← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

وَطَاوُوسٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَنَقَلَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَهْل الشَّامِ، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيُّ، قَالُوا: لَيْسَ فِيمَا دُونَ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْبَقَرِ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، (وَالتَّبِيعُ هُوَ الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ، أَوِ الَّذِي لَهُ سَنَةٌ وَطَعَنَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيل: سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالتَّبِيعَةُ مِثْلُهُ (١)) ، ثُمَّ لاَ شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ (٢) . ثُمَّ لاَ شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعَانِ أَوْ تَبِيعَتَانِ. ثُمَّ لاَ شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ عَشْرًا زَائِدَةً، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِي كُل ثَلاَثِينَ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ وَفِي كُل أَرْبَعِينَ مُسِنٌّ أَوْ مُسِنَّةٌ (٣) ، فَفِي سَبْعِينَ تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ، وَفِي تِسْعِينَ ثَلاَثَةُ أَتْبِعَةٍ، وَفِي مِائَةٍ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعَانِ، وَفِي مِائَةٍ وَعَشْرٍ مُسِنَّتَانِ وَتَبِيعٌ، وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ ثَلاَثُ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَتْبِعَةٍ، فَالْمَالِكُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِخْرَاجِ الأَْتْبِعَةِ أَوِ الْمُسِنَّاتِ، وَإِنْ كَانَ الأَْوْلَى النَّظَرَ إِلَى حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَالأَْصْلَحِ لَهُمْ. ثُمَّ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ كُلَّمَا زَادَ

стр. 4902

الْعَدَدُ عَشْرًا. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، وَمِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُل ثَلاَثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُل أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً. (١) وَرَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الأَْوْقَاصِ: مَا بَيْنَ الثَّلاَثِينَ إِلَى الأَْرْبَعِينَ، وَمَا بَيْنَ الأَْرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسِينَ؟ قَال: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ. (٢) وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا جَاءَ فِي كِتَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: فَرَائِضُ الْبَقَرِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلاَثِينَ فَفِيهَا عِجْلٌ رَائِعٌ جَذَعٌ، إِلَى أَنْ تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ. إِلَى أَنْ تَبْلُغَ سَبْعِينَ، فَإِنَّ فِيهَا بَقَرَةً وَعِجْلاً جَذَعًا، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَمَانِينَ فَفِيهَا مُسِنَّتَانِ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ. (٣) هَذَا

стр. 4903

، وَلِتَفْصِيل أَحْكَامِ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الزَّكَاةِ - وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْوَقْصِ - يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (أَوْقَاص) . ٩ - الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: قَوْل سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيِّ وَأَبِي قِلاَبَةَ وَغَيْرِهِمْ: إِنَّ نِصَابَ الْبَقَرِ هُوَ نِصَابُ الإِْبِل، وَإِنَّهُ يُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الإِْبِل، دُونَ اعْتِبَارٍ لِلأَْسْنَانِ الَّتِي اشْتُرِطَتْ فِي الإِْبِل، مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ وَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ وَجَذَعَةٍ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الزَّكَاةِ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، وَشُيُوخٍ أَدَّوُا الصَّدَقَاتِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ: أَنَّ فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (فِي الزَّكَاةِ) أَنَّ الْبَقَرَ يُؤْخَذُ مِنْهَا مِثْل مَا يُؤْخَذُ مِنَ الإِْبِل، قَال: وَقَدْ سُئِل عَنْهَا غَيْرُهُمْ، فَقَالُوا: فِيهَا مَا فِي الإِْبِل. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ بِسَنَدِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ كِلاَهُمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَْنْصَارِيِّ ﵄ قَال: فِي كُل خَمْسٍ مِنَ الْبَقَرِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ. قَال الزُّهْرِيُّ: فَرَائِضُ الْبَقَرِ مِثْل فَرَائِضِ الإِْبِل غَيْرَ أَسْنَانٍ فِيهَا: فَإِذَا كَانَتِ الْبَقَرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا بَقَرَتَانِ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَفِي كُل أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ. قَال الزُّهْرِيُّ: وَبَلَغْنَا أَنَّ

стр. 4904

قَوْلَهُمْ: فِي كُل ثَلاَثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُل أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَخْفِيفًا لأَِهْل الْيَمَنِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يُرْوَى. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ قَال: اسْتُعْمِلْتُ - أَيْ وُلِّيتُ - عَلَى صَدَقَاتِ (عَكَّ) فَلَقِيتُ أَشْيَاخًا مِمَّنْ صَدَّقَ (أُخِذَتْ مِنْهُمُ الصَّدَقَةُ) عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَال اجْعَلْهَا مِثْل صَدَقَةِ الإِْبِل، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: فِي ثَلاَثِينَ تَبِيعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: فِي أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ. وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي قِلاَبَةَ وَآخَرِينَ مِثْل مَا نُقِل عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَنُقِل عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدَةَ الأَْنْصَارِيِّ: أَنَّ صَدَقَةَ الْبَقَرِ صَدَقَةُ الإِْبِل، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ أَسْنَانَ فِيهَا (١) . مَا يُجْزِئُ فِي الأُْضْحِيَّةِ: ١٠ - لاَ يُجْزِئُ فِي الأُْضْحِيَّةِ سِوَى النَّعَمِ، وَهِيَ الإِْبِل وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، خِلاَفًا لِمَنْ قَال: يَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ مَأْكُول اللَّحْمِ مِنَ النَّعَمِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (الأُْضْحِيَّةِ) .

стр. 4905

وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا ضَحَّى بِالْبَقَرَةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ فَإِنَّ الأُْضْحِيَّةَ تَقَعُ لَهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ وَاجِبَةً أَمْ مُتَطَوَّعًا بِهَا. ١١ - وَأَمَّا الاِشْتِرَاكُ فِي التَّضْحِيَةِ بِالْبَقَرَةِ الْوَاحِدَةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ: إِلَى أَنَّ الْبَقَرَةَ الْوَاحِدَةَ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةِ أَشْخَاصٍ، فَيَجُوزُ لَهُمُ الاِشْتِرَاكُ فِي الْبَقَرَةِ الْوَاحِدَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانُوا أَهْل بَيْتٍ وَاحِدٍ، أَمْ أَهْل بَيْتَيْنِ، أَمْ مُتَفَرِّقِينَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ أُضْحِيَّةً وَاجِبَةً أَمْ مُتَطَوَّعًا بِهَا، وَسَوَاءٌ أَرَادَ بَعْضُهُمُ الْقُرْبَةَ أَمْ أَرَادَ اللَّحْمَ، فَيَقَعُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا قَصَدَ. إِلاَّ أَنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ بُدَّ أَنْ يُرِيدَ كُلُّهُمُ الْقُرْبَةَ، فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمُ اللَّحْمَ لَمْ تُجْزِئْ عَنِ الْكُل عِنْدَهُمْ. وَقَال مَالِكٌ: يُجْزِئُ الرَّأْسُ الْوَاحِدُ مِنَ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ عَنْ وَاحِدٍ، وَعَنْ أَهْل الْبَيْتِ وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ، إِذَا أَشْرَكَهُمْ فِيهَا تَطَوُّعًا، وَلاَ تُجْزِئُ إِذَا اشْتَرَوْهَا بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ، وَلاَ عَلَى أَجْنَبِيَّيْنِ فَصَاعِدًا (١) . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْل الأَْوَّل بِمَا رَوَاهُ جَابِرٌ قَال: نَحَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْبَدَنَةَ عَنْ

стр. 4906

سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (١) وَعَنْهُ قَال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الإِْبِل وَالْبَقَرِ، كُل سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ. (٢) وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَدْ أَخَذَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: الْبَدَنَةُ عَنْ وَاحِدٍ وَالْبَقَرَةُ عَنْ وَاحِدٍ، وَالشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ لاَ أَعْلَمُ شِرْكًا. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ كَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ لاَ تُجْزِئُ إِلاَّ عَنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ (٣) . الْبَقَرُ فِي الْهَدْيِ: ١٢ - حُكْمُ الْبَقَرَةِ فِي الْهَدْيِ كَحُكْمِهَا فِي الأُْضْحِيَّةِ، بِاسْتِثْنَاءِ مَا يَتَّصِل بِالتَّضْحِيَةِ عَنِ الرَّجُل وَأَهْل بَيْتِهِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (الْحَجّ، وَالْهَدْي) . أَمَّا إِشْعَارُ الْبَقَرِ فِي الْهَدْيِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ (سِوَى أَبِي حَنِيفَةَ) عَلَى أَنَّ الإِْشْعَارَ سُنَّةٌ، وَأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الإِْشْعَارَ سُنَّةٌ فِي

стр. 4907

الإِْبِل، سَوَاءٌ أَكَانَ لَهَا سَنَامٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَنَامٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَنَامٌ فَإِنَّهَا تُشْعَرُ فِي مَوْضِعِ السَّنَامِ. وَأَمَّا الْبَقَرُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: الإِْشْعَارُ فِيهَا مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ لَهَا سَنَامٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَنَامٌ، فَهِيَ عِنْدَهُمْ كَالإِْبِل. وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْبَقَرَ إِذَا كَانَ لَهَا سَنَامٌ فَإِنَّهَا تُشْعَرُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سَنَامٌ فَإِنَّهَا لاَ تُشْعَرُ (١) . حُكْمُ التَّقْلِيدِ: ١٣ - التَّقْلِيدُ: جَعْل الْقِلاَدَةِ فِي الْعُنُقِ، وَتَقْلِيدُ الْهَدْيِ: أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ قِطْعَةٌ مِنْ جِلْدٍ، لِيُعْرَفَ أَنَّهُ هَدْيٌ فَلاَ يُتَعَرَّضُ لَهُ. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ مُسْتَحَبٌّ فِي الإِْبِل وَالْبَقَرِ. وَأَمَّا الْغَنَمُ فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ التَّقْلِيدِ فِيهَا كَالإِْبِل وَالْبَقَرِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ إِلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ التَّقْلِيدِ فِيهَا. وَتَقْلِيدُ الإِْبِل وَالْبَقَرِ يَكُونُ بِالنِّعَال وَنَحْوِهَا مِمَّا يُشْعِرُ أَنَّهَا هَدْيٌ (٢) .

стр. 4908

ذَكَاةُ الْبَقَرِ: ١٤ - ذَكَاةُ الْبَقَرِ كَذَكَاةِ الْغَنَمِ، فَإِذَا أُرِيدَ تَذْكِيَةُ الْبَقَرَةِ فَإِنَّهَا تُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهَا الأَْيْسَرِ، وَتُشَدُّ قَوَائِمُهَا الثَّلاَثُ: الْيَدُ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى وَالرِّجْل الْيُسْرَى، وَتُتْرَكُ الرِّجْل الْيُمْنَى بِلاَ شَدٍّ لِتَحَرُّكِهَا عِنْدَ الذَّبْحِ، وَيُمْسِكُ الذَّابِحُ رَأْسَهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَيُمْسِكُ السِّكِّينَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَبْدَأُ الذَّبْحَ بَعْدَ أَنْ يَقُول: بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَبَعْدَ أَنْ يَتَّجِهَ هُوَ وَذَبِيحَتُهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ. وَأَمَّا الإِْبِل فَإِنَّهَا تُنْحَرُ بِطَعْنِهَا فِي اللَّبَّةِ، أَيْ أَسْفَل الْعُنُقِ، وَهِيَ قَائِمَةٌ مَعْقُولَةُ الرُّكْبَةِ الْيُسْرَى (١) . اسْتِعْمَال الْبَقَرِ لِلرُّكُوبِ: ١٥ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا يُرْكَبُ مِنَ الأَْنْعَامِ وَيُحْمَل عَلَيْهِ هُوَ الإِْبِل. وَأَمَّا الْبَقَرُ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِلرُّكُوبِ، وَإِنَّمَا خُلِقَ لِيُنْتَفَعَ بِهِ فِي حَرْثِ الأَْرْضِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ سِوَى الرُّكُوبِ. وَأَمَّا الْغَنَمُ فَهِيَ لِلدَّرِّ وَالنَّسْل وَاللَّحْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَْنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (٢) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَل لَكُمُ الأَْنْعَامَ لِتَرْكَبُوا

стр. 4909

مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (١) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَل لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَْنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ . (٢) وَأَمَّا الآْيَاتُ الَّتِي تَذْكُرُ أَنَّ الأَْنْعَامَ تُرْكَبُ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى بَعْضِ الأَْنْعَامِ، وَهِيَ الإِْبِل، وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ (٣) . وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَال الْبَقَرِ لِلرُّكُوبِ غَيْرُ لاَئِقٍ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ قَدْ حَمَل عَلَيْهَا، الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ، فَقَال النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ - تَعَجُّبًا وَفَزَعًا - أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. (٤) بَوْل وَرَوْثُ الْبَقَرِ: ١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْل وَرَوْثِ مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ إِنْسَانًا أَمْ غَيْرَهُ. وَأَمَّا بَوْل وَرَوْثُ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ كَالإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَفِيهِ الْخِلاَفُ

стр. 4910

فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى نَجَاسَةِ الأَْبْوَال وَالأَْرْوَاثِ كُلِّهَا، مِنْ مَأْكُول اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَوَافَقَهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالإِْصْطَخْرِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى طَهَارَةِ بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ (١) . وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل وَالاِسْتِدْلاَل مُصْطَلَحَ (نَجَاسَة) . حُكْمُ الْبَقَرِ فِي الدِّيَةِ: ١٧ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اعْتِبَارِ الْبَقَرِ أَصْلاً فِي الدِّيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الدِّيَةَ ثَلاَثَةُ أُصُولٍ: الإِْبِل، وَالذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، وَلَيْسَ أَصْلاً (٢) . وَذَهَبَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ) وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّ الدِّيَةَ خَمْسَةُ أُصُولٍ: الإِْبِل، وَالذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ. وَزَادَ الصَّاحِبَانِ: الْحُلَل، وَهُوَ قَوْل عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْل تُعْتَبَرُ الْبَقَرُ

стр. 4911

أَصْلاً مِنْ أُصُول الدِّيَةِ، وَيَجُوزُ لأَِصْحَابِهَا - كَمَا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ - دَفْعُهَا ابْتِدَاءً، وَلاَ يُكَلَّفُونَ غَيْرَهَا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّ الدِّيَةَ لَيْسَ لَهَا إِلاَّ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الإِْبِل، فَإِذَا فُقِدَتْ فَالْوَاجِبُ قِيمَتُهَا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ. فَلَيْسَتِ الْبَقَرُ أَصْلاً عَلَى هَذَا الْقَوْل كَذَلِكَ (١) . وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (دِيَة) .

стр. 4912

بُكَاءٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْبُكَاءُ: مَصْدَرُ بَكَى يَبْكِي بُكًى، وَبُكَاءً (١) . قَال فِي اللِّسَانِ: الْبُكَاءُ يُقْصَرُ وَيُمَدُّ. قَال الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ: إِذَا مَدَدْتَ أَرَدْتَ الصَّوْتَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْبُكَاءِ، وَإِذَا قَصَرْتَ أَرَدْتَ الدُّمُوعَ وَخُرُوجَهَا. قَال كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ فِي رِثَاءِ حَمْزَةَ بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلاَ الْعَوِيل قَال الْخَلِيل: مَنْ قَصَرَ ذَهَبَ بِهِ إِلَى مَعْنَى الْحُزْنِ، وَمَنْ مَدَّهُ ذَهَبَ بِهِ إِلَى مَعْنَى الصَّوْتِ. وَالتَّبَاكِي: تَكَلُّفُ الْبُكَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا. (٢) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ.

стр. 4913

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الصِّيَاحُ وَالصُّرَاخُ: ٢ - الصِّيَاحُ وَالصُّرَاخُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الصَّوْتُ بِأَقْصَى الطَّاقَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُمَا بُكَاءٌ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ، وَيَرِدُ الصُّرَاخُ أَيْضًا لِرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى سَبِيل الاِسْتِغَاثَةِ (١) . ب - النِّيَاحُ: ٣ - النِّيَاحُ وَالنِّيَاحَةُ لُغَةً: الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ عَلَى الْمَيِّتِ (٢) . وَقَال فِي الْمِصْبَاحِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا جَاءَ فِي الْقَامُوسِ: نَاحَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الْمَيِّتِ نَوْحًا مِنْ بَابِ قَال، وَالاِسْمُ النُّوَاحُ وِزَانُ غُرَابٍ، وَرُبَّمَا قِيل: النِّيَاحُ بِالْكَسْرِ، فَهِيَ نَائِحَةٌ، وَالنِّيَاحَةُ بِالْكَسْرِ: الاِسْمُ مِنْهُ، وَالْمَنَاحَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَوْضِعُ النَّوْحِ (٣) . ج النَّدْبُ: ٤ - النَّدْبُ لُغَةً: الدُّعَاءُ إِلَى الأَْمْرِ وَالْحَثُّ عَلَيْهِ. وَالنَّدْبُ: الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ وَتَعْدَادُ مَحَاسِنُهُ. وَالاِسْمُ: النُّدْبَةُ (٤) .

стр. 4914

د - النَّحْبُ، أَوِ النَّحِيبُ: ٥ - النَّحْبُ لُغَةً: أَشَدُّ الْبُكَاءِ، كَالنَّحِيبِ (١) . الْعَوِيل: ٦ - الْعَوِيل: هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ، يُقَال: أَعْوَلَتِ الْمَرْأَةُ إِعْوَالاً وَعَوِيلاً (٢) . هَذَا وَيَتَّضِحُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّحِيبَ وَالْعَوِيل مَعْنَاهُمَا الْبُكَاءُ الشَّدِيدُ، وَأَنَّ الصُّرَاخَ وَالصِّيَاحَ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى، وَأَنَّ النُّوَاحَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَنَّ النَّدْبَ هُوَ تَعْدَادُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ الْبُكَاءَ مَا كَانَ مَصْحُوبًا بِصَوْتٍ، وَالْبُكَى مَا كَانَ بِلاَ صَوْتٍ، بِأَنْ كَانَ قَاصِرًا عَلَى خُرُوجِ الدَّمْعِ. أَسْبَابُ الْبُكَاءِ: ٧ - لِلْبُكَاءِ أَسْبَابٌ، مِنْهَا: خَشْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحُزْنُ، وَشِدَّةُ الْفَرَحِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْبُكَاءِ فِي الْمُصِيبَةِ: ٨ - الْبُكَاءُ قَدْ يَكُونُ قَاصِرًا عَلَى خُرُوجِ الدَّمْعِ فَقَطْ بِلاَ صَوْتٍ، أَوْ بِصَوْتٍ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَصْحُوبًا بِصَوْتٍ كَصُرَاخٍ أَوْ نُوَاحٍ أَوْ نَدْبٍ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ

стр. 4915

مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ الْبُكَاءُ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى كِتْمَانِ الْحُزْنِ، وَيَمْلِكُ السَّيْطَرَةَ عَلَى مَشَاعِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْبُكَاءُ مُجَرَّدًا عَنْ فِعْل الْيَدِ، كَشَقِّ جَيْبٍ أَوْ لَطْمٍ، وَعَنْ فِعْل اللِّسَانِ، كَالصُّرَاخِ وَدَعْوَى الْوَيْل وَالثُّبُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ (١) لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّهُ مَهْمَا كَانَ مِنَ الْعَيْنِ وَالْقَلْبِ فَمِنَ اللَّهِ وَمِنَ الرَّحْمَةِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ فَمِنَ الشَّيْطَانِ (٢) وَلِقَوْلِهِ ﷺ أَيْضًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ. (٣) أَمَّا حُكْمُ الْبُكَاءِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَسَيَأْتِي فِيمَا بَعْدُ. الْبُكَاءُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى: ٩ - الْمُؤْمِنُ يَعِيشُ فِي جِهَادٍ مَعَ نَفْسِهِ، وَيُرَاقِبُ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ، فَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ، وَيَبْكِي عِنْدَ ذِكْرِهِ سُبْحَانَهُ تَعَالَى، فَهَذَا مِنَ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ بَشَّرَهُمُ اللَّهُ

стр. 4916

بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . (٢) وَمِمَّا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ، مَعَ الإِْشَارَةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الآْيَاتِ الْقَرِيبَةِ مِنْهَا فِي الْمَعْنَى: وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الآْيَةِ بِالْخَوْفِ وَالْوَجَل عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَذَلِكَ لِقُوَّةِ إِيمَانِهِمْ وَمُرَاعَاتِهِمْ لِرَبِّهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الآْيَةِ ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وَقَال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣) ، فَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى كَمَال الْمَعْرِفَةِ وَثِقَةِ الْقَلْبِ، وَالْوَجَل: الْفَزَعُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَلاَ تَنَاقُضَ، وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّل أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤) أَيْ تَسْكُنُ نُفُوسُهُمْ مَعَ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ الْيَقِينُ، وَإِنْ كَانُوا يَخَافُونَ اللَّهَ.

стр. 4917

١٠ - فَهَذِهِ حَالَةُ الْعَارِفِينَ بِاللَّهِ، الْخَائِفِينَ مِنْ سَطْوَتِهِ وَعُقُوبَتِهِ. لاَ كَمَا يَفْعَلُهُ جُهَّال الْعَوَامِّ وَالْمُبْتَدِعَةُ الطَّغَامُ، مِنَ الزَّعِيقِ وَالزَّئِيرِ وَمِنَ النُّهَاقِ الَّذِي يُشْبِهُ نُهَاقَ الْحَمِيرِ، فَيُقَال لِمَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ وَجْدٌ وَخُشُوعٌ: لَمْ تَبْلُغْ أَنْ تُسَاوِيَ حَال الرَّسُول وَلاَ حَال أَصْحَابِهِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَالتَّعْظِيمِ لِجَلاَلِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَتْ حَالُهُمْ عِنْدَ الْمَوَاعِظِ الْفَهْمُ عَنِ اللَّهِ وَالْبُكَاءُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ أَحْوَال أَهْل الْمَعْرِفَةِ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ وَتِلاَوَةِ كِتَابِهِ فَقَال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِل إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ . (١) فَهَذَا وَصْفُ حَالِهِمْ وَحِكَايَةُ مَقَالِهِمْ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَى هَدْيِهِمْ وَلاَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ، فَمَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِهِمْ، وَمَنْ تَعَاطَى أَحْوَال الْمَجَانِينِ وَالْجُنُونَ فَهُوَ مِنْ أَخَسِّهِمْ حَالاً، وَالْجُنُونُ فُنُونٌ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَال: سَلُونِي، لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ أَرَمُّوا (٢) وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ، قَال أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالاً فَإِذَا كُل

стр. 4918

إِنْسَانٍ لاَفٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي. . . . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. (١) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ قَال: وَعَظَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. الْحَدِيثَ. وَلَمْ يَقُل: زَعَقْنَا وَلاَ رَقَصْنَا وَلاَ زُفْنَا وَلاَ قُمْنَا (٢) . وَقَال صَاحِبُ رُوحِ الْمَعَانِي فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) أَيْ خَافَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْهُ لإِِشْرَاقِ أَشِعَّةِ الْجَلاَل عَلَيْهَا (٤) . ١١ - وَالْبُكَاءُ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ أَثَرُهُ فِي الْعَمَل، وَفِي غُفْرَانِ الذُّنُوبِ، وَيَدُل لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيل اللَّهِ. (٥)

стр. 4919

قَال صَاحِبُ تُحْفَةِ الأَْحْوَذِيِّ: قَوْلُهُ: عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ أَيْ لاَ تَمَسُّ صَاحِبَهُمَا، فَعَبَّرَ بِالْجُزْءِ عَنِ الْجُمْلَةِ، وَعَبَّرَ بِالْمَسِّ إِشَارَةً إِلَى امْتِنَاعِ مَا فَوْقَهُ بِالأَْوْلَى، وَفِي رِوَايَةٍ: " أَبَدًا " وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ يَقْرَبَانِ النَّارَ. (١) وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ رُوحِ الْمَعَانِي أَخْبَارًا وَرَدَتْ فِي مَدْحِ الْبُكَاءِ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ بَيْنِهَا هَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى وَدُخَانُ جَهَنَّمَ. (٢) الْبُكَاءُ فِي الصَّلاَةِ: ١٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْبُكَاءَ فِي الصَّلاَةِ إِنْ كَانَ سَبَبُهُ أَلَمًا أَوْ مُصِيبَةً فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الصَّلاَةَ؛ لأَِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ ذِكْرَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ فَإِنَّهُ لاَ يُفْسِدُهَا؛ لأَِنَّهُ يَدُل عَلَى زِيَادَةِ الْخُشُوعِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِي الصَّلاَةِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ أَوِ الدُّعَاءِ. وَيَدُل عَلَى هَذَا حَدِيثُ الرَّسُول ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْل وَلَهُ

стр. 4920

أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَل مِنَ الْبُكَاءِ. (١) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيل فِيمَا إِذَا كَانَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ حَرْفَيْنِ، أَوْ عَلَى حَرْفَيْنِ أَصْلِيَّيْنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْنِ مِنْ حُرُوفِ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَحَدُهَا مِنْ حُرُوفِ الزِّيَادَةِ وَالآْخَرُ أَصْلِيٌّ، لاَ تَفْسُدُ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا، وَحُرُوفُ الزِّيَادَةِ عَشَرَةٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: أَمَانٌ وَتَسْهِيلٌ (٢) . وَحَاصِل مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا: أَنَّ الْبُكَاءَ فِي الصَّلاَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِصَوْتٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِلاَ صَوْتٍ، فَإِنْ كَانَ الْبُكَاءُ بِلاَ صَوْتٍ فَإِنَّهُ لاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، بِأَنْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ تَخَشُّعًا أَوْ لِمُصِيبَةٍ، أَمْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا مَا لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ فِي الاِخْتِيَارِيِّ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ، فَإِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا فَإِنَّهُ يُبْطِل الصَّلاَةَ، سَوَاءٌ كَانَ لِمُصِيبَةٍ أَمْ لِتَخَشُّعٍ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، بِأَنْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ تَخَشُّعًا لَمْ يُبْطِل، وَإِنْ كَثُرَ، وَإِنْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ بِغَيْرِ تَخَشُّعٍ أَبْطَل (٣) .

стр. 4921

هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الدُّسُوقِيُّ أَنَّ الْبُكَاءَ بِصَوْتٍ، إِنْ كَانَ لِمُصِيبَةٍ أَوْ لِوَجَعٍ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ أَوْ لِخُشُوعٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ كَالْكَلاَمِ، يُفَرَّقُ بَيْنَ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ، أَيْ فَالْعَمْدُ مُبْطِلٌ مُطْلَقًا، قَل أَوْ كَثُرَ، وَالسَّهْوُ يُبْطِل إِنْ كَانَ كَثِيرًا، وَيُسْجَدُ لَهُ إِنْ قَل (١) . وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْوَجْهِ الأَْصَحِّ إِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ فَإِنَّهُ يُبْطِل الصَّلاَةَ؛ لِوُجُودِ مَا يُنَافِيهَا، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبُكَاءُ مِنْ خَوْفِ الآْخِرَةِ. وَعَلَى مُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ يُبْطِل لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى كَلاَمًا فِي اللُّغَةِ، وَلاَ يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَكَانَ أَشْبَهَ بِالصَّوْتِ الْمُجَرَّدِ (٢) . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ إِنْ بَانَ حَرْفَانِ مِنْ بُكَاءٍ، أَوْ تَأَوُّهِ خَشْيَةٍ، أَوْ أَنِينٍ فِي الصَّلاَةِ لَمْ تَبْطُل؛ لأَِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الذِّكْرِ، وَقِيل: إِنْ غَلَبَهُ وَإِلاَّ بَطَلَتْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ خَشْيَةً؛ لأَِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْهِجَاءِ، وَيَدُل بِنَفْسِهِ عَلَى الْمَعْنَى كَالْكَلاَمِ، قَال أَحْمَدُ فِي الأَْنِينِ: إِذَا كَانَ غَالِبًا أَكْرَهُهُ، أَيْ مِنْ وَجَعٍ، وَإِنِ اسْتَدْعَى الْبُكَاءَ فِيهَا كُرِهَ كَالضَّحِكِ وَإِلاَّ فَلاَ. (٣)

стр. 4922

الْبُكَاءُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ: ١٣ - الْبُكَاءُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُسْتَحَبٌّ، وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِْسْرَاءِ ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَْذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ . (١) قَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا مَدْحٌ لَهُمْ، وَحُقَّ لِكُل مَنْ تَوَسَّمَ بِالْعِلْمِ، وَحَصَّل مِنْهُ شَيْئًا أَنْ يَجْرِيَ إِلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، فَيَخْشَعُ عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ وَيَتَوَاضَعُ وَيَذِل (٢) . وَقَال الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ أَيْ يَزِيدُهُمْ لِينَ قَلْبٍ وَرُطُوبَةَ عَيْنٍ (٣) . وَقَال الطَّبَرِيُّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى هَذِهِ الآْيَةِ: يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ. وَيَخِرُّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَابَيْنِ، مِنْ قَبْل نُزُول الْفُرْقَانِ، إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لأَِذْقَانِهِمْ يَبْكُونَ، وَيَزِيدُهُمْ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْعِبَرِ خُشُوعًا، يَعْنِي خُضُوعًا لأَِمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ اسْتِكَانَةً لَهُ. (٤) وَيُفْهَمُ اسْتِحْبَابُ الْبُكَاءِ أَيْضًا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ

стр. 4923

وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ مَرْفُوعًا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَل بِحُزْنٍ، فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا. (١) الْبُكَاءُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ: ١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ إِنْ كَانَ قَاصِرًا عَلَى خُرُوجِ الدَّمْعِ فَقَطْ بِلاَ صَوْتٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، قَبْل الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ، وَمِثْلُهُ غَلَبَةُ الْبُكَاءِ بِصَوْتٍ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ، وَمِثْلُهُ حُزْنُ الْقَلْبِ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى تَحْرِيمِ النَّدْبِ بِتَعْدَادِ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ بِرَفْعِ صَوْتٍ، إِلاَّ مَا نُقِل فِي الْفُرُوعِ عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ النُّوَاحِ وَشَقِّ الْجَيْبِ أَوِ الثَّوْبِ وَلَطْمِ الْخَدِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ عَبَّرُوا فِي ذَلِكَ بِالْكَرَاهَةِ، وَمُرَادُهُمُ الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ، وَبِذَلِكَ لاَ يَكُونُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ وَغَيْرَ مَصْحُوبٍ بِنِيَاحَةٍ وَنَدْبٍ أَوْ شَقِّ جَيْبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ الاِجْتِمَاعِ لِلْبُكَاءِ، وَإِلاَّ كُرِهَ. (٢)

стр. 4924

وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ أَتَى بِهِ الْقَلْيُوبِيُّ، فَقَال: إِنَّ الْبُكَاءَ عَلَى الْمَيِّتِ إِنْ كَانَ لِخَوْفٍ عَلَيْهِ مِنْ هَوْل يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَنَحْوِهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، أَوْ لِمَحَبَّةٍ وَرِقَّةٍ كَطِفْلٍ فَكَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الصَّبْرَ أَجْمَل، أَوْ لِصَلاَحٍ وَبَرَكَةٍ وَشَجَاعَةٍ وَفَقْدِ نَحْوِ عِلْمٍ فَمَنْدُوبٌ، أَوْ لِفَقْدِ صِلَةٍ وَبِرٍّ وَقِيَامٍ بِمَصْلَحَةٍ فَمَكْرُوهٌ، أَوْ لِعَدَمِ تَسْلِيمٍ لِلْقَضَاءِ وَعَدَمِ الرِّضَى بِهِ فَحَرَامٌ (١) . وَقَال الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ الْبُكَاءُ قَبْل الْمَوْتِ، فَإِذَا مَاتَ أَمْسَكْنَ. وَاسْتَدَل بِحَدِيثِ النَّسَائِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا (٢) . وَالْفُقَهَاءُ فِيمَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ اسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَكَى، فَقَال لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَتَبْكِي؟ أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنِ

стр. 4925

الْبُكَاءِ؟ قَال: لاَ. وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ. (١) وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. (٢) فَهَذَا يَدُل عَلَى عَدَمِ جَوَازِ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ اللَّطْمِ وَشَقِّ الْجَيْبِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ، فَجَعَل ابْنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ. قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: الْمَوْتُ. (٣) الْبُكَاءُ عِنْدَ زِيَارَةِ الْقَبْرِ: ١٥ - الْبُكَاءُ عِنْدَ زِيَارَةِ الْقَبْرِ جَائِزٌ، وَالدَّلِيل عَلَى

стр. 4926

ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ. . . إِلَخِ الْحَدِيثِ (١) . اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ: ١٦ - اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَكْرُوهٌ إِنْ كَانَ بِلاَ صَوْتٍ، وَحَرَامٌ إِنْ كَانَ مَعَهُ صَوْتٌ (٢) . وَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يُجِيزُونَ الاِجْتِمَاعَ لِلْبُكَاءِ (٣) . وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَفِيَّةُ وَلاَ الْحَنَابِلَةُ لاِجْتِمَاعِ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ. عَلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ الْبُكَاءِ بِالدَّمْعِ فَقَطْ بِلاَ صَوْتٍ، وَإِنَّمَا تَأْتِي الْكَرَاهَةُ أَوِ التَّحْرِيمُ عَلَى مَا إِذَا قُصِدَ الاِجْتِمَاعُ لَهُ. هَذَا، وَإِذَا كَانَ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ مَكْرُوهًا أَوْ مُحَرَّمًا فَكَرَاهَةُ أَوْ تَحْرِيمُ اجْتِمَاعِ الرِّجَال لَهُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا خَصَّ الْفُقَهَاءُ النِّسَاءَ بِالذِّكْرِ لأَِنَّ هَذَا شَأْنُهُنَّ (٤) . أَثَرُ بُكَاءِ الْمَوْلُودِ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ: ١٧ - إِذَا بَكَى الْمَوْلُودُ عِنْدَ وِلاَدَتِهِ، بِأَنِ اسْتَهَل

стр. 4927

صَارِخًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُل عَلَى تَحَقُّقِ حَيَاتِهِ، سَوَاءٌ انْفَصَل بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَمْ لَمْ يَنْفَصِل كَمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. فَإِنْ لَمْ يَبْكِ، وَلَمْ تُوجَدْ مِنْهُ عَلاَمَةٌ تَدُل عَلَى الْحَيَاةِ فَلاَ يُحْكَمُ بِحَيَاتِهِ. فَإِنْ بَدَا مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى حَيَاتِهِ، كَالْبُكَاءِ وَالصُّرَاخِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ الأَْحْيَاءِ، فَيُسَمَّى وَيَرِثُ، وَيُقْتَصُّ مِنْ قَاتِلِهِ عَمْدًا، وَيَسْتَحِقُّ مَوَالِيهِ الدِّيَةَ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ تَحَقُّقِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُورَثُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِهْلاَل) . أَثَرُ بُكَاءِ الْبِكْرِ عِنْدَ الاِسْتِئْذَانِ لِتَزْوِيجِهَا: ١٨ - إِذَا اسْتُؤْذِنَتِ الْبِكْرُ فِي النِّكَاحِ فَبَكَتْ، فَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ فِي دَلاَلَتِهِ عَلَى الرِّضَا وَعَدَمِهِ اتِّجَاهَاتٍ ثَلاَثَةً: أ - فَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: إِنْ كَانَ الْبُكَاءُ بِلاَ صَوْتٍ فَيَدُل عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ كَانَ بِصَوْتٍ فَلاَ يَدُل عَلَى الرِّضَا (١) . ب - وَالْمَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ: إِنَّ بُكَاءَ الْبِكْرِ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ، وَهِيَ الَّتِي يُزَوِّجُهَا غَيْرُ الأَْبِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، يُعْتَبَرُ رِضًا؛ لاِحْتِمَال أَنَّ هَذَا الْبُكَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِفَقْدِ الأَْبِ مَثَلاً، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لِلْمَنْعِ مِنَ

стр. 4928

الزَّوَاجِ لَمْ يَكُنْ رِضًا. (١) ج - وَالْحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ: إِنَّ الْبُكَاءَ إِذْنٌ فِي النِّكَاحِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فَإِذَا بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا (٢) وَلأَِنَّهَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالاِمْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِ الاِسْتِئْذَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ إِذْنًا مِنْهَا كَالصُّمَاتِ. وَالْبُكَاءُ يَدُل عَلَى فَرْطِ الْحَيَاءِ لاَ الْكَرَاهَةِ. وَلَوْ كَرِهَتْ لاَمْتَنَعَتْ، فَإِنَّهَا لاَ تَسْتَحِي مِنَ الاِمْتِنَاعِ (٣) . بُكَاءُ الْمَرْءِ هَل يَكُونُ دَلِيلاً عَلَى صِدْقِ مَقَالِهِ: ١٩ - بُكَاءُ الْمَرْءِ لاَ يَدُل عَلَى صِدْقِ مَقَالِهِ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُفَ ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ . (٤) فَإِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ تَصَنَّعُوا الْبُكَاءَ لِيُصَدِّقَهُمْ أَبُوهُمْ بِمَا أَخْبَرُوهُ بِهِ، مَعَ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرُوهُ بِهِ كَذِبٌ، هُمُ الَّذِينَ دَبَّرُوهُ وَفَعَلُوهُ.

стр. 4929

قَال الْقُرْطُبِيُّ قَال عُلَمَاؤُنَا: هَذِهِ الآْيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بُكَاءَ الْمَرْءِ لاَ يَدُل عَلَى صِدْقِ مَقَالِهِ؛ لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا، فَمِنَ الْخَلْقِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِمْ مَنْ لاَ يَقْدِرُ، وَقَدْ قِيل: إِنَّ الدَّمْعَ الْمَصْنُوعَ لاَ يَخْفَى. كَمَا قَال حَكِيمٌ: إِذَا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ فِي خُدُودٍ تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى (١) .

стр. 4930

بَكَارَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْبَكَارَةُ (بِالْفَتْحِ) لُغَةً: عُذْرَةُ الْمَرْأَةِ، وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي عَلَى الْقُبُل (١) . وَالْبِكْرُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ تُفْتَضَّ، وَيُقَال لِلرَّجُل: بِكْرٌ، إِذَا لَمْ يَقْرَبِ النِّسَاءَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ. (٢) وَالْبِكْرُ اصْطِلاَحًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: اسْمٌ لاِمْرَأَةٍ لَمْ تُجَامَعْ بِنِكَاحٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَمَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِغَيْرِ جِمَاعٍ كَوَثْبَةٍ، أَوْ دُرُورِ حَيْضٍ، أَوْ حُصُول جِرَاحَةٍ، أَوْ تَعْنِيسٍ: بِأَنْ طَال مُكْثُهَا بَعْدَ إِدْرَاكِهَا فِي مَنْزِل أَهْلِهَا حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ عِدَادِ الأَْبْكَارِ فَهِيَ بِكْرٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا (٣) . وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهَا الَّتِي لَمْ تُوطَأْ بِعَقْدٍ

стр. 4931

صَحِيحٍ، أَوْ فَاسِدٍ جَرَى مَجْرَى الصَّحِيحِ. وَقِيل: إِنَّهَا الَّتِي لَمْ تُزَل بَكَارَتُهَا أَصْلاً (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْعُذْرَةُ: ٢ - الْعُذْرَةُ لُغَةً: الْجِلْدَةُ الَّتِي عَلَى الْمَحَل (٢) . وَمِنْهُ الْعَذْرَاءُ، وَهِيَ: الْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ تُزَل بَكَارَتُهَا بِمُزِيلٍ (٣) . فَالْعَذْرَاءُ: تُرَادِفُ الْبِكْرَ لُغَةً وَعُرْفًا، وَقَدْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، فَيُطْلِقُونَ الْعَذْرَاءَ عَلَى مَنْ لَمْ تُزَل بَكَارَتُهَا أَصْلاً، وَقَال الدَّرْدِيرُ: إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا يُعْتَبَرُ (٤) . ب - الثُّيُوبَةُ: ٣ - الثُّيُوبَةُ: زَوَال الْبَكَارَةِ بِالْوَطْءِ وَلَوْ حَرَامًا. وَالثَّيِّبُ لُغَةً: ضِدُّ الْبِكْرِ، فَهِيَ الَّتِي تَزَوَّجَتْ فَثَابَتْ، وَفَارَقَتْ زَوْجَهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ بَعْدَ أَنْ مَسَّهَا، وَعَنِ الأَْصْمَعِيِّ أَنَّ الثَّيِّبَ: هُوَ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الدُّخُول.

стр. 4932

وَالثَّيِّبُ اصْطِلاَحًا: مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِالْوَطْءِ وَلَوْ حَرَامًا (١) . وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ ضِدَّانِ. مَا تَثْبُتُ بِهِ الْبَكَارَةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ: ٤ - أَجَازَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ قَبُول شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْبَكَارَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَالثِّنْتَانِ أَحْوَطُ وَأَوْثَقُ. وَأَجَازَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ شَهَادَةَ الرَّجُل فِي ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ خَلِيلٌ وَالدَّرْدِيرُ فِي شَرْحَيْهِ - إِلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ. لَكِنْ قَال الدُّسُوقِيُّ فِي بَابِ النِّكَاحِ: إِنْ أَتَى الرَّجُل بِامْرَأَتَيْنِ، أَوِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ تَشْهَدُ لَهُ عَلَى مَا تُصَدَّقُ فِيهِ الزَّوْجَةُ قُبِلَتْ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَثْبُتُ الْبَكَارَةُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ (٢) .

стр. 4933

وَمَنَاطُ قَوْل شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ فِي إِثْبَاتِ الْبَكَارَةِ أَنَّ مَوْضِعَهَا عَوْرَةٌ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال إِلاَّ لِلضَّرُورَةِ، وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ، مِنْ وِلاَدَةِ النِّسَاءِ وَعُيُوبِهِنَّ. (١) وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ الْبَكَارَةُ وَالثُّيُوبَةُ. وَتَثْبُتُ الْبَكَارَةُ كَذَلِكَ بِالْيَمِينِ حَسَبَ التَّفْصِيل الَّذِي سَيَأْتِي. أَثَرُ الْبَكَارَةِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ: مَا يَكُونُ بِهِ إِذْنُ الْبِكْرِ: ٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ سُكُوتَ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ إِذْنٌ مِنْهَا، لِحَدِيثِ: الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا. (٢) وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا. (٣)

стр. 4934

وَمِثْل السُّكُوتِ: الضَّحِكُ بِغَيْرِ اسْتِهْزَاءٍ؛ لأَِنَّهُ أَدَل عَلَى الرِّضَا مِنَ السُّكُوتِ، وَكَذَا التَّبَسُّمُ وَالْبُكَاءُ بِلاَ صَوْتٍ؛ لِدَلاَلَةِ بُكَاهَا عَلَى الرِّضَا ضِمْنًا. وَالْمُعَوَّل عَلَيْهِ اعْتِبَارُ قَرَائِنِ الأَْحْوَال فِي الْبُكَاءِ وَالضَّحِكِ، فَإِنْ تَعَارَضَتْ أَوْ أَشْكَل احْتِيطَ (١) . وَاسْتِئْمَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَِنَّ لِوَلِيِّهَا الْحَقَّ فِي إِجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ. وَسُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لِوَلِيِّهَا حَقُّ الإِْجْبَارِ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح) . ٦ - وَقَدْ ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَبْكَارًا لاَ يُكْتَفَى بِصَمْتِهِنَّ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ إِذْنِهِنَّ بِالْقَوْل عِنْدَ اسْتِئْذَانِهِنَّ فِي النِّكَاحِ: أ - بِكْرٌ رَشَّدَهَا أَبُوهَا أَوْ وَصِيُّهُ بَعْدَ بُلُوغِهَا؛ لأَِنَّهُ لاَ جَبْرَ لأَِبِيهَا عَلَيْهَا؛ لِمَا قَامَ بِهَا مِنْ حُسْنِ التَّصَرُّفِ عَلَى الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ.

стр. 4935

ب - بِكْرٌ مُجْبَرَةٌ عَضَلَهَا أَبُوهَا، أَيْ مَنَعَهَا مِنَ النِّكَاحِ لاَ لِمَصْلَحَتِهَا، بَل لِلإِْضْرَارِ بِهَا، فَرَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْحَاكِمِ، فَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا لاِمْتِنَاعِ أَبِيهَا، وَزَوَّجَهَا. ج - بِكْرٌ يَتِيمَةٌ مُهْمَلَةٌ لاَ أَبَ لَهَا وَلاَ وَصِيَّ، خِيفَ فَسَادُهَا بِفَقْرٍ أَوْ زِنًى أَوْ عَدَمِ حَاضِنٍ شَرْعِيٍّ فِي قَوْلٍ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تُجْبَرُ. د - بِكْرٌ غَيْرُ مُجْبَرَةٍ، افْتِيتَ عَلَيْهَا، زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا غَيْرُ الْمُجْبِرِ - وَهُوَ غَيْرُ الأَْبِ وَوَصِيُّهُ - بِغَيْرِ إِذْنِهَا، ثُمَّ أَنْهَى إِلَيْهَا الْخَبَرَ فَرَضِيَتْ. هـ - بِكْرٌ أُرِيدَ تَزْوِيجُهَا لِذِي عَيْبٍ مُوجِبٍ لِخِيَارِهَا، كَجُنُونٍ وَجُذَامٍ وَبَرَصٍ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح) . اشْتِرَاطُ الْوَلِيِّ وَعَدَمُهُ: ٧ - الْبِكْرُ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَالإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، بَل يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا. وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَإِنَّمَا يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: وَلَوْ كَانَتْ عَانِسًا

стр. 4936

بَلَغَتِ السِّتِّينَ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. (١) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِوَلِيِّهَا حَقُّ إِجْبَارِهَا، وَلَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ، أَوْ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْل، فَلِوَلِيِّهَا حَقُّ طَلَبِ الْفَسْخِ مَا لَمْ تَحْمِل. (٢) وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ نِكَاحَ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ إِذَا كَانَتْ بِكْرًا لاَ يَنْعَقِدُ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح) . مَتَى يَرْتَفِعُ الإِْجْبَارُ مَعَ وُجُودِ الْبَكَارَةِ: ٨ - أ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الأَْبَ لاَ يُجْبِرُ بِكْرًا رَشَّدَهَا - إِنْ بَلَغَتْ - بِأَنْ قَال لَهَا: رَشَّدْتُكِ، أَوْ أَطْلَقْتُ يَدَكِ، أَوْ رَفَعْتُ الْحَجْرَ عَنْكِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَثَبَتَ تَرْشِيدُهَا بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ إِنْ أَنْكَرَ، وَحَيْثُ كَانَتْ لاَ تُجْبَرُ فَلاَ بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا وَإِذْنِهَا، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَهُ جَبْرُهَا. ب - إِذَا عَضَل وَالِدُ الْبِكْرِ الْمُجْبَرَةِ، وَمَنَعَهَا

стр. 4937

مِنْ نِكَاحِ مَنْ تَرْغَبُ فِيهِ، وَرَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْقَضَاءِ، وَثَبَتَ كَفَاءَةُ مَنْ تَرْغَبُ فِي زَوَاجِهِ يَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِتَزْوِيجِهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ ارْتَفَعَ إِجْبَارُهُ، وَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ، وَلاَ بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِرِضَاهَا بِالزَّوْجِ وَبِالصَّدَاقِ. (١) وَلاَ يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَنْ هَذَا إِلاَّ فِي بَعْضِ التَّفْصِيلاَتِ، كَتَكْرَارِ امْتِنَاعِ الْوَلِيِّ الْعَاضِل مِرَارًا. (٢) ج - وَالْبِكْرُ الْيَتِيمَةُ الصَّغِيرَةُ إِذَا خِيفَ فَسَادُهَا، يُجْبِرُهَا وَلِيُّهَا عَلَى التَّزْوِيجِ، وَتَجِبُ مُشَاوَرَةُ الْقَاضِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (٣) وَلاَ خُصُوصِيَّةَ لِهَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ مُطْلَقَ الصَّغِيرَةِ - بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا - لِوَلِيِّهَا إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ، ثُمَّ إِذَا بَلَغَتْ وَكَانَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ غَيْرَ الأَْبِ أَوِ الْجَدِّ ثَبَتَ لَهَا خِيَارُ الْبُلُوغِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - فِي رِوَايَةٍ - إِلَى أَنَّ الْوَلِيَّ الْمُجْبِرَ هُوَ الأَْبُ فَقَطْ، وَلاَ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ جَدًّا. وَفِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ وِلاَيَةَ الإِْجْبَارِ فِي تَزْوِيجِ

стр. 4938

الْبِكْرِ هِيَ لِلأَْبِ وَالْجَدِّ وَحْدَهُمَا، دُونَ بَقِيَّةِ الأَْوْلِيَاءِ. فَالْبِكْرُ الْيَتِيمَةُ تَنْحَصِرُ وِلاَيَةُ إِجْبَارِهَا فِي الْجَدِّ. اشْتِرَاطُ الزَّوْجِ بَكَارَةَ الزَّوْجَةِ: ٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرَّجُل لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ، فَتَبَيَّنَ بَعْدَ الدُّخُول أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، لَزِمَهُ كُل الْمَهْرِ؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ شُرِعَ لِمُجَرَّدِ الاِسْتِمْتَاعِ دُونَ الْبَكَارَةِ، وَحَمْلاً لأَِمْرِهَا عَلَى الصَّلاَحِ، بِأَنْ زَالَتْ بِوَثْبَةٍ. فَإِنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا بِأَزْيَدَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ، فَإِذَا هِيَ غَيْرُ بِكْرٍ، لاَ تَجِبُ الزِّيَادَةُ؛ لأَِنَّهُ قَابَل الزِّيَادَةَ بِمَا هُوَ مَرْغُوبٌ فِيهِ، وَقَدْ فَاتَ، فَلاَ يَجِبُ مَا قُوبِل بِهِ، وَلاَ يَثْبُتُ بِتَخَلُّفِ شَرْطِ الْبَكَارَةِ فَسْخُ الْعَقْدِ. (١) وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُل امْرَأَةً ظَانًّا أَنَّهَا بِكْرٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا ثَيِّبٌ، وَلاَ عِلْمَ عِنْدَ أَبِيهَا، فَلاَ رَدَّ لِلزَّوْجِ بِذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ يَقُول: أَتَزَوَّجُهَا بِشَرْطِ أَنَّهَا (عَذْرَاءُ) وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَزُل بَكَارَتُهَا بِمُزِيلٍ، فَإِذَا وَجَدَهَا ثَيِّبًا فَلَهُ رَدُّهَا، وَسَوَاءٌ أَعَلِمَ الْوَلِيُّ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الثُّيُوبَةُ بِنِكَاحٍ أَمْ لاَ. وَأَمَّا إِذَا شَرَطَ أَنَّهَا (بِكْرٌ) فَوَجَدَهَا ثَيِّبًا بِغَيْرِ

стр. 4939

وَطْءِ نِكَاحٍ، وَلَمْ يَعْلَمِ الأَْبُ بِذَلِكَ، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، قِيل: يُخَيَّرُ، وَقِيل: لاَ، وَهُوَ الأَْصْوَبُ لِوُقُوعِ اسْمِ الْبَكَارَةِ عَلَيْهَا؛ وَلأَِنَّ الْبَكَارَةَ قَدْ تَزُول بِوَثْبَةٍ وَنَحْوِهَا. وَإِنْ عَلِمَ الأَْبُ بِثُيُوبَتِهَا بِلاَ وَطْءٍ وَكَتَمَ، فَلِلزَّوْجِ الرَّدُّ عَلَى الأَْصَحِّ، وَأَحْرَى بِوَطْءٍ. وَلَوْ شَرَطَ الْبَكَارَةَ وَوَجَدَهَا قَدْ ثِيبَتْ بِنِكَاحٍ، فَلَهُ الرَّدُّ مُطْلَقًا عَلِمَ الأَْبُ أَمْ لاَ. (١) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً بِشَرْطِ بَكَارَتِهَا، فَتَبَيَّنَ فَوَاتُ الشَّرْطِ صَحَّ النِّكَاحُ فِي الأَْظْهَرِ؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مُعَيَّنٌ لاَ يَتَبَدَّل بِخُلْفِ الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَهُمْ: بُطْلاَنُهُ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ يَعْتَمِدُ الصِّفَاتَ وَالأَْسْمَاءَ دُونَ التَّعْيِينِ وَالْمُشَاهَدَةِ، فَيَكُونُ اخْتِلاَفُ الصِّفَةِ فِيهِ كَاخْتِلاَفِ الْعَيْنِ. (٢) وَوَرَدَ عَنِ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ شَرَطَ فِي التَّزْوِيجِ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا فَوَجَدَهَا ثَيِّبًا بِالزِّنَى مَلَكَ الْفَسْخَ. وَإِنْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا فَبَانَتْ ثَيِّبًا، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: عَنْ أَحْمَدَ كَلاَمٌ يَحْتَمِل أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لاَ خِيَارَ لَهُ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ لاَ يُرَدُّ فِيهِ بِعَيْبٍ سِوَى ثَمَانِيَةِ عُيُوبٍ، فَلاَ يُرَدُّ مِنْهُ بِمُخَالَفَةِ الشَّرْطِ.

стр. 4940

وَالأَْمْرُ الثَّانِي: لَهُ الْخِيَارُ نَصًّا؛ لأَِنَّهُ شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فِيهِ، فَبَانَتْ بِخِلاَفِهِ. (١) الْبَكَارَةُ الْحُكْمِيَّةُ، وَأَثَرُهَا فِي الإِْجْبَارِ وَمَعْرِفَةِ إِذْنِهَا: ١٠ - مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِلاَ وَطْءٍ كَوَثْبَةٍ، أَوْ أُصْبُعٍ، أَوْ حِدَةِ حَيْضٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهِيَ بِكْرٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَلاَ أَثَرَ لِزَوَال بَكَارَتِهَا بِمَا ذُكِرَ وَنَحْوِهِ فِي الإِْجْبَارِ وَالاِسْتِئْذَانِ وَمَعْرِفَةِ إِذْنِهَا؛ لأَِنَّهَا لَمْ تُمَارِسِ الرِّجَال بِالْوَطْءِ فِي مَحَل الْبَكَارَةِ؛ وَلأَِنَّ الزَّائِل فِي هَذِهِ الْمَسَائِل الْعُذْرَةُ، أَيِ الْجِلْدَةُ الَّتِي عَلَى مَحَل الْبَكَارَةِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَالأَْصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالثَّانِي لِهَؤُلاَءِ، وَلأَِبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: أَنَّهَا كَالثَّيِّبِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الاِكْتِفَاءِ بِسُكُوتِهَا، لِزَوَال الْعُذْرَةِ؛ لأَِنَّهَا ثَيِّبٌ حَقِيقَةً. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِزِنًى - إِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَلَمْ تُحَدَّ بِهِ - هِيَ بِكْرٌ حُكْمًا. (٢) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح) .
следующие страницы →