Полный текст (31 949 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
بَلَغَتِ السِّتِّينَ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِوَلِيِّهَا حَقُّ إِجْبَارِهَا، وَلَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ، أَوْ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْل، فَلِوَلِيِّهَا حَقُّ طَلَبِ الْفَسْخِ مَا لَمْ تَحْمِل. (٢)
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ نِكَاحَ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ إِذَا كَانَتْ بِكْرًا لاَ يَنْعَقِدُ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح) .
مَتَى يَرْتَفِعُ الإِْجْبَارُ مَعَ وُجُودِ الْبَكَارَةِ:
٨ - أ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الأَْبَ لاَ يُجْبِرُ بِكْرًا رَشَّدَهَا - إِنْ بَلَغَتْ - بِأَنْ قَال لَهَا: رَشَّدْتُكِ، أَوْ أَطْلَقْتُ يَدَكِ، أَوْ رَفَعْتُ الْحَجْرَ عَنْكِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَثَبَتَ تَرْشِيدُهَا بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ إِنْ أَنْكَرَ، وَحَيْثُ كَانَتْ لاَ تُجْبَرُ فَلاَ بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا وَإِذْنِهَا، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ،
وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَهُ جَبْرُهَا.
ب - إِذَا عَضَل وَالِدُ الْبِكْرِ الْمُجْبَرَةِ، وَمَنَعَهَا стр. 4937
مِنْ نِكَاحِ مَنْ تَرْغَبُ فِيهِ، وَرَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْقَضَاءِ، وَثَبَتَ كَفَاءَةُ مَنْ تَرْغَبُ فِي زَوَاجِهِ يَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِتَزْوِيجِهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ ارْتَفَعَ إِجْبَارُهُ، وَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ، وَلاَ بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِرِضَاهَا بِالزَّوْجِ وَبِالصَّدَاقِ. (١)
وَلاَ يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَنْ هَذَا إِلاَّ فِي بَعْضِ التَّفْصِيلاَتِ، كَتَكْرَارِ امْتِنَاعِ الْوَلِيِّ الْعَاضِل مِرَارًا. (٢)
ج - وَالْبِكْرُ الْيَتِيمَةُ الصَّغِيرَةُ إِذَا خِيفَ فَسَادُهَا، يُجْبِرُهَا وَلِيُّهَا عَلَى التَّزْوِيجِ، وَتَجِبُ مُشَاوَرَةُ الْقَاضِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (٣)
وَلاَ خُصُوصِيَّةَ لِهَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ مُطْلَقَ الصَّغِيرَةِ - بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا - لِوَلِيِّهَا إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ، ثُمَّ إِذَا بَلَغَتْ وَكَانَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ غَيْرَ الأَْبِ أَوِ الْجَدِّ ثَبَتَ لَهَا خِيَارُ الْبُلُوغِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - فِي رِوَايَةٍ - إِلَى أَنَّ الْوَلِيَّ الْمُجْبِرَ هُوَ الأَْبُ فَقَطْ، وَلاَ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ جَدًّا. وَفِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ وِلاَيَةَ الإِْجْبَارِ فِي تَزْوِيجِ стр. 4938
الْبِكْرِ هِيَ لِلأَْبِ وَالْجَدِّ وَحْدَهُمَا، دُونَ بَقِيَّةِ الأَْوْلِيَاءِ. فَالْبِكْرُ الْيَتِيمَةُ تَنْحَصِرُ وِلاَيَةُ إِجْبَارِهَا فِي الْجَدِّ.
اشْتِرَاطُ الزَّوْجِ بَكَارَةَ الزَّوْجَةِ:
٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرَّجُل لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ، فَتَبَيَّنَ بَعْدَ الدُّخُول أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، لَزِمَهُ كُل الْمَهْرِ؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ شُرِعَ لِمُجَرَّدِ الاِسْتِمْتَاعِ دُونَ الْبَكَارَةِ، وَحَمْلاً لأَِمْرِهَا عَلَى الصَّلاَحِ، بِأَنْ زَالَتْ بِوَثْبَةٍ. فَإِنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا بِأَزْيَدَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ، فَإِذَا هِيَ غَيْرُ بِكْرٍ، لاَ تَجِبُ الزِّيَادَةُ؛ لأَِنَّهُ قَابَل الزِّيَادَةَ بِمَا هُوَ مَرْغُوبٌ فِيهِ، وَقَدْ فَاتَ، فَلاَ يَجِبُ مَا قُوبِل بِهِ،
وَلاَ يَثْبُتُ بِتَخَلُّفِ شَرْطِ الْبَكَارَةِ فَسْخُ الْعَقْدِ. (١)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُل امْرَأَةً ظَانًّا أَنَّهَا بِكْرٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا ثَيِّبٌ، وَلاَ عِلْمَ عِنْدَ أَبِيهَا، فَلاَ رَدَّ لِلزَّوْجِ بِذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ يَقُول: أَتَزَوَّجُهَا بِشَرْطِ أَنَّهَا (عَذْرَاءُ) وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَزُل بَكَارَتُهَا بِمُزِيلٍ، فَإِذَا وَجَدَهَا ثَيِّبًا فَلَهُ رَدُّهَا، وَسَوَاءٌ أَعَلِمَ الْوَلِيُّ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الثُّيُوبَةُ بِنِكَاحٍ أَمْ لاَ.
وَأَمَّا إِذَا شَرَطَ أَنَّهَا (بِكْرٌ) فَوَجَدَهَا ثَيِّبًا بِغَيْرِ стр. 4939
وَطْءِ نِكَاحٍ، وَلَمْ يَعْلَمِ الأَْبُ بِذَلِكَ، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، قِيل: يُخَيَّرُ، وَقِيل: لاَ، وَهُوَ الأَْصْوَبُ لِوُقُوعِ اسْمِ الْبَكَارَةِ عَلَيْهَا؛ وَلأَِنَّ الْبَكَارَةَ قَدْ تَزُول بِوَثْبَةٍ وَنَحْوِهَا. وَإِنْ عَلِمَ الأَْبُ بِثُيُوبَتِهَا بِلاَ وَطْءٍ وَكَتَمَ، فَلِلزَّوْجِ الرَّدُّ عَلَى الأَْصَحِّ، وَأَحْرَى بِوَطْءٍ.
وَلَوْ شَرَطَ الْبَكَارَةَ وَوَجَدَهَا قَدْ ثِيبَتْ بِنِكَاحٍ، فَلَهُ الرَّدُّ مُطْلَقًا عَلِمَ الأَْبُ أَمْ لاَ. (١)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً بِشَرْطِ بَكَارَتِهَا، فَتَبَيَّنَ فَوَاتُ الشَّرْطِ صَحَّ النِّكَاحُ فِي الأَْظْهَرِ؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مُعَيَّنٌ لاَ يَتَبَدَّل بِخُلْفِ الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَهُمْ: بُطْلاَنُهُ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ يَعْتَمِدُ الصِّفَاتَ وَالأَْسْمَاءَ دُونَ التَّعْيِينِ وَالْمُشَاهَدَةِ، فَيَكُونُ اخْتِلاَفُ الصِّفَةِ فِيهِ كَاخْتِلاَفِ الْعَيْنِ. (٢)
وَوَرَدَ عَنِ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ شَرَطَ فِي التَّزْوِيجِ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا فَوَجَدَهَا ثَيِّبًا بِالزِّنَى مَلَكَ الْفَسْخَ. وَإِنْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا فَبَانَتْ ثَيِّبًا، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: عَنْ أَحْمَدَ كَلاَمٌ يَحْتَمِل أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لاَ خِيَارَ لَهُ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ لاَ يُرَدُّ فِيهِ بِعَيْبٍ سِوَى ثَمَانِيَةِ عُيُوبٍ، فَلاَ يُرَدُّ مِنْهُ بِمُخَالَفَةِ الشَّرْطِ. стр. 4940
وَالأَْمْرُ الثَّانِي: لَهُ الْخِيَارُ نَصًّا؛ لأَِنَّهُ شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فِيهِ، فَبَانَتْ بِخِلاَفِهِ. (١)
الْبَكَارَةُ الْحُكْمِيَّةُ، وَأَثَرُهَا فِي الإِْجْبَارِ وَمَعْرِفَةِ إِذْنِهَا:
١٠ - مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِلاَ وَطْءٍ كَوَثْبَةٍ، أَوْ أُصْبُعٍ، أَوْ حِدَةِ حَيْضٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهِيَ بِكْرٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَلاَ أَثَرَ لِزَوَال بَكَارَتِهَا بِمَا ذُكِرَ وَنَحْوِهِ فِي الإِْجْبَارِ وَالاِسْتِئْذَانِ وَمَعْرِفَةِ إِذْنِهَا؛ لأَِنَّهَا لَمْ تُمَارِسِ الرِّجَال بِالْوَطْءِ فِي مَحَل الْبَكَارَةِ؛ وَلأَِنَّ الزَّائِل فِي هَذِهِ الْمَسَائِل الْعُذْرَةُ، أَيِ الْجِلْدَةُ الَّتِي عَلَى مَحَل الْبَكَارَةِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَالأَْصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالثَّانِي لِهَؤُلاَءِ، وَلأَِبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: أَنَّهَا كَالثَّيِّبِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الاِكْتِفَاءِ بِسُكُوتِهَا، لِزَوَال الْعُذْرَةِ؛ لأَِنَّهَا ثَيِّبٌ حَقِيقَةً.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِزِنًى - إِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَلَمْ تُحَدَّ بِهِ - هِيَ بِكْرٌ حُكْمًا. (٢)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح) . стр. 4941
تَعَمُّدُ إِزَالَةِ الْعُذْرَةِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ وَأَثَرُ ذَلِكَ:
١١ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا تَعَمَّدَ إِزَالَةَ بَكَارَةِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، كَأُصْبُعٍ، لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. وَوَجْهُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ آلَةٍ وَآلَةٍ فِي هَذِهِ الإِْزَالَةِ. وَوَرَدَ فِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ فِي الْجِنَايَاتِ: أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ أَزَال عُذْرَتَهَا بِالأُْصْبُعِ لاَ يَضْمَنُ، وَيُعَزَّرُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَقَطْ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ أَتْلَفَ مَا يَسْتَحِقُّ إِتْلاَفَهُ بِالْعَقْدِ، فَلاَ يَضْمَنُ بِغَيْرِهِ. (٢)
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّ الإِْزَالَةَ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الزَّوْجِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي لَهُمْ: إِنْ أَزَال بِغَيْرِ ذَكَرٍ فَأَرْشٌ. (٣)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَزَال الزَّوْجُ بَكَارَةَ زَوْجَتِهِ بِأُصْبُعِهِ تَعَمُّدًا، يَلْزَمُهُ حُكُومَةُ عَدْلٍ (أَرْشٌ) يُقَدِّرُهُ الْقَاضِي، وَإِزَالَةُ الْبَكَارَةِ بِالأُْصْبُعِ حَرَامٌ، وَيُؤَدَّبُ الزَّوْجُ عَلَيْهِ. (٤)
وَالتَّفْصِيل يَكُونُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح وَدِيَة) . стр. 4942
مِقْدَارُ الصَّدَاقِ بِإِزَالَةِ الْبَكَارَةِ بِالأُْصْبُعِ دُونَ الْجِمَاعِ:
١٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَزَال بَكَارَةَ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الْمَسِيسِ، وَجَبَ لَهَا جَمِيعُ مَهْرِهَا، إِنْ كَانَ مُسَمًّى وَلَمْ يُقْبَضْ، وَبَاقِيهِ إِنْ قُبِضَ بَعْضُهُ؛ لأَِنَّ إِزَالَةَ الْبَكَارَةِ بِأُصْبُعٍ وَنَحْوِهِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي خَلْوَةٍ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ فَعَل الزَّوْجُ مَا ذُكِرَ لَزِمَهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ الَّتِي أَزَالَهَا بِأُصْبُعِهِ، مَعَ نِصْفِ صَدَاقِهَا. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُحْكَمُ لَهَا بِنِصْفِ صَدَاقِهَا؛ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٣) إِذِ الْمُرَادُ بِالْمَسِّ: الْجِمَاعُ، وَلاَ يَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ بِاسْتِمْتَاعٍ وَإِزَالَةِ بَكَارَةٍ بِلاَ آلَةٍ، فَإِنْ طَلَّقَهَا وَجَبَ لَهَا الشَّطْرُ دُونَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ؛
وَعَلَّل الْحَنَابِلَةُ زِيَادَةً عَلَى الآْيَةِ بِأَنَّ هَذِهِ مُطَلَّقَةٌ قَبْل الْمَسِيسِ وَالْخَلْوَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا سِوَى نِصْفِ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى؛ وَلأَِنَّهُ أَتْلَفَ مَا يَسْتَحِقُّ إِتْلاَفَهُ بِالْعَقْدِ، فَلاَ يَضْمَنُهُ بِغَيْرِهِ. (٤) стр. 4943
ادِّعَاءُ الْبَكَارَةِ، وَأَثَرُ ذَلِكَ فِي الاِسْتِحْلاَفِ:
١٣ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ: أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ظَانًّا أَنَّهَا بِكْرٌ، وَقَال: إِنِّي وَجَدْتُهَا ثَيِّبًا، وَقَالَتْ: بَل وَجَدَنِي بِكْرًا، فَالْقَوْل قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا إِنْ كَانَتْ رَشِيدَةً، سَوَاءٌ ادَّعَتْ أَنَّهَا الآْنَ بِكْرٌ، أَمِ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا، وَهُوَ أَزَال بَكَارَتَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، وَلاَ يَكْشِفُ عَنْ حَالِهَا. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَشِيدَةً، وَكَانَتْ لاَ تُحْسِنُ التَّصَرُّفَ، أَوْ صَغِيرَةً، يَحْلِفُ أَبُوهَا، وَلاَ يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ جَبْرًا عَلَيْهَا، أَوِ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا بِرِضَاهَا فَيَنْظُرْنَهَا، فَإِنْ أَتَى الزَّوْجُ بِامْرَأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ لَهُ عَلَى مَا هِيَ مُصَدَّقَةٌ فِيهِ فَإِنَّهُ يُعْمَل بِشَهَادَتِهِمَا، وَكَذَا الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ. وَحِينَئِذٍ لاَ تُصَدَّقُ الزَّوْجَةُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَصَلَتِ الشَّهَادَةُ بَعْدَ حَلِفِهَا عَلَى مَا ادَّعَتْ، وَإِنْ كَانَ الأَْبُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ عَالِمًا بِثُيُوبَتِهَا بِلاَ وَطْءٍ مِنْ نِكَاحٍ، بَل بِوَثْبَةٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ زِنًى وَكَتَمَ عَنِ الزَّوْجِ، فَلِلزَّوْجِ الرَّدُّ عَلَى الأَْصَحِّ إِنْ كَانَ قَدْ شَرَطَ بَكَارَتَهَا، وَيَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ بِالصَّدَاقِ عَلَى الأَْبِ، وَعَلَى غَيْرِهِ إِنْ تَوَلَّى الْعَقْدَ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الثُّيُوبَةُ مِنْ نِكَاحٍ فَتُرَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الأَْبُ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح، صَدَاق، عَيْب) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي دَعْوَى стр. 4944
بَكَارَتِهَا بِلاَ يَمِينٍ، وَكَذَا فِي ثُيُوبَتِهَا، إِلاَّ إِذَا ادَّعَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا قَبْلَهُ فَلاَ بُدَّ مِنْ يَمِينِهَا. وَقَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: يُصَدَّقُ الْوَلِيُّ بِيَمِينِهِ هُنَا؛ لِئَلاَّ يَلْزَمَ بُطْلاَنُ الْعَقْدِ، وَلاَ تُسْأَل عَنْ سَبَبِ زَوَال بَكَارَتِهَا.
وَلَوْ أَقَامَ الْوَلِيُّ بَيِّنَةً بِبَكَارَتِهَا قَبْل الْعَقْدِ لإِِجْبَارِهَا قُبِلَتْ، وَلَوْ أَقَامَتْ هِيَ بَيِّنَةً بَعْدَ الْعَقْدِ بِزَوَال بَكَارَتِهَا قَبْل الْعَقْدِ لَمْ يَبْطُل الْعَقْدُ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَرْطِ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، فَادَّعَى بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا أَنَّهُ وَجَدَهَا ثَيِّبًا، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ، لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ بَعْدَ وَطْئِهِ فِي عَدَمِ بَكَارَتِهَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى، فَلاَ يُقْبَل فِي قَوْلِهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ.
فَإِنْ شَهِدَتِ امْرَأَةٌ عَدْلٌ: أَنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا قَبْل الدُّخُول قُبِل قَوْلُهَا وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَإِلاَّ فَلاَ. (٢) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح، صَدَاق، شَرْط)
بَلاَغٌ
انْظُرْ: تَبْلِيغ. стр. 4945
بُلْعُومٌ
١ - الْبُلْعُومُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا: هُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَمَوْضِعُ الاِبْتِلاَعِ مِنَ الْحَلْقِ. (١)
أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبُلْعُومِ:
الْبُلْعُومُ - بِاعْتِبَارِهِ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بَيْنَ آخِرِ الْفَمِ (أَيْ أَقْصَاهُ، وَهُوَ اللَّهَاةُ) وَالْمَعِدَةِ - تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامٌ، مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّذْكِيَةِ وَقَطْعِ الْبُلْعُومِ فِيهَا، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَالدِّيَةِ فِيهِ.
أ - مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّوْمِ وَمُفْطِرَاتِهِ:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ كُل مَا أُدْخِل فِي الْبُلْعُومِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ فِي فَتْرَةِ الصَّوْمِ стр. 4946
فَإِنَّهُ يُفْطِرُ فِي الْجُمْلَةِ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي (الصَّوْمِ) .
وَإِنِ اسْتَقَاءَ وَجَاوَزَ الْقَيْءُ الْبُلْعُومَ أَفْطَرَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. (١) وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (الصَّوْمُ) أَيْضًا.
ب - مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّذْكِيَةِ:
٣ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى ضَرُورَةِ قَطْعِ الْبُلْعُومِ أَثْنَاءَ الذَّبْحِ، ضِمْنَ مَا يُقْطَعُ مِنْ عُرُوقٍ فِي الْمَذْبُوحِ مَعْلُومَةٍ. وَهِيَ الْحُلْقُومُ وَهُوَ: مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْوَدَجَانِ وَهُمَا: عِرْقَانِ فِي جَانِبَيِ الْعُنُقِ بَيْنَهُمَا الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ، وَيَتَّصِل بِهِمَا أَكْثَرُ عُرُوقِ الْبَدَنِ، وَيَتَّصِلاَنِ بِالدِّمَاغِ. هَذَا بِالإِْضَافَةِ إِلَى الْمَرِيءِ (الْبُلْعُومِ) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا قَطْعَهُ، بَل قَالُوا بِقَطْعِ جَمِيعِ الْحُلْقُومِ، وَقَطْعِ جَمِيعِ الْوَدَجَيْنِ. (٢) стр. 4947
وَفِيمَا يُجْزِئُ فِي الذَّبْحِ خِلاَفٌ، مُجْمَلُهُ فِيمَا يَلِي:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الذَّابِحَ إِنْ قَطَعَ جَمِيعَهَا حَل الأَْكْل؛ لِوُجُودِ الذَّكَاةِ. وَكَذَلِكَ إِنْ قَطَعَ ثَلاَثَةً مِنْهَا، أَيَّ ثَلاَثَةٍ كَانَتْ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ. وَقَال مُحَمَّدٌ: إِنَّهُ يُعْتَبَرُ الأَْكْثَرُ مِنْ كُل عِرْقٍ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ قَوْل مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَحَمَل الْكَرْخِيُّ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ " وَإِنْ قُطِعَ أَكْثَرُهَا حَل " عَلَى مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَطْعَ أَيِّ ثَلاَثَةٍ مِنْهَا يَكْفِي.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ؛ لأَِنَّهُ أَسْرَعُ وَأَرْوَحُ لِلذَّبِيحَةِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّ الْحُلْقُومَ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءَ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَالرُّوحَ لاَ تَبْقَى مَعَ قَطْعِهِمَا. (١)
وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ قَطْعَ جَمِيعِ الْحُلْقُومِ، وَهُوَ الْقَصَبَةُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا النَّفَسُ، وَقَطْعَ جَمِيعِ الْوَدَجَيْنِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا قَطْعَ الْمَرِيءِ. (٢)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَاشْتَرَطُوا قَطْعَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، وَاكْتَفَوْا بِقَطْعِ الْبَعْضِ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا إِبَانَتَهُمَا؛ لأَِنَّهُ قَطْعٌ فِي مَحَل الذَّبْحِ مَا لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ، وَاشْتَرَطُوا فَرْيَ الْوَدَجَيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَةَ стр. 4948
وَجْهًا أَنَّهُ يَكْفِي قَطْعُ ثَلاَثَةٍ مِنَ الأَْرْبَعَةِ، وَقَال: إِنَّهُ الأَْقْوَى، وَسُئِل عَمَّنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ لَكِنْ فَوْقَ الْجَوْزَةِ؟ فَقَال: هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَحِل. (١) وَالتَّفْصِيل يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى: (تَذْكِيَة) .
ج - مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِنَايَةِ:
٤ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْجُرُوحَ - فِيمَا عَدَا الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ - تَنْقَسِمُ إِلَى جَائِفَةٍ وَغَيْرِ جَائِفَةٍ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْجَائِفَةَ هِيَ الَّتِي تَصِل إِلَى الْجَوْفِ مِنَ الْبَطْنِ أَوِ الظَّهْرِ أَوِ الْوَرِكِ أَوِ الثَّغْرِ (ثُغْرَةِ النَّحْرِ) أَوِ الْحَلْقِ أَوِ الْمَثَانَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مَا وَصَل مِنَ الرَّقَبَةِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَوْ وَصَل إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَابِ قَطْرَةٌ لأََفْطَرَ يَكُونُ جَائِفَةً؛ لأَِنَّهُ لاَ يُفْطِرُ إِلاَّ إِذَا كَانَ وَصَل إِلَى الْجَوْفِ.
وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَإِنْ نَفَذَتْ فَهِيَ جَائِفَتَانِ (٢) قَال ﵊ فِي стр. 4949
الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ (١) وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ حَكَمَ فِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ بِثُلُثَيِ الدِّيَةِ (٢) لأَِنَّهَا إِنْ نَفَذَتْ فَهِيَ جَائِفَتَانِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الْجَائِفَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَطْنِ وَالظَّهْرِ، وَفِيهَا ثُلُثٌ مِنَ الدِّيَةِ الْمُخَمَّسَةِ، فَإِنْ نَفَذَتْ فَهِيَ جَائِفَتَانِ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي (الْجِنَايَات، وَالدِّيَات) .
بَلْغَمٌ
انْظُرْ: نُخَامَة. стр. 4950
بُلُوغٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبُلُوغُ لُغَةً: الْوُصُول، يُقَال بَلَغَ الشَّيْءُ يَبْلُغُ بُلُوغًا وَبَلاَغًا: وَصَل وَانْتَهَى،
وَبَلَغَ الصَّبِيُّ: احْتَلَمَ وَأَدْرَكَ وَقْتَ التَّكْلِيفِ، وَكَذَلِكَ بَلَغَتِ الْفَتَاةُ. (١)
وَاصْطِلاَحًا: انْتِهَاءُ حَدِّ الصِّغَرِ فِي الإِْنْسَانِ، لِيَكُونَ أَهْلاً لِلتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ. أَوْ هُوَ: قُوَّةٌ تَحْدُثُ فِي الصَّبِيِّ، يَخْرُجُ بِهَا عَنْ حَالَةِ الطُّفُولِيَّةِ إِلَى غَيْرِهَا. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكِبَرُ:
٢ - الْكِبَرُ وَالصِّغَرُ مَعْنَيَانِ إِضَافِيَّانِ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ كَبِيرًا بِالنِّسْبَةِ لآِخَرَ، صَغِيرًا لِغَيْرِهِ، стр. 4951
وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يُطْلِقُونَ الْكِبَرَ فِي السِّنِّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ.
الأَْوَّل: أَنْ يَبْلُغَ الإِْنْسَانُ مَبْلَغَ الشَّيْخُوخَةِ وَالضَّعْفِ بَعْدَ تَجَاوُزِهِ مَرْحَلَةَ الْكُهُولَةِ. (١)
الثَّانِي: أَنْ يُرَادَ بِهِ الْخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الصِّغَرِ بِدُخُول مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْبُلُوغِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ.
ب - الإِْدْرَاكُ:
٣ - الإِْدْرَاكُ: لُغَةً مَصْدَرُ أَدْرَكَ، وَأَدْرَكَ الصَّبِيُّ وَالْفَتَاةُ: إِذَا بَلَغَا. وَيُطْلَقُ الإِْدْرَاكُ فِي اللُّغَةِ وَيُرَادُ بِهِ: اللَّحَاقُ، يُقَال: مَشَيْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُهُ. وَيُرَادُ بِهِ أَيْضًا: الْبُلُوغُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثَّمَرِ. كَمَا يُسْتَعْمَل فِي الرُّؤْيَةِ فَيُقَال: أَدْرَكْتُهُ بِبَصَرِي: أَيْ رَأَيْتُهُ.
وَقَدِ اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الإِْدْرَاكَ بِمَعْنَى: بُلُوغِ الْحُلُمِ، فَيَكُونُ مُسَاوِيًا لِلَفْظِ الْبُلُوغِ بِهَذَا الإِْطْلاَقِ،
وَيُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الإِْدْرَاكَ وَيُرِيدُونَ بِهِ أَوَانَ النُّضْجِ. (٢) стр. 4952
ج الْحُلْمُ وَالاِحْتِلاَمُ:
٤ - الاِحْتِلاَمُ: مَصْدَرُ احْتَلَمَ، وَالْحُلْمُ: اسْمُ الْمَصْدَرِ. وَهُوَ لُغَةً: رُؤْيَا النَّائِمِ مُطْلَقًا، خَيْرًا كَانَ الْمَرْئِيُّ أَوْ شَرًّا. وَفَرَّقَ الشَّارِعُ بَيْنَهُمَا، فَخَصَّ الرُّؤْيَا بِالْخَيْرِ، وَخَصَّ الْحُلْمَ بِضِدِّهِ.
ثُمَّ اسْتَعْمَل الاِحْتِلاَمَ وَالْحُلْمَ بِمَعْنًى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ: أَنْ يَرَى النَّائِمُ أَنَّهُ يُجَامِعُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَ ذَلِكَ إِنْزَالٌ أَمْ لاَ ثُمَّ اسْتَعْمَل هَذَا اللَّفْظَ بِمَعْنَى الْبُلُوغِ،
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُلْمُ وَالاِحْتِلاَمُ وَالْبُلُوغُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَلْفَاظًا مُتَرَادِفَةً.
د - الْمُرَاهَقَةُ:
٥ - الْمُرَاهَقَةُ: مُقَارَبَةُ الْبُلُوغِ، وَرَاهَقَ الْغُلاَمُ وَالْفَتَاةُ مُرَاهَقَةً: قَارَبَا الْبُلُوغَ، وَلَمْ يَبْلُغَا،
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَبِهَذَا تَكُونُ الْمُرَاهَقَةُ وَالْبُلُوغُ لَفْظَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ (١) . (٢)
هـ - الأَْشُدُّ:
٦ - الأَْشُدُّ لُغَةً: بُلُوغُ الرَّجُل الْحُنْكَةَ وَالْمَعْرِفَةَ. وَالأَْشُدُّ: طَوْرٌ يَبْتَدِئُ بَعْدَ انْتِهَاءِ حَدِّ الصِّغَرِ، стр. 4953
أَيْ مِنْ وَقْتِ بُلُوغِ الإِْنْسَانِ مَبْلَغَ الرِّجَال إِلَى سِنِّ الأَْرْبَعِينَ، وَقَدْ يُطْلَقُ الأَْشُدُّ عَلَى الإِْدْرَاكِ وَالْبُلُوغِ. وَقِيل: أَنْ يُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ مَعَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا. فَالأَْشُدُّ مُسَاوٍ لِلْبُلُوغِ فِي بَعْضِ إِطْلاَقَاتِهِ (١) .
الرُّشْدُ:
٧ - الرُّشْدُ لُغَةً: خِلاَفُ الضَّلاَل. وَالرُّشْدُ، وَالرَّشَدُ، وَالرَّشَادُ: نَقِيضُ الضَّلاَل، وَهُوَ: إِصَابَةُ وَجْهِ الأَْمْرِ وَالاِهْتِدَاءُ إِلَى الطَّرِيقِ.
وَالرُّشْدُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: الصَّلاَحُ فِي الْمَال لاَ غَيْرُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ. وَقَال الْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الصَّلاَحُ فِي الدِّينِ وَالْمَال. (٢)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (رُشْد) (وَالْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال) .
وَلَيْسَ لِلرُّشْدِ سِنٌّ مُعَيَّنَةٌ، وَقَدْ يَحْصُل قَبْل стр. 4954
الْبُلُوغِ، وَهَذَا نَادِرٌ لاَ حُكْمَ لَهُ، وَقَدْ يَحْصُل مَعَ الْبُلُوغِ أَوْ بَعْدَهُ، وَفِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ: كُل رَشِيدٍ بَالِغٌ، وَلَيْسَ كُل بَالِغٍ رَشِيدًا.
عَلاَمَاتُ الْبُلُوغِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي الذَّكَرِ، وَالأُْنْثَى، وَالْخُنْثَى:
٨ - لِلْبُلُوغِ عَلاَمَاتٌ طَبِيعِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ، مِنْهَا مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، وَمِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ الْعَلاَمَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ:
الاِحْتِلاَمُ:
٩ - الاِحْتِلاَمُ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنَ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ فِي يَقَظَةٍ أَوْ مَنَامٍ لِوَقْتِ إِمْكَانِهِ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَْطْفَال مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢) وَلِحَدِيثِ: خُذْ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا. (٣)
الإِْنْبَاتُ:
١٠ - الإِْنْبَاتُ: ظُهُورُ شَعْرِ الْعَانَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ فِي إِزَالَتِهِ إِلَى نَحْوِ حَلْقٍ، دُونَ الزَّغَبِ الضَّعِيفِ الَّذِي يَنْبُتُ لِلصَّغِيرِ. وَنَجِدُ فِي كَلاَمِ стр. 4955
بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الإِْنْبَاتَ إِذَا جُلِبَ وَاسْتُعْمِل بِوَسَائِل صِنَاعِيَّةٍ مِنَ الأَْدْوِيَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ مُثْبِتًا لِلْبُلُوغِ، قَالُوا: لأَِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْجَل الإِْنْبَاتُ بِالدَّوَاءِ وَنَحْوِهِ لِتَحْصِيل الْوِلاَيَاتِ وَالْحُقُوقِ الَّتِي لِلْبَالِغِينَ. (١)
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ الإِْنْبَاتِ عَلاَمَةً عَلَى الْبُلُوغِ، عَلَى أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ:
١١ - الأَْوَّل: أَنَّ الإِْنْبَاتَ لَيْسَ بِعَلاَمَةٍ عَلَى الْبُلُوغِ مُطْلَقًا. أَيْ لاَ فِي حَقِّ اللَّهِ وَلاَ فِي حَقِّ الْعِبَادِ. وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ عَلَى مَا فِي بَابِ الْقَذْفِ مِنَ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَحْوُهُ لاِبْنِ الْقَاسِمِ فِي بَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَظَاهِرُهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الآْدَمِيِّينَ. (٢)
١٢ - الثَّانِي: أَنَّ الإِْنْبَاتَ عَلاَمَةُ الْبُلُوغِ مُطْلَقًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ذَكَرَهَا ابْنُ عَابِدِينَ وَصَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ، إِلاَّ أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ نَقَل أَنَّ مَالِكًا لاَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَثْبُتْ بُلُوغُهُ بِغَيْرِ الإِْنْبَاتِ؛ لأَِنَّ الشُّبْهَةَ فِيهِ تَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ،
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِحَدِيثٍ نَبَوِيٍّ، وَآثَارٍ عَنِ الصَّحَابَةِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ: فَمَا وَرَدَ أَنَّ стр. 4956
النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَكَمَ بِقَتْل مُقَاتِلَتِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، وَأَمَرَ أَنْ يُكْشَفَ عَنْ مُؤْتَزِرِهِمْ، فَمَنْ أَنْبَتَ فَهُوَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَهُوَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ (١)
وَمِنْ هُنَا قَال عَطِيَّةُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: كُنْتُ مَعَهُمْ يَوْمَ قُرَيْظَةَ. فَأَمَرَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيَّ هَل أَنْبَتُّ، فَكَشَفُوا عَانَتِي، فَوَجَدُوهَا لَمْ تَنْبُتْ، فَجَعَلُونِي فِي السَّبْيِ (٢) .
وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَمِنْهُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ أَنْ لاَ يَقْتُل إِلاَّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي، وَلاَ يَأْخُذَ الْجِزْيَةَ إِلاَّ مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي وَأَنَّ غُلاَمًا مِنَ الأَْنْصَارِ شَبَّبَ بِامْرَأَةٍ فِي شِعْرِهِ، فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ فَلَمْ يَجِدْهُ أَنْبَتَ فَقَال: لَوْ أَنْبَتَّ الشَّعْرَ لَحَدَدْتُكَ (٣) . стр. 4957
١٣ - الْقَوْل الثَّالِثُ: إِنَّ الإِْنْبَاتَ بُلُوغٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ. وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ.
فَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الإِْنْبَاتَ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِبُلُوغِ وَلَدِ الْكَافِرِ، وَمَنْ جُهِل إِسْلاَمُهُ، دُونَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلِمَةِ. وَهُوَ عِنْدَهُمْ أَمَارَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ أَوْ بِالإِْنْزَال، وَلَيْسَ بُلُوغًا حَقِيقَةً. قَالُوا: وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَحْتَلِمْ، وَشَهِدَ عَدْلاَنِ بِأَنَّ عُمُرَهُ دُونَ خَمْسَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ بِالإِْنْبَاتِ.
وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ لِسُهُولَةِ مُرَاجَعَةِ آبَاءِ الْمُسْلِمِ وَأَقَارِبِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلأَِنَّ الصَّبِيَّ الْمُسْلِمَ مُتَّهَمٌ فِي الإِْنْبَاتِ، فَرُبَّمَا تَعَجَّلَهُ بِدَوَاءٍ دَفْعًا لِلْحَجْرِ عَنْ نَفْسِهِ وَتَشَوُّفًا لِلْوِلاَيَاتِ، بِخِلاَفِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَعْجِلُهُ. (١)
١٤ - وَيَرَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الإِْنْبَاتَ يُقْبَل عَلاَمَةً فِي أَعَمِّ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، فَقَدْ قَال ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّ الإِْنْبَاتَ عَلاَمَةٌ فِيمَا بَيْنَ الشَّخْصِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الآْدَمِيِّينَ مِنْ قَذْفٍ وَقَطْعٍ وَقَتْلٍ.
وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَ الشَّخْصِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلاَ خِلاَفَ - يَعْنِي عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّهُ لَيْسَ بِعَلاَمَةٍ. стр. 4958
وَبَنَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى هَذَا الْقَوْل أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ أَنْبَتَ، وَلَمْ يَحْتَلِمْ إِثْمٌ فِي تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ فِي الْبَاطِنِ عِتْقٌ وَلاَ حَدٌّ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ يُلْزِمُهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ يَنْظُرُ فِيهِ وَيَحْكُمُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ (١)
وَالْحُجَّةُ لِلطَّرَفَيْنِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ الْوَارِدُ فِي شَأْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ قَصَرُوا حُكْمَهُ عَلَى مَخْرَجِهِ، فَإِنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا كُفَّارًا، وَابْنُ رُشْدٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ جَعَلُوهُ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، أَيْ فِي الأَْحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، بِنَوْعٍ مِنَ الْقِيَاسِ (٢) .
مَا تَخْتَصُّ بِهِ الأُْنْثَى مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ:
١٥ - تَزِيدُ الأُْنْثَى وَتَخْتَصُّ بِعَلاَمَتَيْنِ: هُمَا الْحَيْضُ؛ إِذْ هُوَ عَلَمٌ عَلَى بُلُوغِهَا لِحَدِيثِ: لاَ يَقْبَل اللَّهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ. (٣)
وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ الْحَيْضَ بِالَّذِي لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي جَلْبِهِ، وَإِلاَّ فَلاَ يَكُونُ عَلاَمَةً.
وَالْحَمْل عَلاَمَةٌ عَلَى بُلُوغِ الأُْنْثَى؛ لأَِنَّ اللَّهَ стр. 4959
تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ أَنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ مِنْ مَاءِ الرِّجَال وَمَاءِ الْمَرْأَةِ. قَال تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِْنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (١)
فَإِذَا وُجِدَ وَاحِدٌ مِنَ الْعَلاَمَاتِ السَّابِقَةِ حُكِمَ بِالْبُلُوغِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ كَانَ الْبُلُوغُ بِالسِّنِّ عَلَى النَّحْوِ الْمُبَيَّنِ فِي مَوَاطِنِهِ مِنَ الْبَحْثِ.
١٦ - وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ فِي الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى - زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ - نَتْنَ الإِْبْطِ، وَفَرْقَ الأَْرْنَبَةِ، وَغِلَظَ الصَّوْتِ.
وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ فِي الذَّكَرِ - زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ - نَبَاتَ الشَّعْرِ الْخَشِنِ لِلشَّارِبِ، وَثِقَل الصَّوْتِ، وَنُتُوءَ طَرَفِ الْحُلْقُومِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَفِي الأُْنْثَى نُهُودُ الثَّدْيِ. (٢)
عَلاَمَاتُ الْبُلُوغِ الطَّبِيعِيَّةِ لَدَى الْخُنْثَى:
١٧ - الْخُنْثَى إِنْ كَانَ غَيْرَ مُشْكِلٍ، وَأُلْحِقَ بِالذُّكُورِ أَوِ الإِْنَاثِ، فَعَلاَمَةُ بُلُوغِهِ بِحَسَبِ النَّوْعِ الَّذِي أُلْحِقَ بِهِ. стр. 4960
أَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِل فَعَلاَمَاتُ الْبُلُوغِ الطَّبِيعِيَّةُ لَدَيْهِ كَعَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ لَدَى الذُّكُورِ أَوِ الإِْنَاثِ، فَيُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ بِالإِْنْزَال أَوِ الإِْنْبَاتِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْعَلاَمَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوِ الْخَاصَّةِ، عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمِ، وَهَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
أَمَّا الْقَوْل الثَّانِي، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْعَلاَمَةِ فِي الْفَرْجَيْنِ جَمِيعًا، فَلَوْ أَمْنَى الْخُنْثَى مِنْ ذَكَرِهِ، وَحَاضَتْ مِنْ فَرْجِهَا، أَوْ أَمْنَى مِنْهُمَا جَمِيعًا حُكِمَ بِبُلُوغِهِ، أَمَّا لَوْ أَمْنَى مِنْ ذَكَرِهِ فَقَطْ، أَوْ حَاضَتْ مِنْ فَرْجِهَا فَقَطْ فَلاَ يُحْكَمُ بِالْبُلُوغِ. (١)
١٨ - وَاسْتَدَل ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِأَيِّ الْعَلاَمَتَيْنِ تَظْهَرُ أَوَّلاً، بِأَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّ الرَّجُل مِنَ الْمَرْأَةِ مُسْتَحِيلٌ، وَخُرُوجَ الْحَيْضِ مِنَ الرَّجُل مُسْتَحِيلٌ، فَكَانَ خُرُوجُ أَيٍّ مِنْهُمَا دَلِيلاً عَلَى تَعْيِينِ كَوْنِ الْخُنْثَى أُنْثَى أَوْ ذَكَرًا، فَإِذَا ثَبَتَ التَّعْيِينُ لَزِمَ كَوْنُهُ دَلِيلاً عَلَى الْبُلُوغِ، كَمَا لَوْ تَعَيَّنَ قَبْل خُرُوجِهِ؛ وَلأَِنَّهُ مَنِيٌّ خَارِجٌ مِنْ ذَكَرٍ، أَوْ حَيْضٌ خَارِجٌ مِنْ فَرْجٍ، فَكَانَ عَلَمًا عَلَى الْبُلُوغِ، كَالْمَنِيِّ الْخَارِجِ مِنَ الْغُلاَمِ، وَالْحَيْضِ الْخَارِجِ مِنَ الْجَارِيَةِ. قَال: وَلأَِنَّهُمْ سَلَّمُوا أَنَّ خُرُوجَهُمَا مَعًا دَلِيل الْبُلُوغِ، فَخُرُوجُ أَحَدِهِمَا أَوْلَى؛ لأَِنَّ خُرُوجَهُمَا مَعًا يَقْتَضِي تَعَارُضَهُمَا стр. 4961
وَإِسْقَاطَ دَلاَلَتِهِمَا؛ إِذْ لاَ يُتَصَوَّرُ حَيْضٌ صَحِيحٌ وَمَنِيُّ رَجُلٍ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فَضْلَةً خَارِجَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلِّهَا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنَ الآْخَرِ، فَتَبْطُل دَلاَلَتُهُمَا، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إِذَا تَعَارَضَتَا، أَمَّا إِنْ وُجِدَ الْخُرُوجُ مِنْ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ، وَيُقْضَى بِثُبُوتِ دَلاَلَتِهِ. (١)
١٩ - وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ نَجِدْ - فِي مَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ - مِنْ كَلاَمِهِمْ تَعَرُّضًا صَرِيحًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنْ يَبْدُو أَنَّ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ كَقَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِظَاهِرِ مَا فِي شَرْحِ الأَْشْبَاهِ مِنْ قَوْلِهِ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْخُنْثَى: إِذَا كَانَ الْخُنْثَى بَالِغًا، بِأَنْ بَلَغَ بِالسِّنِّ، وَلَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنْ عَلاَمَاتِ الرِّجَال أَوِ النِّسَاءِ، لاَ تُجْزِيهِ الصَّلاَةُ بِغَيْرِ قِنَاعٍ؛ لأَِنَّ الرَّأْسَ مِنَ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ. (٢)
الْبُلُوغُ بِالسِّنِّ:
٢٠ - جَعَل الشَّارِعُ الْبُلُوغَ أَمَارَةً عَلَى أَوَّل كَمَال الْعَقْل؛ لأَِنَّ الاِطِّلاَعَ عَلَى أَوَّل كَمَال الْعَقْل مُتَعَذِّرٌ، فَأُقِيمَ الْبُلُوغُ مَقَامَهُ.
وَالْبُلُوغُ بِالسِّنِّ: يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ عَلاَمَةٍ مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ قَبْل ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ стр. 4962
الْفُقَهَاءُ فِي سِنِّ الْبُلُوغِ.
فَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: (١) أَنَّ الْبُلُوغَ بِالسِّنِّ يَكُونُ بِتَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَمَرِيَّةً لِلذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، كَمَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا تَحْدِيدِيَّةٌ؛ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي، وَرَآنِي بَلَغْتُ. (٢)
قَال الشَّافِعِيُّ: رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، لأَِنَّهُ لَمْ يَرَهُمْ بَلَغُوا، ثُمَّ عُرِضُوا عَلَيْهِ وَهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَهُمْ، مِنْهُمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَابْنُ عُمَرَ. (٣)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْبُلُوغَ يَكُونُ بِتَمَامِ ثَمَانِي стр. 4963
عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيل بِالدُّخُول فِيهَا، وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَطَّابُ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمَذْهَبِ، فَفِي رِوَايَةٍ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَقِيل: سَبْعَةَ عَشَرَ، وَزَادَ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ: سِتَّةَ عَشَرَ، وَتِسْعَةَ عَشَرَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، (١) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ.
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّ الْبُلُوغَ بِالسِّنِّ لِلْغُلاَمِ هُوَ بُلُوغُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَالْجَارِيَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٢) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: الأَْشُدُّ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً. وَهِيَ أَقَل مَا قِيل فِيهِ، فَأَخَذَ بِهِ احْتِيَاطًا، هَذَا أَشُدُّ الصَّبِيِّ، وَالأُْنْثَى أَسْرَعُ بُلُوغًا فَنَقَصَتْ سَنَةً.
السِّنُّ الأَْدْنَى لِلْبُلُوغِ الَّذِي لاَ تَصِحُّ دَعْوَى الْبُلُوغِ قَبْلَهُ:
٢١ - السِّنُّ الأَْدْنَى لِلْبُلُوغِ فِي الذَّكَرِ: عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِاسْتِكْمَال تِسْعِ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ стр. 4964
بِالتَّمَامِ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ: مُضِيُّ نِصْفِ التَّاسِعَةِ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً. (٢) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: عَشْرُ سِنِينَ. وَيُقْبَل إِقْرَارُ الْوَلِيِّ بِأَنَّ الصَّبِيَّ بَلَغَ بِالاِحْتِلاَمِ، إِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ. (٣)
وَالسِّنُّ الأَْدْنَى لِلْبُلُوغِ فِي الأُْنْثَى: تِسْعُ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ (٤) لأَِنَّهُ أَقَل سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ، وَلِحَدِيثِ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ (٥) وَالْمُرَادُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: نِصْفُ التَّاسِعَةِ، وَقِيل: الدُّخُول فِي التَّاسِعَةِ؛ وَلأَِنَّ هَذَا أَقَل سِنٍّ لِحَيْضِ الْفَتَاةِ. (٦)
وَالسِّنُّ الأَْدْنَى لِلْبُلُوغِ فِي الْخُنْثَى: تِسْعُ سِنِينَ стр. 4965
قَمَرِيَّةٍ بِالتَّمَامِ، وَقِيل نِصْفُ التَّاسِعَةِ، وَقِيل: الدُّخُول فِيهَا. (١)
إِثْبَاتُ الْبُلُوغِ:
يَثْبُتُ الْبُلُوغُ بِالطُّرُقِ الآْتِيَةِ:
الطَّرِيقُ الأُْولَى: الإِْقْرَارُ:
٢٢ - تَتَّفِقُ كَلِمَةُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ إِذَا كَانَ مُرَاهِقًا، وَأَقَرَّ بِالْبُلُوغِ بِشَيْءٍ مِنَ الْعَلاَمَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي تَخْفَى عَادَةً، كَالإِْنْزَال وَالاِحْتِلاَمِ وَالْحَيْضِ، يَصِحُّ إِقْرَارُهُ، وَتَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْبَالِغِ فِيمَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الْبُلُوغِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا. فَالطَّالِبُ كَمَنِ ادَّعَى الْبُلُوغَ لِيَأْخُذَ سَهْمَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، أَوْ لِيَؤُمَّ النَّاسَ، أَوْ لِيُكْمِل الْعَدَدَ فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ. وَالْمَطْلُوبُ كَجَانٍ ادَّعَى عَدَمَ الْبُلُوغِ لِيَدْرَأَ عَنْ نَفْسِهِ الْحَدَّ أَوِ الْقِصَاصَ أَوِ الْغَرَامَةَ فِي إِتْلاَفِ الْوَدِيعَةِ، وَكَمُطَلِّقٍ ادَّعَى عَدَمَ الْبُلُوغِ عِنْدَ الطَّلاَقِ؛ لِئَلاَّ يَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلاَقُ.
وَيُشْتَرَطُ لِقَبُول قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَاوَزَ السِّنَّ الأَْدْنَى لِلْبُلُوغِ، بَل لاَ تُقْبَل الْبَيِّنَةُ بِبُلُوغِهِ قَبْل ذَلِكَ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يُقْبَل إِقْرَارُ الصَّبِيِّ قَبْل تَمَامِ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يُقْبَل إِقْرَارُهُ стр. 4966
بِذَلِكَ قَبْل تَمَامِ الْعَاشِرَةِ، وَعِنْدَ كِلَيْهِمَا: لاَ يُقْبَل إِقْرَارُ الصَّبِيَّةِ بِهِ قَبْل تَمَامِ التَّاسِعَةِ؛ وَوَجْهُ صِحَّةِ الإِْقْرَارِ بِالْبُلُوغِ: أَنَّهُ مَعْنًى لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ مِنْ قِبَل الشَّخْصِ نَفْسِهِ، وَفِي تَكْلِيفِ الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ عُسْرٌ شَدِيدٌ،
وَلاَ يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ.
وَلاَ يَحْلِفُ أَيْضًا حَتَّى عِنْدَ الْخُصُومَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ بَالِغًا فَلاَ قِيمَةَ لِيَمِينِهِ؛ لِعَدَمِ الاِعْتِدَادِ بِيَمِينِ الصَّغِيرِ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَيَمِينُهُ تَحْصِيل حَاصِلٍ،
وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ بَعْضَ الصُّوَرِ يَحْلِفُ فِيهَا احْتِيَاطًا، لَكِنَّهُ يُزَاحِمُ غَيْرَهُ فِي الْحُقُوقِ، كَمَا لَوْ طَلَبَ فِي الْغَنِيمَةِ سَهْمَ مُقَاتِلٍ
٢٣ - وَاشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِذَلِكَ: أَنْ لاَ يَكُونَ بِحَالٍ مُرِيبَةٍ، أَوْ كَمَا عَبَّرَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُقْبَل إِنْ أَشْبَهَ، فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ لَمْ يُقْبَل، وَلَوْ صَدَّقَهُ أَبُوهُ. وَعَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ إِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ الظَّاهِرُ، بَل يَكُونُ بِحَالٍ يَحْتَلِمُ مِثْلُهُ. وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ حَال جِسْمِهِ عِنْدَ الإِْقْرَارِ حَال الْبَالِغِينَ، وَلاَيُشَكُّ فِي صِدْقِهِ.
هَكَذَا أَطْلَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ - مَا عَدَا الْمَالِكِيَّةَ - قَبُول قَوْلِهِ، وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنِ ارْتِيبَ فِيهِ يُصَدَّقُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِنَايَةِ وَالطَّلاَقِ، فَلاَ يُحَدُّ لِلشُّبْهَةِ، وَلاَ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلاَقُ اسْتِصْحَابًا لأَِصْل الصِّغَرِ، وَلاَ يُصَدَّقُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ
стр. 4967
بِالْمَال، فَلَوْ أَقَرَّ بِإِتْلاَفِ الْوَدِيعَةِ، وَأَنَّهُ بَالِغٌ، فَقَال أَبُوهُ: إِنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ، فَلاَ ضَمَانَ. (١)
وَقَدْ تَعَرَّضَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِقَبُول قَوْل الْمُرَاهِقَيْنِ فِي الْبُلُوغِ إِنِ ادَّعَيَاهُ بِالإِْنْبَاتِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الإِْنْبَاتِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْعَلاَمَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ سَابِقًا: أَنَّهُ يَسْهُل الاِطِّلاَعُ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْكَشْفِ عَمَّنْ شُكَّ فِي بُلُوغِهِ مِنْ غِلْمَانِ بَنِي قُرَيْظَةَ. إِلاَّ أَنَّ كَوْنَ الْعَوْرَةِ فِي الأَْصْل يَحْرُمُ كَشْفُهَا، دَعَا إِلَى قَوْل الْفُقَهَاءِ إِنَّهُ يُقْبَل قَوْل الشَّخْصِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ فِي نَبَاتِهَا وَعَدَمِهِ، إِلاَّ أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيَّ خَالَفَ فِي ذَلِكَ وَقَال: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهَا، وَلَكِنْ لاَ يُنْظَرُ مُبَاشَرَةً بَل مِنْ خِلاَل الْمِرْآةِ. وَرَدَّ كَلاَمَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَال: لاَ يُنْظَرُ إِلَيْهَا مُبَاشَرَةً، وَلاَ مِنْ خِلاَل الْمِرْآةِ، وَيُقْبَل كَلاَمُهُ إِنِ ادَّعَى الْبُلُوغَ بِالإِْنْبَاتِ.
الْبُلُوغُ شَرْطٌ لِلُزُومِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
٢٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الشَّارِعَ رَبَطَ التَّكْلِيفَ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَلُزُومِ آثَارِ стр. 4968
الأَْحْكَامِ فِي الْجُمْلَةِ بِشَرْطِ الْبُلُوغِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا:
أ - قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَْطْفَال مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١) جَعَل الْبُلُوغَ مُوجِبًا لِلاِسْتِئْذَانِ.
ب - وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢) جَعَل بُلُوغَ النِّكَاحِ مُوجِبًا لاِرْتِفَاعِ الْوِلاَيَةِ الْمَالِيَّةِ عَنِ الْيَتِيمِ، بِشَرْطِ كَوْنِهِ رَاشِدًا.
ج - وَمِنْهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ: خُذْ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرِيًّا (٣) جَعَل الاِحْتِلاَمَ مُوجِبًا لِلْجِزْيَةِ.
د - وَمِنْهَا مَا حَصَل يَوْمَ قُرَيْظَةَ، مِنْ أَنَّ مَنِ اشْتَبَهُوا فِي بُلُوغِهِ مِنَ الأَْسْرَى كَانَ إِذَا أَنْبَتَ قُتِل، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَنْبَتَ لَمْ يُقْتَل. فَجُعِل الإِْنْبَاتُ عَلاَمَةً لِجَوَازِ قَتْل الأَْسِيرِ.
هـ - وَمِنْهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَقْبَل اللَّهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ (٤) فَجَعَل الْحَيْضَ مِنَ الْمَرْأَةِ مُوجِبًا لِفَسَادِ صَلاَتِهَا، إِنْ صَلَّتْ بِغَيْرِ خِمَارٍ. стр. 4969
و - وَمِنْهَا حَدِيثُ: غُسْل يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُحْتَلِمٍ (١) بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ " بَابَ بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَتِهِمْ " قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَيُسْتَفَادُ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ - يَعْنِي شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ - بِالْقِيَاسِ عَلَى بَقِيَّةِ الأَْحْكَامِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالاِحْتِلاَمِ. (٢)
ز - وَمِنْهَا حَدِيثُ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ. . . (٣) جَعَل الْخُرُوجَ عَنْ حَدِّ الصَّغِيرِ مُوجِبًا لِكِتَابَةِ الإِْثْمِ، عَلَى مَنْ فَعَل مَا يُوجِبُهُ.
فَهَذِهِ الأَْدِلَّةُ وَأَمْثَالُهَا - مِمَّا يَأْتِي فِي شَأْنِ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ - تَدُل عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ رَبَطَ التَّكْلِيفَ وَلُزُومَ الأَْحْكَامِ عَامَّةً بِشَرْطِ الْبُلُوغِ، فَمَنِ اعْتُبِرَ بَالِغًا بِأَيِّ عَلاَمَةٍ مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ فَهُوَ رَجُلٌ تَامٌّ أَوِ امْرَأَةٌ تَامَّةٌ، مُكَلَّفٌ - إِنْ كَانَ عَاقِلاً - كَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُمْ، وَحُقَّ لَهُ مَا يَحِقُّ لَهُمْ. وَقَدْ نَقَل стр. 4970
بَعْضُهُمْ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفَرَائِضَ وَالأَْحْكَامَ تَجِبُ عَلَى الْمُحْتَلِمِ الْعَاقِل. (١) وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاِحْتِلاَمَ فِي الرِّجَال وَالنِّسَاءِ يَلْزَمُ بِهِ الْعِبَادَاتُ وَالْحُدُودُ وَسَائِرُ الأَْحْكَامِ. (٢)
مَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْبُلُوغُ مِنَ الأَْحْكَامِ:
أ - مَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ الْبُلُوغُ:
٢٥ - التَّكْلِيفُ بِالْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ يُشْتَرَطُ لَهُ الْبُلُوغُ، وَلاَ تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْبَالِغِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ. . . الْحَدِيثَ، وَذَلِكَ كَالصَّلاَةِ (٣) وَالصَّوْمِ (٤) وَالْحَجِّ (٥) عَلَى أَنَّ فِي الزَّكَاةِ خِلاَفًا. стр. 4971
وَمَعَ هَذَا يَنْبَغِي لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ أَنْ يُجَنِّبَهُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا لِيَعْتَادَهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ. (١)
وَمَعَ هَذَا إِذَا أَدَّاهَا الصَّغِيرُ، أَوْ فَعَل الْمُسْتَحَبَّاتِ تَصِحُّ مِنْهُ، وَيُؤْجَرُ عَلَيْهَا.
وَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَالْحُدُودُ، كَحَدِّ السَّرِقَةِ (٢) وَحَدِّ الْقَذْفِ (٣) وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدَّبَ.
ب - مَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ الْبُلُوغُ:
٢٦ - الْبُلُوغُ شَرْطُ صِحَّةٍ فِي كُل مَا يُشْتَرَطُ لَهُ تَمَامُ الأَْهْلِيَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ: الْوِلاَيَاتُ كُلُّهَا، كَالإِْمَارَةِ وَالْقَضَاءِ (٤) وَالْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ (٥) وَالشَّهَادَةِ فِي стр. 4972
الْجُمْلَةِ. (١) وَمِنْ ذَلِكَ التَّصَرُّفَاتُ الْمُتَمَحِّضَةُ لِلضَّرَرِ كَالْهِبَةِ (٢) وَالْعَارِيَّةِ (٣) وَالْوَقْفِ (٤) وَالْكَفَالَةِ (٥) . وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: الطَّلاَقُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالظِّهَارِ وَالإِْيلاَءِ (٦) وَالْخُلْعِ (٧) وَالْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ النَّذْرُ. (٨) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل كُل ذَلِكَ فِي مَوْطِنِهِ، وَفِي مُصْطَلَحِ (صِغَر) .
مَا يَثْبُتُ بِطُرُوءِ الْبُلُوغِ مِنَ الأَْحْكَامِ:
٢٧ - مِنَ الصُّعُوبَةِ بِمَكَانٍ حَصْرُ جَمِيعِ الأَْحْكَامِ стр. 4973
الَّتِي تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ طُرُوءِ الْبُلُوغِ، وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ الأَْمْثِلَةِ لِلأَْحْكَامِ الَّتِي تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَحْتَلِمَ الصَّبِيُّ أَوِ الصَّبِيَّةُ، أَوْ يَرَيَا أَيَّةَ عَلاَمَةٍ مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ:
أَوَّلاً فِي بَابِ الطَّهَارَةِ:
إِعَادَةُ التَّيَمُّمِ:
٢٨ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذَا تَيَمَّمَ، وَهُوَ غَيْرُ بَالِغٍ، ثُمَّ بَلَغَ بِمَا لاَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ كَالسِّنِّ، لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَ التَّيَمُّمَ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ؛ لأَِنَّ تَيَمُّمَهُ قَبْل بُلُوغِهِ كَانَ لِنَافِلَةٍ؛ إِذْ أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهْرِ مَثَلاً فَقَدْ كَانَتْ فِي حَقِّهِ نَافِلَةً، فَلاَ يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَنْ تَوَضَّأَ أَوِ اغْتَسَل ثُمَّ بَلَغَ، لاَ يَلْزَمُهُ إِعَادَتُهُمَا؛ لأَِنَّ الْوُضُوءَ وَالْغُسْل لِلنَّافِلَةِ يَرْفَعَانِ الْحَدَثَ مِنْ أَصْلِهِ. أَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ مُبِيحٌ وَلَيْسَ رَافِعًا، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ: أَنَّهُ مُبِيحٌ لاَ رَافِعٌ.
أَمَّا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَهُوَ أَنَّ التَّيَمُّمَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ إِلَى وَقْتِ وُجُودِ الْمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ عَلَى الصَّبِيِّ إِذَا تَيَمَّمَ، ثُمَّ بَلَغَ إِعَادَةُ التَّيَمُّمِ. (١) стр. 4974
ثَانِيًا - فِي بَابِ الصَّلاَةِ:
٢٩ - تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ أَوِ الصَّبِيَّةِ الصَّلاَةُ الَّتِي بَلَغَ فِي وَقْتِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَلاَّهَا إِجْمَاعًا، حَتَّى الْمَالِكِيَّةُ - الَّذِينَ قَالُوا: يَحْرُمُ تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ إِلَى الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ، أَيْ لِلْعَصْرِ فِي الْجُزْءِ الآْخِرِ مِنْ وَقْتِهَا، وَالصُّبْحُ كَذَلِكَ - قَالُوا: لَوْ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا، وَلاَ حُرْمَةَ عَلَيْهِ. (١)
٣٠ - وَلَوْ أَنَّهُ صَلَّى صَلاَةَ الْوَقْتِ، ثُمَّ بَلَغَ قَبْل خُرُوجِ وَقْتِهَا، لَزِمَهُ إِعَادَتُهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الصَّلاَةَ الَّتِي صَلاَّهَا قَبْل الْبُلُوغِ نَفْلٌ فِي حَقِّهِ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنِ الْوَاجِبِ، هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ بَلَغَ قَبْل صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مَعَ النَّاسِ.
وَكَذَا إِنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثُمَّ بَلَغَ وَوَجَدَ جُمُعَةً أُخْرَى، وَجَبَ عَلَيْهِ الإِْعَادَةُ مَعَهُمْ، وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ أَعَادَهَا ظُهْرًا؛ لأَِنَّ فِعْلَهُ الأَْوَّل - وَلَوْ جُمُعَةً - وَقَعَ نَفْلاً، فَلاَ يُجْزِئُ عَنِ الْفَرْضِ. (٢)
أَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، فَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الصَّبِيَّ الإِْعَادَةُ إِذَا بَلَغَ فِي الْوَقْتِ وَقَدْ صَلَّى، قَالُوا: لأَِنَّهُ стр. 4975
أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ. وَلَوْ أَنَّهُ بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُ الصَّلاَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا، بَل تُسْتَحَبُّ. (١)
٣١ - تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ الَّتِي بَلَغَ فِي وَقْتِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلاَةَ الَّتِي تُجْمَعُ إِلَى الْحَاضِرَةِ قَبْلَهَا، فَلَوْ بَلَغَ قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَلَوْ بَلَغَ قَبْل الْفَجْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: رُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُوسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَعَامَّةِ التَّابِعِينَ، إِلاَّ أَنَّ مَالِكًا قَال: لاَ تَجِبُ الأُْولَى إِلاَّ بِإِدْرَاكِ مَا يَسَعُ خَمْسَ رَكَعَاتٍ أَيِ الصَّلاَةَ الأُْولَى مِنْهُمَا كَامِلَةً وَرَكْعَةً وَاحِدَةً عَلَى الأَْقَل مِنَ الثَّانِيَةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَوْ أَدْرَكَ مَا يَسَعُ تَكْبِيرَةَ إِحْرَامٍ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الصَّلاَتَانِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْل: أَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ هُوَ وَقْتٌ لِلأُْولَى حَال الْعُذْرِ، أَيْ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ فِي حَال السَّفَرِ أَوْ نَحْوِهِ أَنْ يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إِلَى الْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبَ إِلَى الْعِشَاءِ، فَوَقْتُ الْعَصْرِ وَقْتٌ لِلظُّهْرِ مِنْ وَجْهٍ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، فَكَأَنَّهُ بِإِدْرَاكِهِ وَقْتَ الثَّانِيَةِ مُدْرِكٌ لِلأُْولَى أَيْضًا. следующие страницы →