← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

أَثَرُ الْبَيْعَةِ فِي انْعِقَادِ الإِْمَامَةِ: ١٠ - اخْتِيَارُ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ لِلإِْمَامِ وَبَيْعَتُهُمْ لَهُ هِيَ الأَْصْل فِي انْعِقَادِ الإِْمَامَةِ، وَأَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ هُمُ الْعُلَمَاءُ وَجَمَاعَةُ أَهْل الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ الَّذِينَ اجْتَمَعَ فِيهِمُ الْعِلْمُ بِشُرُوطِ الأَْمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالرَّأْيِ. (ر: أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ) . أَمَّا انْعِقَادُ الإِْمَامَةِ بِوِلاَيَةِ الْعَهْدِ أَوْ بِالتَّغَلُّبِ (١) فَيُنْظَرُ حُكْمُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِمَامَةٌ كُبْرَى) . وَلَيْسَ لِمَنْ كَانَ فِي بَلَدِ الإِْمَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْل الْبِلاَدِ فَضْل مَزِيَّةٍ يَتَقَدَّمُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ فِي الاِخْتِيَارِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَنْ يَحْضُرُ بِبَلَدِ الإِْمَامِ مُتَوَلِّيًا لِعَقْدِ الإِْمَامَةِ عُرْفًا لاَ شَرْعًا، لِسَبْقِ عِلْمِهِمْ بِمَوْتِهِ؛ لأَِنَّ مَنْ يَصْلُحُ لِلْخِلاَفَةِ فِي الأَْغْلَبِ مَوْجُودُونَ فِي بَلَدِهِ. (٢)

стр. 5672

عَدَدُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِمُبَايَعَتِهِمُ الإِْمَامَةُ: ١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْمَامَةَ تَنْعَقِدُ بِإِجْمَاعِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ عَلَى الْمُبَايَعَةِ، وَبِمُبَايَعَةِ جُمْهُورِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ مِنْ كُل بَلَدٍ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَنْعَقِدُ بِأَقَل مِنْ ذَلِكَ، لِيَتِمَّ الرِّضَا بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لإِِمَامَتِهِ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَال: مَنْ بَايَعَ رَجُلاً مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلاَ يُبَايَعُ هُوَ وَلاَ الَّذِي بَايَعَهُ. (١) قَال أَبُو يَعْلَى: أَمَّا انْعِقَادُ الإِْمَامَةِ بِاخْتِيَارِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ فَلاَ تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِجُمْهُورِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: الإِْمَامُ الَّذِي يَجْتَمِعُ قَوْل أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ عَلَيْهِ، كُلُّهُمْ يَقُول هَذَا إِمَامٌ. قَال أَبُو يُعْلَى: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِجَمَاعَتِهِمْ. وَقِيل: تَنْعَقِدُ بِأَقَل مِنْ ذَلِكَ. وَمِمَّنْ قَال بِعَدَمِ انْعِقَادِهَا إِلاَّ بِجُمْهُورِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَال الْمُعْتَزِلَةُ بِانْعِقَادِهَا بِخَمْسَةٍ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِانْعِقَادِهَا بِالأَْرْبَعَةِ وَالثَّلاَثَةِ وَالاِثْنَيْنِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِانْعِقَادِهَا بِوَاحِدٍ، (٢) وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .

стр. 5673

كَيْفِيَّةُ الْبَيْعَةِ: ١٢ - كَيْفِيَّتُهَا أَنْ يَقُول كُلٌّ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ الْمُبَايِعِينَ لِمَنْ يُبَايِعُونَهُ بِالْخِلاَفَةِ: قَدْ بَايَعْنَاكَ عَلَى إِقَامَةِ الْعَدْل وَالإِْنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِفُرُوضِ الإِْمَامَةِ. وَلاَ يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى صَفْقَةِ الْيَدِ، وَقَدْ كَانَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ بِالْمُصَافَحَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ رَتَّبَهَا أَيْمَانًا تَشْتَمِل عَلَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ وَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَصَدَقَةِ الْمَال. وَزَادَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ: وَبَيْعَةُ النِّسَاءِ بِالْكَلاَمِ وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ لاَ يَمْلِكُ عِصْمَتَهَا. (١) وَفِي مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ حِينَ تَخَوَّفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الاِخْتِلاَفَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَال لأَِبِي بَكْرٍ ﵁: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَهُ الأَْنْصَارُ. وَحَدِيثُ عَائِشَةُ ﵂ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ كَلاَمًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضْرِبَ يَدَهُ عَلَى أَيْدِيهِنَّ كَمَا كَانَ يُبَايِعُ الرِّجَال.

стр. 5674

نَقْضُ الْبَيْعَةِ: ١٣ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا بَايَعَ الإِْمَامَ أَنْ يَنْقُضَ بَيْعَتَهُ أَوْ يَتْرُكَ طَاعَتَهُ، إِلاَّ لِمُوجِبٍ شَرْعِيٍّ يَقْتَضِي انْتِقَاضَ الْبَيْعَةِ، كَرِدَّةِ الإِْمَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَْسْبَابِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي مَبْحَثِ (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى) فَإِنْ نَقَضَ الْبَيْعَةَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ حَرَامٌ، (١) وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمِنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمِنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ (٣)

стр. 5675

بِيعَةٌ انْظُرْ: مَعَابِد بَيِّنَةٌ انْظُرْ: شَهَادَات، إِثْبَات

стр. 5676

تَأَبُّدٌ انْظُرْ: آبِدٌ. تَأْبِيدٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّأْبِيدُ: مَصْدَرُ أَبَّدَ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً: التَّخْلِيدُ. (١) وَأَصْلُهُ مِنْ أَبَدَ الْحَيَوَانُ يَأْبُدُ، وَيَأْبِدُ أُبُودًا، أَيِ: انْفَرَدَ وَتَوَحَّشَ. (٢) وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: تَقْيِيدُ التَّصَرُّفِ بِالأَْبَدِ، وَهُوَ: الزَّمَانُ الدَّائِمُ بِالشَّرْعِ أَوِ الْعَقْدِ. وَيُقَابِلُهُ التَّوْقِيتُ وَالتَّأْجِيل، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَكُونُ إِلَى زَمَنٍ يَنْتَهِي (٣) .

стр. 5677

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: تَخْلِيدٌ: ٢ - التَّخْلِيدُ لُغَةً: إِدَامَةُ الْبَقَاءِ. قَال فِي الصِّحَاحِ: الْخُلْدُ دَوَامُ الْبَقَاءِ، تَقُول: خَلَدَ الرَّجُل يَخْلُدُ خُلُودًا، وَأَخْلَدَهُ اللَّهُ وَخَلَّدَهُ تَخْلِيدًا. (١) وَالْفُقَهَاءُ اسْتَعْمَلُوا التَّخْلِيدَ فِي الْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي اللُّغَةِ، كَمَا فِي تَخْلِيدِ حَبْسِ الْمُتَمَرِّدِ. (٢) وَكَمَا فِي دَوَامِ حَبْسِ الْكَفِيل إِلَى حُضُورِ الْمَكْفُول. (٣) وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّأْبِيدِ وَالتَّخْلِيدِ، أَنَّ التَّأْبِيدَ لِمَا لاَ يَنْتَهِي، وَالتَّخْلِيدُ قَدْ يَكُونُ لِمَا لاَ يَنْتَهِي، وَقَدْ يَكُونُ لِمَا يَنْتَهِي، كَمَا فِي تَخْلِيدِ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّارِ لاَ يَقْتَضِي دَوَامَهُمْ فِيهَا، بَل يَخْرُجُونَ مِنْهَا. فَإِذَا قُيِّدَ التَّخْلِيدُ بِالأَْبَدِ كَانَ لِمَا لاَ يَنْتَهِي، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْكُفَّارِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٤) . التَّصَرُّفَاتُ مِنْ حَيْثُ التَّأْبِيدُ أَوْ عَدَمُهُ: ٣ - التَّصَرُّفَاتُ مِنْ حَيْثُ التَّأْبِيدُ أَوْ عَدَمُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ: الأَْوَّل: مَا هُوَ مُؤَبَّدٌ لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ:

стр. 5678

كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ، وَكَالْوَقْفِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. الثَّانِي: مَا هُوَ مُؤَقَّتٌ لاَ يَقْبَل التَّأْبِيدَ كَالإِْجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ. وَالثَّالِثُ: مَا هُوَ قَابِلٌ لِلتَّوْقِيتِ وَالتَّأْبِيدِ كَالْكَفَالَةِ. (١) وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (تَأْقِيتٍ) وَانْظُرْ أَيْضًا (بَيْعٌ. هِبَةٌ. إِجَارَةٌ. إِلَخْ) . تَأْبِينٌ اُنْظُرْ: رِثَاءٌ. تَأْجِيلٌ اُنْظُرْ: أَجَلٌ. تَأَخُّرٌ اُنْظُرْ: تَأْخِيرٌ.

стр. 5679

تَأْخِيرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّأْخِيرُ لُغَةً: ضِدُّ التَّقْدِيمِ، وَمُؤَخَّرُ كُل شَيْءٍ: خِلاَفُ مُقَدَّمِهِ. (١) وَاصْطِلاَحًا: هُوَ فِعْل الشَّيْءِ فِي آخِرِ وَقْتِهِ الْمُحَدَّدِ لَهُ شَرْعًا، كَتَأْخِيرِ السُّحُورِ وَالصَّلاَةِ، أَوْ خَارِجَ الْوَقْتِ (سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَقْتُ مُحَدَّدًا شَرْعًا أَوْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ) كَتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ وَالدَّيْنِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّرَاخِي: ٢ - التَّرَاخِي فِي اللُّغَةِ: الاِمْتِدَادُ فِي الزَّمَانِ. يُقَال: تَرَاخَى الأَْمْرُ تَرَاخِيًا: امْتَدَّ زَمَانُهُ، وَفِي الأَْمْرِ تَرَاخٍ أَيْ فُسْحَةٌ (٢) . وَمَعْنَى التَّرَاخِي عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هُوَ مَشْرُوعِيَّةُ فِعْل الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُمْتَدِّ، وَهُوَ ضِدُّ الْفَوْرِ كَالصَّلاَةِ وَالْحَجِّ، وَعَلَى هَذَا فَيَتَّفِقُ التَّأْخِيرُ مَعَ التَّرَاخِي فِي فِعْل الْعِبَادَةِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَيَخْتَلِفَانِ

стр. 5680

فِي حَال إِيقَاعِ الْعِبَادَةِ خَارِجَ الْوَقْتِ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ تَأْخِيرًا لاَ تَرَاخِيًا (١) . ب - الْفَوْرُ: ٣ - الْفَوْرُ فِي اللُّغَةِ: كَوْنُ الشَّيْءِ عَلَى الْوَقْتِ الْحَاضِرِ الَّذِي لاَ تَأْخِيرَ فِيهِ. (٢) يُقَال: فَارَتِ الْقِدْرُ فَوْرًا وَفَوَرَانًا: غَلَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ: الشُّفْعَةُ عَلَى الْفَوْرِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ مَشْرُوعِيَّةُ الأَْدَاءِ فِي أَوَّل أَوْقَاتِ الإِْمْكَانِ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ الذَّمُّ بِالتَّأْخِيرِ عَنْهُ. (٣) وَيَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْنَ الْفَوْرِ وَالتَّأْخِيرِ تَبَايُنًا. ج - التَّأْجِيل: ٤ - التَّأْجِيل فِي اللُّغَةِ: أَنْ تَضْرِبَ لِلشَّيْءِ أَجَلاً. يُقَال: أَجَّلْتُهُ تَأْجِيلاً أَيْ جَعَلْتَ لَهُ أَجَلاً. (٤) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ. (٥) وَعَلَى هَذَا فَالتَّأْخِيرُ أَعَمُّ مِنَ التَّأْجِيل، إِذْ يَكُونُ التَّأْخِيرُ بِأَجَلٍ وَبِغَيْرِ أَجَلٍ.

стр. 5681

هـ - التَّعْجِيل: ٥ - التَّعْجِيل: الإِْسْرَاعُ بِالشَّيْءِ. يُقَال: عَجَّلْتُ إِلَيْهِ الْمَال: أَسْرَعْتَ إِلَيْهِ بِحُضُورِهِ فَتَعَجَّلَهُ أَيْ أَخَذَهُ بِسُرْعَةٍ. وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: الإِْتْيَانُ بِالْفِعْل قَبْل الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لَهُ كَتَعْجِيل الزَّكَاةِ، أَوْ فِي أَوَّل الْوَقْتِ كَتَعْجِيل الْفِطْرِ (١) ، قَال ﵊: لاَ تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ (٢) . فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْنَ التَّأْخِيرِ وَالتَّعْجِيل تَبَايُنًا. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ (لِلتَّأْخِيرِ) : ٦ - الأَْصْل فِي الشَّرْعِ عَدَمُ تَأْخِيرِ الْفِعْل إِلَى آخِرِ وَقْتِهِ أَوْ خَارِجَ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لَهُ شَرْعًا، كَتَأْخِيرِ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ مِثْل الصَّلاَةِ، أَوْ عَنِ الْوَقْتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَأَدَاءِ مَا فِي الذِّمَّةِ، إِلاَّ

стр. 5682

إِذَا وُجِدَ نَصٌّ يُجِيزُ التَّأْخِيرَ، أَوْ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَوْ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ خَارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ الْعَبْدِ. وَقَدْ يَعْرِضُ مَا يُخْرِجُ التَّأْخِيرَ عَنْ هَذَا الأَْصْل إِلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوِ الْكَرَاهَةِ أَوِ الإِْبَاحَةِ. فَيَجِبُ التَّأْخِيرُ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْحَامِل حَتَّى تَلِدَ، وَيَسْتَغْنِيَ عَنْهَا وَلِيدُهَا. (١) أَمَّا الْمَرِيضُ، فَإِنْ كَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ يُؤَخَّرُ عَنْهُ الْحَدُّ حَتَّى يَبْرَأَ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلاَ يُؤَخَّرُ. (٢) وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْقِصَاصِ بِالنَّفْسِ. وَيُنْدَبُ: كَتَأْخِيرِ السُّحُورِ إِلَى آخِرِ اللَّيْل، وَتَأْخِيرِ الْوِتْرِ إِلَى وَقْتِ السَّحَرِ لِمَنْ وَثِقَ بِصَلاَتِهِ فِيهِ، وَكَتَأْخِيرِ أَدَاءِ الدَّيْنِ عَنْ وَقْتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْسِرِ لِوُجُودِ عُذْرِ الإِْعْسَارِ (٣) . قَال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤) وَيُكْرَهُ: كَتَأْخِيرِ الإِْفْطَارِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، إِذِ السُّنَّةُ فِي الإِْفْطَارِ التَّعْجِيل. وَيُبَاحُ: كَتَأْخِيرِ الصَّلاَةِ عَنْ أَوَّل الْوَقْتِ مَا لَمْ يَدْخُل فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ.

стр. 5683

تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ: ٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَأْخِيرِ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ لِتُصَلَّى جَمْعًا مَعَ الْعِشَاءِ، وَذَلِكَ لِلْحَاجِّ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ جَمْعِ صَلاَتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا، وَكَذَا فِي جَمْعِ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِهِ فِي أَعْذَارٍ مُعَيَّنَةٍ، وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَيُنْظَرُ الْخِلاَفُ وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (جَمْعُ الصَّلاَةِ) . تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ لِفَاقِدِ الْمَاءِ: ٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى سُنِّيَّةِ تَأْخِيرِ الصَّلاَةِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ إِذَا تُيُقِّنَ وُجُودُ الْمَاءِ فِي آخِرِهِ، وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِأَلاَّ يَدْخُل وَقْتُ الْكَرَاهَةِ. أَمَّا إِذَا ظَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ، أَوْ رَجَاهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاَةِ أَفْضَل بِشَرْطِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُتَرَدِّدَ يَتَيَمَّمُ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ نَدْبًا، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّعْجِيل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَفْضَل. (١) تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ بِلاَ عُذْرٍ: ٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ تَأْخِيرِ الصَّلاَةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا بِلاَ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ (٢) .

стр. 5684

أَمَّا مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ كَسَلاً وَهُوَ مُوقِنٌ بِوُجُوبِهَا، وَكَانَ تَرْكُهُ لَهَا بِلاَ عُذْرٍ وَلاَ تَأَوُّلٍ وَلاَ جَهْلٍ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ. قَال الْحَصْكَفِيُّ: لأَِنَّهُ يُحْبَسُ لِحَقِّ الْعَبْدِ، فَحَقُّ (الْحَقِّ) أَحَقُّ. وَقِيل: يُضْرَبُ حَتَّى يَسِيل مِنْهُ الدَّمُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَخَّرَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا دُعِيَ إِلَى فِعْلِهَا، فَإِنْ تَضَيَّقَ وَقْتُ الَّتِي تَلِيهَا وَأَبَى الصَّلاَةَ يُقْتَل حَدًّا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُقْتَل لِكُفْرِهِ. قَال فِي الإِْنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الأَْصْحَابِ. أَمَّا تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا فَهُوَ خِلاَفُ الأَْوْلَى لِقَوْلِهِ ﷺ : أَوَّل الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَوَسَطُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ (١) وَيُكْرَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى أَحَدِ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ. (٢) وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) .

стр. 5685

تَأْخِيرُ دَفْعِ الزَّكَاةِ: ١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ اسْتِحْقَاقِهَا وَأَنَّهَا يَجِبُ إِخْرَاجُهَا عَلَى الْفَوْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) وَهَذَا فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَيُلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا. وَالَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَالْجَصَّاصُ: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي، فَفِي أَيِّ وَقْتٍ أَدَّى يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ، وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى آخِرِ عُمْرِهِ يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُؤَدِّ إِلَى أَنْ مَاتَ يَأْثَمُ. (٢) وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَخَّرَ الزَّكَاةَ بَعْدَ الْحَوْل مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الإِْخْرَاجِ فَتَلِفَ بَعْضُ الْمَال أَوْ كُلُّهُ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لَهَا، وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا أَخَّرَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، إِلاَّ أَنْ يُقَصِّرَ فِي حِفْظِهَا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى سُقُوطِ الزَّكَاةِ بِهَلاَكِ الْمَال بَعْدَ الْحَوْل، سَوَاءٌ تَمَكَّنَ مِنَ الأَْدَاءِ أَمْ لَمْ يَتَمَكَّنْ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٌ) .

стр. 5686

تَأْخِيرُ قَضَاءِ الصَّوْمِ: ١١ - الأَْصْل الْمُبَادَرَةُ إِلَى قَضَاءِ مَا فَاتَ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ مَا لَمْ يَتَضَيَّقِ الْوَقْتُ، بِأَلاَّ يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَمَضَانَ الْقَادِمِ إِلاَّ مَا يَسَعُ أَدَاءَ مَا عَلَيْهِ. فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْوَقْتُ لِلْقَضَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. فَإِنْ لَمْ يَقْضِ فِيهِ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَأْثِيمِهِ بِالتَّأْخِيرِ إِذَا فَاتَ وَقْتُ الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ لِمَكَانِ النَّبِيِّ ﷺ (١) قَالُوا: وَلَوْ أَمْكَنَهَا لأََخَّرَتْهُ، وَلأَِنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ الأُْولَى عَنِ الثَّانِيَةِ كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ. (٢) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ هَل عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ. لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ عِنْدَهُمُ الْمُتَابَعَةُ مُسَارَعَةً إِلَى إِسْقَاطِ الْوَاجِبِ. (٣) ١٢ - هَذَا، وَإِذَا أَخَّرَ الْقَضَاءَ حَتَّى دَخَل رَمَضَانُ

стр. 5687

آخَرُ فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُفَرِّطًا فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ مَعَ الْفِدْيَةِ، وَهِيَ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُل يَوْمٍ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَال فِي رَجُلٍ مَرِضَ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ، ثُمَّ صَحَّ فَلَمْ يَصُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ: يَصُومُ الَّذِي أَدْرَكَهُ، ثُمَّ يَصُومُ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ وَيُطْعِمُ عَنْ كُل يَوْمٍ مِسْكِينًا (١) وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَطْعِمْ عَنْ كُل يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَمْ يَرِدْ خِلاَفٌ فِي ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ. ثُمَّ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ؛ لأَِنَّ الْحُقُوقَ الْمَالِيَّةَ لاَ تَتَدَاخَل، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ تَتَكَرَّرُ كَالْحُدُودِ. وَمَحَل الْخِلاَفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَخْرَجَ الْفِدْيَةَ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا ثُمَّ لَمْ يَقْضِ حَتَّى دَخَل رَمَضَانُ آخَرُ وَجَبَتْ ثَانِيًا. (٢) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى هَل عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَلاَ فِدْيَةَ، وَاسْتَدَلُّوا بِإِطْلاَقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ. وَقَالُوا: إِنَّ

стр. 5688

إِطْلاَقَ الآْيَةِ يَدُل عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى التَّرَاخِي، فَلاَ يَلْزَمُهُ بِالتَّأْخِيرِ شَيْءٌ، غَيْرَ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلأَْوْلَى مِنَ الْمُسَارَعَةِ. (١) تَأْخِيرُ الْحَجِّ: ١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، أَيِ الإِْتْيَانُ بِهِ فِي أَوَّل أَوْقَاتِ الاِسْتِطَاعَةِ. (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٣) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤) وَالأَْمْرُ لِلْفَوْرِ، وَلِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا قَال: تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ (٥) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي، لَكِنَّ جَوَازَ التَّأْخِيرِ عِنْدَهُمْ مَشْرُوطٌ بِأَمْرَيْنِ: الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْل فِي

стр. 5689

الْمُسْتَقْبَل، وَأَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ السَّلاَمَةُ إِلَى وَقْتِ فِعْلِهِ. (١) وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ سَنَةَ سِتٍّ، وَفَتَحَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَانْصَرَفَ عَنْهَا فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَتِهِ. وَحَجَّ النَّاسُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ مُقِيمٌ بِالْمَدِينَةِ هُوَ وَأَزْوَاجُهُ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ لِلْحَجِّ، وَالنَّبِيُّ مَعَ عَامَّةِ أَصْحَابِهِ فِي الْمَدِينَةِ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْحَجِّ غَيْرُ مُشْتَغِلِينَ بِقِتَالٍ وَلاَ غَيْرِهِ. ثُمَّ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ حَجَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ . فَدَل عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ. (٢) تَأْخِيرُ رَمْيِ الْجِمَارِ: ١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ حَتَّى غُرُوبِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، عَلَيْهِ دَمٌ. (٣) وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ فِيمَا قَبْل الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَرْمِي فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ الْيَوْمَ

стр. 5690

الَّذِي أَخَّرَ رَمْيَهُ وَيَقَعُ أَدَاءً؛ لأَِنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ وَكُرِهَ لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ، وَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْيَوْمِ التَّالِي كَانَ قَضَاءً، وَلَزِمَهُ الْجَزَاءُ. وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ الْكُل إِلَى الثَّالِثِ مَا لَمْ تَغْرُبْ شَمْسُهُ (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ إِلَى اللَّيْل وَقَعَ قَضَاءً وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. (٢) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الأَْيَّامِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَمَى لَيْلاً لَمْ يُجْزِئْهُ الرَّمْيُ وَيُعِيدُ. (٣) تَأْخِيرُ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: ١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ آخِرَ لِلْوَقْتِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ طَوَافُ الإِْفَاضَةِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ آخِرُ ذِي الْحِجَّةِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا تَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ وَلَيَالِيِهَا (وَهِيَ يَوْمُ الْعِيدِ وَيَوْمَانِ

стр. 5691

بَعْدَهُ) وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ إيقَاعُ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ فِي وَقْتِهِ. (١) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ - وَهِيَ الأَْيَّامُ الثَّلاَثَةُ التَّالِيَةُ لِيَوْمِ الْعِيدِ - فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمًا. (٢) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَعَنْ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ أَشَدُّ. (٣) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ عَنْ أَيَّامِ مِنًى (أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) جَازَ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لأَِنَّ وَقْتَهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ. وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَالأَْفْضَل فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ، (٤) لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ: أَفَاضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ (٥) . تَأْخِيرُ الْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ: ١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ إِلَى آخِرِ

стр. 5692

أَيَّامِ النَّحْرِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ - وَهُوَ فِي التَّرْتِيبِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَلْقِ - فَتَأْخِيرُ الْحَلْقِ أَوْلَى، فَإِنْ أَخَّرَ الْحَلْقَ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ لَزِمَهُ دَمٌ بِالتَّأْخِيرِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَخَّرَ الْحَلْقَ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ التَّأْقِيتِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَوَّل وَقْتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) . وَلَمْ يُبَيِّنْ آخِرَهُ، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالسَّعْيِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى كَرَاهِيَةِ تَأْخِيرِهِ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ فِي (الْحَجِّ) . تَأْخِيرُ دَفْنِ الْمَيِّتِ: ١٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ تَأْخِيرِ دَفْنِ الْمَيِّتِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ مَاتَ فَجْأَةً أَوْ بِهَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ، فَيَجِبُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَوْتُ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَحْرُمُ تَأْخِيرُ الدَّفْنِ، وَقِيل: يُكْرَهُ، وَاسْتَثْنَوْا تَأْخِيرَ الدَّفْنِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، نَصَّ عَلَيْهِ

стр. 5693

الشَّافِعِيُّ، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ هُنَا لِدَفْنِهِ فِي تِلْكَ الأَْمْكِنَةِ. قَال الإِْسْنَوِيُّ: وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقُرْبِ مَسَافَةٌ لاَ يَتَغَيَّرُ فِيهَا الْمَيِّتُ قَبْل وُصُولِهِ. (١) تَأْخِيرُ الْكَفَّارَاتِ: مِنْ تَأْخِيرِ الْكَفَّارَاتِ مَا يَلِي: أ - تَأْخِيرُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: ١٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَأَنَّهَا تَجِبُ بِالْحِنْثِ عَلَى الْفَوْرِ؛ لأَِنَّهُ الأَْصْل فِي الأَْمْرِ الْمُطْلَقِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي (٢) . (وَانْظُرْ: أَيْمَانٌ ف ١٣٨) . ب - تَأْخِيرُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: ١٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي، فَلاَ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّل أَوْقَاتِ الإِْمْكَانِ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهَا تَتَضَيَّقُ عِنْدَ آخِرِ عُمْرِهِ، فَيَأْثَمُ بِمَوْتِهِ قَبْل أَدَائِهَا، وَلاَ تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِلاَ وَصِيَّةٍ مِنَ الثُّلُثِ، وَلَوْ تَبَرَّعَ الْوَرَثَةُ بِهَا جَازَ،

стр. 5694

وَقِيل: يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ، وَيُجْبَرُ عَنِ التَّكْفِيرِ لِلظِّهَارِ. (١) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (ظِهَارٌ) . وَيُنْظَرُ أَحْكَامُ تَأْخِيرِ كَفَّارَةِ الْقَتْل فِي مُصْطَلَحِ (جِنَايَةٌ) ، وَأَحْكَامُ تَأْخِيرِ كَفَّارَةِ الْوِقَاعِ فِي رَمَضَانَ فِي مُصْطَلَحِ (صَوْمٌ) . تَأْخِيرُ زَكَاةِ الْفِطْرِ: ٢٠ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى: أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عِنْدَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ أَيَّامِ رَمَضَانَ. وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ: تَجِبُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ. وَيَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِخْرَاجُهَا إِلَى غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَيُسَنُّ عِنْدَهُمْ أَلاَّ تَتَأَخَّرَ عَنْ صَلاَةِ الْعِيدِ. وَيَحْرُمُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلاَ تَسْقُطُ بِهَذَا التَّأْخِيرِ بَل يَجِبُ قَضَاؤُهَا، وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ هَذَا الْقَوْل؛ (٢) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الْفُقَرَاءِ: أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ. (٣)

стр. 5695

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ زَكَاةِ الْفِطْرِ هُوَ وُجُوبٌ مُوَسَّعٌ فِي الْعُمْرِ كُلِّهِ، فَفِي أَيِّ وَقْتٍ أَدَّى كَانَ مُؤَدِّيًا لاَ قَاضِيًا، غَيْرَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ إِخْرَاجُهَا قَبْل الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى، وَلَوْ مَاتَ فَأَدَّاهَا وَارِثُهُ جَازَ. لَكِنْ ذَهَبَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ كَالأُْضْحِيَّةِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ خَارِجٌ عَنِ الْمَذْهَبِ. (١) تَأْخِيرُ نِيَّةِ الصَّوْمِ: ٢١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ نِيَّةِ الصَّوْمِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَالنَّفَل إِلَى الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى، أَمَّا فِي غَيْرِ هَذِهِ الثَّلاَثَةِ فَمَنَعُوا تَأْخِيرَ النِّيَّةِ فِيهَا. وَقَالُوا بِوُجُوبِ تَبْيِيتِهَا أَوْ قِرَانِهَا مَعَ الْفَجْرِ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ، وَقَضَاءِ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَالنَّفَل بَعْدَ إِفْسَادِهِ، وَالْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ لاَ يُجْزِئُ إِلاَّ إِذَا تَقَدَّمَتِ النِّيَّةُ عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ، فَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَلَمْ يَنْوِهِ لَمْ يُجْزِهِ فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الصِّيَامِ، إِلاَّ

стр. 5696

يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: الْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ. وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَل، فَاشْتَرَطُوا لِلْفَرْضِ التَّبْيِيتَ، لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ لَمْ يُجَمِّعِ الصِّيَامَ قَبْل الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ (١) وَأَمَّا النَّفَل فَاتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ صَوْمِهِ بِنِيَّةٍ قَبْل الزَّوَال، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ قَال لِعَائِشَةَ يَوْمًا: هَل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لاَ. قَال: فَإِنِّي إِذَنْ أَصُومُ (٢) وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ النَّفَل يَصِحُّ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الزَّوَال أَيْضًا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلأَِنَّ النِّيَّةَ وُجِدَتْ فِي جُزْءِ النَّهَارِ فَأَشْبَهَ وُجُودَهَا قَبْل الزَّوَال بِلَحْظَةٍ. (٣) تَأْخِيرُ قَضَاءِ الصَّلاَةِ: ٢٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلاَةِ عَلَى الْفَوْرِ وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا. (٤) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ

стр. 5697

نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا (١) فَأَمَرَ بِالصَّلاَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالأَْمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَقَدْ أَلْحَقَ الْجُمْهُورُ مُطْلَقَ التَّرْكِ بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَأْخِيرُ الْفَائِتَةِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَقَضَاءِ حَاجَةِ الإِْنْسَانِ، وَتَحْصِيل مَا يَحْتَاجُ لَهُ فِي مَعَاشِهِ. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ لِعُذْرٍ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا جَازَ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَاتَتْهُ صَلاَةُ الصُّبْحِ فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْوَادِي (٢) . قَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَخَّرَهَا. (٣) تَأْخِيرُ الْوِتْرِ: ٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ الْوِتْرِ إِلَى وَقْتِ السَّحَرِ، وَهَذَا الاِسْتِحْبَابُ لِمَنْ وَثِقَ بِأَنَّهُ يُصَلِّيهِ آخِرَ اللَّيْل، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِذَلِكَ أَوْتَرَ قَبْل أَنْ يَرْقُدَ، (٤) لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال:

стр. 5698

أَيُّكُمْ خَافَ أَلاَّ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْل فَلْيُوتِرْ ثُمَّ لْيَرْقُدْ، وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامِهِ مِنَ اللَّيْل فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْل مَحْضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَل (١) . . تَأْخِيرُ السُّحُورِ: ٢٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ السُّحُورِ وَتَقْدِيمَ الْفِطْرِ مِنَ السُّنَّةِ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَال: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالسُّحُورِ؟ قَال: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً (٢) . وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ (٣) . وَمَوْطِنُ السُّنِّيَّةِ فِيمَا إِذَا تَحَقَّقَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ الشَّكُّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، كَأَنْ تَرَدَّدَ فِي بَقَاءِ اللَّيْل لَمْ يُسَنَّ التَّأْخِيرُ بَل الأَْفْضَل تَرْكُهُ. (٤) تَأْخِيرُ أَدَاءِ الدَّيْنِ: ٢٥ - إِذَا حَل أَجَل الدَّيْنِ وَلَمْ يُؤَدِّهِ الْمَدِينُ، فَإِنْ

стр. 5699

كَانَ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ وَأَخَّرَهُ بِلاَ عُذْرٍ مَنَعَهُ الْقَاضِي مِنَ السَّفَرِ وَحَبَسَهُ إِلَى أَنْ يُوفِيَ دَيْنَهُ، قَال ﵊: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (١) . فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، بَاعَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَإِذَا كَانَ تَأْخِيرُ سَدَادِ الدَّيْنِ لِعُذْرٍ كَالإِْعْسَارِ أُمْهِل إِلَى أَنْ يُوسِرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢) . أَمَّا إِذَا كَانَ لِلْمَدِينِ مَالٌ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَفِي بِالدُّيُونِ، وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَزِمَ الْقَاضِيَ إِجَابَتُهُمْ (٣) .، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي الْمَذَاهِبِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أَدَاءٌ) وَبَابَيِ (الْحَجْرُ وَالتَّفْلِيسُ) . تَأْخِيرُ الْمَهْرِ: ٢٦ - يَجِبُ الْمَهْرُ بِنَفْسِ عَقْدِ الزَّوَاجِ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ

стр. 5700

الصَّدَاقِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ عَنِ الدُّخُول (١) ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (النِّكَاحُ) . تَأْخِيرُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ: ٢٧ - يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الإِْنْفَاقُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَمَنْ يَعُول، وَيَجُوزُ لَهُ وَلِزَوْجَتِهِ الاِتِّفَاقُ عَلَى تَعْجِيل أَوْ تَأْخِيرِ النَّفَقَةِ، وَيُعْتَبَرُ كُل زَوْجٍ بِحَسَبِ حَال مَوْرِدِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ النَّفَقَةَ عَنْ زَوْجَتِهِ بِعُذْرِ الإِْعْسَارِ جَازَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ طَلَبُ التَّطْلِيقِ مِنْ قِبَل الزَّوْجَةِ أَوِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا. ثُمَّ إِنْ أَخَّرَ النَّفَقَةَ وَتَرَاكَمَتْ عَلَيْهِ هَل تَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ أَمْ تَبْقَى دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ؟ فِي كُل ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ (٢) يُنْظَرُ فِي بَابِ (النَّفَقَةُ) . تَأْخِيرُ تَسْلِيمِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ: ٢٨ - يُشْتَرَطُ لِبَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِالرِّبَوِيِّ الْحُلُول - لاَ التَّأْخِيرُ - وَالتَّقَابُضُ قَبْل التَّفَرُّقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ جِنْسًا وَاحِدًا أَمْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَيُزَادُ شَرْطُ التَّمَاثُل إِذَا كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : ﴿

стр. 5701

الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الأَْجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ (١) فَيَحْرُمُ التَّأْخِيرُ فِي تَسْلِيمِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ. (٢) وَلِلتَّفْصِيل ر: (الرِّبَا، وَالْبَيْعُ) . التَّأْخِيرُ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ: ٢٩ - الْحَدُّ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا تُقَامُ عَلَى مُرْتَكِبِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ زَجْرًا لَهُ وَتَأْدِيبًا لِغَيْرِهِ؛ وَالأَْصْل أَنَّ الْجَانِيَ يُحَدُّ فَوْرًا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ دُونَ تَأْخِيرٍ، لَكِنْ قَدْ يَطْرَأُ مَا يُوجِبُ التَّأْخِيرَ أَوْ يُسْتَحَبُّ مَعَهُ التَّأْخِيرُ: أ - فَيَجِبُ تَأْخِيرُ الْحَدِّ بِالْجَلْدِ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ؛ لِمَا فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ فِيهِمَا مِنْ خَوْفِ الْهَلاَكِ خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ. وَلاَ يُقَامُ عَلَى مَرِيضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ حَتَّى يَبْرَأَ؛ لأَِنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ وَجَعُ الْمَرَضِ وَأَلَمُ الضَّرْبِ فَيُخَافُ الْهَلاَكُ، خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ. وَلاَ يُقَامُ عَلَى النُّفَسَاءِ حَتَّى يَنْقَضِيَ

стр. 5702

النِّفَاسُ؛ لأَِنَّ النِّفَاسَ نَوْعُ مَرَضٍ، وَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْحَائِضِ؛ لأَِنَّ الْحَيْضَ لَيْسَ بِمَرَضٍ. وَلاَ يُقَامُ عَلَى الْحَامِل حَتَّى تَضَعَ وَتَطْهُرَ مِنَ النِّفَاسِ - لأَِنَّ فِيهِ هَلاَكَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدَةِ - وَحَتَّى يَسْتَغْنِيَ وَلَدُهَا عَنْهَا بِمَنْ تُرْضِعُهُ؛ حِفَاظًا عَلَى حَيَاةِ وَلَدِهَا. (١) وَلِلتَّفْصِيل اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (حَدٌّ) . ب - أَمَّا فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الرَّجْمِ فَلاَ تَأْخِيرَ إلاَّ لِلْحَامِل بِالْقَيْدِ السَّابِقِ، هَذَا إِذَا كَانَ الأَْوْلِيَاءُ فِي الْقِصَاصِ مَوْجُودِينَ، أَمَّا إِذَا كَانُوا صِغَارًا أَوْ غَائِبِينَ فَيُؤَخَّرُ الْقِصَاصُ حَتَّى يَكْبُرَ الصِّغَارُ وَيَقْدَمَ الْغَائِبُ. (٢) عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (قِصَاصٌ) . ج - وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ يُؤَخَّرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَنَدْبًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَيُحْبَسُ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ وَلاَ يُخَلَّى سَبِيلُهُ بِقَصْدِ اسْتِتَابَتِهِ وَإِزَالَةِ الشُّبَهِ الَّتِي عَلِقَتْ بِهِ، فَإِنْ تَابَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَإِلاَّ قُتِل حَدًّا لِكُفْرِهِ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ. (٣) د - وَيُؤَخَّرُ حَدُّ السَّكْرَانِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ حَتَّى يَزُول عَنْهُ السُّكْرُ تَحْصِيلاً لِلْمَقْصُودِ - وَهُوَ

стр. 5703

الاِنْزِجَارُ - بِوِجْدَانِ الأَْلَمِ، وَالسَّكْرَانُ زَائِل الْعَقْل كَالْمَجْنُونِ. فَلَوْ حُدَّ قَبْل الإِْفَاقَةِ فَإِنَّ الْحَدَّ يُعَادُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ مُصَحَّحَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، نَسَبَهُ الْمِرْدَاوِيُّ إِلَى ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ، وَقَال: الصَّوَابُ إِنْ حَصَل بِهِ أَلَمٌ يُوجِبُ الزَّجْرَ سَقَطَ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَمِثْلُهُ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ. (١) تَأْخِيرُ إِقَامَةِ الدَّعْوَى: ٣٠ - إِذَا تَأَخَّرَ الْمُدَّعِي فِي إِقَامَةِ دَعْوَاهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً سَقَطَتْ دَعْوَاهُ بِالتَّقَادُمِ، وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ تُسْمَعُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لِنَهْيِ السُّلْطَانِ عَنْ سَمَاعِهَا بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ إِلاَّ فِي الْوَقْفِ وَالإِْرْثِ وَعِنْدَ وُجُودِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَسَبَبُ هَذَا النَّهْيِ قَطْعُ الْحِيَل وَالتَّزْوِيرِ فِي الدَّعَاوَى. ثُمَّ قَال: وَنُقِل فِي الْحَامِدِيَّةِ فَتَاوَى مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ بِعَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ نَهْيِ السُّلْطَانِ. وَأَفْتَى فِي الْخَيْرِيَّةِ بِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ السُّلْطَانُ لاَ بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ النَّهْيِ، وَلاَ يَسْتَمِرُّ النَّهْيُ بَعْدَهُ. (٢) تَأْخِيرُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ: ٣١ - تَأْخِيرُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِلاَ عُذْرٍ - كَمَرَضٍ أَوْ

стр. 5704

بُعْدِ مَسَافَةٍ أَوْ خَوْفٍ - يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ قَبُولِهَا لِتُهْمَةِ الشَّاهِدِ إِلاَّ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، فَإِنَّ التَّقَادُمَ فِيهِ لاَ يُؤَثِّرُ عَلَى قَبُولِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ، وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ السَّارِقُ الْمَال الْمَسْرُوقَ؛ لأَِنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ فَلاَ يَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ. وَيَسْقُطُ حَدُّ الْخَمْرِ لِتَأْخِيرِ الشَّهَادَةِ شَهْرًا عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَتَأْخِيرُ الشَّهَادَةِ فِي الْقِصَاصِ لاَ يَمْنَعُ مِنْ قَبُول الشَّهَادَةِ، وَالضَّابِطُ فِي قَبُول الشَّهَادَةِ كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَنَّ التَّقَادُمَ مَانِعٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ، غَيْرُ مَانِعٍ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ (١) ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ يُنْظَرُ فِي بَابِ (الشَّهَادَةُ) وَمُصْطَلَحِ (تَقَادُمٌ) . تَأْخِيرُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي صُفُوفِ الصَّلاَةِ: ٣٢ - مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَقِفَ الرِّجَال خَلْفَ الإِْمَامِ، وَيَقِفَ بَعْدَ الرِّجَال الصِّبْيَانُ، وَيُنْدَبُ تَأَخُّرُ النِّسَاءِ خَلْفَ الْجَمِيعِ.؛ (٢) لِقَوْل أَبِي مَالِكٍ الأَْشْعَرِيِّ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى وَأَقَامَ الرِّجَال يَلُونَهُ، وَأَقَامَ الصِّبْيَانَ خَلْفَ ذَلِكَ، وَأَقَامَ النِّسَاءَ خَلْفَ ذَلِكَ (٣) .

стр. 5705

تَأْدِيبٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّأْدِيبُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَدَّبَهُ تَأْدِيبًا، أَيْ عَلَّمَهُ الأَْدَبَ، وَعَاقَبَهُ عَلَى إِسَاءَتِهِ، وَهُوَ رِيَاضَةُ النَّفْسِ وَمَحَاسِنُ الأَْخْلاَقِ. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّعْزِيرُ: ٢ - التَّعْزِيرُ لُغَةً: التَّأْدِيبُ وَالْمَنْعُ وَالنُّصْرَةُ. (١) وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى: قَوْل الْحَقِّ ﵎: ﴿فَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ (٢) . وَشَرْعًا: تَأْدِيبٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ. قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: وَتَسْمِيَةُ ضَرْبِ الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ وَالْمُعَلِّمِ تَعْزِيرًا هُوَ أَشْهَرُ الاِصْطِلاَحَيْنِ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ. قَال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَخُصُّ لَفْظَ التَّعْزِيرِ بِالإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَضَرْبَ الْبَاقِي بِتَسْمِيَتِهِ تَأْدِيبًا لاَ تَعْزِيرًا.

стр. 5706

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَقَدْ جَرَوْا عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ يَصْدُقُ عَلَى الْعُقُوبَةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الزَّوْجِ أَوِ الأَْبِ أَوْ غَيْرِهِمَا -، كَمَا يَصْدُقُ عَلَى فِعْل الإِْمَامِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: التَّعْزِيرُ يَفْعَلُهُ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ، وَكُل مَنْ رَأَى أَحَدًا يُبَاشِرُ الْمَعْصِيَةَ (١) . هَذَا، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالْعُقُوبَةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الإِْمَامِ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِيرٌ) فَالتَّأْدِيبُ أَعَمُّ مِنَ التَّعْزِيرِ فِي أَحَدِ إِطْلاَقَيْهِ. حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ: ٣ - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَأْدِيبِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ الزَّوْجِيَّةِ، وَفِي أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. (٢) وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَأْدِيبِهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَتَرْكِ الصَّلاَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمَنْعِ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (٣) كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ تَأْدِيبُ

стр. 5707

الصَّبِيِّ لِتَرْكِ الصَّلاَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَلِتَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِالْقَوْل إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَبِالضَّرْبِ إِنْ لَزِمَ لإِِصْلاَحِهِ إِذَا بَلَغَ عَشْرًا؛ لِحَدِيثِ: عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاَةَ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ (١) . وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ تَأْدِيبِ الإِْمَامِ وَنُوَّابِهِ لِمَنْ رُفِعَ إِلَيْهِمْ: فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ: أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، إِلَى وُجُوبِ إِقَامَةِ التَّأْدِيبِ عَلَيْهِمْ فِيمَا شُرِعَ التَّأْدِيبُ فِيهِ، إِلاَّ إِذَا رَأَى الإِْمَامُ أَنَّ فِي تَرْكِ التَّأْدِيبِ مَصْلَحَةً، وَقَالُوا: إِنَّهُ إِنْ كَانَ التَّأْدِيبُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ وَجَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، يَجِبُ امْتِثَال الأَْمْرِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَرَأَى الإِْمَامُ مَصْلَحَةً فِي إِقَامَةِ التَّأْدِيبِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُذْنِبَ لاَ يَنْزَجِرُ إِلاَّ بِالضَّرْبِ وَجَبَ؛ لأَِنَّهُ زَاجِرٌ مَشْرُوعٌ لِوَجْهِ اللَّهِ فَوَجَبَ كَالْحَدِّ (٢) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ إِقَامَةُ التَّأْدِيبِ، وَلَهُ تَرْكُهُ. وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَضَ عَنْ جَمَاعَةٍ

стр. 5708

اسْتَحَقُّوهُ، وَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهِمُ التَّأْدِيبَ (١) كَالْغَال فِي الْغَنِيمَةِ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا أَعْرَضَ عَنْهُمْ، وَلأََقَامَهُ عَلَيْهِمْ. (٢) هَذَا إِذَا كَانَ التَّأْدِيبُ حَقًّا لِلَّهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ حَقًّا لآِدَمِيٍّ، وَطَالَبَ بِهِ مُسْتَحِقُّهُ، وَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ إِقَامَتُهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنْ إِذَا عَفَا عَنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ فَهَل لِلإِْمَامِ إِقَامَةُ التَّأْدِيبِ؟ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ مِنْ قَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ - إِلَى: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْل الْمُطَالَبَةِ إِقَامَةُ التَّأْدِيبِ.؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو عَنْ حَقِّ اللَّهِ، وَلأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الإِْمَامِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ إِسْقَاطُ غَيْرِهِ. (٣) وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِيرٌ) . وِلاَيَةُ التَّأْدِيبِ: ٤ - تَثْبُتُ وِلاَيَةُ التَّأْدِيبِ: أ - لِلإِْمَامِ وَنُوَّابِهِ كَالْقَاضِي بِالْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ، فَلَهُمُ الْحَقُّ فِي تَأْدِيبِ مَنِ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ (٤) ، مَعَ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي

стр. 5709

الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ وَعَدَمِهِ كَمَا مَرَّتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ. (ر: تَعْزِيرٌ) . ب - لِلْوَلِيِّ بِالْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ، أَبًا كَانَ أَوْ جَدًّا أَوْ وَصِيًّا، أَوْ قَيِّمًا مِنْ قِبَل الْقَاضِي (١) لِحَدِيثِ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ. . . إِلَخْ (٢) ج - لِلْمُعَلِّمِ عَلَى التِّلْمِيذِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ (٣) . د - لِلزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ فِيمَا يَتَّصِل بِالْحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٤) ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (٥) وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَأْدِيبِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَتَرْكِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْفَرَائِضِ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْدِيبُهَا عَلَى ذَلِكَ (٦) . وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا قَبْل الرَّفْعِ لِلإِْمَامِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَيْسَ لَهُ التَّأْدِيبُ لِحَقِّ اللَّهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ

стр. 5710

وَلاَ تَرْجِعُ الْمَنْفَعَةُ إِلَيْهِ. (١) هَذَا وَلَمْ نَقِفْ عَلَى قَوْلٍ لِلْفُقَهَاءِ بِوُجُوبِ التَّأْدِيبِ عَلَى الزَّوْجِ، بَل يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّ التَّرْكَ أَوْلَى. جَاءَ فِي الأُْمِّ لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ: فِي نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، ثُمَّ إِذْنِهِ فِي ضَرْبِهِنَّ، وَقَوْلُهُ: لَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ (٢) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ﵊ نَهَى عَنْهُ عَلَى اخْتِيَارِ النَّهْيِ، وَأَذِنَ فِيهِ بِأَنْ أَبَاحَ لَهُمُ الضَّرْبَ فِي الْحَقِّ، وَاخْتَارَ لَهُمْ أَلاَّ يَضْرِبُوا؛ لِقَوْلِهِ: لَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ (٣) .، وَلَيْسَ لِغَيْرِ هَؤُلاَءِ وِلاَيَةُ التَّأْدِيبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (٤) غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: يُقِيمُ التَّأْدِيبَ - إِذَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ - كُل مُسْلِمٍ فِي حَال مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ، وَالشَّارِعُ وَلَّى كُل مُسْلِمٍ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ. . . (٥) أَمَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ فَلَيْسَ بِنَهْيٍ؛ لأَِنَّ
следующие страницы →