← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

الْمُجْزِئُ أَنْ يُعَمِّمَ بَدَنَهُ بِالْغَسْل، حَتَّى مَا تَحْتَ خَاتَمٍ وَنَحْوِهِ، فَيُحَرِّكُهُ لِيَتَحَقَّقَ وُصُول الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ، وَلَوْ كَانَ الْخَاتَمُ ضَيِّقًا لاَ يَصِل الْمَاءُ إِلَى مَا تَحْتَهُ نَزَعَهُ وُجُوبًا. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ غَسْل ظَاهِرِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْل، وَأَمَّا الْخَاتَمُ فَلاَ يَلْزَمُ تَحْرِيكُهُ، كَالْوُضُوءِ. كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْمَوَّازِ خِلاَفًا لاِبْنِ رُشْدٍ (١) . حَادِي عَشَرَ: نَزْعُ الْخَاتَمِ فِي التَّيَمُّمِ: ١٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ التَّيَمُّمَ نَزْعُ خَاتَمِهِ لِيَصِل التُّرَابُ إِلَى مَا تَحْتَهُ عِنْدَ الْمَسْحِ، وَلاَ يَكْفِي تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ؛ لأَِنَّ التُّرَابَ كَثِيفٌ لاَ يَسْرِي إِلَى مَا تَحْتَ الْخَاتَمِ بِخِلاَفِ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ بِالْمَسْحِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ فَيَنْزِعَ الْخَاتَمَ أَوْ يُحَرِّكَهُ (٢) . ثَانِيَ عَشَرَ: الْعَبَثُ بِالْخَاتَمِ فِي الصَّلاَةِ: ١٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْعَبَثَ فِي الصَّلاَةِ

стр. 6337

مَكْرُوهٌ، وَالْعَبَثُ: هُوَ كُل فِعْلٍ لَيْسَ بِمُفِيدٍ لِلْمُصَلِّي، وَمِنْهُ كَفُّهُ لِثَوْبِهِ وَعَبَثُهُ بِهِ وَبِجَسَدِهِ وَبِالْحَصَى وَبِالْخَاتَمِ، وَتَفْصِيلُهُ وَالْخِلاَفُ فِيهِ يُنْظَرُ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُبْطِلاَتِ. (١) ثَالِثَ عَشَرَ: التَّخَتُّمُ فِي الإِْحْرَامِ: ٢٠ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ التَّخَتُّمَ بِخَاتَمِهِ حَال إِحْرَامِهِ؛ لأَِنَّ التَّخَتُّمَ لَيْسَ لُبْسًا وَلاَ تَغْطِيَةً، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَال: أَوْثِقُوا عَلَيْكُمْ نَفَقَاتِكُمْ - أَيْ بِشَدِّ الْهِمْيَانِ فِي الْوَسَطِ وَفِيهِ كِيسُ النَّفَقَةِ - وَرَخَّصَ فِي الْخَاتَمِ وَالْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل الْمُحْرِمِ لُبْسُ الْخَاتَمِ فِي الإِْحْرَامِ وَلَوْ فِضَّةً زِنَتُهُ دِرْهَمَانِ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ إِنْ طَال. (٢) رَابِعَ عَشَرَ: زَكَاةُ الْخَاتَمِ: ٢١ - اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْحِلْيَةَ الْمُبَاحَةَ - وَمِنْهَا

стр. 6338

خَاتَمُ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ لِلْمَرْأَةِ، وَخَاتَمُ الْفِضَّةِ الْمُبَاحِ لِلرَّجُل - لاَ زَكَاةَ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ إِلَى اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ، فَأَشْبَهَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَعَوَامِل الْمَاشِيَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ الْمُبَاحِ لِلرَّجُل الزَّكَاةُ - بِشَرْطِ النِّصَابِ - لأَِنَّ الْفِضَّةَ خُلِقَتْ ثَمَنًا، فَيُزَكِّيهَا كَيْفَ كَانَتْ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي الزَّكَاةِ خَامِسَ عَشَرَ: دَفْنُ الْخَاتَمِ مَعَ الشَّهِيدِ وَغَيْرِهِ: ٢٢ - يُنْزَعُ عَنِ الْمَيِّتِ قَبْل دَفْنِهِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحِلْيَةِ مِنْ خَاتَمٍ وَغَيْرِهِ (٢) لأَِنَّ دَفْنَهُ مَعَ الْمَيِّتِ إِضَاعَةٌ لِلْمَال، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. أَمَّا الشَّهِيدُ فَقَدِ اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ عِنْدَ دَفْنِهِ الْجِلْدُ وَالسِّلاَحُ وَالْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالْخُفُّ وَالْمِنْطَقَةُ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَكُل مَا لاَ يُعْتَادُ لُبْسُهُ غَالِبًا، وَالْخَاتَمُ مِثْل هَذِهِ بَل أَوْلَى؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِمْ بِدِمَائِهِمْ (٣) وَلأَِنَّ مَا يُتْرَكُ عَلَى الشَّهِيدِ

стр. 6339

يُتْرَكُ لِيَكُونَ كَفَنًا، وَالْكَفَنُ مَا يُلْبَسُ لِلسَّتْرِ، وَالْخَاتَمُ لاَ يُلْبَسُ لِلسَّتْرِ فَيُنْزَعُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: نُدِبَ دَفْنُ الشَّهِيدِ بِخُفٍّ وَقَلَنْسُوَةٍ وَمِنْطَقَةٍ قَل ثَمَنُهَا، وَبِخَاتَمٍ قَل فَصُّهُ أَيْ قِيمَتُهُ، فَلاَ يُنْزَعُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ نَفِيسَ الْفَصِّ (١) .

стр. 6340

تَخْدِيرٌ التَّعْرِيفُ ١ - الْخَدَرُ - بِالتَّحْرِيكِ - اسْتِرْخَاءٌ يَغْشَى بَعْضَ الأَْعْضَاءِ أَوِ الْجَسَدَ كُلَّهُ. وَالْخَدَرُ: الْكَسَل وَالْفُتُورُ. وَخَدَّرَ الْعُضْوَ تَخْدِيرًا: جَعَلَهُ خَدِرًا، وَحَقَنَهُ بِمُخَدِّرٍ لإِِزَالَةِ إِحْسَاسِهِ وَيُقَال: خَدَّرَهُ الشَّرَابُ وَخَدَّرَهُ الْمَرَضُ وَالْمُخَدِّرُ: مَادَّةٌ تُسَبِّبُ فِي الإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ فِقْدَانَ الْوَعْيِ بِدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ، كَالْبَنْجِ وَالْحَشِيشِ وَالأَْفْيُونِ، وَالْجَمْعُ مُخَدِّرَاتٌ، وَهِيَ مُحْدَثَةٌ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلتَّخْدِيرِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّفْتِيرُ: ٢ - فَتَرَ عَنِ الْعَمَل فُتُورًا: انْكَسَرَتْ حِدَّتُهُ وَلاَنَ بَعْدَ شِدَّتِهِ، وَمِنْهُ: فَتَرَ الْحَرُّ إِذَا انْكَسَرَ، (٢)

стр. 6341

فَيَكُونُ التَّفْتِيرُ تَكْسِيرًا لِلْحِدَةِ، وَتَلْيِينًا بَعْدَ الشِّدَّةِ. وَعَلَى هَذَا فَالتَّفْتِيرُ أَعَمُّ مِنَ التَّخْدِيرِ؛ إِذِ التَّخْدِيرُ نَوْعٌ مِنَ التَّفْتِيرِ. ب - الإِْغْمَاءُ: ٣ - أُغْمِيَ عَلَيْهِ: عَرَضَ لَهُ مَا أَفْقَدَهُ الْحِسَّ وَالْحَرَكَةَ. وَالإِْغْمَاءُ: فُتُورٌ غَيْرُ أَصْلِيٍّ يُزِيل عَمَل الْقُوَى لاَ بِمُخَدِّرٍ. فَالتَّخْدِيرُ مُبَايِنٌ لِلإِْغْمَاءِ. (١) ج - الإِْسْكَارُ: ٤ - أَسْكَرَهُ الشَّرَابُ أَزَال عَقْلَهُ، فَالإِْسْكَارُ: إِزَالَةُ الشَّرَابِ لِلْعَقْل دُونَ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ، فَيَكُونُ التَّخْدِيرُ أَعَمَّ مِنَ الإِْسْكَارِ. (٢) وَهُنَاكَ أَلْفَاظٌ أُخْرَى لَهَا صِلَةٌ بِالتَّخْدِيرِ كَالْمُفْسِدِ وَالْمُرَقِّدِ. قَال الْحَطَّابُ: فَائِدَةٌ تَنْفَعُ الْفَقِيهَ، يَعْرِفُ بِهَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُفْسِدِ وَالْمُرَقِّدِ، فَالْمُسْكِرُ: مَا غَيَّبَ الْعَقْل دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ، وَالْمُفْسِدُ: مَا غَيَّبَ الْعَقْل دُونَ الْحَوَاسِّ لاَ مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ كَعَسَل الْبَلاَدِرِ، وَالْمُرَقِّدُ: مَا غَيَّبَ الْعَقْل وَالْحَوَاسَّ كَالسَّكْرَانِ (٣) .

стр. 6342

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٥ - الْمُخَدِّرَاتُ أَنْوَاعٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَخْتَلِفُ لاِخْتِلاَفِ أُصُولِهَا الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْهَا. وَتَنَاوُل الْمُخَدِّرَاتِ كَالْحَشِيشَةِ (١) وَالأَْفْيُونِ (٢) وَالْقَاتِّ (٣) وَالْكُوكَايِينِ (٤) وَالْبَنْجِ (٥) وَالْكُفْتَةِ (٦)

стр. 6343

وَجَوْزَةِ الطِّيبِ (١) وَالْبُرْشِ (٢) وَغَيْرِهَا بِالْمَضْغِ أَوِ التَّدْخِينِ أَوْ غَيْرِهِمَا يَنْتُجُ عَنْهُ تَغْيِيبُ الْعَقْل، وَقَدْ يُؤَدِّي إِلَى الإِْدْمَانِ، مِمَّا يُسَبِّبُ تَدَهْوُرًا فِي عَقْلِيَّةِ الْمُدْمِنِينَ وَصِحَّتِهِمْ، وَتَغَيُّرِ الْحَال الْمُعْتَدِلَةِ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: كُل مَا يُغَيِّبُ الْعَقْل فَإِنَّهُ حَرَامٌ، وَإِنْ لَمْ تَحْصُل بِهِ نَشْوَةٌ وَلاَ طَرَبٌ، فَإِنَّ تَغْيِيبَ الْعَقْل حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ إِلاَّ لِغَرَضٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا. (٣) ٦ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى حُرْمَةِ تَنَاوُل الْمُخَدِّرَاتِ الَّتِي تَغْشَى الْعَقْل، وَلَوْ كَانَتْ لاَ تُحْدِثُ الشِّدَّةَ الْمُطْرِبَةَ الَّتِي لاَ يَنْفَكُّ عَنْهَا الْمُسْكِرُ الْمَائِعُ. وَكَمَا أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ مِنَ الْمَائِعَاتِ، كَذَلِكَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا مَا يُخَدِّرُ مِنَ الأَْشْيَاءِ الْجَامِدَةِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَقْل أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ. وَذَلِكَ إِذَا تَنَاوَل قَدْرًا مُضِرًّا مِنْهَا. دُونَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهَا مِنْ أَجْل الْمُدَاوَاةِ؛ لأَِنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ لِعَيْنِهَا، بَل لِضَرَرِهَا. ٧ - وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ تَنَاوُل الْبَنْجِ وَالْحَشِيشَةِ

стр. 6344

وَالأَْفْيُونِ فِي غَيْرِ حَالَةِ التَّدَاوِي؛ لأَِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُفْسِدٌ لِلْعَقْل، فَيُحْدِثُ لِمُتَنَاوِلِهِ فَسَادًا، وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ. لَكِنْ تَحْرِيمُ ذَلِكَ لَيْسَ لِعَيْنِهِ بَل لِنَتَائِجِهِ. ٨ - وَيَحْرُمُ الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ الْمُؤْذِي مِنْ جَوْزَةِ الطِّيبِ، فَإِنَّهَا مُخَدِّرَةٌ، لَكِنْ حُرْمَتُهَا دُونَ حُرْمَةِ الْحَشِيشَةِ. (١) ٩ - وَذَهَبَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِيُّ الْحَرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ إِلَى تَحْرِيمِ الْقَاتِّ فِي مُؤَلَّفِهِ فِي تَحْرِيمِ الْقَاتِّ. حَيْثُ يَقُول: إِنِّي رَأَيْتُ مِنْ أَكْلِهَا الضَّرَرَ فِي بَدَنِي وَدِينِي فَتَرَكْتُ لَهَا، فَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ: أَنَّ الْمُضِرَّاتِ مِنْ أَشْهَرِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَمِنْ ضَرَرِهَا أَنَّ آكِلَهَا يَرْتَاحُ وَيَطْرَبُ وَتَطِيبُ نَفْسُهُ وَيَذْهَبُ حُزْنُهُ، ثُمَّ يَعْتَرِيهِ بَعْدَ سَاعَتَيْنِ مِنْ أَكْلِهِ هُمُومٌ مُتَرَاكِمَةٌ وَغُمُومٌ مُتَزَاحِمَةٌ وَسُوءُ أَخْلاَقٍ. وَكَذَلِكَ ذَهَبَ الْفَقِيهُ حَمْزَةُ النَّاشِرِيُّ إِلَى تَحْرِيمِهِ (٢) وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ كُل مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ (٣) .

стр. 6345

أَدِلَّةُ تَحْرِيمِ الْمُخَدِّرَاتِ: ١٠ - الأَْصْل فِي تَحْرِيمِهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ كُل مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ (١) . قَال الْعُلَمَاءُ: الْمُفْتِرُ: كُل مَا يُورِثُ الْفُتُورَ وَالْخَدَرَ فِي الأَْطْرَافِ. قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشِيشِ بِخُصُوصِهِ، فَإِنَّهَا تُسْكِرُ وَتُخَدِّرُ وَتُفْتِرُ. وَحَكَى الْقَرَافِيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ الإِْجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشِيشَةِ، قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَنِ اسْتَحَلَّهَا فَقَدْ كَفَرَ، وَإِنَّمَا لَمْ تَتَكَلَّمْ فِيهَا الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ ﵃؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِهِمْ، وَإِنَّمَا ظَهَرَتْ فِي آخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ وَأَوَّل الْمِائَةِ السَّابِعَةِ حِينَ ظَهَرَتْ دَوْلَةُ التَّتَارِ. (٢) طَهَارَةُ الْمُخَدِّرَاتِ وَنَجَاسَتُهَا: ١١ - الْمُخَدِّرَاتُ الْجَامِدَةُ كُلُّهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ طَاهِرَةٌ غَيْرُ نَجِسَةٍ وَإِنْ حَرُمَ تَعَاطِيهَا، وَلاَ تَصِيرُ نَجِسَةً بِمُجَرَّدِ إِذَابَتِهَا فِي الْمَاءِ وَلَوْ قَصَدَ شُرْبَهَا؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ الْفِقْهِيَّ أَنَّ نَجَاسَةَ الْمُسْكِرَاتِ مَخْصُوصَةٌ بِالْمَائِعَاتِ مِنْهَا، وَهِيَ الْخَمْرُ الَّتِي

стр. 6346

سُمِّيَتْ رِجْسًا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَمَا يُلْحَقُ بِهَا مِنْ سَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ الْمَائِعَةِ. بَل قَدْ حَكَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الإِْجْمَاعَ عَلَى طَهَارَةِ الْمُخَدِّرَاتِ. عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْحَنَابِلَةِ رَجَّحَ الْحُكْمَ بِنَجَاسَةِ هَذِهِ الْمُخَدِّرَاتِ الْجَامِدَةِ. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوْضُوعِ النَّجَاسَاتِ. عِلاَجُ مُدْمِنِي الْمُخَدِّرَاتِ: ١٢ - سُئِل ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ الشَّافِعِيُّ عَمَّنِ ابْتُلِيَ بِأَكْل الأَْفْيُونِ وَالْحَشِيشِ وَنَحْوِهِمَا، وَصَارَ إِنْ لَمْ يَأْكُل مِنْهُ هَلَكَ. فَأَجَابَ: إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ يَهْلَكُ قَطْعًا (٢) حَل لَهُ، بَل وَجَبَ، لاِضْطِرَارِهِ إِلَى إِبْقَاءِ رُوحِهِ، كَالْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّدَرُّجُ فِي تَقْلِيل الْكَمِّيَّةِ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يَزُول تَوَلُّعُ الْمَعِدَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَشْعُرَ، قَال الرَّمْلِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: وَقَوَاعِدُنَا لاَ تُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ. (٣)

стр. 6347

بَيْعُ الْمُخَدِّرَاتِ وَضَمَانُ إِتْلاَفِهَا: ١٣ - لَمَّا كَانَتِ الْمُخَدِّرَاتُ طَاهِرَةً - كَمَا سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ - وَأَنَّهَا قَدْ تَنْفَعُ فِي التَّدَاوِي بِهَا جَازَ بَيْعُهَا لِلتَّدَاوِي عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَضَمِنَ مُتْلِفُهَا، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْحَشِيشَةَ، فَقَالُوا بِحُرْمَةِ بَيْعِهَا كَابْنِ نُجَيْمٍ الْحَنَفِيِّ، وَذَلِكَ لِقِيَامِ الْمَعْصِيَةِ بِذَاتِهَا، وَذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بَائِعُهَا، وَصَحَّحَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ نَجَاسَتَهَا وَأَنَّهَا كَالْخَمْرِ، وَبَيْعُ الْخَمْرِ لاَ يَصِحُّ فَكَذَا الْحَشِيشَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْعُهَا لاَ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ كَالتَّدَاوِي، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمُخَدِّرَاتِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ تَنَاوُلَهُ لَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّمِ، وَلاَ يَضْمَنُ مُتْلِفُهَا، خِلاَفًا لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَيِ الإِْسْفَرَايِينِيِّ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ أَنَّ الْبَيْعَ مَكْرُوهٌ وَيَضْمَنُ مُتْلِفُهَا. (١) تَصَرُّفَاتُ مُتَنَاوِل الْمُخَدِّرَاتِ: ١٤ - إِنَّ مُتَنَاوِل الْقَدْرِ الْمُزِيل لِلْعَقْل مِنَ

стр. 6348

الْمُخَدِّرَاتِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلتَّدَاوِي أَوْ لاَ، فَإِنْ كَانَ لِلتَّدَاوِي فَإِنَّ تَصَرُّفَاتِهِ لاَ تَصِحُّ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا إِذَا كَانَ زَوَال الْعَقْل بِتَنَاوُل الْمُخَدِّرَاتِ لاَ لِلتَّدَاوِي، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا يَصِحُّ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ وَمَا لاَ يَصِحُّ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِهِ صَحِيحَةٌ إِذَا اسْتَعْمَل الأَْفْيُونَ لِلَّهْوِ؛ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الرِّدَّةَ وَالإِْقْرَارَ بِالْحُدُودِ وَالإِْشْهَادَ عَلَى شَهَادَةِ نَفْسِهِ فَإِنَّهَا لاَ تَصِحُّ، وَمَحَل ذَلِكَ إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ الأَْرْضَ مِنَ السَّمَاءِ، أَمَّا إِذَا كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ فَهُوَ كَالصَّاحِي، فَكُفْرُهُ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ طَلاَقُهُ وَعَتَاقُهُ وَخُلْعُهُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي الْحَشِيشَةِ وَالسُّكْرِ بِهَا: فَلَمَّا ظَهَرَ مِنْ أَمْرِهَا - أَيِ الْحَشِيشَةِ - مِنَ الْفَسَادِ كَثِيرٌ وَفَشَا، عَادَ مَشَايِخُ الْمَذْهَبَيْنِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - إِلَى تَحْرِيمِهَا وَأَفْتَوْا بِوُقُوعِ الطَّلاَقِ بِهَا. وَزَادَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ زَوَال الْعَقْل إِذَا كَانَ بِالْبَنْجِ وَالأَْفْيُونِ، وَكَانَ لِلتَّدَاوِي - أَيْ عَلَى سَبِيل الْجَوَازِ - أَنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ زَجْرًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. (١)

стр. 6349

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ طَلاَقِهِ وَعِتْقِهِ وَتَلْزَمُهُ الْحُدُودُ وَالْجِنَايَاتُ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ، بِخِلاَفِ عُقُودِهِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَإِجَارَةٍ وَنِكَاحٍ وَإِقْرَارَاتٍ فَلاَ تَصِحُّ وَلاَ تَلْزَمُ عَلَى الْمَشْهُورِ. (١) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ جَمِيعِ تَصَرُّفَاتِهِ؛ لِعِصْيَانِهِ بِسَبَبِ زَوَال عَقْلِهِ، فَجُعِل كَأَنَّهُ لَمْ يَزُل. (٢) وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ تَنَاوُل الْبَنْجِ وَنَحْوِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ - إِذَا زَال الْعَقْل بِهِ كَالْمَجْنُونِ - لاَ يَقَعُ طَلاَقُ مَنْ تَنَاوَلَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ لَذَّةَ فِيهِ، وَفَرَّقَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّكْرَانِ فَأَلْحَقَهُ بِالْمَجْنُونِ، وَقَدَّمَهُ فِي " النَّظْمِ " " وَالْفُرُوعِ " وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ فَإِنَّهُ قَال: وَطَلاَقُ الزَّائِل الْعَقْل بِلاَ سُكْرٍ لاَ يَقَعُ. قَال الزَّرْكَشِيُّ - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - وَمِمَّا يُلْحَقُ بِالْبَنْجِ الْحَشِيشَةُ الْخَبِيثَةُ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ يَرَى أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ حَتَّى فِي إِيجَابِ الْحَدِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ أَسْكَرَتْ، أَوْ أَسْكَرَ كَثِيرُهَا وَإِلاَّ حَرُمَتْ، وَعُزِّرَ فَقَطْ فِيهَا. (٣) عُقُوبَةُ مُتَنَاوِل الْمُخَدِّرَاتِ: ١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مُتَنَاوِل الْمُخَدِّرَاتِ

стр. 6350

لِلتَّدَاوِي وَلَوْ زَال عَقْلُهُ لاَ عُقُوبَةَ عَلَيْهِ، مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ. أَمَّا إِذَا تَنَاوَل الْقَدْرَ الْمُزِيل لِلْعَقْل بِدُونِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ - إِلاَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي إِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ سَكِرَ مِنَ الْحَشِيشَةِ، مُفَرِّقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُخَدِّرَاتِ. بِأَنَّ الْحَشِيشَةَ تُشْتَهَى وَتُطْلَبُ بِخِلاَفِ الْبَنْجِ، فَالْحُكْمُ عِنْدَهُ مَنُوطٌ بِاشْتِهَاءِ النَّفْسِ. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى تَعْزِيرِ مُتَنَاوِل الْمُخَدِّرَاتِ بِدُونِ عُذْرٍ، لَكِنْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْفْيُونَ وَغَيْرَهُ إِذَا أُذِيبَ وَاشْتَدَّ وَقُذِفَ بِالزُّبْدِ، فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِالْخَمْرِ فِي النَّجَاسَةِ وَالْحَدِّ، كَالْخُبْزِ إِذَا أُذِيبَ وَصَارَ كَذَلِكَ، بَل أَوْلَى. وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ عُقُوبَةَ مُتَنَاوِل الْمُخَدِّرَاتِ بِمَا إِذَا لَمْ يَصِل إِلَى حَالَةٍ تُلْجِئُهُ إِلَى ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ، فَإِنْ وَصَل إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لاَ يُعَزَّرُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْقْلاَعُ عَنْهُ إِمَّا بِاسْتِعْمَال ضِدِّهِ أَوْ تَقْلِيلِهِ تَدْرِيجِيًّا. (١)

стр. 6351

تَخْذِيلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّخْذِيل لُغَةً: حَمْل الرَّجُل عَلَى خِذْلاَنِ صَاحِبِهِ، وَتَثْبِيطِهِ عَنْ نُصْرَتِهِ، يُقَال: خَذَّلْتَهُ تَخْذِيلاً: حَمَلْتَهُ عَلَى الْفَشَل وَتَرْكِ الْقِتَال. (١) وَاصْطِلاَحًا: صَدُّ النَّاسِ عَنِ الْغَزْوِ وَتَزْهِيدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٢ - يَحْرُمُ تَخْذِيل الْمُجَاهِدِينَ عَنِ الْجِهَادِ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ حَصَل مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَمِّ الْمُخَذِّلِينَ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٣) . وَقَال أَيْضًا فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُول اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيل اللَّهِ

стр. 6352

وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُل نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (١) . اسْتِصْحَابُ الْمُخَذِّل وَالْمُرْجِفِ: ٣ - لاَ يَسْتَصْحِبُ الأَْمِيرُ مَعَهُ مُخَذِّلاً، وَهُوَ الَّذِي يُثَبِّطُ النَّاسَ عَنِ الْغَزْوِ وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْقِتَال وَالْجِهَادِ، مِثْل أَنْ يَقُول: الْحَرُّ أَوِ الْبَرْدُ شَدِيدٌ، وَالْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ، وَلاَ تُؤْمَنُ هَزِيمَةُ هَذَا الْجَيْشِ وَأَشْبَاهُ هَذَا. وَلاَ مُرْجِفًا وَهُوَ الَّذِي يَقُول: قَدْ هَلَكَتْ سَرِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا لَهُمْ مَدَدٌ وَلاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِالْكُفَّارِ، وَالْكُفَّارُ لَهُمْ قُوَّةٌ وَمَدَدٌ وَصَبْرٌ، وَلاَ يَثْبُتُ لَهُمْ أَحَدٌ وَنَحْوُ هَذَا، وَلاَ مَنْ يُعِينُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالتَّجَسُّسِ لِلْكُفَّارِ وَإِطْلاَعِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَمُكَاتَبَتِهِمْ بِأَخْبَارِهِمْ وَدَلاَلَتِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ أَوْ إِيوَاءِ جَوَاسِيسِهِمْ، وَلاَ مَنْ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَسْعَى بِالْفَسَادِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأََعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيل اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأََوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ (٢) وَلأَِنَّ هَؤُلاَءِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَلْزَمُهُ مَنْعُهُمْ، وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُ أَحَدُ هَؤُلاَءِ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ وَلَمْ يَرْضَخْ وَإِنْ أَظْهَرَ عَوْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ

стр. 6353

أَظْهَرَهُ نِفَاقًا وَقَدْ ظَهَرَ دَلِيلُهُ، فَيَكُونُ مُجَرَّدَ ضَرَرٍ فَلاَ يَسْتَحِقُّ مِمَّا غَنِمُوا شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ أَحَدَ هَؤُلاَءِ لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ مَعَهُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا مُنِعَ خُرُوجُ الْمُخَذِّل وَمَنْ فِي حُكْمِهِ تَبَعًا فَمَتْبُوعًا أَوْلَى؛ وَلأَِنَّهُ لاَ تُؤْمَنُ الْمَضَرَّةُ عَلَى مَنْ صَحِبَهُ. (١) تَخْرِيبٌ انْظُرْ: جِهَادٌ

стр. 6354

تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّخْرِيجُ وَالاِسْتِخْرَاجُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالاِسْتِنْبَاطِ وَالْمَنَاطُ: مَوْضِعُ التَّعْلِيقِ. وَمَنَاطُ الْحُكْمِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: عِلَّتُهُ. (١) وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ هُوَ: النَّظَرُ وَالاِجْتِهَادُ فِي إِثْبَاتِ عِلَّةِ الْحُكْمِ، إِذَا دَل النَّصُّ أَوِ الإِْجْمَاعُ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ عِلَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَسْتَخْرِجَ الْمُجْتَهِدُ الْعِلَّةَ بِرَأْيِهِ. كَالاِجْتِهَادِ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ عِلَّةً لِتَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَكَوْنِ الْقَتْل الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْمُحَدَّدِ، وَكَوْنِ الطَّعْمِ عِلَّةَ رِبَا الْفَضْل فِي الْبُرِّ وَنَحْوِهِ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ كُل مَا سِوَاهُ فِي عِلَّتِهِ. (٢) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْمُنَاسَبَةُ: ٢ - وَهِيَ: تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِإِبْدَاءِ وُجُودِ الْعَلاَقَةِ بَيْنَ

стр. 6355

الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ، بِحَيْثُ يُدْرِكُهُ الْعَقْل السَّلِيمُ مَعَ السَّلاَمَةِ مِنَ الْقَوَادِحِ. وَيُسَمَّى اسْتِخْرَاجُ الْمُنَاسَبَةِ: تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ (١) . وَبِذَلِكَ يَكُونُ تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ أَعَمَّ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ بِاسْتِخْرَاجِ الْمُنَاسَبَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٣ - عَدَّ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ مَسْلَكًا مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ؛ إِذْ هُوَ اجْتِهَادٌ فِي اسْتِخْرَاجِهَا، لَكِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الرُّتْبَةِ دُونَ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَتَنْقِيحِهِ. وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي الأَْخْذِ بِهِ، فَأَنْكَرَهُ أَهْل الظَّاهِرِ وَالشِّيعَةُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَقَال الْغَزَالِيُّ عَنْهُ: الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ عِنْدَنَا لاَ يَجُوزُ التَّحَكُّمُ بِهَا، بَل قَدْ تُعْلَمُ بِالإِْيمَاءِ وَإِشَارَةِ النَّصِّ فَتُلْحَقُ بِالْمَنْصُوصِ، وَقَدْ تُعْلَمُ بِالسَّبْرِ. . إِلَخْ ثُمَّ قَال: وَكُل ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنَ الْقِسْمَيْنِ الأَْوَّلَيْنِ (تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَتَنْقِيحِهِ) وَالْقِسْمُ الأَْوَّل (تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي (تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ) مُسَلَّمٌ مِنَ الأَْكْثَرِينَ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

стр. 6356

تَخَصُّرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - لِلتَّخَصُّرِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ، مِنْهَا: أَنَّهُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَصْرِ، وَمِثْلُهُ الاِخْتِصَارُ. وَالْخَصْرُ مِنَ الإِْنْسَانِ: وَسَطُهُ وَهُوَ الْمُسْتَدَقُّ فَوْقَ الْوَرِكَيْنِ، وَالْجَمْعُ خُصُورٌ، مِثْل فَلْسٍ وَفُلُوسٍ. وَالْخَصْرَانِ وَالْخَاصِرَتَانِ: مَعْرُوفَانِ. وَالاِخْتِصَارُ وَالتَّخَصُّرُ: أَنْ يَضَعَ الرَّجُل يَدَهُ عَلَى خَصْرِهِ فِي الصَّلاَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الاِتِّكَاءِ عَلَى الْمِخْصَرَةِ، وَهِيَ: مَا يُتَوَكَّأُ عَلَيْهِ مِنْ عَصًا وَنَحْوِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل مُخْتَصِرًا وَمُتَخَصِّرًا (١) . قِيل: هُوَ مِنَ الْمِخْصَرَةِ، وَقِيل: مَعْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل وَهُوَ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: الاِخْتِصَارُ فِي الصَّلاَةِ رَاحَةُ أَهْل النَّارِ (٢) أَيْ أَنَّهُ فِعْل الْيَهُودِ فِي صَلاَتِهِمْ.

стр. 6357

وَهُمْ أَهْل النَّارِ قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: لَيْسَ الرَّاحَةُ الْمَنْسُوبَةُ لأَِهْل النَّارِ هِيَ رَاحَتُهُمْ فِي النَّارِ؛ إِذْ لاَ رَاحَةَ لَهُمْ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ رَاحَتُهُمْ فِي صَلاَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا. يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَصْرِهِ كَأَنَّهُ اسْتَرَاحَ بِذَلِكَ، وَسَمَّاهُمْ أَهْل النَّارِ لِمَصِيرِهِمْ إِلَيْهَا، لاَ لأَِنَّ ذَلِكَ رَاحَتُهُمْ فِي النَّارِ. (١) وَهُوَ: أَيِ التَّخَصُّرُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّخَصُّرَ فِي الصَّلاَةِ مَكْرُوهٌ، أَيْ تَنْزِيهًا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا؛ لِمُنَافَاتِهِ هَيْئَةَ الصَّلاَةِ الْمَأْثُورَةِ، وَالتَّشَبُّهِ بِالْجَبَابِرَةِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل مُخْتَصِرًا (٣) وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ

стр. 6358

رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلاَةِ (١) وَالْمُرَادُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل مُتَخَصِّرًا - بِتَشْدِيدِ الصَّادِ - وَهُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ - وَهُوَ يُصَلِّي - مَا لَمْ تَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ تَدْعُو إِلَى وَضْعِهَا. فَإِنْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ كَمَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ لِوَجَعٍ فِي جَنْبِهِ أَوْ تَعَبٍ فِي قِيَامِ اللَّيْل، فَتَخَصَّرَ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي حُدُودِ مَا تَقْتَضِي بِهِ الْحَاجَةُ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِهَا. (٢) وَفِيهِ وَرَدَ حَدِيثُ: الْمُتَخَصِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمُ النُّورُ (٣) . وَقَال ثَعْلَبٌ: أَيِ الْمُصَلُّونَ

стр. 6359

بِاللَّيْل، فَإِذَا تَعِبُوا وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى خَوَاصِرِهِمْ. وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فَفَسَّرَ الْحَدِيثَ بِغَيْرِ ذَلِكَ. (١) وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ زِيَادٍ قَال: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى خَاصِرَتَيَّ. فَلَمَّا صَلَّى قَال: هَذَا. الصَّلْبُ فِي الصَّلاَةِ، وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهُ (٢) . وَأَمَّا التَّخَصُّرُ خَارِجَ الصَّلاَةِ فَقَدْ جَاءَ فِي تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ وَشَرْحِهِ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا. (٣) لأَِنَّهُ فِعْل الْمُتَكَبِّرِينَ (ر: الصَّلاَةُ: مَكْرُوهَاتُ الصَّلاَةِ) . وَأَمَّا الاِخْتِصَارُ بِمَعْنَى الاِتِّكَاءِ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْمِخْصَرَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل حُكْمِهِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِنَادٌ) . (٤) الاِتِّكَاءُ عَلَى الْمِخْصَرَةِ وَنَحْوِهَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ: ٣ - تَوَكُّؤُ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِخْصَرَةِ فِي حَال خُطْبَةِ

стр. 6360

الْجُمُعَةِ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ سُنَنِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَيَجْعَلُهَا بِيَمِينِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي يَدِهِ الْيُسْرَى كَعَادَةِ مَنْ يُرِيدُ الضَّرْبَ بِالسَّيْفِ وَالرَّمْيَ بِالْقَوْسِ، وَيَشْغَل يَدَهُ الْيُمْنَى بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ. وَجَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ: أَنْ يَجْعَلَهَا بِإِحْدَى يَدَيْهِ، إِلاَّ أَنَّ صَاحِبَ الْفُرُوعِ ذَكَرَ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِالْيُسْرَى وَيَعْتَمِدُ بِالأُْخْرَى عَلَى حَرْفِ الْمِنْبَرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَجْعَل الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى أَوْ يُرْسِلُهُمَا وَلاَ يَعْبَثُ بِهِمَا. (١) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - كَمَا جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ - إِلَى كَرَاهَةِ اتِّكَاءِ الْخَطِيبِ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا يَتَقَلَّدُ الْخَطِيبُ السَّيْفَ فِي كُل بَلْدَةٍ فُتِحَتْ بِهِ. (٢) وَمِثْل الْعَصَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْقَوْسُ وَالسَّيْفُ، وَالْعَصَا أَوْلَى مِنَ الْقَوْسِ وَالسَّيْفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَوْسِ كَمَا جَاءَ فِي الدُّسُوقِيِّ قَوْسُ النُّشَّابِ، وَهِيَ الْقَوْسُ الْعَرَبِيَّةُ لِطُولِهَا وَاسْتِقَامَتِهَا، لاَ الْعَجَمِيَّةُ لِقِصَرِهَا وَعَدَمِ اسْتِقَامَتِهَا. وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى

стр. 6361

مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ اتِّكَاءِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِخْصَرَةِ فِي حَال الْخُطْبَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ: قَال: وَفَدْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَشَهِدْنَا مَعَهُ الْجُمُعَةَ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصَا مُخْتَصِرًا (١) . قَال مَالِكٌ: وَذَلِكَ مِمَّا يُسْتَحَبُّ لِلأَْئِمَّةِ أَصْحَابِ الْمَنَابِرِ أَنْ يَخْطُبُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَعَهُمُ الْعَصَا، يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْهَا فِي قِيَامِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا. (٢)

стр. 6362

تَخْصِيصٌ التَّعْرِيفُ: ١ - تَخْصِيصُ الإِْنْسَانِ بِالشَّيْءِ: تَفْضِيلُهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ. وَفِي اصْطِلاَحِ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ يُطْلَقُ عَلَى: قَصْرِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ بِدَلِيلٍ يَدُل عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الدَّلِيل مُسْتَقِلًّا أَمْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ، مُقَارِنًا أَمْ غَيْرَ مُقَارِنٍ. (١) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ مُقَارِنٍ، فَخَرَجَ الاِسْتِثْنَاءُ وَالصِّفَةُ وَنَحْوُهُمَا؛ لأَِنَّ الْقَصْرَ حَصَل فِيمَا ذُكِرَ بِدَلِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ. وَخَرَجَ النَّسْخُ؛ لأَِنَّهُ قَصْرٌ بِدَلِيلٍ غَيْرِ مُقَارِنٍ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - النَّسْخُ: ٢ - النَّسْخُ هُوَ: الرَّفْعُ وَالإِْزَالَةُ. وَفِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: رَفْعُ الشَّارِعِ

стр. 6363

الْحُكْمَ الْمُتَقَدِّمَ بِحُكْمٍ مُتَأَخِّرٍ بِدَلِيلٍ يَدُل عَلَى ذَلِكَ. فَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّسْخِ وَبَيْنَ التَّخْصِيصِ: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَيْسَ فِيهِ رَفْعٌ لِلْحُكْمِ، وَأَمَّا النَّسْخُ فَهُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. وَالتَّخْصِيصُ قَصْرٌ بِدَلِيلٍ مُقَارِنٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالنَّسْخُ فِيهِ تَرَاخٍ. (١) ب - التَّقْيِيدُ: ٣ - التَّقْيِيدُ: تَقْلِيل شُيُوعِ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ بِاقْتِرَانِهِ بِلَفْظٍ آخَرَ يَدُل عَلَى تَقْيِيدِهِ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ حَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَمِثَالُهُ لَفْظُ " رَجُلٍ " إِذَا اقْتَرَنَ بِلَفْظِ " مُؤْمِنٍ " مَثَلاً، وَقِيل: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ، فَإِنَّ لَفْظَ " رَجُلٍ " مُطْلَقٌ وَهُوَ شَائِعٌ وَمُنْتَشِرٌ فِي كُل مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ أَيُّ ذَكَرٍ بَالِغٍ مِنْ نَوْعِ الإِْنْسَانِ، مُؤْمِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ، وَلَمَّا اقْتَرَنَ بِهِ لَفْظُ " مُؤْمِنٍ " قَلَّل مِنْ شُيُوعِهِ وَانْتِشَارِهِ، وَجَعَلَهُ مَقْصُورًا عَلَى مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا دُونَ غَيْرِهِ. فَالتَّقْيِيدُ إِنَّمَا يَكُونُ لِلأَْلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ، لِيُقَلِّل مِنْ شُيُوعِهَا وَانْتِشَارِهَا فِيمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَاهَا، وَيَجْعَلُهَا مَقْصُورَةً عَلَى مَا يُوجَدُ فِيهِ الْقَيْدُ دُونَ مَا عَدَاهُ. أَمَّا التَّخْصِيصُ: فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الأَْلْفَاظِ

стр. 6364

الْعَامَّةِ؛ لِيُقَلِّل مِنْ شُمُولِهَا وَيَقْصُرَهَا عَلَى بَعْضِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَاهَا دُونَ بَعْضِهَا الآْخَرِ. ج - الاِسْتِثْنَاءُ: ٤ - الاِسْتِثْنَاءُ: إِخْرَاجٌ مِنْ مُتَعَدِّدٍ بِإِلاَّ أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا. (١) أَوْ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ دُخُول بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ صَدْرُ الْكَلاَمِ فِي حُكْمِهِ بِإِلاَّ أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا. (٢) وَالاِسْتِثْنَاءُ نَوْعٌ مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ لِلْعَامِّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ، وَلَيْسَ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ قَاصِرٌ لِلْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ (٣) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٥ - التَّخْصِيصُ جَائِزٌ عَقْلاً وَوَاقِعٌ اسْتِقْرَاءً، وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ إِلَى وَاحِدٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الْعَامِّ جَمْعًا، وَإِلَى أَقَل الْجَمْعِ إِذَا كَانَ جَمْعًا. وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْعَقْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا يَجُوزُ بِاللَّفْظِ. (٤) وَاخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى عَامًّا فِي الْبَاقِي بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ

стр. 6365

أَمْ يَصِيرُ مَجَازًا؟ وَالأَْشْبَهُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَعْضِ الْبَاقِي، وَهَذَا رَأْيُ الْحَنَابِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ كَانَ الْبَاقِي غَيْرَ مُنْحَصِرٍ، وَبَعْضُهُمْ بِقُيُودٍ أُخْرَى. قَال الْبَزْدَوِيُّ: مَنْ شَرَطَ فِي الْعَامِّ الاِجْتِمَاعَ دُونَ الاِسْتِغْرَاقِ قَال: إِنَّهُ يَبْقَى حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَمَنْ قَال: شَرْطُهُ الاِسْتِيعَابُ وَالاِسْتِغْرَاقُ قَال: يَصِيرُ مَجَازًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَإِنْ خُصَّ مِنْهُ فَرْدٌ وَاحِدٌ. (١) وَهَل يَبْقَى الْعَامُّ حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ أَمْ لاَ؟ قَال أَكْثَرُ الأُْصُولِيِّينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْعَامَّ يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ، مَعْلُومًا كَانَ الْمَخْصُوصُ أَوْ مَجْهُولاً. وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَ حُجِّيَّتَهُ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا لاَ مَجْهُولاً. وَقَال الْكَرْخِيُّ: لاَ يَبْقَى حُجَّةً أَصْلاً، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

стр. 6366

تَخَطِّي الرِّقَابِ التَّعْرِيفُ: ١ - يُقَال فِي اللُّغَةِ: تَخَطَّى النَّاسَ وَاخْتَطَاهُمْ أَيْ: جَاوَزَهُمْ. وَيُقَال: تَخَطَّيْتُ رِقَابَ النَّاسِ إِذَا تَجَاوَزْتُهُمْ. قَال ابْنُ الْمُنِيرِ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا بِقَوْلِهِ ﷺ : فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ (١) تَتَنَاوَل الْقُعُودَ بَيْنَهُمَا وَإِخْرَاجَ أَحَدِهِمَا وَالْقُعُودَ مَكَانَهُ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّخَطِّي. وَفِي التَّخَطِّي زِيَادَةُ رَفْعِ رِجْلَيْهِ عَلَى رُءُوسِهِمَا أَوْ أَكْتَافِهِمَا، وَرُبَّمَا تَعَلَّقَ بِثِيَابِهِمَا شَيْءٌ مِمَّا فِي رِجْلَيْهِ. (٢) وَلاَ يَخْرُجُ فِي مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيِّ عَنْ هَذَا. حُكْمُهُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - لِتَخَطِّي الرِّقَابِ أَحْكَامٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ حَالاَتِهِ.

стр. 6367

فَفِي الْجُمُعَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَخَطِّي هُوَ الإِْمَامَ أَوْ غَيْرَهُ. فَإِنْ كَانَ الْمُتَخَطِّي هُوَ الإِْمَامَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلاَّ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ لِيَصِل إِلَى مَكَانِهِ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الإِْمَامِ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ قَبْل أَنْ يَشْرَعَ الإِْمَامُ فِي الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا. فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ: فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالتَّخَطِّي إِنْ كَانَ لاَ يَجِدُ إِلاَّ فُرْجَةً أَمَامَهُ، فَيَتَخَطَّى إِلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ، مَا لَمْ يُؤْذِ بِذَلِكَ أَحَدًا؛ لأَِنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَيَدْنُوَ مِنَ الْمِحْرَابِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ؛ لِيَتَّسِعَ الْمَكَانُ لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ، وَيَنَال فَضْل الْقُرْبِ مِنَ الإِْمَامِ. فَإِذَا لَمْ يَفْعَل الأَْوَّل ذَلِكَ فَقَدْ ضَيَّعَ الْمَكَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَكَانَ لِلَّذِي جَاءَ بَعْدَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْمَكَانَ وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ: فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي أَوَّل مَكَانٍ يَجِدُهُ؛ لأَِنَّ مَشْيَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَتَقَدُّمَهُ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَقَوْلِهِ: وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا (١) وَقَوْلِهِ لِلَّذِي

стр. 6368

جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ: اجْلِسْ: فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ (١) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ لِدَاخِل الْمَسْجِدِ أَنْ يَتَخَطَّى الصُّفُوفَ لِفُرْجَةٍ قَبْل جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّخَطِّي بَعْدَهُ وَلَوْ لِفُرْجَةٍ. (٢) وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلدَّاخِل مَوْضِعٌ وَبَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةٌ لاَ يَصِل إِلَيْهَا إِلاَّ بِتَخَطِّي رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ يَسِيرٌ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَإِنْ رَجَا إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا جَلَسَ حَتَّى يَقُومُوا، وَإِنْ لَمْ يَرْجُ أَنْ يَتَقَدَّمُوا جَازَ أَنْ يَتَخَطَّى لِيَصِل إِلَى الْفُرْجَةِ؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَهَذِهِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ لِلدَّاخِل إِذَا رَأَى فُرْجَةً لاَ يَصِل إِلَيْهَا إِلاَّ بِالتَّخَطِّي جَازَ لَهُ ذَلِكَ. (٣)

стр. 6369

٣ - وَإِذَا جَلَسَ فِي مَكَانٍ، ثُمَّ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَوِ احْتَاجَ الْوُضُوءَ فَلَهُ الْخُرُوجُ وَلَوْ بِالتَّخَطِّي. قَال عُقْبَةُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَقَال: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ (١) فَإِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ (٢) وَحُكْمُهُ فِي التَّخَطِّي إِلَى مَوْضِعِهِ حُكْمُ مَنْ رَأَى بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ. (٣) ٤ - وَيَجُوزُ التَّخَطِّي بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَقَبْل الصَّلاَةِ، وَلَوْ لِغَيْرِ فُرْجَةٍ، كَمَشْيٍ بَيْنَ الصُّفُوفِ وَلَوْ حَال الْخُطْبَةِ. قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ. (٤) وَالتَّخَطِّي لِلسُّؤَال كَرِهَهُ الْحَنَفِيَّةُ، فَلاَ يَمُرُّ السَّائِل بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَلاَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَلاَ يَسْأَل النَّاسَ إِلْحَافًا إِلاَّ إِذَا كَانَ لأَِمْرٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ. (٥) وَيَجُوزُ تَخَطِّي رِقَابِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلَى

стр. 6370

أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ حَيْثُ لاَ حُرْمَةَ لَهُمْ، عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (١) ٥ - وَيُكْرَهُ التَّخَطِّي فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ مِنْ مَجَامِعِ النَّاسِ بِلاَ أَذًى، فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَذًى حَرُمَ (٢) ٦ - وَيَحْرُمُ إِقَامَةُ شَخْصٍ، وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ؛ لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يُقِيمُ الرَّجُل الرَّجُل مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ يَقُول تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا (٣) وَقَال ﷺ : مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ (٤) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُل مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسَ مَكَانَهُ. فَإِنْ قَعَدَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُقِيمَهُ حَتَّى يَقْعُدَ مَكَانَهُ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لاَ يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ لْيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُول: افْسَحُوا (٥)

стр. 6371

قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيل لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) فَإِنْ قَامَ رَجُلٌ وَأَجْلَسَهُ مَكَانَهُ بِاخْتِيَارِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ. وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَنْتَقِل إِلَيْهِ مِثْل الأَْوَّل فِي سَمَاعِ كَلاَمِ الإِْمَامِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ دُونَ الَّذِي كَانَ فِيهِ فِي الْقُرْبِ مِنَ الإِْمَامِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ آثَرَ غَيْرَهُ فِي الْقُرْبَةِ، وَفِيهِ تَفْوِيتُ حَظِّهِ. ٧ - وَإِذَا أَمَرَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا أَنْ يُبَكِّرَ إِلَى الْجَامِعِ فَيَأْخُذَ لَهُ مَكَانًا يَقْعُدُ فِيهِ لاَ يُكْرَهُ، فَإِذَا جَاءَ الآْمِرُ يَقُومُ مِنَ الْمَوْضِعِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِل غُلاَمَهُ إِلَى مَجْلِسٍ لَهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَيَجْلِسُ لَهُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ قَامَ لَهُ مِنْهُ (٢) . تَخْفِيفٌ انْظُرْ: تَيْسِيرٌ

стр. 6372

تَخَلُّلٌ انْظُرْ: تَخْلِي لٌ تَخَلِّي انْظُرْ: قَضَاءَ الْحَاجَةِ تَخْلِيلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّخْلِيل لُغَةً يَأْتِي بِمَعَانٍ، مِنْهَا: تَفْرِيقُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ وَأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، يُقَال: خَلَّل الرَّجُل لِحْيَتَهُ: إِذَا أَوْصَل الْمَاءَ إِلَى خِلاَلِهَا، وَهُوَ الْبَشَرَةُ الَّتِي بَيْنَ الشَّعْرِ. وَأَصْلُهُ مِنْ إِدْخَال الشَّيْءِ فِي خِلاَل الشَّيْءِ، وَهُوَ وَسَطُهُ. وَيُقَال: خَلَّل الشَّخْصُ أَسْنَانَهُ تَخْلِيلاً: إِذَا أَخْرَجَ

стр. 6373

مَا يَبْقَى مِنَ الْمَأْكُول بَيْنَهَا. وَخَلَّلْتُ النَّبِيذَ تَخْلِيلاً: جَعَلْتُهُ خَلًّا (١) . وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ التَّخْلِيل بِهَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ. أَحْكَامُ التَّخْلِيل بِأَنْوَاعِهِ: أَوَّلاً: التَّخْلِيل فِي الطَّهَارَةِ: أ - تَخْلِيل الأَْصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل: ٢ - إِيصَال الْمَاءِ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالتَّخْلِيل أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مُتَمِّمَاتِ الْغُسْل، (٢) فَهُوَ فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣) . أَمَّا التَّخْلِيل بَعْدَ دُخُول الْمَاءِ خِلاَل الأَْصَابِعِ، فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنَّ تَخْلِيل الأَْصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِلَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ: أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّل بَيْنَ الأَْصَابِعِ (٤) ، وَقَدْ

стр. 6374

صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَالْحَنَابِلَةُ يَرَوْنَ أَنَّ التَّخْلِيل فِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ آكَدُ، وَعَلَّلُوا اسْتِحْبَابَ التَّخْلِيل بِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الدَّرَنِ وَالْوَسَخِ مِنْ بَيْنِ الأَْصَابِعِ. (١) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى وُجُوبِ التَّخْلِيل فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَاسْتِحْبَابِهِ فِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا وَجَبَ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ دُونَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ لِعَدَمِ شِدَّةِ الْتِصَاقِهَا، فَأَشْبَهَتِ الأَْعْضَاءَ الْمُسْتَقِلَّةَ، بِخِلاَفِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ لِشِدَّةِ الْتِصَاقِهَا، فَأَشْبَهَ مَا بَيْنَهَا الْبَاطِنُ. وَفِي الْقَوْل الآْخَرِ عِنْدَهُمْ: يَجِبُ التَّخْلِيل فِي الرِّجْلَيْنِ كَالْيَدَيْنِ. وَمُرَادُ الْمَالِكِيَّةِ بِوُجُوبِ التَّخْلِيل إِيصَال الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ بِالدَّلْكِ. (٢) ٣ - وَكَذَلِكَ يُسَنُّ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حَيْثُ ذَكَرُوا فِي بَيَانِ الْغُسْل الْكَامِل الْمُشْتَمِل عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ أَنْ يَتَوَضَّأَ كَامِلاً قَبْل أَنْ يَحْثُوَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثًا، لِقَوْلِهِ ﷺ : ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ (٣) وَقَدْ

стр. 6375

سَبَقَ أَنَّ تَخْلِيل الأَْصَابِعِ سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ فِي الْوُضُوءِ، فَكَذَلِكَ فِي الْغُسْل. (١) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى وُجُوبِ تَخْلِيل أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ كَأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فِي الْغُسْل؛ لأَِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ عَلَى خِلاَفِ مَا قَالُوا فِي الْوُضُوءِ مِنِ اسْتِحْبَابِ تَخْلِيل أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ. (٢) ب - تَخْلِيل الأَْصَابِعِ فِي التَّيَمُّمِ: ٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي أَنَّ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فَرْضٌ فِي التَّيَمُّمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣) كَذَلِكَ يَجِبُ تَعْمِيمُ وَاسْتِيعَابُ مَحَل الْفَرْضِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِوُجُوبِ نَزْعِ الْخَاتَمِ وَالسِّوَارِ إِذَا كَانَا ضَيِّقَيْنِ يُخْشَى عَدَمُ وُصُول الْغُبَارِ إِلَى مَا تَحْتَهُمَا، حَتَّى إِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا بِوُجُوبِ نَزْعِ الْخَاتَمِ، وَلَوْ كَانَ وَاسِعًا، وَإِلاَّ كَانَ حَائِلاً. وَعَلَى ذَلِكَ يَجِبُ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ إِنْ لَمْ يَدْخُل بَيْنَهَا غُبَارٌ، أَوْ لَمْ تُمْسَحْ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
следующие страницы →