Полный текст (31 949 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
قِيَاسُ غَيْرِ الْبَيْعِ مِنَ الْعُقُودِ عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيمِ:
١٣٦ - النَّهْيُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ شَامِلٌ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَسَائِرَ الْعُقُودِ.
بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ كُل شَيْءٍ يُؤَدِّي إِلَى الاِشْتِغَال عَنِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، أَوْ يُخِل بِهِ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُفْسَخُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ وَتَوْلِيَةٌ وَشَرِكَةٌ وَإِقَالَةٌ وَشُفْعَةٌ، لاَ نِكَاحٌ وَهِبَةٌ وَصَدَقَةٌ وَكِتَابَةٌ وَخُلْعٌ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الاِشْتِغَال بِالْعُقُودِ وَالصَّنَائِعِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا فِيهِ تَشَاغُلٌ عَنِ الْجُمُعَةِ (١) .
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ غَيْرُ الْبَيْعِ مِنَ الْعُقُودِ، كَالإِْجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ، لأَِنَّهَا عُقُودُ مُعَاوَضَةٍ فَأَشْبَهَتِ الْبَيْعَ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَخْصِيصُ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقَطْ بِالتَّحْرِيمِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ، بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَْذَانِ الثَّانِي، فَتَصِحُّ عِنْدَهُمْ سَائِرُ الْعُقُودِ مِنَ النِّكَاحِ وَالإِْجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهَا، مِنَ الْقَرْضِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ (الْكَفَالَةِ) وَنَحْوِهَا. لأَِنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي الْبَيْعِ وَحْدَهُ، وَغَيْرُهُ لاَ يُسَاوِيهِ стр. 5567
لِقِلَّةِ وُقُوعِهِ، فَلاَ تَكُونُ إِبَاحَتُهُ ذَرِيعَةً لِفَوَاتِ الْجُمُعَةِ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ.
وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ خِيَارٌ، أَوْ فَسْخَهُ يَصِحُّ، وَلاَ يُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ الإِْمْضَاءِ وَالْفَسْخِ فِي الْخِيَارِ بَيْعًا (١) .
اسْتِمْرَارُ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ حَتَّى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ:
١٣٧ - لاَ يَكَادُ الْفُقَهَاءُ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، يَسْتَمِرُّ حَتَّى الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَمِنْ نُصُوصِهِمْ فِي ذَلِكَ:
- وَيَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ، مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ (٢) . - يَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ إِلَى الْفَرَاغِ مِنَ الْجُمُعَةِ (٣) .
- وَيَسْتَمِرُّ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ وَالصِّنَاعَاتِ مِنَ الشُّرُوعِ فِي الأَْذَانِ الثَّانِي أَوْ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي إِذَا سَعَى فِيهِ أَدْرَكَهَا مِنْ مَنْزِلٍ بَعِيدٍ، إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ (٤) .
أَحْكَامٌ عَامَّةٌ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ:
أَوَّلاً: حُكْمُ بَيْعِ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ لاَ تَلْزَمُهُ:
١٣٨ - قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ стр. 5568
مُسْتَثْنًى مِنْ حُكْمِ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، إِذَا لَمْ تَجِبِ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمَا مَعًا (١) ، فَلَوْ تَبَايَعَ اثْنَانِ مِمَّنْ لاَ تَلْزَمُهُمُ الْجُمُعَةُ، لَمْ يَحْرُمْ وَلَمْ يُكْرَهْ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ (٢) -
أَمَّا لَوْ وَجَبَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ:
- فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُمَا يَأْثَمَانِ جَمِيعًا؛ لأَِنَّ الأَْوَّل الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ ارْتَكَبَ النَّهْيَ، وَالآْخَرَ الَّذِي لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ أَعَانَهُ عَلَيْهِ.
- وَفِي قَوْلٍ ضُعِّفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلآْخَرِ الَّذِي لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، وَلاَ يَأْثَمُ (٣) .
- وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ يُفْسَخُ فِي هَذِهِ الْحَال، حَيْثُ كَانَتْ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَلَوْ مَعَ مَنْ لاَ تَلْزَمُهُ. (٤)
- وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ لاَ يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ. وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ لِلآْخَرِ الَّذِي لاَ تَلْزَمُهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْعَانَةِ عَلَى الإِْثْمِ. (٥) стр. 5569
ثَانِيًا: حُكْمُ التَّبَايُعِ حَال السَّعْيِ إِلَى الْجَامِعِ وَقَدْ سَمِعَ النِّدَاءَ:
١٣٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بِسَبَبِ تَحْصِيل السَّاعِي الْمَقْصُودَ مِنَ النَّهْيِ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ.
أ - فَالرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُمَا إِذَا تَبَايَعَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ، لاَ يَحْرُمُ. وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، نَقْلاً عَنِ السِّرَاجِ: لاَ يُكْرَهُ إِذَا لَمْ. يَشْغَلْهُ. وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: لاَ بَأْسَ بِهِ. (١)
لَكِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ وَرَدَ مُطْلَقًا فَتَخْصِيصُهُ بِالرَّأْيِ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ نَسْخٌ عَلَى قَاعِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يَجُوزُ بِالرَّأْيِ، (٢) وَعَلَّل انْتِفَاءَ الْكَرَاهَةِ: بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، مُعَلَّلٌ بِالإِْخْلاَل بِالسَّعْيِ، فَإِذَا انْتَفَى الإِْخْلاَل بِالسَّعْيِ انْتَفَى النَّهْيُ.
وَأَنَّ النَّصَّ الْكَرِيمَ خُصَّ مِنْهُ مَنْ لاَ جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَالْعَامُّ إِذَا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ صَارَ ظَنِّيًّا، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ثَانِيًا بِالرَّأْيِ، أَيْ بِالاِجْتِهَادِ. (٣) стр. 5570
وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَّلُوا الْجَوَازَ: بِأَنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الْحَال لَمْ يَشْغَلْهُمَا عَنِ السَّعْيِ، وَنَقَلُوهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (١) .
ب - وَمَذْهَبُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ - كَصَاحِبِ النَّهْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ، وَالْحَصْكَفِيِّ أَوَّلاً فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَالشُّرُنْبُلاَلِيِّ - وُجُوبُ تَرْكِ الْبَيْعِ، وَلَوْ مَعَ السَّعْيِ. وَصَرَّحَ صَاحِبُ النَّهْرِ بِأَنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ. (٢)
وَهَذَا نَفْسُهُ قَوْلٌ آخَرُ أَيْضًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدُو مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ، (٣) وَإِنْ لَمْ يُوَاجِهُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِذَاتِهَا.
وَلاَ تَعْلِيل لِهَذَا الاِتِّجَاهِ، إِلاَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، مِنْ أَنَّهُ يُخِل بِالسَّعْيِ، فَيَجِبُ تَرْكُهُ لإِِطْلاَقِ الأَْمْرِ. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ (٤) .
ثَالِثًا: حُكْمُ الْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ السَّعْيِ:
١٤٠ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى كَرَاهَتِهِ:
أ - فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى بَابِ стр. 5571
الْمَسْجِدِ أَوْ فِيهِ عِنْدَ الأَْذَانِ الأَْوَّل الْوَاقِعِ بَعْدَ الزَّوَال أَعْظَمُ وِزْرًا مِنَ الْبَيْعِ مَاشِيًا إِلَى الْجُمُعَةِ.
ب - وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، فِي حَقِّ مَنْ جَلَسَ لَهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، أَمَّا إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَعَدَ فِي الْجَامِعِ، أَوْ فِي مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنْهُ وَبَاعَ، لاَ يَحْرُمُ. لَكِنَّ الْبَيْعَ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ، وَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ كَلاَمَهُمْ لِلتَّحْرِيمِ أَقْرَبُ (١) .
ج - وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ شُرْبِ الْمَاءِ بَعْدَ النِّدَاءِ، بِثَمَنٍ حَاضِرٍ أَوْ فِي الذِّمَّةِ (كَمَا يَحْدُثُ فِي الْحَرَمَيْنِ) بَل أَشَارُوا إِلَى أَنَّ مُقْتَضَى عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي النِّدَاءِ هُوَ التَّحْرِيمُ، وَخُصُوصًا إِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمَسْجِدِ، إِلاَّ أَنْ يُقَال: لَيْسَ هَذَا بَيْعًا حَقِيقَةً، بَل هُوَ إِبَاحَةٌ، ثُمَّ تَقَعُ الإِْنَابَةُ عَنْهَا (٢) .
رَابِعًا: حُكْمُ الْبَيْعِ قَبْل الأَْذَانِ الثَّانِي، بَعْدَ الزَّوَال
١٤١ - الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ وَتَرْكِ الْبَيْعِ، هُوَ دُخُول الْوَقْتِ، وَلِهَذَا قَيَّدُوا بِهِ الأَْذَانَ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَانْبَغَى بِذَلِكَ ثُبُوتُ كَرَاهَةِ الْبَيْعِ بَعْدَ الزَّوَال، وَانْتِفَاؤُهَا قَبْلَهُ (٣) . стр. 5572
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ - كَذَلِكَ - عَلَى كَرَاهَةِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، قَبْل الأَْذَانِ الثَّانِي وَالْجُلُوسِ لِلْخُطْبَةِ إِذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَال، وَذَلِكَ لِدُخُول وَقْتِ الْوُجُوبِ، أَمَّا الْعَقْدُ قَبْل الزَّوَال فَلاَ يُكْرَهُ.
وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ مُقَيَّدَانِ عِنْدَهُمْ، بِمَا إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ لاَ يَلْزَمُهُ السَّعْيُ حِينَئِذٍ، وَإِلاَّ بِأَنْ كَانَ لاَ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ إِلاَّ بِذَهَابِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَقْدُ (١) .
خَامِسًا: شُمُول النَّهْيِ كُل مَا يَشْغَل عَنِ الْجُمُعَةِ:
١٤٢ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَحْرِيمِ أَوْ كَرَاهَةِ كُل مَا يَشْغَل عَنِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ بَعْدَ النِّدَاءِ - عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِيهِ - وَيَجِبُ تَرْكُ كُل شَيْءٍ يَشْغَل عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهَا: كَإِنْشَاءِ السَّفَرِ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَالأَْكْل، وَالْخِيَاطَةِ، وَالصِّنَاعَاتِ كُلِّهَا: كَالْمُسَاوَمَةِ، وَالْمُنَادَاةِ، وَالْكِتَابَةِ، وَكَذَا الاِشْتِغَال بِالْعِبَادَةِ، وَكَذَا الْمُكْثُ فِي بَيْتِهِ بِعِيَالِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْجَامِعِ عَمَلاً بِالآْيَةِ. (٢) стр. 5573
سَادِسًا: هَل الْمُعْتَبَرُ فِي الأَْذَانِ أَوَّلُهُ أَوْ تَمَامُهُ ؟
١٤٣ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الأَْذَانِ بِأَوَّلِهِ لاَ بِتَمَامِهِ، فَإِنْ كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُ حَرُمَ الْبَيْعُ؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَ مُتَعَلِّقٌ بِالنِّدَاءِ (١) .
الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ فِيهِ:
١٤٤ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، يَرَوْنَ أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَقَعُ صَحِيحًا؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ، خَارِجٍ عَنْهُ، وَهُوَ تَرْكُ السَّعْيِ، فَكَانَ الْبَيْعُ فِي الأَْصْل مَشْرُوعًا جَائِزًا، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا، لأَِنَّهُ اتَّصَل بِهِ أَمْرٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَهُوَ تَرْكُ السَّعْيِ (٢) .
وَيَتَفَرَّعُ عَنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ الأُْمُورُ التَّالِيَةُ:
أ - عَدَمُ وُجُوبِ فَسْخِهِ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، فَقَدْ قَال الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ: وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ يَقُول: لاَ فَسْخَ، وَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
ب - وُجُوبُ الثَّمَنِ لاَ الْقِيمَةِ.
ج - ثُبُوتُ مِلْكِ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ (٣) . стр. 5574
لَكِنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يُفْسَخُ، وَيُرَدُّ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَفُتْ بِيَدِهِ، فَإِنْ فَاتَ - بِتَغَيُّرِ سُوقٍ - مَضَى الْعَقْدُ، وَلَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْقِيمَةُ حِينَ الْقَبْضِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيل بِالْقِيمَةِ حِينَ الْبَيْعِ. (١)
وَالَّذِينَ نَصُّوا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ فَسْخِ الْبَيْعِ، أَلْحَقُوا بِهِ نَحْوَ الْبَيْعِ، مِنَ الإِْجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالإِْقَالَةِ وَالشُّفْعَةِ - إِذَا أَخَذَ بِهَا، لاَ لَوْ تُرِكَتْ - لَكِنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِثْل: النِّكَاحِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، فَلاَ يُفْسَخُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ حَرُمَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَبَيْنَ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ عِنْدَهُمْ هُوَ: أَنَّ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ مِمَّا فِيهِ الْعِوَضُ، يَرْجِعُ لِكُلٍّ عِوَضُهُ بِالْفَسْخِ، فَلاَ كَبِيرَ ضَرَرٍ فِيهَا، بِخِلاَفِ مَا لاَ عِوَضَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَبْطُل أَصْلاً لَوْ فُسِخَ. (٢)
وَذَكَرَ الْعَدَوِيُّ فِي النِّكَاحِ عِلَّةً أُخْرَى، وَهِيَ حُصُول الضَّرَرِ بِفَسْخِهِ، فَرُبَّمَا يَتَعَلَّقُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِصَاحِبِهِ.
وَهِبَةُ الثَّوَابِ عِنْدَهُمْ (وَهِيَ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِشَرْطِ الْمُكَافَأَةِ كَمَا يُعَبِّرُونَ، أَوْ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، كَمَا يُعَبِّرُ الْحَنَفِيَّةُ وَآخَرُونَ) كَالْبَيْعِ. стр. 5575
وَالْخُلْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَمْضِيَ وَلاَ يُفْسَخُ، عَلَى مُقْتَضَى الْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ يَبْطُل أَصْلاً لَوْ فُسِخَ. (١)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ صَرَّحُوا: بِأَنَّ الْبَيْعَ لاَ يَصِحُّ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَلاَ يَنْعَقِدُ لِلَّذِي فِي النَّصِّ الْكَرِيمِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ. (٢)
ب - بَيْعُ الْمُصْحَفِ لِلْكَافِرِ:
١٤٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مَمْنُوعٌ، وَصَرَّحَ جُمْهُورُهُمْ بِالْحُرْمَةِ، وَيَبْدُو مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ بِمُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ وَتَعْلِيلِهِمْ لِلتَّحْرِيمِ.
يَقُول الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَبِيعَ لِلْكَافِرِ مُصْحَفًا أَوْ جُزْأَهُ، وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ؛ لأَِنَّ فِيهِ امْتِهَانَ حُرْمَةِ الإِْسْلاَمِ بِمِلْكِ الْمُصْحَفِ.
وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (٣) ﴾ .
وَأَصْل هَذَا التَّعْلِيل يَرْجِعُ إِلَى مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ стр. 5576
أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. (١)
وَمَعَ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ:
أ - فَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِ الْمُصْحَفِ لِكَافِرٍ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُسَافَرَةِ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ، فَلاَ يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ مِنْهُ. وَلأَِنَّهُ يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنَ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ، فَمُنِعَ مِنَ ابْتِدَائِهِ كَسَائِرِ مَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلِمَا فِي مِلْكِ الْكَافِرِ لِلْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ مِنَ الإِْهَانَةِ. (٣) وَفَرَّعَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى هَذَا فَسْخَ الْبَيْعِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا، وَنَسَبَ هَذَا الرَّأْيَ سَحْنُونٌ إِلَى أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٤) . وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ الإِْسْلاَمَ - كَمَا يَقُول ابْنُ جُزَيٍّ - فِي الْبَيْعِ إِلاَّ فِي شِرَاءِ стр. 5577
الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، وَفِي شِرَاءِ الْمُصْحَفِ (١) .
ب - وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ بَيْعَ الْمُصْحَفِ لِلْكَافِرِ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ لِحِفْظِ كِتَابِ اللَّهِ عَنِ الإِْهَانَةِ - كَمَا نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الطَّحَاوِيِّ - وَلأَِنَّ فِيهِ امْتِهَانَ حُرْمَةِ الإِْسْلاَمِ بِمِلْكِ الْمُصْحَفِ - كَمَا يَقُول الْخَرَشِيُّ - وَلاَ خِلاَفَ فِي التَّحْرِيمِ. كَمَا قَال عَمِيرَةُ (٢) .
مُلْحَقَاتٌ بِالْبَيْعِ:
١٤٦ - وَكَمَا يُمْنَعُ بَيْعُ الْمُصْحَفِ لَهُمْ - يُمْنَعُ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَهِبَتُهُ مِنْهُمْ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ - وَكَذَا ارْتِهَانُهُ مِنْهُمْ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ. وَالأَْوَّلُونَ يُجْبِرُونَهُمْ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِمْ كَمَا فِي الْبَيْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ الدُّسُوقِيُّ (٣) ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ الآْخَرُونَ.
مُسْتَثْنَيَاتٌ مِنَ الْبَيْعِ:
١٤٧ - وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ حُكْمِ بَيْعِ الْمُصْحَفِ، أَشْيَاءَ: стр. 5578
- الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ، الَّتِي نُقِشَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ لِلْحَاجَةِ.
- شِرَاءُ أَهْل الذِّمَّةِ الدُّورَ، وَقَدْ كُتِبَ فِي جُدْرَانِهَا أَوْ سُقُوفِهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، فَيَكُونُ مُغْتَفَرًا لِلْمُسَامَحَةِ بِهِ غَالِبًا، إِذْ لاَ يَكُونُ مَقْصُودًا بِهِ الْقُرْآنِيَّةُ.
- وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ - كَابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ - التَّمِيمَةَ لِمَنْ يُرْجَى إِسْلاَمُهُ، وَكَذَا الرِّسَالَةُ اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ ﷺ .
- وَكَذَا اسْتَثْنَوْا الثَّوْبَ الْمَكْتُوبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، لِعَدَمِ قَصْدِ الْقُرْآنِيَّةِ بِمَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، إِلاَّ أَنْ يُقَال: الْغَالِبُ فِيمَا يُكْتَبُ عَلَى الثِّيَابِ التَّبَرُّكُ بِلاَ لُبْسٍ، فَأَشْبَهَ التَّمَائِمَ، عَلَى أَنَّ فِي مُلاَبَسَتِهِ لِبَدَنِ الْكَافِرِ امْتِهَانًا لَهُ، بِخِلاَفِ مَا يُكْتَبُ عَلَى السُّقُوفِ.
وَالَّذِي يَأْمُرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِ الْكَافِرِ لِلْمُصْحَفِ، هُوَ الْحَاكِمُ لاَ آحَادُ النَّاسِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ فِيمَا يُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. (١)
حُكْمُ بَيْعِ الْمُسْلِمِ الْمُصْحَفَ وَشِرَائِهِ لَهُ:
١٤٨ - (أ) نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُصْحَفَ وَشِرَاءَهُ لَهُ مَكْرُوهٌ، وَالْمُرَادُ بِالْمُصْحَفِ هُنَا خَالِصُ الْقُرْآنِ. وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ - كَمَا يَذْكُرُ стр. 5579
الشَّيْخُ عَمِيرَةُ - هُوَ صَوْنُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى السِّلَعِ الْمُبْتَذَلَةِ، بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَهَذَا أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كَلاَمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنِ الاِبْتِذَال، وَفِي جَوَازِ شِرَائِهِ التَّسَبُّبُ إِلَى ذَلِكَ وَالْمَعُونَةُ عَلَيْهِ.
(ب) وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ الْبَيْعُ بِلاَ حَاجَةٍ دُونَ الشِّرَاءِ. وَصَرَّحَ الْقَلْيُوبِيُّ وَالْجَمَل بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ. وَعَلَّلَهُ الْجَمَل بِأَنَّ فِي الشِّرَاءِ تَحْصِيلاً بِخِلاَفِ الْبَيْعِ (١) فَإِنَّهُ تَفْوِيتٌ وَابْتِذَالٌ وَانْقِطَاعُ رَغْبَةٍ.
وَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيَّةُ، هُوَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَقَرَّرَ الْمِرْدَاوِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ وَجَوَازِهِ: أَنَّهَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَّلُوهَا بِأَنَّ الشِّرَاءَ اسْتِنْقَاذٌ لِلْمُصْحَفِ فَجَازَ، كَمَا جَازَ شِرَاءُ رِبَاعِ مَكَّةَ وَاسْتِئْجَارُ دُورِهَا، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا وَلاَ أَخْذُ أُجْرَتِهَا، وَكَذَلِكَ دَفْعُ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ لاَ يُكْرَهُ، مَعَ كَرَاهَةِ كَسْبِهِ. بَل جَعَلَهُ الْبُهُوتِيُّ كَشِرَاءِ الأَْسِيرِ. (٢)
ج - وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ بَيْعَ الْمُصْحَفِ لاَ يَجُوزُ وَلاَ يَصِحُّ. قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَهُوَ стр. 5580
الْمَذْهَبُ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ الشِّرَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا بَعْضُهُمْ. وَعَلَّل عَدَمَ الْجَوَازِ: - بِأَنَّ أَحْمَدَ قَال: لاَ أَعْلَمُ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ رُخْصَةً. - وَبِأَنَّهُ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ - وَلأَِنَّهُ يَشْتَمِل عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَتَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنِ الْبَيْعِ وَالاِبْتِذَال. (١)
د - وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ بَيْعَ الْمُصْحَفِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. قَال الْمِرْدَاوِيُّ: ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ. وَأَسْنَدَ الْحَنَابِلَةُ جَوَازَ بَيْعِ الْمُصْحَفِ، وَالتَّرْخِيصَ فِيهِ أَيْضًا إِلَى الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَعَلَّلُوهُ لَهُمْ، بِأَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ عَلَى الْوَرَقِ وَالْجِلْدِ، وَبَيْعُهُ مُبَاحٌ.
وَهُنَاكَ رِوَايَتَانِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ فِي كَرَاهَةِ مُبَادَلَتِهِ. وَاخْتِيَارُ أَحْمَدَ جَوَازُ إِبْدَال الْمُصْحَفِ بِمِثْلِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَدُل عَلَى الرَّغْبَةِ عَنْهُ، وَلاَ عَلَى الاِسْتِبْدَال بِهِ بِعِوَضٍ دُنْيَوِيٍّ، بِخِلاَفِ أَخْذِ ثَمَنِهِ. (٢)
وَمِنْ هَذَا الْعَرْضِ يَتَّضِحُ أَنَّ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ - بِالإِْجْمَال - ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي بَيْعِ الْمُصْحَفِ: стр. 5581
الْحُرْمَةُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْجَوَازُ. وَمِثْلُهَا فِي الشِّرَاءِ. وَفِي الْمُبَادَلَةِ قَوْلاَنِ. وَأَنَّ الْمَذْهَبَ - كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ قُدَامَةَ وَالْبُهُوتِيِّ - هُوَ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ، وَعَدَمُ الصِّحَّةِ، وَهَذَا مُعَلَّلٌ أَيْضًا بِقَوْل ابْنِ عُمَرَ: وَدِدْتُ أَنَّ الأَْيْدِيَ تُقْطَعُ فِي بَيْعِهَا، وَلأَِنَّ تَعْظِيمَهُ وَاجِبٌ، وَفِي الْبَيْعِ تَرْكُ التَّعْظِيمِ وَابْتِذَالٌ لَهُ. وَلاَ يُكْرَهُ الشِّرَاءُ لأَِنَّهُ اسْتِنْقَاذٌ، وَلاَ الاِسْتِبْدَال بِمُصْحَفٍ آخَرَ، لأَِنَّهُ لاَ دَلاَلَةَ فِيهِ عَلَى الرَّغْبَةِ عَنْهُ. (١)
آثَارُ الْبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ:
١٤٩ - إِنَّ الأَْصْل فِي النَّهْيِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ الْبُطْلاَنُ، فَيَجْرِي عَلَى هَذَا الأَْصْل إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى مَا إِذَا دَل الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى مُجَاوِرٍ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَقَطْ، أَمَّا إِذَا دَل الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي الْوَصْفِ اللاَّزِمِ، فَلاَ ضَرُورَةَ لِلْخُرُوجِ عَلَى الأَْصْل، وَلاَ فِي أَنْ لاَ يَجْرِي النَّهْيُ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ الْبُطْلاَنُ؛ لأَِنَّ بُطْلاَنَ الْوَصْفِ اللاَّزِمِ يُوجِبُ بُطْلاَنَ الأَْصْل، بِخِلاَفِ الْمُجَاوِرِ لِمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِلاَزِمٍ.
ب - وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الأَْصْل فِي التَّصَرُّفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا صَحِيحًا شَرْعًا، فَيَجْرِي النَّهْيُ عَلَى هَذَا الأَْصْل، إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، стр. 5582
وَالضَّرُورَةُ عِنْدَهُمْ مُنْحَصِرَةٌ فِيمَا إِذَا دَل الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ فِي جُزْئِهِ فَقَطْ، أَمَّا إِذَا دَل الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي وَصْفٍ لاَزِمٍ، فَلاَ ضَرُورَةَ فِي الْخُرُوجِ عَلَى الأَْصْل، وَلاَ فِي أَنْ لاَ يَجْرِيَ النَّهْيُ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ الصِّحَّةُ؛ لأَِنَّ صِحَّةَ الأَْجْزَاءِ وَالشُّرُوطِ فِيهِ كَافِيَةٌ لِصِحَّةِ الشَّيْءِ، وَتَرْجِيحُ الصِّحَّةِ بِصِحَّةِ الأَْجْزَاءِ أَوْلَى مِنْ تَرْجِيحِ الْبُطْلاَنِ بِالْوَصْفِ الْخَارِجِيِّ، وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الضَّرُورَةُ قَائِمَةً، يَجْرِي النَّهْيُ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَوْجُودًا شَرْعًا، أَيْ صَحِيحًا (١) .
الْفَرْقُ بَيْنَ الاِصْطِلاَحَاتِ الثَّلاَثَةِ: الْفَسَادِ وَالْبُطْلاَنِ وَالصِّحَّةِ:
١٥٠ - اتَّضَحَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْجُمْهُورَ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَسَادِ وَبَيْنَ الْبُطْلاَنِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
فَالصِّحَّةُ هُنَا - فِي الْعُقُودِ، وَمِنْهَا الْبَيْعُ - تَقْتَضِي بِأَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ سَبَبًا لِتَرَتُّبِ آثَارِهِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ شَرْعًا، كَالْبَيْعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِلْكِ.
أَمَّا الْبُطْلاَنُ، فَمَعْنَاهُ تَخَلُّفُ الأَْحْكَامِ عَنِ الْعُقُودِ، وَخُرُوجُ الْعُقُودِ عَنْ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا مُفِيدَةً لِلأَْحْكَامِ.
وَالْفَسَادُ يُرَادِفُ الْبُطْلاَنَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ قِسْمٌ ثَالِثٌ مُغَايِرٌ стр. 5583
لِلصَّحِيحِ فَهُوَ: مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِوَصْفِهِ. بِخِلاَفِ الْبَاطِل، فَهُوَ مَا كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ. (١)
فَيَسْتَوِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ بَيْعُ الْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ، وَبَيْعُ الأَْجِنَّةِ وَالْمَيْتَاتِ فِي الْبُطْلاَنِ: كَبَيْعِ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ، وَكَبَيْعِ الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ، وَبَيْعِ الْعِينَةِ، وَالْبَيْعِ الْمُشْتَمِل عَلَى الرِّبَا، وَالْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْبُيُوعِ كُلِّهَا أَيُّ أَثَرٍ لَهَا.
لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ مُفَصِّلِينَ: بِبُطْلاَنِ بَيْعِ الْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ وَالأَْجِنَّةِ وَالْمَيْتَاتِ، لاِنْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ وَالرُّكْنِيَّةِ كَالْجُمْهُورِ، وَهَذَا هُوَ عَدَمُ مَشْرُوعِيَّةِ الأَْصْل بِتَعْبِيرِهِمْ، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَيُّ أَثَرٍ.
وَبِفَسَادِ الْبَاقِيَاتِ، لاَ بِبُطْلاَنِهَا:
أ - فَفِي الْبَيْعِ بِشَرْطٍ مَثَلاً النَّهْيُ رَاجِعٌ لِلشَّرْطِ، فَيَبْقَى أَصْل الْعَقْدِ صَحِيحًا، مُفِيدًا لِلْمِلْكِ، لَكِنْ بِصِفَةِ الْفَسَادِ وَالْحُرْمَةِ، فَالشَّرْطُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْبَيْعِ، لاَزِمٌ لَهُ لِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوَصْفِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (٢)
ب - وَفِي الْبَيْعِ الْمُشْتَمِل عَلَى الرِّبَا يَقُولُونَ: إِنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ، وَهُوَ الْمُبَادَلَةُ الْمَالِيَّةُ مِنْ أَهْلِهَا فِي стр. 5584
مَحَلِّهَا مَوْجُودَةٌ، فَيَكُونُ مَشْرُوعًا، لَكِنْ لَمْ تُوجَدِ الْمُبَادَلَةُ التَّامَّةُ، فَأَصْل الْمُبَادَلَةِ حَاصِلٌ، لاَ وَصْفُهَا، وَهُوَ كَوْنُهَا تَامَّةً. (١)
وَهَذَا بِخِلاَفِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالأَْجِنَّةِ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَلاَ مُتَقَوَّمَةً، فَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ أَصْلاً.
وَفِيمَا يَلِي أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْبَاطِل - مِنْ وَجِهَةِ نَظَرِ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ قَرَّرُوهُ - ثُمَّ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، ثُمَّ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ.
أَوَّلاً: أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْبَاطِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
١٥١ - لاَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ الْبَاطِل أَصْلاً، وَلَيْسَ لَهُ وُجُودٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا، وَإِذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ فَلاَ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَلاَ حُكْمَ لِهَذَا الْبَيْعِ أَصْلاً؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلْمَوْجُودِ، وَلاَ وُجُودَ لِهَذَا الْبَيْعِ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ؛ لأَِنَّ التَّصَرُّفَ الشَّرْعِيَّ لاَ وُجُودَ لَهُ بِدُونِ الأَْهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ شَرْعًا، إِذْ لاَ وُجُودَ لِلتَّصَرُّفِ الْحَقِيقِيِّ إِلاَّ مِنَ الأَْهْل فِي الْمَحَل حَقِيقَةً، وَذَلِكَ نَحْوُ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْعَذِرَةِ وَالْبَوْل وَبَيْعِ الْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ وَكُل مَا لَيْسَ بِمَالٍ.
وَإِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَفِي ضَمَانِهِ خِلاَفٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: стр. 5585
أ - قِيل: لاَ يُضْمَنُ، لأَِنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعَقْدَ إِذَا بَطَل بَقِيَ مُجَرَّدُ الْقَبْضِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَهُوَ لاَ يُضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الدُّرَرِ.
وَقِيل: إِنَّ هَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (١) .
ب - وَقِيل: يَكُونُ مَضْمُونًا، لأَِنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ.
وَاخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْمِثْل أَوْ بِالْقِيمَةِ، لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ أَدْنَى حَالاً مِنَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ.
وَقِيل: إِنَّ هَذَا قَوْل الصَّاحِبِينَ. وَفِي الْقُنْيَةِ: أَنَّهُ الصَّحِيحُ، لِكَوْنِهِ قَبَضَهُ لَنَفْسِهِ فَشَابَهُ الْغَصْبُ، وَفِي الدُّرِّ: قِيل: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (٢) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ: (الْبَيْعُ الْبَاطِل) .
ثَانِيًا: أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ:
١٥٢ - يَنْبَنِي عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عِدَّةُ آثَارٍ هِيَ: انْتِقَال الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْفَسْخِ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَعَدَمُ طِيبِ الرِّبْحِ النَّاشِئِ مِنَ الْمَبِيعِ، وَقَبُولُهُ لِلتَّصْحِيحِ، وَضَمَانُ الْمَبِيعِ بِالْهَلاَكِ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذِهِ الآْثَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي مُصْطَلَحِ: (الْبَيْعُ الْفَاسِدُ) .
هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. стр. 5586
أَمَّا أَحْكَامُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَهِيَ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْبَاطِل لِعَدَمِ تَفْرِقَتِهِمْ بَيْنَهُمَا، وَانْظُرْ فِي مُصْطَلَحِ: (الْبَيْعُ الْبَاطِل) .
ثَالِثًا: أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ:
١٥٣ - حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ: الْمَنْعُ شَرْعًا وَتَرَتُّبُ الإِْثْمِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ هَذَا صَحِيحٌ. لأَِنَّ النَّهْيَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى مُجَاوِرٍ لِلْبَيْعِ، لاَ فِي صُلْبِهِ، وَلاَ فِي شَرَائِطِ صِحَّتِهِ، وَمِثْل هَذَا النَّهْيِ لاَ يُوجِبُ الْفَسَادَ، بَل الْكَرَاهِيَةَ.
فَالْبَيْعُ عِنْدَ الأَْذَانِ لِلْجُمُعَةِ، وَبَيْعُ النَّجْشِ، وَبَيْعُ الإِْنْسَانِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَسَوْمُهُ عَلَى سَوْمِهِ، وَنَحْوُهَا بُيُوعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَهِيَ - كَمَا يَقُول الْحَصْكَفِيُّ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، لَكِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَيْسَتْ بَاطِلَةً، مَعَ النَّهْيِ عَنْهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِلاَّ فِي رِوَايَاتٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّهْيَ لاَ يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلاَ إِلَى شَرَائِطِ الصِّحَّةِ، بَل إِلَى مَعْنًى يَقْتَرِنُ بِهِ. (١) стр. 5587
١٥٤ - وَمِنْ أَهَمِّ أَحْكَامِ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ:
- أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
- وَأَنَّهُ يُمْلَكُ فِيهِ الْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِهِ.
- وَأَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الثَّمَنُ، لاَ الْقِيمَةُ.
- وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ فَسْخُهُ.
وَقِيل: إِنَّ فَسْخَهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، صَوْنًا لَهُمَا عَنِ الْمَحْظُورِ، وَلأَِنَّ رَفْعَ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ.
وَوَفَّقَ ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهَا دِيَانَةً. بِخِلاَفِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُمَا إِذَا أَصَرَّا عَلَيْهِ يَفْسَخُهُ الْقَاضِي جَبْرًا عَلَيْهَا، وَوَجَّهَهُ أَنَّ الْبَيْعَ هُنَا صَحِيحٌ، فَلاَ يَلِي الْقَاضِي فَسْخَهُ لِحُصُول الْمِلْكِ الصَّحِيحِ. (١)
لَكِنْ قَرَّرَ ابْنُ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْظُورٍ خَارِجٍ عَنْ بَابِ الْبُيُوعِ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي مَوْضِعٍ مَغْصُوبٍ، فَهَذَا لاَ يُفْسَخُ، فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ.
وَإِذَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ، وَلَمْ يُخَل فِيهِ بِشَرْطٍ مُشْتَرَطٍ فِي صِحَّةِ الْبُيُوعِ، كَالْبَيْعِ وَقْتَ الْجُمُعَةِ، وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَتَلَقِّي الْجَلَبِ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ: فَقِيل يُفْسَخُ. وَقِيل: لاَ يُفْسَخُ، وَقِيل: يُفْسَخُ إِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً. (٢) стр. 5588
الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبَيْعُ: مُبَادَلَةُ الْمَال بِالْمَال. (١)
وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ " وَقَفَ " يُقَال: وَقَفَتِ الدَّابَّةُ وُقُوفًا سَكَنَتْ، وَوَقَفْتُهَا أَنَا وَقْفًا: جَعَلْتُهَا تَقِفُ. وَوَقَفْتُ الدَّارَ وَقْفًا حَبَسْتُهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، وَوَقَفْتُ الأَْمْرَ عَلَى حُضُورِ زَيْدٍ: عَلَّقْتُ الْحُكْمَ عَلَى حُضُورِهِ، وَوَقَفْتُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ إِلَى الْوَضْعِ: أَخَّرْتُهَا حَتَّى تَضَعَ الْحُبْلَى. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ، فَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ أَجَازُوهُ بِأَنَّهُ: الْبَيْعُ الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، وَيُفِيدُ الْمِلْكَ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ، وَلاَ يُفِيدُ تَمَامَهُ стр. 5589
لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، وَهُوَ مِنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ. (١)
وَيُقَابِلُهُ الْبَيْعُ النَّافِذُ، وَهُوَ: الْبَيْعُ الصَّحِيحُ الَّذِي لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ. وَيُفِيدُ الْحُكْمَ فِي الْحَال. فَالنَّافِذُ هُوَ ضِدُّ الْمَوْقُوفِ، فَمَتَى قِيل: بَيْعٌ نَافِذٌ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ بَيْعٌ غَيْرُ مَوْقُوفٍ (٢) .
مَشْرُوعِيَّةُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:
٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ - كَمَا حُكِيَ عَنِ الْجَدِيدِ أَيْضًا - مَشْرُوعِيَّةَ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ وَاعْتِبَارَهُ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، لِعُمُومَاتِ الْبَيْعِ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)
وَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَاتِ: أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالتِّجَارَةَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، بَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْمَالِكِ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْوَكِيل فِي الاِبْتِدَاءِ، أَوْ بَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَتِ الإِْجَازَةُ مِنَ стр. 5590
الْمَالِكِ فِي الاِنْتِهَاءِ وَبَيْنَ وُجُودِ الرِّضَا فِي التِّجَارَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِعُمُومِهَا إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ.
وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ دَفَعَ دِينَارًا إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، ثُمَّ بَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَقَال ﵊: بَارَكَ اللَّهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ (١) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِبَيْعِ الشَّاةِ، فَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ، لَمَا بَاعَ وَلَمَا دَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ عَلَى مَا فَعَل، وَلأََنْكَرَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْبَاطِل يُنْكَرُ.
كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَلاَ يَلْغُو، كَمَا لَوْ حَصَل مِنَ الْمَالِكِ، وَكَالْوَصِيَّةِ بِالْمَال مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَالْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ مِمَّنْ لاَ دَيْنَ عَلَيْهِ.
وَالتَّصَرُّفُ إِذَا صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ تَحَقَّقَ بِهِ وُجُودُهُ، ثُمَّ قَدْ يَمْتَنِعُ نَفَاذُهُ شَرْعًا لِمَانِعٍ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى زَوَال ذَلِكَ الْمَانِعِ، وَبِالإِْجَازَةِ يَزُول الْمَانِعُ، وَهُوَ عَدَمُ رِضَا الْمَالِكِ بِهِ.
وَلأَِنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ يُفِيدُ الْمِلْكِيَّةَ بِدُونِ قَبْضٍ تَمَامًا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، فَالْبَيْعُ стр. 5591
الْمَوْقُوفُ هُوَ بَيْعٌ صَحِيحٌ لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ وَحُكْمِهِ عَلَيْهِ. وَانْعِقَادُ هَذَا الْبَيْعِ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ لاَ يُنَافِي كَوْنَهُ صَحِيحًا. (١)
٣ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ إِلَى بُطْلاَنِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَأْتِينِي الرَّجُل يَسْأَلُنِي مِنَ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي، أَأَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ثُمَّ أَبِيعُهُ مِنْهُ؟ قَال: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. (٢)
كَمَا احْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ بَيْعَ وَلاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ (٣) стр. 5592
وَلأَِنَّ وُجُودَ السَّبَبِ بِكَمَالِهِ بِدُونِ آثَارِهِ يَدُل عَلَى فَسَادِهِ.
وَيَقِيسُونَ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ عَلَى الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ (١)
أَنْوَاعُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:
٤ - عَقْدُ الْبَيْعِ يَكُونُ مَوْقُوفًا إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِلْكَ الْغَيْرِ أَوْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ حَقٌّ فِي الْمَبِيعِ. (٢)
وَقَدْ حَصَرَ صَاحِبُ " الْخُلاَصَةِ " أَنْوَاعَ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا، وَأَوْصَلَهَا صَاحِبُ " النَّهْرِ " إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَثَلاَثِينَ نَوْعًا، وَذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي " الْبَحْرِ الرَّائِقِ " تِسْعًا وَعِشْرِينَ صُورَةً لِلْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ أَهَمُّهَا:
- بَيْعُ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الأَْبِ أَوِ الْوَصِيِّ.
- بَيْعُ غَيْرِ الرَّشِيدِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْقَاضِي.
- بَيْعُ الْمَرْهُونِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ.
- بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ. стр. 5593
- بَيْعُ مَا فِي مُزَارَعَةِ الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَزَارِعِ.
- بَيْعُ الْبَائِعِ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُشْتَرِي الأَْوَّل.
- بَيْعُ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَوْبَتِهِ مِنَ الرِّدَّةِ.
- بَيْعُ الشَّيْءِ بِرَقْمِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ.
- الْبَيْعُ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلاَنٌ وَالْمُشْتَرِي لاَ يَعْلَمُ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْمَجْلِسِ.
- الْبَيْعُ بِمِثْل مَا يَبِيعُ النَّاسُ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ.
- الْبَيْعُ بِمِثْل مَا أَخَذَ بِهِ فُلاَنٌ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ.
- بَيْعُ الْمَالِكِ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِقْرَارِ الْغَاصِبِ، أَوِ الْبُرْهَانِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ.
- بَيْعُ مَال الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَتِهِ (وَهُوَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ) .
- بَيْعُ الشَّرِيكِ نَصِيبَهُ مِنْ مُشْتَرَكٍ بِالْخَلْطِ الاِخْتِيَارِيِّ، أَوِ الاِخْتِلاَطِ بِغَيْرِ فِعْل الْمَالِكِينَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ شَرِيكِهِ.
- بَيْعُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ وَلَوْ كَانَ بِمِثْل الْقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
- بَيْعُ الْوَارِثِ التَّرِكَةَ الْمُسْتَغْرَقَةَ بِالدَّيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْغُرَمَاءِ.
стр. 5594
- أَحَدُ الْوَكِيلِينَ أَوِ الْوَصِيِّينَ أَوِ النَّاظِرِينَ إِذَا بَاعَ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ (إِذَا كَانَ مَشْرُوطًا اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ) .
- بَيْعُ الْمَعْتُوهِ مَوْقُوفٌ. (١)
حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:
٥ - حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ هُوَ أَنَّهُ يَقْبَل الإِْجَازَةَ عِنْدَ تَوَافُرِ الشُّرُوطِ الآْتِيَةِ:
أ - وُجُودُ الْبَائِعِ حَيًّا، لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالإِْجَازَةِ، وَلاَ تَلْزَمُ إِلاَّ حَيًّا.
ب - وُجُودُ الْمُشْتَرِي حَيًّا لِيَلْزَمَهُ الثَّمَنُ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لاَ يَلْزَمُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ لَزِمَهُ حَال أَهْلِيَّتِهِ.
ج - وُجُودُ الْمَبِيعِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِل فِيهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِل بَعْدَ الإِْجَازَةِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِل بَعْدَ الْهَلاَكِ.
وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمَبِيعِ قَائِمًا، أَنْ لاَ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ شَيْئًا آخَرَ، فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ ثَوْبَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَصَبَغَهُ الْمُشْتَرِي، فَأَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ стр. 5595
جَازَ، وَلَوْ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ.
د - وُجُودُ الثَّمَنِ فِي يَدِ الْبَائِعِ إِذَا كَانَ عَيْنًا كَالْعُرُوضِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْفُلُوسِ فَوُجُودُ الثَّمَنِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
هـ - وُجُودُ الْمَالِكِ؛ لأَِنَّ الإِْجَازَةَ تَكُونُ مِنْهُ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ قَبْل إِجَازَتِهِ الْبَيْعَ لاَ يَجُوزُ بِإِجَازَةِ وَرَثَتِهِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ انْتِقَال حَقِّ إِجَازَةِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ إِلَى الْوَارِثِ. (١)
هَذَا، وَلِلتَّوَسُّعِ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الإِْجَازَةُ وَسَائِرُ الْمَسَائِل الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا (ر: إِجَازَة)
وَإِذَا أُجِيزَ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ يَسْتَنِدُ أَثَرُهُ (أَيْ يَسْرِي مُنْذُ الْعَقْدِ) عَلَى مَا سَيَأْتِي.
أَثَرُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:
٦ - الْبَيْعُ النَّافِذُ يُفِيدُ الْحُكْمَ فِي الْحَال، وَهُوَ مَلَكِيَّةُ الْبَائِعِ لِلثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ، وَتَصَرُّفُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِي ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، سَوَاءٌ أَذُكِرَ فِي الْعَقْدِ تَمَلُّكُ الْبَائِعِ لِلثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ أَمْ لَمْ يُذْكَرْ؛ لأَِنَّ النَّصَّ стр. 5596
عَلَى الْمُقْتَضَى بَعْدَ حُصُول الْمُوجِبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. (١)
وَيُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مَالِكًا لِلْمَبِيعِ، أَوْ وَكِيلاً لِمَالِكِهِ أَوْ وَصِيِّهِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ فِي الْمَبِيعِ حَقٌّ آخَرُ.
وَإِذَا تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ مَوْقُوفًا فَلاَ يُفِيدُ الْحُكْمَ إِلاَّ عِنْدَ إِجَازَةِ صَاحِبِ الشَّأْنِ، فَإِنْ أَجَازَ نَفَذَ وَإِلاَّ بَطَل. (٢)
فَقَبْل أَنْ تَصْدُرَ الإِْجَازَةُ مِمَّنْ يَمْلِكُهَا لاَ يَظْهَرُ أَثَرُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ، وَيَكُونُ ظُهُورُ أَثَرِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ، فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ مَثَلاً لاَ يَنْفُذُ ابْتِدَاءً لاِنْعِدَامِ الْمِلْكِ وَالْوِلاَيَةِ، لَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَجَازَ يَنْفُذْ وَإِلاَّ يَبْطُل. (٣) (ر: بَيْعُ الْفُضُولِيِّ)
وَكَذَلِكَ إِذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِلاَ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ - فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ، إِنْ أَجَازَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَهُ نَفَذَ، وَإِذَا نَفَذَ الْبَيْعُ بِإِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ انْتَقَل حَقُّهُ إِلَى بَدَلِهِ. (٤)
وَلِلتَّفْصِيل (ر: رَهْن) . стр. 5597
هَذَا، وَيَنْبَغِي التَّنْوِيهُ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ لاَ يَتَوَقَّفُ دَائِمًا نَفَاذُهُ، وَظُهُورُ أَثَرِهِ عَلَى إِجَازَةِ شَخْصٍ غَيْرِ الْعَاقِدِ، بَل هَذَا هُوَ الأَْغْلَبُ، فَقَدْ يَكُونُ مُتَوَقِّفَ النَّفَاذِ لاَ عَلَى إِجَازَةِ أَحَدٍ، بَل عَلَى زَوَال حَالَةٍ أَوْجَبَتْ عَدَمَ النَّفَاذِ، كَمَا فِي بَيْعِ الْمُرْتَدِّ عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنَّ نَفَاذَ بَيْعِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَوْدَتِهِ إِلَى الإِْسْلاَمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (١) .
التَّصَرُّفَاتُ الْوَاقِعَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَثْنَاءَ التَّوَقُّفِ:
٧ - التَّصَرُّفَاتُ الْوَاقِعَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ أَثْنَاءَ التَّوَقُّفِ مِنْهَا مَا يَسْتَنِدُ أَثَرُهُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا مَا يَبْدَأُ أَثَرُهُ مِنْ حِينِ الإِْجَازَةِ. فَالإِْجَازَةُ تَارَةً تَكُونُ إِنْشَاءً، وَتَارَةً تَكُونُ إِظْهَارًا.
وَفِيمَا يَلِي أَمْثِلَةٌ لِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ.
أَوَّلاً: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ:
أ - إِذَا أُجِيزَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ لِمَال الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ نَافِذًا مُسْتَنِدًا حُكْمُهُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ، فَيَصِيرُ الْمَبِيعُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنُ مِلْكًا لِلْمَالِكِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ، لأَِنَّ الإِْجَازَةَ اللاَّحِقَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ. فَإِذَا هَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ قَبْل الإِْجَازَةِ، ثُمَّ أُجِيزَ стр. 5598
الْعَقْدُ لَمْ يَضْمَنْهُ كَالْوَكِيل، وَكَذَلِكَ إِذَا حَطَّ الْبَائِعُ الْفُضُولِيَّ مِنَ الثَّمَنِ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ يَثْبُتُ الْبَيْعُ وَالْحَطُّ، سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْبَائِعُ بِالْحَطِّ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ بِالْحَطِّ بَعْدَ الإِْجَازَةِ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفُضُولِيَّ يَصِيرُ بِالإِْجَازَةِ كَوَكِيلٍ، وَلَوْ حَطَّهُ الْوَكِيل لاَ يَتَمَكَّنُ الْمُوَكِّل مِنْ مُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي بِهِ، كَذَا هَذَا. (١)
ب - إِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ، فَإِنْ مَلَكَ الْمَبِيعَ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ، وَيَثْبُتُ لَهُ بِالتَّالِي الْحَقُّ فِي كُل مَا يَحْدُثُ بِالْمَبِيعِ قَبْل الإِْجَازَةِ مِنْ نَمَاءٍ أَوْ زِيَادَةٍ، كَالْكَسْبِ وَالْوَلَدِ وَالأَْرْشِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ. (٢)
ثَانِيًا: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي يَقْتَصِرُ حُكْمُهَا عَلَى وَقْتِ صُدُورِ الإِْجَازَةِ:
أ - لاَ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْل صُدُورِ الإِْجَازَةِ، سَوَاءٌ أَقَبَضَهُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهُ. (٣) فَإِذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ الْمَبِيعَ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ لاَ يَنْفُذُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، (٤) لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنَ الْفُضُولِيِّ لَمْ يَمْلِكْ стр. 5599
مَا اشْتَرَاهُ إِلاَّ بَعْدَ الإِْجَازَةِ، فَبَيْعُهُ وَقَعَ عَلَى مَا لَمْ يَمْلِكْ.
ب - إِذَا بَاعَ الْفُضُولِيُّ شَيْئًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي بَاعَهُ يَكُونُ وَقْتَ الإِْجَازَةِ. (١) стр. 5600
بَيْعٌ وَشَرْطٌ
١ - وَرَدَتْ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ نُصُوصٌ شَرْعِيَّةٌ تُقَرِّرُ لِلْعُقُودِ آثَارَهَا، وَوَرَدَتْ فِيهَا نُصُوصٌ أُخْرَى، بَعْضُهَا عَامٌّ، وَبَعْضُهَا خَاصٌّ، فِيمَا يَتَّصِل بِمَبْلَغِ حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي تَعْدِيل آثَارِ الْعُقُودِ، بِالإِْضَافَةِ عَلَيْهَا، أَوِ النَّقْصِ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ يَشْتَرِطَانِهَا فِي عُقُودِهِمَا.
فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَرَدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . (٢)
وَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَرَدَ حَدِيثُ:. . . الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلاً وَفِي رِوَايَةٍ: عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، (٣) стр. 5601
وَحَدِيثُ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ، (١) وَحَدِيثُ: مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ (٢) أَيْ لَيْسَ فِيمَا كَتَبَهُ اللَّهُ وَأَوْجَبَهُ فِي شَرِيعَتِهِ الَّتِي شَرَعَهَا. وَحَدِيثُ: عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. (٣)
فَهَذِهِ النُّصُوصُ - فِي مَجْمُوعِهَا - تُشِيرُ إِلَى أَنَّ هُنَاكَ: شُرُوطًا مُبَاحَةً لِلْمُتَعَاقِدِينَ، يَتَخَيَّرُونَ مِنْهَا مَا يَشَاءُونَ لِلاِلْتِزَامِ بِهَا فِي عُقُودِهِمَا، وَشُرُوطًا مَحْظُورَةً، لاَ حَقَّ لأَِحَدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي عُقُودِهِمَا، لِمَا أَنَّهَا تُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ، أَوْ تُخَالِفُ الْقَوَاعِدَ الْعَامَّةَ الشَّرْعِيَّةَ، أَوْ تُصَادِمُ مَقْصِدًا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.
وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ، كُل مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ لِلاِخْتِلاَفِ الشَّدِيدِ بَيْنَهَا فِي ذَلِكَ. стр. 5602
أَوَّلاً: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ:
٢ - وَضَعَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الضَّابِطَ لِلشَّرْطِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، الَّذِي يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَهُوَ: كُل شَرْطٍ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَلاَ يُلاَئِمُهُ وَفِيهِ نَفْعٌ لأَِحَدِهِمَا، أَوْ لأَِجْنَبِيٍّ، أَوْ لِمَبِيعٍ هُوَ مِنْ أَهْل الاِسْتِحْقَاقِ، وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِهِ. وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِجَوَازِهِ (١) .
٣ - أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، أَيْ يَجِبُ بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَإِنَّهُ يَقَعُ صَحِيحًا، وَلاَ يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ. (٢) كَمَا إِذَا اشْتَرَى بِشَرْطِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمَبِيعَ، أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الثَّمَنَ، أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، أَوِ اشْتَرَى عَلَى أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِ الْمَبِيعُ، أَوِ اشْتَرَى دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ، أَوْ حِنْطَةً فِي سُنْبُلِهَا وَشَرَطَ الْحَصَادَ عَلَى الْبَائِعِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لأَِنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَكَانَ ذِكْرُهَا فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ تَقْرِيرًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلاَ تُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ. (٣) стр. 5603
٤ - وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مُلاَئِمًا لِلْعَقْدِ، بِأَنْ يُؤَكِّدَ مُوجَبَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَلَوْ كَانَ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، لأَِنَّهُ يُقَرِّرُ حُكْمَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَيُؤَكِّدُهُ، فَيُلْتَحَقُ بِالشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ، كَشَرْطِ رَهْنٍ مَعْلُومٍ بِالإِْشَارَةِ أَوِ التَّسْمِيَةِ، وَشَرْطِ كَفِيلٍ حَاضِرٍ قَبْل الْكَفَالَةِ، أَوْ غَائِبٍ فَحَضَرَ وَقَبِلَهَا قَبْل التَّفَرُّقِ. (١)
وَاشْتِرَاطُ الْحَوَالَةِ كَالْكَفَالَةِ، فَلَوْ بَاعَ عَلَى أَنْ يُحِيل الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى غَيْرِهِ بِالثَّمَنِ، قَالُوا: فَسَدَ قِيَاسًا، وَجَازَ اسْتِحْسَانًا (٢) .
لَكِنَّ الْكَاسَانِيَّ اعْتَبَرَ شَرْطَ الْحَوَالَةِ مُفْسِدًا، لأَِنَّهُ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَلاَ يُقَرِّرُ مُوجَبَهُ؛ لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِبْرَاءٌ عَنِ الثَّمَنِ وَإِسْقَاطٌ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُلاَئِمًا لِلْعَقْدِ، بِخِلاَفِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ (٣) .
٥ - وَيَشْمَل شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَهُمْ مَا يَأْتِي:
أ - أَنْ يَكُونَ شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ: كَمَا إِذَا بَاعَ دَارًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا الْبَائِعُ شَهْرًا، ثُمَّ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَةً، أَوْ دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا شَهْرًا، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ أُسْبُوعًا، أَوْ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ الْمُشْتَرِي قَرْضًا، أَوْ عَلَى أَنْ يَهَبَهُ هِبَةً، أَوْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، أَوْ يَبِيعَ مِنْهُ كَذَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَخِيطَهُ стр. 5604
الْبَائِعُ قَمِيصًا، أَوْ حِنْطَةً عَلَى أَنْ يَطْحَنَهَا، أَوْ ثَمَرَةً عَلَى أَنْ يَجُذَّهَا، أَوْ شَيْئًا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُ الْبَائِعُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَالْبَيْعُ فِي هَذَا كُلِّهِ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ زِيَادَةَ مَنْفَعَةٍ مَشْرُوطَةٍ فِي الْبَيْعِ تَكُونُ رِبًا، لأَِنَّهَا زِيَادَةٌ لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الرِّبَا، وَالْبَيْعُ الَّذِي فِيهِ الرِّبَا فَاسِدٌ، أَوْ فِيهِ شُبْهَةُ الرِّبَا، وَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْبَيْعِ، كَحَقِيقَةِ الرِّبَا (١) . (٢)
ب - وَيَشْمَل مَا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لأَِجْنَبِيٍّ، كَمَا إِذَا بَاعَ سَاحَةً عَلَى أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا مَسْجِدًا، أَوْ طَعَامًا عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ فَاسِدٌ، وَإِنْ يَكُنْ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَرْضِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لأَِجْنَبِيٍّ (٣) .
ج - وَيَشْمَل مَا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنْ يُوصِيَ الْمُشْتَرِي بِعِتْقِهَا، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، لأَِنَّهُ شَرَطَ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمَبِيعِ، وَإِنَّهُ مُفْسِدٌ. وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَبِيعَهَا أَوْ لاَ يَهَبَهَا، لأَِنَّ الْمَمْلُوكَ يَسُرُّهُ أَنْ لاَ تَتَدَاوَلَهُ الأَْيْدِي (٤) . وَرَوَى الْحَسَنُ عَنِ الإِْمَامِ стр. 5605
أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ اشْتِرَاطِ الإِْعْتَاقِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
أَمَّا مَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ فَلاَ يَتَنَاوَلُهُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ، وَلاَ يُوجِبُ الْفَسَادَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَبِيعَهُ، أَوْ لاَ يَهَبَهُ، أَوْ بَاعَهُ دَابَّةً عَلَى أَنْ لاَ يَبِيعَهَا، أَوْ طَعَامًا عَلَى أَنْ يَأْكُلَهُ وَلاَ يَبِيعَهُ، فَهَذَا شَرْطٌ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ، فَلاَ يُوجِبُ فِي الصَّحِيحِ الْفَسَادَ؛ لأَِنَّ الْفَسَادَ فِي مِثْل هَذِهِ الشُّرُوطِ - كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ - لِتَضَمُّنِهَا الرِّبَا بِزِيَادَةِ مَنْفَعَةٍ مَشْرُوطَةٍ لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي هَذَا الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ، وَلاَ مَطَالِبَ لَهُ بِهِ، فَلاَ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، وَلاَ إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَالْعَقْدُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ (١) .
٦ - أَمَّا مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ لأَِحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ بَاعَ الثَّوْبَ بِشَرْطِ أَنْ يَخْرِقَهُ الْمُشْتَرِي، أَوِ الدَّارَ عَلَى أَنْ يُخَرِّبَهَا، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الْمَضَرَّةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ. وَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ هُوَ فَسَادُ الْبَيْعِ (٢) . следующие страницы →