Полный текст (31 949 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.
стр. 6196
عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي حُكْمِ قِرَاءَتِهِ خَلْفَ الإِْمَامِ، مِنْ كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَهْرًا، وَاسْتِحْبَابِهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (١)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَتَحَمَّل الإِْمَامُ عَنِ الْمَأْمُومِ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ إِذَا كَانَ مَسْبُوقًا، فَأَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ، أَوْ فِي الْقِيَامِ بِقَدْرٍ لاَ يَتَّسِعُ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، كَمَا يَتَحَمَّل عَنْهُ سَهْوَهُ فِي حَال اقْتِدَائِهِ. (٢)
أَمَّا غَيْرُ الْمَسْبُوقِ فَلاَ يَتَحَمَّل عَنْهُ الإِْمَامُ الْقِرَاءَةَ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُعْرَفُ فِي مُصْطَلَحِ: (قِرَاءَةٌ) .
وَمِمَّا يَتَحَمَّلُهُ الإِْمَامُ عَنِ الْمَأْمُومِ أَيْضًا: سُجُودُ السَّهْوِ، وَسُجُودُ التِّلاَوَةِ، وَالسُّتْرَةُ؛ لأَِنَّ سُتْرَةَ الإِْمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٩ - يُذْكَرُ التَّحَمُّل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي الشَّهَادَاتِ وَالدِّيَةِ، وَتَحَمُّل الإِْمَامِ خَطَأَ الْمَأْمُومِينَ، وَتَحَمُّل الْحَدِيثِ. стр. 6197
تَحْمِيدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحْمِيدُ فِي اللُّغَةِ: كَثْرَةُ الثَّنَاءِ بِالْمَحَامِدِ الْحَسَنَةِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمْدِ (١) . وَالتَّحْمِيدُ فِي الإِْطْلاَقِ الشَّرْعِيِّ يُرَادُ بِهِ كَثْرَةُ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّهُ هُوَ مُسْتَحِقُّ الْحَمْدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَالأَْحْسَنُ التَّحْمِيدُ بِسُورَةِ الْفَاتِحَةِ، وَبِمَا يُثْنَى عَلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ بِقَوْلِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الشُّكْرُ:
٢ - الشُّكْرُ فِي اللُّغَةِ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ بِمَا قَدَّمَ لِغَيْرِهِ مِنْ مَعْرُوفٍ (٣) . стр. 6198
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ. وَالشُّكْرُ كَمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ يَكُونُ بِالْيَدِ وَالْقَلْبِ.
وَالشُّكْرُ مُجَازَاةٌ لِلْمُحْسِنِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَقَدْ يُوضَعُ الْحَمْدُ مَكَانَ الشُّكْرِ، تَقُول: حَمِدْتُهُ عَلَى شَجَاعَتِهِ، يَعْنِي أَثْنَيْتَ عَلَى شَجَاعَتِهِ، كَمَا تَقُول: شَكَرْتُهُ عَلَى شَجَاعَتِهِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَمْدَ أَعَمُّ، لأَِنَّكَ تَحْمَدُ عَلَى الصِّفَاتِ وَلاَ تَشْكُرُ، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى الْفَرْقِ (١) .
ب - الْمَدْحُ:
٣ - الْمَدْحُ مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ تَقُول: مَدَحْتُهُ مَدْحًا مِنْ بَابِ نَفَعَ: أَثْنَيْتَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ، خَلْقِيَّةً كَانَتْ أَوِ اخْتِيَارِيَّةً. وَالْمَدْحُ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيل الاِخْتِيَارِيِّ قَصْدًا. وَلِهَذَا كَانَ الْمَدْحُ أَعَمَّ مِنَ الْحَمْدِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - مَوَاطِنُ التَّحْمِيدِ فِي حَيَاةِ الإِْنْسَانِ مُتَعَدِّدَةٌ. стр. 6199
فَهُوَ مُطَالَبٌ بِهِ عِرْفَانًا مِنْهُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَثَنَاءً عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، عَلَى مَا أَوْلاَهُ مِنْ نِعَمٍ لاَ حَصْرَ لَهَا، قَال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ (١) فَلاَ طَاقَةَ عَلَى عَدِّهَا، وَلاَ قُدْرَةَ عَلَى حَصْرِهَا لِكَثْرَتِهَا، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَافِيَةِ وَالرِّزْقِ، وَهِيَ نِعَمٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَلِذَا هَيَّأَ لِلإِْنْسَانِ مِنَ الأَْسْبَابِ مَا يُعِينُهُ عَلَى الْقِيَامِ بِحَمْدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ.
وَالتَّحْمِيدُ تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا كَمَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ. وَتَارَةً يَكُونُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً كَمَا هُوَ بَعْدَ الْعُطَاسِ. وَتَارَةً يَكُونُ مَنْدُوبًا كَمَا فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ، وَفِي ابْتِدَاءِ الدُّعَاءِ، وَفِي ابْتِدَاءِ كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ، وَبَعْدَ كُل أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَتَارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا فِي الأَْمَاكِنِ الْمُسْتَقْذَرَةِ.
وَتَارَةً يَكُونُ حَرَامًا كَمَا فِي الْفَرَحِ بِالْمَعْصِيَةِ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي:
التَّحْمِيدُ فِي خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ:
٥ - التَّحْمِيدُ فِي خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي فَرْضِيَّتِهِ أَوْ نَدْبِهِ (٣) . وَالْبُدَاءَةُ بِهِ فِيهِمَا مُسْتَحَبَّةٌ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ стр. 6200
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: كُل كَلاَمٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ فَهُوَ أَجْذَمُ (١) ، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي (صَلاَةُ الْجُمُعَةِ) .
التَّحْمِيدُ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ:
٦ - يُسْتَحَبُّ التَّحْمِيدُ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ قَبْل إِجْرَاءِ الْعَقْدِ ْ؛ لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ لَفْظِهِ ﵊: الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِل لَهُ، وَمَنْ يُضْلِل فَلاَ هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (٣) ﴿ стр. 6201
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَْرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣) .
التَّحْمِيدُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلاَةِ:
٧ - التَّحْمِيدُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلاَةِ - وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ - سُنَّةٌ: فَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ كَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ (٤) وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ стр. 6202
الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (١)
وَالتَّحْمِيدُ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الصَّلاَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِبُرَيْدَةَ ﵁: يَا بُرَيْدَةُ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَقُل: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (٢) وَسُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لِلْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، فَإِنَّهُمَا يَجْمَعَانِ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ، وَيَكْتَفِي الْمَأْمُومُ بِالتَّحْمِيدِ اتِّفَاقًا لِلأَْمْرِ بِهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا قَال الإِْمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (٣) وَلِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ ﵁ قَال: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَال رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ قَال: стр. 6203
أَنَا. قَال: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّل (١) .
وَهَذَا التَّحْمِيدُ بَعْدَ قَوْل الإِْمَامِ أَوْ قَوْل الْفَرْدِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (٢)
التَّحْمِيدُ لِمَنْ فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ عَقِيبَ التَّسْلِيمِ:
٨ - هُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٣) لِمَا رَوَى ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُهَلِّل فِي إِثْرِ كُل صَلاَةٍ فَيَقُول: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، وَلَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْل، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. (٤)
وَسُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُل صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، стр. 6204
وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَال فِي تَمَامِ الْمِائَةِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَدِ الْبَحْرِ (١) .
وَيُسَنُّ عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُول بَعْدَ ذَلِكَ: " اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ " وَيَخْتِمُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ الْحَدِيثَ الَّذِي اسْتَدَل بِهِ الشَّافِعِيَّةُ. (٣)
وَالأَْوْلَى الْبَدْءُ بِالتَّسْبِيحِ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّخْلِيَةِ، ثُمَّ التَّحْمِيدِ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّحْلِيَةِ، ثُمَّ التَّكْبِيرِ لأَِنَّهُ تَعْظِيمٌ. (٤)
التَّحْمِيدُ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ:
٩ - هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِلإِْمَامِ وَالْمُؤْتَمِّ، فَيُثْنِي وَيَحْمَدُ مُسْتَفْتِحًا: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، стр. 6205
وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ " وَذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ. (١)
وَهُوَ سُنَّةٌ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَيَقُول بَيْنَهَا: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ عَمَّا يَقُولُهُ بَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ؟ قَال: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو وَيُكَبِّرُ (٢) .
التَّحْمِيدُ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ:
١٠ - التَّحْمِيدُ فِي خُطْبَةِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
وَهُوَ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. فَيَقُول الْمُصَلِّي: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ. стр. 6206
التَّحْمِيدُ فِي تَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ:
١١ - التَّحْمِيدُ فِي تَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَيَقُول كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. (١) وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَال عَلَى الصَّفَا: اللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَْحْزَابَ وَحْدَهُ. لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. (٢)
وَالْجَمْعُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيل وَالتَّحْمِيدِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَفْضَل وَأَحْسَنُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَيَقُول إِنْ أَرَادَ الْجَمْعَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، стр. 6207
لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا. (١)
التَّحْمِيدُ لِلْعَاطِسِ فِي غَيْرِ صَلاَةٍ:
١٢ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْعَاطِسِ إِذَا عَطَسَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ، فَيَقُول عَقِبَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَلَوْ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُل حَالٍ كَانَ أَفْضَل، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُل: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَلْيَقُل لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ (٢) وَعَنْهُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُل: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُل حَالٍ (٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: عَطَسَ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الآْخَرَ. فَقَال الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلاَنٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ فَلَمْ تُشَمِّتْنِي؟ فَقَال: هَذَا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى. (٤) وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ стр. 6208
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلاَ تُشَمِّتُوهُ. (١)
التَّحْمِيدُ لِلْخَارِجِ مِنَ الْخَلاَءِ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ:
١٣ - وَهُوَ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَسُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَيَقُول: " غُفْرَانَكَ " (٢) " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَْذَى وَعَافَانِي " (٣) . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ ﵄ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاَءِ يَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِي قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ (٤) . стр. 6209
التَّحْمِيدُ لِمَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ:
١٤ - هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى مِنَ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُل الأَْكْلَةَ أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا. (١)
وَلِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَكَل أَوْ شَرِبَ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ (٢) وَرَوَى مُعَاذُ بْنُ أَنَسٍ الْجُهَنِيُّ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ أَكَل طَعَامًا فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (٣)
وَلِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الأَْنْصَارِيُّ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَكَل أَوْ شَرِبَ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَل لَهُ مَخْرَجًا. (٤) стр. 6210
وَلِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ التَّابِعِيُّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ خَدَمَ النَّبِيَّ ﷺ ثَمَانِيَ سَنَوَاتٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا يَقُول: بِسْمِ اللَّهِ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَال: اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وَأَحْسَنْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ. (١)
التَّحْمِيدُ لِمَنْ سَمِعَ بِشَارَةً تَسُرُّهُ، أَوْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ، أَوِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ نِقْمَةٌ ظَاهِرَةٌ:
١٥ - يُسْتَحَبُّ لِلشَّخْصِ أَنْ يَحْمَدَهُ سُبْحَانَهُ، وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَفِي هَذَا قَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٢) وَهُوَ مَا يَقُولُهُ أَهْل الْجَنَّةِ.
وَفِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . (٣) стр. 6211
وَقَوْل إِبْرَاهِيمَ ﵊: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاقَ﴾ . (١)
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَرْسَل ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ يَسْتَأْذِنُهَا أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ. فَلَمَّا أَقْبَل عَبْدُ اللَّهِ قَال عُمَرُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَال: الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَذِنَتْ. قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ. (٢)
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَال لَهُ جِبْرِيل ﵇: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. (٣)
التَّحْمِيدُ لِلْقَائِمِ مِنَ الْمَجْلِسِ:
١٦ - التَّحْمِيدُ لِلْقَائِمِ مِنَ الْمَجْلِسِ مُسْتَحَبٌّ. فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَال قَبْل أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ стр. 6212
وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ. (١)
التَّحْمِيدُ فِي أَعْمَال الْحَجِّ:
١٧ - التَّحْمِيدُ فِي أَعْمَال الْحَجِّ مُسْتَحَبٌّ، وَمِمَّا أُثِرَ مِنْ صِيَغِهِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الْمُلْتَزَمِ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَكَ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَكَ، أَحْمَدُكَ بِجَمِيعِ مَحَامِدِكَ، مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَعَلَى كُل حَالٍ. اللَّهُمَّ صَل وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ أَعِذْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَأَعِذْنِي مِنْ كُل سُوءٍ، وَقَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَكْرَمِ وَفْدِكَ عَلَيْكَ، وَأَلْزِمْنِي سَبِيل الاِسْتِقَامَةِ حَتَّى أَلْقَاكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. (٢)
التَّحْمِيدُ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا:
١٨ - التَّحْمِيدُ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا مُسْتَحَبٌّ. فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ стр. 6213
لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ غَفَرَ اللَّه لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (١)
التَّحْمِيدُ لِمَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ:
١٩ - التَّحْمِيدُ لِمَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ مُسْتَحَبٌّ. فَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول إِذَا اسْتَيْقَظَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ. (٢)
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَعَافَانِي فِي جَسَدِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ. (٣)
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُول عِنْدَ رَدِّ اللَّهِ تَعَالَى رُوحَهُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ стр. 6214
الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ذُنُوبَهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْل زَبَدِ الْبَحْرِ. (١)
التَّحْمِيدُ لِمَنْ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ:
٢٠ - التَّحْمِيدُ لِمَنْ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ لِلنَّوْمِ مُسْتَحَبٌّ. فَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لَهُ وَلِفَاطِمَةَ ﵄: إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا، أَوْ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ التَّسْبِيحُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ التَّكْبِيرُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ. قَال عَلِيٌّ فَمَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ .
التَّحْمِيدُ لِمَنْ يَشْرَعُ فِي الْوُضُوءِ، وَلِمَنْ فَرَغَ مِنْهُ:
٢١ - التَّحْمِيدُ فِي الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ. فَيَقُول الْمُتَوَضِّئُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَل стр. 6215
الْمَاءَ طَهُورًا. وَرُوِيَ عَنِ السَّلَفِ، وَقِيل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَفْظِهَا: بِاسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الإِْسْلاَمِ. (١)
وَالتَّحْمِيدُ لِمَنْ فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ. فَيَقُول بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. وَقَال ﷺ : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَال عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ وُضُوئِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ خُتِمَ عَلَيْهَا بِخَاتَمٍ فَوُضِعَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. (٢)
التَّحْمِيدُ لِلْمَسْئُول عَنْ حَالِهِ:
٢٢ - وَالتَّحْمِيدُ لِلْمَسْئُول عَنْ حَالِهِ مُسْتَحَبٌّ. فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ стр. 6216
رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَال النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ: كَيْف أَصْبَحَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَال: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى بَارِئًا. (١)
٢٣ - كَذَلِكَ التَّحْمِيدُ لِمَنْ رَأَى مُبْتَلًى بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ مُسْتَحَبٌّ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلاَءُ. (٢) قَال النَّوَوِيُّ: قَال الْعُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُول هَذَا الذِّكْرَ سِرًّا بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ، وَلاَ يُسْمِعُهُ الْمُبْتَلَى لِئَلاَّ يَتَأَلَّمَ قَلْبُهُ بِذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُسْمِعَهُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةً. (٣)
- كَذَلِكَ التَّحْمِيدُ لِمَنْ دَخَل السُّوقَ مُسْتَحَبٌّ. فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ دَخَل السُّوقَ فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، стр. 6217
كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ. (١)
التَّحْمِيدُ لِمَنْ عَطَسَ فِي الصَّلاَةِ:
٢٥ - التَّحْمِيدُ لِمَنْ عَطَسَ فِي الصَّلاَةِ مَكْرُوهٌ إِذَا جَهَرَ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ بَأْسَ بِهِ إِنْ أَسَرَّ بِهِ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ. (٢) وَحَرَامٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لِمَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ ﵁ قَال: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلاَةِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَحَدَّقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ. فَقُلْتُ: وَاثُكْل أُمَّاهُ مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَضَرَبَ الْقَوْمُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَعَانِي، بِأَبِي وَأُمِّي هُوَ، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا ضَرَبَنِي ﷺ وَلاَ كَهَرَنِي ثُمَّ قَال: إِنَّ صَلاَتَنَا هَذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ الآْدَمِيِّينَ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. (٣) стр. 6218
هَذَا وَيُكْرَهُ التَّحْمِيدُ لِمَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ فِي الْخَلاَءِ وَعَطَسَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِهِ بِلِسَانِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ. (١) стр. 6219
تَحْنِيكٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي التَّحْنِيكِ فِي اللُّغَةِ: أَنْ يُدَلِّكَ بِالتَّمْرِ حَنَكَ الصَّبِيِّ مِنْ دَاخِل فِيهِ، بَعْدَ أَنْ يَلِينَ. (١)
وَالتَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ يَشْتَمِل عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَعَلَى غَيْرِهِ، كَتَحْنِيكِ الْمَيِّتِ وَغَيْرِهِ.
٢ - فَتَحْنِيكُ الْمَيِّتِ هُوَ: إِدَارَةُ الْخِرْقَةِ تَحْتَ الْحَنَكِ وَتَحْتَ الذَّقَنِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (الْجَنَائِزُ) .
٣ - وَتَحْنِيكُ الْوُضُوءِ هُوَ: مَسْحُ مَا تَحْتَ الْحَنَكِ وَالذَّقَنِ فِي الْوُضُوءِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (الْوُضُوءِ) .
٤ - وَتَحْنِيكُ الْعِمَامَةِ (وَيُسَمَّى التَّلَحِّي) هُوَ: إِدَارَةُ الْعِمَامَةِ مِنْ تَحْتِ الْحَنَكِ كَوْرًا أَوْ كَوْرَيْنِ. (٢)
تَحْنِيكُ الْمَوْلُودِ:
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - التَّحْنِيكُ مُسْتَحَبٌّ لِلْمَوْلُودِ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى стр. 6220
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: وُلِدَ لِي غُلاَمٌ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ. (١)
٦ - وَيَتَوَلَّى تَحْنِيكَ الصَّبِيِّ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ. (٢)
وَأَوْرَدَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَمَرَ امْرَأَةً بِتَحْنِيكِهِ. (٣)
٧ - وَيُحَنَّكُ الْمَوْلُودُ بِتَمْرٍ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَتْ: خَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءَ، فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءَ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَل فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّل شَيْءٍ دَخَل جَوْفَهُ رِيقُ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ تَمْرٌ فَرُطَبٌ، وَإِلاَّ فَشَيْءٌ حُلْوٌ، стр. 6221
وَعَسَل نَحْلٍ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ مَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِمَّا يُفْطِرُ الصَّائِمَ.
٨ - وَيُحَنَّكُ الْغُلاَمُ غَدَاةَ يُولَدُ، قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَقُيِّدَ بِالْغَدَاةِ اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَالْغَدَاةُ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْوَقْتُ هُنَا.
وَيَنْبَغِي عِنْدَ التَّحْنِيكِ أَنْ يَفْتَحَ الْمُحَنِّكُ فَمَ الصَّبِيِّ، حَتَّى تَنْزِل حَلاَوَةُ التَّمْرِ أَوْ نَحْوِهِ إِلَى جَوْفِهِ. (١)
التَّحْنِيكُ فِي الْعِمَامَةِ:
٩ - تَحْنِيكُ الْعِمَامَةِ أَنْ يُدَارَ مِنْهَا تَحْتَ الْحَنَكِ كَوْرٌ أَوْ كَوْرَانِ، وَيُسَنُّ تَحْنِيكُهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَمُحَصَّل الْكَلاَمِ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْعِمَامَةَ بِغَيْرِ تَحْنِيكٍ وَلاَ عَذَبَةٍ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، فَإِنْ وُجِدَا فَهُوَ الأَْكْمَل وَهُوَ السُّنَّةُ، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ الْكَرَاهَةِ، فَقِيل لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.
وَلاَ يُسَنُّ تَحْنِيكُ الْعِمَامَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَتُسَنُّ الْعَذَبَةُ لاَ غَيْرُ. (٢) стр. 6222
تَحَوُّلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحَوُّل فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ تَحَوَّل، وَمَعْنَاهُ: التَّنَقُّل مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى آخَرَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا: الزَّوَال، كَمَا يُقَال: تَحَوَّل عَنِ الشَّيْءِ أَيْ: زَال عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ: التَّغَيُّرُ وَالتَّبَدُّل. وَالتَّحْوِيل مَصْدَرُ حَوَّل، وَهُوَ: النَّقْل، فَالتَّحَوُّل مُطَاوِعٌ وَأَثَرٌ لِلتَّحْوِيل. (١)
وَيَقْصِدُ الْفُقَهَاءُ بِالتَّحَوُّل مَا يُقْصَدُ بِهِ فِي اللُّغَةِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الاِسْتِحَالَةُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِحَالَةِ لُغَةً: تَغَيُّرُ الشَّيْءِ عَنْ طَبْعِهِ وَوَصْفِهِ، أَوْ عَدَمُ الإِْمْكَانِ. (٢)
فَالاِسْتِحَالَةُ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى التَّحَوُّل، стр. 6223
كَاسْتِحَالَةِ الأَْعْيَانِ النَّجِسَةِ مِنَ الْعَذِرَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَتَحَوُّلِهَا عَنْ أَعْيَانِهَا وَتَغَيُّرِ أَوْصَافِهَا، وَذَلِكَ بِالاِحْتِرَاقِ، أَوْ بِالتَّخْلِيل، أَوْ بِالْوُقُوعِ فِي شَيْءٍ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
أَحْكَامُ التَّحَوُّل:
لِلتَّحَوُّل أَحْكَامٌ تَعْتَرِيهِ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهَا، أَهَمُّهَا مَا يَلِي:
أ - تَحَوُّل الْعَيْنِ وَأَثَرُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَالْحِل:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى: أَنَّ نَجِسَ الْعَيْنِ يَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ، فَرَمَادُ النَّجِسِ لاَ يَكُونُ نَجِسًا، وَلاَ يُعْتَبَرُ نَجِسًا مِلْحٌ كَانَ حِمَارًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَلاَ نَجِسٌ وَقَعَ فِي بِئْرٍ فَصَارَ طِينًا، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ إِذَا صَارَتْ خَلًّا سَوَاءٌ بِنَفْسِهَا أَوْ بِفِعْل إِنْسَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، لاِنْقِلاَبِ الْعَيْنِ، وَلأَِنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ وَصْفَ النَّجَاسَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ، فَيَنْتَفِي بِانْتِقَائِهَا. فَإِذَا صَارَ الْعَظْمُ وَاللَّحْمُ مِلْحًا أَخَذَا حُكْمَ الْمِلْحِ؛ لأَِنَّ الْمِلْحَ غَيْرُ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ.
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: الْعَلَقَةُ فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ، فَإِذَا تَحَوَّلَتْ إِلَى الْمُضْغَةِ تَطْهُرُ، وَالْعَصِيرُ طَاهِرٌ فَإِذَا تَحَوَّل خَمْرًا يَنْجُسُ.
فَيَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا: أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْعَيْنِ تَسْتَتْبِعُ
стр. 6224
زَوَال الْوَصْفِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا. (١)
وَالأَْصْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ نَجِسَ الْعَيْنِ لاَ يَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ، فَالْكَلْبُ أَوْ غَيْرُهُ يُلْقَى فِي الْمَلاَّحَةِ فَيَصِيرُ مِلْحًا، وَالدُّخَانُ الْمُتَصَاعِدُ مِنْ وُقُودِ النَّجَاسَةِ، وَكَذَلِكَ الْبُخَارُ الْمُتَصَاعِدُ مِنْهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ مِنْهُ نَدَاوَةٌ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ، ثُمَّ قَطَّرَ، نَجِسٌ. (٢)
٤ - ثُمَّ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْخَمْرَ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا فَتَطْهُرُ بِالتَّخَلُّل؛ لأَِنَّ عِلَّةَ النَّجَاسَةِ الإِْسْكَارُ وَقَدْ زَالَتْ، وَلأَِنَّ الْعَصِيرَ لاَ يَتَخَلَّل إِلاَّ بَعْدَ التَّخَمُّرِ غَالِبًا، فَلَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِالطَّهَارَةِ تَعَذَّرَ الْحُصُول عَلَى الْخَل، وَهُوَ حَلاَلٌ بِالإِْجْمَاعِ.
وَأَمَّا إِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا بِفِعْل إِنْسَانٍ فَلاَ تَطْهُرُ عِنْدَهُمْ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا لَوْ تَخَلَّلَتْ بِإِلْقَاءِ الرِّيحِ فَلاَ تَطْهُرُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا، سَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ دَخْلٌ فِي التَّخْلِيل كَبَصَلٍ وَخُبْزٍ حَارٍّ، أَمْ لاَ كَحَصَاةٍ.
وَكَذَلِكَ لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْمُلْقَاةُ طَاهِرَةً أَوْ نَجِسَةً. (٣) وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ أَكْثَرُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَخْلِيلٌ وَاسْتِحَالَةٌ) . стр. 6225
ب - تَطْهِيرُ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ:
٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَجَاسَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْل الدِّبَاغِ، (١) وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي طَهَارَتِهِ بَعْدَهُ عَلَى اتِّجَاهَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَفِي الْمَوْضُوعِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ وَخِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، فَصَّلَهُ الْفُقَهَاءُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ النَّجَاسَةِ وَكَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِهَا، (٢) وَيُرَاجَعُ فِيهِ أَيْضًا مُصْطَلَحُ: (دِبَاغَةٌ) .
ج - تَحَوُّل الْوَصْفِ أَوِ الْحَالَةِ:
تَحَوُّل الْمَاءِ الرَّاكِدِ إِلَى الْمَاءِ الْجَارِي:
٦ - الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَاءَ النَّجِسَ الرَّاكِدَ إِذَا تَحَوَّل إِلَى جَارٍ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ جَرَيَانِهِ، وَالْجَارِي مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا (٣) بِأَنْ يَدْخُل الْمَاءَ مِنْ جَانِبٍ وَيَخْرُجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ حَال دُخُولِهِ، وَإِنْ قَل الْخَارِجُ، لأَِنَّهُ صَارَ جَارِيًا حَقِيقَةً، وَبِخُرُوجِ بَعْضِهِ وَقَعَ الشَّكُّ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ، فَلاَ تَبْقَى مَعَ الشَّكِّ.
وَفِيهِ قَوْلاَنِ ضَعِيفَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
الأَْوَّل: لاَ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ التَّحَوُّل، بَل لاَ بُدَّ مِنْ خُرُوجِ قَدْرِ مَا فِيهِ.
وَالثَّانِي: لاَ بُدَّ مِنْ خُرُوجِ ثَلاَثَةِ أَمْثَالِهِ. стр. 6226
وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْل الْمُخْتَارِ وَالْقَوْلَيْنِ الآْخَرَيْنِ فِي: أَنَّ الْخَارِجَ مِنَ الْحَوْضِ يَكُونُ طَاهِرًا بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْل الْمُخْتَارِ. وَلاَ يَكُونُ طَاهِرًا قَبْل الْحُكْمِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الآْخَرَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا الْخِلاَفِ: الْبِئْرُ وَحَوْضُ الْحَمَّامِ وَالأَْوَانِي. (١)
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ يَتَحَوَّل الْمَاءُ الْكَثِيرُ النَّجِسُ طَهُورًا بِزَوَال التَّغَيُّرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِصَبِّ مَاءٍ مُطْلَقٍ عَلَيْهِ، قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، أَوْ مَاءٍ مُضَافٍ مُقَيَّدٍ انْتَفَتْ نَجَاسَتُهُ، أَمْ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ كَتُرَابٍ أَوْ طِينٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَحَدُ أَوْصَافِ مَا أُلْقِيَ فِيهِ. لأَِنَّ تَنَجُّسَهُ إِنَّمَا كَانَ لأَِجْل التَّغَيُّرِ وَقَدْ زَال، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، كَالْخَمْرِ إِذَا صَارَتْ خَلًّا، وَفِي تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَزْحِ بَعْضِهِ قَوْلاَنِ. (٢)
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْمَاءَ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لاَ يَنْجُسُ بِمُلاَقَاةِ نَجِسٍ، لِحَدِيثِ إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ (٣) أَيْ لاَ يَقْبَل النَّجِسَ.
هَذَا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ فَيَنْجُسُ стр. 6227
لِحَدِيثِ: إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ. (١)
فَإِنْ تَغَيَّرَ وَصْفٌ مِنْ هَذِهِ الأَْوْصَافِ تَنَجَّسَ، فَإِنْ زَال تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَاءٍ انْضَمَّ إِلَيْهِ طَهُرَ. وَمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ بِالْمُلاَقَاةِ، فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلاَ تَغَيُّرَ بِهِ فَطَهُورٌ. وَلَوْ كَوْثَرٌ بِإِيرَادِ طَهُورٍ فَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَطْهُرْ. وَقِيل: هُوَ طَاهِرٌ لاَ طَهُورٌ. (٢)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَخْتَلِفُ تَطْهِيرُ الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ بِالْمُكَاثَرَةِ بِاخْتِلاَفِ أَحْوَالٍ ثَلاَثٍ لِلْمَاءِ: стр. 6228
أَنْ يَكُونَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، أَوْ وَفْقَ الْقُلَّتَيْنِ، أَوْ زَائِدًا عَنْهُمَا.
(١) فَإِنْ كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَتَطْهِيرُهُ بِالْمُكَاثَرَةِ بِمَاءٍ آخَرَ.
فَإِنِ اجْتَمَعَ نَجِسٌ إِلَى نَجِسٍ، فَالْكُل نَجِسٌ وَإِنْ كَثُرَ، لأَِنَّ اجْتِمَاعَ النَّجِسِ إِلَى النَّجِسِ لاَ يَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا طَاهِرٌ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَطْهُرَ إِذَا زَال التَّغَيُّرُ وَبَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ، (١) لِحَدِيثِ: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ (٢) وَحَدِيثِ: إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَاءٌ غُيِّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ. (٣)
وَجَمِيعُ النَّجَاسَاتِ فِي هَذَا سَوَاءٌ، إِلاَّ بَوْل الآْدَمِيِّينَ وَعَذِرَتَهُمُ الْمَائِعَةَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تُنَجِّسُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ، إِلاَّ أَنْ يَبْلُغَ حَدًّا لاَ يُمْكِنُ نَزْحُهُ كَالْغُدْرَانِ، فَذَلِكَ الَّذِي لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ.
(٢) فَإِنْ كَانَ وَفْقَ الْقُلَّتَيْنِ:
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَيَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَإِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا يَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ إِذَا أَزَالَتِ التَّغَيُّرَ، أَوْ بِتَرْكِهِ حَتَّى يَزُول تَغَيُّرُهُ بِطُول الْمُكْثِ. стр. 6229
(٣) وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الْقُلَّتَيْنِ: فَإِنْ كَانَ نَجِسًا بِغَيْرِ التَّغَيُّرِ فَلاَ طَرِيقَ إِلَى تَطْهِيرِهِ بِغَيْرِ الْمُكَاثَرَةِ.
وَإِنْ كَانَ نَجِسًا مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ فَتَطْهِيرُهُ إِمَّا بِالْمُكَاثَرَةِ، أَوْ زَوَال تَغَيُّرِهِ بِمُكْثِهِ، أَوْ أَنْ يُنْزَحَ مِنْهُ مَا يَزُول بِهِ التَّغَيُّرُ، وَيَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ قُلَّتَانِ فَصَاعِدًا. (١)
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (طَهَارَةٌ) .
التَّحَوُّل إِلَى الْقِبْلَةِ أَوْ عَنْهَا:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ، فَفَرْضُهُ الصَّلاَةُ إِلَى عَيْنِهَا بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، بِأَنْ لاَ يَخْرُجَ شَيْءٌ مِنْهُ عَنِ الْكَعْبَةِ وَلَوْ عُضْوًا، فَلَوْ تَحَوَّل بِغَيْرِ عُذْرٍ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى بَطَلَتْ صَلاَتُهُ. (٢)
وَأَمَّا فِي تَحْوِيل الْوَجْهِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوِ انْحَرَفَ وَجْهُهُ عَنْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ انْحِرَافًا لاَ تَزُول فِيهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ، جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (٣) стр. 6230
وَأَمَّا تَحْوِيل الصَّدْرِ عَنِ الْقِبْلَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَمُفْسِدٌ لِلصَّلاَةِ. (١)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: مَنِ الْتَفَتَ بِجَسَدِهِ كُلِّهِ عَنِ الْقِبْلَةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ، إِنْ بَقِيَتْ قَدَمَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. (٢)
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ التَّحَوُّل إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى عَامِدًا مُبْطِلٌ لِلصَّلاَةِ، وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُل. (٣) وَفِي الْمَوْضُوعِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (اسْتِقْبَالٌ) .
التَّحَوُّل مِنَ الْقِيَامِ إِلَى الْقُعُودِ فِي الصَّلاَةِ:
٨ - التَّحَوُّل مِنَ الْقِيَامِ إِلَى الْقُعُودِ، وَمِنْهُ إِلَى الاِسْتِلْقَاءِ أَوِ الاِضْطِجَاعِ مِنْ فُرُوعِ قَاعِدَةِ: " الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ " وَالأَْصْل فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥) ، وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ لاَ يُطِيقُ الْقِيَامَ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ قَبْل الصَّلاَةِ أَوْ أَثْنَاءَهَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بِأَنْ خَافَ زِيَادَةَ مَرَضٍ، أَوْ بُطْءَ بُرْئِهِ، أَوْ دَوَرَانَ رَأْسِهِ، أَوْ стр. 6231
وَجَدَ لِقِيَامِهِ أَلَمًا شَدِيدًا وَنَحْوَهُ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْمَأَ مُسْتَلْقِيًا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (١) زَادَ النَّسَائِيُّ: فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا.
وَيُزَادُ فِي النَّافِلَةِ: أَنَّ لَهُ التَّحَوُّل مِنَ الْقِيَامِ إِلَى الْقُعُودِ بِلاَ عُذْرٍ.
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى كِتَابِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ فِي صَلاَةِ الْمَرِيضِ.
تَحَوُّل الْمُقِيمِ إِلَى مُسَافِرٍ وَعَكْسُهُ:
أ - تَحَوُّل الْمُقِيمِ إِلَى مُسَافِرٍ:
٩ - يَصِيرُ الْمُقِيمُ مُسَافِرًا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: إِذَا جَاوَزَ بُيُوتَ مَقَامِهِ، وَجَاوَزَ مَا اتَّصَل بِهِ مِنْ تَوَابِعِ الْبَلَدِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ، قَاصِدًا الْمَسَافَةَ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِهَا السَّفَرُ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ. وَالْمُعْتَبَرُ فِي النِّيَّةِ نِيَّةُ الْمَتْبُوعِ لاَ التَّابِعِ، حَتَّى تَصِيرَ الزَّوْجَةُ مُسَافِرَةً بِنِيَّةِ الزَّوْجِ، وَالْجُنْدِيُّ بِنِيَّةِ الْقَائِدِ، وَكُل مَنْ لَزِمَهُ طَاعَةُ غَيْرِهِ كَالسُّلْطَانِ وَأَمِيرِ الْجَيْشِ. (٢)
ثَانِيهِمَا: إِذَا أَنْشَأَ السَّيْرَ بَعْدَ الإِْقَامَةِ. стр. 6232
وَلِتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ يُرْجَعُ إِلَى (صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) . (١)
ب - تَحَوُّل الْمُسَافِرِ إِلَى مُقِيمٍ:
١٠ - يَصِيرُ الْمُسَافِرُ مُقِيمًا بِأَحَدِ الأُْمُورِ التَّالِيَةِ:
الأَْوَّل: الْعَوْدُ إِلَى الْوَطَنِ الأَْصْلِيِّ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الإِْقَامَةَ فِيهِ.
وَالضَّبْطُ فِيهِ: أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي شَرَطَ الْفُقَهَاءُ مُفَارَقَتَهُ فِي إِنْشَاءِ السَّفَرِ مِنْهُ. (٢)
الثَّانِي: الْوُصُول إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُسَافِرُ إِلَيْهِ، إِذَا عَزَمَ عَلَى الإِْقَامَةِ فِيهِ الْقَدْرَ الْمَانِعَ مِنَ التَّرَخُّصِ، وَكَانَ صَالِحًا لِلإِْقَامَةِ. وَالْمُدَّةُ الْمَانِعَةُ مِنَ التَّرَخُّصِ خِلاَفِيَّةٌ يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى (صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) .
الثَّالِثُ: إِذَا تَزَوَّجَ الْمُسَافِرُ بِبَلَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْهُ وَطَنًا، وَلَمْ يَنْوِ الإِْقَامَةَ.
الرَّابِعُ: نِيَّةُ الإِْقَامَةِ فِي الطَّرِيقِ: وَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: نِيَّةُ الإِْقَامَةِ، وَنِيَّةُ مُدَّةِ الإِْقَامَةِ، وَاتِّحَادُ الْمَكَانِ، وَصَلاَحِيَّتُهُ لِلإِْقَامَةِ.
وَأَمَّا الْمَفَازَةُ وَنَحْوُهَا فَفِي انْقِطَاعِ السَّفَرِ بِنِيَّةِ стр. 6233
الإِْقَامَةِ فِيهَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ (١) يُنْظَرُ فِي (صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) .
الْخَامِسُ: الإِْقَامَةُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ: وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ الأَْصْل مُقِيمًا، فَيَصِيرَ التَّبَعُ أَيْضًا مُقِيمًا، بِإِقَامَةِ الأَْصْل. (٢)
التَّحَوُّل عَنِ الْوَاجِبِ إِلَى الْبَدَل:
الْكَلاَمُ عَلَى التَّحَوُّل عَنِ الْوَاجِبِ إِلَى الْبَدَل يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا:
أ - الزَّكَاةُ:
١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّحَوُّل عَنِ الْوَاجِبِ إِلَى الْبَدَل فِي الزَّكَاةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. فَيَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَنْ يَدْفَعَ الْعَيْنَ أَوِ الْقِيمَةَ مِنَ النَّقْدَيْنِ وَالْعُرُوضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ . (٣)
نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَأْخُوذِ (صَدَقَةً) وَكُل جِنْسٍ يَأْخُذُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ.
وَلِقَوْل مُعَاذٍ لأَِهْل الْيَمَنِ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمُ: ائْتُونِي بِعَرْضِ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ стр. 6234
وَخَيْرٌ لأَِصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، (١) وَكَانَ يَأْتِي بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلاَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ.
وَالْفِقْهُ فِيهِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ إِيصَال الرِّزْقِ الْمَوْعُودِ إِلَى الْفَقِيرِ، وَدَفْعُ حَاجَةِ الْمِسْكِينِ، وَهُوَ يَحْصُل بِالْقِيمَةِ أَيْضًا. قَال ﵊: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ قُوتَ الْفُقَرَاءِ، وَسَمَّاهُ زَكَاةً. (٢)
وَفِي اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ هَل تُدْفَعُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الأَْدَاءِ стр. 6235
أَمْ يَوْمَ الْوُجُوبِ؟ خِلاَفٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مَوْطِنِهِ. (١)
وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: فَيَجُوزُ التَّحَوُّل عَنِ الْوَاجِبِ إِلَى الْبَدَل فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَقَطْ، فَيَجُوزُ لِلْمُزَكِّي أَنْ يُخْرِجَ فِي زَكَاةِ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ بِقِيمَتِهَا، وَيُخْرِجَ عَنِ الْفِضَّةِ ذَهَبًا بِقِيمَتِهِ، قَلَّتِ الْقِيمَةُ أَوْ كَثُرَتْ، لأَِنَّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ فِي حَقِّهِ، فَكَانَتْ بِالْقِيمَةِ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، (٢) وَهُمَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ.
وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ. (٣)
وَأَمَّا فِي الْمَوَاشِي: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَائِزٌ، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِمْ بِجَوَازِ الْقِيمَةِ فِي كُل شَيْءٍ. وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّحَوُّل عَنِ الْوَاجِبِ إِلَى الْبَدَل، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلِئَلاَّ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَقَل مِمَّا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ قَدْ بَخَسَ الْفُقَرَاءَ حَقَّهُمْ، إِلاَّ إِذَا أَجْبَرَ السَّاعِي الْمُزَكِّيَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَدَقَتِهِ، فَيُجْزِئُ عَنْهُ، إِذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَكَانَ عِنْدَ مَحَلِّهَا. (٤) следующие страницы →