَّقْيِ؛ لأَِنَّ الزِّرَاعَةَ لاَ تَتَأَتَّى إِلاَّ بِهِ. وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَثْنِيَهَا - أَيْ يَحْرُثَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً - وَيُكْرِيَ أَنْهَارَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا تَبْقَى فَائِدَتُهُ فِي الأَْرْضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَلَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ، فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَفْسُدُ بِهِ الإِْجَارَةُ عِنْدَهُمْ، لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَجَازُوا اشْتِرَاطَ أَنْ يُسَمِّدَهَا بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ وَقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنَ السَّمَادِ؛ لأَِنَّهُ مَنْفَعَةٌ تَبْقَى فِي الأَْرْضِ، فَهُوَ جُزْءٌ مِنَ الأُْجْرَةِ. (١) أَمَّا إِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ، أَوْ أَنْ يَزْرَعَ قَمْحًا فَقَطْ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَلاَ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ قَمْحًا أَوْ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَقَل مِنْهُ ضَرَرًا بِالأَْرْضِ، لاَ مَا هُوَ أَكْثَرُ. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ شَرْطٌ لاَ يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الْمُؤَجِّرِ، فَأُلْغِيَ، وَبَقِيَ الْعَقْدُ عَلَى مُقْتَضَاهُ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الإِْجَارَةَ تَبْطُل؛ لأَِنَّهُ شَرَطَ فِيهَا مَا يُنَافِي مُوجِبَهَا. وَفِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الإِْجَارَةَ جَائِزَةٌ وَالشَّرْطُ لاَزِمٌ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَجِّرِ، فَلاَ يَمْلِكُ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ. (٢)

стр. 480

٨٦ - وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُبَيِّنَ جِنْسَ مَا يَسْتَأْجِرُ لَهُ الأَْرْضَ، زِرَاعَةً أَوْ غِرَاسًا، دُونَ حَاجَةٍ لِبَيَانِ نَوْعِ مَا يَزْرَعُ أَوْ يَغْرِسُ. وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْغِرَاسَ قَدْ يَكُونُ أَضَرَّ بِالأَْرْضِ مِنَ الزَّرْعِ، وَتَأْثِيرُ ذَلِكَ فِي الأَْرْضِ يَخْتَلِفُ. أَمَّا التَّفَاوُتُ بَيْنَ الزَّرْعَيْنِ فَقَلِيلٌ لاَ يَضُرُّ. وَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُرْفٌ، فَلاَ يَجُوزُ، لِلْجَهَالَةِ، خِلاَفًا لاِبْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي أَجَازَ، وَقَال: يُمْنَعُ الْمُكْتَرِي مِنْ فِعْل مَا يَضُرُّ بِالأَْرْضِ. أَمَّا إِذَا قَال لَهُ: آجَرْتُكَهَا لِتَزْرَعَهَا أَوْ تَغْرِسَهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدَهُمَا، فَوُجِدَتْ جَهَالَةٌ. وَإِذَا قَال لَهُ: آجَرْتُكَ لِتَزْرَعَهَا وَتَغْرِسَهَا، صَحَّ الْعَقْدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا كُلَّهَا مَا شَاءَ، أَوْ أَنْ يَغْرِسَهَا كُلَّهَا مَا شَاءَ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَصِحُّ، وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ النِّصْفَ، وَيَغْرِسَ النِّصْفَ؛ لأَِنَّ الْجَمْعَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ. وَفِي الْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنِ الْمِقْدَارَ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا. أَمَّا إِنْ أَطْلَقَ، وَقَال: آجَرْتُكَ لِتَنْتَفِعَ بِهَا مَا شِئْتَ، فَلَهُ الزَّرْعُ وَالْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لِلإِْطْلاَقِ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْرْضِ الَّتِي لاَ مَاءَ لَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَكْتَرِيهَا لِلزِّرَاعَةِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّ الأَْرْضَ عَادَةً تُكْتَرَى لِلزِّرَاعَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنَّهُ اكْتَرَاهَا لِلزِّرَاعَةِ.

стр. 481

وَالثَّانِي: يَصِحُّ إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ عَالِيَةً لاَ يَطْمَعُ فِي سَقْيِهَا؛ لأَِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتَرِهَا لِلزِّرَاعَةِ. وَإِنْ كَانَتْ مُنْخَفِضَةً يَطْمَعُ فِي سَقْيِهَا بِسَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهَا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، لَمْ تَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ اكْتَرَاهَا لِلزِّرَاعَةِ مَعَ تَعَذُّرِ الزِّرَاعَةِ؛ لأَِنَّ مُجَرَّدَ الإِْمْكَانِ لاَ يَكْفِي، إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ وُصُول الْمَاءِ إِلَيْهَا عَلَى الأَْرْجَحِ. (١) وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ: لاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَا تُسْتَأْجَرُ لَهُ الأَْرْضُ مِنْ زِرَاعَةٍ أَوْ غِرَاسٍ. وَلاَ بُدَّ أَيْضًا مِنْ بَيَانِ نَوْعِ مَا يُزْرَعُ أَوْ يُغْرَسُ، وَإِلاَّ فَسَدَ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ الأَْرْضَ تُسْتَأْجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا، وَمَا يُزْرَعُ فِيهَا، مِنْهُ مَا يَضُرُّ بِالأَْرْضِ وَمَا لاَ يَضُرُّ، فَلَمْ يَكُنِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا. وَلِذَا وَجَبَ الْبَيَانُ، أَوْ يَجْعَل لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا مَا شَاءَ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَال: لاَ يَصِحُّ حَتَّى يُبَيِّنَ الزَّرْعَ؛ لأَِنَّ ضَرَرَهُ يَخْتَلِفُ. (٢) وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ زَرَعَهَا مَعَ ذَلِكَ الْفَسَادِ وَمَضَى الأَْجَل، فَلِلْمُؤَجِّرِ الْمُسَمَّى، اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لاَ يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ فَاسِدًا، فَلاَ يَنْقَلِبُ جَائِزًا. وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ الْجَهَالَةَ ارْتَفَعَتْ قَبْل تَمَامِ الْعَقْدِ. (٣)

стр. 482

أَحْكَامُ إِجَارَةِ الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ: الْتِزَامَاتُ الْمُؤَجِّرِ: ٨٧ - يَجِبُ تَسْلِيمُ الأَْرْضِ خَالِيَةً إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ. فَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ لآِخَرَ، أَوْ مَا يَمْنَعُ الزِّرَاعَةَ، لَمْ تَجُزِ الإِْجَارَةُ، لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. فَإِنْ قَلَعَ ذَلِكَ قَبْل تَسْلِيمِ الأَْرْضِ جَازَ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ كَانَتْ مَشْغُولَةً، وَخَلَتْ أَثْنَاءَ الْمُدَّةِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِيمَا خَلَتْ فِيهِ مِنَ الْمُدَّةِ بِقِسْطِهِ مِنَ الأُْجْرَةِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ رُجِعَ فِي تَقْوِيمِهِ إِلَى أَهْل الْخِبْرَةِ. (١) الْتِزَامَاتُ الْمُسْتَأْجِرِ: ٨٨ - أَوَّلاً: يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَدْفَعَ الأُْجْرَةَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْعَقْدِ حَسَبَ الاِشْتِرَاطِ، فَقَدْ نَصُّوا عَلَى لُزُومِ الْكِرَاءِ بِالتَّمْكِينِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعَيْنِ الَّتِي اكْتَرَاهَا وَإِنْ لَمْ تُسْتَعْمَل. وَقَدِ اتَّجَهَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا الْمَاءُ، أَوْ غَرِقَتْ وَلَمْ يَنْكَشِفْ عَنْهَا الْمَاءُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ تَمَكُّنَهُ مِنْ زِرَاعَتِهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الأَْجْرُ. لَكِنْ لَهُمْ تَفْصِيلاَتٌ يَنْبَغِي الإِْشَارَةُ إِلَيْهَا. فَالْحَنَفِيَّةُ يَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ انْقِطَاعَ الْمَاءِ عَنِ الأَْرْضِ الَّتِي تُسْقَى بِمَاءِ النَّهْرِ أَوْ مَاءِ الْمَطَرِ يُسْقِطُ الأَْجْرَ. وَكَذَا إِنْ غَرِقَتِ الأَْرْضُ قَبْل أَنْ يَزْرَعَهَا وَمَضَتِ الْمُدَّةُ.

стр. 483

وَكَذَا لَوْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ. أَمَّا إِنْ زَرَعَهَا فَأَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَهَلَكَ الزَّرْعُ، أَوْ غَرِقَتْ بَعْدَ الزَّرْعِ وَلَمْ يَنْبُتْ، فَفِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ: يَكُونُ عَلَيْهِ الأَْجْرُ كَامِلاً وَالْمُخْتَارُ فِي الْفَتْوَى أَنَّهُ لاَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَجْرٌ لِمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ بَعْدَ هَلاَكِ الزَّرْعِ. (١) وَيَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، إِذْ قَالُوا: إِنَّ الأَْجْرَ لاَ يَجِبُ بِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنِ الأَْرْضِ، أَوْ إِغْرَاقِهِ لَهَا مِنْ قَبْل أَنْ يَزْرَعَهَا وَحَتَّى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. أَمَّا إِنْ تَمَكَّنَ ثُمَّ فَسَدَ الزَّرْعُ لِجَائِحَةٍ لاَ دَخْل لِلأَْرْضِ فِيهَا، فَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا انْعَدَمَ الْبَذْرُ عُمُومًا عِنْدَ أَهْل الْمَحَلَّةِ مِلْكًا أَوْ تَسْلِيفًا فَلاَ يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ، وَكَذَا إِذَا سُجِنَ الْمُكْتَرِي بِقَصْدِ تَفْوِيتِ الزَّرْعِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْكِرَاءُ عَلَى سَاجِنِهِ. (٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنِ اكْتَرَى أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ، فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا، فَالْمُكْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ قَدْ فَاتَتْ، وَبَيْنَ إِبْقَائِهِ لأَِنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا، وَإِنَّمَا نَقَصَتْ مَنْفَعَتُهَا، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ. وَقَالُوا: إِذَا زَرَعَ الأَْرْضَ الَّتِي اكْتَرَاهَا ثُمَّ هَلَكَ الزَّرْعُ بِزِيَادَةِ الْمَطَرِ أَوْ شِدَّةِ الْبَرْدِ أَوْ أَكْل الْجَرَادِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرَّدُّ؛ لأَِنَّ الْجَائِحَةَ حَدَثَتْ عَلَى مَال الْمُسْتَأْجِرِ. وَقَالُوا: إِنِ اكْتَرَى أَرْضًا غَرِقَتْ بِالْمَاءِ لِزِرَاعَةِ مَا لاَ يَثْبُتُ فِي الْمَاءِ، كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَاءِ مَغِيضٌ إِذَا

стр. 484

فُتِحَ انْحَسَرَ الْمَاءُ عَنِ الأَْرْضِ، وَقَدَرَ عَلَى الزِّرَاعَةِ، صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِلاَّ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ. وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَاءَ يَنْحَسِرُ وَتُنَشِّفُهُ الرِّيحُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَحَدُهُمَا: لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِي الْحَال. وَالثَّانِي: يَصِحُّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ، لأَِنَّهُ يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ إِمْكَانُ الاِنْتِفَاعِ بِهِ. (١) ٨٩ - ثَانِيًا: يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالأَْرْضِ فِي حُدُودِ الْمَعْرُوفِ وَالْمَشْرُوطِ، لاَ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا، وَهَذَا مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ. وَذَهَبَ عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَزْرَعَ الأَْرْضَ الزَّرْعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، أَوْ مُسَاوِيهِ، أَوْ أَقَل مِنْهُ ضَرَرًا. غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: مَنِ اكْتَرَى أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا قُطْنًا. وَإِذَا زَرَعَهَا ضَمِنَ قِيمَةَ مَا أَحْدَثَهُ ذَلِكَ فِي الأَْرْضِ مِنْ نُقْصَانٍ، وَاعْتُبِرَ غَاصِبًا لِلأَْرْضِ. (٢) وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ تَعْيِينَ نَوْعِ مَا يُزْرَعُ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي ذَلِكَ: يَلْزَمُهُ أَجْرُ الْمِثْل؛ لأَِنَّهُ تَعَدَّى، وَالزِّيَادَةُ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ، وَتُفْضِي إِلَى مُنَازَعَةٍ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ: يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى وَأَجْرُ الْمِثْل لِلزِّيَادَةِ. وَفِي قَوْلٍ: إِنَّ مَالِكَ الأَْرْضِ يَكُونُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَمَّى وَأَجْرَ الْمِثْل لِلزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ يَأْخُذَ أَجْرَ الْمِثْل لِلْجَمِيعِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَوِ اشْتَرَطَ نَوْعًا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّرْعِ كَالْقَمْحِ فَلَهُمْ رَأْيَانِ، قِيل: لاَ يَجُوزُ هَذَا الشَّرْطُ؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الأَْرْضِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْقَمْحُ

стр. 485

لِتُقَدَّرَ بِهِ الْمَنْفَعَةُ. وَالثَّانِي أَنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِهَذَا الشَّرْطِ حَسَبَ الاِتِّفَاقِ، فَيَكُونُ شَرْطًا لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي مِنْ عُلَمَائِهِمْ. (١) انْقِضَاءُ إِجَارَةِ الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ: ٩٠ - إِذَا كَانَتِ الإِْجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ، وَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ، انْقَضَتِ الإِْجَارَةُ اتِّفَاقًا. وَيَبْقَى الزَّرْعُ فِي الأَْرْضِ إِذَا كَانَ لَمْ يَحِنْ حَصَادُهُ. وَعَلَيْهِ الأَْجْرُ الْمُسَمَّى عَنِ الْمُدَّةِ، زَائِدًا أَجْرَ الْمِثْل عَنِ الْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ. وَلِفُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ بَعْضُ تَفْصِيلاَتٍ فِي ذَلِكَ، وَفِيمَا إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ اسْتَأْجَرَهَا لِلْغِرَاسِ لاَ لِلزَّرْعِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِيَغْرِسَ بِهَا شَجَرًا وَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ، لَزِمَهُ أَنْ يَقْلَعَ الشَّجَرَ وَيُسَلِّمَ الأَْرْضَ فَارِغَةً. وَقِيل: يَتْرُكُهَا بِأَجْرِ الْمِثْل، إِلاَّ أَنْ يَخْتَارَ صَاحِبُ الأَْرْضِ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ ذَلِكَ مَقْلُوعًا إِنْ كَانَ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ فَاحِشٌ بِالأَْرْضِ. وَإِلاَّ قَلَعَهَا مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ لَهُ. لأَِنَّ تَقْدِيرَ الْمُدَّةِ فِي الإِْجَارَةِ يَقْتَضِي التَّفْرِيغَ عِنْدَ انْقِضَائِهَا، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِلزَّرْعِ. (٢) وَلاَ يَبْعُدُ الْمَالِكِيَّةُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَيَّدَ بَقَاءَ الزَّرْعِ فِي الأَْرْضِ لِلْحَصَادِ بِأَجْرِ الْمِثْل بِمَا إِذَا كَانَ الْمُكْتَرِي يَعْلَمُ وَقْتَ الْعَقْدِ أَنَّ الزَّرْعَ يَتِمُّ حَصَادُهُ فِي الْمُدَّةِ، وَإِلاَّ جَازَ لِلْمُؤَجِّرِ أَمْرُهُ بِالْقَلْعِ. (٣)

стр. 486

٩١ - أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا، وَقَالُوا: إِنِ اكْتَرَى أَرْضًا لِزَرْعٍ مُعَيَّنٍ لاَ يُسْتَحْصَدُ فِي الْمُدَّةِ، وَاشْتَرَطَ التَّبْقِيَةَ، فَالإِْجَارَةُ بَاطِلَةٌ؛ لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ. فَإِنْ بَادَرَ وَزَرَعَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْقَلْعِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْل. وَإِنْ شَرَطَ الْقَلْعَ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقِيل: يُجْبَرُ عَلَى الْقَلْعِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ عَلَى مُدَّةٍ، وَقَدِ انْقَضَتْ. وَقِيل: لاَ يُجْبَرُ؛ لأَِنَّ الزَّرْعَ مَعْلُومٌ. وَلَزِمَهُ أَجْرُ الْمِثْل لِلزَّائِدِ. وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ، فَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَلْعِهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ إِلاَّ عَلَى الْمُدَّةِ. وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ، فَقِيل: يُجْبَرُ أَيْضًا. وَقِيل: لاَ يُجْبَرُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَِنَّهُ تَأَخَّرَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ. وَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى إِلَى نِهَايَةِ الْمُدَّةِ، وَأُجْرَةُ الْمِثْل لِمَا زَادَ. (١) وَفِي الْغِرَاسِ قَالُوا: إِنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ التَّبْقِيَةِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِيهِ. وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْقَلْعَ أُخِذَ بِالشَّرْطِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الأَْرْضِ. وَإِنْ أَطْلَقَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَلْعُ، إِذِ الْعَادَةُ فِي الْغِرَاسِ التَّبْقِيَةُ إِلَى أَنْ يَجِفَّ وَيُسْتَقْلَعَ. وَإِنِ اخْتَارَ الْقَلْعَ وَكَانَ قَبْل انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَقِيل: يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الأَْرْضِ؛ لأَِنَّهُ قَلَعَ الْغِرَاسَ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَقِيل: لاَ يَلْزَمُهُ؛ لأَِنَّ قَلْعَ الْغِرَاسِ مِنْ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا يَدٌ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الأَْرْضِ، وَجْهًا وَاحِدًا. وَإِنِ اخْتَارَ الْمُكْتَرِي التَّبْقِيَةَ فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الأَْرْضِ دَفْعَ قِيمَةِ الْغِرَاسِ وَتَمَلُّكَهُ أُجْبِرَ الْمُكْتَرِي عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ

стр. 487

أَرَادَ أَنْ يَقْلَعَهُ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْغِرَاسِ لاَ تَنْقُصُ بِالْقَلْعِ، أُجْبِرَ الْمُكْتَرِي عَلَى الْقَلْعِ. (١) وَلاَ يَبْعُدُ رَأْيُ الْحَنَابِلَةِ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي جُمْلَتِهِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا كَانَ تَأْخِيرُ الزَّرْعِ لِتَفْرِيطٍ مِنْهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ زَرْعِ الْغَاصِبِ. وَيُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَعْدَ الْمُدَّةِ بَيْنَ أَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ، أَوْ تَرْكِهِ بِالأَْجْرِ لِمَا زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ. وَإِنِ اخْتَارَ الْمُسْتَأْجِرُ قَطْعَ زَرْعِهِ فِي الْحَال فَلَهُ ذَلِكَ. وَقَال الْقَاضِي: إِنَّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ذَلِكَ. وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَرْكِهِ بِعِوَضٍ جَازَ. وَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَزِمَ الْمُؤَجِّرَ تَرْكُهُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ، وَلَهُ الْمُسَمَّى، وَأَجْرُ الْمِثْل لِمَا زَادَ. (٢) وَإِذَا اسْتُؤْجِرَتِ الأَْرْضُ مُدَّةً لِلزِّرَاعَةِ، وَمَاتَ الْمُؤَجِّرُ أَوِ الْمُسْتَأْجِرُ قَبْل أَنْ يَسْتَحْصِدَ الزَّرْعَ كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ وَرَثَتِهِ بَقَاءُ الأَْرْضِ حَتَّى حَصَادِ الزَّرْعِ، وَذَلِكَ بِأَجْرِ الْمِثْل، عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ مَال الْوَرَثَةِ دُونَ مَال الْمَيِّتِ. (٣) وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ وَفَاةَ الْمُؤَجِّرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ، مِمَّا يُنْهِي عَقْدَ الإِْجَارَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، خِلاَفًا لِلْمَذَاهِبِ الأُْخَرِ. الْمَبْحَثُ الثَّانِي إِجَارَةُ الدُّورِ وَالْمَبَانِي بِمَ تُعَيَّنُ الْمَنْفَعَةُ فِيهَا ؟ ٩٢ - لاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي ضَرُورَةِ تَعْيِينِ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَأَنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهَا الأُْولَى الَّتِي رَآهَا عَلَيْهَا بِمَا يَضُرُّ بِالسَّكَنِ يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ

стр. 488

الْعَيْبِ. وَإِذَا كَانَ اسْتَأْجَرَ دَارًا قَدْ تَعَيَّنَتْ بِالْوَصْفِ، وَلَمْ يَرَهَا قَبْل الْعَقْدِ وَلاَ وَقْتَهُ، ثَبَتَ لَهُ حَقُّ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِهِ. (١) وَلاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ أَيْضًا فِي أَنَّ إِجَارَةَ الدُّورِ مِمَّا لاَ تَخْتَلِفُ فِي الاِسْتِعْمَال عَادَةً، فَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الدَّارِ أَوِ الْحَانُوتِ مَعَ عَدَمِ بَيَانِ مَا يَسْتَأْجِرُهَا لَهُ؛ لأَِنَّ الدُّورَ إِنَّمَا تَكُونُ لِلسَّكَنِ عَادَةً، وَالْحَانُوتَ لِلتِّجَارَةِ أَوِ الصِّنَاعَةِ. وَيُرْجَعُ إِلَى الْعُرْفِ أَيْضًا فِي كَيْفِيَّةِ الاِسْتِعْمَال، وَالتَّفَاوُتُ فِي السَّكَنِ يَسِيرٌ فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى ضَبْطِهِ. (٢) ٩٣ - إِذَا شَرَطَ الْمُؤَجِّرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَلاَّ يُسْكِنَ غَيْرَهُ مَعَهُ، فَالْحَنَفِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الشَّرْطَ لاَغٍ وَالْعَقْدَ صَحِيحٌ، فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ مَعَهُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اعْتِبَارِ الشَّرْطِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ مَعَهُ، إِلاَّ مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى فَسَادِ الشَّرْطِ وَالْعَقْدِ؛ لأَِنَّ هَذَا الشَّرْطَ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُؤَجِّرِ، فَيَكُونُ شَرْطًا فَاسِدًا، وَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ. (٣) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَرْطٌ فَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِعَدَمِ الضَّرَرِ أَوَّلاً، وَالرُّجُوعِ لِلْعُرْفِ ثَانِيًا. وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالدَّارِ وَالْحَانُوتِ كَيْفَ شَاءَ فِي حُدُودِ الْمُتَعَارَفِ، بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ مِمَّنْ لاَ يَزِيدُ

стр. 489

ضَرَرُهُ عَنْهُ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَل فِيهَا مَا يُوهِنُ الْبِنَاءَ كَالْحِدَادَةِ وَالْقِصَارَةِ. وَتَدْخُل فِي إِجَارَةِ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ تَوَابِعُهَا، وَلَوْ بِدُونِ ذِكْرِهَا فِي الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ لاَ تَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِهَا. (١) ٩٤ - وَبَيَانُ الْمَنْفَعَةِ فِي إِجَارَةِ الدُّورِ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ فَقَطْ؛ لأَِنَّ السُّكْنَى مَجْهُولَةُ الْمِقْدَارِ فِي نَفْسِهَا، وَلاَ تَنْضَبِطُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَيْسَ لِمُدَّةِ الإِْجَارَةِ حَدٌّ أَقْصَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَتَجُوزُ الْمُدَّةُ الَّتِي تَبْقَى فِيهَا وَإِنْ طَالَتْ. وَهُوَ قَوْل أَهْل الْعِلْمِ كَافَّةً. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ. وَفِي قَوْلٍ: إِنَّهَا لاَ تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِينَ سَنَةً. وَقَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ بِالنَّقْدِ وَالْمُؤَجَّل. (٢) وَتَبْدَأُ الْمُدَّةُ مِنَ الْوَقْتِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ. فَإِنْ لَمْ يَكُونَا سَمَّيَا وَقْتًا فَمِنْ حِينِ الْعَقْدِ. (٣) وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ عَدَمُ بَيَانِ ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ لِسَكَنِهِ شَهْرًا أَوْ سَنَةً مَثَلاً. وَيُحْمَل مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَجِيبَةً (أَيْ مُدَّةً مُحَدَّدَةً لاَ تَتَجَدَّدُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ) أَوْ مُشَاهَرَةً. فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَثَلاَثُونَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ. (٤) أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: لاَ تَجُوزُ إِجَارَةُ الدُّورِ إِلاَّ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةِ الاِبْتِدَاءِ وَالاِنْتِهَاءِ. فَإِنْ قَال: آجَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا، وَلَمْ يُحَدِّدِ الشَّهْرَ، لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ تَرَكَ

стр. 490

تَعْيِينَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الشَّهْرُ، فِي عَقْدٍ شُرِطَ فِيهِ التَّعْيِينُ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ دَارًا. (١) ٩٥ - وَإِذَا وَقَعَتِ الإِْجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً. وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ تَلِيَ الْعَقْدَ مُبَاشَرَةً، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. (٢) فَإِذَا قَال: آجَرْتُكَ دَارِي كُل شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا صَحِيحَةٌ. وَتَلْزَمُ الإِْجَارَةُ فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل بِإِطْلاَقِ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعَقْدِ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الشُّهُورِ يَلْزَمُ الْعَقْدُ فِيهِ بِالتَّلَبُّسِ بِهِ، وَهُوَ السُّكْنَى فِي الدَّارِ؛ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ حَال الْعَقْدِ، فَإِذَا تَلَبَّسَ بِهِ تَعَيَّنَ بِالدُّخُول فِيهِ، فَصَحَّ بِالْعَقْدِ الأَْوَّل. وَإِنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِهِ، أَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ الأَْوَّل، انْفَسَخَ. وَفِي الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَصِحُّ. وَقَال بِهِ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ كَلِمَةَ " كُل " اسْمٌ لِلْعَدَدِ، فَإِذَا لَمْ يُقَدِّرْهُ كَانَ مُبْهَمًا مَجْهُولاً. وَإِذَا قَال: آجَرْتُكَ دَارِي عِشْرِينَ شَهْرًا، كُل شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، جَازَ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ، وَأَجْرَهَا مَعْلُومٌ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل الْمَعْلُومِ، وَتَبْطُل فِي الْبَاقِي الْمَجْهُول. (٣) وَإِنْ قَال: آجَرْتُكَهَا شَهْرًا بِدِرْهَمٍ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، صَحَّ فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل؛ لأَِنَّهُ أَفْرَدَهُ بِالْعَقْدِ، وَبَطَل فِي الزَّائِدِ؛ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَصِحَّ فِي كُل شَهْرٍ تَلَبَّسَ بِهِ. ٩٦ - وَإِنْ قُدِّرَتْ مُدَّةُ الإِْجَارَةِ بِالسِّنِينَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ

стр. 491

نَوْعَهَا، حُمِل عَلَى السَّنَةِ الْهِلاَلِيَّةِ؛ لأَِنَّهَا الْمَعْهُودَةُ فِي الشَّرْعِ. وَإِنِ اسْتَأْجَرَ سَنَةً هِلاَلِيَّةً أَوَّل الْهِلاَل، عُدَّ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالأَْهِلَّةِ، ثُمَّ يُكَمَّل الْمُنْكَسِرُ ثَلاَثِينَ يَوْمًا. رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَرُوِيَ عَنْهُمْ أَيْضًا أَنَّهُ يُسْتَوْفَى فِي الْجَمِيعِ بِالْعَدَدِ (١) وَإِنِ اسْتَأْجَرَ الدَّارَ بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ أَوِ الرُّومِيَّةِ أَوِ الْقِبْطِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي رِوَايَةٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ؛ لأَِنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ إِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ أَيَّامَهَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الشَّافِعِيِّ: لاَ يَصِحُّ، إِذْ فِي السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ أَيَّامُ نَسِيءٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ إِنْ كَانَا يَجْهَلاَنِهَا. وَإِنْ آجَرَهُ لَهُ إِلَى الْعِيدِ انْصَرَفَ إِلَى أَوَّل عِيدٍ يَأْتِي، الْفِطْرُ أَوِ الأَْضْحَى. وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِ الْكُفَّارِ صَحَّ إِذَا عَلِمَاهُ. (٢) ٩٧ - وَبِالنِّسْبَةِ لِلأُْجْرَةِ فَإِذَا آجَرَهَا سَنَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ كُل شَهْرٍ؛ لأَِنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ، فَصَارَ كَالإِْجَارَةِ شَهْرًا وَاحِدًا. غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لَهُمْ تَأْوِيلاَنِ فِي كَوْنِهِ وَجِيبَةً، لاِحْتِمَال إِرَادَةِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: هَذِهِ السَّنَةَ. وَهُوَ تَأْوِيل ابْنِ لُبَابَةَ. وَالأَْكْثَرِ، بَل هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ غَيْرَ وَجِيبَةٍ، لاِحْتِمَال إِرَادَةِ كُل سَنَةٍ. وَهُوَ تَأْوِيل أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ (٣) .

стр. 492

٩٨ - إِذَا اسْتَأْجَرَ ذِمِّيٌّ دَارًا مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ سَيَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً أَوْ حَانُوتًا لِبَيْعِ الْخَمْرِ، فَالْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ) عَلَى أَنَّ الإِْجَارَةَ فَاسِدَةٌ؛ لأَِنَّهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَانْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْقَوْل بِجَوَازِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَارِدٌ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبَيْتِ مُطْلَقًا، وَلاَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ اتِّخَاذُهَا لِتِلْكَ الْمَعْصِيَةِ. وَفِي هَذَا التَّعْلِيل مَا فِيهِ. أَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَ الذِّمِّيُّ دَارًا لِلسُّكْنَى مَثَلاً، ثُمَّ اتَّخَذَهَا كَنِيسَةً، أَوْ مَعْبَدًا عَامًّا، فَالإِْجَارَةُ انْعَقَدَتْ بِلاَ خِلاَفٍ. وَلِمَالِكِ الدَّارِ، وَلِلْمُسْلِمِ عَامَّةً، مَنْعُهُ حِسْبَةً، كَمَا يُمْنَعُ مِنْ إِحْدَاثِ ذَلِكَ فِي الدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ لِلذِّمِّيِّ. (١) الْتِزَامَاتُ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي إِجَارَةِ الدُّورِ: ٩٩ - يَجِبُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ تَمْكِينُ الْمُسْتَأْجِرِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ. وَيَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ الأَْجْرُ مِنْ وَقْتِ التَّمْكِينِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْمَنْفَعَةَ. وَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ مِنْ غَيْرِ التَّمْكِينِ لاَ يَسْتَحِقُّ الْمُؤَجِّرُ شَيْئًا، وَلَوْ مَضَى مِنَ الْعَقْدِ مُدَّةٌ قَبْل التَّمْكِينِ فَلاَ يَلْزَمُهُ أَجْرُ مَا مَضَى قَبْل التَّمْكِينِ. وَمِنْ حَقِّ الْمُؤَجِّرِ حَبْسُ الدَّارِ لاِسْتِيفَاءِ الأُْجْرَةِ الْمُشْتَرَطِ تَعْجِيلُهَا. وَمِنْ مُقْتَضَى التَّمْكِينِ أَلاَّ تَعُودَ الدَّارُ لِحِيَازَةِ الْمُؤَجِّرِ بِشَرْطٍ فِي الْعَقْدِ. (٢) وَمَا دَامَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إِيجَارُهَا لِلْغَيْرِ بِمِثْل مَا

стр. 493

اسْتَأْجَرَهَا بِهِ أَوْ أَكْثَرَ، مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا اسْتَأْجَرَ بِهِ، أَوْ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَانَ وَضَعَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ (كَالْمَسَاكِنِ الْمَفْرُوشَةِ) فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تَحِل لَهُ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ. (١) وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَرْطٌ يَمْنَعُ إِسْكَانَ غَيْرِهِ، عَلَى مَا سَبَقَ. كَمَا يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ عِمَارَةُ الدَّارِ وَإِصْلاَحُ كُل مَا يُخِل بِالسُّكْنَى. فَإِنْ أَبَى حُقَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْعَقْدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ اسْتَأْجَرَهَا عَلَى حَالِهَا. وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (٢) وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يُجْبَرُ الآْجِرُ عَلَى إِصْلاَحٍ لِمُكْتَرٍ مُطْلَقًا، وَيُخَيَّرُ السَّاكِنُ بَيْنَ السُّكْنَى وَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ كَامِلاً، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا. وَلَوْ أَنْفَقَ الْمُكْتَرِي شَيْئًا فِي الإِْصْلاَحِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ وَتَفْوِيضٍ مِنَ الْمُؤَجِّرِ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ. وَعِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ خُيِّرَ رَبُّ الدَّارِ بَيْنَ دَفْعِ قِيمَةِ الإِْصْلاَحِ مَنْقُوضًا أَوْ أَمْرِهِ بِنَقْضِهِ إِنْ أَمْكَنَ فَصْلُهُ. (٣) وَلاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ صِيَانَةِ الْعَيْنِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةِ الأُْجْرَةِ، فَتَفْسُدُ الإِْجَارَةُ بِهَذَا الاِشْتِرَاطِ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ. وَإِنْ سَكَنَ الْمُسْتَأْجِرُ، لَزِمَهُ أَجْرُ الْمِثْل، وَلَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَى الْعِمَارَةِ، وَأَجْرُ مِثْلِهِ

стр. 494

فِي الْقِيَامِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ فَعَل ذَلِكَ بِإِذْنِهِ، وَإِلاَّ كَانَ مُتَبَرِّعًا. (١) غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَجَازُوا كِرَاءَ الدَّارِ وَنَحْوِهَا مَعَ اشْتِرَاطِ الْمَرَمَّةِ عَلَى الْمُكْتَرِي مِنَ الْكِرَاءِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ عَنْ مُدَّةٍ سَابِقَةٍ أَوْ مِنَ الْكِرَاءِ الْمُشْتَرَطِ تَعْجِيلُهُ. وَيَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ فِي مِثْل هَذَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيل. (٢) ١٠٠ - وَالدَّارُ الْمُسْتَأْجَرَةُ تَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ الْمُخَالَفَةِ. وَتَوَابِعُ الدَّارِ كَالْمِفْتَاحِ أَمَانَةٌ أَيْضًا. وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ لاَ يَضْمَنُهُ. وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الدَّارَ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ لِلْحِدَادَةِ، فَاسْتَعْمَلَهَا لِلْقِصَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لاَ يَزِيدُ ضَرَرُهُ عَادَةً عَنِ الْحِدَادَةِ، فَانْهَدَمَ شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. أَمَّا إِنِ اسْتَأْجَرَهَا عَلَى أَنْ يَتَّخِذَهَا لِلسُّكْنَى، فَاسْتَعْمَلَهَا لِلْحِدَادَةِ أَوِ الْقِصَارَةِ، فَانْهَدَمَ شَيْءٌ مِنْهَا ضَمِنَ. (٣) وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ السُّلُوكَ الشَّخْصِيَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ لاَ أَثَرَ لَهُ عَلَى الْعَقْدِ، وَلَيْسَ لِلآْجِرِ وَلاَ لِلْجِيرَانِ إِخْرَاجُهُ مِنَ الدَّارِ، وَإِنَّمَا يُؤَدِّبُهُ الْحَاكِمُ. فَإِنْ لَمْ يَكُفَّ أَجَّرَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا. (٤)

стр. 495

وَتَنْقَضِي إِجَارَةُ الدُّورِ بِأَحَدِ الأَْسْبَابِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا فِي مَبْحَثِ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا قَبْل اتِّجَاهَاتِ الْفُقَهَاءِ فِي انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ قَامَ الْمُؤَجِّرُ بِإِجَارَةِ دَارِهِ عَنْ شَهْرِ صَفَرٍ مَثَلاً، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ، وَكَانَتِ الدَّارُ فِي يَدِ مُسْتَأْجِرٍ آخَرَ فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ فَسْخًا لِلإِْجَارَةِ الأُْولَى. وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الْفَسْخِ عَقِبَ انْتِهَاءِ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ. وَيَرَى الْبَعْضُ أَنَّ ذَلِكَ إِنْهَاءٌ لِلْعَقْدِ وَلَيْسَ فَسْخًا. (١) . الْفَرْعُ الثَّانِي إِجَارَةُ الْحَيَوَانِ ١٠١ - إِجَارَةُ الْحَيَوَانِ تَنْطَبِقُ عَلَيْهَا شُرُوطُ الإِْجَارَةِ وَأَحْكَامُهَا السَّابِقَةُ، إِلاَّ أَنَّ هُنَاكَ صُوَرًا مِنْ إِجَارَةِ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ لَهَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهَا كَإِجَارَةِ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ لِلْحِرَاسَةِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ مَنَعُوهَا لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ لِلإِْنْسَانِ حَمْلُهُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْحِرَاسَةِ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ. أَمَّا إِجَارَةُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ لِلصَّيْدِ فَمَحَل خِلاَفٍ فِي جَوَازِهِ وَعَدَمِهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ يُرْجَعُ إِلَى بَيَانِهِ وَتَفْصِيلِهِ فِي مَحَلِّهِ " صَيْد ". وَفِي إِجَارَةِ الْفَحْل لِلضِّرَابِ خِلاَفٌ، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَصْل مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، عَلَى مَنْعِهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ عَسْبِ الْفَحْل.
следующие страницы →