← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

مَكْرُوهٌ إِلاَّ لِغَرَضِ الذَّبْحِ. وَذَبْحُهُمَا كِلَيْهِمَا لاَ يَحْرُمُ (١) . وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ كَلاَمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. ب - بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا: ١٠٦ - الْمُرَادُ بِالْعَصِيرِ: عَصِيرُ الْعِنَبِ، أَيْ مَعْصُورُهُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ. وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ مَذَاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى حُرْمَةِ هَذَا الْبَيْعِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ أَيْلُولَتَهُ إِلَى الْخَمْرِ، فَإِنْ شَكَّ كُرِهَ. وَنَحْوُهُ قَوْل لِلصَّاحِبَيْنِ - أَشَارَ الْحَصْكَفِيُّ لِتَضْعِيفِهِ - بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالْكَرَاهَةُ إِنْ أُطْلِقَتْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِلتَّحْرِيمِ (٢) . وَعِبَارَةُ الْمَالِكِيَّةِ: وَحُرِّمَ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَيْعُ الْعِنَبِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْصِرُهُ خَمْرًا. وَقَدِ اسْتَدَلُّوا

стр. 5532

بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ: بِعَيْنِهَا، وَعَاصِرِهَا، وَمُعْتَصِرِهَا، وَبَائِعِهَا، وَمُبْتَاعِهَا، وَحَامِلِهَا، وَالْمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ، وَآكِل ثَمَنِهَا، وَشَارِبِهَا، وَسَاقِيهَا (٢) . وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل كَمَا يَقُول عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: أَنَّهُ يَدُل عَلَى تَحْرِيمِ التَّسَبُّبِ إِلَى الْحَرَامِ (٣) . وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ قَيِّمًا كَانَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ عِنَبٍ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ زَبِيبًا، وَلاَ يَصْلُحُ أَنْ يُبَاعَ إِلاَّ لِمَنْ يَعْصِرُهُ، فَأَمَرَهُ بِقَلْعِهِ، وَقَال: بِئْسَ الشَّيْخُ أَنَا إِنْ بِعْتُ الْخَمْرَ. وَلأَِنَّهُ يُعْقَدُ الْبَيْعُ عَلَى عَصْرٍ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ لِلْمَعْصِيَةِ، فَأَشْبَهَ إِجَارَةَ الرَّجُل أَمَتَهُ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُهَا لِيَزْنِيَ بِهَا (٤) . وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ. وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.

стр. 5533

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ جَائِزٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَنَقَل عَنْ هَذَا قَوْلَهُ: " بِعِ الْحَلاَل مِمَّنْ شِئْتَ (١) " وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢) وَقَدْ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ. وَلأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ لاَ تَقُومُ بِعَيْنِهِ، بَل بَعْدَ تَغَيُّرِهِ بِشُرْبِهِ، وَهُوَ فِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَلَيْسَ الشُّرْبُ مِنْ ضَرُورَاتِ الْحَمْل؛ لأَِنَّ الشُّرْبَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الْحَمْل، وَلَيْسَ الْحَمْل مِنْ ضَرُورَاتِ الشُّرْبِ، لأَِنَّ الْحَمْل قَدْ يُوجَدُ لِلإِْرَاقَةِ وَالتَّخْلِيل بِالصَّبِّ فِي الْخَل، فَلَيْسَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَمْل، وَصَارَ كَالاِسْتِئْجَارِ لِعَصْرِ الْعِنَبِ، وَهَذَا قِيَاسٌ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ كَمَا قَال الْكَرْلاَنِيُّ. لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ الْمَذْهَبَ - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَأَنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى، فَقَدْ قَال صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا (٣) وَكَلِمَةُ لاَ بَأْسَ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، فَتَرْكُهُ أَوْلَى. وَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا، هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُتُونُ.

стр. 5534

اشْتِرَاطُ عِلْمِ الْبَائِعِ بِقَصْدِ الْمُشْتَرِي اتِّخَاذَ الْعَصِيرِ لِلْخَمْرِ: ١٠٧ - اشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ لِلْمَنْعِ مِنْ هَذَا الْبَيْعِ: أَنْ يَعْلَمَ الْبَائِعُ بِقَصْدِ الْمُشْتَرِي اتِّخَاذَ الْخَمْرِ مِنَ الْعَصِيرِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يُكْرَهْ بِلاَ خِلاَفٍ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ صَرِيحُ كَلاَمِ الْمَرْغِينَانِيِّ الآْنِفِ الذِّكْرِ. وَكَذَلِكَ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّمَا يَحْرُمُ الْبَيْعُ إِذَا عَلِمَ الْبَائِعُ قَصْدَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ: إِمَّا بِقَوْلِهِ، وَإِمَّا بِقَرَائِنَ مُخْتَصَّةٍ بِهِ تَدُل عَلَى ذَلِكَ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَاكْتَفَوْا بِظَنِّ الْبَائِعِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْصِرُ خَمْرًا أَوْ مُسْكِرًا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (١) . ١٠٨ - أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْبَائِعُ بِحَال الْمُشْتَرِي، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِمَّنْ يَعْمَل الْخَل وَالْخَمْرَ مَعًا، أَوْ كَانَ الْبَائِعُ يَشُكُّ فِي حَالِهِ، أَوْ يَتَوَهَّمُ: - فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ الْجَوَازُ، كَمَا هُوَ نَصُّ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْبَيْعَ فِي حَال الشَّكِّ أَوِ التَّوَهُّمِ مَكْرُوهٌ (٢) .

стр. 5535

حُكْمُ بَيْعِ الْعَصِيرِ لِذِمِّيٍّ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا: ١٠٩ - إِنَّ مُقْتَضَى الْعُمُومِ وَالإِْطْلاَقِ فِي مَنْعِ بَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَكَذَا مَا عَلَّلَتْهُ الشُّرُوحُ - كَمَا يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ - أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ مِنْهُمَا، وَأَنَّ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، يَرَوْنَ جَوَازَ بَيْعِ الْعَصِيرِ مِنَ الْكَافِرِ. وَالأَْصَحُّ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ وَلاَ فَرْقَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا. وَالشَّافِعِيَّةُ صَرَّحُوا بِذَلِكَ، وَقَالُوا بِحُرْمَةِ الْبَيْعِ لِلْعَاصِرِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا، لِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كُنَّا لاَ نَتَعَرَّضُ لَهُ بِشَرْطِهِ، أَيْ عَدَمَ إِظْهَارِهِ. (١) الْحُكْمُ فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ وَشُمُولِهِ لِغَيْرِهِ: ١١٠ - عَمَّمَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحُكْمَ فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَلَمْ يُقْصِرُوهُ عَلَى الْعَصِيرِ، بَل عَدَّوْهُ إِلَى الْعِنَبِ نَفْسِهِ وَإِلَى الرُّطَبِ وَالزَّبِيبِ، فَهِيَ مِثْل الْعَصِيرِ فِي التَّحْرِيمِ، كُلَّمَا قُصِدَ بِهَا اتِّخَاذُ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَبَيْعُ نَحْوِ رُطَبٍ، كَعِنَبٍ، لِمُتَّخِذِهِ مُسْكِرًا.

стр. 5536

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ مَا قُصِدَ بِهِ الْحَرَامُ، كَعِنَبٍ وَكَعَصِيرٍ لِمُتَّخِذِهِمَا خَمْرًا، وَكَذَا زَبِيبٌ وَنَحْوُهُ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَكَذَا يُمْنَعُ بَيْعُ كُل شَيْءٍ، عُلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَصَدَ بِهِ أَمْرًا لاَ يَجُوزُ. وَتَرَدَّدَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ: - فَذَهَبَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنْهُمْ إِلَى: أَنَّ بَيْعَ الْعِنَبِ وَالْكَرْمِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا لاَ يُكْرَهُ. - وَنَقَل الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ بَيْعَ الْعِنَبِ هُوَ أَيْضًا عَلَى الْخِلاَفِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ. فَعِنْدَهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا. وَعِنْدَهُمَا يُمْنَعُ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا (٢) . حُكْمُ بَيْعِ الْعَصِيرِ لِمُتَّخِذِهِ خَمْرًا، مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ وَالْبُطْلاَنُ: ١١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ: إِلَى صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ. وَعَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ النَّهْيَ - الْمُسْتَفَادَ مِنْ حَدِيثِ لَعْنِ الْعَاصِرِ (٣) وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ أَوِ التَّحْرِيمَ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ

стр. 5537

سَبَبٌ لِمَعْصِيَةٍ مُتَحَقِّقَةٍ أَوْ مُتَوَهَّمَةٍ - لاَ يَقْتَضِي الْبُطْلاَنَ هُنَا، لأَِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنًى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَعَنْ لاَزِمِهَا، لَكِنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِهِ، نَظِيرُ الْبَيْعِ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِذَاتِهِ لاَ لاَزِمِهَا، بَل هُوَ لِخَشْيَةِ تَفْوِيتِهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى: أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ، مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ لِلْبَيْعِ. (١) أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَنَصُّوا عَلَى: أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ، بِأَنْ عَلِمَ الْبَائِعُ قَصْدَ الْمُشْتَرِي الْخَمْرِ بِشِرَاءِ الْعِنَبِ، بِأَيِّ وَجْهٍ حَصَل الْعِلْمُ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا فَلَمْ يَصِحَّ، وَلأَِنَّ التَّحْرِيمَ هُنَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ، كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ. (٢) بَيْعُ مَا يُقْصَدُ بِهِ فِعْل مُحَرَّمٍ: ١١٢ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ كُل مَا يُقْصَدُ بِهِ الْحَرَامُ، وَكُل تَصَرُّفٍ يُفْضِي إِلَى مَعْصِيَةٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَيَمْتَنِعُ بَيْعُ كُل شَيْءٍ عُلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَصَدَ بِهِ أَمْرًا لاَ يَجُوزُ (٣) .

стр. 5538

١١٣ - فَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: بَيْعُ الأَْمَةِ لأَِهْل الْفَسَادِ، وَالأَْرْضِ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً أَوْ خَمَّارَةً، وَبَيْعُ الْخَشَبِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ صَلِيبًا، وَالنُّحَاسُ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ نَاقُوسًا. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَكَذَا يُمْنَعُ أَنْ يُبَاعَ لِلْحَرْبِيَّيْنِ آلَةُ الْحَرْبِ، مِنْ سِلاَحٍ أَوْ كُرَاعٍ أَوْ سَرْجٍ، وَكُل مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ فِي الْحَرْبِ، مِنْ نُحَاسٍ أَوْ خِبَاءٍ أَوْ مَاعُونٍ. وَأَمَّا بَيْعُ الطَّعَامِ لَهُمْ، فَقَال ابْنُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: يَجُوزُ فِي الْهُدْنَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْهُدْنَةِ فَلاَ يَجُوزُ. وَالَّذِي فِي الْمِعْيَارِ عَنِ الشَّاطِبِيِّ: أَنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي عَزَاهُ ابْنُ فَرْحُونَ فِي التَّبْصِرَةِ، وَابْنُ جُزَيٍّ فِي الْقَوَانِينِ لاِبْنِ الْقَاسِمِ. وَذَكَرَ فِي الْمِعْيَارِ أَيْضًا عَنِ الشَّاطِبِيِّ: أَنَّ بَيْعَ الشَّمْعِ لَهُمْ مَمْنُوعٌ، إِذَا كَانُوا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى إِضْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ لأَِعْيَادِهِمْ فَمَكْرُوهٌ. (١) ١١٤ - وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: بَيْعُ مُخَدِّرٍ لِمَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَعَاطَاهُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، وَخَشَبٍ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ آلَةَ لَهْوٍ، وَثَوْبِ حَرِيرٍ لِرَجُلٍ يَلْبَسُهُ بِلاَ نَحْوِ ضَرُورَةٍ. وَكَذَا بَيْعُ سِلاَحٍ لِنَحْوِ بَاغٍ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ، وَدِيكٍ لِمَنْ يُهَارِشُ بِهِ، وَكَبْشٍ لِمَنْ يُنَاطِحُ بِهِ، وَدَابَّةٍ لِمَنْ يُحَمِّلُهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا.

стр. 5539

كَمَا نَصَّ الشِّرْوَانِيُّ وَابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ مُسْلِمٍ كَافِرًا طَعَامًا، عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يَأْكُلُهُ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ، كَمَا أَفْتَى بِهِ الرَّمْلِيُّ، قَال: لأَِنَّ ذَلِكَ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ (١) ١١٥ - وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: بَيْعُ السِّلاَحِ لأَِهْل الْحَرْبِ، أَوْ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الْفِتْنَةِ، أَوْ إِجَارَةُ دَارِهِ لِبَيْعِ الْخَمْرِ فِيهَا، أَوْ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً، أَوْ بَيْتَ نَارٍ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، فَهَذَا حَرَامٌ. قَال ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَسَائِل نَبَّهَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَال فِي الْقَصَّابِ وَالْخَبَّازِ: إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ، يَدْعُو عَلَيْهِ مَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ، لاَ يَبِيعُهُ، وَمِنْ يَخْتَرِطُ (يَصْنَعُ) الأَْقْدَاحَ لاَ يَبِيعُهَا مِمَّنْ يَشْرَبُ فِيهَا (أَيِ الْخَمْرَ) وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الدِّيبَاجِ (أَيِ الْحَرِيرِ) لِلرِّجَال. (٢) ١١٦ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ: لاَ يُكْرَهُ بَيْعُ مَا لَمْ تَقُمِ الْمَعْصِيَةُ بِهِ، كَبَيْعِ الْكَبْشِ النَّطُوحِ، وَالْحَمَامَةِ الطَّيَّارَةِ، وَالْخَشَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُ مِنْهُ الْمَعَازِفَ. بِخِلاَفِ بَيْعِ السِّلاَحِ مِنْ أَهْل الْفِتْنَةِ؛ لأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ تَقُومُ بِعَيْنِهِ، وَهِيَ الإِْعَانَةُ عَلَى الإِْثْمِ

стр. 5540

وَالْعُدْوَانِ، وَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. بِخِلاَفِ بَيْعِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلاَحُ كَالْحَدِيدِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَال، فَلاَ يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الإِْعَانَةِ. وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ، لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُمَا، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، خِلاَفًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ. (١) وَبَحَثَ الْحَنَفِيَّةُ نَظِيرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الإِْجَارَةِ، كَمَا سَبَقَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، كَمَا لَوْ آجَرَ شَخْصٌ نَفْسَهُ لِيَعْمَل فِي بِنَاءِ كَنِيسَةٍ، أَوْ لِيَحْمِل خَمْرَ الذِّمِّيِّ بِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ، أَوْ لِيَرْعَى لَهُ الْخَنَازِيرَ، أَوْ آجَرَ بَيْتًا لِيُتَّخَذَ بَيْتَ نَارٍ، أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بِيعَةً، أَوْ يُبَاعَ فِيهِ الْخَمْرُ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّهُ لاَ مَعْصِيَةَ فِي عَيْنِ الْعَمَل، وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ بِفِعْل الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ فِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ كَشُرْبِهِ الْخَمْرَ وَبَيْعِهَا، فَفِي هَذَا يَقُول الْمَرْغِينَانِيُّ: إِنَّ الإِْجَارَةَ تَرِدُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبَيْتِ (وَنَحْوِهِ) وَلِهَذَا تَجِبُ الأُْجْرَةُ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ، وَلاَ مَعْصِيَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ بِفِعْل الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ مُخْتَارٌ فِيهِ، فَقَطَعَ نِسْبَتَهُ عَنْهُ. (٢)

стр. 5541

وَيَرَى الصَّاحِبَانِ كَرَاهَةَ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. وَطَرَحَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا الضَّابِطَ: وَهُوَ أَنَّ مَا قَامَتِ الْمَعْصِيَةُ بِعَيْنِهِ، يُكْرَهُ بَيْعُهُ تَحْرِيمًا (كَبَيْعِ السِّلاَحِ مِنْ أَهْل الْفِتْنَةِ) وَمَا لَمْ تَقُمْ بِعَيْنِهِ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا. حُكْمُ بَيْعِ مَا يُقْصَدُ بِهِ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ وَالْبُطْلاَنُ: ١١٧ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) وَهُوَ أَيْضًا احْتِمَالٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، لأَِنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ رُكْنًا وَلاَ شَرْطًا. غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ نَصُّوا مَعَ ذَلِكَ، فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ السِّلاَحِ، عَلَى إِجْبَارِ الْمُشْتَرِي عَلَى إِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ لِلْبَيْعِ. يَقُول الدُّسُوقِيُّ: يُمْنَعُ أَنْ يُبَاعَ لِلْحَرْبِيَّيْنِ آلَةُ الْحَرْبِ، مِنْ سِلاَحٍ أَوْ كُرَاعٍ أَوْ سَرْجٍ، وَكُل مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ فِي الْحَرْبِ، مِنْ نُحَاسٍ أَوْ خِبَاءٍ أَوْ مَاعُونٍ، وَيُجْبَرُونَ عَلَى إِخْرَاجِ ذَلِكَ. كَمَا نَصَّ الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ أَمَةً لِمَنْ يُكْرِهُهَا عَلَى الزِّنَى، وَدَابَّةً لِمَنْ يُحَمِّلُهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ هَذَيْنِ عَلَى مَالِكِهِمَا قَهْرًا عَلَيْهِ. وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ بَاطِلٌ، لأَِنَّهُ

стр. 5542

عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا، فَلَمْ يَصِحَّ. (١) ج - بَيْعُ الرَّجُل عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ: ١١٨ - مِنْ صُوَرِهِ أَنْ يَتَرَاضَى الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى ثَمَنِ سِلْعَةٍ، فَيَجِيءَ آخَرُ، فَيَقُول: أَنَا أَبِيعُكَ مِثْل هَذِهِ السِّلْعَةِ بِأَنْقَصَ مِنْ هَذَا الثَّمَنِ، أَوْ يَقُول: أَبِيعُكَ خَيْرًا مِنْهَا بِثَمَنِهَا أَوْ بِدُونِهِ - أَيْ بِأَقَل مِنْهُ - أَوْ يَعْرِضَ عَلَى الْمُشْتَرِي سِلْعَةً رَغِبَ فِيهَا الْمُشْتَرِي، فَفَسَخَ الْبَيْعَ وَاشْتَرَى هَذِهِ. (٢) وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. (٣) وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: لاَ يَبِعِ الرَّجُل عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ. (٤)

стр. 5543

وَفِي لَفْظٍ: لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ. (١) وَفِي لَفْظٍ: لاَ يَبِيعُ الرَّجُل عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ. (٢) وَفِي لَفْظٍ: لاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ. (٣) حُكْمُهُ: ١١٩ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مُحَرَّمٌ، لَكِنَّهُ لاَ يَبْطُل الْبَيْعُ، بَل هُوَ صَحِيحٌ لِرُجُوعِ النَّهْيِ إِلَى مَعْنًى خَارِجٍ عَنِ الذَّاتِ وَعَنْ لاَزِمِهَا، إِذْ لَمْ يَفْقِدْ رُكْنًا وَلاَ شَرْطًا، لَكِنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى مُقْتَرِنٍ بِهِ، وَهُوَ خَارِجٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَهُوَ الإِْيذَاءُ هُنَا. هَذَا تَعْلِيل الشَّافِعِيَّةِ. وَتَعْلِيل الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ عَرْضُ سِلْعَتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوْ قَوْلُهُ الَّذِي فَسَخَ الْبَيْعَ مِنْ أَجْلِهِ، وَذَلِكَ سَابِقٌ عَلَى الْبَيْعِ، وَلأَِنَّهُ إِذَا صَحَّ الْفَسْخُ الَّذِي حَصَل بِهِ الضَّرَرُ، فَالْبَيْعُ الْمُحَصَّل لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ.

стр. 5544

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ مِنَ الْبِيَاعَاتِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، قَال ابْنُ الْهُمَامِ: هَذِهِ الْكَرَاهَاتُ كُلُّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ، لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي الإِْثْمِ، وَذَلِكَ لِلأَْحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيحَاشِ وَالإِْضْرَارِ. (١) وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ حَرَامٌ، وَلاَ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ، بَل هُوَ بَاطِلٌ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ وَالإِْفْسَادِ عَلَيْهِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. (٢) ١٢٠ - وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْبَيْعَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِمَا يَلِي: (١) أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ قَبْل لُزُومِ الْبَيْعِ، وَذَلِكَ لِبَقَاءِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوِ الشَّرْطِ، وَكَذَا بَعْدَ اللُّزُومِ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْعَيْبِ، إِذَا اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ، عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْل الْحَنَابِلَةِ: أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ، فَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ مُضِيِّ الْخِيَارِ وَلُزُومِ الْبَيْعِ لاَ يَحْرُمُ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفَسْخِ إِذًا، وَلاَ مَعْنًى لَهُ. (٢) أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَهُ

стр. 5545

- كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي زَكَرِيَّا - (أَيْ بِغَيْرِ إِذْنِ الْبَائِعِ الأَْوَّل، لِلَّذِي بَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) . وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ مَنْعَ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ بِمَا إِذَا تَرَاضَى الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الْبَيْعِ. (١) ١٢١ - وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ بَعْضَ الْفُرُوعِ وَالأَْحْكَامِ، فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ، فَقَرَّرُوا: - أَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مَغْبُونًا فِي صَفْقَتِهِ، إِذِ النَّصِيحَةُ الْوَاجِبَةُ تَحْصُل بِالتَّعْرِيفِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ. وَقَيَّدَ الْقَلْيُوبِيُّ الْحُرْمَةَ بِمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الرِّضَا بَاطِنًا. - مِثْل الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ، أَنْ يَبِيعَ بَائِعٌ الْمُشْتَرِيَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ سِلْعَةً مِثْل الَّتِي اشْتَرَاهَا. وَسَبَبُ الْمَنْعِ الْخَشْيَةَ مِنْ أَنْ يَرُدَّ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ السِّلْعَةَ الأُْولَى، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁. - يُمْنَعُ الْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مَا يَؤُول إِلَيْهِ الأَْمْرُ، بِأَنْ يَلْزَمَ الْبَيْعُ أَوْ يُعْرِضَ الْمُشْتَرِي عَنِ الشِّرَاءِ، فَإِنْ أَعْرَضَ انْتَهَتْ مُدَّةُ الْمَنْعِ، وَجَازَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَبِيعَهُ. - مِثْل الْبَيْعِ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى الْبَيْعِ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْعُقُودِ، كَالإِْجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ (أَيِ

стр. 5546

الاِسْتِعَارَةِ) وَالاِقْتِرَاضِ (١) وَالاِتِّهَابِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَالْجَعَالَةِ. قَال الْحَنَابِلَةُ: فَتَحْرُمُ وَلاَ تَصِحُّ إِذَا سَبَقَتْ لِلْغَيْرِ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْيذَاءِ. بَل نَصَّ الْبِرْمَاوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِكِتَابٍ (عَارِيَّةً) لِيُطَالِعَ فِيهِ، حَرُمَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَسْأَل صَاحِبَهُ فِيهِ، أَيْ يَطْلُبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ لِيُطَالِعَ فِيهِ هُوَ أَيْضًا، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيذَاءِ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا حُرْمَةَ طَلَبِ الْعَارِيَّةِ بَعْدَ عَقْدِهَا مُطْلَقًا. (٢) د - السَّوْمُ، وَالشِّرَاءُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ . ١٢٢ - أَمَّا السَّوْمُ عَلَى السَّوْمِ فَمِنْ صُوَرِهِ: مَا إِذَا تَسَاوَمَ رَجُلاَنِ، فَطَلَبَ الْبَائِعُ بِسِلْعَتِهِ ثَمَنًا، وَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَجَاءَ مُشْتَرٍ آخَرَ، وَدَخَل عَلَى سَوْمِ الأَْوَّل، فَاشْتَرَاهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ بِذَلِكَ الثَّمَنِ نَفْسِهِ. لَكِنَّهُ رَجُلٌ وَجِيهٌ، فَبَاعَهُ مِنْهُ الْبَائِعُ لِوَجَاهَتِهِ. ١٢٣ - وَأَمَّا الشِّرَاءُ عَلَى الشِّرَاءِ فَمِنْ صُوَرِهِ: أَنْ يَأْمُرَ شَخْصٌ الْبَائِعَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ لِيَشْتَرِيَهُ هُوَ بِأَكْثَرَ، أَوْ يَجِيءَ شَخْصٌ إِلَى الْبَائِعِ قَبْل لُزُومِ

стр. 5547

الْعَقْدِ، لِيَدْفَعَ فِي الْمَبِيعِ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتُرِيَ بِهِ، لِيَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ. (١) وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ مَنْعَ هَذَا الشِّرَاءِ أَوِ السَّوْمِ بِمَا إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الثَّمَنِ أَوْ تَرَاضَيَا، أَوْ جَنَحَ الْبَائِعُ إِلَى الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَجْنَحْ وَلَمْ يَرْضَهُ، فَلاَ بَأْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَزْيَدَ؛ لأَِنَّ هَذَا بَيْعُ مَنْ يَزِيدُ، وَلاَ كَرَاهَةَ فِيهِ، (٢) كَمَا سَيَأْتِي. وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الْمَنْعَ بِأَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ قَبْل اللُّزُومِ، أَيْ زَمَنَ الْخِيَارِ - كَمَا عَبَّرَ الْقَاضِي (٣) - أَوْ يَكُونَ بَعْدَ اللُّزُومِ، وَقَدِ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ - كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلِلسَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ عِنْدَهُمْ صُوَرٌ: الأُْولَى: أَنْ يُوجَدَ مِنَ الْبَائِعِ تَصْرِيحٌ بِالرِّضَا بِالْبَيْعِ، فَهَذَا يَحْرُمُ السَّوْمُ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى عَدَمِ الرِّضَا فَلاَ يَحْرُمُ السَّوْمُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ لاَ يُوجَدَ مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا أَوْ

стр. 5548

عَدَمِهِ، فَلاَ يَجُوزُ السَّوْمُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا. الرَّابِعَةُ: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ. فَقَال الْقَاضِي: لاَ يَحْرُمُ السَّوْمُ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَحْرُمُ. (١) كَمَا قَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ وَقَعَ الإِْذْنُ مِنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يَحْرُمْ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُمَا وَقَدْ أَسْقَطَاهُ، وَلِمَفْهُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ: حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ. (٢) وَقَرَّرُوا: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إِذْنُ الْمَالِكِ، لاَ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيل، إِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمَالِكِ، وَأَنَّ مَوْضِعَ الْجَوَازِ مَعَ الإِْذْنِ إِذَا دَلَّتِ الْحَال عَلَى الرِّضَا بَاطِنًا، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى عَدَمِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ ضَجَرًا وَحَنَقًا فَلاَ، كَمَا قَالَهُ الأَْذْرَعِيُّ مِنْهُمْ. (٣) حُكْمُهُ: ١٢٤ - هَذَا الشِّرَاءُ أَوِ السَّوْمُ بِهَذِهِ الصُّوَرِ وَالْقُيُودِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بَاطِلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلاَّ فِي وَجْهٍ مُحْتَمِلٍ لِلصِّحَّةِ عِنْدَهُمْ كَالْجُمْهُورِ. وَالْحَنَفِيَّةُ يَعْنُونَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، لاَ الْحُرْمَةَ. أ - فَدَلِيل الشَّافِعِيَّةِ، وَالْوَجْهُ الْمُحْتَمَل عِنْدَ

стр. 5549

الْحَنَابِلَةِ عَلَى الْحُرْمَةِ مَعَ صِحَّةِ الشِّرَاءِ. حَدِيثُ لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ الْمُتَقَدِّمُ (١) . فَقَال الْمَحَلِّيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ الشِّرَاءُ عَلَى الشِّرَاءِ. وَأَشَارَ الْبُهُوتِيُّ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ، وَلأَِنَّ الشِّرَاءَ يُسَمَّى بَيْعًا. وَلأَِنَّ فِيهِ إِيذَاءً، قَال الْمَحَلِّيُّ: الْمَعْنَى فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ: الإِْيذَاءُ لِلْعَالِمِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. وَلأَِنَّهُ إِذَا صَحَّ الْفَسْخُ الَّذِي حَصَل بِهِ الضَّرَرُ، فَالْبَيْعُ الْمُحَصِّل لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى. وَلأَِنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ. (٢) ب - وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْكَرَاهَةِ مَعَ صِحَّةِ الشِّرَاءِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلاَ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَأَنْ تَسْأَل الْمَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا، وَعَنِ النَّجْشِ وَالتَّصْرِيَةِ، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُل عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ. (٣) وَقَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَصٌّ فِي النَّهْيِ عَنِ الاِسْتِيَامِ، فَلاَ حَاجَةَ - كَمَا أَوْضَحَ ابْنُ الْهُمَامِ - إِلَى جَعْل لَفْظِ الْبَيْعِ فِي حَدِيثِ: لاَ يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ جَامِعًا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ

стр. 5550

مَجَازًا، إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَرِدْ حَدِيثُ الاِسْتِيَامِ، وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِيحَاشًا وَإِضْرَارًا بِهِ فَيُكْرَهُ. قَال الْكَاسَانِيُّ: وَالنَّهْيُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ، وَهُوَ الإِْيذَاءُ، فَكَانَ نَفْسُ الْبَيْعِ مَشْرُوعًا، فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ. (١) ج - وَدَلِيل الْحَنَابِلَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلاَنِ، أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (٢) . ١٢٥ - وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ الْفُرُوعِ وَالتَّفْصِيلاَتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسَّوْمِ، وَالشِّرَاءِ عَلَى شِرَاءِ الآْخَرِينَ: أ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ السَّوْمَ عَلَى سَوْمِ الآْخَرِينَ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَامُ عَلَيْهِ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا. وَقَالُوا: ذِكْرُ الأَْخِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ قَيْدًا، بَل لِزِيَادَةِ التَّنْفِيرِ؛ لأَِنَّ السَّوْمَ عَلَى السَّوْمِ يُوجِبُ إِيحَاشًا وَإِضْرَارًا، وَهُوَ فِي حَقِّ الأَْخِ أَشَدُّ مَنْعًا، فَهُوَ كَمَا فِي قَوْلِهِ فِي الْغِيبَةِ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ (٣) إِذْ لاَ خَفَاءَ فِي مَنْعِ غِيبَةِ الذِّمِّيِّ. (٤) وَقَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ ذِكْرَ الرَّجُل خَرَجَ مَخْرَجَ

стр. 5551

الْغَالِبِ، كَمَا أَنَّ تَخْصِيصَ الأَْخِ لإِِثَارَةِ الرِّقَّةِ وَالْعَطْفِ عَلَيْهِ، وَسُرْعَةِ امْتِثَالِهِ، فَغَيْرُهُمَا مِثْلُهُمَا. فَالذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ وَالْمُسْتَأْمَنُ مِثْل الْمُسْلِمِ. وَخَرَجَ الْحَرْبِيُّ وَالْمُرْتَدُّ فَلاَ يَحْرُمُ. (١) ب - أَلْحَقَ الْحَنَفِيَّةُ الإِْجَارَةَ بِالْبَيْعِ فِي مَنْعِ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ، إِذْ هِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ (٢) . كَمَا أَلْحَقَ الْحَنَابِلَةُ جُمْلَةً مِنَ الْعُقُودِ، كَالْقَرْضِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَكُلُّهَا تَحْرُمُ وَلاَ تَصِحُّ لِلإِْيذَاءِ. (٣) ج - أَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِالشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ، تَحْرِيمَ طَلَبِ السِّلْعَةِ مِنَ الْمُشْتَرِي بِأَكْثَرَ - وَالْبَائِعُ حَاضِرٌ - قَبْل اللُّزُومِ، لأَِدَائِهِ إِلَى الْفَسْخِ أَوِ النَّدَمِ. د - وَكَذَلِكَ قَاسَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى كَلاَمِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي التَّحْرِيمِ، مَا لَوْ طَلَبَ شَخْصٌ مِنَ الْبَائِعِ، فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، شَيْئًا مِنْ جِنْسِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ، بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ، لاَ سِيَّمَا إِنْ طَلَبَ مِنْهُ مِقْدَارًا لاَ يَكْمُل إِلاَّ بِانْضِمَامِ مَا بِيعَ مِنْهَا. هـ - وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِحُرْمَةِ مَا ذُكِرَ، سَوَاءٌ أَبَلَغَ الْمَبِيعُ قِيمَتَهُ أَمْ نَقَصَ عَنْهَا - عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ

стр. 5552

و - وَتَكَلَّمُوا أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ تَعْرِيفِ الْمَغْبُونِ فِي الشِّرَاءِ بِغَبْنِهِ، فَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ لاَ مَحْذُورَ فِيهِ، لأَِنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ، لَكِنَّهُ اسْتَظْهَرَ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي غَبْنٍ نَشَأَ عَنْ نَحْوِ غِشِّ الْبَائِعِ، فَلَمْ يُبَال بِإِضْرَارِهِ، لأَِنَّهُ آثِمٌ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا نَشَأَ لاَ عَنْ نَحْوِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْفَسْخَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ، وَالضَّرَرُ لاَ يُزَال بِالضَّرَرِ. وَصَرَّحَ الشِّرْوَانِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، وَجَبَ إِعْلاَمُ الْمُشْتَرِي بِهِ، وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إِذَا كَانَ الْبَائِعُ جَاهِلاً بِالْعَيْبِ، مَعَ أَنَّهُ لاَ تَقْصِيرَ مِنْهُ حِينَئِذٍ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْغَبْنِ؛ لأَِنَّ الْمَلْحَظَ حُصُول الضَّرَرِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ هَذَا مَحَل تَأَمُّلٍ، وَرَأَى أَنَّ وُجُوبَ النَّصِيحَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تَعْرِيفِ الْمَغْبُونِ، وَإِنْ نَشَأَ الْغَبْنُ مِنْ تَقْصِيرِهِ، وَلَكِنَّهَا تَحْصُل بِالتَّعْرِيفِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ. (١) ١٢٦ - وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ بَيْعَ الْمُزَايَدَةِ بِالْمُنَادَاةِ، وَيُسَمَّى بَيْعَ الدَّلاَلَةِ. (٢) وَيُسَمَّى أَيْضًا: الْمُزَايَدَةَ. اسْتَثْنَوْهَا مِنَ الشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ، وَمِنَ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ. وَهِيَ: أَنْ يُنَادَى عَلَى السِّلْعَةِ، وَيَزِيدَ النَّاسُ فِيهَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى تَقِفَ عَلَى آخِرِ - زَائِدٍ فِيهَا فَيَأْخُذَهَا.

стр. 5553

وَهَذَا بَيْعٌ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ، فَصَحَّحُوهُ وَلَمْ يَكْرَهُوهُ. وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَمْرَيْنِ: أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ قَصْدُ الإِْضْرَارِ بِأَحَدٍ، وَبِإِرَادَةِ الشِّرَاءِ، وَإِلاَّ حَرُمَتِ الزِّيَادَةُ، لأَِنَّهَا مِنَ النَّجْشِ. (١) ١٢٧ - وَدَلِيل جَوَازِ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ: - مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَْنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ فَقَال لَهُ: مَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ قَال: بَلَى، حِلْسٌ يُلْبَسُ بَعْضُهُ، وَيُبْسَطُ بَعْضُهُ، وَقَعْبٌ يُشْرَبُ فِيهِ الْمَاءُ. قَال: ائْتِنِي بِهِمَا. فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَال: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ فَقَال رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَال: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَقَال رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الأَْنْصَارِيَّ، وَقَال: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآْخَرِ قَدُومًا، فَائْتِنِي بِهِ. فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَال لَهُ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلاَ أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فَذَهَبَ الرَّجُل يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ،

стр. 5554

فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ. (١) قَال الْكَاسَانِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: وَمَا كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِيَبِيعَ بَيْعًا مَكْرُوهًا. (٢) - وَالدَّلِيل الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَزَالُوا يَتَبَايَعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُزَايَدَةِ. (٣) - وَأَنَّهُ بَيْعُ الْفُقَرَاءِ، كَمَا قَال الْمَرْغِينَانِيُّ، وَالْحَاجَةُ مَاسَةٌ إِلَيْهِ (٤) . - وَلأَِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنِ السَّوْمِ حَال الْبَيْعِ، وَحَال الْمُزَايَدَةِ خَارِجٌ عَنِ الْبَيْعِ. (٥) وَتَفْصِيل أَحْكَامِ (الْمُزَايَدَةِ) فِي مُصْطَلَحِهَا. هـ - النَّجْشُ: ١٢٨ - النَّجْشُ هُوَ بِسُكُونِ الْجِيمِ مَصْدَرٌ،

стр. 5555

وَبِالْفَتْحِ اسْمُ مَصْدَرٍ، (١) وَمِنْ مَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ: الإِْثَارَةُ. يُقَال: نَجَشَ الطَّائِرَ: إِذَا أَثَارَهُ مِنْ مَكَانِهِ. قَال الْفَيُّومِيُّ: نَجَشَ الرَّجُل يَنْجُشُ نَجْشًا: إِذَا زَادَ فِي سِلْعَةٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَلَيْسَ قَصْدُهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، بَل لِيَغُرَّ غَيْرَهُ، فَيُوقِعَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ. وَأَصْل النَّجْشِ: الاِسْتِتَارُ؛ لأَِنَّ النَّاجِشَ يَسْتُرُ قَصْدَهُ، وَمِنْهُ يُقَال لِلصَّائِدِ: نَاجِشٌ لاِسْتِتَارِهِ. (٢) وَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِأَنْ يَزِيدَ الرَّجُل فِي الثَّمَنِ وَلاَ يُرِيدُ الشِّرَاءَ، لِيُرَغِّبَ غَيْرَهُ. أَوْ أَنْ يَمْدَحَ الْمَبِيعَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ لِيُرَوِّجَهُ (٣) . وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ، فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلاَ تَصُرُّوا الْغَنَمَ. (٤)

стр. 5556

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ النَّجْشِ (١) أ - فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ حَرَامٌ، وَذَلِكَ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ، عَلَى مَا سَبَقَ. وَلِمَا فِيهِ مِنْ خَدِيعَةِ الْمُسْلِمِ، وَهِيَ حَرَامٌ. ب - وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا إِذَا بَلَغَتِ السِّلْعَةُ قِيمَتَهَا، أَمَّا إِذَا لَمْ تَبْلُغْ فَلاَ يُكْرَهُ، لاِنْتِفَاءِ الْخِدَاعِ. (٢) ذَلِكَ حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ. أَمَّا حُكْمُهُ الْوَضْعِيُّ: أ - فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ النَّجْشَ فِعْل النَّاجِشِ لاَ الْعَاقِدِ، فَلَمْ يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ، وَالنَّهْيُ لِحَقِّ الآْدَمِيِّ فَلَمْ يَفْسُدِ الْعَقْدُ، كَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَبَيْعِ الْمَعِيبِ وَالْمُدَلَّسِ، بِخِلاَفِ مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ؛ لأَِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ يَنْجَبِرُ بِالْخِيَارِ أَوْ زِيَادَةِ الثَّمَنِ. ب - وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ

стр. 5557

لاَ يَصِحُّ بَيْعُ النَّجْشِ، لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى خِيَارِ الْفَسْخِ فِي هَذَا الْبَيْعِ: - فَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: إِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ بِالنَّاجِشِ وَسَكَتَ، فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَلَهُ التَّمَسُّكُ بِهِ، فَإِنْ فَاتَ الْمَبِيعُ فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ إِنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَدَّى ثَمَنَ النَّجْشِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْبَائِعُ بِالنَّاجِشِ، فَلاَ كَلاَمَ لِلْمُشْتَرِي، وَلاَ يَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَالإِْثْمُ عَلَى مَنْ فَعَل ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ عِنْدَ التَّوَاطُؤِ. - وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي لِتَفْرِيطِهِ. - وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: الْبَيْعُ صَحِيحٌ سَوَاءٌ أَكَانَ النَّجْشُ بِمُوَاطَأَةٍ مِنَ الْبَائِعِ أَمْ لَمْ يَكُنْ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ فَالْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْمْضَاءِ، كَمَا فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَإِنْ كَانَ يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فَلاَ خِيَارَ لَهُ. (١) وَفِيهِ أَحْكَامٌ تَفْصِيلِيَّةٌ تُرَاجَعُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَجْش) .

стр. 5558

و - تَلَقِّي الْجَلَبِ أَوِ الرُّكْبَانِ أَوِ السِّلَعِ: ١٢٩ - عَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَلَقِّي الْجَلَبِ، وَعَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ بِتَلَقِّي السِّلَعِ. قَال خَلِيلٌ: كَتَلَقِّي السِّلَعِ أَوْ صَاحِبِهَا. وَعَبَّرَ ابْنُ جُزَيٍّ مِنْهُمْ بِتَلَقِّي السِّلْعَةِ. وَعَبَّرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِتَلَقِّي الرُّكْبَانِ. وَالتَّلَقِّي: هُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْبَلَدِ الَّتِي يُجْلَبُ إِلَيْهَا الْقُوتُ (١) (وَنَحْوُهُ) . وَالْجَلَبُ - بِفَتْحَتَيْنِ - بِمَعْنَى الْجَالِبِ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْمَجْلُوبِ، فَهُوَ فَعَلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، (٢) وَهُوَ مَا تَجْلِبُهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِتَلَقِّي السِّلَعِ فِي تَعْبِيرِ الْمَالِكِيَّةِ. كَمَا أَنَّ الرُّكْبَانَ - فِي تَعْبِيرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - جَمْعُ رَاكِبٍ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَالْمُرَادُ الْقَادِمُ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ مَاشِيًا. (٣) حُكْمُ التَّلَقِّي التَّكْلِيفِيُّ: ١٣٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ التَّلَقِّي مُحَرَّمٌ، لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : لاَ تَلَقُّوا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى

стр. 5559

سَيِّدُهُ أَيْ صَاحِبُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ. (١) وَالْحَنَفِيَّةُ ذَهَبُوا إِلَى كَرَاهَةِ التَّلَقِّي، وَذَلِكَ لِلضَّرَرِ أَوِ الْغَرَرِ، أَوْ كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ الْبَيْعَ مَشْرُوعٌ فِي ذَاتِهِ، وَالنَّهْيُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الإِْضْرَارُ بِالْعَامَّةِ عَلَى التَّفْسِيرِ الأَْوَّل - الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عِنْدَهُمْ - وَتَغْرِيرُ أَصْحَابِ السِّلَعِ عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ضَرَرٌ أَوْ غَرَرٌ فَلاَ بَأْسَ، وَلاَ يُكْرَهُ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَرْغِينَانِيُّ وَالْكَرْلاَنِيُّ وَالْكَاسَانِيُّ وَالزَّيْلَعِيُّ وَالْحَصْكَفِيُّ، لاِنْعِدَامِ الضَّرَرِ. (٢) فَقَوْل ابْنِ قُدَامَةَ: وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَسُنَّةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ. (٣) لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ. وَفَسْخُ الْمَكْرُوهِ - مِنَ الْبِيَاعَاتِ - وَاجِبٌ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِرَفْعِ الإِْثْمِ، وَهِيَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ عِنْدَهُمْ لِلتَّحْرِيمِ، كَمَا هُنَا، وَكَمَا فِي كُل بَيْعٍ مَكْرُوهٍ. حُكْمُ التَّلَقِّي الْوَضْعِيُّ: ١٣١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ التَّلَقِّي صَحِيحٌ، وَلاَ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِهِ. وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ

стр. 5560

عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ فِي قَوْل الْجَمِيعِ، وَعَلَّل الصِّحَّةَ: - بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، وَالْخِيَارُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ. - وَلأَِنَّ النَّهْيَ لاَ لِمَعْنًى فِي الْبَيْعِ، بَل يَعُودُ إِلَى ضَرْبٍ مِنَ الْخَدِيعَةِ، يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْمُصَرَّاةِ. وَفَارَقَ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي ، فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ بِالْخِيَارِ، إِذْ لَيْسَ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. - وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ التَّلَقِّي فَاسِدٌ، وَذَلِكَ لِظَاهِرِ النَّهْيِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوَّل أَصَحُّ. (١) ز - بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي: ١٣٢ - وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا رَوَاهُ جَابِرٌ ﵁ مَرْفُوعًا: لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ. (٢) وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُرَادِ مِنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ: أَنْ يَكُونَ الْحَاضِرُ سِمْسَارًا لِلْبَادِي، لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ الإِْضْرَارِ بِأَهْل الْبَلَدِ لاِرْتِفَاعِ السِّعْرِ، وَفُسِّرَ بِغَيْرِ

стр. 5561

ذَلِكَ. وَلِلْمَنْعِ شُرُوطٌ وَتَفْصِيلاَتٌ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ وَعَدَمُهُ وَالصِّحَّةُ أَوِ الْبُطْلاَنُ. وَيُنْظَرُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي) . النَّوْعُ الثَّانِي: الأَْسْبَابُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ عِبَادِيَّةٍ مَحْضَةٍ أ - الْبَيْعُ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ: ١٣٣ - أَمَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِتَرْكِ الْبَيْعِ عِنْدَ النِّدَاءِ (الأَْذَانِ) يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (١) وَالأَْمْرُ بِتَرْكِ الْبَيْعِ نَهْيٌ عَنْهُ. وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مُحَرَّمٌ لِهَذَا النَّصِّ. غَيْرَ أَنَّ لِلْجُمُعَةِ أَذَانَيْنِ، فَعِنْدَ أَيِّ الأَْذَانَيْنِ يُعْتَبَرُ مَوْرِدُ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ. أ - فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمْ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَالطَّحَاوِيِّ، أَنَّهُ الأَْذَانُ الَّذِي جَرَى بِهِ التَّوَارُثُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَذَانُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ، وَالإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَيَنْصَرِفُ النِّدَاءُ إِلَيْهِ. وَلِهَذَا قَيَّدَهُ

стр. 5562

الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِالأَْذَانِ الثَّانِي. (١) وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي: - مَا رُوِيَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، قَال: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وَكَثُرَ النَّاسُ، زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ (٢) . وَفِي رِوَايَةٍ " زَادَ الثَّانِيَ ". وَفِي رِوَايَةٍ " عَلَى دَارٍ فِي السُّوقِ، يُقَال لَهَا: الزَّوْرَاءُ " (٣) وَتَسْمِيَةُ الأَْذَانِ الأَْوَّل فِي أَيَّامِنَا، أَذَانًا ثَالِثًا؛ لأَِنَّ الإِْقَامَةَ - كَمَا يَقُول ابْنُ الْهُمَامِ تُسَمَّى أَذَانًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ كُل أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ - وَلأَِنَّ الْبَيْعَ عِنْدَ هَذَا الأَْذَانِ يَشْغَل عَنِ الصَّلاَةِ، وَيَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى فَوَاتِهَا، أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهَا. (٤)

стр. 5563

ب - وَالْقَوْل الأَْصَحُّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الأَْئِمَّةِ، أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْبَيْعُ عِنْدَ الأَْذَانِ الأَْوَّل الَّذِي عَلَى الْمَنَارَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ السَّعْيُ عِنْدَهُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الزَّوَال. وَعَلَّلُوهُ بِحُصُول الإِْعْلاَمِ بِهِ. وَلأَِنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ الأَْذَانَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، يَفُوتُهُ أَدَاءُ السُّنَّةِ وَسَمَاعُ الْخُطْبَةِ، وَرُبَّمَا تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ إِذَا كَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا مِنَ الْجَامِعِ. بَل نَقَل الطَّحَاوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ قَوْلَهُ، فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ (١) . ج - وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، حَكَاهَا الْقَاضِي عَنْهُ، وَهِيَ: أَنَّ الْبَيْعَ يَحْرُمُ بِزَوَال الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسِ الإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ قَرِيبَةٌ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، لَكِنَّ ابْنَ قُدَامَةَ قَرَّرَ أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ مِنْ وُجُوهٍ، وَهِيَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عَلَى النِّدَاءِ، لاَ عَلَى الْوَقْتِ. وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَحْصُل بِالنِّدَاءِ عَقِيبَ جُلُوسِ الإِْمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، لاَ بِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ

стр. 5564

زَوَال الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسِ الإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ، لَمَا اخْتُصَّ بِالزَّوَال، فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ وَقْتٌ أَيْضًا، (١) لأَِنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ هُوَ مَا بَيْنَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ فِيهِ: ١٣٤ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ، صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أَقَل أَحْوَال النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ، وَأَنَّ تَرْكَ الْبَيْعِ وَاجِبٌ، فَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ: الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَصِحُّ إِطْلاَقُ الْحَرَامِ عَلَيْهِ، كَمَا عَبَّرَ الْمَرْغِينَانِيُّ وَيُفْتَرَضُ تَرْكُهُ، كَمَا عَبَّرَ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ. (٢) قُيُودُ تَحْرِيمِ هَذَا الْبَيْعِ: ١٣٥ - إِنَّ هَذَا النَّهْيَ الَّذِي اقْتَضَى التَّحْرِيمَ أَوِ الْكَرَاهَةَ، مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ: أ - أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَغِل بِالْبَيْعِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، فَلاَ يَحْرُمُ الْبَيْعُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالصَّغِيرِ وَالْمَرِيضِ، بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ قَدْ خُصَّ مِنْهُ

стр. 5565

مَنْ لاَ جُمُعَةَ عَلَيْهِ. (١) وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - رِوَايَتَيْنِ فِي غَيْرِ الْمُخَاطَبِينَ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّحْرِيمَ خَاصٌّ بِالْمُخَاطَبِينَ بِالْجُمُعَةِ. وَذَلِكَ: لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْبَيْعِ مِنْ أَمْرِهِ بِالسَّعْيِ، فَغَيْرُ الْمُخَاطَبِينَ بِالسَّعْيِ لاَ يَتَنَاوَلُهُمُ النَّهْيُ. وَلأَِنَّ تَحْرِيمَ الْبَيْعِ مُعَلَّلٌ بِمَا يَحْصُل بِهِ مِنَ الاِشْتِغَال عَنِ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ. ب - وَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَغِل بِالْبَيْعِ عَالِمًا بِالنَّهْيِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ. ج - انْتِفَاءُ الضَّرُورَةِ إِلَى الْبَيْعِ، كَبَيْعِ الْمُضْطَرِّ مَا يَأْكُلُهُ، وَبَيْعِ كَفَنِ مَيِّتٍ خِيفَ تَغَيُّرُهُ بِالتَّأْخِيرِ، وَإِلاَّ فَلاَ حُرْمَةَ، وَإِنْ فَاتَتِ الْجُمُعَةُ - كَمَا يَقُول الْجَمَل مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. د - أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي أَذَانِ الْخُطْبَةِ - كَمَا عَبَّرَ الْجُمْهُورُ - (٢) أَوْ عِنْدَهُ - كَمَا عَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا. هـ - وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَفِيَّةُ لِلتَّقْيِيدِ بِغَيْرِ كَوْنِ الأَْذَانِ بَعْدَ الزَّوَال (٣) .

стр. 5566

قِيَاسُ غَيْرِ الْبَيْعِ مِنَ الْعُقُودِ عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيمِ: ١٣٦ - النَّهْيُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ شَامِلٌ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَسَائِرَ الْعُقُودِ. بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ كُل شَيْءٍ يُؤَدِّي إِلَى الاِشْتِغَال عَنِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، أَوْ يُخِل بِهِ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُفْسَخُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ وَتَوْلِيَةٌ وَشَرِكَةٌ وَإِقَالَةٌ وَشُفْعَةٌ، لاَ نِكَاحٌ وَهِبَةٌ وَصَدَقَةٌ وَكِتَابَةٌ وَخُلْعٌ. وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الاِشْتِغَال بِالْعُقُودِ وَالصَّنَائِعِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا فِيهِ تَشَاغُلٌ عَنِ الْجُمُعَةِ (١) . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ غَيْرُ الْبَيْعِ مِنَ الْعُقُودِ، كَالإِْجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ، لأَِنَّهَا عُقُودُ مُعَاوَضَةٍ فَأَشْبَهَتِ الْبَيْعَ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَخْصِيصُ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقَطْ بِالتَّحْرِيمِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ، بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَْذَانِ الثَّانِي، فَتَصِحُّ عِنْدَهُمْ سَائِرُ الْعُقُودِ مِنَ النِّكَاحِ وَالإِْجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهَا، مِنَ الْقَرْضِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ (الْكَفَالَةِ) وَنَحْوِهَا. لأَِنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي الْبَيْعِ وَحْدَهُ، وَغَيْرُهُ لاَ يُسَاوِيهِ

стр. 5567

لِقِلَّةِ وُقُوعِهِ، فَلاَ تَكُونُ إِبَاحَتُهُ ذَرِيعَةً لِفَوَاتِ الْجُمُعَةِ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ. وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ خِيَارٌ، أَوْ فَسْخَهُ يَصِحُّ، وَلاَ يُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ الإِْمْضَاءِ وَالْفَسْخِ فِي الْخِيَارِ بَيْعًا (١) . اسْتِمْرَارُ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ حَتَّى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ: ١٣٧ - لاَ يَكَادُ الْفُقَهَاءُ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، يَسْتَمِرُّ حَتَّى الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَمِنْ نُصُوصِهِمْ فِي ذَلِكَ: - وَيَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ، مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ (٢) . - يَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ إِلَى الْفَرَاغِ مِنَ الْجُمُعَةِ (٣) . - وَيَسْتَمِرُّ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ وَالصِّنَاعَاتِ مِنَ الشُّرُوعِ فِي الأَْذَانِ الثَّانِي أَوْ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي إِذَا سَعَى فِيهِ أَدْرَكَهَا مِنْ مَنْزِلٍ بَعِيدٍ، إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ (٤) . أَحْكَامٌ عَامَّةٌ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ: أَوَّلاً: حُكْمُ بَيْعِ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ لاَ تَلْزَمُهُ: ١٣٨ - قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ

стр. 5568

مُسْتَثْنًى مِنْ حُكْمِ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، إِذَا لَمْ تَجِبِ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمَا مَعًا (١) ، فَلَوْ تَبَايَعَ اثْنَانِ مِمَّنْ لاَ تَلْزَمُهُمُ الْجُمُعَةُ، لَمْ يَحْرُمْ وَلَمْ يُكْرَهْ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ (٢) - أَمَّا لَوْ وَجَبَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ: - فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُمَا يَأْثَمَانِ جَمِيعًا؛ لأَِنَّ الأَْوَّل الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ ارْتَكَبَ النَّهْيَ، وَالآْخَرَ الَّذِي لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ أَعَانَهُ عَلَيْهِ. - وَفِي قَوْلٍ ضُعِّفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلآْخَرِ الَّذِي لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، وَلاَ يَأْثَمُ (٣) . - وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ يُفْسَخُ فِي هَذِهِ الْحَال، حَيْثُ كَانَتْ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَلَوْ مَعَ مَنْ لاَ تَلْزَمُهُ. (٤) - وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ لاَ يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ. وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ لِلآْخَرِ الَّذِي لاَ تَلْزَمُهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْعَانَةِ عَلَى الإِْثْمِ. (٥)

стр. 5569

ثَانِيًا: حُكْمُ التَّبَايُعِ حَال السَّعْيِ إِلَى الْجَامِعِ وَقَدْ سَمِعَ النِّدَاءَ: ١٣٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بِسَبَبِ تَحْصِيل السَّاعِي الْمَقْصُودَ مِنَ النَّهْيِ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. أ - فَالرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُمَا إِذَا تَبَايَعَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ، لاَ يَحْرُمُ. وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، نَقْلاً عَنِ السِّرَاجِ: لاَ يُكْرَهُ إِذَا لَمْ. يَشْغَلْهُ. وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: لاَ بَأْسَ بِهِ. (١) لَكِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ وَرَدَ مُطْلَقًا فَتَخْصِيصُهُ بِالرَّأْيِ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ نَسْخٌ عَلَى قَاعِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يَجُوزُ بِالرَّأْيِ، (٢) وَعَلَّل انْتِفَاءَ الْكَرَاهَةِ: بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، مُعَلَّلٌ بِالإِْخْلاَل بِالسَّعْيِ، فَإِذَا انْتَفَى الإِْخْلاَل بِالسَّعْيِ انْتَفَى النَّهْيُ. وَأَنَّ النَّصَّ الْكَرِيمَ خُصَّ مِنْهُ مَنْ لاَ جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَالْعَامُّ إِذَا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ صَارَ ظَنِّيًّا، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ثَانِيًا بِالرَّأْيِ، أَيْ بِالاِجْتِهَادِ. (٣)

стр. 5570

وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَّلُوا الْجَوَازَ: بِأَنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الْحَال لَمْ يَشْغَلْهُمَا عَنِ السَّعْيِ، وَنَقَلُوهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (١) . ب - وَمَذْهَبُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ - كَصَاحِبِ النَّهْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ، وَالْحَصْكَفِيِّ أَوَّلاً فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَالشُّرُنْبُلاَلِيِّ - وُجُوبُ تَرْكِ الْبَيْعِ، وَلَوْ مَعَ السَّعْيِ. وَصَرَّحَ صَاحِبُ النَّهْرِ بِأَنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ. (٢) وَهَذَا نَفْسُهُ قَوْلٌ آخَرُ أَيْضًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدُو مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ، (٣) وَإِنْ لَمْ يُوَاجِهُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِذَاتِهَا. وَلاَ تَعْلِيل لِهَذَا الاِتِّجَاهِ، إِلاَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، مِنْ أَنَّهُ يُخِل بِالسَّعْيِ، فَيَجِبُ تَرْكُهُ لإِِطْلاَقِ الأَْمْرِ. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ (٤) . ثَالِثًا: حُكْمُ الْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ السَّعْيِ: ١٤٠ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى كَرَاهَتِهِ: أ - فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى بَابِ
следующие страницы →