Полный текст (31 949 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
تُلْبَسُ فِي حَال الشُّغْل، وَمُبَاشَرَةِ الْخِدْمَةِ، وَتَصَرُّفِ الإِْنْسَانِ فِي بَيْتِهِ. (١)
وَهُوَ بِهَذَا لاَ يَخْرُجُ فِي مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيِّ عَمَّا ذُكِرَ لَهُ مِنْ مَعَانٍ لُغَوِيَّةٍ.
حُكْمُهُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - التَّبَذُّل بِمَعْنَى تَرْكِ التَّزَيُّنِ. تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا، وَتَارَةً يَكُونُ مَسْنُونًا.، وَتَارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا.، وَتَارَةً يَكُونُ مُبَاحًا، وَهُوَ الأَْصْل.
٣ - فَيَكُونُ وَاجِبًا: فِي الإِْحْدَادِ، وَهُوَ تَرْكُ الزِّينَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الطَّلاَقِ الْبَائِنِ. (٢)
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَالأَْصْل فِيهِ قَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣) وَقَوْلُهُ ﷺ : لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. (٤) (٥)
وَإِحْدَادُهَا يَكُونُ بِتَجَنُّبِ الزِّينَةِ، وَالطِّيبِ، стр. 5777
وَلُبْسِ الْحُلِيِّ، وَالْمُلَوَّنِ وَالْمُطَرَّزِ مِنَ الثِّيَابِ لِلتَّزَيُّنِ، وَالْكُحْل وَالاِدِّهَانِ، وَكُل مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تُعْتَبَرَ مَعَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ مُتَزَيِّنَةً مَا لَمْ تَدْعُ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، فَتُقَدَّرُ حِينَئِذٍ بِقَدْرِهَا، كَالْكُحْل مَثَلاً لِلرَّمَدِ، فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ لَهَا بِاسْتِعْمَالِهِ لَيْلاً وَتَمْسَحُهُ نَهَارًا، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ حَادَّةٌ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلَتْ فِي عَيْنِهَا صَبْرًا، فَقَال: مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ فَقَالَتْ: إِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُول اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، قَال: إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلاَ تَجْعَلِيهِ إِلاَّ بِاللَّيْل، وَتَنْزِعِينَهُ بِالنَّهَارِ. (١)
وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلاَ تَكْتَحِل وَلاَ تَتَطَيَّبُ وَلاَ تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ. (٢)
وَالْمُطَلَّقَةُ طَلاَقًا بَائِنًا كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عِنْدَ стр. 5778
الْحَنَفِيَّةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا تَجَنُّبُ مَا تَتَجَنَّبُهُ الْحَادَّةُ، إِظْهَارًا لِلتَّأَسُّفِ عَلَى فَوْتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ. (١) وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (إِحْدَادٌ) .
٤ - وَيَكُونُ التَّبَذُّل مَسْنُونًا فِي الاِسْتِسْقَاءِ. وَهُوَ طَلَبُ الْعِبَادِ السُّقْيَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا. فَيَخْرُجُونَ إِلَى الصَّحْرَاءِ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ خَاشِعِينَ مُتَضَرِّعِينَ وَجِلِينَ نَاكِسِينَ رُءُوسَهُمْ، إِذْ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الإِْجَابَةِ. فَيُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ، وَيُكْثِرُونَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ. (٢)
قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلاِسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلاً مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى. (٣) وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (اسْتِسْقَاءٌ) . (٤) стр. 5779
٥ - وَيَكُونُ التَّبَذُّل مَكْرُوهًا: فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ؛ لأَِنَّ التَّزَيُّنَ مَسْنُونٌ لَهُمَا بِاتِّفَاقٍ، فَيَغْتَسِل وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَالْجَدِيدُ مِنْهَا أَفْضَل، وَأَوْلاَهَا الْبَيَاضُ، وَيَتَطَيَّبُ. وَالأَْحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: حَدِيثُ مَنِ اغْتَسَل يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلاَتِهِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا (١) وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَقُول: مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ. (٢)
هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال. أَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُنَّ إِذَا أَرَدْنَ حُضُورَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ يَتَنَظَّفْنَ بِالْمَاءِ وَلاَ يَتَطَيَّبْنَ، وَلاَ يَلْبَسْنَ الشُّهْرَةَ مِنَ الثِّيَابِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، стр. 5780
وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاَتٍ (١) أَيْ غَيْرَ مُتَعَطِّرَاتٍ؛ لأَِنَّهُنَّ إِذَا تَطَيَّبْنَ وَلَبِسْنَ الشُّهْرَةَ مِنَ الثِّيَابِ دَعَا ذَلِكَ إِلَى الْفَسَادِ وَالاِفْتِتَانِ بِهِنَّ. فَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى كَرَاهَةِ التَّبَذُّل لِلرِّجَال فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ فِيهِمَا. (٢)
وَانْظُرْ: (جُمُعَةً وَعِيدَيْنِ) .
وَيُكْرَهُ التَّبَذُّل فِي مَجَامِعِ النَّاسِ وَلِقَاءِ الْوُفُودِ. وَانْظُرْ لِتَفْصِيل ذَلِكَ مُصْطَلَحَ: (تَزَيُّنٌ) . وَيُكْرَهُ تَبَذُّل الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَالرَّجُل لِزَوْجَتِهِ؛ ذَلِكَ لأَِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَزَيَّنَ لِلآْخَرِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) فَالْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ حَقٌّ стр. 5781
لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الآْخَرِ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَتَزَيَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَكَمَا يُحِبُّ الزَّوْجُ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ زَوْجَتُهُ. فَكَذَلِكَ هِيَ تُحِبُّ أَنْ يَتَزَيَّنَ لَهَا. قَال أَبُو زَيْدٍ: تَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيكُمْ. وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: " إِنِّي لأَُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَلْبَسُ الثِّيَابَ النَّفِيسَةَ وَيَقُول: إِنَّ لِي نِسَاءً وَجَوَارِي، فَأُزَيِّنُ نَفْسِي كَيْ لاَ يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِي. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يُعْجِبُنِي أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي امْرَأَتِي، كَمَا يُعْجِبُهَا أَنْ أَتَزَيَّنَ لَهَا. (١)
وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (زِينَةٌ) .
كَمَا يُكْرَهُ التَّبَذُّل فِي الصَّلاَةِ عَدَا مَا كَانَ مِنْهُ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُصَلِّي فَرْدًا أَمْ فِي جَمَاعَةٍ، إِمَامًا كَانَ أَمْ стр. 5782
مَأْمُومًا، كَأَنْ يَلْبَسَ الْمُصَلِّي ثَوْبًا يَزْرِي بِهِ. (١)
وَذَلِكَ لأَِنَّ مُرِيدَ الصَّلاَةِ يَعُدُّ نَفْسَهُ لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ، وَلِذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَرْتَدِيَ أَكْمَل ثِيَابِهِ وَأَحْسَنَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ﴾ (٢) وَهَذِهِ الآْيَةُ وَإِنْ كَانَ نُزُولُهَا فِيمَنْ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا إِلاَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَالْمُرَادُ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ عِنْدَ الصَّلاَةِ بِمَا لاَ يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَيُخِل بِالصَّلاَةِ، وَالرَّجُل وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. (٣)
٦ - وَيَكُونُ التَّبَذُّل مُبَاحًا فِي غَيْرِ الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ، كَمَنْ يَلْبَسُ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ فِي عَمَلِهِ أَوْ شُئُونِهِ الْخَاصَّةِ.
٧ - أَمَّا التَّبَذُّل بِمَعْنَى عَدَمِ التَّصَاوُنِ، فَهُوَ مَذْمُومٌ شَرْعًا لإِِخْلاَلِهِ بِالْمُرُوءَةِ، وَلأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ قَبُول الشَّهَادَةِ. وَهُوَ حَرَامٌ إِنْ كَانَ عَدَمُ التَّصَاوُنِ عَنِ الْمَعَاصِي وَتَفْصِيلُهُ فِي (الشَّهَادَةِ) .
تَبْذِيرٌ
اُنْظُرْ: إِسْرَافٌ. стр. 5783
تِبْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التِّبْرُ لُغَةً: الذَّهَبُ كُلُّهُ.
وَقَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: التِّبْرُ: الْفُتَاتُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَبْل أَنْ يُصَاغَا، فَإِذَا صِيغَا، فَهُمَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ.
وَقَال الْجَوْهَرِيُّ: التِّبْرُ: مَا كَانَ مِنَ الذَّهَبِ غَيْرَ مَضْرُوبٍ. فَإِذَا ضُرِبَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَيْنٌ، وَلاَ يُقَال: تِبْرٌ إِلاَّ لِلذَّهَبِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُهُ لِلْفِضَّةِ أَيْضًا. (١)
وَقِيل: يُطْلَقُ التِّبْرُ عَلَى غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ.
وَاصْطِلاَحًا: اسْمٌ لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَبْل ضَرْبِهِمَا، أَوْ لِلأَْوَّل فَقَطْ، (٢) وَالْمُرَادُ الأَْعَمُّ. стр. 5784
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتِّبْرِ:
الرِّبَا فِي التِّبْرِ:
٢ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ (١) وَخَبَرِ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَمِثْلاً بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا. (٢)
كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَسْكُوكَهُ، وَتِبْرَهُ، وَمَصُوغَهُ سَوَاءٌ فِي مَنْعِ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلاً؛ لِمَا رَوَاهُ عُبَادَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْيٌ стр. 5785
بِمُدْيٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى. (١) وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا، يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلاَ، وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا، يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلاَ.
وَلِعُمُومِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِهَذَا الْخُصُوصِ (٢) . .
الزَّكَاةُ فِي تِبْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
٣ - الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا نُقُودًا أَوْ تِبْرًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ، إِذَا بَلَغَ نِصَابًا وَحَال عَلَيْهِ الْحَوْل. (٣) ر: (زَكَاةٌ: زَكَاةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) .
جَعْل التِّبْرِ رَأْسَمَالٍ فِي الشَّرِكَاتِ:
٤ - يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التِّبْرُ رَأْسَ مَالٍ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ إِنْ تَعَامَل النَّاسُ بِهِ - أَيْ بِاسْتِعْمَالِهِ ثَمَنًا - فَيُنَزَّل التَّعَامُل حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ الضَّرْبِ، فَيَكُونُ стр. 5786
ثَمَنًا، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ، وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ. (١)
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لاَ تَكُونُ الْمُفَاوَضَةُ بِمَثَاقِيل ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَمُرَادُهُ التِّبْرُ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ التِّبْرُ سِلْعَةٌ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، فَلاَ تَصْلُحُ رَأْسَ مَالٍ فِي الْمُضَارَبَاتِ وَالشَّرِكَاتِ، وَنَحْوِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِتِبْرٍ وَمَسْكُوكٍ وَلَوْ تَسَاوَيَا قَدْرًا إِنْ كَثُرَ فَضْل السِّكَّةِ، فَإِنْ سَاوَتْهَا جَوْدَةُ التِّبْرِ فَقَوْلاَنِ كَمَا فِي الشَّامِل. (٣)
التِّبْرُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَْرْضِ:
٥ - التِّبْرُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَْرْضِ جَعَل فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْخُمُسَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (٤) وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ فِيهِ رُبُعَ الْعُشْرِ (٥) (ر: رِكَازٌ) . стр. 5787
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - فَصَّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ التِّبْرِ فِي (رِبًا، وَصَرْفٌ، وَشَرِكَةٌ، وَزَكَاةٌ، وَبَيْعٌ، وَمُضَارَبَةٌ، وَرِكَازٌ) " كَنْزٌ ".
تَبَرُّؤٌ
اُنْظُرْ: بَرَاءَةٌ.
стр. 5788
تَبَرُّجٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّبَرُّجُ لُغَةً: مَصْدَرُ تَبَرَّجَ، يُقَال: تَبَرَّجَتِ الْمَرْأَةُ: إِذَا أَبْرَزَتْ مَحَاسِنَهَا لِلرِّجَال.
وَفِي الْحَدِيثِ كَانَ يَكْرَهُ عَشْرَ خِلاَلٍ، مِنْهَا: التَّبَرُّجُ بِالزِّينَةِ لِغَيْرِ مَحَلِّهَا (١) وَالتَّبَرُّجُ: إِظْهَارُ الزِّينَةِ لِلرِّجَال الأَْجَانِبِ وَهُوَ الْمَذْمُومُ. أَمَّا لِلزَّوْجِ فَلاَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: لِغَيْرِ مَحَلِّهَا. (٢) وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا.
قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (٣) أَيْ غَيْرَ مُظْهِرَاتٍ стр. 5789
وَلاَ مُتَعَرِّضَاتٍ بِالزِّينَةِ لِيُنْظَرَ إِلَيْهِنَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَقْبَحِ الأَْشْيَاءِ وَأَبْعَدِهَا عَنِ الْحَقِّ. وَأَصْل التَّبَرُّجِ: التَّكَشُّفُ وَالظُّهُورُ لِلْعُيُونِ. (١)
وَقَال فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُْولَى﴾ (٢) حَقِيقَةُ التَّبَرُّجِ: إِظْهَارُ مَا سَتْرُهُ أَحْسَنُ.
قِيل: مَا بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ ﵉: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْبَسُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ غَيْرَ مَخِيطِ الْجَانِبَيْنِ، وَتَلْبَسُ الثِّيَابَ الرِّقَاقَ، وَلاَ تُوَارِي بَدَنَهَا. (٣)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّزَيُّنُ:
٢ - التَّزَيُّنُ: اتِّخَاذُ الزِّينَةِ، وَهِيَ مَا يُسْتَعْمَل اسْتِجْلاَبًا لِحُسْنِ الْمَنْظَرِ مِنَ الْحُلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَْرْضُ زُخْرُفَهَا стр. 5790
وَازَّيَّنَتْ﴾ (١) أَيْ حَسُنَتْ وَبَهَجَتْ بِالنَّبَاتِ. فَأَمَّا التَّبَرُّجُ: فَهُوَ إِظْهَارُ تِلْكَ الزِّينَةِ لِمَنْ لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا.
مَا يُعْتَبَرُ إِظْهَارُهُ تَبَرُّجًا:
٣ - التَّبَرُّجُ: إِظْهَارُ الزِّينَةِ وَالْمَحَاسِنِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِيمَا يُعْتَبَرُ عَوْرَةً مِنَ الْبَدَنِ: كَعُنُقِ الْمَرْأَةِ وَصَدْرِهَا وَشَعْرِهَا، وَمَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الزِّينَةِ. أَوْ كَانَ فِيمَا لاَ يُعْتَبَرُ عَوْرَةً: كَالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، إِلاَّ مَا وَرَدَ الإِْذْنُ بِهِ شَرْعًا كَالْكُحْل، وَالْخَاتَمِ، وَالسِّوَارِ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٢) قَال: مَا ظَهَرَ مِنْهَا: الْكُحْل، وَالْخَاتَمُ، وَالسِّوَارُ (٣) . وَلأَِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى كَشْفِ ذَلِكَ فِي الْمُعَامَلاَتِ فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ، عَلَى أَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنَ الْعَوْرَةِ خِلاَفًا يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (عَوْرَةٌ) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّبَرُّجِ:
تَبَرُّجُ الْمَرْأَةِ:
٤ - تَبَرُّجُ الْمَرْأَةِ عَلَى أَشْكَالِهِ الْمُخْتَلِفَةِ، سَوَاءٌ стр. 5791
مَا كَانَ مِنْهُ بِإِظْهَارِ الزِّينَةِ وَالْمَحَاسِنِ لِغَيْرِ مَنْ لاَ يَحِل لَهُ نَظَرُ ذَلِكَ، أَوْ مَا كَانَ بِالتَّبَخْتُرِ وَالاِخْتِيَال، وَالتَّثَنِّي فِي الْمَشْيِ، وَلُبْسِ الرَّقِيقِ مِنَ الثِّيَابِ الَّذِي يَصِفُ بَشَرَتَهَا، وَيُبَيِّنُ مَقَاطِعَ جِسْمِهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ - مِمَّا يَبْدُو مِنْهَا مُثِيرًا لِلْغَرَائِزِ وَمُحَرِّكًا لِلشَّهْوَةِ - حَرَامٌ إِجْمَاعًا لِغَيْرِ الزَّوْجِ؛ لِقَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُْولَى﴾ (١)
وَقَوْلِهِ ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (٢) وَذَلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الأُْولَى كُنَّ يَخْرُجْنَ فِي أَجْوَدِ زِينَتِهِنَّ وَيَمْشِينَ مِشْيَةً مِنَ الدَّلاَّل وَالتَّبَخْتُرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِتْنَةً لِمَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ. (٣) حَتَّى الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ، وَهُنَّ الْعَجَائِزُ وَنَحْوُهُنَّ مِمَّنْ لاَ رَغْبَةَ لِلرِّجَال فِيهِنَّ، نَزَل فِيهِنَّ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (٤) فَأَبَاحَ стр. 5792
لَهُنَّ وَضْعَ الْخِمَارِ، وَكَشْفَ الرَّأْسِ وَنَحْوِهِ، وَنَهَاهُنَّ مَعَ ذَلِكَ عَنِ التَّبَرُّجِ.
تَبَرُّجُ الرَّجُل:
تَبَرُّجُ الرَّجُل إِمَّا بِإِظْهَارِ عَوْرَتِهِ أَوْ تَزَيُّنِهِ، وَالتَّزَيُّنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ، أَوْ مُخَالِفًا لَهَا.
أ - التَّبَرُّجُ بِإِظْهَارِ الْعَوْرَةِ:
٥ - يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل كَشْفُ عَوْرَتِهِ أَمَامَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ، أَوْ لِحَاجَةِ التَّدَاوِي وَالْخِتَانِ، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْدِيدِ الْعَوْرَةِ. يُنْظَرُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (عَوْرَةٌ) .
وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الرَّجُل إِلَى مَا يَنْظُرُ الرَّجُل إِلَيْهِ مِنَ الرَّجُل إِذَا أَمِنَتِ الشَّهْوَةَ؛ لاِسْتِوَاءِ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ فِي النَّظَرِ إِلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى التَّحْرِيمِ.
كَمَا يُكْرَهُ نَظَرُ الرَّجُل إِلَى فَرْجِهِ عَبَثًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. (١)
ب - التَّبَرُّجُ بِإِظْهَارِ الزِّينَةِ:
٦ - إِظْهَارُ الزِّينَةِ مِنَ الرَّجُل قَدْ يَكُونُ مُوَافِقًا - стр. 5793
لِلشَّرِيعَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهَا. فَالتَّزَيُّنُ الْمُخَالِفُ لِلشَّرِيعَةِ، كَالأَْخْذِ مِنْ أَطْرَافِ الْحَاجِبِ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ، وَكَوَضْعِ الْمَسَاحِيقِ عَلَى الْوَجْهِ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ، وَكَالتَّزَيُّنِ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالتَّخَتُّمِ بِهِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ، وَهُنَاكَ صُوَرٌ مِنَ التَّزَيُّنِ اُخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا. تُنْظَرُ فِي (اخْتِضَابٌ) وَفِي (لِحْيَةٌ وَتَزَيُّنٌ) .
وَأَمَّا التَّزَيُّنُ الَّذِي أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْهُ تَزَيُّنٌ حَضَّتْ عَلَيْهِ: كَتَزَيُّنِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ كَتَزَيُّنِهَا لَهُ، وَتَسْرِيحِ الشَّعْرِ أَوْ حَلْقِهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ الْقَزَعُ، وَيُسَنُّ تَغْيِيرُ الشَّيْبِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ.
وَيَجُوزُ التَّزَيُّنُ بِالتَّخَتُّمِ بِالْفِضَّةِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنَ الْفِضَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْخَاتَمِ (١) وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَخَتُّمٌ) .
تَبَرُّجُ الذِّمِّيَّةِ:
٧ - الذِّمِّيَّةُ الْحُرَّةُ عَوْرَتُهَا كَعَوْرَةِ الْمُسْلِمَةِ الْحُرَّةِ، حَيْثُ لَمْ يُفَرِّقِ الْفُقَهَاءُ فِي إِطْلاَقِهِمْ لِلْحُرَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِهَا، كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ عَوْرَةِ الرَّجُل الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ стр. 5794
النَّظَرِ إِلَى عَوْرَةِ الذِّمِّيِّ رَجُلاً كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَعَلَى ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيَّةِ سَتْرُ عَوْرَتِهَا وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ التَّبَرُّجِ الْمُثِيرِ لِلْفِتْنَةِ؛ دَرْءًا لِلْفَسَادِ وَمُحَافَظَةً عَلَى الآْدَابِ الْعَامَّةِ. (١)
مَنْ يُطْلَبُ مِنْهُ مَنْعُ التَّبَرُّجِ ؟
٨ - عَلَى الأَْبِ أَنْ يَمْنَعَ بِنْتَه الصَّغِيرَةَ عَنِ التَّبَرُّجِ إِذَا كَانَتْ تُشْتَهَى، حَيْثُ لاَ يُبَاحُ مَسُّهَا وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَكَذَلِكَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِبِنْتِهِ الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ مَتَى كَانَتْ فِي وِلاَيَتِهِ، إِذْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْمُرَهَا بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ، وَيَنْهَاهَا عَنْ جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَمِثْل الأَْبِ فِي ذَلِكَ وَلِيُّهَا عِنْدَ عَدَمِهِ.
وَعَلَى الزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، فَلَهُ تَأْدِيبُهَا وَضَرْبُهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فِي كُل مَعْصِيَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا، إِذَا لَمْ تَسْتَجِبْ لِنُصْحِهِ وَوَعْظِهِ، مَتَى كَانَ مُتَمَشِّيًا مَعَ الْمَنْهَجِ الشَّرْعِيِّ. وَعَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يَنْهَى عَنِ التَّبَرُّجِ الْمُحَرَّمِ، وَلَهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَلَيْهِ، وَعُقُوبَتُهُ التَّعْزِيرُ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّأْدِيبُ، وَيَكُونُ بِالضَّرْبِ أَوْ بِالْحَبْسِ أَوْ بِالْكَلاَمِ стр. 5795
الْعَنِيفِ، أَوْ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ، بَل هُوَ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ مَنْ يَقُومُ بِهِ وَفْقَ مُقْتَضَيَاتِ الأَْحْوَال الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا التَّعْزِيرُ. (١) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَعْزِيرٌ) .
تَبَرُّزٌ
اُنْظُرْ: قَضَاءُ الْحَاجَةِ. стр. 5796
تَبَرُّعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّبَرُّعُ لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنْ بَرَعَ الرَّجُل وَبَرُعَ بِالضَّمِّ أَيْضًا بَرَاعَةً، أَيْ: فَاقَ أَصْحَابَهُ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ بَارِعٌ، وَفَعَلْتُ كَذَا مُتَبَرِّعًا أَيْ: مُتَطَوِّعًا، وَتَبَرَّعَ بِالأَْمْرِ: فَعَلَهُ غَيْرَ طَالِبٍ عِوَضًا. (١)
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ، فَلَمْ يَضَعِ الْفُقَهَاءُ تَعْرِيفًا لِلتَّبَرُّعِ، وَإِنَّمَا عَرَّفُوا أَنْوَاعَهُ كَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا، وَكُل تَعْرِيفٍ لِنَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ يُحَدِّدُ مَاهِيَّتَهُ فَقَطْ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ مَعْنَى التَّبَرُّعِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِهِمْ لِهَذِهِ الأَْنْوَاعِ، لاَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِ التَّبَرُّعِ بَذْل الْمُكَلَّفِ مَالاً أَوْ مَنْفَعَةً لِغَيْرِهِ فِي الْحَال أَوِ الْمَآل بِلاَ عِوَضٍ بِقَصْدِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ غَالِبًا. стр. 5797
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّطَوُّعُ:
٢ - التَّطَوُّعُ: اسْمٌ لِمَا شُرِعَ زِيَادَةً عَلَى الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ (١) وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ التَّبَرُّعِ، فَالتَّبَرُّعُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَقَدْ لاَ يَكُونُ وَاجِبًا، وَيَكُونُ التَّطَوُّعُ أَيْضًا فِي الْعِبَادَاتِ، وَهِيَ النَّوَافِل كُلُّهَا الزَّائِدَةُ عَنِ الْفُرُوضِ وَالْوَاجِبَاتِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّبَرُّعِ:
٣ - حَثَّ الإِْسْلاَمُ عَلَى فِعْل الْخَيْرِ وَتَقْدِيمِ الْمَعْرُوفِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، وَالتَّبَرُّعِ بِأَنْوَاعِهِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنَ الْخَيْرِ، فَيَكُونُ مَشْرُوعًا بِهَذِهِ الأَْدِلَّةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ، وَهُوَ كُل مَعْرُوفٍ يُقَدَّمُ لِلْغَيْرِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِتَقْدِيمِ الْمَال أَمِ الْمَنْفَعَةِ.
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٣)
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَإِنَّ الأَْحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى أَعْمَال стр. 5798
الْخَيْرِ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَال: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. قَال: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ: أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلاَ يُبْتَاعُ، وَلاَ يُورَثُ، وَلاَ يُوهَبُ. قَال: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيل اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيل، وَالضَّيْفِ، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُل مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ
. (١) قَال: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدًا. فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذَا الْمَكَانَ: غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، قَال مُحَمَّدٌ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً.
قَال ابْنُ عَوْنٍ: وَأَنْبَأَنِي مَنْ قَرَأَ هَذَا الْكِتَابَ، أَنَّ فِيهِ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : تَهَادَوْا تَحَابُّوا (٢) وَقَوْلُهُ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ ﵎ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي حَيَاتِكُمْ؛ لِيَجْعَلَهَا стр. 5799
لَكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ. (١)
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدِ اتَّفَقَتِ الأُْمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّبَرُّعِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ. (٢)
٤ - وَالتَّبَرُّعَاتُ أَنْوَاعٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: تَبَرُّعٌ بِالْعَيْنِ، وَمِنْهَا تَبَرُّعٌ بِالْمَنْفَعَةِ، وَتَكُونُ التَّبَرُّعَاتُ، حَالَّةً أَوْ مُؤَجَّلَةً، أَوْ مُضَافَةً إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالتَّبَرُّعُ بِأَنْوَاعِهِ يَدُورُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ بِأَقْسَامِهِ.
٥ - وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّبَرُّعَ لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الْخَمْسَةُ: فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا، وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا؛ تَبَعًا، لِحَالَةِ التَّبَرُّعِ وَالْمُتَبَرَّعِ لَهُ وَالْمُتَبَرَّعِ بِهِ.
فَإِنْ كَانَ التَّبَرُّعُ وَصِيَّةً، فَتَكُونُ وَاجِبَةً لِتَدَارُكِ قُرْبَةٍ فَاتَتْهُ كَزَكَاةٍ أَوْ حَجٍّ، وَتَكُونُ مَنْدُوبَةً إِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ وَهِيَ فِي حُدُودِ الثُّلُثِ، وَتَكُونُ حَرَامًا إِذَا أَوْصَى لِمَعْصِيَةٍ أَوْ بِمُحَرَّمٍ، وَتَكُونُ مَكْرُوهَةً إِذَا أَوْصَى لِفَقِيرٍ أَجْنَبِيٍّ وَلَهُ فَقِيرٌ قَرِيبٌ، وَتَكُونُ مُبَاحَةً إِذَا أَوْصَى بِأَقَل مِنَ الثُّلُثِ لِغَنِيٍّ أَجْنَبِيٍّ وَوَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءُ. стр. 5800
وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي بَاقِي التَّبَرُّعَاتِ كَالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ. (١) .
أَرْكَانُ التَّبَرُّعِ:
٦ - التَّبَرُّعُ أَسَاسُهُ الْعَقْدُ، وَلاَ بُدَّ مِنْ تَوَافُرِ أَرْكَانِ الْعَقْدِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ هَذِهِ الأَْرْكَانِ.
فَالْجُمْهُورُ يَرَوْنَ أَنَّ لِلتَّبَرُّعِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ: مُتَبَرِّعٌ، وَمُتَبَرَّعٌ لَهُ، وَمُتَبَرَّعٌ بِهِ، وَصِيغَةٌ. فَالْمُتَبَرِّعُ هُوَ الْمُوصِي أَوِ الْوَاهِبُ أَوِ الْوَاقِفُ أَوِ الْمُعِيرُ. وَالْمُتَبَرَّعُ لَهُ قَدْ يَكُونُ الْمُوصَى لَهُ أَوِ الْمَوْهُوبَ لَهُ أَوِ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ أَوِ الْمُسْتَعِيرَ. وَالْمُتَبَرَّعُ بِهِ قَدْ يَكُونُ مُوصًى بِهِ أَوْ مَوْهُوبًا أَوْ مَوْقُوفًا أَوْ مُعَارًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالصِّيغَةُ هِيَ الَّتِي تُنْشِئُ التَّبَرُّعَ وَتُبَيِّنُ إِرَادَةَ الْمُتَبَرِّعِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلِلتَّبَرُّعِ عِنْدَهُمْ رُكْنٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الصِّيغَةُ، وَالْخِلاَفُ عِنْدَهُمْ فِيمَا تَتَحَقَّقُ بِهِ هَذِهِ الصِّيغَةُ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ تَبَعًا لِنَوْعِ التَّبَرُّعِ (٢) . стр. 5801
شُرُوطُ التَّبَرُّعِ:
٧ - لِكُل نَوْعٍ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ شُرُوطٌ إِذَا تَحَقَّقَتْ كَانَ التَّبَرُّعُ صَحِيحًا. وَإِذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ كَثِيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ، فَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَبَرِّعِ، وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَبَرَّعِ لَهُ، وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَبَرَّعِ بِهِ، وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِالصِّيغَةِ، وَتَفْصِيل شُرُوطِ كُل نَوْعٍ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ فِي مُصْطَلَحِهِ. (١)
آثَارُ التَّبَرُّعِ:
٨ - التَّبَرُّعُ إِذَا تَمَّ بِشُرُوطِهِ الشَّرْعِيَّةِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ انْتِقَال الْمُتَبَرَّعِ بِهِ إِلَى الْمُتَبَرَّعِ لَهُ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الْمُتَبَرَّعِ بِهِ.
فَفِي الْوَصِيَّةِ مَثَلاً يَنْتَقِل الْمِلْكُ مِنَ الْمُوصِي بَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَى الْمُوصَى لَهُ بِقَبُولِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُوصَى بِهِ أَعْيَانًا أَمْ مَنَافِعَ، وَفِي الْهِبَةِ يَنْتَقِل مِلْكُ الْمَوْهُوبِ مِنَ الْوَاهِبِ إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ إِذَا قَبَضَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَيَتَوَقَّفُ انْتِقَالُهُ عَلَى الْقَبْضِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَفِي الْعَارِيَّةِ يَنْتَقِل حَقُّ الاِنْتِفَاعِ إِلَى الْمُسْتَعِيرِ انْتِقَالاً مُؤَقَّتًا، وَأَمَّا الْوَقْفُ стр. 5802
فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي انْتِقَال الْمِلْكِ وَعَدَمِهِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ: (١) أَنَّ الْوَقْفَ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَيَبْقَى عَلَى مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ (٢) وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ لَمَّا وَقَفَ أَسْهُمًا لَهُ بِخَيْبَرَ قَال لَهُ النَّبِيُّ ﵊: حَبِّسْ أَصْلَهَا (٣) فَاسْتَنْبَطُوا مِنْ ذَلِكَ النَّصِّ بَقَاءَ الْمَوْقُوفِ عَلَى مِلْكِ وَاقِفِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ التَّبَرُّعَ يُنْتِجُ أَثَرًا شَرْعِيًّا، وَهُوَ انْتِقَال الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ أَوِ الْمَنْفَعَةِ مِنَ الْمُتَبَرِّعِ إِلَى الْمُتَبَرَّعِ لَهُ إِذَا تَمَّ الْعَقْدُ بِشُرُوطِهِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلاَتٌ وَاخْتِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي (عَارِيَّةٌ. هِبَةٌ. وَقْفٌ. وَصِيَّةٌ. إِلَخْ) .
مَا يَنْتَهِي بِهِ التَّبَرُّعُ:
٩ - انْتِهَاءُ التَّبَرُّعِ قَدْ يَكُونُ بِبُطْلاَنِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْ أَحَدٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِفِعْل التَّبَرُّعِ أَوْ غَيْرِهِ. وَالأَْصْل فِي التَّبَرُّعِ عَدَمُ انْتِهَائِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ، بِاسْتِثْنَاءِ الإِْعَارَةِ لأَِنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ. وَبِاسْتِعْرَاضِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي انْتِهَاءِ التَّبَرُّعِ стр. 5803
يَتَبَيَّنُ أَنَّ الاِنْتِهَاءَ يَتَّسِعُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ التَّبَرُّعِ، وَيَضِيقُ فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى فَقَدْ يَكُونُ إِنْهَاءُ بَعْضِ التَّبَرُّعَاتِ غَيْرَ مُمْكِنٍ كَالْوَقْفِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ أَمْرًا حَتْمِيًّا كَالإِْعَارَةِ. (١)
وَتَفْصِيل مَا يَتَعَلَّقُ بِكُل نَوْعٍ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِهِ. стр. 5804
تَبَرُّكٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّبَرُّكُ لُغَةً: طَلَبُ الْبَرَكَةِ، وَالْبَرَكَةُ هِيَ: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ، وَالتَّبْرِيكُ: الدُّعَاءُ لِلإِْنْسَانِ بِالْبَرَكَةِ. وَبَارَكَ اللَّهُ الشَّيْءَ وَبَارَكَ فِيهِ وَعَلَيْهِ: وَضَعَ فِيهِ الْبَرَكَةَ، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (١) وَتَبَرَّكْتُ بِهِ: تَيَمَّنْتُ بِهِ. قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الْبَرَكَةُ ثُبُوتُ الْخَيْرِ الإِْلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ. قَال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَْرْضِ﴾ (٢) ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ (٣) تَنْبِيهًا عَلَى مَا يُفِيضُ بِهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ الإِْلَهِيَّةِ. (٤)
وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلتَّبَرُّكِ هُوَ: طَلَبُ ثُبُوتِ الْخَيْرِ الإِْلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ. стр. 5805
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّوَسُّل:
٢ - التَّوَسُّل لُغَةً: التَّقَرُّبُ. يُقَال: تَوَسَّل الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ بِوَسِيلَةٍ إِذَا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِعَمَلٍ. (١) وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . (٢)
ب - الشَّفَاعَةُ:
٣ - الشَّفَاعَةُ: لُغَةً مِنْ مَادَّةِ شَفَعَ، وَيُقَال: اسْتَشْفَعْتُ بِهِ: طَلَبْتُ مِنْهُ الشَّفَاعَةَ. وَقَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الشَّفَاعَةُ الاِنْضِمَامُ إِلَى آخَرَ نَاصِرًا لَهُ وَسَائِلاً عَنْهُ، وَشَفَّعَ وَتَشَفَّعَ: طَلَبَ الشَّفَاعَةَ، وَالشَّفَاعَةُ: كَلاَمُ الشَّفِيعِ لِلْمَلِكِ فِي حَاجَةٍ يَسْأَلُهَا لِغَيْرِهِ، وَالشَّافِعُ: الطَّالِبُ لِغَيْرِهِ، وَشَفَعَ إِلَيْهِ فِي مَعْنَى: طَلَبَ إِلَيْهِ قَضَاءَ حَاجَةِ الْمَشْفُوعِ لَهُ. (٣)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الضَّرَاعَةُ وَالسُّؤَال فِي التَّجَاوُزِ عَنْ ذُنُوبِ الْمَشْفُوعِ لَهُ أَوْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ.
ج - الاِسْتِغَاثَةُ:
٤ - الاِسْتِغَاثَةُ لُغَةً: طَلَبُ الْغَوْثِ، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ (٤) وَأَغَاثَهُ стр. 5806
إِغَاثَةً: إِذَا أَعَانَهُ وَنَصَرَهُ، فَهُوَ مُغِيثٌ، وَأَغَاثَهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ: كَشَفَ شِدَّتَهُمْ. (١)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
التَّبَرُّكُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
(١) التَّبَرُّكُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ:
٥ - ذَهَبَ بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ إِلَى سُنِّيَّةِ ابْتِدَاءِ كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا - بِحَيْثُ لاَ يَكُونُ مُحَرَّمًا لِذَاتِهِ، وَلاَ مَكْرُوهًا لِذَاتِهِ، وَلاَ مِنْ سَفَاسِفِ الأُْمُورِ وَمُحَقَّرَاتِهَا - بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى سَبِيل التَّبَرُّكِ.
وَجَرَى الْعُلَمَاءُ فِي افْتِتَاحِ كَلِمَاتِهِمْ وَخُطَبِهِمْ وَمُؤَلَّفَاتِهِمْ وَكُل أَعْمَالِهِمُ الْمُهِمَّةِ بِالْبَسْمَلَةِ عَمَلاً بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَقْطَعُ أَوْ أَجْذَمُ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَقْطَعُ أَوْ أَجْذَمُ (٣) وَمِنْ стр. 5807
هَذَا الْبَابِ الإِْتْيَانُ بِالْبَسْمَلَةِ عِنْدَ الأَْكْل، وَالشُّرْبِ، وَالْجِمَاعِ، وَالاِغْتِسَال، وَالْوُضُوءِ، وَالتِّلاَوَةِ، وَالتَّيَمُّمِ، وَالرُّكُوبِ وَالنُّزُول. (١) وَمَا إِلَى ذَلِكَ.
(٢) التَّبَرُّكُ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ :
٦ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَوْرَدَ عُلَمَاءُ السِّيرَةِ وَالشَّمَائِل وَالْحَدِيثِ أَخْبَارًا كَثِيرَةً تُمَثِّل تَبَرُّكَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ ﵃ بِأَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ آثَارِهِ ﷺ نُجْمِلُهَا فِيمَا يَأْتِي:
أ - فِي وَضُوئِهِ:
٧ - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، (٢) لِفَرْطِ حِرْصِهِمْ عَلَى التَّبَرُّكِ بِمَا مَسَّهُ стр. 5808
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدَنِهِ الشَّرِيفِ، وَكَانَ مَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْ وَضُوئِهِ يَأْخُذُ مِنْ بَلَل يَدِ صَاحِبِهِ. (١)
ب - فِي رِيقِهِ وَنُخَامَتِهِ:
٨ - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَبْصُقُ بُصَاقًا وَلاَ يَتَنَخَّمُ نُخَامَةً إِلاَّ تَلَقَّوْهَا، وَأَخَذُوهَا مِنَ الْهَوَاءِ، وَوَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ، وَمَسَحُوا بِهَا جُلُودَهُمْ وَأَعْضَاءَهُمْ تَبَرُّكًا بِهَا. (٢) وَكَانَ يَتْفُل فِي أَفْوَاهِ الأَْطْفَال، وَيَمُجُّ رِيقَهُ فِي الأَْيَادِي، وَكَانَ يَمْضُغُ الطَّعَامَ فَيَمُجُّهُ فِي فَمِ الشَّخْصِ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَأْتُونَ بِأَطْفَالِهِمْ لِيُحَنِّكَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ. (٣)
ج - فِي دَمِهِ ﷺ :
٩ - ثَبَتَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ شَرِبُوا دَمَهُ ﷺ عَلَى سَبِيل التَّبَرُّكِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ стр. 5809
أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَحْتَجِمُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَال: يَا عَبْدَ اللَّهِ اذْهَبْ بِهَذَا الدَّمِ فَأَهْرِقْهُ حَيْثُ لاَ يَرَاكَ أَحَدٌ فَشَرِبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ، قَال: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا صَنَعْتَ؟ قَال: جَعَلْتُهُ فِي أَخْفَى مَكَانٍ عَلِمْتُ أَنَّهُ مَخْفِيٌّ عَنِ النَّاسِ، قَال: لَعَلَّكَ شَرِبْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَال: وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ، وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْقُوَّةَ الَّتِي بِهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: مَنْ خَالَطَ دَمُهُ دَمِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ. (٢)
د - فِي شَعْرِهِ ﷺ :
١٠ - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوَزِّعُ شَعْرَهُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ عِنْدَمَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ الشَّرِيفَ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَحْرِصُونَ عَلَى أَنْ يُحَصِّلُوا شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ ﷺ وَيُحَافِظُونَ عَلَى مَا يَصِل إِلَى أَيْدِيهِمْ مِنْهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ. فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَال: لِلْحَلاَّقِ: خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَْيْمَنِ ثُمَّ الأَْيْسَرِ، ثُمَّ جَعَل стр. 5810
يُعْطِيهِ النَّاسَ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَل الْحَلاَّقَ شِقَّهُ الأَْيْمَنَ، فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَْنْصَارِيَّ ﵁ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَْيْسَرَ فَقَال: احْلِقْ، فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَال: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ: فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الأَْيْمَنِ فَوَزَّعَهُ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ قَال بِالأَْيْسَرِ فَصَنَعَ بِهِ مِثْل ذَلِكَ. (٢)
وَرُوِيَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁: فَقَدَ قَلَنْسُوَةً لَهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَطَلَبَهَا حَتَّى وَجَدَهَا، وَقَال: اعْتَمَرَ رَسُول اللَّهِ فَحَلَقَ رَأْسَهُ فَابْتَدَرَ النَّاسُ جَوَانِبَ شَعْرِهِ فَسَبَقْتُهُمْ إِلَى نَاصِيَتِهِ فَجَعَلْتُهَا فِي هَذِهِ الْقَلَنْسُوَةِ، فَلَمْ أَشْهَدْ قِتَالاً وَهِيَ مَعِي إِلاَّ رُزِقْتُ النَّصْرَ (٣) .
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالْحَلاَّقُ يَحْلِقُهُ وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلاَّ فِي يَدِ رَجُلٍ. (٤) стр. 5811
هـ - فِي سُؤْرِهِ وَطَعَامِهِ ﷺ
١١ - ثَبَتَ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِي سُؤْرِهِ ﷺ لِيَحُوزَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْبَرَكَةَ الَّتِي حَلَّتْ فِي الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ مِنْ قِبَل الرَّسُول ﷺ . (١) فَعَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَْشْيَاخُ، فَقَال لِلْغُلاَمِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ؟ فَقَال الْغُلاَمُ: - وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: وَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، فَتَلَّهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ. (٢)
وَعَنْ عَمِيرَةَ بِنْتِ مَسْعُودٍ ﵂: أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هِيَ وَأَخَوَاتُهَا يُبَايِعْنَهُ، وَهُنَّ خَمْسٌ، فَوَجَدَتْهُ يَأْكُل قَدِيدَةً، فَمَضَغَ لَهُنَّ قَدِيدَةً، ثُمَّ نَاوَلَنِي الْقَدِيدَةَ، فَمَضَغَتْهَا كُل وَاحِدَةٍ قِطْعَةً قِطْعَةً، فَلَقِينَ اللَّهَ وَمَا وُجِدَ لأَِفْوَاهِهِنَّ خُلُوفٌ. (٣) وَفِي حَدِيثِ خُنْسِ بْنِ عَقِيلٍ: سَقَانِي стр. 5812
رَسُول اللَّهِ ﷺ شَرْبَةً مِنْ سَوِيقٍ شَرِبَ أَوَّلَهَا وَشَرِبْتُ آخِرَهَا، فَمَا بَرِحْتُ أَجِدُ شِبَعَهَا إِذَا جُعْتُ، وَرَيَّهَا إِذَا عَطِشْتُ، وَبَرْدَهَا إِذَا ظَمِئْتُ. (١)
و فِي أَظَافِرِهِ ﷺ :
١٢ - ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَلَّمَ أَظَافِرَهُ، وَقَسَمَهَا بَيْنَ النَّاسِ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا، فَقَدْ ذَكَرَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ ﵀، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمَنْحَرِ وَرَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ يَقْسِمُ أَضَاحِيَّ، فَلَمْ يُصِبْهُ مِنْهَا شَيْءٌ وَلاَ صَاحِبُهُ، فَحَلَقَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ، فَأَعْطَاهُ، فَقَسَمَ مِنْهُ عَلَى رِجَالٍ، وَقَلَّمَ أَظَافِرَهُ فَأَعْطَاهُ صَاحِبَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ قَلَّمَ أَظَافِرَهُ وَقَسَمَهَا بَيْنَ النَّاسِ. (٢)
ز - فِي لِبَاسِهِ ﷺ وَأَوَانِيهِ:
١٣ - ثَبَتَ كَذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى اقْتِنَاءِ مَلاَبِسِهِ وَأَوَانِيهِ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا وَالاِسْتِشْفَاءِ.
" فَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةً طَيَالِسَةً وَقَالَتْ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ стр. 5813
كَانَ يَلْبَسُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ: فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا نَسْتَشْفِي بِهَا. (٢)
وَرُوِيَ " عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَاجِيِّ قَال: كَانَتْ عِنْدَنَا قَصْعَةٌ مِنْ قِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ فَكُنَّا نَجْعَل فِيهَا الْمَاءَ لِلْمَرْضَى، يَسْتَشْفُونَ بِهَا، فَيُشْفَوْنَ بِهَا. (٣)
ح - فِي مَا لَمَسَهُ ﷺ وَمُصَلاَّهُ:
١٤ - كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَتَبَرَّكُونَ فِيمَا تَلْمِسُ يَدُهُ الشَّرِيفَةُ ﷺ . (٤)
وَمِنْ ذَلِكَ بَرَكَةُ يَدِهِ فِيمَا لَمَسَهُ وَغَرَسَهُ لِسَلْمَانَ ﵁ حِينَ كَاتَبَهُ مَوَالِيهِ عَلَى ثَلاَثِمِائَةِ وَدِيَّةٍ وَهُوَ صِغَارُ النَّخْل يَغْرِسُهَا لَهُمْ كُلَّهَا، تُعَلَّقُ وَتُطْعَمُ، وَعَلَى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَامَ ﷺ وَغَرَسَهَا لَهُ بِيَدِهِ، إِلاَّ وَاحِدَةً غَرَسَهَا غَيْرُهُ، فَأَخَذَتْ كُلُّهَا إِلاَّ تِلْكَ الْوَاحِدَةَ، فَقَلَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَرَدَّهَا فَأَخَذَتْ وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَطْعَمَ النَّخْل مِنْ عَامِهِ إِلاَّ الْوَاحِدَةَ، فَقَلَعَهَا رَسُول اللَّهِ стр. 5814
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَرَسَهَا فَأَطْعَمَتْ مِنْ عَامِهَا، وَأَعْطَاهُ مِثْل بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ، بَعْدَ أَنْ أَدَارَهَا عَلَى لِسَانِهِ، فَوَزَنَ مِنْهَا لِمَوَالِيهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةٍ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ مِثْل مَا أَعْطَاهُمْ. (١)
وَوَضَعَ يَدَهُ الشَّرِيفَةَ ﷺ عَلَى رَأْسِ حَنْظَلَةَ بْنِ حِذْيَمٍ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، فَكَانَ حَنْظَلَةُ يُؤْتَى بِالرَّجُل قَدْ وَرِمَ وَجْهُهُ، وَالشَّاةِ قَدْ وَرِمَ ضَرْعُهَا، فَيُوضَعُ عَلَى مَوْضِعِ كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ فَيَذْهَبُ الْوَرَمُ. (٢)
وَكَانَ يُؤْتَى إِلَيْهِ ﷺ بِالْمَرْضَى وَأَصْحَابِ الْعَاهَاتِ وَالْمَجَانِينِ فَيَمْسَحُ عَلَيْهِمْ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ فَيَزُول مَا بِهِمْ مِنْ مَرَضٍ وَجُنُونٍ وَعَاهَةٍ. (٣)
وَكَذَلِكَ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَكَانٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ، لِيَتَّخِذُوهُ مُصَلًّى لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَحْصُل لَهُمْ بَرَكَةُ النَّبِيِّ ﷺ . فَعَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - قَال: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ، وَكَانَ يَحُول بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتِ الأَْمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَل مَسْجِدِهِمْ، فَجِئْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ стр. 5815
فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيل إِذَا جَاءَتِ الأَْمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ، فَوَدِدْتُ أَنَّكُ تَأْتِي فَتُصَلِّي فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : سَأَفْعَل إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَغَدَا عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، وَاسْتَأْذَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَال: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. (١)
(٣) التَّبَرُّكُ بِمَاءِ زَمْزَمَ:
١٥ - ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ إِلَى سُنِّيَّةِ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَطْلُوبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ؛ لأَِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ. (٢)
(٤) التَّبَرُّكُ بِبَعْضِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمَاكِنِ فِي النِّكَاحِ:
١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى اسْتِحْبَابِ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِمَا، فَقَدْ قَال الرَّسُول ﷺ : أَعْلِنُوا هَذَا следующие страницы →