Полный текст (31 949 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيل لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) فَإِنْ قَامَ رَجُلٌ وَأَجْلَسَهُ مَكَانَهُ بِاخْتِيَارِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ. وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَنْتَقِل إِلَيْهِ مِثْل الأَْوَّل فِي سَمَاعِ كَلاَمِ الإِْمَامِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ دُونَ الَّذِي كَانَ فِيهِ فِي الْقُرْبِ مِنَ الإِْمَامِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ آثَرَ غَيْرَهُ فِي الْقُرْبَةِ، وَفِيهِ تَفْوِيتُ حَظِّهِ.
٧ - وَإِذَا أَمَرَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا أَنْ يُبَكِّرَ إِلَى الْجَامِعِ فَيَأْخُذَ لَهُ مَكَانًا يَقْعُدُ فِيهِ لاَ يُكْرَهُ، فَإِذَا جَاءَ الآْمِرُ يَقُومُ مِنَ الْمَوْضِعِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِل غُلاَمَهُ إِلَى مَجْلِسٍ لَهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَيَجْلِسُ لَهُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ قَامَ لَهُ مِنْهُ (٢) .
تَخْفِيفٌ
انْظُرْ: تَيْسِيرٌ стр. 6372
تَخَلُّلٌ
انْظُرْ: تَخْلِي لٌ
تَخَلِّي
انْظُرْ: قَضَاءَ الْحَاجَةِ
تَخْلِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخْلِيل لُغَةً يَأْتِي بِمَعَانٍ، مِنْهَا: تَفْرِيقُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ وَأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، يُقَال: خَلَّل الرَّجُل لِحْيَتَهُ: إِذَا أَوْصَل الْمَاءَ إِلَى خِلاَلِهَا، وَهُوَ الْبَشَرَةُ الَّتِي بَيْنَ الشَّعْرِ. وَأَصْلُهُ مِنْ إِدْخَال الشَّيْءِ فِي خِلاَل الشَّيْءِ، وَهُوَ وَسَطُهُ. وَيُقَال: خَلَّل الشَّخْصُ أَسْنَانَهُ تَخْلِيلاً: إِذَا أَخْرَجَ
стр. 6373
مَا يَبْقَى مِنَ الْمَأْكُول بَيْنَهَا. وَخَلَّلْتُ النَّبِيذَ تَخْلِيلاً: جَعَلْتُهُ خَلًّا (١) .
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ التَّخْلِيل بِهَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ.
أَحْكَامُ التَّخْلِيل بِأَنْوَاعِهِ:
أَوَّلاً: التَّخْلِيل فِي الطَّهَارَةِ:
أ - تَخْلِيل الأَْصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل:
٢ - إِيصَال الْمَاءِ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالتَّخْلِيل أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مُتَمِّمَاتِ الْغُسْل، (٢) فَهُوَ فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣) .
أَمَّا التَّخْلِيل بَعْدَ دُخُول الْمَاءِ خِلاَل الأَْصَابِعِ، فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنَّ تَخْلِيل الأَْصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِلَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ: أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّل بَيْنَ الأَْصَابِعِ (٤) ، وَقَدْ стр. 6374
صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَالْحَنَابِلَةُ يَرَوْنَ أَنَّ التَّخْلِيل فِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ آكَدُ، وَعَلَّلُوا اسْتِحْبَابَ التَّخْلِيل بِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الدَّرَنِ وَالْوَسَخِ مِنْ بَيْنِ الأَْصَابِعِ. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى وُجُوبِ التَّخْلِيل فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَاسْتِحْبَابِهِ فِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا وَجَبَ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ دُونَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ لِعَدَمِ شِدَّةِ الْتِصَاقِهَا، فَأَشْبَهَتِ الأَْعْضَاءَ الْمُسْتَقِلَّةَ، بِخِلاَفِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ لِشِدَّةِ الْتِصَاقِهَا، فَأَشْبَهَ مَا بَيْنَهَا الْبَاطِنُ.
وَفِي الْقَوْل الآْخَرِ عِنْدَهُمْ: يَجِبُ التَّخْلِيل فِي الرِّجْلَيْنِ كَالْيَدَيْنِ.
وَمُرَادُ الْمَالِكِيَّةِ بِوُجُوبِ التَّخْلِيل إِيصَال الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ بِالدَّلْكِ. (٢)
٣ - وَكَذَلِكَ يُسَنُّ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حَيْثُ ذَكَرُوا فِي بَيَانِ الْغُسْل الْكَامِل الْمُشْتَمِل عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ أَنْ يَتَوَضَّأَ كَامِلاً قَبْل أَنْ يَحْثُوَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثًا، لِقَوْلِهِ ﷺ : ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ (٣) وَقَدْ стр. 6375
سَبَقَ أَنَّ تَخْلِيل الأَْصَابِعِ سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ فِي الْوُضُوءِ، فَكَذَلِكَ فِي الْغُسْل. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى وُجُوبِ تَخْلِيل أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ كَأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فِي الْغُسْل؛ لأَِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ عَلَى خِلاَفِ مَا قَالُوا فِي الْوُضُوءِ مِنِ اسْتِحْبَابِ تَخْلِيل أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ. (٢)
ب - تَخْلِيل الأَْصَابِعِ فِي التَّيَمُّمِ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي أَنَّ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فَرْضٌ فِي التَّيَمُّمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣)
كَذَلِكَ يَجِبُ تَعْمِيمُ وَاسْتِيعَابُ مَحَل الْفَرْضِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِوُجُوبِ نَزْعِ الْخَاتَمِ وَالسِّوَارِ إِذَا كَانَا ضَيِّقَيْنِ يُخْشَى عَدَمُ وُصُول الْغُبَارِ إِلَى مَا تَحْتَهُمَا، حَتَّى إِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا بِوُجُوبِ نَزْعِ الْخَاتَمِ، وَلَوْ كَانَ وَاسِعًا، وَإِلاَّ كَانَ حَائِلاً.
وَعَلَى ذَلِكَ يَجِبُ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ إِنْ لَمْ يَدْخُل بَيْنَهَا غُبَارٌ، أَوْ لَمْ تُمْسَحْ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. стр. 6376
أَمَّا تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ بَعْدَ مَسْحِهِمَا، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِاسْتِحْبَابِهِ احْتِيَاطًا، وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ فَرَّقَ أَصَابِعَهُ فِي الضَّرْبَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُفَرِّقْهَا فِيهِمَا، أَوْ فَرَّقَهَا فِي الأُْولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَجَبَ التَّخْلِيل. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ مَا يُوَافِقُ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، حَيْثُ قَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ وُجُوبَ التَّخْلِيل بِعَدَمِ وُصُول الْغُبَارِ إِلَى الأَْصَابِعِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ تَعْمِيمُ يَدَيْهِ لِكُوعَيْهِ مَعَ تَخْلِيل أَصَابِعِهِ مُطْلَقًا. (١)
كَيْفِيَّةُ تَخْلِيل الأَْصَابِعِ:
٥ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ يَكُونُ بِالتَّشْبِيكِ بَيْنَهُمَا. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُدْخِل أَصَابِعَ إِحْدَاهُمَا بَيْنَ أَصَابِعِ الأُْخْرَى، سَوَاءٌ أَدَخَل مِنَ الظَّاهِرِ أَوِ الْبَاطِنِ، وَلاَ يَكْرَهُونَ التَّشْبِيكَ فِي الْوُضُوءِ.
وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِكَرَاهَةِ التَّشْبِيكِ، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ стр. 6377
أَتَى الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلاَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلاَ يَفْعَل هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (١) .
أَمَّا تَخْلِيل أَصَابِعِ الرِّجْل، فَيُسْتَحَبُّ فِيهِ أَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الرِّجْل الْيُمْنَى، وَيَخْتِمَ بِخِنْصَرِ الرَّجُل الْيُسْرَى لِيَحْصُل التَّيَامُنُ، وَهُوَ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لِحَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَخَلَّل أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ (٢) وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي وُضُوئِهِ (٣) إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ قَالُوا: التَّخْلِيل يَكُونُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى؛ لأَِنَّهَا مُعَدَّةٌ لإِِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْ بَاطِنِ رِجْلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ أَبْلَغُ. стр. 6378
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكُونُ بِسَبَّابَتَيْهِ. (١)
ج - تَخْلِيل الشَّعْرِ:
(١) تَخْلِيل اللِّحْيَةِ:
٦ - اللِّحْيَةُ الْخَفِيفَةُ - وَهِيَ الَّتِي تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهَا وَلاَ تَسْتُرُهَا عَنِ الْمُخَاطَبِ - يَجِبُ غَسْل ظَاهِرِهَا وَإِيصَال الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ تَخْلِيلِهَا بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَذَلِكَ لِفَرْضِيَّةِ غَسْل الْوَجْهِ بِعُمُومِ الآْيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . . الآْيَةَ. (٢)
أَمَّا اللِّحْيَةُ الْكَثِيفَةُ - وَهِيَ الَّتِي لاَ تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهَا - فَيَجِبُ غَسْل ظَاهِرِهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَرْسِلَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ. (٣)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّهُ لاَ يَجِبُ غَسْل مَا اسْتَرْسَل مِنَ اللِّحْيَةِ، لأَِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ، فَأَشْبَهَ مَا نَزَل مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ. (٤) стр. 6379
وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْل الْوَجْهِ، وَهُوَ مَا تَحْصُل بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَفِي اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ تَحْصُل الْمُوَاجَهَةُ بِالشَّعْرِ الظَّاهِرِ.
أَمَّا بَاطِنُهَا فَلاَ يَجِبُ غَسْلُهُ اتِّفَاقًا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فَغَسَل وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَل بِهَا هَكَذَا: أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُْخْرَى، فَغَسَل بِهَا وَجْهَهُ (١) وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ الْكَرِيمَةُ كَثِيفَةً، وَبِالْغَرْفَةِ الْوَاحِدَةِ لاَ يَصِل الْمَاءُ إِلَى بَاطِنِهَا غَالِبًا، وَيَعْسُرُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَيْهِ.
٧ - وَيُسَنُّ تَخْلِيل اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّل بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَال: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي (٢) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَخْلِيل شَعْرِ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الْوُجُوبُ، وَالْكَرَاهَةُ стр. 6380
وَالاِسْتِحْبَابُ، أَظْهَرُهَا الْكَرَاهَةُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّعَمُّقِ. (١)
٨ - أَمَّا فِي الْغُسْل فَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّخْلِيل، بَل يَجِبُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى أُصُول شَعْرِ اللِّحْيَةِ وَلَوْ كَثِيفَةً اتِّفَاقًا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : تَحْتَ كُل شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ (٢) .
وَلِكَيْ يَتَأَكَّدَ مِنْ وُصُول الْمَاءِ إِلَى أُصُول الشَّعْرِ وَيَتَجَنَّبَ الإِْسْرَافَ قَالُوا: يُدْخِل الْمُغْتَسِل أَصَابِعَهُ الْعَشْرَ يَرْوِي بِهَا أُصُول الشَّعْرِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنِ الإِْسْرَافِ فِي الْمَاءِ.
وَمَنْ عَبَّرَ بِوُجُوبِ تَخْلِيل اللِّحْيَةِ كَالْمَالِكِيَّةِ، أَرَادَ بِذَلِكَ أَيْضًا إِيصَال الْمَاءِ إِلَى أُصُول الشَّعْرِ. (٣)
(٢) تَخْلِيل شَعْرِ الرَّأْسِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ إِرْوَاءُ أُصُول شَعْرِ الرَّأْسِ فِي الْغُسْل، سَوَاءٌ كَانَ الشَّعْرُ خَفِيفًا أَوْ كَثِيفًا (٤) ، لِمَا رَوَتْ أَسْمَاءُ ﵂ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْل الْجَنَابَةِ فَقَال: تَأْخُذُ стр. 6381
إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتُدَلِّكُهُ، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ (١) ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِل بِهِ مِنَ النَّارِ كَذَا وَكَذَا، قَال عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْت شَعْرِي (٢) وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يُجْزِي مُجَرَّدُ تَخْلِيل الشَّعْرِ فِي الْغُسْل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. (٣)
وَقَدْ صَرَّحَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ بِوُجُوبِ تَخْلِيل شَعْرِ الرَّأْسِ وَلَوْ كَثِيفًا، لِلتَّأَكُّدِ مِنْ وُصُول الْمَاءِ إِلَى أُصُولِهِ، حَيْثُ قَالُوا: وَيَجِبُ تَخْلِيل شَعْرٍ وَلَوْ كَثِيفًا وَضَغْثُ مَضْفُورِهِ - أَيْ جَمْعُهُ وَتَحْرِيكُهُ - لِيَعُمَّهُ بِالْمَاءِ، (٤) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَلاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ الشَّعْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِ الْمُحْرِمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لَكِنَّ الْمُحْرِمَ يُخَلِّل стр. 6382
بِرِفْقٍ لِئَلاَّ يَتَسَاقَطَ الشَّعْرُ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ التَّخْلِيل لِلْمُحْرِمِ. (١)
ثَانِيًا: تَخْلِيل الأَْسْنَانِ:
١٠ - تَنْظِيفُ الأَْسْنَانِ بِالسِّوَاكِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْفِطْرَةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِيَاكٌ) .
١١ - أَمَّا تَخْلِيلُهَا بَعْدَ الأَْكْل بِالْخِلاَل لإِِخْرَاجِ مَا بَيْنَهَا مِنَ الطَّعَامِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي آدَابِ الأَْكْل. قَال الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّل أَسْنَانَهُ إِنْ عَلِقَ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ، قَال فِي الْمُسْتَوْعَبِ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: تَرْكُ الْخِلاَل يُوهِنُ الأَْسْنَانَ. وَرُوِيَ: تَخَلَّلُوا مِنَ الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أَنْ يَرَيَا بَيْنَ أَسْنَانِ صَاحِبِهِمَا طَعَامًا وَهُوَ يُصَلِّي (٢) .
قَال الأَْطِبَّاءُ: وَهُوَ نَافِعٌ أَيْضًا لِلِّثَةِ وَمِنْ تَغَيُّرِ النَّكْهَةِ. وَلاَ يُخَلِّل أَسْنَانَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّعَامِ، بَل إِذَا فَرَغَ. (٣) وَمِثْلُهُ مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ. (٤) стр. 6383
مَا تُخَلَّل بِهِ الأَْسْنَانُ:
١٢ - يُسَنُّ التَّخْلِيل قَبْل السِّوَاكِ وَبَعْدَهُ، وَمِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ، وَكَوْنُ الْخِلاَل مِنْ عُودٍ، وَيُكْرَهُ بِالْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ، وَبِعُودٍ يَضُرُّهُ كَرُمَّانٍ وَآسٍ، وَلاَ يُخَلِّل بِمَا يَجْهَلُهُ لِئَلاَّ يَكُونَ مِمَّا يَضُرُّهُ، وَكَذَا مَا يَجْرَحُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ. (١)
وَلاَ يَجُوزُ تَخْلِيل الأَْسْنَانِ أَوِ الشَّعْرِ بِآلَةٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (آنِيَةٌ) .
وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ بَلْعِ مَا يَخْرُجُ مِنْ خِلاَل الأَْسْنَانِ: فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، يُلْقِي مَا أَخْرَجَهُ الْخَلاَّل، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْتَلِعَهُ، وَإِنْ قَلَعَهُ بِلِسَانِهِ لَمْ يُكْرَهُ ابْتِلاَعُهُ كَسَائِرِ مَا بِفَمِهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ بَلْعُ مَا بَيْنَ الأَْسْنَانِ إِلاَّ لِخَلْطِهِ بِدَمٍ، فَلَيْسَ مُجَرَّدُ التَّغَيُّرِ يُصَيِّرُهُ نَجَسًا خِلاَفًا لِمَا قِيل. (٣) стр. 6384
ثَالِثًا: تَخْلِيل الْخَمْرِ:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِذَا تَخَلَّلَتْ بِغَيْرِ عِلاَجٍ، بِأَنْ تَغَيَّرَتْ مِنَ الْمَرَارَةِ إِلَى الْحُمُوضَةِ وَزَالَتْ أَوْصَافُهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْخَل حَلاَلٌ طَاهِرٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : نِعْمَ الأُْدْمُ أَوِ الإِْدَامُ الْخَل (١) ، وَلأَِنَّ عِلَّةَ النَّجَاسَةِ وَالتَّحْرِيمِ الإِْسْكَارُ، وَقَدْ زَالَتْ، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا (٢) .
وَكَذَلِكَ إِذَا تَخَلَّلَتْ بِنَقْلِهَا مِنْ شَمْسٍ إِلَى ظِلٍّ وَعَكْسِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) وَبِهِ قَال الْحَنَابِلَةُ إِذَا كَانَ النَّقْل لِغَيْرِ قَصْدِ التَّخْلِيل. (٣)
١٤ - وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَخْلِيل الْخَمْرِ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهَا، كَالْخَل وَالْبَصَل وَالْمِلْحِ وَنَحْوِهِ. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: إِنَّهُ لاَ يَحِل تَخْلِيل الْخَمْرِ بِالْعِلاَجِ، وَلاَ تَطْهُرُ بِذَلِكَ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: سُئِل النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا، قَال: لاَ (٤) . стр. 6385
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِهْرَاقِهَا. (١) وَلأَِنَّ الْخَمْرَ نَجِسَةٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاجْتِنَابِهَا، وَمَا يُلْقَى فِي الْخَمْرِ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّل الْمُلاَقَاةِ، وَمَا يَكُونُ نَجِسًا لاَ يُفِيدُ الطَّهَارَةَ. (٢)
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِجَوَازِ تَخْلِيل الْخَمْرِ، فَتَصِيرُ بَعْدَ التَّخْلِيل طَاهِرَةً حَلاَلاً عِنْدَهُمْ، لِقَوْلِهِ ﵊: نِعْمَ الإِْدَامُ الْخَل (٣) فَيَتَنَاوَل جَمِيعَ أَنْوَاعِهَا؛
وَلأَِنَّ بِالتَّخْلِيل إِزَالَةَ الْوَصْفِ الْمُفْسِدِ وَإِثْبَاتَ الصَّلاَحِ، وَالإِْصْلاَحُ مُبَاحٌ كَمَا فِي دَبْغِ الْجِلْدِ، فَإِنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ : أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٤) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (خَمْرٌ) стр. 6386
تَخْلِيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخْلِيَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ خَلَّى، وَمِنْ مَعَانِيهَا فِي اللُّغَةِ: التَّرْكُ وَالإِْعْرَاضُ. (١)
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: تَمْكِينُ الشَّخْصِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ دُونَ مَانِعٍ. فَفِي الْبَيْعِ مَثَلاً إِذَا أَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الْمَانِعِ حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ، وَيُعْتَبَرُ الْمُشْتَرِي قَابِضًا لِلْمَبِيعِ مُطْلَقًا. (٢)
وَتُسْتَعْمَل التَّخْلِيَةُ أَحْيَانًا بِمَعْنَى الإِْفْرَاجِ، كَمَا يَقُولُونَ: يُحْبَسُ الْقَاتِل وَلاَ يُخَلَّى بِكَفِيلٍ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقَبْضُ:
٢ - قَبْضُ الشَّيْءِ: أَخْذُهُ. وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى حِيَازَةِ الشَّيْءِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ стр. 6387
فِيهِ (١) ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْلِيَةِ وَالْقَبْضِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ التَّخْلِيَةَ نَوْعٌ مِنَ الْقَبْضِ، وَيَحْصُل الْقَبْضُ بِأُمُورٍ أُخْرَى أَيْضًا، كَالتَّنَاوُل بِالْيَدِ وَالنَّقْل، وَكَذَلِكَ الإِْتْلاَفُ، فَإِذَا أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ فِي يَدِ الْبَائِعِ مَثَلاً صَارَ قَابِضًا لَهُ. (٢)
الثَّانِي: أَنَّ التَّخْلِيَةَ تَكُونُ مِنْ قِبَل الْمُعْطِي، وَالْقَبْضَ مِنْ قِبَل الآْخِذِ، فَإِذَا خَلَّى الْبَائِعُ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي بِرَفْعِ الْحَائِل بَيْنَهُمَا، حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ مِنَ الْبَائِعِ وَالْقَبْضُ مِنَ الْمُشْتَرِي. (٣)
ب - التَّسْلِيمُ:
٣ - تَسْلِيمُ الشَّيْءِ: إِعْطَاؤُهُ وَجَعْلُهُ سَالِمًا خَالِصًا، يُقَال: سَلَّمَ الشَّيْءَ لَهُ أَخْلَصَهُ وَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ التَّخْلِيَةِ فِي الْمَعْنَى، حَتَّى إِنَّ الأَْحْنَافَ قَالُوا: التَّسْلِيمُ عِنْدَنَا هُوَ التَّخْلِيَةُ. (٤)
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ التَّخْلِيَةَ تَسْلِيمٌ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَقَارًا، أَمَّا فِي الْمَنْقُول فَبِحَسَبِهِ أَوْ بِالْعُرْفِ، كَمَا سَيَأْتِي. стр. 6388
وَالأَْصْل أَنَّ التَّخْلِيَةَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّسْلِيمِ، وَالْقَبْضَ أَثَرٌ لَهُمَا، فَالتَّسْلِيمُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّقْل وَالتَّحْوِيل، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ، فَإِذَا بَاعَ دَارًا مَثَلاً، وَخَلَّى الْبَائِعُ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي، بِرَفْعِ الْحَائِل بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، أَصْبَحَ الْبَائِعُ مُسَلِّمًا لِلْمَبِيعِ وَالْمُشْتَرِي قَابِضًا لَهُ. (١)
الأَْحْكَامُ الإِْجْمَالِيَّةُ لِلتَّخْلِيَةِ:
٤ - التَّخْلِيَةُ قَبْضٌ فِي الْعَقَارِ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ فِي بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢)
أَمَّا تَخْلِيَةُ مَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ مِنَ الأَْعْيَانِ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا:
قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْضٌ حُكْمًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِلاَ كُلْفَةٍ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ الْمَبِيعِ، فَفِي نَحْوِ حِنْطَةٍ فِي بَيْتٍ مَثَلاً دَفْعُ الْمِفْتَاحِ إِذَا أَمْكَنَهُ الْفَتْحُ بِلاَ كُلْفَةٍ قَبْضٌ، وَفِي نَحْوِ بَقَرٍ فِي مَرْعًى بِحَيْثُ يُرَى وَيُشَارُ إِلَيْهِ قَبْضٌ، وَفِي نَحْوِ ثَوْبٍ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَهُ فَتَصِل إِلَيْهِ قَبْضٌ، وَفِي стр. 6389
نَحْوِ فَرَسٍ أَوْ طَيْرٍ فِي بَيْتٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ بِلاَ مُعِينٍ قَبْضٌ. (١)
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لاِعْتِبَارِ التَّخْلِيَةِ قَبْضًا أَنْ يَقُول الْبَائِعُ: خَلَّيْتُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ، فَلَوْ لَمْ يَقُلْهُ، أَوْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يَصِرْ قَابِضًا، وَالْمُرَادُ بِهِ الإِْذْنُ بِالْقَبْضِ، لاَ خُصُوصُ لَفْظِ التَّخْلِيَةِ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ: إِنَّ مَا يُنْقَل فِي الْعَادَةِ، كَالأَْخْشَابِ وَالْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا، فَقَبْضُهُ بِالنَّقْل إِلَى مَكَانٍ لاَ اخْتِصَاصَ لِلْبَائِعِ بِهِ، وَمَا يُتَنَاوَل بِالْيَدِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالثَّوْبِ وَالْكِتَابِ فَقَبْضُهُ بِالتَّنَاوُل. (٣)
وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ. (٤) فَلاَ تَكْفِي التَّخْلِيَةُ فِي الْمَنْقُول عِنْدَهُمْ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ قَبْضَ الْعَقَارِ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ لِلْمُشْتَرِي وَتَمْكِينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، بِتَسْلِيمِ مَفَاتِيحِهِ إِنْ كَانَتْ، وَقَبْضُ غَيْرِهِ يَكُونُ حَسَبَ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ كَحِيَازَةِ الثَّوْبِ وَاسْتِلاَمِ مِقْوَدِ الدَّابَّةِ. (٥)
٥ - وَفِي الْمَوَاضِيعِ الَّتِي تُعْتَبَرُ التَّخْلِيَةُ فِيهَا تَسْلِيمًا وَقَبْضًا يَنْتَقِل الضَّمَانُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُخَلِّي إِلَى ذِمَّةِ стр. 6390
الْقَابِضِ، وَهُوَ يَتَحَمَّل الْخَسَارَةَ، فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلاً إِذَا حَصَل الْقَبْضُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالْمُشْتَرِي فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لأَِنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالاِتِّفَاقِ. (١) انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (ضَمَانٌ) .
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الضَّمَانَ يَحْصُل فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبْضِ إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: بَيْعُ الْغَائِبِ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَالْبَيْعُ بِالْخِيَارِ، وَبَيْعُ مَا فِيهِ حَقُّ التَّوْفِيَةِ بِالْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ. (٢)
وَهُنَاكَ عُقُودٌ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِالْقَبْضِ، كَعَقْدِ الرَّهْنِ وَالْقَرْضِ وَالْعَارِيَةِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا، مَعَ تَفْصِيلٍ فِي بَعْضِهَا، فَفِي هَذِهِ الْعُقُودِ إِذَا حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ بِشُرُوطِهَا، وَاعْتُبِرَتْ قَبْضًا، تَمَّ الْعَقْدُ وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ آثَارُهُ.
وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل وَمَا يَتَعَلَّقُ بِآثَارِ الْقَبْضِ وَالتَّخْلِيَةِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَبْضٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - بَحَثَ الْفُقَهَاءُ التَّخْلِيَةَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فِي بَحْثِ كَيْفِيَّةِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَفِي السَّلَمِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا стр. 6391
حُكْمُ الْقَبْضِ فِيمَا إِذَا كَانَ مَوْضُوعُهَا عَقَارًا أَوْ مَنْقُولاً، (١) كَمَا ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ بِمَعْنَى الإِْفْرَاجِ فِي بَحْثِ الْجِنَايَاتِ وَتَخْلِيَةِ الْمَحْبُوسِ بِالْكَفَالَةِ. (٢) وَبَحَثَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ تَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ بِمَعْنَى كَوْنِ الطَّرِيقِ خَالِيًا مِنْ مَانِعٍ، كَعَدُوٍّ وَنَحْوِهِ، فِي كِتَابِ الْحَجِّ (٣) . стр. 6392
تَخْمِيسٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخْمِيسُ فِي اللُّغَةِ: جَعْل الشَّيْءِ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ، وَاشْتُهِرَ اسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي أَخْذِ خُمُسِ الْغَنَائِمِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - تَخْمِيسُ الْغَنِيمَةِ:
٢ - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ تَخْمِيسُ الْغَنِيمَةِ وَتَوْزِيعُ الأَْرْبَعَةِ الأَْخْمَاسِ عَلَى الْغَانِمِينَ، بَعْدَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ (٢) ، وَلاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَا يُعْتَبَرُ غُنَيْمَةً يُخَمَّسُ.
وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ عَدَمِ تَخْمِيسِ الْغَنِيمَةِ إِذَا شَرَطَهُ الإِْمَامُ لِضَرُورَةٍ، فَقَدْ قَال عَنْهُ النَّوَوِيُّ: شَاذٌّ وَبَاطِلٌ. (٣) стр. 6393
وَلِلْفُقَهَاءِ فِيمَا يُعْتَبَرُ غَنِيمَةً وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ، صَرْفُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَكَيْفِيَّةُ قِسْمَةِ الأَْرْبَعَةِ الأَْخْمَاسِ، وَشُرُوطُ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (غَنِيمَةٌ) .
ب - تَخْمِيسُ الْفَيْءِ:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ الْفَيْءَ لاَ يُخَمَّسُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ (١) فَجَعَلَهُ كُلَّهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
قَال عُمَرُ ﵁ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الآْيَةَ: اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ - وَهُوَ بِسَرْوِ حِمْيَرَ - (٢) نَصِيبُهُ مِنْهَا لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - تَخْمِيسُ الْفَيْءِ، وَصَرْفُ خُمُسِهِ إِلَى مَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ.
وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْفَيْءَ لأَِهْل стр. 6394
الْجِهَادِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأَْعْرَابِ وَمَنْ لاَ يَعُدُّ نَفْسَهُ لِلْجِهَادِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِحُصُول النُّصْرَةِ بِهِ، فَلَمَّا مَاتَ أُعْطِيَ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُمُ الْمُقَاتِلَةُ دُونَ غَيْرِهِمْ. (١) وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْفَيْءِ وَمَصْرِفِهِ تَفَاصِيل تُنْظَرُ فِي (فَيْءٍ) .
ج - تَخْمِيسُ الأَْرْضِ الْمَغْنُومَةِ عَنْوَةً:
٤ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ - تَخْمِيسَ الأَْرْضِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً؛ لأَِنَّ الأَْرْضَ غَنِيمَةٌ كَسَائِرِ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الإِْمَامُ مِنْ قَلِيل أَمْوَال الْمُشْرِكِينَ أَوْ كَثِيرِهِ، وَحُكْمُ اللَّهِ فِي الْغَنِيمَةِ أَنْ تُخَمَّسَ. (٢)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَخْمِيسِ الأَْرْضِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَتَقْسِيمِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، كَسَائِرِ الْمَغْنَمِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ لِجِهَاتِهِ، كَمَا فَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ стр. 6395
بِخَيْبَرَ، وَبَيْنَ إِقْرَارِ أَهْلِهَا عَلَيْهَا وَوَضْعِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ وَضَرْبِ الْخَرَاجِ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ، كَمَا فَعَل عُمَرُ ﵁ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ بِمُوَافَقَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الأَْوَّل أَوْلَى عِنْدَ حَاجَةِ الْغَانِمِينَ. (١)
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ إِنَّمَا فَعَلَهُ لأَِنَّهُ كَانَ هُوَ الأَْصْلَحُ إِذْ ذَاكَ، كَمَا يُعْلَمُ مِنَ الْقِصَّةِ، لاَ لِكَوْنِهِ هُوَ اللاَّزِمَ. كَيْفَ وَقَدْ قَسَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَرْضَ خَيْبَرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ الإِْمَامَ مُخَيَّرٌ فِي فِعْل مَا هُوَ الأَْصْلَحُ فَيَفْعَلُهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - إِلَى أَنَّ الأَْرْضَ الْمَفْتُوحَةَ عَنْوَةً لاَ تُخَمَّسُ وَلاَ تُقْسَمُ، بَل تُوقَفُ وَيُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ الأَْئِمَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقْسِمُوا أَرْضًا افْتَتَحُوهَا. (٢)
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الإِْمَامَ يُخَيَّرُ فِي الأَْرْضِ الْمَغْنُومَةِ عَنْوَةً، بَيْنَ قِسْمَتِهَا كَمَنْقُولٍ، وَبَيْنَ وَقْفِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِذَا قَسَّمَ الإِْمَامُ الأَْرْضَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَمُقْتَضَى كَلاَمِ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يُخَمِّسُهَا حَيْثُ قَالُوا " كَالْمَنْقُول " قَال: وَعُمُومُ стр. 6396
كَلاَمِ أَحْمَدَ وَالْقَاضِي وَقِصَّةِ خَيْبَرَ، تَدُل عَلَى أَنَّهَا لاَ تُخَمَّسُ؛ لأَِنَّهَا فَيْءٌ وَلَيْسَتْ بِغَنِيمَةٍ. (١)
د - تَخْمِيسُ السَّلَبِ:
٥ - إِنَّ السَّلَبَ لاَ يُخَمَّسُ، سَوَاءٌ أَقَال الإِْمَامُ: مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ، أَمْ لَمْ يَقُلْهُ. لِمَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي السَّلَبِ لِلْقَاتِل، وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ (٢) .
وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ (٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ تَنْفِيل السَّلَبِ قَبْل حُصُول الْغَنِيمَةِ فِي يَدِ الْغَانِمِينَ، وَلاَ خُمُسَ فِيمَا يُنَفَّل؛ لأَِنَّ الْخُمُسَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي غَنِيمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَالنَّفَل مَا أَخْلَصَهُ الإِْمَامُ لِصَاحِبِهِ وَقَطَعَ شَرِكَةَ الأَْغْيَارِ عَنْهُ، فَلاَ يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ. (٤) стр. 6397
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ السَّلَبَ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَل، يَسْتَحِقُّهُ كُل مَنْ قَتَل قَتِيلاً بَعْدَ قَوْل الإِْمَامِ: مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ، وَلاَ يُعْطِيهِ الإِْمَامُ إِلاَّ مِنَ الْخُمُسِ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ؛ لأَِنَّ النَّفَل لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ الْخُمُسِ، أَيْ لاَ مِنَ الأَْرْبَعَةِ الأَْخْمَاسِ، فَكَذَا السَّلَبُ. (١)
أَمَّا إِذَا لَمْ يَجْعَل الإِْمَامُ السَّلَبَ لِلْقَاتِل، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - أَنَّ الْقَاتِل لاَ يَسْتَحِقُّ سَلَبَ الْمَقْتُول فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّ السَّلَبَ يُخَمَّسُ، فَيُدْفَعُ خُمُسُهُ لأَِهْل الْخُمُسِ، ثُمَّ يُقْسَمُ بَاقِيهِ كَسَائِرِ الْمَغْنَمِ، الْقَاتِل وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. (٢)
وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ يُقَابِل الْمَشْهُورَ، بِتَخْمِيسِ السَّلَبِ وَدَفْعِ خُمُسِهِ لأَِهْل الْخُمُسِ بَاقِيهِ لِلْقَاتِل، ثُمَّ تَقْسِيمُ بَاقِي الْغَنِيمَةِ. (٣)
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ السَّلَبِ وَشُرُوطِ اسْتِحْقَاقِهِ تَفَاصِيل يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي (تَنْفِيلٍ، وَسَلَبٍ، وَغَنِيمَةٍ) . стр. 6398
هـ - تَخْمِيسُ الرِّكَازِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَخْمِيسِ الرِّكَازِ (١)
بِشُرُوطٍ ذَكَرُوهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (٢) وَلأَِنَّهُ مَال كَافِرٍ مَظْهُورٍ عَلَيْهِ بِالإِْسْلاَمِ فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ كَالْغَنِيمَةِ (٣) .
وَفِي تَعْرِيفِ الرِّكَازِ وَأَنْوَاعِهِ وَحُكْمِ كُل نَوْعٍ وَشُرُوطِ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْهُ وَمَصْرِفِهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ (رِكَازٌ، وَزَكَاةٌ)
.
تَخْمِينٌ
انْظُرْ: خَرْصٌ стр. 6399
تَخَنُّثٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخَنُّثُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى: التَّثَنِّي وَالتَّكَسُّرِ، وَتَخَنَّثَ الرَّجُل إِذَا فَعَل فِعْل الْمُخَنَّثِ. وَخَنَّثَ الرَّجُل كَلاَمَهُ: إِذَا شَبَّهَهُ بِكَلاَمِ النِّسَاءِ لِينًا وَرَخَامَةً. (١)
وَالتَّخَنُّثُ اصْطِلاَحًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِ ابْنِ عَابِدِينَ لِلْمُخَنَّثِ: هُوَ التَّزَيِّي بِزِيِّ النِّسَاءِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِنَّ فِي تَلْيِينِ الْكَلاَمِ عَنِ اخْتِيَارٍ، أَوِ الْفِعْل الْمُنْكَرِ.
وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ: الْمُخَنَّثُ بِالْفَتْحِ مَنْ يَفْعَل الرَّدِيءَ. وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَالْمُتَكَسِّرُ الْمُتَلَيِّنُ فِي أَعْضَائِهِ وَكَلاَمِهِ وَخَلْقِهِ. وَيُفْهَمُ مِنَ الْقَلْيُوبِيِّ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي الْمَعْنَى، فَهُوَ عِنْدَهُ الْمُتَشَبِّهُ بِحَرَكَاتِ النِّسَاءِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَال التَّخَنُّثُ وَالتَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ стр. 6400
فِي اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي الْكَلاَمِ وَالْمَشْيِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَال وَالْمُتَرَجِّلاَتِ مِنَ النِّسَاءِ (١) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَال (٢) قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: وَالنَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَصْل خِلْقَتِهِ، فَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِتَكَلُّفِ تَرْكِهِ وَالإِْدْمَانِ (٣) عَلَى ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل وَتَمَادَى دَخَلَهُ الذَّمُّ، وَلاَ سِيَّمَا إِذَا بَدَا مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا بِهِ، وَأَمَّا إِطْلاَقُ مَنْ قَال: إِنَّ الْمُخَنَّثَ خِلْقَةً لاَ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ الذَّمُّ، فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِ التَّثَنِّي وَالتَّكَسُّرِ فِي الْمَشْيِ وَالْكَلاَمِ بَعْدَ تَعَاطِيهِ الْمُعَالَجَةَ لِتَرْكِ ذَلِكَ (٤)
. إِمَامَةُ الْمُخَنَّثِ:
٣ - الْمُخَنَّثُ بِالْخِلْقَةِ، وَهُوَ مَنْ يَكُونُ فِي كَلاَمِهِ لِينٌ وَفِي أَعْضَائِهِ تَكَسُّرٌ خِلْقَةً، وَلَمْ يَشْتَهِرْ بِشَيْءٍ стр. 6401
مِنَ الأَْفْعَال الرَّدِيئَةِ لاَ يُعْتَبَرُ فَاسِقًا، وَلاَ يَدْخُلُهُ الذَّمُّ وَاللَّعْنَةُ الْوَارِدَةُ فِي الأَْحَادِيثِ، فَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ، لَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِتَكَلُّفِ تَرْكِهِ وَالإِْدْمَانِ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ لَوْمٌ. (١)
أَمَّا الْمُتَخَلِّقُ بِخُلُقِ النِّسَاءِ حَرَكَةً وَهَيْئَةً، وَاَلَّذِي يَتَشَبَّهُ بِهِنَّ فِي تَلْيِينِ الْكَلاَمِ وَتَكَسُّرِ الأَْعْضَاءِ عَمْدًا، فَإِنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ قَبِيحَةٌ وَمَعْصِيَةٌ وَيُعْتَبَرُ فَاعِلُهَا آثِمًا وَفَاسِقًا. وَالْفَاسِقُ تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، بِبُطْلاَنِ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ (٢) ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ: (إِمَامَةٌ) .
وَنَقَل الْبُخَارِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَوْلَهُ: لاَ نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُخَنَّثِ إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ لاَ بُدَّ مِنْهَا (٣) .
شَهَادَةُ الْمُخَنَّثِ:
٤ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُخَنَّثَ الَّذِي لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ هُوَ الَّذِي فِي كَلاَمِهِ لِينٌ وَتَكَسُّرٌ، إِذَا كَانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي стр. 6402
كَلاَمِهِ لِينٌ، وَفِي أَعْضَائِهِ تَكَسُّرٌ خِلْقَةً، وَلَمْ يَشْتَهِرْ بِشَيْءٍ مِنَ الأَْفْعَال الرَّدِيئَةِ، فَهُوَ عَدْلٌ مَقْبُول الشَّهَادَةِ.
وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ مُحَرَّمًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّشَبُّهِ التَّعَمُّدُ، لاَ الْمُشَابَهَةُ الَّتِي تَأْتِي طَبْعًا.
وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ الْمُجُونَ مِمَّا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَمِنَ الْمُجُونِ التَّخَنُّثُ.
وَعَلَيْهِ تَكُونُ الْمَذَاهِبُ مُتَّفِقَةً فِي التَّفْصِيل الَّذِي أَوْرَدَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (شَهَادَةٍ) . (١)
نَظَرُ الْمُخَنَّثِ لِلنِّسَاءِ:
هـ - الْمُخَنَّثُ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ، وَاَلَّذِي لَهُ أَرَبٌ فِي النِّسَاءِ، لاَ خِلاَفَ فِي حُرْمَةِ اطِّلاَعِهِ عَلَى النِّسَاءِ وَنَظَرِهِ إِلَيْهِنَّ؛ لأَِنَّهُ فَحْلٌ فَاسِقٌ - كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُخَنَّثًا بِالْخِلْقَةِ، وَلاَ إِرْبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ يُرَخَّصُ بِتَرْكِ مِثْلِهِ مَعَ النِّسَاءِ، وَلاَ بَأْسَ بِنَظَرِهِ إِلَيْهِنَّ، اسْتِدْلاَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَنْ يَحِل لَهُمُ النَّظْرُ إِلَى النِّسَاءِ، وَيَحِل لِلنِّسَاءِ الظُّهُورُ أَمَامَهُمْ مُتَزَيِّنَاتٍ، حَيْثُ عُدَّ مِنْهُمْ أَمْثَال стр. 6403
هَؤُلاَءِ، وَهُوَ ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِْرْبَةِ مِنَ الرِّجَال﴾ (١) . . .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُخَنَّثَ - وَلَوْ كَانَ لاَ إِرْبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ - لاَ يَجُوزُ نَظَرُهُ إِلَى النِّسَاءِ، وَحُكْمُهُ فِي هَذَا كَالْفَحْل: اسْتِدْلاَلاً بِحَدِيثِ لاَ يَدْخُلَنَّ هَؤُلاَءِ عَلَيْكُنَّ (٢) .
عُقُوبَةُ الْمُخَنَّثِ:
٦ - الْمُخَنَّثُ بِالاِخْتِيَارِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ الْفِعْل الْقَبِيحِ مَعْصِيَةٌ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ، فَعُقُوبَتُهُ عُقُوبَةٌ تَعْزِيرِيَّةٌ تُنَاسِبُ حَالَةَ الْمُجْرِمِ وَشِدَّةَ الْجُرْمِ. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَزَّرَ الْمُخَنَّثِينَ بِالنَّفْيِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقَال: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ (٣) وَكَذَلِكَ فَعَل الصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ. (٤)
أَمَّا إِنْ صَدَرَ مِنْهُ مَعَ تَخَنُّثِهِ تَمْكِينُ الْغَيْرِ مِنْ فِعْل الْفَاحِشَةِ بِهِ، فَقَدِ اُخْتُلِفَ فِي عُقُوبَتِهِ، стр. 6404
فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ تُطَبَّقُ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ الزِّنَى:
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ عُقُوبَتَهُ تَعْزِيرِيَّةٌ قَدْ تَصِل إِلَى الْقَتْل أَوِ الإِْحْرَاقِ أَوِ الرَّمْيِ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ مَعَ التَّنْكِيسِ؛ لأَِنَّ الْمَنْقُول عَنِ الصَّحَابَةِ اخْتِلاَفُهُمْ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ، وَيُرَاجَعُ فِي هَذَا مُصْطَلَحُ: (حَدٌّ عُقُوبَةٌ، تَعْزِيرٌ، وَلِوَاطٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٧ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ التَّخَنُّثِ فِي مَبَاحِثِ خِيَارِ الْعَيْبِ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ مُخَنَّثًا، وَيَذْكُرُونَهَا فِي بَحْثِ الشَّهَادَةِ، وَالنِّكَاحِ، وَالنَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ، وَفِي مَسَائِل اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ وَأَبْوَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ وَنَحْوِهَا.
стр. 6405
تَخْوِيفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخْوِيفُ مَصْدَرٌ مِنْ بَابِ التَّفْعِيل، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: جَعْل الشَّخْصِ يَخَافُ، أَوْ جَعْلُهُ بِحَالَةٍ يَخَافُ النَّاسَ. يُقَال: خَوَّفَهُ تَخْوِيفًا: أَيْ جَعَلَهُ يَخَافُ، أَوْ صَيَّرَهُ بِحَالٍ يَخَافُهُ النَّاسُ. وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ (١) أَيْ يَجْعَلُكُمْ تَخَافُونَ أَوْلِيَاءَهُ، وَقَال ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْنْذَارُ:
٢ - الإِْنْذَارُ هُوَ: التَّخْوِيفُ مَعَ إِعْلاَمِ مَوْضِعِ الْمَخَافَةِ. فَإِذَا خَوَّفَ الإِْنْسَانُ غَيْرَهُ وَأَعْلَمَهُ حَال مَا يُخَوِّفُهُ بِهِ، فَقَدْ أَنْذَرَهُ.
فَالإِْنْذَارُ أَخَصُّ مِنَ التَّخْوِيفِ. стр. 6406
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
مَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِهِ إِكْرَاهًا:
أ - التَّخْوِيفُ بِالْقَتْل وَالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ:
٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - أَنَّ الإِْكْرَاهَ يَحْصُل بِتَخْوِيفٍ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ طَوِيلٍ. (١)
أَمَّا التَّخْوِيفُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ الْيَسِيرَيْنِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ طَبَقَاتِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ، فَالتَّخْوِيفُ بِضَرْبِ سَوْطٍ أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ فِي حَقِّ مَنْ لاَ يُبَالِي لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، إِلاَّ أَنَّ التَّخْوِيفَ بِهِمَا يُعْتَبَرُ إِكْرَاهًا فِي حَقِّ ذِي جَاهٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهِمَا، كَمَا يَتَضَرَّرُ وَاحِدٌ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَذَلِكَ كَالْقَاضِي وَعَظِيمِ الْبَلَدِ، فَإِنَّ مُطْلَقَ الْقَيْدِ وَالْحَبْسِ إِكْرَاهٌ فِي حَقِّهِ. (٢)
وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ стр. 6407
الشَّافِعِيَّةِ - حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ - أَنَّ الإِْكْرَاهَ يَحْصُل بِالتَّخْوِيفِ بِالْقَتْل فَقَطْ.
وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ التَّخْوِيفَ بِالْحَبْسِ لاَ يَكُونُ إِكْرَاهًا. (١)
ب - التَّخْوِيفُ بِأَخْذِ الْمَال وَإِتْلاَفِهِ:
٤ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - حُصُول الإِْكْرَاهِ بِالتَّخْوِيفِ بِأَخْذِ الْمَال " إِذَا قَال مُتَغَلِّبٌ لِرَجُلٍ: إِمَّا أَنْ تَبِيعَنِي هَذِهِ الدَّارَ أَوْ أَدْفَعَهَا إِلَى خَصْمِكَ، فَبَاعَهَا مِنْهُ، فَهُوَ بَيْعُ مُكْرَهٍ.
وَيَشْتَرِطُ الْقُهُسْتَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لِحُصُول الإِْكْرَاهِ - كَمَا يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ عِبَارَةِ رَدِّ الْمُحْتَارِ - كَوْنُ التَّخْوِيفِ بِإِتْلاَفِ كُل الْمَال. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إِنَّ الإِْكْرَاهَ يَحْصُل بِأَخْذِ الْمَال الْكَثِيرِ وِإِتْلاَفِهِ. وَهُنَاكَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ لِلْمَالِكِيَّةِ - أَنَّ التَّخْوِيفَ بِأَخْذِ الْمَال لَيْسَ إِكْرَاهًا. (٣)
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفَاصِيل فِي مَعْنَى الإِْكْرَاهِ وَأَنْوَاعِهِ стр. 6408
وَشُرُوطِهِ وَأَثَرِهِ وَمَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِهِ إِكْرَاهًا تُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَفِي مُصْطَلَحِ (إِكْرَاهٌ) .
الْقَتْل تَخْوِيفًا:
٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي إِمْكَانِ حُصُول الْقَتْل بِالتَّخْوِيفِ. كَمَنْ شَهَرَ سَيْفًا فِي وَجْهِ إِنْسَانٍ، أَوْ دَلاَّهُ مِنْ مَكَانٍ شَاهِقٍ فَمَاتَ مِنْ رَوْعَتِهِ، وَكَمَنْ صَاحَ فِي وَجْهِ إِنْسَانٍ فَجْأَةً فَمَاتَ مِنْهَا، وَكَمَنْ رَمَى عَلَى شَخْصٍ حَيَّةً فَمَاتَ رُعْبًا وَمَا إِلَى ذَلِكَ. (١)
وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل الْمُتَعَلِّقَةُ بِأَنْوَاعِ الْقَتْل، وَصِفَةِ كُل نَوْعٍ، وَحُكْمِ الْقَتْل بِالتَّخْوِيفِ فِي مُخْتَلَفِ صُوَرِهِ فِي مُصْطَلَحِ (قَتْلٌ) .
الإِْجْهَاضُ بِسَبَبِ التَّخْوِيفِ:
٦ - يَرَى الْفُقَهَاءُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى مَنْ خَوَّفَ امْرَأَةً فَأَجْهَضَتْ بِسَبَبِ التَّخْوِيفِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي الإِْجْهَاضِ الْمُعَاقَبِ عَلَيْهِ، (٢) وَعُقُوبَةُ الإِْجْهَاضِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِجْهَاضٌ) . стр. 6409
تَخْيِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخْيِيرُ لُغَةً: مَصْدَرُ خَيَّرَ، يُقَال: خَيَّرْتُهُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، أَيْ: فَوَّضْتُ إِلَيْهِ الْخِيَارَ، وَتَخَيَّرَ الشَّيْءَ: اخْتَارَهُ، وَالاِخْتِيَارُ: الاِصْطِفَاءُ وَطَلَبُ خَيْرِ الأَْمْرَيْنِ، وَكَذَلِكَ التَّخَيُّرُ. وَالاِسْتِخَارَةُ: طَلَبُ الْخِيرَةِ فِي الشَّيْءِ، وَخَارَ اللَّهُ لَكَ أَيْ: أَعْطَاكَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ. وَالْخَيْرَةُ - بِسُكُونِ الْيَاءِ - الاِسْمُ مِنْهُ (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: لاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِمُصْطَلَحِ (تَخْيِيرٌ) عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.
فَهُوَ عِنْدَهُمْ: تَفْوِيضُ الأَْمْرِ إِلَى اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ فِي انْتِقَاءِ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالٍ مُعَيَّنَةٍ شَرْعًا، وَيُوكَل إِلَيْهِ تَعْيِينُ أَحَدِهَا، بِشُرُوطٍ مَعْلُومَةٍ،
كَتَخْيِيرِهِ بَيْنَ خِصَال الْكَفَّارَةِ، وَتَخْيِيرِهِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ، وَتَخْيِيرِهِ فِي جِنْسِ مَا يُخْرَجُ فِي الزَّكَاةِ، وَتَخْيِيرِهِ فِي فِدْيَةِ الْحَجِّ، وَتَخْيِيرِهِ فِي стр. 6410
التَّصَرُّفِ فِي الأَْسْرَى، وَتَخْيِيرِهِ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْحْكَامِ.
وَالتَّخْيِيرُ بِهَذَا دَلِيلٌ عَلَى سَمَاحَةِ الشَّرِيعَةِ وَيُسْرِهَا وَمُرَاعَاتِهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِيمَا فَوَّضَتْ إِلَيْهِمُ اخْتِيَارَهُ، مِمَّا يَجْلِبُ النَّفْعَ لَهُمْ وَيَدْفَعُ الضُّرَّ عَنْهُمْ.
التَّخْيِيرُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
٢ - يَتَكَلَّمُ الأُْصُولِيُّونَ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي الْمُبَاحِ، وَالْمَنْدُوبِ، وَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، وَالنَّهْيِ عَلَى جِهَةِ التَّخْيِيرِ، وَالرُّخْصَةِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْبَاحَةُ:
٣ - الإِْبَاحَةُ فِي اللُّغَةِ: الإِْحْلاَل، يُقَال: أَبَحْتُكَ الشَّيْءَ أَيْ: أَحْلَلْتُهُ لَكَ، وَالْمُبَاحُ خِلاَفُ الْمَحْظُورِ.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: الإِْذْنُ بِالإِْتْيَانِ بِالْفِعْل حَسَبَ مَشِيئَةِ الْفَاعِل فِي حُدُودِ الإِْذْنِ (١) .
ب - التَّفْوِيضُ:
٤ - التَّفْوِيضُ مَصْدَرُ فَوَّضَ، يُقَال: فَوَّضَ إِلَيْهِ الاِخْتِيَارَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا، وَمِنْهُ следующие страницы →