← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١) (أَيْ جِهَتَهُ) وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَحْوَالٌ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الاِسْتِقْبَال، كَصَلاَةِ الْخَوْفِ، وَالْمَصْلُوبِ، وَالْغَرِيقِ، وَنَفْل السَّفَرِ الْمُبَاحِ وَغَيْرِهَا. (٢) (ر: اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ) . ب - التَّثَبُّتُ فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ: ٤ - يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ، وَذَلِكَ بِالسُّؤَال عَنْهُمْ سِرًّا أَوْ عَلاَنِيَةً، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِعَدَالَتِهِمْ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالتَّفَحُّصِ عَنِ الْعَدَالَةِ. (٣) (ر: تَزْكِيَةٌ) . ج - التَّثَبُّتُ مِنْ رُؤْيَةِ هِلاَل شَهْرِ رَمَضَانَ: ٥ - يُسْتَحَبُّ التَّثَبُّتُ مِنْ رُؤْيَةِ هِلاَل شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لِتَحْدِيدِ بَدْئِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: الأَْوَّل: رُؤْيَةُ هِلاَلِهِ، إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ خَالِيَةً مِمَّا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ مِنْ غَيْمٍ أَوْ غُبَارٍ وَنَحْوِهِمَا. الثَّانِي: إِكْمَال شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ يَوْمًا، إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ غَيْرَ خَالِيَةٍ مِمَّا ذُكِرَ، لِقَوْلِهِ ﷺ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ

стр. 5952

فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ (١) وَبِهَذَا أَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٢) . وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي حَال الْغَيْمِ، فَأَوْجَبُوا اعْتِبَارَ شَعْبَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَأَوْجَبُوا صِيَامَ يَوْمِ الثَّلاَثِينَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَوَّل رَمَضَانَ، عَمَلاً بِلَفْظٍ آخَرَ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَهُوَ: لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَل، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ (٣) أَيِ: احْتَاطُوا لَهُ بِالصَّوْمِ. (٤) (ر: أَهِلَّةٌ) . د - التَّثَبُّتُ مِنْ كَلاَمِ الْفُسَّاقِ: ٦ - يَجِبُ التَّثَبُّتُ مِمَّا يَأْتِي بِهِ الْفُسَّاقُ مِنْ أَنْبَاءٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٥) وَقَدْ قُرِئَ

стр. 5953

فَتَثَبَّتُوا بَدَلاً مِنْ تَبَيَّنُوا وَالْمُرَادُ بِالتَّبَيُّنِ: التَّثَبُّتُ، قِيل: إِنَّ هَذِهِ الآْيَةَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ مُصَدِّقًا إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَلَمَّا أَبْصَرُوهُ أَقْبَلُوا نَحْوَهُ، فَهَابَهُمْ، فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَلاَ يَعْجَل. فَانْطَلَقَ خَالِدٌ حَتَّى أَتَاهُمْ لَيْلاً، فَبَعَثَ عُيُونَهُ فَلَمَّا جَاءُوا أَخْبَرُوا خَالِدًا أَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِالإِْسْلاَمِ، وَسَمِعُوا أَذَانَهُمْ وَصَلاَتَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَاهُمْ خَالِدٌ وَرَأَى صِحَّةَ مَا ذَكَرَ عُيُونُهُ، فَعَادَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَنَزَلَتِ الآْيَةُ، (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ. . (٢)

стр. 5954

تَثْلِيثٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّثْلِيثُ: مَصْدَرُ ثَلَّثَ، وَيَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِ اسْتِعْمَالِهِ، يُقَال: ثَلَّثَ الشَّيْءَ: جَزَّأَهُ وَقَسَّمَهُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ، وَثَلَّثَ الزَّرْعَ: سَقَاهُ الثَّالِثَةَ، وَثَلَّثَ الشَّرَابَ: طَبَخَهُ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُهُ أَوْ ثُلُثَاهُ، وَثَلَّثَ الاِثْنَيْنِ: صَيَّرَهُمَا ثَلاَثَةً بِنَفْسِهِ. أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: فَيُطْلِقُونَهُ عَلَى تَكْرَارِ الأَْمْرِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَعَلَى الْعَصِيرِ الَّذِي ذَهَبَ بِالطَّبْخِ ثُلُثُهُ أَوْ ثُلُثَاهُ (١) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّثْلِيثِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أ - التَّثْلِيثُ فِي الْوُضُوءِ: ٢ - يُسَنُّ التَّثْلِيثُ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ،

стр. 5955

وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَلِكَ بِتَكْرَارِ غَسْل الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى ثَلاَثِ مَرَّاتٍ مُسْتَوْعَبَاتٍ.، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ. وَقِيل: الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ، وَالثَّالِثَةُ فَضِيلَةٌ، وَقِيل: الْعَكْسُ. أَمَّا الرِّجْلاَنِ فَفِي تَثْلِيثِ غَسْلِهِمَا فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ مَشْهُورَانِ: الأَْوَّل: أَنَّ الرِّجْلَيْنِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، فَتُغْسَل كُل وَاحِدَةٍ ثَلاَثًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ فَرْضَ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ الإِْنْقَاءُ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ. وَلاَ يُسَنُّ التَّثْلِيثُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَقِيل: رَدُّ الْيَدَيْنِ ثَالِثَةً فِي مَسْحِ الرَّأْسِ لاَ فَضِيلَةَ فِيهِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ عُلَمَائِهِمْ إِلَى أَنَّ رَدَّ الْيَدَيْنِ ثَالِثَةً فَضِيلَةٌ إِذَا كَانَ فِي الْيَدَيْنِ بَلَلٌ، وَلاَ يَسْتَأْنِفُ الْمَاءَ لِلثَّانِيَةِ وَلاَ لِلثَّالِثَةِ. (١) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ التَّثْلِيثَ يُسَنُّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، بَل يُسَنُّ التَّثْلِيثُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ، وَالْعِمَامَةِ، وَفِي السِّوَاكِ، وَالتَّسْمِيَةِ، وَكَذَا فِي بَاقِي السُّنَنِ

стр. 5956

إِلاَّ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، وَكَذَا تَثْلِيثُ النِّيَّةِ فِي قَوْلٍ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. (١) وَذَهَبَ ابْنُ سِيرِينَ إِلَى مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّتَيْنِ. (٢) وَالأَْصْل فِيمَا ذُكِرَ، مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً (٣) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَى عُثْمَانُ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا. (٤) ثُمَّ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلاَثِ الْمُسْتَوْعَبَةِ مَعَ اعْتِقَادِ سُنِّيَّةِ الثَّلاَثِ لاَ بَأْسَ بِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي رِوَايَةٍ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهَا تُكْرَهُ. (٥) ب - التَّثْلِيثُ فِي الْغُسْل: ٣ - يُسَنُّ التَّثْلِيثُ فِي الْغُسْل عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ كَالْوُضُوءِ، فَيَغْسِل رَأْسَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ شِقَّهُ الأَْيْمَنَ

стр. 5957

ثَلاَثًا، ثُمَّ شِقَّهُ الأَْيْسَرَ ثَلاَثًا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّثْلِيثَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْغُسْل، وَإِنْ لَمْ تَكْفِ الثَّلاَثُ زَادَ إِلَى الْكِفَايَةِ. (١) وَالأَْصْل فِي هَذَا الْبَابِ، مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ: رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَل مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَل يَدَيْهِ ثَلاَثًا، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ يُخَلِّل شَعْرَهُ بِيَدِهِ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ رَوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَل سَائِرَ جَسَدِهِ. (٢) ج - التَّثْلِيثُ فِي غُسْل الْمَيِّتِ: ٤ - يُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ فِي غُسْل الْمَيِّتِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ، وَيُسَنُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ فِي غُسْل الْمَيِّتِ النَّظَافَةُ وَالإِْنْقَاءُ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُل التَّنْظِيفُ بِالْغَسَلاَتِ الثَّلاَثِ زِيدَ عَلَيْهَا حَتَّى يَحْصُل، مَعَ جَعْل الْغَسَلاَتِ وِتْرًا. (٣)

стр. 5958

وَالأَْصْل فِيمَا ذُكِرَ، خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِغَاسِلاَتِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا، وَاغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآْخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ. (١) وَكَذَا يُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ، وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي تَجْمِيرِ الْمَيِّتِ (٢) وَكَفَنِ الْمَيِّتِ، وَالْمَيِّتُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَسَرِيرِهِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ. (٣) وَالأَْصْل فِيمَا ذُكِرَ، مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلاَثًا. وَفِي لَفْظٍ فَأَوْتِرُوا. وَفِي لَفْظِ الْبَيْهَقِيِّ: جَمِّرُوا كَفَنَ الْمَيِّتِ ثَلاَثًا. (٤)

стр. 5959

د - التَّثْلِيثُ فِي الاِسْتِجْمَارِ وَالاِسْتِبْرَاءِ: ٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الاِسْتِجْمَارِ الإِْنْقَاءُ دُونَ الْعَدَدِ.، وَمَعْنَى الإِْنْقَاءِ هُنَا هُوَ إِزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَبِلَّتُهَا، بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْحَجَرُ نَقِيًّا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرٌ إِلاَّ شَيْئًا يَسِيرًا. وَأَمَّا التَّثْلِيثُ فَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُمْ وَإِنْ حَصَل الإِْنْقَاءُ بِاثْنَيْنِ، بَيْنَمَا يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الاِسْتِجْمَارِ أَمْرَيْنِ: الإِْنْقَاءَ وَإِكْمَال الثَّلاَثَةِ، أَيُّهُمَا وُجِدَ دُونَ صَاحِبِهِ لَمْ يَكْفِ، وَالْحَجَرُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَهُ ثَلاَثُ شُعَبٍ يَقُومُ مَقَامَ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ. (١) كَذَلِكَ قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ نَتْرُ الذَّكَرِ ثَلاَثًا بَعْدَ الْبَوْل (٢) لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا بَال أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلاَثًا. (٣) وَتَفْصِيل أَحْكَامِ الاِسْتِجْمَارِ وَالاِسْتِبْرَاءِ فِي مُصْطَلَحَيِ (اسْتِنْجَاءٌ) (وَاسْتِبْرَاءٌ) .

стр. 5960

هَذَا، وَيُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ فِي غَسْل النَّجَاسَاتِ غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إِزَالَةُ النَّجَاسَاتِ الْمَرْئِيَّةِ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ فَلاَ يَشْتَرِطُونَ الْعَدَدَ فِيمَا سِوَى نَجَاسَةِ وُلُوغِ الْكَلْبِ.، وَنَجَاسَةُ الْخِنْزِيرِ كَنَجَاسَةِ الْكَلْبِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (١) هـ - التَّثْلِيثُ فِي تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ: ٦ - يُسَنُّ التَّثْلِيثُ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، وَهُوَ " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ "، وَتَسْبِيحِ السُّجُودِ، وَهُوَ " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى ". وَتُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلاَثِ بَعْدَ أَنْ يَخْتِمَ عَلَى وِتْرٍ، خَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ، أَوْ تِسْعٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. هَذَا إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا، وَأَمَّا الإِْمَامُ فَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُطَوِّل عَلَى وَجْهٍ يَمَل الْقَوْمُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُكْرَهُ لِلإِْمَامِ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلاَثِ. (٢) وَالأَْصْل فِي هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَال فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ

стр. 5961

ثَلاَثًا فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ. وَمَنْ قَال فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى ثَلاَثًا فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ. (١) وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيُنْدَبُ التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، وَلَمْ يَحُدُّوا فِيهِ حَدًّا، وَلاَ دُعَاءً مَخْصُوصًا. (٢) و التَّثْلِيثُ فِي الاِسْتِئْذَانِ: ٧ - إِذَا اسْتَأْذَنَ شَخْصٌ عَلَى آخَرَ وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ، فَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّثْلِيثِ، وَيُسَنُّ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلاَثِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ. وَقَال الإِْمَامُ مَالِكٌ: لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلاَثِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مِنْ سَمَاعِهِ. وَأَمَّا إِذَا اسْتَأْذَنَ فَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلاَثِ وَتَكْرِيرِ الاِسْتِئْذَانِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ إِسْمَاعُهُ. (٣)

стр. 5962

تَثْنِيَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّثْنِيَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ: ثَنَّى، يُقَال: ثَنَّيْتُ الشَّيْءَ: إِذَا جَعَلْتَهُ اثْنَيْنِ، وَيَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى الضَّمِّ، فَإِذَا فَعَل الرَّجُل أَمْرًا ثُمَّ ضَمَّ إِلَيْهِ آخَرَ قِيل: ثَنَّى بِالأَْمْرِ الثَّانِي. (١) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلَفْظِ تَثْنِيَةٍ عَمَّا وَرَدَ فِي اللُّغَةِ. مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٢ - وَرَدَتِ التَّثْنِيَةُ فِي الأَْذَانِ، وَالإِْقَامَةِ، وَفِي صَلاَةِ النَّفْل، وَمِنْهَا الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَفِي صَلاَةِ اللَّيْل، لِخَبَرِ: صَلاَةُ اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى. (٢) وَفِي الْعَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ، وَالشَّهَادَةِ فِي أَغْلَبِ الأُْمُورِ كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلاَقِ، وَالإِْسْلاَمِ، وَالْمَوْتِ، وَتَفْصِيل كُلٍّ فِي مَوْطِنِهِ.

стр. 5963

تَثْوِيبٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّثْوِيبُ: مَصْدَرُ ثَوَّبَ يُثَوِّبُ، وَثُلاَثِيُّهُ ثَابَ يَثُوبُ، بِمَعْنَى: رَجَعَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (١) أَيْ مَكَانًا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: ثَابَ إِلَى فُلاَنٍ عَقْلُهُ: أَيْ رَجَعَ. وَمِنْهُ أَيْضًا: الثَّوَابُ؛ لأَِنَّ مَنْفَعَةَ عَمَل الشَّخْصِ تَعُودُ إِلَيْهِ. (٢) وَالتَّثْوِيبُ: بِمَعْنَى تَرْجِيعِ الصَّوْتِ وَتَرْدِيدِهِ، وَمِنْهُ التَّثْوِيبُ فِي الأَْذَانِ. (٣) وَالتَّثْوِيبُ فِي الاِصْطِلاَحِ: الْعَوْدُ إِلَى الإِْعْلاَمِ بِالصَّلاَةِ بَعْدَ الإِْعْلاَمِ الأَْوَّل بِنَحْوِ: " الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ " أَوِ " الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ " أَوِ " الصَّلاَةُ حَاضِرَةٌ " أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ، وَقَدْ كَانَتْ تُسَمَّى تَثْوِيبًا فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ وَعَهْدِ

стр. 5964

الصَّحَابَةِ. (١) لأَِنَّ فِيهِ تَكْرِيرًا لِمَعْنَى الْحَيْعَلَتَيْنِ، أَوْ لأَِنَّهُ لَمَّا حَثَّ عَلَى الصَّلاَةِ بِقَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، ثُمَّ قَال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، عَادَ إِلَى الْحَثِّ عَلَى الصَّلاَةِ بِقَوْلِهِ: " الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ ". وَلِلتَّثْوِيبِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةُ إِطْلاَقَاتٍ: أ - التَّثْوِيبُ الْقَدِيمُ، أَوِ التَّثْوِيبُ الأَْوَّل، وَهُوَ: زِيَادَةُ " الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ " فِي أَذَانِ الْفَجْرِ. ب - التَّثْوِيبُ الْمُحْدَثُ وَهُوَ: زِيَادَةُ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، أَوْ عِبَارَةٍ أُخْرَى. حَسَبَ مَا تَعَارَفَهُ أَهْل كُل بَلْدَةٍ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ. ج - مَا كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ مَنْ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَمَصَالِحِهِمْ مِنْ تَكْلِيفِ شَخْصٍ بِإِعْلاَمِهِمْ بِوَقْتِ الصَّلاَةِ، فَذَلِكَ الإِْعْلاَمُ أَوِ النِّدَاءُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَيْضًا (تَثْوِيبٌ) (٢) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - النِّدَاءُ: ٢ - النِّدَاءُ بِمَعْنَى: الدُّعَاءِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِمَا لَهُ

стр. 5965

مَعْنًى (١) . فَالنِّدَاءُ وَالتَّثْوِيبُ يَتَّفِقَانِ فِي الدُّعَاءِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ، لَكِنَّ النِّدَاءَ أَعَمُّ مِنَ التَّثْوِيبِ. ب - الدُّعَاءُ: ٣ - الدُّعَاءُ بِمَعْنَى: الطَّلَبِ، وَيَكُونُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وَخَفْضِهِ، كَمَا يُقَال: دَعَوْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَدَعَوْتُ اللَّهَ فِي نَفْسِي. (٢) فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ النِّدَاءِ وَالتَّثْوِيبِ. ج - التَّرْجِيعُ: ٤ - يُقَال: رَجَّعَ فِي أَذَانِهِ إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ مَرَّةً خَفْضًا وَمَرَّةً رَفْعًا، (٣) فَالتَّثْوِيبُ وَالتَّرْجِيعُ يَتَّفِقَانِ فِي الْعَوْدِ وَالتَّكْرِيرِ، وَلَكِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ مَحَل التَّثْوِيبِ (وَهُوَ قَوْل الْمُؤَذِّنِ: " الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ ") فِي أَذَانِ الْفَجْرِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، أَمَّا التَّرْجِيعُ بِمَعْنَى تَكْرَارِ الشَّهَادَتَيْنِ فَذَلِكَ فِي الأَْذَانِ لِجَمِيعِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٥ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لِلتَّثْوِيبِ بِاخْتِلاَفِ إِطْلاَقَاتِهِ وَبِاخْتِلاَفِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ.

стр. 5966

أَمَّا التَّثْوِيبُ فِي الْقَدِيمِ، أَوِ التَّثْوِيبُ الأَْوَّل، وَهُوَ زِيَادَةُ عِبَارَةِ: " الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ " مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ (عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) فَسُنَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، وَجَائِزَةٌ فِي الْعِشَاءِ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. (١) وَأَجَازَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ. (٢) أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَمَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. (٣) التَّثْوِيبُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ: ٦ - مِنَ الْمُقَرَّرِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ - عَدَا أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - أَنَّ الْمَشْرُوعَ لِلْفَجْرِ أَذَانَانِ: أَحَدُهُمَا قَبْل وَقْتِهَا وَالثَّانِي عِنْدَ وَقْتِهَا. وَقَدْ قَال النَّوَوِيُّ: ظَاهِرُ إِطْلاَقِ الأَْصْحَابِ أَنَّهُ يُشْرَعُ فِي كُل أَذَانٍ لِلصُّبْحِ سَوَاءٌ مَا قَبْل الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ. وَقَال الْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ: إِنْ ثَوَّبَ فِي الأَْذَانِ الأَْوَّل لَمْ يُثَوِّبْ فِي الثَّانِي فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَمِنْ مُرَاجَعَةِ كُتُبِ بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِمَشْرُوعِيَّةِ أَذَانَيْنِ لِلْفَجْرِ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّ التَّثْوِيبَ يُشْرَعُ فِي الأَْذَانِ الأَْوَّل أَوِ الثَّانِي أَوْ فِي كِلَيْهِمَا،

стр. 5967

فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الأَْذَانَيْنِ كَمَا اسْتَظْهَرَ النَّوَوِيُّ (١) . ٧ - وَأَمَّا التَّثْوِيبُ الْمُحْدَثُ وَهُوَ الَّذِي اسْتَحْدَثَهُ عُلَمَاءُ الْكُوفَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ زِيَادَةُ عِبَارَةِ " حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ مَرَّتَيْنِ " بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ فِي الْفَجْرِ أَوْ زِيَادَةُ عِبَارَةٍ بِحَسَبِ مَا يَتَعَارَفُهُ أَهْل كُل بَلْدَةٍ بِالتَّنَحْنُحِ أَوِ " الصَّلاَةُ الصَّلاَةُ " أَوْ " قَامَتْ، قَامَتْ " أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَمُسْتَحْسَنٌ عِنْدَ مُتَقَدِّمِي الْحَنَفِيَّةِ فِي الْفَجْرِ فَقَطْ، إِلاَّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمُ اسْتَحْسَنُوهُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا. (٢) وَأَمَّا تَخْصِيصُ مَنْ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَمَصَالِحِهِمْ كَالإِْمَامِ وَنَحْوِهِ بِتَكْلِيفِ شَخْصٍ لِيَقُومَ بِإِعْلاَمِهِ بِوَقْتِ الصَّلاَةِ فَجَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ يَكُنِ الإِْمَامُ وَنَحْوُهُ قَدْ سَمِعَ الأَْذَانَ (٣) وَكَرِهَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ. (٤)

стр. 5968

تِجَارَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التِّجَارَةُ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ: هِيَ تَقْلِيبُ الْمَال، أَيْ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِغَرَضِ الرِّبْحِ. (١) وَهِيَ فِي الأَْصْل: مَصْدَرٌ دَالٌّ عَلَى الْمِهْنَةِ، وَفِعْلُهُ تَجَرَ يَتْجُرُ تَجْرًا وَتِجَارَةً. دَلِيل مَشْرُوعِيَّةِ التِّجَارَةِ: ٢ - الأَْصْل فِي التِّجَارَةِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَْرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل اللَّهِ﴾ . (٣) وَقَوْلُهُ ﷺ : التَّاجِرُ الأَْمِينُ الصَّدُوقُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ. (٤)

стр. 5969

٣ - وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ التِّجَارَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، لأَِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُ بَعْضُهُمْ إِلَى مَا فِي أَيْدِي بَعْضٍ، وَهَذِهِ سُنَّةُ الْحَيَاةِ، وَتَشْرِيعُ التِّجَارَةِ وَتَجْوِيزُهَا هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى وُصُول كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى غَرَضِهِ، وَدَفْعِ حَاجَتِهِ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْبَيْعُ: ٤ - الْبَيْعُ: مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ تَمْلِيكًا وَتَمَلُّكًا، أَمَّا التِّجَارَةُ فَهِيَ: عِبَارَةٌ عَنْ شِرَاءِ الشَّخْصِ شَيْئًا لِيَبِيعَهُ بِالرِّبْحِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قَصْدُ الاِسْتِرْبَاحِ فِي التِّجَارَةِ، سَوَاءٌ تَحَقَّقَ أَمْ لاَ. ب - السَّمْسَرَةُ: ٥ - السَّمْسَرَةُ لُغَةً: هِيَ التِّجَارَةُ، قَال الْخَطَّابِيُّ: السِّمْسَارُ لَفْظٌ أَعْجَمِيٌّ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُعَالِجُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِيهِمْ عَجَمًا، فَتَلَقَّوْا هَذَا الاِسْمَ عَنْهُمْ، فَغَيَّرَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) إِلَى التِّجَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنَ الأَْسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ. (٣)

стр. 5970

وَالسَّمْسَرَةُ اصْطِلاَحًا: هِيَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَالسِّمْسَارُ هُوَ: الَّذِي يَدْخُل بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مُتَوَسِّطًا لإِِمْضَاءِ الْبَيْعِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى الدَّلاَّل، لأَِنَّهُ يَدُل الْمُشْتَرِيَ عَلَى السِّلَعِ، وَيَدُل الْبَائِعَ عَلَى الأَْثْمَانِ (١) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٦ - التِّجَارَةُ مِنَ الْمِهَنِ الْمَعِيشِيَّةِ، الَّتِي يُمَارِسُهَا الإِْنْسَانُ بِغَرَضِ الْكَسْبِ، وَهُوَ كَسْبٌ مَشْرُوعٌ لأَِنَّهُ يَسُدُّ حَاجَاتِ الْمُجْتَمَعِ فَتَدْخُل أَصَالَةً فِي دَائِرَةِ الإِْبَاحَةِ، وَقَدْ تَطْرَأُ عَلَيْهَا سَائِرُ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ: كَالْوُجُوبِ، وَالْحُرْمَةِ، وَالْكَرَاهَةِ إِلَخْ. حَسَبَ الظُّرُوفِ وَالْمُلاَبَسَاتِ الَّتِي تُصَادِفُهَا. وَيَعْنِي الْفُقَهَاءُ بِالأَْحْكَامِ الْمُتَّصِلَةِ بِالتِّجَارَةِ (بِالإِْضَافَةِ إِلَى كُتُبِ الْفِقْهِ الأَْسَاسِيَّةِ) بِمَا يُورِدُونَهُ فِي كُتُبِ الْحِسْبَةِ، وَكُتُبِ الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَكُتُبِ الْفَتَاوَى، وَخَصَّهَا بَعْضُهُمْ بِالتَّأْلِيفِ كَالسَّرَخْسِيِّ فِي كِتَابِهِ " الاِكْتِسَابُ فِي الرِّزْقِ الْمُسْتَطَابِ "، وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلاَّل فِي " كِتَابِ التِّجَارَةِ ". وَقَدِ اُسْتُحْدِثَتْ أَوْضَاعٌ وَتَنْظِيمَاتٌ تِجَارِيَّةٌ يُعْرَفُ حُكْمُهَا مِمَّا وَضَعَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ قَوَاعِدَ عَامَّةٍ وَمَا تَعَرَّضُوا إِلَيْهِ مِنْ أَحْكَامٍ. كَمَا يَتَنَاوَل الْفُقَهَاءُ بَعْضَ أَحْكَامٍ خَاصَّةٍ بِمَال التِّجَارَةِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْعُرُوضِ، كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ

стр. 5971

فِيمَا لاَ تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، كَالْبَزِّ وَالْعَقَارَاتِ، وَتَغَيُّرِ النَّوْعِ الْمُخْرَجِ وَقَدْرِهِ فِيمَا كَانَ زَكَوِيًّا مِنَ الْمَال فِي الأَْصْل إِذَا صَارَ لِلتِّجَارَةِ، كَالنَّعَمِ وَالْمُعَشَّرَاتِ.، وَتَرِدُ بَعْضُ أَحْكَامٍ لِلتِّجَارَةِ فِي الْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَاتِ الأُْخْرَى. فَضْل التِّجَارَةِ: ٧ - التِّجَارَةُ مِنْ أَفْضَل طُرُقِ الْكَسْبِ، وَأَشْرَفِهَا إِذَا تَوَقَّى التَّاجِرُ طُرُقَ الْكَسْبِ الْحَرَامِ وَالْتَزَمَ بِآدَابِهَا. جَاءَ فِي الأَْثَرِ: سُئِل النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ فَقَال: عَمَل الرَّجُل بِيَدِهِ وَكُل بَيْعٍ مَبْرُورٍ (١) قَال الشَّرْقَاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ: قَوْلُهُ: " وَكُل بَيْعٍ مَبْرُورٍ " إِشَارَةٌ إِلَى التِّجَارَةِ. (٢) الْمَحْظُورَاتُ فِي التِّجَارَةِ: ٨ - يَحْرُمُ فِي التِّجَارَةِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْغِشِّ وَالْخِدَاعِ، وَتَرْوِيجُ السِّلْعَةِ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ. فَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فَقَال: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ فَاسْتَجَابُوا لِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَال: إِنَّ

стр. 5972

التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلاَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ. (١) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّهِ؟ فَقَدْ خَسِرُوا وَخَابُوا: قَال: الْمَنَّانُ، وَالْمُسْبِل إِزَارَهُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ. (٢) ٩ - وَمِنَ الْمَحْظُورَاتِ تَلَقِّي الْجَلَبِ: وَهُوَ أَنْ يَسْتَقْبِل الْحَضَرِيُّ الْبَدَوِيَّ، قَبْل وُصُولِهِ إِلَى السُّوقِ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلْعَتَهُ بِأَقَل مِنَ الثَّمَنِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَلَقِّي الرُّكْبَانِ) . ١٠ - وَمِنْهَا الاِحْتِكَارُ: لِحَدِيثِ: الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ. (٣) وَحَدِيثِ: لاَ يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطِئٌ (٤) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (احْتِكَارٌ) .

стр. 5973

١١ - وَمِنْهَا: سَوْمُ الْمَرْءِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ: وَهُوَ أَنْ يَتَفَاوَضَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ، وَيَتَقَارَبَ الاِنْعِقَادُ، فَيَجِيءَ آخَرُ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ تِلْكَ السِّلْعَةَ وَيُخْرِجَهَا مِنْ يَدِ الأَْوَّل بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ الثَّمَنِ. (١) ١٢ - وَمِنْهَا: الْمُتَاجَرَةُ مَعَ الْعَدُوِّ بِمَا فِيهِ تَقْوِيَتُهُمْ عَلَى حَرْبِنَا كَالسِّلاَحِ وَالْحَدِيدِ، وَلَوْ بَعْدَ صُلْحٍ، لأَِنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ الْمُتَاجَرَةُ مَعَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ. (٢) آدَابُ التِّجَارَةِ: ١٣ - مِنْ آدَابِ التِّجَارَةِ: السَّمَاحَةُ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَاسْتِعْمَال مَعَالِي الأَْخْلاَقِ، وَتَرْكُ الْمُشَاحَّةِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ بِالْمُطَالَبَةِ. وَالآْثَارُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى (٣) وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ

стр. 5974

قَبْلَكُمْ سَهْلاً إِذَا بَاعَ، سَهْلاً إِذَا اشْتَرَى، سَهْلاً إِذَا اقْتَضَى (١) ١٤ - وَمِنْ آدَابِهَا: تَرْكُ الشُّبُهَاتِ كَالاِتِّجَارِ فِي سُوقٍ يَخْتَلِطُ الْحَرَامُ فِيهِ بِالْحَلاَل، وَكَالتَّعَامُل مَعَ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، (٢) لِحَدِيثِ: الْحَلاَل بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: أَمِنَ الْحَلاَل هِيَ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ؟ ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ. (٣) ١٥ - وَمِنْهَا: تَحَرِّي الصِّدْقِ وَالأَْمَانَةِ. جَاءَ فِي الأَْثَرِ التَّاجِرُ الأَْمِينُ الصَّدُوقُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ. (٤) ١٦ - وَمِنْهَا: التَّصَدُّقُ مِنْ مَال التِّجَارَةِ لِحَدِيثِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالإِْثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ، فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ. (٥) ١٧ - وَمِنْهَا: التَّبْكِيرُ بِالتِّجَارَةِ. رَوَى صَخْرٌ

стр. 5975

الْغَامِدِيُّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُِمَّتِي فِي بُكُورِهَا (١) وَقِيل: إِنَّ صَخْرًا كَانَ رَجُلاً تَاجِرًا، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ تُجَّارَهُ بَعَثَهُمْ أَوَّل النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. . (٢) وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي مَال التِّجَارَةِ: ١٨ - تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَال التِّجَارَةِ. (٣) وَمَال التِّجَارَةِ: كُل مَا قُصِدَ الاِتِّجَار بِهِ عِنْدَ اكْتِسَابِ الْمِلْكِ بِمُعَاوَضَةٍ إِذَا حَال عَلَيْهِ الْحَوْل، وَبِهِ قَال فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةُ (٤) ، وَالْحَسَنُ وَجَابِرُ بْنُ مَيْمُونٍ وَطَاوُسٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْل الْجَدِيدِ. وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ التَّاجِرِ الْمُدِيرِ (وَهُوَ مَنْ يَبِيعُ بِالسِّعْرِ الْوَاقِعِ وَيَخْلُفُ بِغَيْرِهِ، كَأَرْبَابِ الْحَوَانِيتِ)

стр. 5976

فَإِنَّهُ يُزَكِّي كُل حَوْلٍ، وَبَيْنَ التَّاجِرِ الْمُحْتَكِرِ وَهُوَ مَنْ يَرْصُدُ بِعَرْضِ التِّجَارَةِ السُّوقَ لِتَرْتَفِعَ الأَْثْمَانُ. فَهَذَا لاَ زَكَاةَ عَلَى تِجَارَتِهِ إِلاَّ بِالتَّنْضِيضِ (تَحَوُّل السِّلْعَةِ إِلَى نَقْدٍ) وَلَوْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ. (١) وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ. (٢) وَخَبَرِ: وَفِي الْبَزِّ صَدَقَةٌ. (٣) وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهَا لاَ تَجِبُ فِي عَيْنِهِ، فَثَبَتَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي قِيمَتِهِ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحَوْل وَالنِّصَابَ مُعْتَبَرَانِ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ (٤) . وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ: (زَكَاةٌ) زَكَاةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ (٥) .

стр. 5977

تَجْدِيدٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّجْدِيدُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ: جَدَّدَ، وَالْجَدِيدُ: خِلاَفُ الْقَدِيمِ. وَمِنْهُ: جَدَّدَ وُضُوءَهُ، أَوْ عَهْدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ: أَيْ صَيَّرَهُ جَدِيدًا. (١) وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّجْدِيدِ بِاخْتِلاَفِ مَوْضِعِهِ: فَتَجْدِيدُ الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ عَلَى اخْتِلاَفِ اصْطِلاَحَاتِهِمْ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: أَصَحُّهُمَا تُوَافِقُ الْجُمْهُورَ، وَالأُْخْرَى أَنَّهُ لاَ فَضْل فِيهِ. (٢) وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِلاِسْتِحْبَابِ: أَنْ يُصَلِّيَ بِالأَْوَّل صَلاَةً وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُصَل بِهِ صَلاَةً فَلاَ يُسَنُّ التَّجْدِيدُ، فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَل لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ. (٣)

стр. 5978

وَيَشْتَرِطُ الأَْحْنَافُ أَنْ يَفْصِل بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ بِمَجْلِسٍ أَوْ صَلاَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْصِل بِذَلِكَ كُرِهَ، وَنُقِل عَنْ بَعْضِهِمْ مَشْرُوعِيَّةُ التَّجْدِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَفْصِل بِصَلاَةٍ أَوْ مَجْلِسٍ. (١) وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لاِسْتِحْبَابِ التَّجْدِيدِ أَنْ يَفْعَل بِالأَْوَّل عِبَادَةً: كَالطَّوَافِ أَوِ الصَّلاَةِ، (٢) وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهِ حَدِيثُ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ (٣) وَقَدْ كَانَ الْخُلَفَاءُ يَتَوَضَّئُونَ لِكُل صَلاَةٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَفْعَلُهُ وَيَتْلُو قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. . .﴾ (٤) الآْيَةَ وَلأَِنَّهُ كَانَ يَجِبُ الْوُضُوءُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ لِكُل صَلاَةٍ فَنُسِخَ وُجُوبُهُ، وَبَقِيَ أَصْل الطَّلَبِ (٥) ر: مُصْطَلَحَ (وُضُوءٌ) . تَجْدِيدُ الْمَاءِ لِمَسْحِ الأُْذُنَيْنِ: ٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ تَجْدِيدَ الْمَاءِ لِمَسْحِ الأُْذُنَيْنِ سُنَّةٌ، وَلاَ تَحْصُل السُّنَّةُ إِلاَّ بِهِ، وَهُوَ

стр. 5979

الصَّحِيحُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. (١) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ: مَسْحُهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ. (٢) . تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ وَالْحَشْوِ لِلاِسْتِحَاضَةِ: ٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ وَالْحَشْوِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ، قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ، وَقِيل: لاَ تَجِبُ عَلَيْهَا، لأَِنَّهُ لاَ مَعْنَى لإِِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَعَ اسْتِمْرَارِهَا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَظْهَرِ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِ الْعِصَابَةِ، وَلَمْ تَزُل الْعِصَابَةُ عَنْ مَحَلِّهَا، أَمَّا إِذَا ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِ الْعِصَابَةِ أَوْ زَالَتْ عَنْ مَحَلِّهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّجْدِيدُ قَوْلاً وَاحِدًا عِنْدَهُمْ. (٣) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَلْزَمُهَا إِعَادَةُ شَدِّ الْعِصَابَةِ وَغَسْل الدَّمِ لِكُل صَلاَةٍ، إِذَا لَمْ تُفَرِّطْ فِي الشَّدِّ. وَصَرَّحَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِاسْتِحْبَابِ الْحَشْوِ أَوِ الْعِصَابَةِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ تَقْلِيلاً لِلنَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى مَسْأَلَةِ التَّجْدِيدِ، وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ وُجُوبِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ أَصْل الْعِصَابَةِ. وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ تَصْرِيحًا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (٤)

стр. 5980

تَجْدِيدُ نِكَاحِ الْمُرْتَدَّةِ: ٥ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا ارْتَدَّتْ، وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَى الإِْسْلاَمِ بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ تُقْتَل، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تُقْتَل، بَل تُحْبَسُ إِلَى أَنْ تَمُوتَ. وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ارْتَدَّتِ الْمَرْأَةُ الْمُتَزَوِّجَةُ، تُجْبَرُ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَتَجْدِيدِ النِّكَاحِ مَعَ زَوْجِهَا، وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهَا، إِذَا رَغِبَ زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ لَهَا إِذَا رَجَعَتْ إِلَى الإِْسْلاَمِ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ، وَلِكُل قَاضٍ أَنْ يُجَدِّدَ النِّكَاحَ بِمَهْرٍ يَسِيرٍ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّةٌ) . وَإِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَنِ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ الدُّخُول انْفَسَخَ النِّكَاحُ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَكَانَتِ الْعِدَّةُ قَائِمَةً وَجَبَ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الأَْوَّل. وَإِنْ لَمْ يَعُدِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ، وَتَبْدَأُ الْعِدَّةُ مُنْذُ الرِّدَّةِ. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّةٌ) .

стр. 5981

تَجَرُّدٌ اُنْظُرْ: عَوْرَةٌ.

стр. 5982

تَجْرِبَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّجْرِبَةُ: مَصْدَرُ جَرَّبْتُ، وَمَعْنَاهُ: الاِخْتِبَارُ. يُقَال: جَرَّبْتُ الشَّيْءَ تَجْرِيبًا وَتَجْرِبَةً، أَيِ: اخْتَبَرْتَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - أَثَرُ الْمَرَضِ فِي إِبَاحَةِ الْفِطْرِ عِنْدَ خَوْفِ زِيَادَتِهِ بِالتَّجْرِبَةِ: يَجُوزُ الْفِطْرُ لِمَرِيضٍ خَافَ زِيَادَةَ مَرَضِهِ بِالتَّجْرِبَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْمَرِيضِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَرَضِ. (٢) أَمَّا حُكْمُ الصَّحِيحِ الَّذِي يَخَافُ الْمَرَضَ لَوْ صَامَ، وَضَابِطُ الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ، فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَوْمٌ) .

стр. 5983

تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ: ٣ - يَجُوزُ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ السِّلْعَةِ، وَإِلَيْكَ بَعْضُ أَنْوَاعِهَا: (١) أ - تَجْرِبَةُ الثَّوْبِ: ٤ - يَجُوزُ تَجْرِبَةُ الثَّوْبِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِمَعْرِفَةِ طُولِهِ وَعَرْضِهِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ إِجَازَةً عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا لَبِسَ الثَّوْبَ مَرَّةً، ثُمَّ لَبِسَهُ ثَانِيًا لِمَعْرِفَةِ الطُّول وَالْعَرْضِ يَسْقُطُ خِيَارُهُ، لأَِنَّهُ لاَ حَاجَةَ إِلَى تَكْرَارِ اللُّبْسِ فِي الثَّوْبِ، لِحُصُول الْمَقْصُودِ بِاللُّبْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: فَتَجْرِي فِي لُبْسِ الثَّوْبِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً، حَاصِلُهَا جَوَازُ لُبْسِ الثَّوْبِ بُغْيَةَ التَّجْرِبَةِ وَالاِخْتِيَارِ فِي بَعْضِ تِلْكَ الصُّوَرِ بِشُرُوطٍ ذَكَرُوهَا. (٢) وَلِتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (خِيَارُ الشَّرْطِ) .

стр. 5984

ب - تَجْرِبَةُ الدَّارِ: ٥ - إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ دَارًا فَسَكَنَهَا الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، أَوْ أَسْكَنَهَا غَيْرَهُ، بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، يَسْقُطُ خِيَارُهُ، لأَِنَّهُ دَلِيل اخْتِيَارِ الْمِلْكِ أَوْ تَقْرِيرِهِ، فَكَانَ إِجَازَةَ دَلاَلَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (١) وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَنْ يَسْكُنَ الدَّارَ الْمُشْتَرَاةَ تَيْسِيرًا لِتَجْرِبَتِهَا وَاخْتِبَارِهَا، (٢) حَسَبَ تَفْصِيلٍ يَأْتِي فِي مُصْطَلَحِ (خِيَارُ الشَّرْطِ) . وَيُؤْخَذُ مِمَّا أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ لِلْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ التَّصَرُّفَ بِمَا تَحْصُل بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ، فَلَهُ تَجْرِبَةُ الثَّوْبِ أَوِ الدَّارِ وَلاَ يُعْتَبَرُ بِذَلِكَ إِجَازَةً. (٣) ج - (تَجْرِبَةُ الدَّابَّةِ) : ٦ - يَرَى الْفُقَهَاءُ جَوَازَ تَجْرِبَةِ الدَّابَّةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِلنَّظَرِ فِي سَيْرِهَا وَقُوَّتِهَا، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي كَيْفِيَّةِ التَّجْرِبَةِ وَالْمُدَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ تَجْرِيبُ الدَّابَّةِ فِيهَا يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوْطِنِهِ، وَفِي مُصْطَلَحِ (خِيَارُ الشَّرْطِ (٤)) .

стр. 5985

تَجْرِبَةُ الصَّبِيِّ لِمَعْرِفَةِ رُشْدِهِ: ٧ - يُجَرَّبُ الصَّبِيُّ لِمَعْرِفَةِ رُشْدِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِتَفْوِيضِهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيهَا أَمْثَالُهُ. فَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلاَدِ التُّجَّارِ فُوِّضَ إِلَيْهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، فَإِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ فَلَمْ يُغْبَنْ، وَلَمْ يُضَيِّعْ مَا فِي يَدَيْهِ، فَهُوَ رَشِيدٌ. وَيُجَرَّبُ وَلَدُ الزَّارِعِ بِالزِّرَاعَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقَائِمِينَ بِمَصَالِحِ الزَّرْعِ مِنْ حَرْثٍ وَحَصْدٍ وَحِفْظٍ، كَمَا يُجَرَّبُ وَلَدُ الْمُحْتَرِفِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَةِ أَبِيهِ وَأَقَارِبِهِ. وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَالنَّخَعِيُّ عَدَمَ تَجْرِبَةِ الشَّخْصِ الَّذِي بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ، إِذَا أَكْمَل الْخَامِسَةَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، فَيَجِبُ عِنْدَهُمْ إِعْطَاؤُهُ مَالَهُ وَلَوْ لَمْ يَصِرْ رَشِيدًا؛ لأَِنَّ مَنْعَهُ مِنْ مَالِهِ هُوَ لِلتَّأْدِيبِ، فَإِذَا لَمْ يَتَأَدَّبْ - وَقَدْ بَلَغَ سِنًّا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جَدًّا - فَلاَ يَبْقَى أَمَلٌ فِي تَأْدِيبِهِ. (١) وَلِلْفُقَهَاءِ فِي مَعْنَى الرُّشْدِ وَوَقْتِ تَجْرِبَةِ الصَّبِيِّ

стр. 5986

لِمَعْرِفَةِ رُشْدِهِ آرَاءٌ وَخِلاَفَاتٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (حَجْرٌ، رُشْدٌ، وَسَفَهٌ) . تَجْرِبَةُ الْقَائِفِ لِمَعْرِفَةِ كَفَاءَتِهِ: ٨ - يُشْتَرَطُ فِي الْقَائِفِ - عِنْدَ مَنْ يَرَى الْعَمَل بِقَوْلِهِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ - أَنْ يَكُونَ مُجَرَّبًا فِي الإِْصَابَةِ، لِخَبَرِ: لاَ حَكِيمَ إِلاَّ ذُو تَجْرِبَةٍ (١) وَلأَِنَّ الْقِيَافَةَ أَمْرٌ عِلْمِيٌّ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ بِمَعْرِفَةِ الْقَائِفِ لَهُ، وَذَلِكَ لاَ يُعْرَفُ بِغَيْرِ التَّجْرِبَةِ. وَمِنْ طُرُقِ تَجْرِبَةِ الْقَائِفِ لِمَعْرِفَةِ كَفَاءَتِهِ: أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ وَلَدٌ فِي نِسْوَةٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ فِي نِسْوَةٍ هِيَ فِيهِنَّ، فَإِذَا أَصَابَ فِي الْكُل فَهُوَ مُجَرِّبٌ. وَتَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لاَ يُجِيزُونَ الْعَمَل بِقَوْل الْقَائِفِ مُطْلَقًا، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَشْتَرِطُوا شُرُوطًا لاِعْتِبَارِ قَوْل الْقَافَةِ دَلِيلاً يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ (٢) . وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (قِيَافَةٌ) .

стр. 5987

تَجْرِبَةُ أَهْل الْخِبْرَةِ: ٩ - يُشْتَرَطُ فِي أَهْل الْخِبْرَةِ الَّذِينَ يُعْمَل بِقَوْلِهِمْ فِي الْمُنَازَعَاتِ: أَنْ تَثْبُتَ خِبْرَتُهُمْ بِتَجَارِبَ مُنَاسَبَةٍ كَالطَّبِيبِ وَالْمُهَنْدِسِ وَنَحْوِهِمَا. تَجَزُّؤٌ اُنْظُرْ: تَبْعِيضٌ.

стр. 5988

تَجَسُّسٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّجَسُّسُ لُغَةً: تَتَبُّعُ الأَْخْبَارِ، يُقَال: جَسَّ الأَْخْبَارَ وَتَجَسَّسَهَا: إِذَا تَتَبَّعَهَا، وَمِنْهُ الْجَاسُوسُ، لأَِنَّهُ يَتَتَبَّعُ الأَْخْبَارَ وَيَفْحَصُ عَنْ بَوَاطِنِ الأُْمُورِ، ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِنَظَرِ الْعَيْنِ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنِيِّ اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّحَسُّسُ: ٢ - التَّحَسُّسُ هُوَ: طَلَبُ الْخَبَرِ، يُقَال: رَجُلٌ حَسَّاسٌ لِلأَْخْبَارِ أَيْ: كَثِيرُ الْعِلْمِ بِهَا، وَأَصْل الإِْحْسَاسِ: الإِْبْصَارُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (٢) أَيْ: هَل تَرَى، ثُمَّ اُسْتُعْمِل فِي الْوِجْدَانِ وَالْعِلْمِ بِأَيِّ حَاسَّةٍ كَانَتْ،

стр. 5989

وَقَدْ قُرِئَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ (١) بِالْحَاءِ " وَلاَ تَحَسَّسُوا " قَال الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ، وَقِيل: إِنَّ التَّجَسُّسَ غَالِبًا يُطْلَقُ عَلَى الشَّرِّ، وَأَمَّا التَّحَسُّسُ فَيَكُونُ غَالِبًا فِي الْخَيْرِ (٢) . ب - التَّرَصُّدُ: ٣ - التَّرَصُّدُ: الْقُعُودُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَمِنْهُ الرَّصَدِيُّ: الَّذِي يَقْعُدُ عَلَى الطَّرِيقِ يَنْظُرُ النَّاسَ لِيَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. (٣) فَيَجْتَمِعُ التَّجَسُّسُ وَالتَّرَصُّدُ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَتَبُّعُ أَخْبَارِ النَّاسِ، غَيْرَ أَنَّ التَّجَسُّسَ يَكُونُ بِالتَّتَبُّعِ وَالسَّعْيِ لِتَحْصِيل الأَْخْبَارِ وَلَوْ بِالسَّمَاعِ أَوِ الاِنْتِقَال، أَمَّا التَّرَصُّدُ فَهُوَ الْقُعُودُ وَالاِنْتِظَارُ وَالتَّرَقُّبُ. التَّنَصُّتُ: ٤ - التَّنَصُّتُ هُوَ: التَّسَمُّعُ. يُقَال: أَنْصَتَ إِنْصَاتًا أَيِ: اسْتَمَعَ، وَنَصَتَ لَهُ أَيْ: سَكَتَ مُسْتَمِعًا، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّجَسُّسِ؛ لأَِنَّ التَّنَصُّتَ يَكُونُ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً (٤) .

стр. 5990

حُكْمُ التَّجَسُّسِ التَّكْلِيفِيِّ: ٥ - التَّجَسُّسُ تَعْتَرِيهِ أَحْكَامٌ ثَلاَثَةٌ: الْحُرْمَةُ وَالْوُجُوبُ وَالإِْبَاحَةُ. فَالتَّجَسُّسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الأَْصْل حَرَامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ لأَِنَّ فِيهِ تَتَبُّعَ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَايِبِهِمْ وَالاِسْتِكْشَافَ عَمَّا سَتَرُوهُ. وَقَدْ قَال ﷺ : يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُل الإِْيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لاَ تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ. (١) قَال ابْنُ وَهْبٍ: وَالسَّتْرُ وَاجِبٌ إِلاَّ عَنِ الإِْمَامِ وَالْوَالِي وَأَحَدِ الشُّهُودِ الأَْرْبَعَةِ فِي الزِّنَى. وَقَدْ يَكُونُ التَّجَسُّسُ وَاجِبًا، فَقَدْ نُقِل عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ قَال: اللُّصُوصُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ أَرَى أَنْ يُطْلَبُوا فِي مَظَانِّهِمْ وَيُعَانَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُقْتَلُوا أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ بِالْهَرَبِ. (٢) وَطَلَبُهُمْ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالتَّجَسُّسِ عَلَيْهِمْ وَتَتَبُّعِ أَخْبَارِهِمْ. وَيُبَاحُ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ بَعْثُ الْجَوَاسِيسِ لِتُعْرَفَ أَخْبَارُ جَيْشِ الْكُفَّارِ مِنْ عَدَدٍ وَعَتَادٍ وَأَيْنَ يُقِيمُونَ وَمَا إِلَى ذَلِكَ.
следующие страницы →