Полный текст (31 949 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَقَدْ جَرَوْا عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ يَصْدُقُ عَلَى الْعُقُوبَةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الزَّوْجِ أَوِ الأَْبِ أَوْ غَيْرِهِمَا -، كَمَا يَصْدُقُ عَلَى فِعْل الإِْمَامِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: التَّعْزِيرُ يَفْعَلُهُ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ، وَكُل مَنْ رَأَى أَحَدًا يُبَاشِرُ الْمَعْصِيَةَ (١) .
هَذَا، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالْعُقُوبَةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الإِْمَامِ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِيرٌ)
فَالتَّأْدِيبُ أَعَمُّ مِنَ التَّعْزِيرِ فِي أَحَدِ إِطْلاَقَيْهِ.
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَأْدِيبِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ الزَّوْجِيَّةِ، وَفِي أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. (٢)
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَأْدِيبِهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَتَرْكِ الصَّلاَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمَنْعِ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (٣)
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ تَأْدِيبُ стр. 5707
الصَّبِيِّ لِتَرْكِ الصَّلاَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَلِتَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِالْقَوْل إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَبِالضَّرْبِ إِنْ لَزِمَ لإِِصْلاَحِهِ إِذَا بَلَغَ عَشْرًا؛ لِحَدِيثِ: عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاَةَ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ تَأْدِيبِ الإِْمَامِ وَنُوَّابِهِ لِمَنْ رُفِعَ إِلَيْهِمْ:
فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ: أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، إِلَى وُجُوبِ إِقَامَةِ التَّأْدِيبِ عَلَيْهِمْ فِيمَا شُرِعَ التَّأْدِيبُ فِيهِ، إِلاَّ إِذَا رَأَى الإِْمَامُ أَنَّ فِي تَرْكِ التَّأْدِيبِ مَصْلَحَةً، وَقَالُوا: إِنَّهُ إِنْ كَانَ التَّأْدِيبُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ وَجَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، يَجِبُ امْتِثَال الأَْمْرِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَرَأَى الإِْمَامُ مَصْلَحَةً فِي إِقَامَةِ التَّأْدِيبِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُذْنِبَ لاَ يَنْزَجِرُ إِلاَّ بِالضَّرْبِ وَجَبَ؛ لأَِنَّهُ زَاجِرٌ مَشْرُوعٌ لِوَجْهِ اللَّهِ فَوَجَبَ كَالْحَدِّ (٢) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ إِقَامَةُ التَّأْدِيبِ، وَلَهُ تَرْكُهُ.
وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَضَ عَنْ جَمَاعَةٍ стр. 5708
اسْتَحَقُّوهُ، وَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهِمُ التَّأْدِيبَ (١) كَالْغَال فِي الْغَنِيمَةِ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا أَعْرَضَ عَنْهُمْ، وَلأََقَامَهُ عَلَيْهِمْ. (٢)
هَذَا إِذَا كَانَ التَّأْدِيبُ حَقًّا لِلَّهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ حَقًّا لآِدَمِيٍّ، وَطَالَبَ بِهِ مُسْتَحِقُّهُ، وَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ إِقَامَتُهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنْ إِذَا عَفَا عَنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ فَهَل لِلإِْمَامِ إِقَامَةُ التَّأْدِيبِ؟
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ مِنْ قَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ - إِلَى: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْل الْمُطَالَبَةِ إِقَامَةُ التَّأْدِيبِ.؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو عَنْ حَقِّ اللَّهِ، وَلأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الإِْمَامِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ إِسْقَاطُ غَيْرِهِ. (٣) وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِيرٌ) .
وِلاَيَةُ التَّأْدِيبِ:
٤ - تَثْبُتُ وِلاَيَةُ التَّأْدِيبِ:
أ - لِلإِْمَامِ وَنُوَّابِهِ كَالْقَاضِي بِالْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ، فَلَهُمُ الْحَقُّ فِي تَأْدِيبِ مَنِ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ (٤) ، مَعَ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي стр. 5709
الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ وَعَدَمِهِ كَمَا مَرَّتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ. (ر: تَعْزِيرٌ) .
ب - لِلْوَلِيِّ بِالْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ، أَبًا كَانَ أَوْ جَدًّا أَوْ وَصِيًّا، أَوْ قَيِّمًا مِنْ قِبَل الْقَاضِي (١) لِحَدِيثِ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ. . . إِلَخْ (٢)
ج - لِلْمُعَلِّمِ عَلَى التِّلْمِيذِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ (٣) .
د - لِلزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ فِيمَا يَتَّصِل بِالْحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٤) ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (٥)
وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَأْدِيبِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَتَرْكِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْفَرَائِضِ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْدِيبُهَا عَلَى ذَلِكَ (٦) . وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا قَبْل الرَّفْعِ لِلإِْمَامِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَيْسَ لَهُ التَّأْدِيبُ لِحَقِّ اللَّهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ стр. 5710
وَلاَ تَرْجِعُ الْمَنْفَعَةُ إِلَيْهِ. (١) هَذَا وَلَمْ نَقِفْ عَلَى قَوْلٍ لِلْفُقَهَاءِ بِوُجُوبِ التَّأْدِيبِ عَلَى الزَّوْجِ، بَل يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّ التَّرْكَ أَوْلَى.
جَاءَ فِي الأُْمِّ لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ: فِي نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، ثُمَّ إِذْنِهِ فِي ضَرْبِهِنَّ، وَقَوْلُهُ: لَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ (٢) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ﵊ نَهَى عَنْهُ عَلَى اخْتِيَارِ النَّهْيِ، وَأَذِنَ فِيهِ بِأَنْ أَبَاحَ لَهُمُ الضَّرْبَ فِي الْحَقِّ، وَاخْتَارَ لَهُمْ أَلاَّ يَضْرِبُوا؛ لِقَوْلِهِ: لَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ (٣) .، وَلَيْسَ لِغَيْرِ هَؤُلاَءِ وِلاَيَةُ التَّأْدِيبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (٤)
غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: يُقِيمُ التَّأْدِيبَ - إِذَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ - كُل مُسْلِمٍ فِي حَال مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ، وَالشَّارِعُ وَلَّى كُل مُسْلِمٍ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ. . . (٥)
أَمَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ فَلَيْسَ بِنَهْيٍ؛ لأَِنَّ стр. 5711
النَّهْيَ عَمَّا مَضَى لاَ يُتَصَوَّرُ، فَيَتَمَحَّضُ تَعْزِيرًا، وَذَلِكَ إِلَى الإِْمَامِ. (١)
مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْدِيبُ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ .
٥ - أ - نُشُوزُ الزَّوْجَةِ وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنَ الْحُقُوقِ، كَتَرْكِهَا الزِّينَةَ لَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَتَرْكِ الْغُسْل عِنْدَ الْجَنَابَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَنْزِل بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَتَرْكِ الإِْجَابَةِ إِلَى الْفِرَاشِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ صِلَةٌ بِالْعَلاَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٢)
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَأْدِيبِهِ إِيَّاهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَتَرْكِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، فَجَوَّزَهُ الْبَعْضُ، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ. (٣) : مُصْطَلَحُ (نُشُوزٌ) .
ب - وَتَثْبُتُ عَلَى الصَّبِيِّ لِوَلِيِّهِ، أَبًا كَانَ، أَوْ جَدًّا، أَوْ وَصِيًّا، أَوْ قَيِّمًا مِنْ قِبَل الْقَاضِي لِخَبَرِ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ. . . (٤) وَيُؤَدَّبُ عَلَى تَرْكِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ وَكَذَا الصَّوْمُ، وَيُنْهَى عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ لِيَأْلَفَ الْخَيْرَ وَيَتْرُكَ الشَّرَّ، وَيُؤْمَرُ بِالْغُسْل إِذَا جَامَعَ، وَيُؤْمَرُ بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ، وَيُنْهَى عَنْ جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَيَكُونُ التَّأْدِيبُ بِالضَّرْبِ وَالْوَعِيدِ، وَالتَّعْنِيفِ стр. 5712
بِالْقَوْل.، وَهَذَا التَّأْدِيبُ وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. وَهُوَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِتَمْرِينِهِ عَلَى الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا لِيَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا وَلاَ يَتْرُكَهَا عِنْدَ الْبُلُوغِ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِخَبَرِ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ. . . (١) ذَكَرَ مِنْهُمُ الصَّبِيَّ حَتَّى يَبْلُغَ.
ج - عَلَى التِّلْمِيذِ: وَيُؤَدِّبُ الْمُعَلِّمُ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ التَّأْدِيبُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَلِيِّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.، (٢) وَنُقِل عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلُهُمُ: الإِْجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ مُطَّرِدٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ بِدُونِ إِذْنِ الْوَلِيِّ. (٣)
نَفَقَةُ التَّأْدِيبِ:
٦ - تَجِبُ أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ فِي مَال الطِّفْل إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَالإِْنْفَاقُ مِنْ مَال الصَّبِيِّ لِتَعْلِيمِهِ الْفَرَائِضَ وَاجِبٌ بِالاِتِّفَاقِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ مِنْ مَالِهِ أُجْرَةُ تَعْلِيمِ مَا سِوَى الْفَرَائِضِ مِنَ: الْقُرْآنِ، وَالصَّلاَةِ، وَالطَّهَارَةِ، كَالأَْدَبِ، стр. 5713
وَالْخَطِّ، إِنْ تَأَهَّل لَدَيْهِ لأَِنَّهُ مُسْتَمِرٌّ مَعَهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَنَقَل الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ عَنِ النَّوَوِيِّ قَوْلَهُ فِي الرَّوْضَةِ: يَجِبُ عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلاَدِهِمُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلاَةَ وَالشَّرَائِعَ، وَأُجْرَةُ تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ فِي مَال الطِّفْل، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. (١)
طُرُقُ التَّأْدِيبِ:
٧ - تَخْتَلِفُ طُرُقُ التَّأْدِيبِ بِاخْتِلاَفِ مَنْ لَهُ التَّأْدِيبُ وَمَنْ عَلَيْهِ التَّأْدِيبُ:
فَطُرُقُ تَأْدِيبِ الإِْمَامِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنَ الرَّعِيَّةِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ وَلاَ مُقَدَّرَةٍ شَرْعًا، فَيُتْرَكُ لاِجْتِهَادِهِ فِي سُلُوكِ الأَْصْلَحِ لِتَحْصِيل الْغَرَضِ مِنَ التَّأْدِيبِ، لاِخْتِلاَفِ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الْجَانِي وَالْجِنَايَةِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ التَّدَرُّجَ اللاَّئِقَ بِالْحَال وَالْقَدْرِ كَمَا يُرَاعِي دَفْعَ الصَّائِل، فَلاَ يَرْقَى إِلَى مَرْتَبَةٍ وَهُوَ يَرَى مَا دُونَهَا كَافِيًا وَمُوَثِّرًا. (٢) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِيرٌ) .
طُرُقُ تَأْدِيبِ الزَّوْجَةِ:
٨ - أ - الْوَعْظُ
ب - الْهَجْرُ فِي الْمَضْجَعِ стр. 5714
ج - الضَّرْبُ غَيْرُ الْمُبَرِّحِ.
وَهَذَا التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَلاَ يَنْتَقِل إِلَى الْهَجْرِ إِلاَّ إِذَا لَمْ يُجْدِ الْوَعْظُ، هَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (١) .
جَاءَ فِي الْمُغْنِي لاِبْنِ قُدَامَةَ: فِي الآْيَةِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ فَإِنْ نَشَزْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، فَإِنْ أَصْرَرْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ. (٢)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ مِنْ قَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ - إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُؤَدِّبَهَا بِالضَّرْبِ بَعْدَ ظُهُورِ النُّشُوزِ مِنْهَا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلاَ تَرْتِيبَ عَلَى هَذَا الْقَوْل بَيْنَ الْهَجْرِ وَالضَّرْبِ بَعْدَ ظُهُورِ النُّشُوزِ، وَالْقَوْل الآْخَرُ يُوَافِقُ رَأْيَ الْجُمْهُورِ. (٣)
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَغَيْرَ مُدْمٍ، وَأَنْ يُتَوَقَّى فِيهِ الْوَجْهُ وَالأَْمَاكِنُ الْمَخُوفَةُ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّأْدِيبُ لاَ الإِْتْلاَفُ. (٤) لِخَبَرِ: إِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا стр. 5715
تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ (١) .
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَابِلَةُ أَلاَّ يُجَاوِزَ بِهِ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ لِحَدِيثِ: لاَ يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ (٢) ر: مُصْطَلَحَ (نُشُوزٌ) .
طُرُقُ تَأْدِيبِ الصَّبِيِّ:
٩ - يُؤَدَّبُ الصَّبِيُّ بِالأَْمْرِ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ بِالْقَوْل، ثُمَّ الْوَعِيدِ، ثُمَّ التَّعْنِيفِ، ثُمَّ الضَّرْبِ، إِنْ لَمْ تُجْدِ الطُّرُقُ الْمَذْكُورَةُ قَبْلَهُ، وَلاَ يُضْرَبُ الصَّبِيُّ لِتَرْكِ الصَّلاَةِ إِلاَّ إِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ. (٣) لِحَدِيثِ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ (٤) .
وَلاَ يُجَاوِزُ ثَلاَثًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٥) стр. 5716
وَهِيَ أَيْضًا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَلاَ يَرْقَى إِلَى مَرْتَبَةٍ إِذَا كَانَ مَا قَبْلَهَا يَفِي بِالْغَرَضِ وَهُوَ الإِْصْلاَحُ.
تَجَاوُزُ الْقَدْرِ الْمُعْتَادِ فِي التَّأْدِيبِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَنْعِ التَّأْدِيبِ بِقَصْدِ الإِْتْلاَفِ، وَعَلَى تَرَتُّبِ الْمَسْئُولِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْبُلُوغِ بِالتَّأْدِيبِ أَوِ التَّعْزِيرِ مَبْلَغَ الْحَدِّ. (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِيرٌ) .
الْهَلاَكُ مِنَ التَّأْدِيبِ الْمُعْتَادِ:
١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي حُكْمِ الْهَلاَكِ مِنَ التَّأْدِيبِ الْمُعْتَادِ:
فَاتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الإِْمَامَ لاَ يَضْمَنُ الْهَلاَكَ مِنَ التَّأْدِيبِ الْمُعْتَادِ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ مَأْمُورٌ بِالْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ، وَفِعْل الْمَأْمُورِ لاَ يَتَقَيَّدُ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ. (٢)
وَاخْتَلَفُوا فِي تَضْمِينِ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ، إِذَا حَصَل التَّلَفُ مِنْ تَأْدِيبِهِمَا وَلَمْ يَتَجَاوَزَا الْقَدْرَ الْمَشْرُوعَ.
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى стр. 5717
الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ مِنَ التَّلَفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنَ التَّأْدِيبِ الْمُعْتَادِ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَضْمَنُ الزَّوْجُ إِذَا أَفْضَى تَأْدِيبُهُ الْمُعْتَادُ إِلَى الْمَوْتِ؛ لأَِنَّ تَأْدِيبَ الزَّوْجَةِ إِذَا تَعَيَّنَ سَبِيلاً لِمَنْعِ نُشُوزِهَا مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ جَاوَزَ الْفِعْل الْمَأْذُونَ فِيهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.، وَلأَِنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَشُرِطَ فِيهِ سَلاَمَةُ الْعَاقِبَةِ. (٢)
وَاخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ فِي تَضْمِينِ الأَْبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ وَنَحْوِهِمْ: فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَأْدِيبِهِمُ التَّلَفُ؛ لأَِنَّ الْوَلِيَّ مَأْذُونٌ لَهُ بِالتَّأْدِيبِ لاَ بِالإِْتْلاَفِ، فَإِذَا أَدَّى إِلَى التَّلَفِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ جَاوَزَ الْحَدَّ، وَلأَِنَّ التَّأْدِيبَ قَدْ يَحْصُل بِغَيْرِ الضَّرْبِ كَالزَّجْرِ وَفَرْكِ الأُْذُنِ، وَخُلاَصَةُ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ:
أَنَّ الْوَاجِبَ لاَ يَتَقَيَّدُ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ، وَالْمُبَاحُ يَتَقَيَّدُ بِهَا، وَمِنَ الْمُبَاحِ ضَرْبُ الأَْبِ أَوِ الأُْمِّ وَلَدَهُمَا تَأْدِيبًا، وَمِثْلُهُمَا الْوَصِيُّ، فَإِذَا أَفْضَى إِلَى الْمَوْتِ وَجَبَ الضَّمَانُ، وَإِنْ كَانَ الضَّرْبُ لِلتَّعْلِيمِ فَلاَ ضَمَانَ؛ لأَِنَّهُ وَاجِبٌ، وَالْوَاجِبُ لاَ يَتَقَيَّدُ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ (٣) .
وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمْ؛ стр. 5718
لأَِنَّ التَّأْدِيبَ مِنْهُمْ فِعْلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ لإِِصْلاَحِ الصَّغِيرِ، كَضَرْبِ الْمُعَلِّمِ، بَل أَوْلَى مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْمُعَلِّمَ يَسْتَمِدُّ وِلاَيَةَ التَّأْدِيبِ مِنَ الْوَلِيِّ، وَالْمَوْتُ نَتَجَ مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ لاَ يُعَدُّ اعْتِدَاءً، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمْ.
وَنُقِل عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الإِْمَامَ رَجَعَ إِلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي التَّأْدِيبِ وَإِنْ لَمْ يَتَجَاوَزِ الْقَدْرَ الْمُعْتَادَ فِي مِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَقْتُل غَالِبًا فَفِيهِ الْقِصَاصُ عَلَى غَيْرِ الأَْصْل (الأَْبِ وَالْجَدِّ) وَإِلاَّ فَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لأَِنَّهُ فِعْلٌ مَشْرُوطٌ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ، إِذِ الْمَقْصُودُ التَّأْدِيبُ لاَ الْهَلاَكُ، فَإِذَا حَصَل بِهِ هَلاَكٌ تَبَيَّنَ أَنَّهُ جَاوَزَ الْقَدْرَ الْمَشْرُوعَ فِيهِ، وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الإِْمَامِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أُوتُوا سُلْطَةَ التَّأْدِيبِ، كَالزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ. (٢)
تَأْدِيبُ الدَّابَّةِ:
١٢ - لِلْمُسْتَأْجِرِ وَرَائِضِ الدَّابَّةِ تَأْدِيبُهَا بِالضَّرْبِ وَالْكَبْحِ بِقَدْرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَلاَ يَضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ بِذَلِكَ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ (مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ) وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لأَِنَّهُ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَخَسَ стр. 5719
بَعِيرَ جَابِرٍ وَضَرَبَهُ (١) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ لأَِنَّهُ تَلَفٌ حَصَل بِجِنَايَتِهِ فَضَمِنَهُ كَغَيْرِهِ، وَلأَِنَّ الْمُعْتَادَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ، وَلأَِنَّ السَّوْقَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الضَّرْبِ، وَإِنَّمَا يُضْرَبُ لِلْمُبَالَغَةِ فَيَضْمَنُ. (٢)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
١٣ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ التَّأْدِيبَ أَسَاسًا فِي أَبْوَابٍ كَثِيرَةٍ مِثْل: الصَّلاَةِ، النُّشُوزِ، التَّعْزِيرِ، دَفْعِ الصَّائِل، ضَمَانِ الْوُلاَةِ، وَالْحِسْبَةِ. стр. 5720
تَأْرِيخٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّأْرِيخُ: مَصْدَرُ أَرَّخَ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: تَعْرِيفُ الْوَقْتِ، يُقَال: أَرَّخْتُ الْكِتَابَ لِيَوْمِ كَذَا: إِذَا وَقَّتَّهُ وَجَعَلْتَ لَهُ تَارِيخًا. (١)
وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ: فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ السَّخَاوِيِّ: أَنَّهُ تَحْدِيدُ وَقَائِعِ الزَّمَنِ مِنْ حَيْثُ التَّعْيِينُ وَالتَّوْقِيتُ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْجَل:
٢ - أَجَل الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ - كَمَا جَاءَ فِي الْمِصْبَاحِ - مُدَّتُهُ وَوَقْتُهُ الَّذِي يَحِل فِيهِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَيُجْمَعُ عَلَى آجَالٍ، كَسَبَبٍ وَأَسْبَابٍ، وَالآْجِل عَلَى فَاعِلٍ خِلاَفُ الْعَاجِل.
وَأَمَّا الأَْجَل فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: فَهُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي يُضَافُ إِلَيْهَا أَمْرٌ مِنَ الأُْمُورِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الإِْضَافَةُ أَجَلاً لِلْوَفَاءِ بِالْتِزَامٍ، أَمْ стр. 5721
أَجَلاً لإِِنْهَاءِ الْتِزَامٍ. وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مُقَرَّرَةً بِالشَّرْعِ، أَمْ بِالْقَضَاءِ، أَمْ بِإِرَادَةِ الْمُلْتَزِمِ: فَرْدًا أَوْ أَكْثَرَ. (١)
وَالنِّسْبَةُ بَيْنَهُمَا هِيَ أَنَّ التَّارِيخَ أَعَمُّ مِنَ الأَْجَل:؛ لأَِنَّهُ يَتَنَاوَل الْمُدَّةَ الْمَاضِيَةَ وَالْحَاضِرَةَ، وَالْمُسْتَقْبَلَةَ، وَالأَْجَل لاَ يَتَنَاوَل إِلاَّ الْمُسْتَقْبَلَةَ.
ب - الْمِيقَاتُ:
٣ - الْمِيقَاتُ فِي اللُّغَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الصِّحَاحِ: الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ لِلْفِعْل وَالْمَوْضِعِ، وَجَاءَ فِي الْمِصْبَاحِ أَنَّهُ الْوَقْتُ، وَالْجَمْعُ مَوَاقِيتُ، وَقَدِ اُسْتُعِيرَ الْوَقْتُ لِلْمَكَانِ، وَمِنْهُ مَوَاقِيتُ الْحَجِّ لِمَوَاضِعِ الإِْحْرَامِ. (٢)
وَاصْطِلاَحًا: مَا قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الأَْعْمَال. (٣) سَوَاءٌ أَكَانَ زَمَنًا أَمْ مَكَانًا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّارِيخِ.
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - قَدْ يَكُونُ التَّأْرِيخُ وَاجِبًا، إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْوُصُول إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، كَتَوْرِيثٍ، وَقِصَاصٍ، وَقَبُول رِوَايَةٍ، وَتَنْفِيذِ عَهْدٍ، وَقَضَاءِ دَيْنٍ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ. стр. 5722
التَّأْرِيخُ قَبْل الإِْسْلاَمِ:
٥ - لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ قَبْل الإِْسْلاَمِ تَأْرِيخٌ يَجْمَعُهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ كُل طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تُؤَرِّخُ بِالْحَادِثَةِ الْمَشْهُورَةِ فِيهَا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِبْرَاهِيمَ ﵇، كَانُوا يُؤَرِّخُونَ مِنْ نَارِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى بُنْيَانِ الْبَيْتِ، حِينَ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيل ﵉، ثُمَّ أَرَّخَ بَنُو إِسْمَاعِيل مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ حَتَّى تَفَرَّقُوا، فَكَانَ كُلَّمَا خَرَجَ قَوْمٌ مِنْ تِهَامَةَ أَرَّخُوا بِمَخْرَجِهِمْ، وَمَنْ بَقِيَ بِتِهَامَةَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل يُؤَرِّخُونَ مِنْ خُرُوجِ سَعْدٍ وَنَهْدٍ وَجُهَيْنَةَ بَنِي زَيْدٍ، مِنْ تِهَامَةَ حَتَّى مَاتَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَأَرَّخُوا مِنْ مَوْتِهِ إِلَى الْفِيل، ثُمَّ كَانَ التَّارِيخُ مِنَ الْفِيل حَتَّى أَرَّخَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مِنَ الْهِجْرَةِ. (١)
وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُؤَرِّخُونَ بِالأَْيَّامِ وَالْحَوَادِثِ الْمَشْهُورَةِ، كَحَرْبِ الْبَسُوسِ وَدَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ، وَبِيَوْمِ ذِي قَارٍ، وَالْفُجَّارِ وَنَحْوِهِ.
أَمَّا قَبْل ذَلِكَ، وَفِي الْبِدَايَةِ عِنْدَمَا كَثُرَ بَنُو آدَمَ فِي الأَْرْضِ، فَإِنَّهُمْ أَرَّخُوا مِنْ هُبُوطِ آدَمَ إِلَى الطُّوفَانِ، ثُمَّ إِلَى نَارِ الْخَلِيل ﵊، ثُمَّ إِلَى زَمَانِ يُوسُفَ ﵇، ثُمَّ стр. 5723
إِلَى خُرُوجِ مُوسَى ﵇ مِنْ مِصْرَ بِبَنِي إِسْرَائِيل، ثُمَّ إِلَى زَمَانِ دَاوُدَ ﵇، ثُمَّ إِلَى زَمَانِ سُلَيْمَانَ ﵇، ثُمَّ إِلَى زَمَانِ عِيسَى ﵇. وَأَرَّخَتْ حِمْيَرُ بِالتَّبَابِعَةِ، وَغَسَّانُ بِالسَّدِّ، وَأَهْل صَنْعَاءَ بِظُهُورِ الْحَبَشَةِ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ بِغَلَبَةِ الْفُرْسِ (١) . وَأَرَّخَتِ الْفُرْسُ بِأَرْبَعِ طَبَقَاتٍ مِنْ مُلُوكِهَا، وَالرُّومُ بِقَتْل دَارَا بْنِ دَارَا إِلَى ظُهُورِ الْفُرْسِ عَلَيْهِمْ. وَأَرَّخَ الْقِبْطُ بِبُخْتَ نَصَّرَ إِلَى قِلاَبَطْرَةَ (كِلْيُوبَتْرَا) صَاحِبَةِ مِصْرَ. وَالْيَهُودُ أَرَّخُوا بِخَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَالنَّصَارَى بِرَفْعِ عِيسَى ﵇. (٢)
سَبَبُ وَضْعِ التَّارِيخِ الْهِجْرِيِّ:
٦ - يُرْوَى أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَْشْعَرِيَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: أَنْ يَأْتِيَنَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَارِيخٌ، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ، فَقَال بَعْضُهُمْ: أَرِّخْ بِالْمَبْعَثِ، وَبَعْضُهُمْ: أَرِّخْ بِالْهِجْرَةِ، فَقَال عُمَرُ: الْهِجْرَةُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِل فَأَرِّخُوا بِهَا، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَلَمَّا اتَّفَقُوا قَالُوا: ابْدَءُوا стр. 5724
بِرَمَضَانَ، فَقَال عُمَرُ: بَل بِالْمُحَرَّمِ، فَإِنَّهُ مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ (١) .
هَذَا وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ احْتَاجُوا إِلَى التَّأْرِيخِ لِضَبْطِ أُمُورِهِمُ الدِّينِيَّةِ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَعِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَالنُّذُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالأَْوْقَاتِ، وَلِضَبْطِ أُمُورِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْمُدَايَنَاتِ وَالإِْجَارَاتِ وَالْمَوَاعِيدِ وَمُدَّةِ الْحَمْل وَالرَّضَاعِ. (٢)
التَّأْرِيخُ بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وَهُوَ التَّأْرِيخُ غَيْرُ الْهِجْرِيِّ:
٧ - السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ تَتَّفِقُ مَعَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ فِي عَدَدِ الشُّهُورِ، وَتَخْتَلِفُ مَعَهَا فِي عَدَدِ الأَْيَّامِ، إِذْ تَزِيدُ أَيَّامُهَا عَلَى أَيَّامِ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا تَقْرِيبًا. (٣)
وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا الرُّومُ وَالسُّرْيَانُ وَالْفُرْسُ وَالْقِبْطُ فِي تَأْرِيخِهِمْ. فَهُنَاكَ السَّنَةُ الرُّومِيَّةُ، وَالسَّنَةُ السُّرْيَانِيَّةُ، وَالسَّنَةُ الْفَارِسِيَّةُ، وَالسَّنَةُ الْقِبْطِيَّةُ، وَهَذِهِ السُّنُونَ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً فِي عَدَدِ стр. 5725
شُهُورِ كُل سَنَةٍ مِنْهَا، إِلاَّ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ فِي أَسْمَاءِ تِلْكَ الشُّهُورِ وَعَدَدِ أَيَّامِهَا وَأَسْمَاءِ الأَْيَّامِ، وَفِي مَوْعِدِ بَدْءِ كُل سَنَةٍ مِنْهَا. (١)
حُكْمُ اسْتِعْمَال التَّأْرِيخِ غَيْرِ الْهِجْرِيِّ فِي الْمُعَامَلاَتِ:
٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِذَا اسْتَعْمَلاَ التَّأْرِيخَ غَيْرَ الْهِجْرِيِّ فِي الْمُعَامَلاَتِ تَنْتَفِي الْجَهَالَةُ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ التَّأْرِيخُ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، كَأَنْ يُؤَرَّخَ بِشَهْرٍ مِنْ أَشْهُرِ الرُّومِ، كَكَانُونَ، وَشُبَاطَ؛ لأَِنَّ تِلْكَ الشُّهُورَ مَعْلُومَةٌ مَضْبُوطَةٌ، أَوْ يُؤَرَّخَ بِفِطْرِ النَّصَارَى بَعْدَمَا شَرَعُوا فِي صَوْمِهِمْ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مَعْلُومًا، أَمَّا إِذَا أُرِّخَ بِتَأْرِيخٍ قَدْ لاَ يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ، مِثْل أَنْ يُؤَرَّخَ بَعِيدٍ مِنْ أَعْيَادِ الْكُفَّارِ، كَالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ، وَفِصْحِ النَّصَارَى، وَصَوْمِهِمُ الْمِيلاَدَ، وَفِطْرِ الْيَهُودِ، وَالشَّعَانِينِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْبَيْعِ إِلَى تِلْكَ الأَْوْقَاتِ: أَنَّهُ يَصِحُّ إِذَا عَلِمَ الْمُتَعَاقِدَانِ ذَلِكَ، وَلاَ يَصِحُّ مَعَ جَهْلِهِمَا وَمَعْرِفَةِ غَيْرِهِمَا بِهِ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ. (٢) وَصَحَّحَ стр. 5726
الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ تِلْكَ الأَْيَّامَ إِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً فَإِنَّهَا تَكُونُ كَالْمَنْصُوصَةِ (١) . وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا جَاءَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ التَّأْقِيتَ بِالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ مُجْزِئٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي وَجْهٍ: لاَ يَصِحُّ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ وَقْتِهِمَا.، أَمَّا التَّأْرِيخُ بِفِصْحِ النَّصَارَى فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ، وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ الأَْصْحَابِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ اجْتِنَابًا لِمَوَاقِيتِ الْكُفَّارِ، وَقَال جُمْهُورُ الأَْصْحَابِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنِ اخْتَصَّ بِمَعْرِفَتِهِ الْكُفَّارُ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ لاَ اعْتِمَادَ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَإِنْ عَرَفَهُ الْمُسْلِمُونَ جَازَ كَالنَّيْرُوزِ، ثُمَّ اعْتَبَرَ جَمَاعَةٌ فِيهِمَا مَعْرِفَةَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَقَال أَكْثَرُ الأَْصْحَابِ: يَكْفِي مَعْرِفَةُ النَّاسِ، وَسَوَاءٌ اعْتَبَرْنَا مَعْرِفَتَهُمَا أَمْ لاَ، فَلَوْ عَرَفَا كَفَى عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي وَجْهٍ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِوَاهُمَا؛ لأَِنَّهُمَا قَدْ يَخْتَلِفَانِ فَلاَ بُدَّ مِنْ مُرَجِّحٍ، وَفِي مَعْنَى الْفِصْحِ سَائِرُ أَعْيَادِ أَهْل الْمِلَل كَفِطْرِ الْيَهُودِ وَنَحْوِهِ. (٢) стр. 5727
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ التَّأْرِيخِ بِغَيْرِ الشُّهُورِ الْهِلاَلِيَّةِ، كَالشُّهُورِ الرُّومِيَّةِ، وَأَعْيَادِ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ يَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِذَا عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ، وَقَدِ اخْتَارَ هَذَا الْقَوْل جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيل: لاَ يَصِحُّ كَالشَّعَانِينِ وَعِيدِ الْفَطِيرِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَجْهَلُهُ الْمُسْلِمُونَ غَالِبًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، حَيْثُ قَالُوا بِالأَْهِلَّةِ. (١)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٩ - يُبْحَثُ عَنِ الأَْحْكَامِ الْخَاصَّةِ بِمُصْطَلَحِ التَّأْرِيخِ فِي مُصْطَلَحِ (أَجَلٌ) وَمُصْطَلَحِ (تَأْقِيتٍ) لأَِنَّ الْفُقَهَاءَ فِي الْغَالِبِ لاَ يَذْكُرُونَ فِي كُتُبِهِمْ لَفْظَ التَّأْرِيخِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ لَفْظَ الأَْجَل، وَلَفْظَ التَّأْقِيتِ، فَكُل مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصَرُّفَاتِ مِنَ التَّأْقِيتِ أَوِ التَّأْجِيل يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى هَذَيْنِ الْمُصْطَلَحَيْنِ (الأَْجَل وَالتَّأْقِيتِ) . стр. 5728
تَأْقِيتٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّأْقِيتُ أَوِ التَّوْقِيتُ: مَصْدَرُ أَقَّتَ أَوْ وَقَّتَ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ، فَالْهَمْزَةُ فِي الْمَصْدَرِ وَالْفِعْل مُبْدَلَةٌ مِنَ الْوَاوِ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: تَحْدِيدُ الأَْوْقَاتِ، وَهُوَ يَتَنَاوَل الشَّيْءَ الَّذِي قَدَّرْتَ لَهُ حِينًا أَوْ غَايَةً. وَتَقُول: وَقَّتُّهُ لِيَوْمِ كَذَا مِثْل أَجَّلْتُهُ. (١)
وَقَال فِي الْقَامُوسِ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْوَقْتِ: وَأَنَّهُ يُسْتَعْمَل بِمَعْنَى تَحْدِيدِ الأَْوْقَاتِ كَالتَّوْقِيتِ، وَالْوَقْتُ الْمِقْدَارُ مِنَ الدَّهْرِ. (٢) وَقَال فِي الصِّحَاحِ: وَقَّتُّهُ فَهُوَ مَوْقُوتٌ، إِذَا بَيَّنَ لِلْفِعْل وَقْتًا يُفْعَل فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٣) . أَيْ مَفْرُوضًا فِي الأَْوْقَاتِ. (٤) وَقَدِ اُسْتُعِيرَ الْوَقْتُ لِلْمَكَانِ، وَمِنْهُ مَوَاقِيتُ الْحَجِّ لِمَوَاضِعِ الإِْحْرَامِ. (٥) стр. 5729
وَالتَّأْقِيتُ فِي الاِصْطِلاَحِ: تَحْدِيدُ وَقْتِ الْفِعْل ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَالتَّأْقِيتُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الشَّارِعِ فِي الْعِبَادَاتِ مَثَلاً، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْجَل:
٢ - أَجَل الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْمِصْبَاحِ: مُدَّتُهُ وَوَقْتُهُ الَّذِي يَحِل فِيهِ. (٢) وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي يُضَافُ إِلَيْهَا أَمْرٌ مِنَ الأُْمُورِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الإِْضَافَةُ أَجَلاً لِلْوَفَاءِ بِالْتِزَامٍ، أَوْ أَجَلاً لإِِنْهَاءِ الْتِزَامٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مُقَرَّرَةً بِالشَّرْعِ، أَوْ بِالْقَضَاءِ، أَوْ بِإِرَادَةِ الْمُلْتَزِمِ فَرْدًا أَوْ أَكْثَرَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّأْقِيتِ وَاضِحٌ، فَإِنَّ التَّصَرُّفَاتِ فِي التَّأْقِيتِ تَثْبُتُ فِي الْحَال غَالِبًا وَتَنْتَهِي فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ (٣) .
ب - الإِْضَافَةُ:
٣ - الإِْضَافَةُ فِي اللُّغَةِ تَأْتِي لِمَعَانٍ مِنْهَا: الإِْسْنَادُ، وَالتَّخْصِيصُ. (٤) стр. 5730
وَيَسْتَعْمِلُهَا الْفُقَهَاءُ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، كَمَا يَسْتَعْمِلُونَهَا أَيْضًا بِمَعْنَى إِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَل، أَيْ إِرْجَاءِ نَفَاذِ حُكْمِ التَّصَرُّفِ إِلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَل الَّذِي حَدَّدَهُ الْمُتَصَرِّفُ بِغَيْرِ كَلِمَةِ شَرْطٍ. (١)
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ التَّأْقِيتِ: أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ فِي التَّأْقِيتِ تَثْبُتُ فِي الْحَال، وَتَنْتَهِي فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، بِخِلاَفِ الإِْضَافَةِ، فَإِنَّهَا تُؤَخِّرُ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى السَّبَبِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ السَّبَبُ (٢) .
ج - التَّأْبِيدُ:
٤ - التَّأْبِيدُ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهُ: التَّخْلِيدُ أَوِ التَّوَحُّشُ كَمَا جَاءَ فِي الصِّحَاحِ. (٣) وَقَال فِي الْمِصْبَاحِ: فَإِذَا قُلْتَ: لاَ أُكَلِّمُهُ أَبَدًا، فَالأَْبَدُ مِنْ لَدُنْ تَكَلَّمْتَ إِلَى آخِرِ عُمْرِكَ. (٤) وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَيُعْرَفُ مِنَ اسْتِعْمَالاَتِهِمْ: أَنَّهُ تَقْيِيدُ صِيغَةِ التَّصَرُّفَاتِ بِالأَْبَدِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّأْبِيدِ وَالتَّأْقِيتِ وَاضِحٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ثَابِتًا فِي الْحَال، إِلاَّ стр. 5731
أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ فِي التَّأْقِيتِ مُقَيَّدَةٌ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ يَنْتَهِي أَثَرُهَا عِنْدَهُ، بِخِلاَفِ التَّأْبِيدِ. وَلِلتَّوَسُّعِ ر: (تَأْبِيدٌ) .
د - التَّأْجِيل:
٥ - التَّأْجِيل فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَجَّل - بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ - وَمَعْنَاهُ: أَنْ تَجْعَل لِلشَّيْءِ أَجَلاً، وَأَجَل الشَّيْءِ: مُدَّتُهُ وَوَقْتُهُ الَّذِي يَحِل فِيهِ. (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ مَعْنَاهُ: تَأْخِيرُ الثَّابِتِ فِي الْحَال إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، كَتَأْجِيل الْمُطَالَبَةِ بِالثَّمَنِ إِلَى مُضِيِّ شَهْرٍ مَثَلاً، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّأْجِيل وَالتَّأْقِيتِ: أَنَّ التَّأْقِيتَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ التَّصَرُّفِ فِي الْحَال، بِخِلاَفِ التَّأْجِيل فَإِنَّهُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ (٢) .
هـ - التَّعْلِيقُ:
٦ - التَّعْلِيقُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ - كَمَا قَال ابْنُ نُجَيْمٍ -: رَبْطُ حُصُول مَضْمُونِ جُمْلَةٍ بِحُصُول مَضْمُونِ جُمْلَةٍ أُخْرَى. (٣)
وَفَسَّرَهُ الْحَمَوِيُّ بِأَنَّهُ تَرْتِيبُ أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ عَلَى стр. 5732
أَمْرٍ سَيُوجَدُ، بِإِنْ أَوْ إِحْدَى أَدَوَاتِ الشَّرْطِ الأُْخْرَى. (١) وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالتَّأْقِيتِ: أَنَّ التَّأْقِيتَ تَثْبُتُ فِيهِ التَّصَرُّفَاتُ فِي الْحَال، فَلاَ يَمْنَعُ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى السَّبَبِ، بِخِلاَفِ التَّعْلِيقِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْمُعَلَّقَ عَنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْحُكْمِ فِي الْحَال. ر: (تَعْلِيقٌ) .
أَثَرُ التَّأْقِيتِ فِي التَّصَرُّفَاتِ:
٧ - التَّصَرُّفَاتُ مِنْ حَيْثُ قَبُولُهَا التَّأْقِيتَ أَوْ عَدَمُ قَبُولِهَا لَهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ هِيَ: تَصَرُّفَاتٌ لاَ تَقَعُ إِلاَّ مُؤَقَّتَةً كَ الإِْجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُكَاتَبَةِ، وَتَصَرُّفَاتٌ لاَ تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً كَالْبَيْعِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَالنِّكَاحِ، وَتَصَرُّفَاتٌ تَكُونُ مُؤَقَّتَةً وَغَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ كَالْعَارِيَّةِ وَالْكَفَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَقَعُ إِلاَّ مُؤَقَّتَةً
أ - الإِْجَارَةُ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ مُؤَقَّتَةً بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ بِوُقُوعِهَا عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ.
فَمِنَ الأَْوَّل: إِجَارَةُ الأَْرْضِ أَوِ الدُّورِ أَوِ الدَّوَابِّ، وَالأَْجِيرُ الْخَاصُّ. стр. 5733
وَمِنَ الثَّانِي: الاِسْتِئْجَارُ عَلَى عَمَلٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَثَلاً، وَهُوَ الأَْجِيرُ الْمُشْتَرَكُ. (١)
ب - الْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ:
٩ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، فَقَدْ قَالاَ بِجَوَازِهَا، وَأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا بَيَانَ الْمُدَّةِ، فَهِيَ مِنَ الْعُقُودِ الْمُؤَقَّتَةِ عِنْدَهُمَا. (٢) وَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَلاَ يُشْتَرَطُ تَوْقِيتُهَا عِنْدَهُمَا، فَإِنْ تُرِكَ تَأْقِيتُهَا جَازَتِ اسْتِحْسَانًا؛ لأَِنَّ وَقْتَ إِدْرَاكِ الثَّمَرِ مَعْلُومٌ. (٣) وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذِكْرِ التَّأْقِيتِ فِي الْمُزَارَعَةِ، فَتَصِحُّ عِنْدَهُمْ بِلاَ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ. (٤) وَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهَا تُؤَقَّتُ بِالْجُذَاذِ، أَيْ: جَنْيِ الثَّمَرِ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرَى فَسَادَهَا стр. 5734
إِنْ أُطْلِقَتْ وَلَمْ تُؤَقَّتْ، أَوْ أُقِّتَتْ بِوَقْتٍ يَزِيدُ عَلَى الْجُذَاذِ، وَيَرَى ابْنُ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا إِنْ أُطْلِقَتْ صَحَّتْ وَحُمِلَتْ عَلَى الْجُذَاذِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: أَنَّ التَّأْقِيتَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا، وَغَايَةُ مَا فِي الأَْمْرِ أَنَّهَا إِنْ أُقِّتَتْ فَإِنَّهَا تُؤَقَّتُ بِالْجُذَاذِ. (١)
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ إِذَا أُفْرِدَتْ بِالْعَقْدِ فَلاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ تَقْرِيرِ الْمُدَّةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ تَابِعَةً لِلْمُسَاقَاةِ فَإِنَّ مَا يَجْرِي عَلَى الْمُسَاقَاةِ يَجْرِي عَلَيْهَا. (٢)
وَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا عِنْدَهُمْ أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً، إِذْ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَعْرِفَةُ الْعَمَل بِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ كَسَنَةٍ. (٣)
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلاَ يَشْتَرِطُونَ لِصِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ التَّأْقِيتَ، بَل تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً وَغَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ، فَلَوْ زَارَعَهُ أَوْ سَاقَاهُ دُونَ أَنْ يَذْكُرَ مُدَّةً جَازَ؛ لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يَضْرِبْ لأَِهْل خَيْبَرَ مُدَّةً. (٤) وَكَذَا خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ ﷺ . وَلِكُلٍّ مِنَ الْعَاقِدَيْنِ فَسْخُهَا مَتَى стр. 5735
شَاءَ، فَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ مِنْ رَبِّ الْمَال قَبْل ظُهُورِ الثَّمَرِ وَبَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل بِالْعَمَل فَعَلَيْهِ لِلْعَامِل أُجْرَةُ مِثْل عَمَلِهِ. وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِل قَبْل ظُهُورِ الثَّمَرِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ. (١)
ثَانِيًا: التَّصَرُّفَاتُ غَيْرُ الْمُؤَقَّتَةِ
وَهِيَ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَقْبَل التَّأْقِيتَ، أَيْ: أَنَّ التَّأْقِيتَ يُفْسِدُهَا، (٢) وَهِيَ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ وَالْهِبَةُ وَالنِّكَاحُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مَا يَلِي:
أ - الْبَيْعُ:
١٠ - الْبَيْعُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ الْعَامَّةِ أَلاَّ يَكُونَ مُؤَقَّتًا (٣) . ر: (بَيْعٌ) . وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي أَشْبَاهِهِ أَنَّ الْبَيْعَ لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ بِحَالٍ، وَمَتَى أُقِّتَ بَطَل. стр. 5736
ب - الرَّهْنُ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ، وَمَتَى أُقِّتَ فَسَدَ؛ لأَِنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْحَبْسُ الدَّائِمُ إِلَى انْتِهَاءِ الرَّهْنِ بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ. (١)
وَقَدْ ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ رَهَنَ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ مَضَتْ سَنَةٌ خَرَجَ مِنَ الرَّهْنِ، فَإِنَّ هَذَا لاَ يُعْرَفُ مِنْ رُهُونِ النَّاسِ، وَلاَ يَكُونُ رَهْنًا. (٢)
وَالرَّهْنُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّمَا شُرِعَ لِلاِسْتِيثَاقِ، فَتَأْقِيتُهُ بِمُدَّةٍ يُنَافِي ذَلِكَ. (٣) وَالرَّهْنُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ أَيْضًا، فَقَدْ جَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْمُتَعَاقِدَانِ تَأْقِيتَ الرَّهْنِ، بِأَنْ قَالاَ: هُوَ رَهْنٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ؛ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَالرَّهْنُ صَحِيحٌ. (٤) ر: (رَهْنٌ) .
ج - الْهِبَةُ:
١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لاَ تَقْبَل التَّأْقِيتَ؛ لأَِنَّهَا كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ: تَمْلِيكٌ لِلْعَيْنِ فِي стр. 5737
الْحَال بِلاَ عِوَضٍ، فَلاَ تَحْتَمِل التَّأْقِيتَ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ. (١) وَلأَِنَّ تَأْقِيتَهَا أَوْ تَأْجِيلَهَا يُؤَدِّي إِلَى الْغَرَرِ كَمَا قَال الْمَالِكِيَّةُ. (٢) وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْهِبَةَ لاَ تَقْبَل التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ، وَلاَ تَقْبَل التَّأْقِيتَ عَلَى الْمَذْهَبِ. (٣) وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ كَمَا جَاءَ فِي الْمُغْنِي أَنَّهُ لَوْ وَقَّتَ لِهِبَةٍ بِأَنْ قَال: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً ثُمَّ يَعُودُ إِلَيَّ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ لِعَيْنٍ فَلَمْ يَصِحَّ مُؤَقَّتًا كَالْبَيْعِ (٤) .
الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعُمْرَى، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهَا التَّأْقِيتَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ، وَأَحْمَدُ إِلَى جَوَازِ الْعُمْرَى لِلْمُعْمَرِ لَهُ حَال حَيَاتِهِ، وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَصُورَةُ الْعُمْرَى: أَنْ يَجْعَل دَارَهُ لِلْغَيْرِ مُدَّةَ عُمُرِهِ، وَإِذَا مَاتَ تُرَدُّ عَلَيْهِ، فَيَصِحُّ التَّمْلِيكُ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ، وَيَبْطُل شَرْطُ الْعُمُرِ الَّذِي يُفِيدُ التَّأْقِيتَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، أَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ: стр. 5738
فَالْعُمْرَى تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ لاَ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ، وَيَكُونُ لِلْمُعْمَرِ لَهُ السُّكْنَى، فَإِذَا مَاتَ عَادَتِ الدَّارُ إِلَى الْمُعْمِرِ، فَالْعُمْرَى مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ عِنْدَهُمْ. (١) أَمَّا الرُّقْبَى فَصُورَتُهَا أَنْ يَقُول الرَّجُل لِغَيْرِهِ: دَارِي لَكَ رُقْبَى، وَهِيَ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَلاَ تُفِيدُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ عَارِيَّةً، يَجُوزُ لِلْمُعْمِرِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَيَبِيعَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ؛ لأَِنَّهُ تَضَمَّنَ إِطْلاَقَ الاِنْتِفَاعِ، فَالرُّقْبَى عِنْدَهُمَا مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ لأَِنَّهَا عَارِيَّةٌ. وَيَرَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ جَوَازَ الرُّقْبَى؛ لأَِنَّ قَوْلَهُ: " دَارِي لَكَ " تَمْلِيكٌ، وَقَوْلَهُ " رُقْبَى " شَرْطٌ فَاسِدٌ فَيَلْغُو. فَكَأَنَّهُ قَال: رَقَبَةُ دَارِي لَكَ.، فَصَارَتِ الرُّقْبَى عِنْدَهُمْ كَالْعُمْرَى فِي الْجَوَازِ، فَهِيَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لاَ تَقْبَل التَّأْقِيتَ، وَالرُّقْبَى لَمْ يُجِزْهَا الإِْمَامُ مَالِكٌ (٢) . وَلِلتَّفْصِيل ر: (عُمْرَى، رُقْبَى) . стр. 5739
د - النِّكَاحُ:
١٤ - النِّكَاحُ لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ اتِّفَاقًا، فَالنِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ غَيْرُ جَائِزٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِلَفْظِ الْمُتْعَةِ أَمْ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ، كَمَا صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِمَنْعِ ذِكْرِ الأَْجَل مَهْمَا طَال. (١)
وَالنِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ قُيِّدَ بِمُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ أَوْ مَعْلُومَةٍ؛ لأَِنَّهُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ. (٢) ر: (نِكَاحٌ) .
الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ:
١٥ - يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، فَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بِلَفْظِ التَّمَتُّعِ، كَأَنْ يَقُول لَهَا: أُعْطِيكِ كَذَا عَلَى أَنْ أَتَمَتَّعَ بِكِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. (٣)
وَأَمَّا النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالنِّكَاحِ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، وَيُقَيَّدُ بِمُدَّةٍ، كَأَنْ يَقُول لَهَا: أَتَزَوَّجُكِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَال زُفَرُ: стр. 5740
يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُل التَّأْقِيتُ. هَذَا، وَلِتَأْقِيتِ النِّكَاحِ صُوَرٌ، كَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ مَجْهُولَةٍ، أَوْ إِلَى مُدَّةٍ لاَ يَبْلُغُهَا عُمْرُهُمَا، أَوْ عُمْرُ أَحَدِهِمَا. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاحٌ) . (١)
إِضْمَارُ التَّأْقِيتِ فِي النِّكَاحِ:
١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ إِضْمَارَ التَّأْقِيتِ فِي النِّكَاحِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِهِ وَلاَ يَجْعَلُهُ مُؤَقَّتًا، فَلَهُ تَزَوُّجُهَا وَفِي نِيَّتِهِ أَنْ يَمْكُثَ مَعَهَا مُدَّةً نَوَاهَا، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ التَّأْقِيتَ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللَّفْظِ. (٢)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّأْقِيتَ إِذَا لَمْ يَقَعْ فِي الْعَقْدِ، وَلَمْ يُعْلِمْهَا الزَّوْجُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدَهُ فِي نَفْسِهِ، وَفَهِمَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا الْمُفَارَقَةَ بَعْدَ مُدَّةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَإِنْ كَانَ بَهْرَامٌ صَدَّرَ فِي شَرْحِهِ وَفِي " شَامِلِهِ " بِالْفَسَادِ، إِذَا فَهِمَتْ مِنْهُ ذَلِكَ الأَْمْرَ الَّذِي قَصَدَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ لِلْمَرْأَةِ وَلاَ لِوَلِيِّهَا بِذَلِكَ، وَلَمْ تَفْهَمِ стр. 5741
الْمَرْأَةُ مَا قَصَدَهُ فِي نَفْسِهِ، فَلَيْسَ نِكَاحَ مُتْعَةٍ. (١) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِكَرَاهَةِ هَذَا النِّكَاحِ الَّذِي أُضْمِرَ فِيهِ التَّأْقِيتُ؛ لأَِنَّ كُل مَا لَوْ صُرِّحَ بِهِ أُبْطِل يَكُونُ إِضْمَارُهُ مَكْرُوهًا عِنْدَهُمْ. (٢)
وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الأَْصْحَابُ: أَنَّ إِضْمَارَ التَّأْقِيتِ فِي النِّكَاحِ كَاشْتِرَاطِهِ، فَيَكُونُ شَبِيهًا بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ. (٣)
وَحَكَى صَاحِبُ الْفُرُوعِ عَنِ الشَّيْخِ ابْنِ قُدَامَةَ الْقَطْعَ بِصِحَّتِهِ مَعَ النِّيَّةِ. (٤)
وَجَاءَ فِي الْمُغْنِي أَيْضًا أَنَّهُ إِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ، إِلاَّ أَنَّ فِي نِيَّتِهِ طَلاَقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ إِذَا انْقَضَتْ حَاجَتُهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي قَوْل عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ إِلاَّ الأَْوْزَاعِيَّ، قَال: هُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَلاَ تَضُرُّ نِيَّتُهُ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُل أَنْ يَنْوِيَ حَبْسَ امْرَأَتِهِ، وَحَسْبُهُ إِنْ وَافَقَتْهُ وَإِلاَّ طَلَّقَهَا. (٥) . стр. 5742
ثَالِثًا: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تَكُونُ مُؤَقَّتَةً وَغَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ
الْمُرَادُ بِهَا تِلْكَ التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ يُفْسِدُهَا التَّأْقِيتُ، كَ الإِْيلاَءِ وَ الظِّهَارِ وَالْعَارِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - الإِْيلاَءُ:
١٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الإِْيلاَءَ قَدْ يَقَعُ مُؤَقَّتًا أَوْ مُطْلَقًا (١) . وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِيلاَءٌ) .
ب - الظِّهَارُ:
١٨ - الأَْصْل فِي الظِّهَارِ إِنْ أَطْلَقَهُ أَنْ يَقَعَ مُؤَبَّدًا، فَإِنْ أَقَّتَهُ كَأَنْ يُظَاهِرَ مِنْ زَوْجَتِهِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّهُ يَقَعُ مُؤَقَّتًا، وَلاَ يَكُونُ الْمُظَاهِرُ عَائِدًا إِلاَّ بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتِ الْمُدَّةُ سَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ، وَبَطَل الظِّهَارُ عَمَلاً بِالتَّأْقِيتِ؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَ صَادَفَ ذَلِكَ الزَّمَنَ دُونَ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْقَضِيَ بِانْقِضَائِهِ، стр. 5743
وَلأَِنَّ الظِّهَارَ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْل وَزُورٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ كَالظِّهَارِ الْمُعَلَّقِ. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي غَيْرِ الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ الظِّهَارَ لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ، فَإِنْ قَيَّدَهُ بِوَقْتٍ تَأَبَّدَ كَالطَّلاَقِ، فَيُلْغَى تَقْيِيدُهُ، وَيَصِيرُ مُظَاهِرًا أَبَدًا لِوُجُودِ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَهُمْ أَنَّ الظِّهَارَ الْمُؤَقَّتَ لَغْوٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُؤَبِّدِ التَّحْرِيمَ فَأَشْبَهَ مَا إِذَا شَبَّهَهَا بِامْرَأَةٍ لاَ تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيدِ. (٢)
ج - الْعَارِيَّةُ:
١٩ - الْعَارِيَّةُ الَّتِي هِيَ تَمْلِيكٌ لِلْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، إمَّا أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَتُسَمَّى حِينَئِذٍ الْعَارِيَّةَ الْمُقَيَّدَةَ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ، وَتُسَمَّى الْعَارِيَّةَ الْمُطْلَقَةَ، وَهِيَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، فَلِكُلٍّ مِنَ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ، مُطْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مُقَيَّدَةً، إِلاَّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَالإِْعَارَةِ لِلدَّفْنِ أَوِ الْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ. (٣) وَلِلتَّفْصِيل ر: (إِعَارَةٌ) . стр. 5744
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْعَارِيَّةَ إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِعَمَلٍ كَزِرَاعَةِ أَرْضٍ بَطْنًا (زَرْعَةً وَاحِدَةً) أَوْ بِوَقْتٍ كَسُكْنَى دَارٍ شَهْرًا مَثَلاً، فَإِنَّهَا تَكُونُ لاَزِمَةً إِلَى انْقِضَاءِ ذَلِكَ الْعَمَل أَوِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَيَّدَةً بِعَمَلٍ وَلاَ بِوَقْتٍ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةٍ يُنْتَفَعُ فِيهَا بِمِثْلِهَا عَادَةً؛ لأَِنَّ الْعَادَةَ كَالشَّرْطِ، فَإِنِ انْتَفَى الْمُعْتَادُ مَعَ عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِالْعَمَل أَوِ الْوَقْتِ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ أَنَّ لِلْمُعِيرِ الْخِيَارَ فِي تَسْلِيمِ ذَلِكَ أَوْ إِمْسَاكِهِ، وَإِنْ سَلَّمَ فَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ. (١)
د - الْكَفَالَةُ:
٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَأْقِيتِ الْكَفَالَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي غَيْرِ الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ - إِلَى جَوَازِ تَأْقِيتِهَا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ. وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ لِذَلِكَ فِي التَّوْقِيتِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْقِيتِ بِوَقْتٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةً غَيْرَ فَاحِشَةٍ، جَرَى الْعُرْفُ بَيْنَ стр. 5745
النَّاسِ عَلَى التَّوْقِيتِ بِهِ، كَوَقْتِ الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ الْمَجْهُول غَيْرَ مُتَعَارَفٍ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ، كَمَجِيءِ الْمَطَرِ وَهُبُوبِ الرِّيحِ، فَلاَ يَصِحُّ تَأْقِيتُ الْكَفَالَةِ بِهِ، وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ تَوْقِيتَ الْكَفَالَةِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، كَمَا نُقِل عَنِ ابْنِ يُونُسَ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ (الْكَفَالَةِ) أَنَّ الْحَمَالَةَ بِالْمَال الْمَجْهُول جَائِزَةٌ، فَكَذَا الْحَمَالَةُ بِهِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، وَالْحَنَابِلَةُ يُجِيزُونَ تَأْقِيتَ الْكَفَالَةِ وَلَوْ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لاَ يَمْنَعُ حُصُول الْمَقْصُودِ مِنْهَا كَوَقْتِ الْحَصَادِ وَالْجُذَاذِ؛ لأَِنَّهَا تَبَرُّعٌ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَتَصِحُّ كَالنَّذْرِ (١) . ر: (كَفَالَةٌ) .
هـ - الْمُضَارَبَةُ:
٢١ - يَجُوزُ تَأْقِيتُ الْمُضَارَبَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَامِل فِيهَا تَجَاوُزُ بَلَدٍ أَوْ سِلْعَةٍ أَوْ وَقْتٍ أَوْ شَخْصٍ عَيَّنَهُ الْمَالِكُ. (٢) وَالْحَنَابِلَةُ صَحَّحُوا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ بِأَنْ يَقُول следующие страницы →