Полный текст (31 949 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
الْمَرْأَةُ مَا قَصَدَهُ فِي نَفْسِهِ، فَلَيْسَ نِكَاحَ مُتْعَةٍ. (١) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِكَرَاهَةِ هَذَا النِّكَاحِ الَّذِي أُضْمِرَ فِيهِ التَّأْقِيتُ؛ لأَِنَّ كُل مَا لَوْ صُرِّحَ بِهِ أُبْطِل يَكُونُ إِضْمَارُهُ مَكْرُوهًا عِنْدَهُمْ. (٢)
وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الأَْصْحَابُ: أَنَّ إِضْمَارَ التَّأْقِيتِ فِي النِّكَاحِ كَاشْتِرَاطِهِ، فَيَكُونُ شَبِيهًا بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ. (٣)
وَحَكَى صَاحِبُ الْفُرُوعِ عَنِ الشَّيْخِ ابْنِ قُدَامَةَ الْقَطْعَ بِصِحَّتِهِ مَعَ النِّيَّةِ. (٤)
وَجَاءَ فِي الْمُغْنِي أَيْضًا أَنَّهُ إِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ، إِلاَّ أَنَّ فِي نِيَّتِهِ طَلاَقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ إِذَا انْقَضَتْ حَاجَتُهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي قَوْل عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ إِلاَّ الأَْوْزَاعِيَّ، قَال: هُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَلاَ تَضُرُّ نِيَّتُهُ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُل أَنْ يَنْوِيَ حَبْسَ امْرَأَتِهِ، وَحَسْبُهُ إِنْ وَافَقَتْهُ وَإِلاَّ طَلَّقَهَا. (٥) . стр. 5742
ثَالِثًا: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تَكُونُ مُؤَقَّتَةً وَغَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ
الْمُرَادُ بِهَا تِلْكَ التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ يُفْسِدُهَا التَّأْقِيتُ، كَ الإِْيلاَءِ وَ الظِّهَارِ وَالْعَارِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - الإِْيلاَءُ:
١٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الإِْيلاَءَ قَدْ يَقَعُ مُؤَقَّتًا أَوْ مُطْلَقًا (١) . وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِيلاَءٌ) .
ب - الظِّهَارُ:
١٨ - الأَْصْل فِي الظِّهَارِ إِنْ أَطْلَقَهُ أَنْ يَقَعَ مُؤَبَّدًا، فَإِنْ أَقَّتَهُ كَأَنْ يُظَاهِرَ مِنْ زَوْجَتِهِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّهُ يَقَعُ مُؤَقَّتًا، وَلاَ يَكُونُ الْمُظَاهِرُ عَائِدًا إِلاَّ بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتِ الْمُدَّةُ سَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ، وَبَطَل الظِّهَارُ عَمَلاً بِالتَّأْقِيتِ؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَ صَادَفَ ذَلِكَ الزَّمَنَ دُونَ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْقَضِيَ بِانْقِضَائِهِ، стр. 5743
وَلأَِنَّ الظِّهَارَ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْل وَزُورٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ كَالظِّهَارِ الْمُعَلَّقِ. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي غَيْرِ الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ الظِّهَارَ لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ، فَإِنْ قَيَّدَهُ بِوَقْتٍ تَأَبَّدَ كَالطَّلاَقِ، فَيُلْغَى تَقْيِيدُهُ، وَيَصِيرُ مُظَاهِرًا أَبَدًا لِوُجُودِ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَهُمْ أَنَّ الظِّهَارَ الْمُؤَقَّتَ لَغْوٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُؤَبِّدِ التَّحْرِيمَ فَأَشْبَهَ مَا إِذَا شَبَّهَهَا بِامْرَأَةٍ لاَ تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيدِ. (٢)
ج - الْعَارِيَّةُ:
١٩ - الْعَارِيَّةُ الَّتِي هِيَ تَمْلِيكٌ لِلْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، إمَّا أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَتُسَمَّى حِينَئِذٍ الْعَارِيَّةَ الْمُقَيَّدَةَ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ، وَتُسَمَّى الْعَارِيَّةَ الْمُطْلَقَةَ، وَهِيَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، فَلِكُلٍّ مِنَ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ، مُطْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مُقَيَّدَةً، إِلاَّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَالإِْعَارَةِ لِلدَّفْنِ أَوِ الْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ. (٣) وَلِلتَّفْصِيل ر: (إِعَارَةٌ) . стр. 5744
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْعَارِيَّةَ إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِعَمَلٍ كَزِرَاعَةِ أَرْضٍ بَطْنًا (زَرْعَةً وَاحِدَةً) أَوْ بِوَقْتٍ كَسُكْنَى دَارٍ شَهْرًا مَثَلاً، فَإِنَّهَا تَكُونُ لاَزِمَةً إِلَى انْقِضَاءِ ذَلِكَ الْعَمَل أَوِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَيَّدَةً بِعَمَلٍ وَلاَ بِوَقْتٍ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةٍ يُنْتَفَعُ فِيهَا بِمِثْلِهَا عَادَةً؛ لأَِنَّ الْعَادَةَ كَالشَّرْطِ، فَإِنِ انْتَفَى الْمُعْتَادُ مَعَ عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِالْعَمَل أَوِ الْوَقْتِ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ أَنَّ لِلْمُعِيرِ الْخِيَارَ فِي تَسْلِيمِ ذَلِكَ أَوْ إِمْسَاكِهِ، وَإِنْ سَلَّمَ فَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ. (١)
د - الْكَفَالَةُ:
٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَأْقِيتِ الْكَفَالَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي غَيْرِ الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ - إِلَى جَوَازِ تَأْقِيتِهَا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ. وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ لِذَلِكَ فِي التَّوْقِيتِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْقِيتِ بِوَقْتٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةً غَيْرَ فَاحِشَةٍ، جَرَى الْعُرْفُ بَيْنَ стр. 5745
النَّاسِ عَلَى التَّوْقِيتِ بِهِ، كَوَقْتِ الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ الْمَجْهُول غَيْرَ مُتَعَارَفٍ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ، كَمَجِيءِ الْمَطَرِ وَهُبُوبِ الرِّيحِ، فَلاَ يَصِحُّ تَأْقِيتُ الْكَفَالَةِ بِهِ، وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ تَوْقِيتَ الْكَفَالَةِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، كَمَا نُقِل عَنِ ابْنِ يُونُسَ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ (الْكَفَالَةِ) أَنَّ الْحَمَالَةَ بِالْمَال الْمَجْهُول جَائِزَةٌ، فَكَذَا الْحَمَالَةُ بِهِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، وَالْحَنَابِلَةُ يُجِيزُونَ تَأْقِيتَ الْكَفَالَةِ وَلَوْ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لاَ يَمْنَعُ حُصُول الْمَقْصُودِ مِنْهَا كَوَقْتِ الْحَصَادِ وَالْجُذَاذِ؛ لأَِنَّهَا تَبَرُّعٌ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَتَصِحُّ كَالنَّذْرِ (١) . ر: (كَفَالَةٌ) .
هـ - الْمُضَارَبَةُ:
٢١ - يَجُوزُ تَأْقِيتُ الْمُضَارَبَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَامِل فِيهَا تَجَاوُزُ بَلَدٍ أَوْ سِلْعَةٍ أَوْ وَقْتٍ أَوْ شَخْصٍ عَيَّنَهُ الْمَالِكُ. (٢) وَالْحَنَابِلَةُ صَحَّحُوا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ بِأَنْ يَقُول стр. 5746
رَبُّ الْمَال: ضَارَبْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ سَنَةً، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَلاَ تَبِعْ وَلاَ تَشْتَرِ؛ لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ يَتَعَلَّقُ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ فَجَازَ تَوْقِيتُهُ بِالزَّمَانِ كَالْوَكَالَةِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُضَارَبَةَ لاَ تَقْبَل التَّأْقِيتَ؛ لأَِنَّهَا كَمَا قَال الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَتْ بِعَقْدٍ لاَزِمٍ، فَحُكْمُهَا أَنْ تَكُونَ إِلَى غَيْرِ أَجَلٍ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَرْكُهَا مَتَى شَاءَ. (٢)
وَلأَِنَّ تَأْقِيتَهَا - كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ - يُؤَدِّي إِلَى التَّضْيِيقِ عَلَى الْعَامِل فِي عَمَلِهِ، فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ فِي الْقِرَاضِ (الْمُضَارَبَةِ) بَيَانُ الْمُدَّةِ، فَلَوْ وَقَّتَ فَقَال: قَارَضْتُكَ سَنَةً، فَإِنْ مَنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ بَعْدَهَا مُطْلَقًا، أَوْ مِنَ الْبَيْعِ فَسَدَ؛ لأَِنَّهُ يُخِل بِالْمَقْصُودِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا أَنَّهُ إِنْ قَال: عَلَى أَلاَّ تَشْتَرِيَ بَعْدَ السَّنَةِ، وَلَكَ الْبَيْعُ، صَحَّ عَلَى الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَنْعِهِ مِنَ الشِّرَاءِ مَتَى شَاءَ، بِخِلاَفِ الْبَيْعِ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: قَارَضْتُكَ سَنَةً فَسَدَ عَلَى الأَْصَحِّ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ، وَيُحْمَل عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الشِّرَاءِ اسْتِدَامَةً لِلْعَقْدِ، وَلَوْ قَال: قَارَضْتُكَ سَنَةً عَلَى أَلاَّ أَمْلِكَ الْفَسْخَ قَبْل انْقِضَائِهَا فَسَدَ. (٣) стр. 5747
و - النَّذْرُ:
٢٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ لَزِمَهُ ذَلِكَ.، أَمَّا إِنْ لَمْ يُؤَقِّتْ، بَل قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا لَزِمَهُ، وَتَعْيِينُ وَقْتِ الأَْدَاءِ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَال. (١)
ز - الْوَقْفُ .
٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَأْقِيتِ الْوَقْفِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ - فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ - إِلَى أَنَّ الْوَقْفَ لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ مُؤَبَّدًا. (٢)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْوَجْهِ الآْخَرِ - إِلَى جَوَازِ تَأْقِيتِ الْوَقْفِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ التَّأْبِيدُ، أَيْ كَوْنُهُ مُؤَبَّدًا دَائِمًا بِدَوَامِ الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ، فَيَصِحُّ وَقْفُهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً ثُمَّ تُرْفَعُ وَقْفِيَّتُهُ، وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِكُل مَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَوْقُوفِ (٣) стр. 5748
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ وَالْخِلاَفُ فِيهِ فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْفٌ) .
ح - الْوَكَالَةُ:
٢٤ - يَصِحُّ تَأْقِيتُ الْوَكَالَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. فَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ الْيَوْمَ فَفَعَل ذَلِكَ فِي الْغَدِ، فَفِي صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ، وَرُجِّحَ عَدَمُ الصِّحَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْيَوْمِ لِلتَّوْقِيتِ. (١)
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَبِيعَ هَذِهِ الدَّارَ غَدًا، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ وَكِيلاً قَبْل الْغَدِ. (٢)
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْوَكِيل إِذَا خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْمُوَكِّل، بِأَنْ بَاعَ أَوِ اشْتَرَى قَبْل أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ الْمُوَكِّل، فَلِلْمُوَكِّل الْخِيَارُ فِي قَبُول ذَلِكَ أَوْ عَدَمِ قَبُولِهِ. (٣)
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْوَكِيل التَّصَرُّفُ بَعْدَ انْتِهَاءِ وَقْتِ الْوَكَالَةِ (٤) ر: (وَكَالَةٌ) . стр. 5749
ط - الْيَمِينُ:
٢٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ، وَتَأْقِيتُهَا تَارَةً يَكُونُ بِأَلْفَاظِ التَّأْقِيتِ مِثْل (مَا دَامَ) (وَمَا لَمْ) (وَحَتَّى) (وَأَنَّى) وَنَحْوِهَا، وَتَارَةً يَكُونُ بِالتَّقْيِيدِ بِوَقْتٍ كَشَهْرٍ وَيَوْمٍ، فَمَنْ حَلَفَ أَلاَّ يَفْعَل شَيْئًا، وَحَدَّدَ وَقْتًا مُعَيَّنًا لِذَلِكَ، اُخْتُصَّتْ يَمِينُهُ بِمَا حَدَّدَهُ. (١) وَيُرْجَعُ لِلتَّفْصِيل إِلَى بَحْثِ (الأَْيْمَانِ) . стр. 5750
تَأْكِيدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّأْكِيدُ لُغَةً: التَّوْثِيقُ وَالإِْحْكَامُ وَالتَّقْوِيَةُ، يُقَال: أَكَّدَ الْعَهْدَ إِذَا وَثَّقَهُ وَأَحْكَمَهُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: جَعْل الشَّيْءِ مُقَرَّرًا ثَابِتًا فِي ذِهْنِ الْمُخَاطَبِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّأْسِيسُ:
٢ - التَّأْسِيسُ عِبَارَةٌ عَنْ إِفَادَةِ مَعْنًى جَدِيدٍ لَمْ يَكُنْ حَاصِلاً قَبْلَهُ، فَالتَّأْسِيسُ عَلَى هَذَا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ؛ لأَِنَّ حَمْل الْكَلاَمِ عَلَى الإِْفَادَةِ خَيْرٌ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الإِْعَادَةِ، وَإِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَهُمَا تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى التَّأْسِيسِ، وَلِذَا لَوْ قَال شَخْصٌ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَالأَْصَحُّ الْحَمْل عَلَى الاِسْتِئْنَافِ (أَيِ التَّأْسِيسِ) لاَ التَّأْكِيدِ. فَإِنْ قَال: أَرَدْتُ التَّأْكِيدَ بِذَلِكَ صُدِّقَ. стр. 5751
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ عَنِ الزَّيْلَعِيِّ - صُدِّقَ دِيَانَةً لاَ قَضَاءً (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - التَّأْكِيدُ جَائِزٌ فِي الأَْحْكَامِ لِتَقْوِيَتِهَا وَتَرْجِيحِهَا عَلَى غَيْرِهَا، حَيْثُ يُرَجَّحُ الْمُؤَكَّدُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ غَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ؛ لاِحْتِمَال تَأْوِيل غَيْرِ الْمُؤَكَّدِ، بِخِلاَفِ الْمُؤَكَّدِ، فَإِنَّهُ لاَ يَحْتَمِلُهُ، كَمَا يَمْنَعُ نَقْضَهَا إِلاَّ بِشَرْطِهِ. (٢) مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا الأَْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٣) .
تَأْكِيدُ الأَْقْوَال:
٤ - تُؤَكَّدُ الأَْقْوَال فَتُرَجَّحُ عَلَى غَيْرِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ تَأْكِيدُ الشَّهَادَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤) . وَقَدْ يَأْخُذُ التَّأْكِيدُ أَحْكَامًا مُعَيَّنَةً، كَتَأْكِيدِ الطَّلاَقِ، فَإِنَّهُ يُضَمُّ الْمُتَفَرِّقُ مِنْهُ لِيُجْعَل حُكْمُهُ وَاحِدًا، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي الطَّلاَقِ، وَفِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَانٌ) .
التَّأْكِيدُ بِالأَْفْعَال:
٥ - مِنْ ذَلِكَ تَأْكِيدُ الثَّمَنِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ بِقَبْضِ стр. 5752
الْمَبِيعِ؛ لأَِنَّ الْمَبِيعَ رُبَّمَا هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْل التَّسْلِيمِ فَيَسْقُطُ الثَّمَنُ، وَتَأْكِيدُ الْمَهْرِ بِالدُّخُول، وَتَأْكِيدُ الأَْحْكَامِ بِالتَّنْفِيذِ (١) . وَتَفْصِيل مَا أُجْمِل فِي هَذَا الْبَحْثِ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
تَأْمِيمٌ
اُنْظُرْ: مُصَادَرَةٌ.
تَأْمِينٌ
اُنْظُرْ: أَمِينٌ، مُسْتَأْمَنٌ.
تَأْمِينُ الدُّعَاءِ
اُنْظُرْ: آمِينَ. стр. 5753
تَأْوِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّأْوِيل: مَصْدَرُ أَوَّل، وَأَصْل الْفِعْل: آل الشَّيْءُ يَئُول أَوْلاً: إِذَا رَجَعَ، تَقُول: آل الأَْمْرُ إِلَى كَذَا، أَيْ رَجَعَ إِلَيْهِ. وَمَعْنَاهُ: تَفْسِيرُ مَا يَئُول إِلَيْهِ الشَّيْءُ، وَمَصِيرُهُ. (١) وَفِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ، التَّأْوِيل: صَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ إِلَى مَعْنًى مَرْجُوحٍ، لاِعْتِضَادِهِ بِدَلِيلٍ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنَ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّفْسِيرُ:
٢ - التَّفْسِيرُ لُغَةً: الْبَيَانُ، وَكَشْفُ الْمُرَادِ مِنَ اللَّفْظِ الْمُشْكِل. стр. 5754
وَفِي الشَّرْعِ: تَوْضِيحُ مَعْنَى الآْيَةِ، وَشَأْنِهَا، وَقِصَّتِهَا، وَالسَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ بِلَفْظٍ يَدُل عَلَيْهِ دَلاَلَةً ظَاهِرَةً، وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ التَّأْوِيل: بَيَانُ أَحَدِ مُحْتَمَلاَتِ اللَّفْظِ، وَالتَّفْسِيرَ: بَيَانُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ. (١)
وَقَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَطَائِفَةٌ: التَّفْسِيرُ وَالتَّأْوِيل بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَال الرَّاغِبُ: التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنَ التَّأْوِيل، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الأَْلْفَاظِ وَمُفْرَدَاتِهَا، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَال التَّأْوِيل فِي الْمَعَانِي وَالْجُمَل. وَكَثِيرًا مَا يُسْتَعْمَل فِي الْكُتُبِ الإِْلَهِيَّةِ، وَالتَّفْسِيرُ يُسْتَعْمَل فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا. وَقَال غَيْرُهُ: التَّفْسِيرُ: بَيَانُ لَفْظٍ لاَ يَحْتَمِل إِلاَّ وَجْهًا وَاحِدًا. وَالتَّأْوِيل: تَوْجِيهُ لَفْظٍ مُتَوَجِّهٍ إِلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَا ظَهَرَ مِنَ الأَْدِلَّةِ. وَقَال أَبُو طَالِبٍ الثَّعْلَبِيُّ: التَّفْسِيرُ: بَيَانُ وَضْعِ اللَّفْظِ إِمَّا حَقِيقَةً، أَوْ مَجَازًا، كَتَفْسِيرِ (الصِّرَاطِ) بِالطَّرِيقِ، وَ (الصَّيِّبِ) بِالْمَطَرِ. وَالتَّأْوِيل: تَفْسِيرُ بَاطِنِ اللَّفْظِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الأَْوْل وَهُوَ الرُّجُوعُ لِعَاقِبَةِ الأَْمْرِ. فَالتَّأْوِيل: إِخْبَارٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُرَادِ، وَالتَّفْسِيرُ إِخْبَارٌ عَنْ стр. 5755
دَلِيل الْمُرَادِ؛ لأَِنَّ اللَّفْظَ يَكْشِفُ عَنِ الْمُرَادِ، وَالْكَاشِفُ دَلِيلٌ (١) .
ب - الْبَيَانُ:
٣ - الْبَيَانُ لُغَةً: الإِْظْهَارُ وَالإِْيضَاحُ وَالاِنْكِشَافُ، وَمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الشَّيْءُ مِنَ الدَّلاَلَةِ وَغَيْرِهَا. (٢) وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَهُوَ إِظْهَارُ الْمَعْنَى وَإِيضَاحُهُ لِلْمُخَاطَبِ. (٣) وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّأْوِيل وَالْبَيَانِ: أَنَّ التَّأْوِيل مَا يُذْكَرُ فِي كَلاَمٍ لاَ يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى مُحَصَّلٌ فِي أَوَّل وَهْلَةٍ لِيُفْهَمَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ. وَالْبَيَانُ مَا يُذْكَرُ فِيمَا يُفْهِمُ ذَلِكَ بِنَوْعِ خَفَاءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَعْضِ (٤) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ بِاخْتِلاَفِ مَا يَدْخُلُهُ التَّأْوِيل، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
٤ - أَوَّلاً: بِالنِّسْبَةِ لِلنُّصُوصِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَقَائِدِ، стр. 5756
وَأُصُول الدِّيَانَاتِ، وَصِفَاتِ الْبَارِي ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْقِسْمِ عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ مَدْخَل لِلتَّأْوِيل فِيهَا، بَل تَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهَا، وَلاَ يُؤَوَّل شَيْءٌ مِنْهَا. وَهَذَا قَوْل الْمُشَبِّهَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ لَهَا تَأْوِيلاً، وَلَكِنَّا نُمْسِكُ عَنْهُ، مَعَ تَنْزِيهِ اعْتِقَادِنَا عَنِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (١) ، قَال ابْنُ بُرْهَانٍ: وَهَذَا قَوْل السَّلَفِ.
وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ وَالْمَنْهَجُ الْمَصْحُوبُ بِالسَّلاَمَةِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي مَهَاوِي التَّأْوِيل، وَكَفَى بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ قُدْوَةً لِمَنْ أَرَادَ الاِقْتِدَاءَ، وَأُسْوَةً لِمَنْ أَحَبَّ التَّأَسِّيَ، عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ وُرُودِ الدَّلِيل الْقَاضِي بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ وَهُوَ قَائِمٌ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؟
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا مُؤَوَّلَةٌ. قَال ابْنُ بُرْهَانٍ: وَالأَْوَّل مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ بَاطِلٌ، وَالآْخَرَانِ مَنْقُولاَنِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَنُقِل هَذَا الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ. وَقَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الأَْلْفَاظِ الْمُشْكِلَةِ: إِنَّهَا حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَعَلَى стр. 5757
الْوَجْهِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَوَّل شَيْئًا مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ قَرِيبًا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ لِسَانُ الْعَرَبِ وَيَفْهَمُونَهُ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ لَمْ نُنْكِرْ عَلَيْهِ وَلَمْ نُبَدِّعْهُ، وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ بَعِيدًا تَوَقَّفْنَا عَلَيْهِ وَاسْتَبْعَدْنَاهُ وَرَجَعْنَا إِلَى الْقَاعِدَةِ فِي الإِْيمَانِ بِمَعْنَاهُ مَعَ التَّنْزِيهِ. (١) وَفِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ، قَال الْجُوَيْنِيُّ: ذَهَبَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ إِلَى الاِنْكِفَافِ عَنِ التَّأْوِيل، وَإِجْرَاءِ الظَّوَاهِرِ عَلَى مَوَارِدِهَا، وَتَفْوِيضِ مَعَانِيهَا إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى، وَالَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأْيًا وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ عَقْدُ اتِّبَاعِ سَلَفِ الأُْمَّةِ، فَحُقَّ عَلَى ذِي الدِّينِ أَنْ يَعْتَقِدَ تَنْزِيهَ الْبَارِي عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ، وَلاَ يَخُوضَ فِي تَأْوِيل الْمُشْكِلاَتِ، وَيَكِل مَعْنَاهَا إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى. (٢)
٥ - ثَانِيًا: النُّصُوصُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْفُرُوعِ، وَهَذِهِ لاَ خِلاَفَ فِي دُخُول التَّأْوِيل فِيهَا. وَالتَّأْوِيل فِي النُّصُوصِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الاِسْتِنْبَاطِ، وَهُوَ قَدْ يَكُونُ تَأْوِيلاً صَحِيحًا، وَقَدْ يَكُونُ تَأْوِيلاً فَاسِدًا. فَيَكُونُ صَحِيحًا إِذَا كَانَ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ، مِنَ الْمُوَافَقَةِ لِوَضْعِ اللُّغَةِ، أَوْ عُرْفِ الاِسْتِعْمَال، وَمِنْ قِيَامِ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي حُمِل عَلَيْهِ، وَمِنْ كَوْنِ الْمُتَأَوِّل أَهْلاً لِذَلِكَ. стр. 5758
وَيَتَّفِقُ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَبُول الْعَمَل بِالتَّأْوِيل الصَّحِيحِ مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي طُرُقِهِ وَمَوَاضِعِهِ، وَمَا يُعْتَبَرُ قَرِيبًا، وَمَا يُعْتَبَرُ بَعِيدًا. يَقُول الآْمِدِيُّ: التَّأْوِيل مَقْبُولٌ مَعْمُولٌ بِهِ إِذَا تَحَقَّقَ بِشُرُوطِهِ، وَلَمْ يَزَل عُلَمَاءُ الأَْمْصَارِ فِي كُل عَصْرٍ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى زَمَنِنَا عَامِلِينَ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ (١) . وَفِي الْبُرْهَانِ: تَأْوِيل الظَّاهِرِ عَلَى الْجُمْلَةِ مُسَوِّغٌ إِذَا اُسْتُجْمِعَتِ الشَّرَائِطُ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَصْل التَّأْوِيل ذُو مَذْهَبٍ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي التَّفَاصِيل. (٢)
وَعَلَى أَيِّ حَالٍ فَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فِي كُل مَسْأَلَةٍ، وَعَلَيْهِ اتِّبَاعُ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ كَمَا يَقُول الآْمِدِيُّ (٣) .
وَيَقُول الْغَزَالِيُّ: مَهْمَا كَانَ الاِحْتِمَال قَرِيبًا، وَكَانَ الدَّلِيل أَيْضًا قَرِيبًا، وَجَبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ التَّرْجِيحُ، وَالْمَصِيرُ إِلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ، فَلَيْسَ كُل تَأْوِيلٍ مَقْبُولاً بِوَسِيلَةِ كُل دَلِيلٍ، بَل ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَلاَ يَدْخُل تَحْتَ ضَبْطٍ. (٤)
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: لِكُل مَسْأَلَةٍ ذَوْقٌ يَجِبُ أَنْ تُفْرَدَ بِنَظَرٍ خَاصٍّ. (٥) стр. 5759
هَذَا، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الأُْصُول أَمْثِلَةٌ لِلْمَسَائِل الْفَرْعِيَّةِ الَّتِي اُسْتُنْبِطَتْ أَحْكَامُهَا عَنْ طَرِيقِ تَأْوِيل النُّصُوصِ، مَعَ بَيَانِ وُجْهَةِ نَظَرِ الَّذِينَ نَحَوْا هَذَا الْمَنْحَى وَالَّذِينَ عَارَضُوهُمْ.
أَثَرُ التَّأْوِيل:
٦ - لِلتَّأْوِيل أَثَرٌ ظَاهِرٌ فِي الْمَسَائِل الْفَرْعِيَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنَ النُّصُوصِ، إِذْ هُوَ سَبَبُ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي أَحْكَامِ هَذِهِ الْمَسَائِل. وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، أَنَّ الْعَمَل بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ لاَ يُنْكَرُ عَلَى صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْخِلاَفُ شَاذًّا، لَكِنَّ الأَْفْضَل مُرَاعَاةُ الْخِلاَفِ، وَذَلِكَ بِتَرْكِ مَا هُوَ جَائِزٌ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ غَيْرُهُ يَرَاهُ حَرَامًا، وَبِفِعْل مَا هُوَ مُبَاحٌ إِذَا كَانَ غَيْرُهُ يَرَاهُ وَاجِبًا. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اخْتِلاَفٌ) . وَنَذْكُرُ هُنَا بَعْضَ الآْثَارِ الْعَمَلِيَّةِ لِلتَّأْوِيل مِنْ خِلاَل بَعْضِ الْمَسَائِل:
٧ - أَوَّلاً: أَمْثِلَةٌ لِلتَّأْوِيل الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ:
أ - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ كُل مَنْ ثَبَتَتْ إِمَامَتُهُ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ، وَحَرُمَ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِلنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ طَائِفَةٍ عَلَى
стр. 5760
الإِْمَامِ بِتَأْوِيلٍ يُبِيحُ لَهُمْ ذَلِكَ فِي نَظَرِهِمْ يُعْتَبَرُ بَغْيًا لِفَسَادِ تَأْوِيلِهِمْ. وَيَجِبُ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَالدُّخُول فِي الْجَمَاعَةِ وَكَشْفِ شُبَهِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا وَجَبَ قِتَالُهُمْ كَمَا فَعَل عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَعَ الْخَوَارِجِ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (بُغَاةٌ) .
ب - وُجُوبُ الزَّكَاةِ أَمْرٌ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، وَالتَّأْوِيل فِي مَنْعِ أَدَائِهَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ.، وَيَجِبُ حَمْل الْمَانِعِينَ عَلَى أَدَائِهَا بِالْقُوَّةِ، وَقَدْ فَعَل ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَعَ مَانِعِي الزَّكَاةِ الَّذِينَ تَأَوَّلُوا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَل عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) فَقَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يَتَأَتَّى لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى قِيَامِ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ (٢) . وَالتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي (الزَّكَاةُ) .
ج - حُرْمَةُ شُرْبِ الْخَمْرِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، وَالتَّأْوِيل لاِسْتِحْلاَل شُرْبِهَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ، وَيَجِبُ تَوْقِيعُ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِهَا الْمُتَأَوِّل. وَقَدْ حَدَثَ أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ стр. 5761
الْخَمْرَ (١) ، فَقَال لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَال: إِنَّ اللَّهَ يَقُول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) وَإِنِّي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَهْل بَدْرٍ وَأُحُدٍ، فَطَلَبَ عُمَرُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْ يُجِيبُوهُ، فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: " إِنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عُذْرًا لِلْمَاضِينَ لِمَنْ شَرِبَهَا قَبْل أَنْ تَحْرُمَ، وَأَنْزَل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٣) حُجَّةٌ عَلَى النَّاسِ. وَقَال لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ أَخْطَأْتَ التَّأْوِيل يَا قُدَامَةُ، إِذَا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ (٤) .
٨ - ثَانِيًا: تَأْوِيلٌ مُتَّفَقٌ عَلَى قَبُولِهِ:
وَذَلِكَ مِثْل التَّأَوُّل فِي الْيَمِينِ إِذَا كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: مَنْ حَلَفَ فَتَأَوَّل فِي يَمِينِهِ فَلَهُ تَأْوِيلُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ. وَلاَ يَخْلُو حَال الْحَالِفِ الْمُتَأَوِّل مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا، مِثْل مَنْ стр. 5762
يَسْتَحْلِفُهُ ظَالِمٌ عَلَى شَيْءٍ لَوْ صَدَّقَهُ لَظَلَمَهُ، أَوْ ظَلَمَ غَيْرَهُ، أَوْ نَال مُسْلِمًا مِنْهُ ضَرَرٌ، فَهَذَا لَهُ تَأْوِيلُهُ.
ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ ظَالِمًا كَاَلَّذِي يَسْتَحْلِفُهُ الْحَاكِمُ عَلَى حَقٍّ عِنْدَهُ، فَهَذَا تَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَحْلِفُ وَلاَ يَنْفَعُ الْحَالِفَ تَأْوِيلُهُ، وَلاَ نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ " قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ (١) وَلأَِنَّهُ لَوْ سَاغَ التَّأْوِيل لَبَطَل الْمَعْنَى الْمُبْتَغَى بِالْيَمِينِ.
ثَالِثُهَا: أَلاَّ يَكُونَ ظَالِمًا وَلاَ مَظْلُومًا، فَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّ لَهُ تَأْوِيلَهُ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ. وَالْمَذَاهِبُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَظْلُومَ إِذَا تَأَوَّل فِي يَمِينِهِ فَلَهُ تَأْوِيلُهُ. (٢) (ر: أَيْمَانٌ) .
٩ - ثَالِثًا: هُنَاكَ مِنَ التَّأْوِيلاَتِ مَا اعْتَبَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَرِيبًا، فَأَصْبَحَ دَلِيلاً فِي اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ، فِي حِينِ اعْتَبَرَهُ الْبَعْضُ الآْخَرُ بَعِيدًا، فَلاَ يَصْلُحُ دَلِيلاً.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ، وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالأَْكْل أَوِ الْجِمَاعِ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ стр. 5763
وَالْمَالِكِيَّةِ، وَبِالْجِمَاعِ فَقَطْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ رَأَى هِلاَل رَمَضَانَ وَحْدَهُ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَإِنْ ظَنَّ إِبَاحَةَ الْفِطْرِ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ فَأَفْطَرَ بِمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لاِنْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ، أَمَّا ظَنُّ الإِْبَاحَةِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ فَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لِمُخَالَفَتِهِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) ، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ (٢) - وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ، إِذْ رَدُّ الشَّهَادَةِ يُعْتَبَرُ تَأْوِيلاً قَرِيبًا فِي ظَنِّ الإِْبَاحَةِ. (٣) وَمِثْل هَذِهِ الاِخْتِلاَفَاتِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، بَل بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ كَثِيرَةٌ فِي الْمَسَائِل الْفَرْعِيَّةِ. فَالْحَنَفِيَّةُ مَثَلاً لاَ يُوجِبُونَ الزَّكَاةَ فِي مَال الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَيُنْتَقَضُ عِنْدَهُمُ الْوُضُوءُ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلاَةِ، خِلاَفًا لِبَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. стр. 5764
وَالْمَعْرُوفُ كَمَا سَبَقَ أَنَّهُ لاَ يُنْكَرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ. وَتَفْصِيل مَا أُجْمِل هُنَا مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
تَابِعٌ
اُنْظُرْ: تَبَعِيَّةٌ.
تَابُوتٌ
اُنْظُرْ: جَنَائِزُ.
تَارِيخٌ
اُنْظُرْ: تَأْرِيخٌ.
стр. 5765
تَاسُوعَاءُ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّاسُوعَاءُ: هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ (١) اسْتِدْلاَلاً بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ صَامَ عَاشُورَاءَ ، فَقِيل لَهُ: إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى تُعَظِّمُهُ، فَقَال: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِل إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - عَاشُورَاءُ: وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ: الْعَاشِرِ стр. 5766
مِنَ الْمُحَرَّمِ (١) وَأَنَّ صَوْمَهُ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَسْنُونٌ. (٢) فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ سُئِل عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَال: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ (٣)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - صَوْمُ يَوْمِ تَاسُوعَاءَ مَسْنُونٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ، كَصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَذَكَرُوا أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى تَصُومُهُ. فَقَال ﷺ إِنَّهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِل يَصُومُ التَّاسِعَ (٤) إِلاَّ أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ آكَدُ فِي الاِسْتِحْبَابِ؛ لأَِنَّهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ. وَصِيَامُ يَوْمِ стр. 5767
عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (١) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِل إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: " فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِل حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) وَتَكْفِيرُ سَنَةٍ: أَيْ ذُنُوبِ سَنَةٍ مِنَ الصَّغَائِرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَغَائِرُ خُفِّفَ مِنْ كَبَائِرِ السَّنَةِ، وَذَلِكَ التَّخْفِيفُ مَوْكُولٌ لِفَضْل اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَبَائِرُ رُفِعَ لَهُ دَرَجَاتٍ. وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُول فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ: خَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ (٣)
٤ - وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي حِكْمَةِ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ يَوْمِ تَاسُوعَاءَ أَوْجُهًا:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الإِْمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال стр. 5768
رَسُول اللَّهِ: ﷺ صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا الْيَهُودَ، وَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا وَبَعْدَهُ يَوْمًا (١)
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَصْل يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمٍ.
الثَّالِثُ: الاِحْتِيَاطُ فِي صَوْمِ الْعَاشِرِ خَشْيَةَ نَقْصِ الْهِلاَل وَوُقُوعِ غَلَطٍ، فَيَكُونُ التَّاسِعُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْعَاشِرَ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ (٢) وَلِلْمَزِيدِ مِنَ التَّفْصِيل فِي ذَلِكَ ر: (صَوْمُ التَّطَوُّعِ) .
تَبَخْتُرٌ
اُنْظُرِ: اخْتِيَالٌ. стр. 5769
تَبْدِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - تَبْدِيل الشَّيْءِ لُغَةً: تَغْيِيرُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَدَلِهِ. يُقَال: بَدَّلْتُ الشَّيْءَ تَبْدِيلاً بِمَعْنَى غَيَّرْتُهُ تَغْيِيرًا. وَالأَْصْل فِي التَّبْدِيل: تَغْيِيرُ الشَّيْءِ عَنْ حَالِهِ، وَقَوْلُهُ : ﴿يَوْمَ تُبَدَّل الأَْرْضُ غَيْرَ الأَْرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (١) قَال الزَّجَّاجُ: تَبْدِيلُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: تَسْيِيرُ جِبَالِهَا، وَتَفْجِيرُ بِحَارِهَا، وَجَعْلُهَا مُسْتَوِيَةً لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ أَمْتًا. وَتَبْدِيل السَّمَاوَاتِ: انْتِشَارُ كَوَاكِبِهَا وَانْفِطَارُهَا وَانْشِقَاقُهَا وَتَكْوِيرُ شَمْسِهَا وَخُسُوفُ قَمَرِهَا. (٢)
وَمَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ، كَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ النَّسْخُ: وَهُوَ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ. (٣)
وَيُطْلَقُ التَّبْدِيل عَلَى الاِسْتِبْدَال فِي الْوَقْفِ بِمَعْنَى: بَيْعِ الْمَوْقُوفِ عَقَارًا كَانَ أَوْ مَنْقُولاً، وَشِرَاءِ عَيْنٍ بِمَال الْبَدَل لِتَكُونَ مَوْقُوفَةً مَكَانَ الْعَيْنِ стр. 5770
الَّتِي بِيعَتْ، أَوْ مُقَايَضَةِ عَيْنِ الْوَقْفِ بِعَيْنٍ أُخْرَى. وَيَدُل كَلاَمُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ بَيَانَ التَّغْيِيرِ مِثْل تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ، وَبَيَانُ التَّبْدِيل مِثْل النَّسْخِ أَيْ رَفْعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ أَوَّلاً بِنَصٍّ مُتَأَخِّرٍ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
لِلتَّبْدِيل أَحْكَامٌ تَعْتَرِيهِ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهِ:
٢ - التَّبْدِيل فِي الْوَقْفِ:
أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ لِلْوَاقِفِ اشْتِرَاطَ الإِْدْخَال وَالإِْخْرَاجِ فِي وَقْفِهِ، كَمَا أَجَازَ لَهُ مُتَأَخِّرُوهُمْ مَا عُرِفَ بِالشُّرُوطِ الْعَشَرَةِ، وَهِيَ الإِْعْطَاءُ، وَالْحِرْمَانُ، وَالإِْدْخَال، وَالإِْخْرَاجُ، وَالزِّيَادَةُ، وَالنُّقْصَانُ، وَالتَّغْيِيرُ، وَالإِْبْدَال، وَالاِسْتِبْدَال، وَالْبَدَل أَوِ التَّبَادُل. (٢) وَخَالَفَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ. فَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ اشْتِرَاطَ الْوَاقِفِ الرُّجُوعَ مَتَى شَاءَ، أَوِ الْحِرْمَانَ، أَوْ تَحْوِيل الْحَقِّ إِلَى غَيْرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَتَى شَاءَ اشْتِرَاطًا فَاسِدًا، وَأَجَازُوا لَهُ التَّغْيِيرَ إِنْ كَانَ قَدْرَ الْمَصْلَحَةِ (٣) وَلَمْ يُجِزْهُ الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ؛ لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ. (٤) стр. 5771
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) شَرْطُ الْوَاقِفِ.
التَّبْدِيل فِي الْبَيْعِ:
وَمِنَ التَّبْدِيل الْبَيْعُ؛ لأَِنَّهُ تَبْدِيل مُتَقَوِّمٍ بِمُتَقَوِّمٍ. وَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - التَّبْدِيل فِي الصَّرْفِ:
٣ - وَهُوَ بَيْعُ جِنْسِ الأَْثْمَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَضْرُوبُهَا وَمَصُوغُهَا وَتِبْرُهَا. فَإِنْ بَاعَ فِضَّةً بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبًا بِذَهَبٍ، جَازَ مَتَى كَانَ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَيَدًا بِيَدٍ، (١) وَالأَْصْل فِيهِ مَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلاً بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (٢) وَلأَِنَّهُمَا جِنْسَانِ فَجَازَ التَّفَاضُل فِيهِمَا، كَمَا لَوْ تَبَاعَدَتْ مَنَافِعُهُمَا.
ب - تَبْدِيل أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ بَعْدَ تَعَيُّنِهِ فِي الْعَقْدِ:
٤ - إِذَا تَعَيَّنَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي الْعَقْدِ فَلاَ يَجُوزُ стр. 5772
تَبْدِيلُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَبِيعُ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ، أَمَّا الثَّمَنُ فَلاَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، إِلاَّ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ.، كَمَا تَتَعَيَّنُ الأَْثْمَانُ فِي الإِْيدَاعِ، فَلاَ يَجُوزُ تَبْدِيلُهَا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَعْيِينٌ) وَفِي (الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ) .
تَبْدِيل الدِّينِ:
٥ - إِنْ كَانَ التَّبْدِيل مِنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالرِّدَّةِ، فَإِنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَتَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّةٌ) .
أَمَّا إِنْ كَانَ تَبْدِيل الدِّينِ مِنْ دِينٍ غَيْرِ الإِْسْلاَمِ إِلَى دِينٍ آخَرَ غَيْرِ الإِْسْلاَمِ أَيْضًا، كَمَا لَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِقْرَارِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ غَيْرُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَل إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ.
وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ أَحْدَثَ دِينًا بَاطِلاً بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِبُطْلاَنِهِ، فَلاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ، كَمَا لَوِ ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ. فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً لَمْ تَحِل لِمُسْلِمٍ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقَرُّ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً لِمُسْلِمٍ فَتَهَوَّدَتْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً فَهِيَ كَالْمُرْتَدَّةِ، فَإِنْ كَانَ التَّهَوُّدُ أَوِ التَّنَصُّرُ قَبْل الدُّخُول تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ تَوَقَّفَتْ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ،
стр. 5773
وَلاَ يُقْبَل مِنْهَا إِلاَّ الإِْسْلاَمُ؛ لأَِنَّهَا أَقَرَّتْ بِبُطْلاَنِ مَا انْتَقَلَتْ عَنْهُ وَكَانَتْ مُقِرَّةً بِبُطْلاَنِ الْمُنْتَقَل إِلَيْهِ، وَلَوِ انْتَقَل يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إِلَى دِينٍ غَيْرِ كِتَابِيٍّ لَمْ يُقَرَّ، وَفِيمَا يُطْلَبُ مِنْهُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الاِسْتِتَابَةِ قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا: الإِْسْلاَمُ فَقَطْ، وَالثَّانِي: هُوَ أَوْ دِينُهُ الأَْوَّل، وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ: هُمَا أَوِ الدِّينُ الْمُسَاوِي لِدِينِهِ السَّابِقِ، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً تَحْتَ مُسْلِمٍ تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ قَبْل الدُّخُول، وَتَوَقَّفَتْ بَعْدَهُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَلَوْ تَهَوَّدَ وَثَنِيٌّ أَوْ تَنَصَّرَ لَمْ يُقَرَّ لاِنْتِقَالِهِ عَمَّا لاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ إِلَى بَاطِلٍ، وَالْبَاطِل لاَ يُفِيدُ فَضِيلَةَ الإِْقْرَارِ، وَيَتَعَيَّنُ الإِْسْلاَمُ، كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ، فَإِنْ أَبَى قُتِل. (١)
تَبْدِيل الشَّهَادَةِ فِي اللِّعَانِ:
٦ - لَوْ أَبْدَل أَحَدُ الْمُتَلاَعِنَيْنِ لَفْظَةَ أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ أُولِي، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ؛ لأَِنَّ اللِّعَانَ يُقْصَدُ فِيهِ التَّغْلِيظُ، وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ أَبْلَغُ فِيهِ، وَلَوْ أَبْدَل لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالإِْبْعَادِ، أَوْ أَبْدَلَهَا (أَيْ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ) بِالْغَضَبِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، أَوْ أَبْدَلَتِ الْمَرْأَةُ لَفْظَةَ الْغَضَبِ بِالسَّخَطِ، أَوْ قَدَّمَتِ الْغَضَبَ فِيمَا قَبْل الْخَامِسَةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، أَوْ أَبْدَلَتْهُ أَيِ الْغَضَبَ بِاللَّعْنَةِ أَوْ قَدَّمَ الرَّجُل اللَّعْنَةَ فِيمَا قَبْل الْخَامِسَةِ لَمْ стр. 5774
يُعْتَدَّ بِهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَنْصُوصَ. (١) وَالأَْصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ . (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (لِعَانٌ) .
تَبْدِيل الزَّكَاةِ:
٧ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَبْدِيل الزَّكَاةِ بِدَفْعِ قِيمَتِهَا بَدَلاً مِنْ أَعْيَانِهَا، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِهِ، إِذْ دَفْعُ الْقِيمَةِ عِنْدَهُمْ أَفْضَل مِنْ دَفْعِ الْعَيْنِ؛ لأَِنَّ الْعِلَّةَ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْقِيمَةِ كَوْنُهَا أَعْوَنَ عَلَى دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ؛ لاِحْتِمَال أَنَّهُ يَحْتَاجُ غَيْرَ الْحِنْطَةِ مَثَلاً مِنْ ثِيَابٍ وَنَحْوِهَا، بِخِلاَفِ دَفْعِ الْعُرُوضِ، وَهَذَا فِي السَّعَةِ، أَمَّا فِي الشِّدَّةِ فَدَفْعُ الْعَيْنِ أَفْضَل. (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (زَكَاةِ الْفِطْرِ) . стр. 5775
تَبَذُّلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - لِلتَّبَذُّل فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ: مِنْهَا: تَرْكُ التَّزَيُّنِ، وَالتَّهَيُّؤِ بِالْهَيْئَةِ الْحَسَنَةِ الْجَمِيلَةِ عَلَى جِهَةِ التَّوَاضُعِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ: فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً وَفِي رِوَايَةٍ مُبْتَذَلَةً. (١) وَالْمِبْذَل وَالْمِبْذَلَةُ: الثَّوْبُ الْخَلِقُ. وَالْمُتَبَذِّل: لاَبِسُهُ. وَفِي حَدِيثِ الاِسْتِسْقَاءِ فَخَرَجَ مُتَبَذِّلاً مُتَخَضِّعًا، (٢) وَفِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ. الْبِذْلَةُ وَالْمِبْذَلَةُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا: مَا يُمْتَهَنُ مِنَ الثِّيَابِ. وَابْتِذَال الثَّوْبِ وَغَيْرِهِ: امْتِهَانُهُ. وَمِنْ مَعَانِي التَّبَذُّل أَيْضًا: تَرْكُ التَّصَاوُنِ. (٣) وَالتَّبَذُّل فِي الاِصْطِلاَحِ: لُبْسُ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ. وَالْبِذْلَةُ: الْمِهْنَةُ. وَثِيَابُ الْبِذْلَةِ هِيَ الَّتِي стр. 5776
تُلْبَسُ فِي حَال الشُّغْل، وَمُبَاشَرَةِ الْخِدْمَةِ، وَتَصَرُّفِ الإِْنْسَانِ فِي بَيْتِهِ. (١)
وَهُوَ بِهَذَا لاَ يَخْرُجُ فِي مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيِّ عَمَّا ذُكِرَ لَهُ مِنْ مَعَانٍ لُغَوِيَّةٍ.
حُكْمُهُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - التَّبَذُّل بِمَعْنَى تَرْكِ التَّزَيُّنِ. تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا، وَتَارَةً يَكُونُ مَسْنُونًا.، وَتَارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا.، وَتَارَةً يَكُونُ مُبَاحًا، وَهُوَ الأَْصْل.
٣ - فَيَكُونُ وَاجِبًا: فِي الإِْحْدَادِ، وَهُوَ تَرْكُ الزِّينَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الطَّلاَقِ الْبَائِنِ. (٢)
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَالأَْصْل فِيهِ قَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣) وَقَوْلُهُ ﷺ : لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. (٤) (٥)
وَإِحْدَادُهَا يَكُونُ بِتَجَنُّبِ الزِّينَةِ، وَالطِّيبِ، стр. 5777
وَلُبْسِ الْحُلِيِّ، وَالْمُلَوَّنِ وَالْمُطَرَّزِ مِنَ الثِّيَابِ لِلتَّزَيُّنِ، وَالْكُحْل وَالاِدِّهَانِ، وَكُل مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تُعْتَبَرَ مَعَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ مُتَزَيِّنَةً مَا لَمْ تَدْعُ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، فَتُقَدَّرُ حِينَئِذٍ بِقَدْرِهَا، كَالْكُحْل مَثَلاً لِلرَّمَدِ، فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ لَهَا بِاسْتِعْمَالِهِ لَيْلاً وَتَمْسَحُهُ نَهَارًا، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ حَادَّةٌ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلَتْ فِي عَيْنِهَا صَبْرًا، فَقَال: مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ فَقَالَتْ: إِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُول اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، قَال: إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلاَ تَجْعَلِيهِ إِلاَّ بِاللَّيْل، وَتَنْزِعِينَهُ بِالنَّهَارِ. (١)
وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلاَ تَكْتَحِل وَلاَ تَتَطَيَّبُ وَلاَ تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ. (٢)
وَالْمُطَلَّقَةُ طَلاَقًا بَائِنًا كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عِنْدَ стр. 5778
الْحَنَفِيَّةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا تَجَنُّبُ مَا تَتَجَنَّبُهُ الْحَادَّةُ، إِظْهَارًا لِلتَّأَسُّفِ عَلَى فَوْتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ. (١) وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (إِحْدَادٌ) .
٤ - وَيَكُونُ التَّبَذُّل مَسْنُونًا فِي الاِسْتِسْقَاءِ. وَهُوَ طَلَبُ الْعِبَادِ السُّقْيَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا. فَيَخْرُجُونَ إِلَى الصَّحْرَاءِ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ خَاشِعِينَ مُتَضَرِّعِينَ وَجِلِينَ نَاكِسِينَ رُءُوسَهُمْ، إِذْ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الإِْجَابَةِ. فَيُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ، وَيُكْثِرُونَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ. (٢)
قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلاِسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلاً مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى. (٣) وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (اسْتِسْقَاءٌ) . (٤) стр. 5779
٥ - وَيَكُونُ التَّبَذُّل مَكْرُوهًا: فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ؛ لأَِنَّ التَّزَيُّنَ مَسْنُونٌ لَهُمَا بِاتِّفَاقٍ، فَيَغْتَسِل وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَالْجَدِيدُ مِنْهَا أَفْضَل، وَأَوْلاَهَا الْبَيَاضُ، وَيَتَطَيَّبُ. وَالأَْحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: حَدِيثُ مَنِ اغْتَسَل يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلاَتِهِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا (١) وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَقُول: مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ. (٢)
هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال. أَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُنَّ إِذَا أَرَدْنَ حُضُورَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ يَتَنَظَّفْنَ بِالْمَاءِ وَلاَ يَتَطَيَّبْنَ، وَلاَ يَلْبَسْنَ الشُّهْرَةَ مِنَ الثِّيَابِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، стр. 5780
وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاَتٍ (١) أَيْ غَيْرَ مُتَعَطِّرَاتٍ؛ لأَِنَّهُنَّ إِذَا تَطَيَّبْنَ وَلَبِسْنَ الشُّهْرَةَ مِنَ الثِّيَابِ دَعَا ذَلِكَ إِلَى الْفَسَادِ وَالاِفْتِتَانِ بِهِنَّ. فَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى كَرَاهَةِ التَّبَذُّل لِلرِّجَال فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ فِيهِمَا. (٢)
وَانْظُرْ: (جُمُعَةً وَعِيدَيْنِ) .
وَيُكْرَهُ التَّبَذُّل فِي مَجَامِعِ النَّاسِ وَلِقَاءِ الْوُفُودِ. وَانْظُرْ لِتَفْصِيل ذَلِكَ مُصْطَلَحَ: (تَزَيُّنٌ) . وَيُكْرَهُ تَبَذُّل الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَالرَّجُل لِزَوْجَتِهِ؛ ذَلِكَ لأَِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَزَيَّنَ لِلآْخَرِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) فَالْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ حَقٌّ следующие страницы →