Полный текст (31 949 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
نَوْعَهَا، حُمِل عَلَى السَّنَةِ الْهِلاَلِيَّةِ؛ لأَِنَّهَا الْمَعْهُودَةُ فِي الشَّرْعِ.
وَإِنِ اسْتَأْجَرَ سَنَةً هِلاَلِيَّةً أَوَّل الْهِلاَل، عُدَّ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالأَْهِلَّةِ، ثُمَّ يُكَمَّل الْمُنْكَسِرُ ثَلاَثِينَ يَوْمًا. رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَرُوِيَ عَنْهُمْ أَيْضًا أَنَّهُ يُسْتَوْفَى فِي الْجَمِيعِ بِالْعَدَدِ (١)
وَإِنِ اسْتَأْجَرَ الدَّارَ بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ أَوِ الرُّومِيَّةِ أَوِ الْقِبْطِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي رِوَايَةٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ؛ لأَِنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ إِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ أَيَّامَهَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الشَّافِعِيِّ: لاَ يَصِحُّ، إِذْ فِي السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ أَيَّامُ نَسِيءٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ إِنْ كَانَا يَجْهَلاَنِهَا.
وَإِنْ آجَرَهُ لَهُ إِلَى الْعِيدِ انْصَرَفَ إِلَى أَوَّل عِيدٍ يَأْتِي، الْفِطْرُ أَوِ الأَْضْحَى. وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِ الْكُفَّارِ صَحَّ إِذَا عَلِمَاهُ. (٢)
٩٧ - وَبِالنِّسْبَةِ لِلأُْجْرَةِ فَإِذَا آجَرَهَا سَنَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ كُل شَهْرٍ؛ لأَِنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ، فَصَارَ كَالإِْجَارَةِ شَهْرًا وَاحِدًا. غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لَهُمْ تَأْوِيلاَنِ فِي كَوْنِهِ وَجِيبَةً، لاِحْتِمَال إِرَادَةِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: هَذِهِ السَّنَةَ. وَهُوَ تَأْوِيل ابْنِ لُبَابَةَ. وَالأَْكْثَرِ، بَل هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ غَيْرَ وَجِيبَةٍ، لاِحْتِمَال إِرَادَةِ كُل سَنَةٍ. وَهُوَ تَأْوِيل أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ (٣) . стр. 492
٩٨ - إِذَا اسْتَأْجَرَ ذِمِّيٌّ دَارًا مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ سَيَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً أَوْ حَانُوتًا لِبَيْعِ الْخَمْرِ، فَالْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ) عَلَى أَنَّ الإِْجَارَةَ فَاسِدَةٌ؛ لأَِنَّهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَانْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْقَوْل بِجَوَازِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَارِدٌ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبَيْتِ مُطْلَقًا، وَلاَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ اتِّخَاذُهَا لِتِلْكَ الْمَعْصِيَةِ. وَفِي هَذَا التَّعْلِيل مَا فِيهِ.
أَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَ الذِّمِّيُّ دَارًا لِلسُّكْنَى مَثَلاً، ثُمَّ اتَّخَذَهَا كَنِيسَةً، أَوْ مَعْبَدًا عَامًّا، فَالإِْجَارَةُ انْعَقَدَتْ بِلاَ خِلاَفٍ. وَلِمَالِكِ الدَّارِ، وَلِلْمُسْلِمِ عَامَّةً، مَنْعُهُ حِسْبَةً، كَمَا يُمْنَعُ مِنْ إِحْدَاثِ ذَلِكَ فِي الدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ لِلذِّمِّيِّ. (١)
الْتِزَامَاتُ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي إِجَارَةِ الدُّورِ:
٩٩ - يَجِبُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ تَمْكِينُ الْمُسْتَأْجِرِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ. وَيَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ الأَْجْرُ مِنْ وَقْتِ التَّمْكِينِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْمَنْفَعَةَ. وَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ مِنْ غَيْرِ التَّمْكِينِ لاَ يَسْتَحِقُّ الْمُؤَجِّرُ شَيْئًا، وَلَوْ مَضَى مِنَ الْعَقْدِ مُدَّةٌ قَبْل التَّمْكِينِ فَلاَ يَلْزَمُهُ أَجْرُ مَا مَضَى قَبْل التَّمْكِينِ. وَمِنْ حَقِّ الْمُؤَجِّرِ حَبْسُ الدَّارِ لاِسْتِيفَاءِ الأُْجْرَةِ الْمُشْتَرَطِ تَعْجِيلُهَا.
وَمِنْ مُقْتَضَى التَّمْكِينِ أَلاَّ تَعُودَ الدَّارُ لِحِيَازَةِ الْمُؤَجِّرِ بِشَرْطٍ فِي الْعَقْدِ. (٢) وَمَا دَامَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إِيجَارُهَا لِلْغَيْرِ بِمِثْل مَا стр. 493
اسْتَأْجَرَهَا بِهِ أَوْ أَكْثَرَ، مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا اسْتَأْجَرَ بِهِ، أَوْ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَانَ وَضَعَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ (كَالْمَسَاكِنِ الْمَفْرُوشَةِ) فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تَحِل لَهُ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ. (١)
وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَرْطٌ يَمْنَعُ إِسْكَانَ غَيْرِهِ، عَلَى مَا سَبَقَ.
كَمَا يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ عِمَارَةُ الدَّارِ وَإِصْلاَحُ كُل مَا يُخِل بِالسُّكْنَى. فَإِنْ أَبَى حُقَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْعَقْدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ اسْتَأْجَرَهَا عَلَى حَالِهَا. وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (٢)
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يُجْبَرُ الآْجِرُ عَلَى إِصْلاَحٍ لِمُكْتَرٍ مُطْلَقًا، وَيُخَيَّرُ السَّاكِنُ بَيْنَ السُّكْنَى وَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ كَامِلاً، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا. وَلَوْ أَنْفَقَ الْمُكْتَرِي شَيْئًا فِي الإِْصْلاَحِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ وَتَفْوِيضٍ مِنَ الْمُؤَجِّرِ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ. وَعِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ خُيِّرَ رَبُّ الدَّارِ بَيْنَ دَفْعِ قِيمَةِ الإِْصْلاَحِ مَنْقُوضًا أَوْ أَمْرِهِ بِنَقْضِهِ إِنْ أَمْكَنَ فَصْلُهُ. (٣)
وَلاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ صِيَانَةِ الْعَيْنِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةِ الأُْجْرَةِ، فَتَفْسُدُ الإِْجَارَةُ بِهَذَا الاِشْتِرَاطِ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ. وَإِنْ سَكَنَ الْمُسْتَأْجِرُ، لَزِمَهُ أَجْرُ الْمِثْل، وَلَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَى الْعِمَارَةِ، وَأَجْرُ مِثْلِهِ стр. 494
فِي الْقِيَامِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ فَعَل ذَلِكَ بِإِذْنِهِ، وَإِلاَّ كَانَ مُتَبَرِّعًا. (١)
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَجَازُوا كِرَاءَ الدَّارِ وَنَحْوِهَا مَعَ اشْتِرَاطِ الْمَرَمَّةِ عَلَى الْمُكْتَرِي مِنَ الْكِرَاءِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ عَنْ مُدَّةٍ سَابِقَةٍ أَوْ مِنَ الْكِرَاءِ الْمُشْتَرَطِ تَعْجِيلُهُ. وَيَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ فِي مِثْل هَذَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيل. (٢)
١٠٠ - وَالدَّارُ الْمُسْتَأْجَرَةُ تَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ الْمُخَالَفَةِ. وَتَوَابِعُ الدَّارِ كَالْمِفْتَاحِ أَمَانَةٌ أَيْضًا. وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ لاَ يَضْمَنُهُ. وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الدَّارَ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ لِلْحِدَادَةِ، فَاسْتَعْمَلَهَا لِلْقِصَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لاَ يَزِيدُ ضَرَرُهُ عَادَةً عَنِ الْحِدَادَةِ، فَانْهَدَمَ شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. أَمَّا إِنِ اسْتَأْجَرَهَا عَلَى أَنْ يَتَّخِذَهَا لِلسُّكْنَى، فَاسْتَعْمَلَهَا لِلْحِدَادَةِ أَوِ الْقِصَارَةِ، فَانْهَدَمَ شَيْءٌ مِنْهَا ضَمِنَ. (٣)
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ السُّلُوكَ الشَّخْصِيَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ لاَ أَثَرَ لَهُ عَلَى الْعَقْدِ، وَلَيْسَ لِلآْجِرِ وَلاَ لِلْجِيرَانِ إِخْرَاجُهُ مِنَ الدَّارِ، وَإِنَّمَا يُؤَدِّبُهُ الْحَاكِمُ. فَإِنْ لَمْ يَكُفَّ أَجَّرَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا. (٤) стр. 495
وَتَنْقَضِي إِجَارَةُ الدُّورِ بِأَحَدِ الأَْسْبَابِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا فِي مَبْحَثِ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا قَبْل اتِّجَاهَاتِ الْفُقَهَاءِ فِي انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ قَامَ الْمُؤَجِّرُ بِإِجَارَةِ دَارِهِ عَنْ شَهْرِ صَفَرٍ مَثَلاً، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ، وَكَانَتِ الدَّارُ فِي يَدِ مُسْتَأْجِرٍ آخَرَ فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ فَسْخًا لِلإِْجَارَةِ الأُْولَى. وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الْفَسْخِ عَقِبَ انْتِهَاءِ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ. وَيَرَى الْبَعْضُ أَنَّ ذَلِكَ إِنْهَاءٌ لِلْعَقْدِ وَلَيْسَ فَسْخًا. (١) .
الْفَرْعُ الثَّانِي
إِجَارَةُ الْحَيَوَانِ
١٠١ - إِجَارَةُ الْحَيَوَانِ تَنْطَبِقُ عَلَيْهَا شُرُوطُ الإِْجَارَةِ وَأَحْكَامُهَا السَّابِقَةُ، إِلاَّ أَنَّ هُنَاكَ صُوَرًا مِنْ إِجَارَةِ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ لَهَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهَا كَإِجَارَةِ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ لِلْحِرَاسَةِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ مَنَعُوهَا لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ لِلإِْنْسَانِ حَمْلُهُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْحِرَاسَةِ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ. أَمَّا إِجَارَةُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ لِلصَّيْدِ فَمَحَل خِلاَفٍ فِي جَوَازِهِ وَعَدَمِهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ يُرْجَعُ إِلَى بَيَانِهِ وَتَفْصِيلِهِ فِي مَحَلِّهِ " صَيْد ".
وَفِي إِجَارَةِ الْفَحْل لِلضِّرَابِ خِلاَفٌ، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَصْل مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، عَلَى مَنْعِهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ عَسْبِ الْفَحْل. стр. 496
غَيْرَ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِنِ احْتَاجَ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُطْرِقُ لَهُ، جَازَ أَنْ يَبْذُل الْكِرَاءَ، وَلَيْسَ لِلْمُطْرِقِ أَخْذُهُ. قَال عَطَاءٌ: لاَ يَأْخُذُ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُطْرِقُ لَهُ، وَلأَِنَّ ذَلِكَ بَذْل مَالٍ لِتَحْصِيل مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهَا. وَقَالُوا: إِنْ أَطْرَقَ إِنْسَانٌ فَحْلَهُ بِغَيْرِ إِجَارَةٍ وَلاَ شَرْطٍ، فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ، فَلاَ بَأْسَ. (١)
وَنُقِل عَنْ مَالِكٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ الْجَوَازُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، تَشْبِيهًا لَهُ بِسَائِرِ الْمَنَافِعِ، وَلِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، كَإِجَارَةِ الظِّئْرِ لِلرَّضَاعِ، وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِالإِْعَارَةِ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِالإِْجَارَةِ، كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ. (٢)
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ تُفْضِيَ إِجَارَةُ الْحَيَوَانِ إِلَى بَيْعِ عَيْنٍ مِنْ نِتَاجِهِ، كَتَأْجِيرِ الشَّاةِ لأَِخْذِ لَبَنِهَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ الأَْصْلِيَّ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ هُوَ الْمَنْفَعَةُ لاَ الأَْعْيَانُ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَجُوزُ إِجَارَةُ الْحَيَوَانِ لِلَبَنِهِ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْمَذْهَبِ (٣) .
الْفَرْعُ الثَّالِثُ
إِجَارَةُ الأَْشْخَاصِ
١٠٢ - إِجَارَةُ الأَْشْخَاصِ تَقَعُ عَلَى صُورَتَيْنِ: أَجِيرٌ خَاصٌّ اسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَعْمَل لِلْمُسْتَأْجِرِ فَقَطْ стр. 497
وَيُسَمِّيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ " أَجِيرُ الْوَحْدِ " كَالْخَادِمِ وَالْمُوَظَّفِ، وَأَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ يُكْتَرَى لأَِكْثَرَ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ بِعُقُودٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلاَ يَتَقَيَّدُ بِالْعَمَل لِوَاحِدٍ دُونَ غَيْرِهِ، كَالطَّبِيبِ فِي عِيَادَتِهِ، وَالْمُهَنْدَسِ وَالْمُحَامِي فِي مَكْتَبَيْهِمَا. وَالأَْجِيرُ الْخَاصُّ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً عَلَى الْمُدَّةِ. أَمَّا الأَْجِيرُ الْمُشْتَرَكُ فَيَسْتَحِقُّ أُجْرَةً عَلَى الْعَمَل غَالِبًا. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ.
الْمَطْلَبُ الأَْوَّل
الأَْجِيرُ الْخَاصُّ
١٠٣ - الأَْجِيرُ الْخَاصُّ: هُوَ مَنْ يَعْمَل لِمُعَيَّنٍ عَمَلاً مُؤَقَّتًا، وَيَكُونُ عَقْدُهُ لِمُدَّةٍ. وَيَسْتَحِقُّ الأَْجْرَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ فِي الْمُدَّةِ؛ لأَِنَّ مَنَافِعَهُ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لِمَنِ اسْتَأْجَرَهُ فِي مُدَّةِ الْعَقْدِ (١) .
وَكَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ اسْتِئْجَارَ الْمَرْأَةِ لِلْخِدْمَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مَعَهُ الاِطِّلاَعُ عَلَيْهَا وَالْوُقُوعُ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَلأَِنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا مَعْصِيَةٌ.
وَأَجَازَ أَحْمَدُ اسْتِئْجَارَهَا، وَلَكِنْ يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يَخْلُو مَعَهَا فِي مَكَانٍ اتِّقَاءً لِلْفِتْنَةِ. (٢)
١٠٤ - وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الأَْجِيرُ ذِمِّيًّا وَالْمُسْتَأْجِرُ مُسْلِمًا بِلاَ خِلاَفٍ. أَمَّا أَنْ يَكُونَ الأَْجِيرُ مُسْلِمًا وَالْمُسْتَأْجِرُ ذِمِّيًّا فَقَدْ أَجَازَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ وَضَعُوا مِعْيَارًا خَاصًّا هُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل الَّذِي يُؤَجِّرُ стр. 498
نَفْسَهُ لِلْقِيَامِ بِهِ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ لِنَفْسِهِ، كَالْخِيَاطَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْحَرْثِ. أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَهُ لِنَفْسِهِ، كَعَصْرِ الْخَمْرِ، وَرَعِي الْخَنَازِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ. فَإِنْ فَعَل فَإِنَّ الإِْجَارَةَ تُرَدُّ قَبْل الْعَمَل. وَإِنْ عَمِل فَإِنَّ الأُْجْرَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الْكَافِرِ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا. وَلاَ يَسْتَحِلُّهَا لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ يُعْذَرَ لأَِجْل الْجَهْل.
وَالْمِعْيَارُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل غَيْرَ الْخِدْمَةِ الشَّخْصِيَّةِ. أَمَّا إِنْ كَانَتِ الإِْجَارَةُ عَلَى أَنْ يَقُومَ بِخِدْمَتِهِ مِنْ نَحْوِ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ لَهُ، وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَال الْبَعْضُ: لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ حَبْسَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْكَافِرِ، وَإِذْلاَلَهُ فِي خِدْمَتِهِ. وَهُوَ فِيمَا يَبْدُو الْمَقْصُودُ مِنَ الْقَوْل بِالْجَوَازِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ - كَالْبَيْعِ - مَعَ الْكَرَاهَةِ الَّتِي عَلَّلُوهَا بِأَنَّ الاِسْتِخْدَامَ اسْتِذْلاَلٌ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُذِل نَفْسَهُ، خُصُوصًا بِخِدْمَةِ الْكَافِرِ.
وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إِجَارَةُ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ الْخِدْمَةِ، فَجَازَ فِيهَا. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْقَلْيُوبِيِّ وَالشِّرْوَانِيِّ يَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الذِّمِّيُّ مُسْلِمًا، وَلَوْ إِجَارَةَ عَيْنٍ وَيُؤْمَرُ وُجُوبًا بِإِجَارَتِهِ لِمُسْلِمٍ. وَلِلْحَاكِمِ مَنْعُهُ مِنْهَا. وَلاَ يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ خِدْمَةُ كَافِرٍ وَلَوْ غَيْرَ إِجَارَةٍ.
وَفِي الْمُهَذَّبِ أَنَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَال: لَوِ اسْتَأْجَرَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا فَفِيهِ قَوْلاَنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: يَصِحُّ قَوْلاً وَاحِدًا. (١) стр. 499
١٠٥ - وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَمَل جَمَاعَةً فِي حُكْمِ شَخْصٍ وَاحِدٍ (مُؤَسَّسَةً) فَلَوِ اسْتَأْجَرَ أَهْل قَرْيَةٍ مُعَلِّمًا أَوْ إِمَامًا أَوْ مُؤَذِّنًا، وَكَانَ خَاصًّا بِهِمْ كَانَ أَجِيرًا خَاصًّا. وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَهْل قَرْيَةٍ رَاعِيًا لِيَرْعَى أَغْنَامَهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا لَهُمْ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، كَانَ أَجِيرًا خَاصًّا. (١)
وَلاَ بُدَّ فِي إِجَارَةِ الأَْجِيرِ الْخَاصِّ مِنْ تَعْيِينِ الْمُدَّةِ؛ لأَِنَّهَا إِجَارَةُ عَيْنٍ لِمُدَّةٍ. فَلاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهَا؛ لأَِنَّهَا هِيَ الْمُعَيِّنَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَالْمَنْفَعَةُ لاَ تُعْتَبَرُ مَعْلُومَةً إِلاَّ بِذَلِكَ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الأَْجِيرِ فِيهَا قَادِرًا عَلَى الْعَمَل، حَتَّى قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ إِجَارَةُ الْعَامِل لِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (٢) .
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْفُقَهَاءُ تَعْيِينَ نَوْعِ الْخِدْمَةِ.
وَعِنْدَ عَدَمِ التَّعْيِينِ يُحْمَل عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ. (٣)
١٠٦ - وَيَجِبُ عَلَى الأَْجِيرِ الْخَاصِّ أَنْ يَقُومَ بِالْعَمَل فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لَهُ أَوِ الْمُتَعَارَفِ عَلَيْهِ. وَلاَ يَمْنَعُ هَذَا مِنْ أَدَائِهِ الْمَفْرُوضَ عَلَيْهِ مِنْ صَلاَةٍ وَصَوْمٍ، بِدُونِ إِذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ. وَقِيل: إِنَّ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ السُّنَّةَ أَيْضًا، وَأَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، دُونَ أَنْ يُنْقِصَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا إِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ قَرِيبًا وَلاَ يَسْتَغْرِقُ ذَلِكَ وَقْتًا كَبِيرًا، (٤) بَل جَاءَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ أَنَّ стр. 500
مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا شَهْرًا لِيَعْمَل لَهُ كَذَا لاَ تَدْخُل فِيهِ أَيَّامُ الْجُمَعِ لِلْعُرْفِ (١) . قَال الرَّشِيدِيُّ: " لَوْ آجَرَ نَفْسَهُ بِشَرْطِ عَدَمِ الصَّلاَةِ وَصَرْفِ زَمَنِهَا فِي الْعَمَل الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ، فَالأَْقْرَبُ أَنَّهُ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ " (٢) وَلاَ يَدْخُل فِي الإِْجَارَةِ بِالزَّمَنِ نَحْوَ شَهْرٍ مَثَلاً لِغَيْرِ مُسْلِمٍ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ وَلاَ أَيَّامُ عُطْلَتِهِمُ الدِّينِيَّةِ.
وَلَيْسَ لِلأَْجِيرِ الْخَاصِّ أَنْ يَعْمَل لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَإِلاَّ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ بِقَدْرِ مَا عَمِل. وَلَوْ عَمِل لِغَيْرِهِ مَجَّانًا أَسْقَطَ رَبُّ الْعَمَل مِنْ أَجْرِهِ بِقَدْرِ قِيمَةِ مَا عَمِل. (٣)
١٠٧ - وَالأَْجِيرُ الْخَاصُّ أَمِينٌ، فَلاَ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالٍ، أَوْ مَا هَلَكَ بِعَمَلِهِ، إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّقْصِيرِ. وَلَهُ الأُْجْرَةُ كَامِلَةً. (٤) أَمَّا أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ لِمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالٍ فَلأَِنَّ الْعَيْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لأَِنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ رَبِّ الْعَمَل، فَلاَ يَضْمَنُ. وَأَمَّا مَا هَلَكَ بِعَمَلِهِ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ تَصِيرُ مَمْلُوكَةً لِلْمُسْتَأْجِرِ، لِكَوْنِهِ يَعْمَل فِي حُضُورِهِ، فَإِذَا أَمَرَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ صَحَّ، وَيَصِيرُ نَائِبًا مَنَابَهُ، وَيَصِيرُ فِعْلُهُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ، كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ. فَلِهَذَا لاَ يَضْمَنُ. (٥) بَل قَال الْمَالِكِيَّةُ: حَتَّى لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، стр. 501
فَهُوَ شَرْطٌ يُنَاقِضُ الْعَقْدَ وَيُفْسِدُ الإِْجَارَةَ. فَإِنْ وَقَعَ الشَّرْطُ فَسَدَتِ الإِْجَارَةُ. فَإِنْ عَمِل فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، زَادَتْ عَلَى الْمُسَمَّى أَوْ نَقَصَتْ. وَإِنْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ قَبْل انْقِضَاءِ الْعَمَل صَحَّتِ الإِْجَارَةُ (١) . وَمِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَال: إِنَّهُ كَالأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ فَيَضْمَنُ، لِقَوْل الشَّافِعِيِّ: الأُْجَرَاءُ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ صِيَانَةً لأَِمْوَال النَّاسِ. وَكَانَ يَقُول: لاَ يُصْلِحُ النَّاسَ إِلاَّ ذَاكَ. (٢)
الإِْجَارَةُ عَلَى الْمَعَاصِي وَالطَّاعَاتِ:
١٠٨ - الإِْجَارَةُ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ كَالزِّنَى وَالنَّوْحِ وَالْغِنَاءِ وَالْمَلاَهِي مُحَرَّمَةٌ وَعَقْدُهَا بَاطِلٌ لاَ يُسْتَحَقُّ بِهِ أُجْرَةٌ.
وَلاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ كَاتِبٍ لِيَكْتُبَ لَهُ غِنَاءً وَنَوْحًا؛ لأَِنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمُحَرَّمٍ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.
وَلاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْل الْخَمْرِ لِمَنْ يَشْرَبُهَا، وَلاَ عَلَى حَمْل الْخِنْزِيرِ. وَبِهَذَا قَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ، لأَِنَّ الْعَمَل لاَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ حَمَل مِثْلَهُ جَازَ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ حَمَل خِنْزِيرًا أَوْ خَمْرًا لِنَصْرَانِيٍّ قَوْلُهُ: إِنِّي أَكْرَهُ أَكْل كِرَائِهِ، وَلَكِنْ يُقْضَى لِلْحَمَّال بِالْكِرَاءِ. وَالْمَذْهَبُ خِلاَفُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ؛ لأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ حَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا حَمْل هَذِهِ الأَْشْيَاءِ لإِِرَاقَتِهَا وَإِتْلاَفِهَا فَجَائِزٌ إِجْمَاعًا (٣) . стр. 502
١٠٩ - وَالأَْصْل أَنَّ كُل طَاعَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا الْمُسْلِمُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا، كَالإِْمَامَةِ وَالأَْذَانِ وَالْحَجِّ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْجِهَادِ. وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ؛ لِمَا رَوَى عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، قَال: إِنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا لاَ يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا. (١) وَمَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، قَال: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْل الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا. قَال: قُلْتُ: قَوْسٌ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، أَتَقَلَّدُهَا فِي سَبِيل اللَّهِ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . فَقَال: إِنْ سَرَّكَ أَنْ يُقَلِّدَكَ اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا (٢) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ الأَْنْصَارِيِّ قَال: " سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلاَ تَغْلُوا فِيهِ وَلاَ تَجْفُوا عَنْهُ وَلاَ تَأْكُلُوا بِهِ وَلاَ تَسْتَكْثِرُوا بِهِ (٣) وَلأَِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ الأَْفْعَال كَوْنَهَا قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَجُزْ стр. 503
أَخْذُ الأَْجْرِ عَلَيْهَا. (١) وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِأَجْرٍ، وَأَنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ثَوَابٌ، وَالآْخِذُ وَالْمُعْطِي آثِمَانِ، وَأَنَّ مَا يَحْدُثُ فِي زَمَانِنَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِأَجْرٍ عِنْدَ الْمَقَابِرِ وَفِي الْمَآتِمِ لاَ يَجُوزُ. وَالإِْجَارَةُ عَلَى مُجَرَّدِ الْقِرَاءَةِ بَاطِلَةٌ، وَأَنَّ الأَْصْل أَنَّ الإِْجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ.
لَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَجَازُوا الإِْجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِهِ اسْتِحْسَانًا (٢) . وَكَذَا مَا يَتَّصِل بِإِقَامَةِ الشَّعَائِرِ كَالإِْمَامَةِ وَالأَْذَانِ لِلْحَاجَةِ.
١١٠ - وَأَجَازَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَخْذَ الأَْجْرِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَال بِهِ أَبُو قِلاَبَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ رَجُلاً بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، (٣) وَجَعَل ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَهْرِ، فَجَازَ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهِ فِي الإِْجَارَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَال: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ. (٤) وَلاَ يَكَادُ يُوجَدُ مُتَبَرِّعٌ بِذَلِكَ، فَيُحْتَاجُ إِلَى بَذْل الأَْجْرِ فِيهِ. وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ الأُْجْرَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِلَحْنٍ؛ لأَِنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَكْرُوهَةٌ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ стр. 504
حَدِّهِ. قَال الصَّاوِيُّ: أَمَّا الإِْجَارَةُ عَلَى أَصْل الْقِرَاءَةِ فَجَائِزٌ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَالاِسْتِئْجَارِ عَلَى ذَلِكَ (١) .
١١١ - وَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا أَخْذَ الأُْجْرَةِ عَلَى الإِْمَامَةِ. كَمَا أَجَازُوا لِلْمُفْتِي أَخْذَ الأَْجْرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ. وَقَالُوا: يَجُوزُ الإِْجَارَةُ لِلْمَنْدُوبَاتِ وَفُرُوضِ الْكِفَايَةِ. وَكَذَلِكَ أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ أَخْذَ الأُْجْرَةِ عَلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَنِ الْغَيْرِ مَعَ التَّعْيِينِ (٢) .
كَمَا أَجَازُوا لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْكَافِرَ لِلْجِهَادِ. أَمَّا الْمُسْلِمُ، وَلَوْ صَبِيًّا، فَلاَ تَصِحُّ إِجَارَتُهُ لِلْجِهَادِ، لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ. (٣)
١١٢ - وَرَبُّ الْعَمَل مُلْتَزِمٌ بِالْوَفَاءِ بِأَجْرِ الْعَامِل بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ قَبْل، وَإِنْ لَمْ يَعْمَل، وَبِشَرْطِ أَلاَّ يَمْتَنِعَ عَمَّا يُطْلَبُ مِنْهُ مِنْ عَمَلٍ. فَإِنِ امْتَنَعَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلاَ يَسْتَحِقُّ الأَْجْرَ، بِغَيْرِ خِلاَفٍ فِي هَذَا. (٤)
١١٣ - وَالْعَطِيَّةُ الَّتِي تُقَدَّمُ لِلأَْجِيرِ مِنَ الْخَارِجِ لاَ تُحْسَبُ مِنَ الأُْجْرَةِ. وَلَوْ قَال شَخْصٌ لآِخَرَ: اعْمَل هَذَا الْعَمَل أُكْرِمْكَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ مَا يُكْرِمُهُ بِهِ، فَعَمِل مَا طَلَبَ مِنْهُ اسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْل، (٥) لأَِنَّهَا إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ، لِجَهَالَةِ الأَْجْرِ. стр. 505
١١٤ - وَالأَْصْل أَنْ يَكُونَ الأَْجْرُ مَعْلُومًا، فَإِذَا مَا تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الأَْجْرُ هُنَا طَعَامَ الأَْجِيرِ وَكِسْوَتَهُ. أَوْ جَعَل لَهُ أَجْرًا وَشَرَطَ طَعَامَهُ وَكِسْوَتَهُ، فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةَ اتِّجَاهَاتٍ:
فَالْمَالِكِيَّةُ، وَالرِّوَايَةُ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجُوزُ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ قَال: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ ﴿طسم﴾ سُورَةَ الْقَصَصِ، حَتَّى بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى، قَال: إِنَّ مُوسَى آجَرَ نَفْسَهُ عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ (١) وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَال: كُنْتُ أَجِيرًا لاِبْنَةِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي وَعَقَبَةِ رِجْلِي، أَحْطِبُ لَهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَأَحْدُو بِهِمْ إِذَا رَكِبُوا (٢) وَلأَِنَّ جَوَازَ ذَلِكَ ثَبَتَ فِي الظِّئْرِ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣) فَيَثْبُتُ فِي غَيْرِهَا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا، وَلأَِنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَةٍ فَقَامَ الْعُرْفُ فِيهِ مَقَامَ التَّسْمِيَةِ، وَإِنْ تَشَاحَّا فِي مِقْدَارِ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ رُجِعَ فِي الْقُوتِ إِلَى الإِْطْعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَفِي الْكِسْوَةِ إِلَى أَقَل مَلْبُوسِ стр. 506
مِثْلِهِ، أَوْ يُحَكَّمُ الْعُرْفُ. وَإِنِ اشْتَرَطَ الأَْجِيرُ كِسْوَةً وَنَفَقَةً مَعْلُومَةً مَوْصُوفَةً جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمِيعِ. (١)
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا الْقَاضِي، أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ جَهَالَةٍ بِالأَْجْرِ. وَاسْتَثْنَوْا إِجَارَةَ الظِّئْرِ؛ لأَِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِإِكْرَامِ الظِّئْرِ (٢) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، عَدَمَ جَوَازِ ذَلِكَ مُطْلَقًا فِي الظِّئْرِ وَغَيْرِهَا؛ لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا مُتَبَايِنًا فَيَكُونُ مَجْهُولاً، وَمِنْ شَرْطِ الأَْجْرِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا. (٣)
انْقِضَاءُ إِجَارَةِ الأَْجِيرِ الْخَاصِّ:
١١٥ - تَنْقَضِي إِجَارَةُ الأَْجِيرِ الْخَاصِّ بِالأَْسْبَابِ الْعَامَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَإِذَا أَكْرَى الأَْجِيرُ نَفْسَهُ، فَهَرَبَ، فَإِنْ كَانَتِ الإِْجَارَةُ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ اسْتُؤْجِرَ بَدَلُهُ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ أَوِ الاِنْتِظَارُ، وَذَلِكَ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ سَيَّارَةً بِسَائِقِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَ السَّائِقَ، أَوْ جِمَالاً بِقَائِدِهَا دُونَ تَعْيِينٍ، فَهَرَبَ السَّائِقُ أَوِ الْقَائِدُ، فَإِنِ انْتَظَرَ فَإِنَّ الإِْجَارَةَ تَنْفَسِخُ عَنْ كُل يَوْمٍ يَمْضِي؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ تَتْلَفُ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ.
وَإِنْ كَانَتِ الإِْجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَنْفَسِخْ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إِذَا وَجَدَهُ. (٤) стр. 507
إِجَارَةُ الظِّئْرِ (الْمُرْضِعِ) :
١١٦ - إِجَارَةُ الظِّئْرِ وَرَدَ بِهَا الشَّرْعُ كَمَا سَبَقَ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ. وَتَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ هُنَا، فَقِيل: إِنَّ الْعَقْدَ يَنْصَبُّ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَهِيَ خِدْمَتُهَا لِلصَّبِيِّ، وَالْقِيَامُ بِهِ. وَاللَّبَنُ يُسْتَحَقُّ عَنْ طَرِيقِ التَّبَعِ، بِمَنْزِلَةِ الصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ؛ لأَِنَّ اللَّبَنَ عَيْنٌ فَلاَ يُعْقَدُ عَلَيْهِ فِي الإِْجَارَةِ. وَقِيل: إِنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ عَلَى اللَّبَنِ أَصْلاً، وَالْخِدْمَةُ تَبَعٌ، فَلَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ شَاةٍ لاَ تَسْتَحِقُّ الأَْجْرَ، وَلَوْ أَرْضَعَتْهُ دُونَ أَنْ تَخْدُمَهُ اسْتَحَقَّتِ الأُْجْرَةَ. وَلَوْ خَدَمَتْهُ بِدُونِ الرَّضَاعِ لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا. وَأَمَّا كَوْنُهُ عَيْنًا فَإِنَّ الْعَقْدَ مُرَخَّصٌ فِيهِ فِي الإِْجَارَةِ لِلضَّرُورَةِ لِحِفْظِ الآْدَمِيِّ. وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا بِالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ إِذَا تَحَدَّدَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ وَبُيِّنَ، اتِّفَاقًا. جَاءَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " فَإِنْ سَمَّى الطَّعَامَ وَوَصَفَ جِنْسَ الْكِسْوَةِ وَأَجَلَهَا وَذَرْعَهَا، فَهُوَ جَائِزٌ بِالإِْجْمَاعِ ". أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَحَدَّدْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى مَا سَبَقَ ". (١)
١١٧ - وَعَلَى الْمُرْضِعَةِ أَنْ تَأْكُل وَتَشْرَبَ مَا يَدِرُّ لَبَنَهَا وَيَصْلُحُ بِهِ. وَلِلْمُكْتَرِي مُطَالَبَتُهَا بِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ تَمَامِ التَّمْكِينِ مِنَ الإِْرْضَاعِ، وَفِي تَرْكِهِ إِضْرَارٌ بِالرَّضِيعِ. وَإِنْ دَفَعَتْهُ إِلَى خَادِمَتِهَا فَأَرْضَعَتْهُ فَلاَ أَجْرَ لَهَا. وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ. وَقَال أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَهَا أَجْرُهَا. لأَِنَّ رَضَاعَهُ حَصَل بِفِعْلِهَا. وَعَلَيْهَا أَنْ تَقُومَ بِشُئُونِ الرَّضِيعِ مِنْ تَنْظِيفِهِ وَغَسْل ثِيَابِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الإِْجَارَةِ هُوَ الْخِدْمَةُ، وَتُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ. وَيَتَّفِقُ مَعَهُمْ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ إِنِ اشْتُرِطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ، أَوْ جَرَى стр. 508
الْعُرْفُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الأَْصْل عِنْدَ مَالِكٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الأَْبِ؛ لأَِنَّ الْحَضَانَةَ وَالرَّضَاعَةَ مَنْفَعَتَانِ مَقْصُودَتَانِ تَنْفَرِدُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأُْخْرَى، فَلاَ يَلْزَمُ مِنَ الْعَقْدِ عَلَى الإِْرْضَاعِ دُخُول الْحَضَانَةِ. (١)
١١٨ - وَلاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ بِدُونِ إِذْنِ زَوْجِهَا. وَلَهُ حَقُّ فَسْخِ الإِْجَارَةِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، صِيَانَةً لِحَقِّهِ. وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَهَا عِنْدَهُ لاِسْتِيفَاءِ حَقِّهِ الشَّرْعِيِّ مِنْهَا. وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَإِذَا حَبِلَتْ حُقَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الإِْجَارَةِ إِنْ خَشِيَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ لَبَنِهَا بَعْدَ الْحَبَل.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْنَعَ الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا مَا دَامَ قَدْ أَذِنَ لَهَا فِي الإِْرْضَاعِ؛ لأَِنَّ ضَرَرَ الطِّفْل بِسَبَبِهِ مُحْتَمَلٌ.
١١٩ - وَلَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ الْمَعْقُودُ عَلَى إِرْضَاعِهِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ، فَلاَ يُمْكِنُ إِقَامَةُ غَيْرِ الصَّبِيِّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مُقَامَهُ لاِخْتِلاَفِ الصِّبْيَةِ فِي الرَّضَاعَةِ. وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَال: لاَ يَنْفَسِخُ؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ بَاقِيَةٌ، وَإِنَّمَا هَلَكَ الْمُسْتَوْفِي، فَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَى إِرْضَاعِ صَبِيٍّ آخَرَ جَازَ. وَلِلظِّئْرِ حَقُّ الْفَسْخِ إِنْ مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ " وَلِيُّ الطِّفْل " وَكَانَتْ لَمْ تَقْبِضِ الأُْجْرَةَ مِنْهُ قَبْل مَوْتِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ مَالاً تَسْتَوْفِي أَجْرَهَا مِنْهُ، وَلاَ مَال لِلْوَلَدِ وَلَمْ يَتَطَوَّعْ أَحَدٌ بِالأُْجْرَةِ.
وَيُصَرِّحُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الإِْجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُرْضِعَةِ لِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ بِهَلاَكِ مَحَلِّهَا. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي стр. 509
بَكْرٍ أَنَّهَا لاَ تَنْفَسِخُ، وَيَجِبُ فِي مَالِهَا أَجْرُ مَنْ تُرْضِعُهُ تَمَامَ الْوَقْتِ إِنْ كَانَتْ قَدْ عَجَّلَتْ لَهَا الأُْجْرَةَ؛ لأَِنَّهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهَا. (١)
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْعَقْدَ لاَ يَصِحُّ حَتَّى يُعْرَفَ الصَّبِيُّ الَّذِي عُقِدَ عَلَى إِرْضَاعِهِ؛ لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ الرَّضَاعُ بِاخْتِلاَفِهِ، وَلاَ يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالتَّعْيِينِ. كَمَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَوْضِعِ الرَّضَاعِ. وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ التَّصْرِيحَ بِمَعْرِفَةِ الْعِوَضِ وَمُدَّةِ الرَّضَاعَةِ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا. (٢)
إِجَارَةُ الْعَامِلِينَ فِي الدَّوْلَةِ:
١٢٠ - عَالَجَ الْفُقَهَاءُ قَدِيمًا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاعْتَبَرُوا بَعْضَ الْوَظَائِفِ مِمَّا تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ مِمَّا لاَ يَتَّصِل بِالْقُرُبَاتِ، وَلاَ تُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ، كَتَنْفِيذِ الْحُدُودِ، وَالْكِتَابَةِ فِي الدَّوَاوِينِ، وَجِبَايَةِ الأَْمْوَال، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَؤُلاَءِ يُطَبَّقُ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الأَْجِيرِ الْخَاصِّ فِي أَكْثَرِ الأَْقْوَال وَفِي أَكْثَرِ الأَْحْوَال. وَقَالُوا: إِنَّ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يُنْهِيَ الإِْجَارَةَ مَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ لأَِحَدِ هَؤُلاَءِ أَنْ يَسْتَقِيل بِاخْتِيَارِهِ.
١٢١ - وَهُنَاكَ وَظَائِفُ أُخْرَى، كَوَظَائِفِ الْوُلاَةِ وَالْقُضَاةِ، وَكُل مَنْ يَقُومُ بِعَمَلٍ فِيهِ قُرْبَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، فَمُرَتَّبَاتُهُمْ مِنْ قَبِيل الأَْرْزَاقِ لاَ مِنْ قَبِيل الأُْجْرَةِ، لِدَفْعِ الْحَاجَةِ، وَهُمْ غَيْرُ مُقَيَّدِينَ بِوَقْتٍ. стр. 510
وَقَدْ تَقَدَّمَ رَأْيُ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ أَوْ عَدَمِ جَوَازِ الاِسْتِئْجَارِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ وَالأَْذَانِ وَالإِْمَامَةِ وَغَيْرِهَا. هَذَا حَاصِل مَا أَوْرَدَهُ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (١) .
الْمَطْلَبُ الثَّانِي
ثَانِيًا - الأَْجِيرُ الْمُشْتَرَكُ
١٢٢ - الأَْجِيرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ الَّذِي يَعْمَل لِلْمُؤَجِّرِ وَلِغَيْرِهِ، كَالْبَنَّاءِ الَّذِي يَبْنِي لِكُل أَحَدٍ، وَالْمَلاَّحِ الَّذِي يَحْمِل لِكُل أَحَدٍ. وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا (٢) .
١٢٣ - وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الأَْجِيرَ الْمُشْتَرَكَ عَقْدُهُ يَقَعُ عَلَى الْعَمَل، وَلاَ تَصِحُّ إِجَارَتُهُ إِلاَّ بِبَيَانِ نَوْعِ الْعَمَل أَوَّلاً. وَلاَ يَمْنَعُ هَذَا مِنْ ذِكْرِ الْمُدَّةِ أَيْضًا. فَإِنْ قَال لِلرَّاعِي: تَرْعَى غَنَمِي مُدَّةَ شَهْرٍ، كَانَ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا، إِلاَّ إِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ عَدَمَ الرَّعْيِ لِغَيْرِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي. стр. 511
١٢٤ - وَلاَ مَانِعَ مِنْ أَنْ يُؤَجِّرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ مِنْ ذِمِّيٍّ إِجَارَةً مُشْتَرَكَةً، كَأَنْ يَكُونَ طَبِيبًا أَوْ خَيَّاطًا أَوْ مُعَلِّمًا. فَيُقَدِّمُ عَمَلَهُ لِمَنْ يَطْلُبُهُ مِنْهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُخْرِجُهُ إِلَى حَدِّ التَّبَعِيَّةِ وَالْخُضُوعِ لَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِذْلاَلٌ.
١٢٥ - وَالأَْصْل أَنْ يَكُونَ الْعَمَل مِنَ الصَّانِعِ - الأَْجِيرِ - وَالْعَيْنُ مِنْ صَاحِبِ الْعَمَل. غَيْرَ أَنَّ الْعُرْفَ جَرَى عَلَى أَنْ يُقَدِّمَ الأَْجِيرُ الْمُشْتَرَكُ الْخَيْطَ مِنْ عِنْدِهِ فِي الْخِيَاطَةِ، وَالصِّبْغَ مِنْ عِنْدِهِ فِي الصِّبَاغَةِ، مِمَّا يُعْتَبَرُ تَابِعًا لِلصَّنْعَةِ، وَلاَ يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ عَقْدَ إِجَارَةٍ إِلَى عَقْدِ اسْتِصْنَاعٍ. (١)
١٢٦ - وَقَدْ يَتِمُّ الْعَقْدُ مَعَ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِالتَّعَاطِي - مَعَ مُرَاعَاةِ خِلاَفِ الشَّافِعِيَّةِ السَّابِقِ فِي عُقُودِ الْمُعَاطَاةِ - كَمَا فِي الرُّكُوبِ فِي سَيَّارَاتِ النَّقْل الْعَامِّ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ وَاحِدًا، أَوْ جَمَاعَةً كَالْحُكُومَةِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ وَالشَّرِكَاتِ.
١٢٧ - وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهَا مُحَدَّدَةً مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ. وَقَدْ تُحَدَّدُ بِتَحْدِيدِ مَحَلِّهَا، وَيَكُونُ لِلأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فِي كُل عَمَلٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمَحَل كَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَيَكُونُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فِي إِجَارَةِ الأَْعْيَانِ عُمُومًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٢)
وَقَدْ تُحَدَّدُ الْمَنْفَعَةُ بِتَحْدِيدِ الْمُدَّةِ وَحْدَهَا، كَمَا تُحَدَّدُ بِتَحْدِيدِ الْعَمَل، كَإِجَارَةِ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ стр. 512
وَقَدْ تَتَحَدَّدُ بِالْعَمَل وَالْمُدَّةِ مَعًا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا تَسَاوَى الزَّمَنُ وَالْعَمَل، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَوَّلاً هُوَ الْعَمَل وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْعَقْدِ، وَذِكْرُ الْمُدَّةِ لِمُجَرَّدِ التَّعْجِيل. وَإِنْ أَوْفَى الشَّرْطَ اسْتَحَقَّ الأَْجْرَ الْمُسَمَّى وَإِلاَّ اسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْل بِشَرْطِ أَلاَّ يَتَجَاوَزَ الأَْجْرُ الْمُسَمَّى. (١)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ - وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى فَسَادِ هَذَا الْعَقْدِ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْجَهَالَةِ وَالتَّعَارُضِ؛ لأَِنَّ ذِكْرَ الْمُدَّةِ يَجْعَلُهُ أَجِيرًا خَاصًّا، وَالْعَقْدُ عَلَى الْعَمَل يَجْعَلُهُ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا وَهُمَا مُتَعَارِضَانِ، وَيُؤَدِّي ذَلِكَ لِلْجَهَالَةِ. (٢)
١٢٨ - وَالإِْجَارَةُ عَلَى الْمَعَاصِي بَاطِلَةٌ اتِّفَاقًا مَعَ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْجِيرِ الْخَاصِّ. وَكَذَلِكَ يَسْرِي مَا سَبَقَ هُنَاكَ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْجَارَةِ عَلَى بَعْضِ الطَّاعَاتِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ الإِْجَارَةِ عَلَى غُسْل الْمَيِّتِ وَحَمْلِهِ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِجَوَازِ الإِْجَارَةِ عَلَى ذَبْحِ الأُْضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ وَتَفْرِيقِ الصَّدَقَاتِ وَإِعْطَاءِ الشَّاهِدِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْوُصُول إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ.
وَمَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ اسْتِئْجَارَ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالْكَافِرِ لِكَنْسِ الْمَسْجِدِ وَاعْتَبَرُوهُ مِنَ الإِْجَارَةِ عَلَى الْمَعَاصِي. وَفِي стр. 513
كُتُبِ الْمَذَاهِبِ الْعَدِيدُ مِنَ الصُّوَرِ. (١) وَهِيَ فِي جُمْلَتِهَا تَرْجِعُ إِلَى حُرْمَةِ الاِسْتِئْجَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُحَرَّمَةً لِذَاتِهَا أَمْ لِغَيْرِهَا. أَمَّا مَنْ أَجَازَ الاِسْتِئْجَارَ عَلَى الطَّاعَاتِ فَيَرَى أَنَّ إِبَاحَةَ مِثْل هَذِهِ الْعُقُودِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا.
١٢٩ - وَمِمَّا يَتَّصِل بِذَلِكَ اسْتِئْجَارُ الْمُصْحَفِ لِلتِّلاَوَةِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ إِجَارَتِهِ إِجْلاَلاً لِكَلاَمِ اللَّهِ عَنِ الْمُعَاوَضَةِ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، ذَلِكَ لأَِنَّهُ انْتِفَاعٌ مُبَاحٌ تَجُوزُ الإِْجَارَةُ مِنْ أَجْلِهِ فَجَازَتْ فِيهِ الإِْجَارَةُ كَسَائِرِ الْكُتُبِ. غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنَّهُ لاَ يَتَّفِقُ مَعَ مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ. (٢)
الْتِزَامَاتُ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ:
١٣٠ - يَلْتَزِمُ الأَْجِيرُ الْمُشْتَرَكُ بِإِنْجَازِ الْعَمَل الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ، وَكُل مَا كَانَ مِنْ تَوَابِعِ ذَلِكَ الْعَمَل لَزِمَ الأَْجِيرَ حَسَبَ الْعُرْفِ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ غَيْرُ ذَلِكَ. فَمَنْ تَعَاقَدَ مَعَ خَيَّاطٍ لِيَخِيطَ لَهُ ثَوْبًا فَالْخَيْطُ وَالإِْبْرَةُ عَلَى الْخَيَّاطِ، كَمَا هُوَ الْعُرْفُ (٣) ، إِلاَّ إِذَا كَانَ стр. 514
هُنَاكَ شَرْطٌ أَوْ تَغَيَّرَ الْعُرْفُ.
١٣١ - وَإِذَا شَرَطَ الْمُكْتَرِي عَلَى الأَْجِيرِ أَنْ يَعْمَل بِنَفْسِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ لأَِنَّ الْعَامِل تَعَيَّنَ بِالشَّرْطِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُهُ لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَمَلٌ فِي الذِّمَّةِ إِلاَّ إِنْ كَانَ الْعَمَل لاَ يَقُومُ فِيهِ غَيْرُهُ مَقَامَهُ كَالنَّسْخِ لأَِنَّ الْغَرَضَ لاَ يَحْصُل مِنْ غَيْرِهِ كَحُصُولِهِ مِنْهُ. وَكَذَا كُل مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْعَامِل، مَعَ مُلاَحَظَةِ أَنَّ الصَّانِعَ إِذَا مَا اسْتَعَانَ بِتِلْمِيذِهِ كَانَ عَمَل التِّلْمِيذِ - الْمُسَاعِدِ - مُضَافًا إِلَى أُسْتَاذِهِ الأَْجِيرِ الَّذِي تَمَّ مَعَهُ التَّعَاقُدُ. (١)
١٣٢ - وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الأَْجِيرَ يَلْتَزِمُ بِتَسْلِيمِ الْعَمَل، فَإِذَا كَانَ الْعَمَل فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ كَأَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلاً لِيَبْنِيَ لَهُ جِدَارًا أَوْ دَارًا أَوْ يَحْفِرَ لَهُ قَنَاةً أَوْ بِئْرًا، فَكُلَّمَا أَتَمَّ مِنْهُ قَدْرًا حُقَّ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ أَجْرٍ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ تَحَقَّقَ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَمَل لَيْسَ فِي حَوْزَةِ رَبِّ الْعَمَل فَلَيْسَ مِنْ حَقِّ الأَْجِيرِ الْمُطَالَبَةُ بِالأُْجْرَةِ قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل وَتَسْلِيمِهِ لِلْمُكْتَرِي، لِتَوَقُّفِ وُجُوبِ الأَْجْرِ عَلَى ذَلِكَ. فَالْقَصَّارُ وَالصَّبَّاغُ وَالنَّسَّاجُ وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ فِي حَوَانِيتِهِمْ أَوْ دُورِهِمُ الْخَاصَّةِ لاَ يَسْتَحِقُّونَ الأَْجْرَ إِلاَّ بِرَدِّ الْعَمَل إِلاَّ إِذَا اشْتَرَطَ التَّعْجِيل أَوْ عَجَّل بِالْفِعْل (٢) .
تَضْمِينُ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ:
١٣٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْجِيرَ الْمُشْتَرَكَ إِذَا تَلِفَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ بِتَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ جَسِيمٍ: يَضْمَنُ. أَمَّا إِذَا تَلِفَ بِغَيْرِ هَذَيْنِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فِي الْمَذَاهِبِ: فَالصَّاحِبَانِ (أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) وَالْحَنَابِلَةُ стр. 515
اعْتَبَرُوا التَّلَفَ بِفِعْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ بِتَقْصِيرٍ أَوْ دُونِهِ، مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، تَابَعُوا فِي ذَلِكَ عُمَرَ وَعَلِيًّا، حِفْظًا لأَِمْوَال النَّاسِ. وَمِثْل ذَلِكَ إِذَا كَانَ التَّلَفُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ. وَكَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ دَفْعُهُ كَالسَّرِقَةِ الْعَادِيَّةِ وَالْحَرِيقِ الْعَادِيِّ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ. وَمُتَقَدِّمُو الْمَالِكِيَّةِ وَزُفَرُ ذَهَبُوا إِلَى عَدَمِ التَّضْمِينِ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا. (١)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى الضَّمَانِ إِذَا كَانَ التَّلَفُ بِفِعْلِهِ، أَوْ بِفِعْل تِلْمِيذِهِ، سَوَاءٌ قَصَدَ أَوْ لاَ؛ لأَِنَّهُ مُضَافٌ إِلَى فِعْلِهِ، وَهُوَ لَمْ يُؤْمَرْ إِلاَّ بِعَمَلٍ فِيهِ صَلاَحٌ، وَعَمَل التِّلْمِيذِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِلَى عَدَمِ الضَّمَانِ، إِذَا كَانَ بِفِعْل غَيْرِهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى تَضْمِينِ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال.
١٣٤ - وَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ هَلَكَتْ بَعْدَ الْعَمَل فَالْمُكْتَرِي بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَعْمُولاً، وَيَحُطُّ الأُْجْرَةَ مِنَ الضَّمَانِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ. وَإِنْ كَانَ الْهَلاَكُ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ حَصَل قَبْل الْعَمَل ضَمِنَ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ. وَهُوَ لَمْ يَعْمَل شَيْئًا يَسْتَحِقُّ أَجْرًا عَلَيْهِ. وَهَذَا مَا اتَّجَهَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ. (٢) стр. 516
وَكَذَلِكَ إِذَا هَلَكَتِ الْعَيْنُ هَلاَكًا لاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ فَإِنَّ الأَْجِيرَ الْمُشْتَرَكَ لاَ يَسْتَحِقُّ أَجْرًا لأَِنَّ الأَْجْرَ يُسْتَحَقُّ بِالتَّسْلِيمِ بَعْدَ الْفَرَاغِ.
الْوَقْتُ الْمُعْتَبَرُ لِتَقْدِيرِ الضَّمَانِ:
١٣٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي تَقْدِيرِ الضَّمَانِ هُوَ يَوْمُ حُصُول سَبَبِ الضَّمَانِ، وَهُوَ التَّلَفُ أَوِ التَّعَدِّي.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: تُقَدَّرُ قِيمَتُهَا بِيَوْمِ تَسْلِيمِهَا إِلَى الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، لاَ يَوْمِ التَّلَفِ وَلاَ يَوْمِ الْحُكْمِ. (١) وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْقِيمَةَ تُعْتَبَرُ أَكْثَر مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إِلَى حِينِ التَّلَفِ، كَالْغَاصِبِ. وَأَمَّا إِنْ قِيل بِعَدَمِ الضَّمَانِ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي فَتُقَدَّرُ الْقِيمَةُ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ التَّعَدِّي إِلَى حِينِ التَّلَفِ لأَِنَّ الضَّمَانَ بِالتَّعَدِّي. (٢)
١٣٦ - وَلاَ يَجُوزُ لِرَبِّ الْعَمَل أَنْ يَشْتَرِطَ الضَّمَانَ عَلَى الأَْجِيرِ فِيمَا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ فِي الأَْمَانَةِ بَاطِلٌ، لِمُنَافَاتِهِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ. وَكَذَا لاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ نَفْيِ الضَّمَانِ عَنِ الأَْجِيرِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ عَلَيْهِ الضَّمَانُ. وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهَذَا الاِشْتِرَاطِ لِمُنَافَاتِهِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ. وَلِلصَّانِعِ أَجْرُ الْمِثْل، لاَ الْمُسَمَّى؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِهِ لإِِسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْهُ. هَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (٣) стр. 517
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَجْهٌ آخَرُ. فَقَدْ سُئِل أَحْمَدُ عَنِ اشْتِرَاطِ الضَّمَانِ وَنَفْيِهِ، فَقَال: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا يَدُل عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ، وَوُجُوبِهِ بِشَرْطِهِ. (١)
الْتِزَامَاتُ رَبِّ الْعَمَل إِزَاءَ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ:
١٣٧ - يَلْزَمُ الآْجِرَ أَنْ يُسَلِّمَ الْعَيْنَ الْمُرَادَ إِجْرَاءُ الْعَمَل عَلَيْهَا لِلأَْجِيرِ فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوطِ الْمَلْفُوظِ أَوِ الْمَلْحُوظِ، إِذْ لاَ يَتَحَقَّقُ التَّمْكِينُ إِلاَّ بِذَلِكَ. وَفِي تَسْلِيمِ التَّوَابِعِ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَا شَرْطٌ، عَلَى مَا ذُكِرَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْتِزَامَاتِ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ.
١٣٨ - وَيَلْتَزِمُ الْمُسْتَأْجِرُ بِدَفْعِ الأُْجْرَةِ لِلأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَمَل وَتَسَلُّمِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ بِالتَّعْجِيل أَوْ بِالتَّأْجِيل، وَمَا لَمْ يَكُنِ الْعَمَل الْمَأْجُورُ فِيهِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ، كَالْحَمَّال وَالسِّمْسَارِ وَنَحْوِهِمَا؛ إِذْ لاَ يَتَوَقَّفُ الأَْجْرُ فِيهَا عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلَوْ هَلَكَ الْمَحْمُول عَنْ رَأْسِ الْحَمَّال قَبْل تَسْلِيمِهِ، أَوْ هَلَكَ الشَّيْءُ الَّذِي طُلِبَ مِنَ السِّمْسَارِ بَيْعُهُ أَوْ شِرَاؤُهُ، اسْتَحَقَّ أُجْرَةً بِمَا عَمِل. أَمَّا مَا كَانَ لِلْعَمَل أَثَرٌ فِيهِ، كَالثَّوْبِ الْمَطْلُوبِ صَبْغُهُ، فَإِنَّهُ لاَ أَجْرَ لَهُ إِلاَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل وَتَسْلِيمِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَرْطٌ مُخَالِفٌ، فَلَوْ هَلَكَ الثَّوْبُ قَبْل التَّسْلِيمِ سَقَطَ الأَْجْرُ. هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانَ يَعْمَلُهُ بَعِيدًا عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ. أَمَّا إِنْ كَانَ الأَْجِيرُ يَعْمَل فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ стр. 518
تَحْتَ يَدِهِ، فَقِيل: إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الأَْجْرَ بِحِسَابِ مَا عَمِل. وَقِيل: لاَ يَسْتَحِقُّهُ إِلاَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل، (١) عَلَى مَا سَبَقَ فِي بَحْثِ الأُْجْرَةِ.
وَتَنْقَضِي إِجَارَةُ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِإِتْمَامِ الْعَمَل وَتَسْلِيمِهِ، كَمَا تَنْقَضِي بِهَلاَكِ الْعَيْنِ مَحَل الْعَمَل، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْل فِي انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ بِوَجْهٍ عَامٍّ وَمَا فِيهَا مِنْ تَفْصِيلٍ.
أَنْوَاعٌ مِنَ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ:
إِجَارَةُ الْحَجَّامِ وَالطَّبِيبِ وَتَضْمِينُهُمَا:
١٣٩ - الْحِجَامَةُ جَائِزَةٌ اتِّفَاقًا. وَفِي أَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَيْهَا ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ لِتَعَارُضِ الآْثَارِ؛ فَقَال الْبَعْضُ: إِنَّهُ مُبَاحٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، (٢) لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرًا. فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: احْتَجَمَ النَّبِيُّ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ لَمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ الرَّسُول ﷺ .
وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ مُسْنَدًا إِلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مِنْ أَنَّ الرَّسُول ﵊ قَال: كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَال لَهُ رَجُلٌ: إِنَّ لِي عِيَالاً وَغُلاَمًا حَجَّامًا، أَفَأُطْعِمُ عِيَالِي مِنْ كَسْبِهِ؟ قَال: نَعَمْ وَقَال الأَْتْقَانِيُّ: إِنَّ стр. 519
حَدِيثَ النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ مِنْ طَرِيقِ الْمُرُوءَةِ.
الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ حَرَامٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ قَال: مِنَ السُّحْتِ كَسْبُ الْحَجَّامِ وَبَعْدَ أَنْ عَرَضَتْ كُتُبُ الْفِقْهِ أَدِلَّةَ كُل اتِّجَاهٍ، وَنَاقَشَتْهَا بِمَا يُنْتِجُ عَدَمَ التَّحْرِيمِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ بِالتَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْل كَسْبِ الْحَجَّامِ. وَيُكْرَهُ تَعَلُّمُ صِنَاعَةِ الْحِجَامَةِ، وَإِجَارَةُ نَفْسِهِ لَهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ دَنَاءَةٍ. (١)
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَإِنْ شَرَطَ الْحَجَّامُ شَيْئًا عَلَى الْحِجَامَةِ كُرِهَ. (٢)
١٤٠ - وَإِذَا مَا اسْتَأْجَرَ شَخْصٌ حَجَّامًا، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَلاَّ يَفْعَل، فَلَهُ حَقُّ الْفَسْخِ لأَِنَّ فِيهِ اسْتِهْلاَكَ مَالٍ أَوْ غُرْمًا أَوْ ضَرَرًا. (٣)
ضَمَانُ الْحَجَّامِ:
١٤١ - لاَ ضَمَانَ عَلَى الْحَجَّامِ إِلاَّ إِذَا جَاوَزَ الْمُعْتَادَ. فَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْهُ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ ضَرَرَ الْحِجَامَةِ يَنْبَنِي عَلَى قُوَّةِ الطَّبْعِ وَضَعْفِهِ وَلاَ يَعْرِفُ الْحَجَّامُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا يَتَحَمَّل الْمَحْجُومُ مِنَ الْجَرْحِ، فَلاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ السَّلاَمَةِ، فَيَسْقُطُ الضَّمَانُ. (٤)
وَفِي الْمُغْنِي: لاَ ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ وَلاَ خَتَّانٍ وَلاَ стр. 520
طَبِيبٍ إِذَا تَوَافَرَ أَنَّهُمْ ذَوُو حِذْقٍ فِي صِنَاعَتِهِمْ وَأَلاَّ يَتَجَاوَزُوا مَا يَنْبَغِي عَمَلُهُ. فَإِنْ تَحَقَّقَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ فَلاَ ضَمَانَ؛ لأَِنَّ فِعْلَهُمْ مَأْذُونٌ فِيهِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ الْحَجَّامُ وَنَحْوُهُ حَاذِقًا وَتَجَاوَزَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ حَاذِقًا، ضَمِنَ، لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ لاَ يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَأَشْبَهَ إِتْلاَفَ الْمَال، وَلأَِنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ فَيَضْمَنُ سِرَايَتَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا.
١٤٢ - وَاسْتِئْجَارُ الْحَجَّامِ لِغَيْرِ الْحِجَامَةِ كَالْفَصْدِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ وَتَقْصِيرِهِ وَالْخِتَانِ وَقَطْعِ شَيْءٍ مِنَ الْجَسَدِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، جَائِزٌ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهَا، وَلاَ تَحْرُمُ فِيهَا، فَجَازَتِ الإِْجَارَةُ فِيهَا وَأَخْذُ الأَْجْرِ عَلَيْهَا. (١)
١٤٣ - وَاسْتِئْجَارُ الطَّبِيبِ لِلْعِلاَجِ جَائِزٌ، وَأَخْذُهُ أَجْرًا عَلَى ذَلِكَ مُبَاحٌ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ خَطَؤُهُ نَادِرًا كَمَا يُصَرِّحُ الشَّافِعِيَّةُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، وَيَضْمَنُ. وَقَالُوا: إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْمُدَاوَاةِ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْعَمَل وَالزَّمَنِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ، وَهُوَ مَا أَخَذَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ: يُقَدَّرُ الاِسْتِئْجَارُ لِلْمُدَاوَاةِ بِالْمُدَّةِ دُونَ الْبُرْءِ، إِذِ الْبُرْءُ غَيْرُ مَعْلُومٍ. فَإِنْ دَاوَاهُ الْمُدَّةَ وَلَمْ يَبْرَأِ اسْتَحَقَّ الأَْجْرَ؛ لأَِنَّهُ وَفَّى الْعَمَل. وَإِنْ بَرِئَ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ مَاتَ، انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ، وَيَسْتَحِقُّ مِنَ الأَْجْرِ بِالْقِسْطِ. وَعِنْدَ الإِْمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ أَجْرًا حَتَّى يَبْرَأَ. وَلَمْ يَحْكِ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ. стр. 521
١٤٤ - وَإِنِ امْتَنَعَ الْمَرِيضُ مِنَ الْعِلاَجِ مَعَ بَقَاءِ الْمَرَضِ اسْتَحَقَّ الطَّبِيبُ الأَْجْرَ مَا دَامَ قَدْ سَلَّمَ نَفْسَهُ وَمَضَى زَمَنُ الْمُعَالَجَةِ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ عَقْدٌ لاَزِمٌ، وَقَدْ بَذَل الأَْجِيرُ مَا عَلَيْهِ. وَيَمْلِكُ الطَّبِيبُ الأُْجْرَةَ مَا دَامَ قَدْ قَامَ بِالْمُعْتَادِ.
١٤٥ - وَلاَ تَجُوزُ مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ. وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُوسَى الْجَوَازَ، وَقَال: إِنَّهُ الصَّحِيحُ، لَكِنْ يَكُونُ جِعَالَةً لاَ إِجَارَةً، إِذِ الإِْجَارَةُ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ مُدَّةٍ أَوْ عَمَلٍ مَعْلُومٍ. وَقَال: إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ حِينَ رَقَى الرَّجُل شَارَطَهُ عَلَى الْبُرْءِ. (١) وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ، فَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ. لَوْ شَارَطَهُ طَبِيبٌ عَلَى الْبُرْءِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ الأَْجْرَ إِلاَّ بِحُصُولِهِ. (٢) وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الطَّبِيبِ إِلاَّ بِالتَّفْرِيطِ مَا دَامَ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يُخْطِئْ، وَإِلاَّ ضَمِنَ. (٣)
١٤٦ - وَإِذَا زَال الأَْلَمُ، وَشُفِيَ الْمَرِيضُ قَبْل مُبَاشَرَةِ الطَّبِيبِ، كَانَ عُذْرًا تَنْفَسِخُ بِهِ الإِْجَارَةُ. يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: وَإِذَا سَكَنَ الضِّرْسُ الَّذِي اسْتُؤْجِرَ الطَّبِيبُ لِخَلْعِهِ فَهَذَا عُذْرٌ تَنْفَسِخُ بِهِ الإِْجَارَةُ. وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ حَتَّى مَنْ لَمْ يَعْتَبِرُوا الْعُذْرَ مُوجِبًا لِلْفَسْخِ، فَقَدْ نَصَّ كُلٌّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ رَجُلاً لِيَقْلَعَ لَهُ ضِرْسًا، فَسَكَنَ الْوَجَعُ، أَوْ لِيُكَحِّل لَهُ عَيْنًا، فَبَرِئَتِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ стр. 522
الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. (١)
الإِْجَارَةُ عَلَى حَفْرِ الآْبَارِ:
١٤٧ - الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَا فِيهِ نَوْعُ جَهَالَةٍ؛ لأَِنَّ الأَْجِيرَ لاَ يَعْلَمُ مَا يُصَادِفُهُ أَثْنَاءَ الْحَفْرِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَشْتَرِطُونَ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ مَعْرِفَةَ الأَْرْضِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْحَفْرُ؛ لأَِنَّ الْحَفْرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِهَا، وَمَعْرِفَةَ مِسَاحَةِ الْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ حَفْرُهُ طُولاً وَعَرْضًا وَعُمْقًا. وَأَجَازُوا تَقْدِيرَ الإِْجَارَةِ عَلَى الْحَفْرِ بِالْمُدَّةِ أَوْ بِالْعَمَل.
وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: إِنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي بَيَانَ الْمَوْضِعِ وَطُول الْبِئْرِ وَعُمْقِهِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ لَمْ يُبَيِّنْ جَازَ اسْتِحْسَانًا؛ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ بِوَسَطِ مَا يَعْمَل النَّاسُ. (٢)
١٤٨ - وَإِنْ بَيَّنَ لَهُ مَوْضِعَ الْحَفْرِ، وَحَدَّدَ لَهُ الْمِقْدَارَ الْمَطْلُوبَ حَفْرُهُ، فَوَجَدَ الأَْجِيرُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل أَنَّ الأَْرْضَ صُلْبَةٌ وَتَحْتَاجُ إِلَى مَئُونَةٍ أَشَدَّ عَمَلاً وَآلاَتٍ خَاصَّةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَيَحِقُّ لَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ وَيَسْتَحِقُّ أَجْرًا بِمِقْدَارِ مَا حَفَرَ. وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى أَهْل الْخِبْرَةِ. وَلَوْ حَفَرَ الْبِئْرَ فِي مِلْكِهِ، فَظَهَرَ الْمَاءُ قَبْل أَنْ يَبْلُغَ الْمُنْتَهَى الَّذِي شَرَطَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْحَفْرُ فِي الْمَاءِ بِالآْلَةِ الَّتِي يَحْفِرُ بِهَا الآْبَارَ أُجْبِرَ عَلَى الْحَفْرِ، وَإِنِ احْتِيجَ إِلَى اتِّخَاذِ آلَةٍ أُخْرَى لاَ يُجْبَرُ.
١٤٩ - كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَفَرَ بَعْضَ الْبِئْرِ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهَا مِنَ الأَْجْرِ، فَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِ стр. 523
الْمُسْتَأْجِرِ فَلَهُ ذَلِكَ. وَكُلَّمَا حَفَرَ شَيْئًا صَارَ مُسَلَّمًا إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ، حَتَّى إِذَا انْهَارَتِ الْبِئْرُ فَأَدْخَل السَّيْل أَوِ الرِّيحُ فِيهَا التُّرَابَ حَتَّى سَوَّاهَا مَعَ الأَْرْضِ لاَ يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ أُجْرَتِهِ. وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ لَيْسَ لِلأَْجِيرِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالأُْجْرَةِ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنَ الْحَفْرِ وَيُسَلِّمْهَا إِلَيْهِ، حَتَّى لَوِ انْهَارَتْ، فَامْتَلأََتْ قَبْل التَّسْلِيمِ لاَ يَسْتَحِقُّ الأَْجْرَ.
وَقَالُوا: إِذَا اسْتَأْجَرَ حَفَّارًا لِيَحْفِرَ لَهُ حَوْضًا عَشَرَةً فِي عَشَرَةٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَحَفَرَ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ اسْتَحَقَّ مِنَ الأَْجْرِ بِنِسْبَةِ مَا حَفَرَ، مَعَ مُلاَحَظَةِ أَخْذِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ قِيمَةِ الْحَفْرِ فِي الْجُزْءِ الأَْعْلَى وَالْجُزْءِ الأَْسْفَل. وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ كُل ذِرَاعٍ فِي طِينٍ أَوْ أَرْضٍ سَهْلَةٍ بِدِرْهَمٍ، وَكُل ذِرَاعٍ فِي حَجَرٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَكُل ذِرَاعٍ فِي مَاءٍ بِثَلاَثَةٍ، وَبَيَّنَ مِقْدَارَ طُول الْبِئْرِ وَمُحِيطَهُ جَازَ. وَإِذَا حَفَرَ بَعْضَ الْبِئْرِ وَمَاتَ، قُوِّمَ الْحَفْرُ وَأَخَذَ وَرَثَتُهُ بِنِسْبَتِهِ مِنَ الأَْجْرِ، عَلَى مَا سَبَقَ. (١)
وَيُلاَحَظُ أَنَّ هَذِهِ الأَْحْكَامَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَعْرَافٍ كَانَتْ قَائِمَةً.
إِجَارَةُ الرَّاعِي:
١٥٠ - الرَّاعِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا أَوْ أَجِيرًا خَاصًّا، فَتُجْرَى عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الأَْحْكَامُ السَّابِقَةُ، إِلاَّ أَنَّ هُنَا مَا يَسْتَحِقُّ الإِْفْرَادَ بِالذِّكْرِ:
١ - إِذَا عَيَّنَ عَدَدَ الْمَاشِيَةِ الَّتِي يَرْعَاهَا فَلَيْسَ الرَّاعِي مُلْزَمًا بِمَا يَزِيدُهُ الآْجِرُ عَمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ بِطَرِيقِ الْوِلاَدَةِ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ غَيْرُ стр. 524
مُلْزَمٍ بِرَعْيِهَا أَيْضًا، وَلَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا بِلُزُومِ رَعْيِهَا، اسْتِحْسَانًا؛ لأَِنَّهَا تَبَعٌ، وَلِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَالظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُلْزَمٍ.
٢ - إِذَا خَافَ الرَّاعِي الْمَوْتَ عَلَى شَاةٍ - مَثَلاً - وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا تَمُوتُ إِنْ لَمْ يَذْبَحْهَا، فَذَبَحَهَا، فَلاَ يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا، وَإِذَا اخْتَلَفَا فَالْقَوْل قَوْل الرَّاعِي. (١)
تَعْلِيمُ الْعُلُومِ وَالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ:
١٥١ - نُبَيِّنُ هُنَا أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ الاِسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْعُلُومِ سِوَى الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ الْبَحْتَةِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ وَسِيلَةً وَمُقَدِّمَةً لِلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالنَّحْوِ وَالْبَلاَغَةِ وَأُصُول الْفِقْهِ. وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ.
وَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ اسْتَحَقَّ الأَْجْرَ عَنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَصَحَّتِ الإِْجَارَةُ، اتِّفَاقًا. أَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ عَلَى التَّعَلُّمِ الْحِذْقَ فَالْقِيَاسُ أَلاَّ تَصِحَّ الإِْجَارَةُ؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، لِتَفَاوُتِ الأَْفْرَادِ فِي الذَّكَاءِ وَالْبَلاَدَةِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا إِذَا عَايَنَ الْمُعَلِّمُ الْمُتَعَلِّمَ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الإِْجَارَةَ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ عَمِل اسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْل كَأَيَّةِ إِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ.
إِجَارَةُ وَسَائِل النَّقْل الْحَدِيثَةِ:
١٥٢ - لَمْ يَتَعَرَّضِ الْفُقَهَاءُ الأَْقْدَمُونَ لِبَيَانِ أَحْكَامِ اسْتِئْجَارِ وَسَائِل النَّقْل الْحَدِيثَةِ مِنْ سَيَّارَاتٍ وَطَائِرَاتٍ стр. 525
وَسُفُنٍ كَبِيرَةٍ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضُوا لاِسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ وَالأَْشْخَاصِ وَالسُّفُنِ الصَّغِيرَةِ.
وَمِمَّا تَقَدَّمَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَحْكَامَ اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ وَالسُّفُنِ الصَّغِيرَةِ وَالأَْشْخَاصِ تَرْجِعُ كُلُّهَا إِلَى الأَْحْوَال الآْتِيَةِ: إِجَارَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، أَوْ إِجَارَةٍ خَاصَّةٍ، أَوْ إِجَارَةٍ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ إِجَارَةِ عَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ، أَوْ إِجَارَةٍ عَلَى الْعَمَل، سَوَاءٌ كَانَتْ مَعَ الْمُدَّةِ أَوْ بِدُونِهَا. وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ كُل هَذِهِ الأَْحْكَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَيُمْكِنُ تَطْبِيقُهَا عَلَى وَسَائِل النَّقْل الْحَدِيثَةِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الأَْحْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ اخْتِلاَفٌ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال، كَاخْتِلاَفِهِمْ فِي تَعَيُّنِ الرَّاكِبِ، فَإِنَّ هَذَا يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ. فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ شَخْصٍ وَآخَرَ فِي اسْتِئْجَارِ سَيَّارَةٍ أَوْ طَائِرَةٍ، بِخِلاَفِ الدَّابَّةِ، فَإِنَّهَا تَتَأَثَّرُ بِالأَْشْخَاصِ ضَخَامَةً وَنَحَافَةً - وَأَمَّا مَا يَصْحَبُهُ الرَّاكِبُ مِنَ الْمَتَاعِ فَمَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى الشَّرْطِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْحَكَمُ الْعُرْفُ.
وَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ الأُْجْرَةِ، سَوَاءٌ عَلَى نَقْل الأَْشْخَاصِ أَوِ الأَْمْتِعَةِ، فَالْمَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى الشَّرْطِ. وَإِلاَّ فَالْعُرْفُ.
وَكُل أَحْكَامِ الضَّمَانِ سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ أَوِ الْخَاصِّ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ لاِسْتِئْجَارِ عَيْنٍ مِنَ الأَْعْيَانِ كَالسَّفِينَةِ، فَإِنَّ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ يُطَبَّقُ عَلَيْهَا.
الاِسْتِحْقَاقُ فِي الإِْجَارَةِ:
١٥٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى بُطْلاَنَ الإِْجَارَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى تَوَقُّفَهَا عَلَى إِجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ كَمَا اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الأُْجْرَةَ عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ، يُنْظَرُ بَحْثُ (اسْتِحْقَاق) .
стр. 526
إِجَازَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْجَازَةُ فِي اللُّغَةِ الإِْنْفَاذُ، يُقَال: أَجَازَ الشَّيْءَ: إِذَا أَنْفَذَهُ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلإِْجَازَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
هَذَا وَقَدْ يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ " الإِْجَازَةَ " بِمَعْنَى الإِْعْطَاءِ (٢) ، كَمَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الإِْذْنِ بِالإِْفْتَاءِ أَوِ التَّدْرِيسِ. (٣)
وَيُطْلِقُ الْمُحَدِّثُونَ وَغَيْرُهُمْ " الإِْجَازَةَ " بِمَعْنَى الإِْذْنِ بِالرِّوَايَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ رِوَايَةَ حَدِيثٍ أَمْ رِوَايَةَ كِتَابٍ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَأْتِي فِي آخِرِ الْبَحْثِ، وَالإِْجَازَةُ بِمَعْنَى الإِْنْفَاذِ لاَ تَكُونُ إِلاَّ لاَحِقَةً لِلتَّصَرُّفِ، بِخِلاَفِ الإِْذْنِ فَلاَ يَكُونُ إِلاَّ سَابِقًا عَلَيْهِ.
وَعَلَى هَذَا فَنُقَسِّمُ الْبَحْثَ عَلَى هَذِهِ الأَْنْوَاعِ الأَْرْبَعَةِ:
أَوَّلاً: الإِْجَازَةُ بِمَعْنَى الإِْنْفَاذِ
أَرْكَانُهَا:
٢ - كُل إِجَازَةٍ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيهَا الأُْمُورُ التَّالِيَةُ:
أ - الْمُجَازُ تَصَرُّفُهُ: وَهُوَ مَنْ تَوَلَّى التَّصَرُّفَ بِلاَ وِلاَيَةٍ كَالْفُضُولِيِّ. стр. 527
ب - الْمُجِيزُ: وَهُوَ مَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ سَوَاءٌ أَكَانَ أَصِيلاً أَمْ وَكِيلاً أَمْ وَلِيًّا أَمْ وَصِيًّا أَمْ قَيِّمًا أَمْ نَاظِرَ وَقْفٍ.
ج - الْمُجَازُ: وَهُوَ التَّصَرُّفُ.
د - الصِّيغَةُ: صِيغَةُ الإِْجَازَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
وَقَدِ اصْطَلَحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ كُلَّهَا أَرْكَانٌ وَالْحَنَفِيَّةُ يَقْصُرُونَ إِطْلاَقَ لَفْظِ الرُّكْنِ عَلَى الصِّيغَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
أ - الْمُجَازُ تَصَرُّفُهُ:
٣ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُجَازِ تَصَرُّفُهُ مَا يَلِي:
١ - أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَنْعَقِدُ بِهِ التَّصَرُّفُ كَالْبَالِغِ الْعَاقِل وَالصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ فِي بَعْضِ تَصَرُّفَاتِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُبَاشِرُ غَيْرَ أَهْلٍ لِعَقْدِ التَّصَرُّفِ أَصْلاً كَالْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَإِنَّ التَّصَرُّفَ يَقَعُ بَاطِلاً غَيْرَ قَابِلٍ لِلإِْجَازَةِ. (١)
بَقَاءُ الْمُجَازِ تَصَرُّفُهُ حَيًّا لِحِينِ الإِْجَازَةِ:
٤ - لِكَيْ تَكُونَ الإِْجَازَةُ صَحِيحَةً وَمُعْتَبَرَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلاَ بُدَّ مِنْ صُدُورِهَا حَال حَيَاةِ الْمُبَاشِرِ، إِنْ كَانَتْ طَبِيعَةُ التَّصَرُّفِ مِمَّا تَرْجِعُ حُقُوقُهُ إِلَى الْمُبَاشِرِ فِيمَا لَوْ حُجِبَتْ عَنْهُ الإِْجَازَةُ، كَالشِّرَاءِ وَالاِسْتِئْجَارِ
أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُبَاشِرُ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا، وَلاَ تَعُودُ حُقُوقُ التَّصَرُّفِ إِلَيْهِ بِحَالٍ مِنَ الأَْحْوَال، كَالنِّكَاحِ فَلاَ تُشْتَرَطُ فِيهِ حَيَاةُ الْمُبَاشِرِ وَقْتَ الإِْجَازَةِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ فُضُولِيٌّ رَجُلاً بِامْرَأَةٍ، ثُمَّ стр. 528
مَاتَ الْفُضُولِيُّ، ثُمَّ أَجَازَ الرَّجُل اعْتُبِرَتِ الإِْجَازَةُ صَحِيحَةً؛ لأَِنَّ الْوَكِيل فِي هَذَا الْعَقْدِ مَا هُوَ إِلاَّ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ، وَلاَ يَعُودُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ حُقُوقِ هَذَا الْعَقْدِ حِينَ إِخْلاَلِهِ بِالشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا عَلَيْهِ الْمُوَكِّل. (١)
هَذَا صَرِيحُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ بَعْضِ الْفُرُوعِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا: لَوْ بَاعَ مَال مُوَرِّثِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَيٌّ وَأَنَّهُ فُضُولِيٌّ، فَبَانَ مَيِّتًا حِينَئِذٍ وَأَنَّهُ مِلْكُ الْعَاقِدِ فَقَوْلاَنِ، وَقِيل: وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ لِصُدُورِهِ مِنْ مَالِكٍ، وَالثَّانِي: الْبُطْلاَنُ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُعَلَّقِ بِمَوْتِهِ، وَلأَِنَّهُ كَالْغَائِبِ (٢) .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَجْهَ الأَْوَّل هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ كَانَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ فُضُولِيٌّ، وَإِجَازَتُهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ وَفَاةِ مُوَرِّثِهِ عَلَى أَنَّهُ مَالِكٌ فَلَهُ اعْتِبَارَانِ: كَوْنُهُ فُضُولِيًّا وَكَوْنُهُ مَالِكًا، وَهُوَ حَيٌّ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْل بِالْبُطْلاَنِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ، فَلاَ تَنَافِيَ. (٣) هَذَا وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
ب - الْمُجِيزُ:
٥ - مَنْ لَهُ الإِْجَازَةُ (الْمُجِيزُ) إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلاَ بُدَّ مِنِ اتِّفَاقِ جَمِيعِ مَنْ لَهُمُ الإِْجَازَةُ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْحَقَ التَّصَرُّفَ إِذَا كَانَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقُّ الإِْجَازَةِ كَامِلاً، فَإِنِ اخْتَلَفُوا فَأَجَازَهُ الْبَعْضُ وَرَدَّهُ الْبَعْضُ قُدِّمَ الرَّدُّ عَلَى الإِْجَازَةِ، كَمَا لَوْ جُعِل خِيَارُ стр. 529
الشَّرْطِ إِلَى شَخْصَيْنِ فَأَجَازَ الْبَيْعَ أَحَدُهُمَا وَامْتَنَعَ عَنِ الإِْجَازَةِ الآْخَرُ، لَمْ تَلْحَقِ الإِْجَازَةُ التَّصَرُّفَ. (١)
أَمَّا إِنْ كَانَتِ الإِْجَازَةُ قَابِلَةً لِلتَّجْزِئَةِ كَمَا إِذَا تَصَرَّفَ فُضُولِيٌّ فِي مَالٍ مُشْتَرَكٍ، فَالإِْجَازَةُ تَنْفُذُ فِي حَقِّ الْمُجِيزِ دُونَ شُرَكَائِهِ.
٦ - وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُجِيزِ لِكَيْ تَصِحَّ إِجَازَتُهُ أَنْ يَكُونَ أَهْلاً لِمُبَاشَرَةِ التَّصَرُّفِ وَقْتَ الإِْجَازَةِ، فَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ هِبَةً وَجَبَ أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ، وَإِنْ كَانَ بَيْعًا وَجَبَ أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّعَاقُدِ وَهَكَذَا؛ لأَِنَّ الإِْجَازَةَ لَهَا حُكْمُ الإِْنْشَاءِ، فَيَجِبُ فِيهَا مِنَ الشُّرُوطِ مَا يَجِبُ فِي الإِْنْشَاءِ.
٧ - وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَى الإِْجَازَةِ كَخِيَارِ الشَّرْطِ لأَِجْنَبِيٍّ عَنِ الْعَقْدِ، أَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ مَوْجُودًا حَال وُقُوعِ التَّصَرُّفِ؛ لأَِنَّ كُل تَصَرُّفٍ يَقَعُ وَلاَ مُجِيزَ لَهُ حِينَ وُقُوعِهِ يَقَعُ بَاطِلاً، وَالْبَاطِل لاَ تَلْحَقُهُ الإِْجَازَةُ. (٢)
فَإِذَا بَاعَ الصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ ثُمَّ بَلَغَ قَبْل إِجَازَةِ الْوَلِيِّ تَصَرُّفَهُ، فَأَجَازَ تَصَرُّفَهُ بِنَفْسِهِ جَازَ؛ لأَِنَّ لَهُ وَلِيًّا يُجِيزُهُ حَال الْعَقْدِ، وَإِذَا زَوَّجَ فُضُولِيٌّ إِنْسَانًا ثُمَّ وَكَّل هَذَا الشَّخْصُ الْفُضُولِيَّ فِي تَزْوِيجِهِ قَبْل أَنْ يُجِيزَ التَّصَرُّفَ، فَأَجَازَ الْفُضُولِيُّ بَعْدَ الْوَكَالَةِ تَصَرُّفَهُ السَّابِقَ لِلْوَكَالَةِ، стр. 530
جَازَ هَذَا عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. (١) بِخِلاَفِ مَا إِذَا طَلَّقَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ بَلَغَ فَأَجَازَ طَلاَقَهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَجُزْ لأَِنَّ طَلاَقَ الصَّغِيرِ لَيْسَ لَهُ مُجِيزٌ وَقْتَ وُقُوعِهِ، إِذْ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَةَ الصَّغِيرِ، وَلاَ أَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا مُضِرًّا ضَرَرًا مَحْضًا بِالصَّغِيرِ - مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ - هَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ لأَِحْمَدَ) وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وُقُوعُ طَلاَقِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الَّذِي يَعْقِل الطَّلاَقَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ (٢) .
٨ - وَيَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ مَنْ تَوَلَّى الإِْجَازَةَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ عِنْدَ الْعَقْدِ، فَلَوْ بَاعَ الْفُضُولِيُّ مَال الطِّفْل، فَبَلَغَ الطِّفْل، فَأَجَازَ ذَلِكَ الْبَيْعَ، لَمْ يَنْفُذْ لأَِنَّ الطِّفْل لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ الْبَيْعَ عِنْدَ الْعَقْدِ. (٣) وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْل عِنْدَهُمْ بِجَوَازِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ.
٩ - كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجِيزِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِبَقَاءِ مَحَل التَّصَرُّفِ. أَمَّا عِلْمُهُ بِالتَّصَرُّفِ الَّذِي أَجَازَهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عِلْمُهُ بِبَقَاءِ مَحَل التَّصَرُّفِ فَقَدْ قَال فِي الْهِدَايَةِ: وَلَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ فِي حَيَاتِهِ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ حَال الْمَبِيعِ جَازَ الْبَيْعُ فِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ أَوَّلاً، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاؤُهُ. ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ فَقَال: لاَ يَصِحُّ حَتَّى يَعْلَمَ قِيَامَهُ عِنْدَ الإِْجَازَةِ؛ لأَِنَّ الشَّكَّ وَقَعَ فِي شَرْطِ الإِْجَازَةِ. فَلاَ يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا. (٤) وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي هَذَا عِنْدَ следующие страницы →