← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

بِغَيْرِ حَقٍّ وَلاَ ضَرُورَةِ دَفْعِ مُبَاحٍ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَالَّتِي أُتْلِفَتْ فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ (١) . وَإِذَا تَابَ الْبُغَاةُ وَرَجَعُوا أَخَذَ مِنْهُمْ مَا وُجِدَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَال أَهْل الْحَقِّ، وَمَا اسْتَهْلَكُوهُ لَمْ يُتْبَعُوا بِهِ، وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ؛ لأَِنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ (٢) . وَإِذَا قَتَل الْبَاغِي أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعَدْل فِي غَيْرِ الْمَعْرَكَةِ يُقْتَل بِهِ؛ لأَِنَّهُ قُتِل بِإِشْهَارِ السِّلاَحِ وَالسَّعْيِ فِي الأَْرْضِ بِالْفَسَادِ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَقِيل: لاَ يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: إِنْ شِئْتُ أَنْ أَعْفُوَ، وَإِنْ شِئْتُ اسْتَقَدْتُ (٣) . التَّمْثِيل بِقَتْلَى الْبُغَاةِ: ١٩ - التَّمْثِيل بِقَتْلَى الْبُغَاةِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، حَرَامٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَمَّا نَقْل رُءُوسِهِمْ، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ أَخْذُ رُءُوسِهِمْ، فَيُطَافُ بِهَا فِي الآْفَاقِ؛ لأَِنَّهُ مُثْلَةٌ. وَجَوَّزَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، إِذَا كَانَ فِيهِ طُمَأْنِينَةُ قُلُوبِ أَهْل

стр. 4867

الْعَدْل، أَوْ كَسْرُ شَوْكَةِ الْبُغَاةِ. وَجَوَّزَ الْمَالِكِيَّةُ رَفْعَ رُءُوسِ قَتْلَى الْبُغَاةِ فِي مَحَل قَتْلِهِمْ (١) . أَسْرَى الْبُغَاةِ: ٢٠ - أَسْرَى الْبُغَاةِ يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةً خَاصَّةً؛ لأَِنَّ قِتَالَهُمْ كَانَ لِمُجَرَّدِ دَفْعِ شَرِّهِمْ، فَلاَ يُسْتَبَاحُ دَمُهُمْ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الْقِتَال، وَلِذَا فَإِنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ اتِّفَاقًا، لِلتَّعْلِيل السَّابِقِ؛ وَلِذَا لاَ يُسْتَرَقُّونَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ أَمْ لاَ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ، وَلاَ تُسْبَى لَهُمْ نِسَاءٌ وَلاَ ذُرِّيَّةٌ (٢) . أَمَّا إِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (٣)

стр. 4868

وَالشَّافِعِيَّةُ (١) وَالْحَنَابِلَةُ (٢) إِلَى أَنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ أَيْضًا. غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَال: إِنْ أُسِرَ مِنْهُمْ أَسِيرٌ وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْحَرْبُ لاَ يُقْتَل، وَإِنْ كَانَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَلِلإِْمَامِ قَتْلُهُ، إِذَا خَافَ مِنْهُ الضَّرَرَ (٣) . وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا أُسِرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِل، وَقِيل: يُؤَدَّبُ وَلاَ يُقْتَل (٤) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ قَتَلَهُ ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ؛ لأَِنَّهُ بِالأَْسْرِ صَارَ مَحْقُونَ الدَّمِ، وَقِيل: فِيهِ قِصَاصٌ. وَقِيل: لاَ قِصَاصَ فِيهِ؛ لأَِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجِيزُ قَتْلَهُ فَصَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً (٥) . وَإِنْ كَانَ أَسِيرٌ بَالِغًا فَدَخَل فِي الطَّاعَةِ أَطْلَقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُل فِي الطَّاعَةِ حَبَسَهُ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْحَرْبُ (٦) . وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يُحْبَسْ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْبَيْعَةِ، وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُحْبَسُ لأَِنَّ فِي حَبْسِهِ كَسْرًا لِقُلُوبِهِمْ (٧) . وَهَذَا مَا قَالَهُ الْحَنَابِلَةُ (٨) .

стр. 4869

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَتْ لِلأَْسِيرِ فِئَةٌ، فَالإِْمَامُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ دَفْعًا لِشَرِّهِ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ، وَيَحْكُمُ الإِْمَامُ بِنَظَرِهِ فِيمَا هُوَ أَحْسَنُ فِي كَسْرِ الشَّوْكَةِ (١) . فِدَاءُ الأَْسْرَى: ٢١ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ فِدَاءِ أُسَارَى أَهْل الْعَدْل بِأُسَارَى الْبُغَاةِ، وَقَالُوا: إِنْ قَتَل أَهْل الْبَغْيِ أَسْرَى أَهْل الْعَدْل لَمْ يَجُزْ لأَِهْل الْعَدْل قَتْل أَسَرَاهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ أَبَى الْبُغَاةُ مُفَادَاةَ الأَْسْرَى الَّذِينَ مَعَهُمْ وَحَبَسُوهُمْ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: احْتُمِل أَنْ يَجُوزَ لأَِهْل الْعَدْل حَبْسُ مَنْ مَعَهُمْ لِيُتَوَصَّلُوا إِلَى تَخْلِيصِ أَسَرَاهُمْ بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَل أَلاَّ يَجُوزَ حَبْسُهُمْ، وَيُطْلَقُونَ؛ لأَِنَّ الذَّنْبَ فِي حَبْسِ أُسَارَى أَهْل الْعَدْل لِغَيْرِهِمْ (٢) . وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنْ أَسْرَى الْبُغَاةِ فِي مُصْطَلَحِ (أَسْرَى) . مُوَادَعَةُ الْبُغَاةِ: ٢٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مُوَادَعَةُ الْبُغَاةِ عَلَى مَالٍ. فَإِنْ وَادَعَهُمُ الإِْمَامُ عَلَى مَالٍ بَطَلَتِ الْمُوَادَعَةُ (٣) . وَلَوْ طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ - أَيْ

стр. 4870

الصُّلْحَ عَلَى تَرْكِ الْمُقَاتَلَةِ بِغَيْرِ مَالٍ - أُجِيبُوا إِلَيْهَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا. فَإِنْ بَانَ لَهُ أَنَّ قَصْدَهُمُ الرُّجُوعُ إِلَى الطَّاعَةِ وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ أَمْهَلَهُمْ. وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُل مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ. فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمُ الاِجْتِمَاعَ عَلَى قِتَالِهِ وَانْتِظَارِ مَدَدٍ، أَوْ لِيَأْخُذُوا الإِْمَامَ عَلَى غِرَّةٍ عَاجَلَهُمْ وَلَمْ يُنْظِرْهُمْ (١) . وَإِذَا وَقَعَتِ الْمُوَادَعَةُ فَأَعْطَى كُل فَرِيقٍ رَهْنًا عَلَى أَيِّهِمَا غَدَرَ يَقْتُل الآْخَرُونَ الرَّهْنَ، فَغَدَرَ أَهْل الْبَغْيِ وَقَتَلُوا الرَّهْنَ، لاَ يَحِل لأَِهْل الْعَدْل قَتْل الرَّهْنِ، بَل يَحْبِسُونَهُمْ حَتَّى يَهْلِكَ أَهْل الْبَغْيِ أَوْ يَتُوبُوا؛ لأَِنَّهُمْ صَارُوا آمِنِينَ بِالْمُوَادَعَةِ، أَوْ بِإِعْطَائِهِ الأَْمَانَ لَهُمْ حِينَ أَخَذْنَاهُمْ رَهْنًا. وَالْغَدْرُ مِنْ غَيْرِهِمْ لاَ يُؤَاخَذُونَ بِهِ، لَكِنَّهُمْ يُحْبَسُونَ مَخَافَةَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى فِئَتِهِمْ (٢) فَيَكُونُونَ لَهُمْ قُوَّةً تُغْرِيهِمْ عَلَى الْمُقَاتَلَةِ. ٢٣ - وَإِنْ بَذَل الْبُغَاةُ لأَِهْل الْعَدْل رَهَائِنَ عَلَى إِنْظَارِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَخْذُهَا لِذَلِكَ؛ لأَِنَّ الرَّهَائِنَ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِغَدْرِ أَهْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ أَسْرَى مِنْ أَهْل الْعَدْل، وَأَعْطَوْا بِذَلِكَ رَهَائِنَ مِنْهُمْ قَبِلَهُمُ الإِْمَامُ، وَاسْتَظْهَرَ لأَِهْل الْعَدْل. فَإِنْ أَطْلَقُوا أَسْرَى أَهْل الْعَدْل الَّذِينَ عِنْدَهُمْ أَطْلَقَ

стр. 4871

رَهَائِنَهُمْ. وَإِنْ قَتَلُوا مَنْ عِنْدَهُمْ لَمْ يَجُزْ قَتْل رَهَائِنِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ بِقَتْل غَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ صَارُوا آمِنِينَ. فَإِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ خُلِّيَ الرَّهَائِنُ كَمَا تُخَلَّى الأَْسْرَى مِنْهُمْ (١) . مَنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنَ الْبُغَاةِ: ٢٤ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَصْل قَاعِدَةٍ: أَنَّ مَنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ - كَالنِّسَاءِ وَالشُّيُوخِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعُمْيَانِ - لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنَ الْبُغَاةِ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا؛ لأَِنَّ قَتْلَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّ قِتَالِهِمْ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَهْل الْقِتَال. وَهَؤُلاَءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْقِتَال عَادَةً، فَلاَ يُقْتَلُونَ إِلاَّ إِذَا قَاتَلُوا (٢) وَلَوْ بِالتَّحْرِيضِ؛ لِوُجُودِ الْقِتَال مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَيُبَاحُ قَتْلُهُمْ إِلاَّ الصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ. فَالأَْصْل أَنَّهُمَا لاَ يَقْصِدَانِ الْقَتْل. فَيَحِل قَتْلُهُمَا حَال الْقِتَال إِنْ قَاتَلاَ حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى (٣) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَعَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي تَخْيِيرِ الإِْمَامِ بَيْنَ قَتْل أَسْرَى الْبُغَاةِ أَوْ حَبْسِهِمْ، يَرَوْنَ جَوَازَ قَتْل مَنْ قَاتَل أَوْ حَرَّضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَنَحْوِهِمْ، فَيُقْتَلُونَ حَال الْقِتَال أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ. لَكِنْ لاَ يُقْتَل الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِتَال؛ لأَِنَّ

стр. 4872

الْقَتْل بَعْدَ الْفَرَاغِ وَالأَْسْرَ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ. وَأَمَّا قَتْلُهُمَا حَال الْحَرْبِ فَدَفْعًا لِشَرِّهِمْ كَدَفْعِ الصَّائِل (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ حَضَرَ مَعَ الْبُغَاةِ عَبِيدٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ قُوتِلُوا مُقْبِلِينَ، وَتُرِكُوا مُدْبِرِينَ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَْحْرَارِ وَالذُّكُورِ الْبَالِغِينَ؛ لأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ، وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ هَؤُلاَءِ قَتْل إِنْسَانٍ جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ. وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبُغَاةَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّتِهِمْ تُرِكُوا، إِلاَّ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِمْ تَلَفُ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ (٢) . حُضُورُ مَنْ لاَ يُقَاتِل مِنَ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِتَال مَعَ الْبُغَاةِ: ٢٥ - إِذَا حَضَرَ مَعَ الْبُغَاةِ مَنْ لاَ يُقَاتِل - بِرَغْمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِتَال - لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْصَدَ بِالْقَتْل؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنْ قِتَالِهِمْ كَفُّهُمْ، وَهَذَا قَدْ كَفَّ نَفْسَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٣) فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى تَحْرِيمِ قَتْل الْمُؤْمِنِ

стр. 4873

عَمْدًا عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، وَإِنَّمَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَل ضَرُورَةَ دَفْعِ الْبَاغِي وَالصَّائِل، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ، فَمَنْ لاَ يُقَاتِل تَوَرُّعًا عَنْهُ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ - وَلاَ يُخَافُ مِنْهُ الْقِتَال بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ لاَ يَحْتَاجُ لِدَفْعٍ فَلاَ يَحِل دَمُهُ (١) . وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ قَتْلُهُ؛ لأَِنَّ عَلِيًّا نَهَاهُمْ عَنْ قَتْل مُحَمَّدٍ السَّجَّادِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ يُقَاتِل، وَإِنَّمَا كَانَ يَحْمِل رَايَةَ أَبِيهِ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ وَأَنْشَدَ شِعْرًا، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلِيٌّ قَتْلَهُ؛ وَلأَِنَّهُ صَارَ رِدْءًا لَهُمْ (٢) . حُكْمُ قِتَال الْمَحَارِمِ مِنَ الْبُغَاةِ: ٢٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ قَتْل الْعَادِل لِذِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، وَقَصَرَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ عَلَى الأَْبَوَيْنِ فَقَطْ. بَل مِنْهُمْ مَنْ قَال بِجَوَازِ قَتْل أَبَوَيْهِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهَا الْقَاضِي. وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٣) وَلِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَفَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ

стр. 4874

عَنْ قَتْل أَبِيهِ. (١) وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِ الْحِل؛ لأَِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ (٢) . وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ وَأَدِلَّةٌ. يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِلْعَادِل أَنْ يَبْتَدِئَ بِقَتْل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ مُبَاشَرَةً؛ إِذِ اجْتَمَعَ فِيهِ حُرْمَتَانِ: حُرْمَةُ الإِْسْلاَمِ وَحُرْمَةُ الْقَرَابَةِ. وَإِذَا أَرَادَ الْبَاغِي قَتْل الْعَادِل فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِالْقَتْل فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ فِي الأَْصْل عَاصِمٌ: فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. . . (٣) وَالْبَاغِي مُسْلِمٌ، إِلاَّ أَنَّهُ أُبِيحَ قَتْل غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، لاَ لِشِرْكِهِمْ، وَدَفْعُ الشَّرِّ

стр. 4875

يَحْصُل بِالدَّفْعِ وَالتَّسَبُّبِ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: كُرِهَ لِلرَّجُل قَتْل أَبِيهِ الْبَاغِي، وَمِثْل أَبِيهِ أُمُّهُ، بَل هِيَ أَوْلَى، لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ قَتْل جَدِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِهِ (٢) . وَقَال ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَقْتُل الرَّجُل فِي قِتَال الْبُغَاةِ أَخَاهُ وَقَرَابَتَهُ، فَأَمَّا الأَْبُ وَحْدَهُ فَلاَ أُحِبُّ قَتْلَهُ عَمْدًا، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ جَوَازَ قَتْل الاِبْنِ الْبَاغِي، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ (٣) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يُقْصَدَ قَتْل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، كَمَا يُكْرَهُ فِي قِتَال الْكُفَّارِ، فَإِنْ قَاتَلَهُ لَمْ يُكْرَهْ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الأَْصَحُّ كَرَاهَةُ قَتْل ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ الْبَاغِي، وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ؛ لأَِنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ، فَأَشْبَهَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ (٤) . إِرْثُ الْعَادِل مِنَ الْبَاغِي الَّذِي قَتَلَهُ وَالْعَكْسُ: ٢٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لأَِبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ الْعَادِل إِذَا قَتَل قَرِيبَهُ

стр. 4876

الْبَاغِيَ وَرِثَهُ؛ لأَِنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ، فَلَمْ يَمْنَعِ الْمِيرَاثَ كَالْقِصَاصِ؛ وَلأَِنَّ قَتْل الْبَاغِي وَاجِبٌ، وَلاَ إِثْمَ عَلَى الْقَاتِل بِقَتْلِهِ، وَلاَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ. فَكَذَا لاَ يُحْرَمُ مِنَ الإِْرْثِ. وَكَذَا لَوْ قَتَل الْبَاغِي ذَا رَحِمِهِ الْعَادِل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (١) ، لِقَوْلِهِمْ " وَمَوَارِيثُهُمْ قَائِمَةٌ (٢) ". أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ قَتَل الْبَاغِي قَرِيبَهُ الْعَادِل وَقَال: أَنَا عَلَى حَقٍّ وَرِثَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ. وَإِنْ قَال: قَتَلْتُهُ وَأَنَا عَلَى الْبَاطِل لاَ يَرِثُ اتِّفَاقًا بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ. وَاسْتَدَل - أَبُو حَنِيفَةَ - بِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا أَتْلَفَ عَنْ تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ، وَالْفَاسِدُ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ إِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهِ مَنَعَةٌ، وَهُوَ إِنْ كَانَ فَاسِدًا فِي نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ الضَّمَانُ، فَكَذَا لاَ يُوجِبُ الْحِرْمَانَ، كَمَا أَنَّ التَّأْوِيل فِي اعْتِقَادِهِ هُوَ صَحِيحٌ (٣) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَرِثُ لِعُمُومِ حَدِيثِ: لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ (٤) وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاغِي إِذَا قَتَل

стр. 4877

الْعَادِل (١) ، وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَرِثُ قَاتِلٌ مِنْ مَقْتُولِهِ مُطْلَقًا (٢) . مَا يَجُوزُ قِتَال الْبُغَاةِ بِهِ: ٢٨ - يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ قِتَال الْبُغَاةِ - إِذَا تَحَصَّنُوا - بِكُل مَا يُقَاتَل بِهِ أَهْل الْحَرْبِ، بِالسَّيْفِ وَالرَّمْيِ بِالنَّبْل وَبِالْمَنْجَنِيقِ وَالْحَرِيقِ وَالتَّغْرِيقِ، وَقَطْعِ الْمِيرَةِ (الْمُؤَنِ) وَالْمَاءِ عَنْهُمْ، وَكَذَا إِذَا فَعَل الْبُغَاةُ مَعَهُمْ مِثْل ذَلِكَ؛ لأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، فَيُقَاتَلُونَ بِكُل مَا يَحْصُل بِهِ ذَلِكَ (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ نِسْوَةٌ أَوْ ذَرَارِيُّ، فَلاَ نَرْمِيهِمْ بِالنَّارِ (٤) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ جَوَازِ قِتَالِهِمْ بِالنَّارِ وَالرَّمْيِ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَلاَ بِكُل عَظِيمٍ يَعُمُّ، كَالتَّغْرِيقِ وَإِرْسَال سُيُولٍ جَارِفَةٍ، وَلاَ يَجُوزُ مُحَاصَرَتُهُمْ وَقَطْعُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَنْهُمْ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، بِأَنْ قَاتَلُوا بِهِ، أَوْ أَحَاطُوا بِنَّا وَلَمْ يَنْدَفِعُوا إِلاَّ بِهِ، وَيَكُونُ فِعْل ذَلِكَ بِقَصْدِ الْخَلاَصِ مِنْهُمْ

стр. 4878

لاَ بِقَصْدِ قَتْلِهِمْ (١) ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَتْل مَنْ لاَ يُقَاتِل، وَمَا يَعُمُّ إِتْلاَفُهُ يَقَعُ عَلَى مَنْ يُقَاتِل وَمَنْ لاَ يُقَاتِل. مُقَاتَلَةُ الْبُغَاةِ بِسِلاَحِهِمُ الَّذِي فِي أَيْدِينَا: ٢٩ - يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، قِتَالُهُمْ بِسِلاَحِهِمْ وَخَيْلِهِمْ وَكُل أَدَوَاتِ الْقِتَال الَّتِي اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهَا مِنْهُمْ، إِنِ احْتَاجَ أَهْل الْعَدْل إِلَى هَذَا؛ لأَِنَّ عَلِيًّا ﵁ قَسَّمَ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِنْ سِلاَحِ الْبُغَاةِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَتْ قِسْمَةً لِلْحَاجَةِ لاَ لِلتَّمْلِيكِ؛ وَلأَِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فِي مَال أَهْل الْعَدْل عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَفِي مَال الْبَاغِي أَوْلَى (٢) . وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إِلَى جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ حَال الْتِحَامِ الْحَرْبِ، وَمَنَعَهُ فِي غَيْرِ قِتَالِهِمْ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ يَجُوزُ فِيهَا إِتْلاَفُ نُفُوسِهِمْ، وَحَبْسُ سِلاَحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ، فَجَازَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ كَسِلاَحِ أَهْل الْحَرْبِ. وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ (٣) . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الآْخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، فَيَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ

стр. 4879

اسْتِعْمَال شَيْءٍ مِمَّا اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهِ مِنْ سِلاَحِ الْبُغَاةِ وَخَيْلِهِمْ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، وَيَلْزَمُ دَفْعُ أُجْرَةِ الْمِثْل لَهُمْ، كَمُضْطَرٍّ لأَِكْل طَعَامِ غَيْرِهِ يَلْزَمُهُ ثَمَنُهُ (١) ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ (٢) وَلأَِنَّ مَنْ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ مَالِهِ لَمْ يَجُزِ الاِنْتِفَاعُ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ وَمِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وَلأَِنَّ الإِْسْلاَمَ عَصَمَ أَمْوَالَهُمْ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ لِرَدِّهِمْ إِلَى الطَّاعَةِ، فَيَبْقَى الْمَال عَلَى عِصْمَتِهِ، وَمَتَى انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَيْهِمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، وَلاَ يُرَدُّ إِلَيْهِمْ قَبْل ذَلِكَ لِئَلاَّ يُقَاتِلُونَا بِهِ. (٣) الاِسْتِعَانَةُ فِي قِتَالِهِمْ بِالْمُشْرِكِينَ: ٣٠ - اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَحْرِيمِ الاِسْتِعَانَةِ بِالْكُفَّارِ فِي قِتَال الْبُغَاةِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ كَفُّهُمْ لاَ قَتْلُهُمْ، وَالْكُفَّارُ لاَ يَقْصِدُونَ إِلاَّ قَتْلَهُمْ، وَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الاِسْتِعَانَةِ بِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ الْقُدْرَةُ عَلَى كَفِّ هَؤُلاَءِ الْكُفَّارِ الْمُسْتَعَانِ بِهِمْ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ لَمْ يَجُزْ.

стр. 4880

كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ عَلَى قِتَالِهِمْ بِمَنْ يَرَى مِنْ أَهْل الْعَدْل (وَهُمْ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ) قَتْل الْبُغَاةِ وَهُمْ مُدْبِرُونَ، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ. وَيَتَّفِقُ الْحَنَفِيَّةُ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ لاَ يَحِل الاِسْتِعَانَةُ بِأَهْل الشِّرْكِ إِذَا كَانَ حُكْمُ أَهْل الشِّرْكِ، هُوَ الظَّاهِرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ حُكْمُ أَهْل الْعَدْل هُوَ الظَّاهِرَ فَلاَ بَأْسَ بِالاِسْتِعَانَةِ بِالذِّمِّيِّينَ وَصِنْفٍ مِنَ الْبُغَاةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ حَاجَةٌ؛ لأَِنَّ أَهْل الْعَدْل يُقَاتِلُونَ لإِِعْزَازِ الدِّينِ، وَالاِسْتِعَانَةُ عَلَى الْبُغَاةِ بِهِمْ كَالاِسْتِعَانَةِ عَلَيْهِمْ بِأَدَوَاتِ الْقِتَال (١) . قَتْلَى مَعَارِكِ الْبُغَاةِ وَحُكْمُ الصَّلاَةِ عَلَيْهِمْ: ٣١ - مَنْ قُتِل مِنْ أَهْل الْعَدْل كَانَ شَهِيدًا؛ لأَِنَّهُ قُتِل فِي قِتَالٍ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَل شَأْنُهُ: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (٢) وَلاَ يُغَسَّل، وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ أُمِرَ بِالْقِتَال فِيهَا، فَأَشْبَهَ شَهِيدَ مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يُغَسَّل وَيُصَلِّي عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ وَابْنِ

стр. 4881

الْمُنْذِرِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: صَلُّوا عَلَى مَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (١) وَاسْتَثْنَى قَتِيل الْكُفَّارِ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الأَْصْل (٢) . أَمَّا قَتْلَى الْبُغَاةِ، فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : صَلُّوا عَلَى مَنْ قَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَلأَِنَّهُمْ مُسْلِمُونَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ حُكْمُ الشَّهَادَةِ، فَيُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ. وَمِثْلُهُ الْحَنَفِيَّةُ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ، أَمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ عَلَى الرَّأْيِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ (٣) . وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُصَل عَلَى أَهْل حَرُورَاءَ، وَلَكِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُدْفَنُونَ (٤) . وَلَمْ يُفَرِّقِ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْبُغَاةِ فِي حُكْمِ التَّغْسِيل وَالتَّكْفِينِ وَالصَّلاَةِ (٥) .

стр. 4882

تَقَاتُل أَهْل الْبَغْيِ: ٣٢ - إِنِ اقْتَتَل فَرِيقَانِ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، فَإِنْ قَدَرَ الإِْمَامُ عَلَى قَهْرِهِمَا، لَمْ يُعَاوِنْ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى خَطَأٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَهْرِهِمَا، وَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى قِتَالِهِ، ضَمَّ إِلَى نَفْسِهِ أَقْرَبَهُمَا إِلَى الْحَقِّ. فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ فِي ضَمِّ أَحَدِهِمَا، وَلاَ يَقْصِدْ بِذَلِكَ مُعَاوَنَتَهُ عَلَى الآْخَرِ، بَل يَقْصِدُ الاِسْتِعَانَةَ بِهِ عَلَى الآْخَرِ، فَإِذَا انْهَزَمَ الآْخَرُ لَمْ يُقَاتِل الَّذِي ضَمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى الطَّاعَةِ؛ لأَِنَّهُ بِالاِسْتِعَانَةِ بِهِ حَصَل عَلَى الأَْمَانِ، نَصَّ عَلَى هَذَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) . وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا رَجَعْنَا إِلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حُكْمُ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَجَاءَ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ قَتَل بَاغٍ مِثْلَهُ عَمْدًا فِي عَسْكَرِهِمْ، ثُمَّ ظَهَرَ أَهْل الْعَدْل عَلَى الْبُغَاةِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْقَاتِل؛ لِكَوْنِ الْمَقْتُول مُبَاحَ الدَّمِ؛ إِذْ لَوْ قَتَلَهُ الْعَادِل لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْبَاغِي الْقَاتِل دِيَةٌ وَلاَ قِصَاصٌ، وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ وَلأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لإِِمَامِ الْعَدْل حِينَ الْقَتْل، فَلَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِلْجَزَاءِ، كَالْقَتْل فِي دَارِ الْحَرْبِ (٢) .

стр. 4883

وَقَالُوا: لَوْ غَلَبَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ، فَقَاتَلَهُمْ آخَرُونَ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْبُوا ذَرَارِيَّ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَجَبَ عَلَى أَهْل الْبَلَدِ أَنْ يُقَاتِلُوا دِفَاعًا عَنْ ذَرَارِيِّهِمْ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا: لَوْ قَتَل تَاجِرٌ مِنْ أَهْل الْعَدْل تَاجِرًا آخَرَ مِنْ أَهْل الْعَدْل فِي عَسْكَرِ أَهْل الْبَغْيِ، أَوْ قَتَل الأَْسِيرُ مِنْ أَهْل الْعَدْل أَسِيرًا آخَرَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْفِعْل لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا لِلْجَزَاءِ؛ لِتَعَذُّرِ الاِسْتِيفَاءِ وَانْعِدَامِ الْوِلاَيَةِ، كَمَا لَوْ فَعَل ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ عَسْكَرَ أَهْل الْبَغْيِ فِي حَقِّ انْقِطَاعِ الْوِلاَيَةِ وَدَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ (٢) . اسْتِعَانَةُ الْبُغَاةِ بِالْكُفَّارِ: ٣٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِالْحَرْبِيِّينَ وَأَمَّنُوهُمْ، أَوْ عَقَدُوا لَهُمْ ذِمَّةً، لَمْ يُعْتَبَرِ الأَْمَانُ بِالنِّسْبَةِ لَنَا إِنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ؛ لأَِنَّ الأَْمَانَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ إِلْزَامُ كَفِّهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَؤُلاَءِ يَشْتَرِطُونَ عَلَيْهِمْ قِتَال الْمُسْلِمِينَ، فَلاَ يَصِحُّ الأَْمَانُ لَهُمْ. وَلأَِهْل الْعَدْل قِتَالُهُمْ، وَحُكْمُ أَسِيرِهِمْ فِي يَدِ أَهْل الْعَدْل حُكْمُ الأَْسِيرِ الْحَرْبِيِّ (٣) .

стр. 4884

أَمَّا مَا إِذَا اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِالْمُسْتَأْمَنِينَ، فَمَتَى أَعَانُوهُمْ كَانُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ، وَصَارُوا كَأَهْل الْحَرْبِ؛ لأَِنَّهُمْ تَرَكُوا الشَّرْطَ، وَهُوَ كَفُّهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَهْدُهُمْ مُؤَقَّتٌ بِخِلاَفِ الذِّمِّيِّينَ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ مُكْرَهِينَ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ (١) . وَإِنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْل الذِّمَّةِ فَأَعَانُوهُمْ، وَقَاتَلُوا مَعَهُمْ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ قَاتَلُوا أَهْل الْحَقِّ فَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ، كَمَا لَوِ انْفَرَدُوا بِقِتَالِهِمْ؛ وَعَلَى هَذَا يَكُونُونَ كَأَهْل الْحَرْبِ، فَيُقْتَلُونَ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، وَيُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَيُسْتَرَقُّونَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ قِتَال الْحَرْبِيِّينَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ عَهْدُهُمْ؛ لأَِنَّ أَهْل الذِّمَّةِ لاَ يَعْرِفُونَ الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِل، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهُمْ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُونَ كَأَهْل الْبَغْيِ فِي الْكَفِّ عَنْ قَتْل أَسِيرِهِمْ وَمُدْبِرِهِمْ وَجَرِيحِهِمْ. وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ يَتَّفِقُونَ مَعَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي أَنَّ مَعُونَةَ الذِّمِّيِّينَ لِلْبُغَاةِ اسْتِجَابَةٌ لِطَلَبِهِمْ لاَ تَنْقُضُ عَهْدَ الذِّمَّةِ، كَمَا أَنَّ هَذَا الْفِعْل مِنْ أَهْل الْبَغْيِ لَيْسَ نَقْضًا لِلأَْمَانِ. فَالَّذِينَ

стр. 4885

انْضَمُّوا إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُلْتَزِمِينَ حُكْمَ الإِْسْلاَمِ فِي الْمُعَامَلاَتِ، وَأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل الدَّارِ (١) . وَإِنْ أَكْرَهَهُمُ الْبُغَاةُ عَلَى مَعُونَتِهِمْ لَمْ يُنْقَضْ عَهْدُهُمْ - قَوْلاً وَاحِدًا - وَيُقْبَل قَوْلُهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ (٢) . وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ حُكْمَ الْبُغَاةِ، وَأَطْلَقُوا هَذِهِ الْعِبَارَةَ مِمَّا يُفِيدُ أَنَّهُمْ كَالْبُغَاةِ فِي عَدَمِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوهُ لأَِهْل الْعَدْل أَثْنَاءَ الْقِتَال (٣) ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ؛ إِذْ قَالُوا بِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيِّ الْخَارِجِ مَعَ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ اسْتِجَابَةً لِطَلَبِهِمْ: لاَ يَضْمَنُ نَفْسًا وَلاَ مَالاً (٤) . لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا عَلَى أَهْل الْعَدْل حَال الْقِتَال وَغَيْرِهِ؛ إِذْ لاَ تَأْوِيل لَهُمْ (٥) .

стр. 4886

إِعْطَاءُ الأَْمَانِ لِلْبَاغِي مِنَ الْعَادِل: ٣٤ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا أَمَّنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْل الْعَدْل رَجُلاً مِنْ أَهْل الْبَغْيِ جَازَ أَمَانُهُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ أَعْلَى شِقَاقًا مِنَ الْكَافِرِ الَّذِي يَجُوزُ إِعْطَاءُ الأَْمَانِ لَهُ. فَكَذَا هَذَا، بَل هُوَ أَوْلَى وَأَحَقُّ؛ لأَِنَّهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ يُحْتَاجُ إِلَى مُنَاظَرَتِهِ لِيَتُوبَ، وَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْمَنْ كُلٌّ الآْخَرَ. وَلَوْ دَخَل بَاغٍ بِأَمَانٍ، فَقَتَلَهُ عَادِلٌ عَمْدًا، لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ (١) . تَصَرُّفَاتُ إِمَامِ الْبُغَاةِ إِذَا اسْتَوْلَى الْبُغَاةُ عَلَى بَلَدٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَنَصَّبُوا لَهُمْ إِمَامًا، وَأَحْدَثَ الإِْمَامُ تَصَرُّفَاتٍ بِاعْتِبَارِهِ حَاكِمًا، كَالْجِبَايَةِ مِنْ جَمْعِ الزَّكَاةِ وَالْعُشُورِ وَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ وَإِقَامَةِ الْقُضَاةِ، فَهَل تَنْفُذُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا آثَارُهَا فِي حَقِّ أَهْل الْعَدْل؟ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي: أ - جِبَايَةُ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْعُشُورِ وَالْخَرَاجِ: ٣٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَا جَبَاهُ أَهْل الْبَغْيِ مِنَ الْبِلاَدِ الَّتِي غَلَبُوا عَلَيْهَا، مِنَ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْعُشُورِ وَالْخَرَاجِ، يُعْتَدُّ بِهِ؛ لأَِنَّ مَا فَعَلُوهُ أَوْ أَخَذُوهُ كَانَ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، فَوَجَبَ إِمْضَاؤُهُ، كَالْحَاكِمِ إِذَا حَكَمَ بِمَا يَسُوغُ الاِجْتِهَادُ فِيهِ، وَلاَ حَرَجَ عَلَى النَّاسِ فِي دَفْعِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، فَقَدْ كَانَ

стр. 4887

ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَتَاهُ سَاعِي نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ دَفَعَ إِلَيْهِ زَكَاتَهُ، وَكَذَلِكَ سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ. وَلَيْسَ لإِِمَامِ أَهْل الْعَدْل إِذَا ظَهَرَ عَلَى هَذِهِ الْبِلاَدِ أَنْ يُطَالِبَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَوْهُ، وَلاَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَلَمَةَ بْنِ الأَْكْوَعِ؛ وَلأَِنَّ وِلاَيَةَ الأَْخْذِ كَانَتْ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْحِمَايَةِ، وَلَمْ يَحْمِهِمْ؛ وَلأَِنَّ فِي تَرْكِ الاِحْتِسَابِ بِهَا ضَرَرًا عَظِيمًا وَمَشَقَّةً كَبِيرَةً، فَإِنَّهُمْ قَدْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْبِلاَدِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ، فَلَوْ لَمْ يُحْتَسَبْ مَا أَخَذُوهُ، أَدَّى إِلَى أَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنْهُمْ عَنْ كُل تِلْكَ الْمُدَّةِ (١) . وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ: عَلَى مَنْ أَخَذُوا مِنْهُ الزَّكَاةَ الإِْعَادَةُ؛ لأَِنَّهُ أَخَذَهَا مَنْ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا آحَادُ الرَّعِيَّةِ (٢) . وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ إِمَامُ أَهْل الْبَغْيِ صَرَفَ مَا أَخَذَهُ فِي مَصْرِفِهِ أَجْزَأَ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ، وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِوُصُول الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرَفَهُ فِي حَقِّهِ فَعَلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا دَفْعَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَصِل إِلَى مُسْتَحِقِّهِ. وَقَال الْكَمَال ابْنُ الْهُمَامِ: قَال الْمَشَايِخُ: لاَ إِعَادَةَ عَلَى

стр. 4888

الأَْرْبَابِ فِي الْخَرَاجِ؛ لأَِنَّ الْبُغَاةَ مُقَاتِلَةٌ، وَهُمْ مَصْرِفُ الْخَرَاجِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَكَذَلِكَ فِي الْعُشْرِ إِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ، أَمَّا إِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ فَقَدْ أَفْتَوْا بِالإِْعَادَةِ، وَذَلِكَ فِي زَكَاةِ الأَْمْوَال كُلِّهَا (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَادَ بَلَدُ الْبُغَاةِ إِلَى أَهْل الْعَدْل، فَادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى أَهْل الْبَغْيِ قُبِل قَوْلُهُ. وَفِي اسْتِحْلاَفِهِ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَال أَحْمَدُ: لاَ يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ. وَإِنِ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ؛ لأَِنَّهَا عِوَضٌ، فَلَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ، كَالْمُسْتَأْجِرِ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الأُْجْرَةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُحْتَمَل قَبُول قَوْلِهِمْ إِذَا مَضَى الْحَوْل؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبُغَاةَ لاَ يَدَّعُونَ الْجِزْيَةَ لَهُمْ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُمْ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُمْ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا مَضَى لِذَلِكَ سُنُونَ كَثِيرَةٌ شَقَّ عَلَيْهِمْ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مُدَّعِيهِمْ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى تَغْرِيمِهِمُ الْجِزْيَةَ مَرَّتَيْنِ. وَإِنِ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ أَنَّهُ دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَل قَوْلُهُ؛ لأَِنَّهُ مُسْلِمٌ، فَقُبِل قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ لِمَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ. وَالثَّانِي: لاَ يُقْبَل؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ ثَمَنٌ أَوْ أُجْرَةٌ، فَلَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالأُْجْرَةِ فِي الإِْجَارَةِ (٢) .

стр. 4889

وَيَصِحُّ تَفْرِيقُهُمْ سَهْمَ الْمُرْتَزِقَةِ عَلَى جُنُودِهِمْ؛ لاِعْتِقَادِهِمُ التَّأْوِيل الْمُحْتَمَل، فَأَشْبَهَ الْحَكَمَ بِالاِجْتِهَادِ؛ وَلِمَا فِي عَدَمِ الاِعْتِدَادِ بِهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالرَّعِيَّةِ؛ وَلأَِنَّ جُنْدَهُمْ مِنْ جُنْدِ الإِْسْلاَمِ، وَرُعْبُ الْكُفَّارِ قَائِمٌ بِهِمْ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الزَّكَاةُ مُعَجَّلَةً أَمْ لاَ، وَاسْتَمَرَّتْ شَوْكَتُهُمْ عَلَى وُجُوبِهَا أَمْ لاَ، وَقِيل: لاَ يُعْتَدُّ بِتَفْرِقَتِهِمْ لِئَلاَّ يَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَيْنَا (١) ، وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ ذِمِّيًّا فَهُوَ كَالْجِزْيَةِ؛ لأَِنَّهُ عِوَضٌ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ (٢) . ب - قَضَاءُ الْبُغَاةِ وَحُكْمُ نَفَاذِهِ: ٣٦ - لَوْ ظَهَرَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ فَوَلَّوْا فِيهِ قَاضِيًا مِنْ أَهْلِهِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ صَحَّ اتِّفَاقًا، وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْحُدُودَ. أَمَّا إِنْ كَانَ مِنْهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ أَهْل الْعَدْل عَلَى هَذَا الْبَلَدِ، فَرُفِعَتْ أَقْضِيَتُهُ إِلَى قَاضِي أَهْل الْعَدْل نَفَذَ مِنْهَا مَا هُوَ عَدْلٌ، وَكَذَا مَا قَضَاهُ بِرَأْيِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ؛ لأَِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِرَأْيِ قَاضِي أَهْل الْعَدْل (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْبَاغِي مُتَأَوِّلاً، وَأَقَامَ قَاضِيًا، فَحَكَمَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ، وَلاَ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ، بَل تُحْمَل عَلَى الصِّحَّةِ، وَيَرْتَفِعُ بِهَا

стр. 4890

الْخِلاَفُ. قَال الْمَوَّاقُ: هَذَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. أَمَّا غَيْرُ الْمُتَأَوِّل فَأَحْكَامُهُ تُتَعَقَّبُ. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ يَجُوزُ قَضَاؤُهُمْ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُ دِمَاءَ أَهْل الْعَدْل وَأَمْوَالَهُمْ لَمْ تَنْفُذْ أَحْكَامُهُ؛ لأَِنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ الْعَدَالَةَ وَالاِجْتِهَادَ، وَهَذَا لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلاَ مُجْتَهِدٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَسْتَبِيحُ ذَلِكَ نَفَذَ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ حُكْمِ أَهْل الْعَدْل؛ لأَِنَّ لَهُمْ تَأْوِيلاً يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، فَلَمْ يُنْقَضْ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَسُوغُ الاِجْتِهَادُ فِيهِ؛ وَلأَِنَّهُ اخْتِلاَفٌ فِي الْفُرُوعِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَفْسُقْ كَاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ، وَإِذَا حَكَمَ بِمَا لاَ يُخَالِفُ إِجْمَاعًا نَفَذَ حُكْمُهُ، وَإِنْ خَالَفَ الإِْجْمَاعَ نُقِضَ، وَإِنْ حَكَمَ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ أَهْل الْبَغْيِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَال الْحَرْبِ جَازَ حُكْمُهُ؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ قَبْل الْحَرْبِ لَمْ يَنْفُذْ؛ لأَِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلإِْجْمَاعِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَى أَهْل الْعَدْل بِالضَّمَانِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَال الْحَرْبِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلإِْجْمَاعِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ نَفَذَ حُكْمُهُ (٢) .

стр. 4891

ج - كِتَابُ قَاضِي الْبُغَاةِ إِلَى قَاضِي أَهْل الْعَدْل: ٣٧ - لاَ يَقْبَل قَاضِي أَهْل الْعَدْل كِتَابَ قَاضِي الْبُغَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ فَسَقَةٌ (١) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِمْ إِلَيْنَا بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي الأَْصَحِّ، وَيُسْتَحَبُّ عَدَمُ تَنْفِيذِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ، اسْتِخْفَافًا بِهِمْ حَيْثُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. فَإِنْ قَبِلَهُ جَازَ؛ لأَِنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، فَجَازَ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِ، كَقَاضِي أَهْل الْعَدْل؛ لأَِنَّهُ حُكْمٌ وَالْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِهِ. بَل لَوْ كَانَ الْحُكْمُ لِوَاحِدٍ مِنَّا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَالْمُتَّجَهُ وُجُوبُ التَّنْفِيذِ. وَقِيل: لاَ يَجُوزُ اعْتِبَارُ كِتَابِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْلاَءٍ لِمَنْصِبِهِ (٢) . وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا، لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْقَاضِي الَّذِي يُقْبَل كِتَابُهُ: الْعَدَالَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَ تَوَلَّى الْقَضَاءَ مِنْ قِبَل الْوَالِي الْمُتَغَلِّبِ أَوْ مِنْ قِبَل الْكَافِرِ، رِعَايَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، مِمَّا يُفِيدُ جَوَازَ قَبُول كِتَابِ قَاضِي أَهْل الْبَغْيِ (٣) . د - إِقَامَتُهُمْ لِلْحَدِّ، وَوُجُوبُهُ عَلَيْهِمْ: ٣٨ - الْحَدُّ الَّذِي يُقِيمُهُ إِمَامُ أَهْل الْبَغْيِ يَقَعُ

стр. 4892

مَوْقِعَهُ، وَيَكُونُ مُجْزِئًا، وَلاَ يُعَادُ ثَانِيًا عَلَى الْمَحْدُودِ إِنْ كَانَ غَيْرَ قَتْلٍ، وَلاَ دِيَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ قَتْلاً، لأَِنَّ عَلِيًّا ﵁ قَاتَل أَهْل الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يُلْغِ مَا فَعَلُوهُ؛ لأَِنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، فَوَجَبَ إِمْضَاؤُهُ، وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْقَاضِي الَّذِي أَقَامَهُ إِمَامُ أَهْل الْبَغْيِ مِنْ أَهْل الْبَلَدِ الَّتِي تَغَلَّبُوا عَلَيْهَا، وَلَيْسَ مِنَ الْبُغَاةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ وَأَجْزَأَ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، وَكَانُوا امْتَنَعُوا بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْحَدَّ لاَ يَجِبُ؛ إِذِ الْفِعْل لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا أَصْلاً لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ دَارِ الإِْسْلاَمِ؛ لِعَدَمِ الْوِلاَيَةِ عَلَى مَكَانِ وُقُوعِ الْجَرِيمَةِ وَقْتَ وُقُوعِهَا. وَلَوْ رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا. وَعَلَى هَذَا لَوْ تَغَلَّبْنَا عَلَيْهِمْ لاَ يُقَامُ. وَلَوْ كَانُوا أَقَامُوهُ فَإِنَّهُ لاَ تَجِبْ إِعَادَتُهُ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ أَصْلاً (٢) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا ارْتَكَبُوا حَال امْتِنَاعِهِمْ مَا يُوجِبُ حَدًّا، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ - وَلَمْ يَكُنْ أُقِيمَ الْحَدُّ - أُقِيمَتْ فِيهِمْ حُدُودُ اللَّهِ،

стр. 4893

وَلاَ تَسْقُطُ الْحُدُودُ بِاخْتِلاَفِ الدَّارِ. وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمُنْذِرِ لِعُمُومِ الآْيَاتِ وَالأَْخْبَارِ؛ وَلأَِنَّ كُل مَوْضِعٍ تَجِبُ فِيهِ الْعِبَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا تَجِبُ الْحُدُودُ فِيهِ عِنْدَ وُجُودِ أَسْبَابِهَا كَدَارِ أَهْل الْعَدْل؛ وَلأَِنَّهُ زَانٍ أَوْ سَارِقٌ لاَ شُبْهَةَ فِي زِنَاهُ وَسَرِقَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الْعَدْل (١) . شَهَادَةُ الْبُغَاةِ: ٣٩ - الأَْصْل قَبُول شَهَادَتِهِمْ. فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى قَبُول شَهَادَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ إِنْ كَانُوا عُدُولاً فِي أَهْوَائِهِمْ، إِلاَّ بَعْضَ الرَّافِضَةِ كَالْخَطَّابِيَّةِ، وَمَنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُ تُكَفِّرُ، أَوْ كَانَ صَاحِبَ عَصَبِيَّةٍ، أَوْ فِيهِ مَجَانَةٌ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لاَ تُقْبَل لِكُفْرِهِ وَلِفِسْقِهِ (٢) . وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: تُقْبَل شَهَادَةُ الْبُغَاةِ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُبْتَدِعِينَ، وَلاَ تُقْبَل إِذَا كَانُوا مُبْتَدِعِينَ وَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الأَْدَاءِ (٣) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَل شَهَادَةُ الْبُغَاةِ لِتَأْوِيلِهِمْ، إِلاَّ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَشْهَدُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ، فَلاَ تُقْبَل حِينَئِذٍ لِبَعْضِهِمْ (٤) .

стр. 4894

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْبُغَاةُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل الْبِدَعِ لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ يُخْطِئُونَ فِي تَأْوِيلِهِمْ، فَهُمْ كَالْمُجْتَهِدِينَ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَدْلاً. وَنُقِل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ يَفْسُقُونَ بِالْ بَغْيِ وَخُرُوجِهِمْ عَلَى الإِْمَامِ، وَلَكِنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ؛ لأَِنَّ فِسْقَهُمْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ فَلاَ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ (١) . بَغْيٌ انْظُرْ: بُغَاة

стр. 4895

بَقَرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْبَقَرُ: اسْمُ جِنْسٍ. قَال ابْنُ سِيدَهْ: وَيُطْلَقُ عَلَى الأَْهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ، وَعَلَى الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، وَوَاحِدُهُ بَقَرَةٌ، وَقِيل: إِنَّمَا دَخَلَتْهُ الْهَاءُ لأَِنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ. وَالْجَمْعُ: بَقَرَاتٌ، وَقَدْ سَوَّى الْفُقَهَاءُ الْجَامُوسَ بِالْبَقَرِ فِي الأَْحْكَامِ، وَعَامَلُوهُمَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ (١) . زَكَاةُ الْبَقَرِ: ٢ - زَكَاةُ الْبَقَرِ وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ. أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَوْ وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ - أَوْ كَمَا حَلَفَ - مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ أَتَى بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا

стр. 4896

حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ. (١) وَمَا رَوَى النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، وَمِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُل ثَلاَثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُل أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً. (٢) وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الأَْنْعَامِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، وَالْبَقَرُ صِنْفٌ مِنَ الأَْنْعَامِ، فَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِيهَا كَالإِْبِل وَالْغَنَمِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْخِلاَفُ فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ كَمَا سَيَأْتِي (٣) . شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ: ٣ - يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ شُرُوطٌ عَامَّةٌ تَفْصِيلُهَا فِي الزَّكَاةِ، وَهُنَاكَ شُرُوطٌ خَاصَّةٌ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي: اشْتِرَاطُ السَّوْمِ: ٤ - الْمُرَادُ بِالسَّوْمِ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ: أَنْ تَرْعَى الْمَاشِيَةُ أَكْثَرَ أَيَّامِ السَّنَةِ فِي كَلأٍَ مُبَاحٍ، سَوَاءٌ

стр. 4897

أَكَانَتْ تَرْعَى بِنَفْسِهَا أَمْ بِرَاعٍ يَرْعَاهَا، هَذَا وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ السَّوْمُ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، وَمِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْمَاشِيَةِ الْبَقَرُ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا السَّوْمُ أَيْضًا، وَأَمَّا الْبَقَرُ الْعَوَامِل وَالْمَعْلُوفَةُ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا؛ لاِنْتِفَاءِ السَّوْمِ. وَقَال الإِْمَامُ مَالِكٌ: لاَ يُشْتَرَطُ السَّوْمُ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ، فَالْبَقَرُ الْعَوَامِل وَالْمَعْلُوفَةُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ عِنْدَهُ. اسْتَدَل الإِْمَامُ مَالِكٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِالإِْطْلاَقِ فِي الأَْحَادِيثِ الْمُوجِبَةِ لِزَكَاةِ الْبَقَرِ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ، وَعَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ أَحَدُ أُصُول الْمَالِكِيَّةِ (١) . وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِاشْتِرَاطِ السَّوْمِ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَال الرَّاوِي أَحْسَبُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَدَقَةِ الْبَقَرِ قَال: وَلَيْسَ فِي الْعَوَامِل شَيْءٌ (٢) ، وَأَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِل شَيْءٌ (٣) وَقَدْ حَمَل الْجُمْهُورُ النُّصُوصَ الْمُطْلَقَةَ فِي

стр. 4898

الْبَقَرِ عَلَى النُّصُوصِ الْمُقَيَّدَةِ بِالسَّوْمِ الْوَارِدَةِ فِي الإِْبِل وَالْغَنَمِ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الْبَقَرِ عَلَى الإِْبِل وَالْغَنَمِ فِي اشْتِرَاطِ السَّوْمِ (١) . وَأَيْضًا فَإِنَّ صِفَةَ النَّمَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الزَّكَاةِ، فَلاَ تُوجَدُ إِلاَّ فِي السَّائِمَةِ، أَمَّا الْبَقَرُ الْعَوَامِل فَصِفَةُ النَّمَاءِ مَفْقُودَةٌ فِيهَا، وَمِثْلُهَا الْمَعْلُوفَةُ فَلاَ نَمَاءَ فِيهَا أَيْضًا؛ لأَِنَّ عَلْفَهَا يَسْتَغْرِقُ نَمَاءَهَا، إِلاَّ أَنْ يُعِدَّهَا لِلتِّجَارَةِ، فَيُزَكِّيَهَا زَكَاةَ عُرُوضِ التِّجَارَةِ (٢) . الزَّكَاةُ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ: ٥ - ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ، فَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا؛ لأَِنَّ مُطْلَقَ الْخَبَرِ الَّذِي أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْبَقَرِ - وَالَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ - يَتَنَاوَلُهَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ (٣) ؛ لأَِنَّ اسْمَ الْبَقَرِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ

стр. 4899

لاَ يَنْصَرِفُ إِلَيْهَا وَلاَ يُفْهَمُ مِنْهُ إِذْ كَانَتْ لاَ تُسَمَّى بَقَرًا بِدُونِ الإِْضَافَةِ، فَيُقَال: بَقَرُ الْوَحْشِ؛ وَلأَِنَّ الْعَادَةَ تَنْفِي وُجُودَ نِصَابٍ مِنْهَا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ السَّوْمِ حَوْلاً كَامِلاً، وَلأَِنَّهَا حَيَوَانٌ لاَ يُجْزِئُ نَوْعُهُ فِي الأُْضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ، فَلاَ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ كَالظِّبَاءِ؛ وَلأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ، فَلاَ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ كَسَائِرِ الْوُحُوشِ، وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ فِي بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا لِكَثْرَةِ النَّمَاءِ فِيهَا، مِنْ دَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَكَثْرَةِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا لِكَثْرَتِهَا وَخِفَّةِ مَئُونَتِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى يَخْتَصُّ بِهَا، فَاخْتَصَّتِ الزَّكَاةُ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا (١) . زَكَاةُ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالأَْهْلِيِّ: ٦ - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالأَْهْلِيِّ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَحْشِيُّ هُوَ الْفَحْل أَمِ الأُْمَّ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالأَْهْلِيِّ مُتَوَلِّدٌ بَيْنَ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَبَيْنَ مَا لاَ تَجِبُ فِيهِ، فَيُرَجَّحُ جَانِبُ الْوُجُوبِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَكَذَلِكَ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالأَْهْلِيِّ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْل تُضَمُّ إِلَى جِنْسِهَا مِنَ الأَْهْلِيِّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَيُكْمَل بِهَا نِصَابُهَا، وَتَكُونُ كَأَحَدِ أَنْوَاعِهِ (٢) .

стр. 4900

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إِنْ كَانَتِ الأُْمَّهَاتُ أَهْلِيَّةً وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَإِلاَّ فَلاَ. وَاسْتَدَل لِهَذَا الْقَوْل بِأَنَّ جَانِبَ الأُْمِّ فِي الْحَيَوَانِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ؛ لأَِنَّ الأُْمَّ فِي الْحَيَوَانِ هِيَ الَّتِي تَقُومُ وَحْدَهَا بِرِعَايَةِ ابْنِهَا (١) . وَقَال الشَّافِعِيُّ: لاَ زَكَاةَ فِيهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْوَحْشِيَّةُ مِنْ قِبَل الْفَحْل أَمْ مِنْ قِبَل الأُْمِّ (٢) . اشْتِرَاطُ الْحَوْل فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ: ٧ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوْل لاَ بُدَّ مِنْهُ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ كَغَيْرِهَا مِنَ الْمَاشِيَةِ، وَمَعْنَى الْحَوْل: أَنْ تَمْضِيَ سَنَةٌ قَمَرِيَّةٌ كَامِلَةٌ عَلَى مِلْكِهِ لِلنِّصَابِ، لِتَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهِ (٣) . اشْتِرَاطُ تَمَامِ النِّصَابِ: أَمَّا النِّصَابُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ، مِنْ أَشْهَرِهَا اتِّجَاهَانِ: ٨ - الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: وَهُوَ قَوْل عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵃ وَقَال بِهِ الشَّعْبِيُّ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ

стр. 4901

وَطَاوُوسٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَنَقَلَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَهْل الشَّامِ، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيُّ، قَالُوا: لَيْسَ فِيمَا دُونَ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْبَقَرِ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، (وَالتَّبِيعُ هُوَ الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ، أَوِ الَّذِي لَهُ سَنَةٌ وَطَعَنَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيل: سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالتَّبِيعَةُ مِثْلُهُ (١)) ، ثُمَّ لاَ شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ (٢) . ثُمَّ لاَ شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعَانِ أَوْ تَبِيعَتَانِ. ثُمَّ لاَ شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ عَشْرًا زَائِدَةً، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِي كُل ثَلاَثِينَ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ وَفِي كُل أَرْبَعِينَ مُسِنٌّ أَوْ مُسِنَّةٌ (٣) ، فَفِي سَبْعِينَ تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ، وَفِي تِسْعِينَ ثَلاَثَةُ أَتْبِعَةٍ، وَفِي مِائَةٍ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعَانِ، وَفِي مِائَةٍ وَعَشْرٍ مُسِنَّتَانِ وَتَبِيعٌ، وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ ثَلاَثُ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَتْبِعَةٍ، فَالْمَالِكُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِخْرَاجِ الأَْتْبِعَةِ أَوِ الْمُسِنَّاتِ، وَإِنْ كَانَ الأَْوْلَى النَّظَرَ إِلَى حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَالأَْصْلَحِ لَهُمْ. ثُمَّ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ كُلَّمَا زَادَ

стр. 4902

الْعَدَدُ عَشْرًا. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، وَمِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُل ثَلاَثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُل أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً. (١) وَرَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الأَْوْقَاصِ: مَا بَيْنَ الثَّلاَثِينَ إِلَى الأَْرْبَعِينَ، وَمَا بَيْنَ الأَْرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسِينَ؟ قَال: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ. (٢) وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا جَاءَ فِي كِتَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: فَرَائِضُ الْبَقَرِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلاَثِينَ فَفِيهَا عِجْلٌ رَائِعٌ جَذَعٌ، إِلَى أَنْ تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ. إِلَى أَنْ تَبْلُغَ سَبْعِينَ، فَإِنَّ فِيهَا بَقَرَةً وَعِجْلاً جَذَعًا، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَمَانِينَ فَفِيهَا مُسِنَّتَانِ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ. (٣) هَذَا

стр. 4903

، وَلِتَفْصِيل أَحْكَامِ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الزَّكَاةِ - وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْوَقْصِ - يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (أَوْقَاص) . ٩ - الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: قَوْل سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيِّ وَأَبِي قِلاَبَةَ وَغَيْرِهِمْ: إِنَّ نِصَابَ الْبَقَرِ هُوَ نِصَابُ الإِْبِل، وَإِنَّهُ يُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الإِْبِل، دُونَ اعْتِبَارٍ لِلأَْسْنَانِ الَّتِي اشْتُرِطَتْ فِي الإِْبِل، مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ وَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ وَجَذَعَةٍ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الزَّكَاةِ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، وَشُيُوخٍ أَدَّوُا الصَّدَقَاتِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ: أَنَّ فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (فِي الزَّكَاةِ) أَنَّ الْبَقَرَ يُؤْخَذُ مِنْهَا مِثْل مَا يُؤْخَذُ مِنَ الإِْبِل، قَال: وَقَدْ سُئِل عَنْهَا غَيْرُهُمْ، فَقَالُوا: فِيهَا مَا فِي الإِْبِل. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ بِسَنَدِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ كِلاَهُمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَْنْصَارِيِّ ﵄ قَال: فِي كُل خَمْسٍ مِنَ الْبَقَرِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ. قَال الزُّهْرِيُّ: فَرَائِضُ الْبَقَرِ مِثْل فَرَائِضِ الإِْبِل غَيْرَ أَسْنَانٍ فِيهَا: فَإِذَا كَانَتِ الْبَقَرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا بَقَرَتَانِ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَفِي كُل أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ. قَال الزُّهْرِيُّ: وَبَلَغْنَا أَنَّ

стр. 4904

قَوْلَهُمْ: فِي كُل ثَلاَثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُل أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَخْفِيفًا لأَِهْل الْيَمَنِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يُرْوَى. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ قَال: اسْتُعْمِلْتُ - أَيْ وُلِّيتُ - عَلَى صَدَقَاتِ (عَكَّ) فَلَقِيتُ أَشْيَاخًا مِمَّنْ صَدَّقَ (أُخِذَتْ مِنْهُمُ الصَّدَقَةُ) عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَال اجْعَلْهَا مِثْل صَدَقَةِ الإِْبِل، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: فِي ثَلاَثِينَ تَبِيعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: فِي أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ. وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي قِلاَبَةَ وَآخَرِينَ مِثْل مَا نُقِل عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَنُقِل عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدَةَ الأَْنْصَارِيِّ: أَنَّ صَدَقَةَ الْبَقَرِ صَدَقَةُ الإِْبِل، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ أَسْنَانَ فِيهَا (١) . مَا يُجْزِئُ فِي الأُْضْحِيَّةِ: ١٠ - لاَ يُجْزِئُ فِي الأُْضْحِيَّةِ سِوَى النَّعَمِ، وَهِيَ الإِْبِل وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، خِلاَفًا لِمَنْ قَال: يَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ مَأْكُول اللَّحْمِ مِنَ النَّعَمِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (الأُْضْحِيَّةِ) .

стр. 4905

وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا ضَحَّى بِالْبَقَرَةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ فَإِنَّ الأُْضْحِيَّةَ تَقَعُ لَهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ وَاجِبَةً أَمْ مُتَطَوَّعًا بِهَا. ١١ - وَأَمَّا الاِشْتِرَاكُ فِي التَّضْحِيَةِ بِالْبَقَرَةِ الْوَاحِدَةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ: إِلَى أَنَّ الْبَقَرَةَ الْوَاحِدَةَ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةِ أَشْخَاصٍ، فَيَجُوزُ لَهُمُ الاِشْتِرَاكُ فِي الْبَقَرَةِ الْوَاحِدَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانُوا أَهْل بَيْتٍ وَاحِدٍ، أَمْ أَهْل بَيْتَيْنِ، أَمْ مُتَفَرِّقِينَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ أُضْحِيَّةً وَاجِبَةً أَمْ مُتَطَوَّعًا بِهَا، وَسَوَاءٌ أَرَادَ بَعْضُهُمُ الْقُرْبَةَ أَمْ أَرَادَ اللَّحْمَ، فَيَقَعُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا قَصَدَ. إِلاَّ أَنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ بُدَّ أَنْ يُرِيدَ كُلُّهُمُ الْقُرْبَةَ، فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمُ اللَّحْمَ لَمْ تُجْزِئْ عَنِ الْكُل عِنْدَهُمْ. وَقَال مَالِكٌ: يُجْزِئُ الرَّأْسُ الْوَاحِدُ مِنَ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ عَنْ وَاحِدٍ، وَعَنْ أَهْل الْبَيْتِ وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ، إِذَا أَشْرَكَهُمْ فِيهَا تَطَوُّعًا، وَلاَ تُجْزِئُ إِذَا اشْتَرَوْهَا بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ، وَلاَ عَلَى أَجْنَبِيَّيْنِ فَصَاعِدًا (١) . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْل الأَْوَّل بِمَا رَوَاهُ جَابِرٌ قَال: نَحَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْبَدَنَةَ عَنْ
следующие страницы →