Полный текст (31 949 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.
стр. 7421
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ) إِِلَى صِحَّتِهِ وَانْعِقَادِهِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ؛ لأَِنَّ الْفِعْل يَدُل عَلَى الرِّضَا عُرْفًا. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْبَيْعِ إِنَّمَا هُوَ أَخْذُ مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ بِعِوَضٍ يَرْضَاهُ، فَلاَ يُشْتَرَطُ الْقَوْل، وَيَكْفِي الْفِعْل بِالْمُعَاطَاةِ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ: إِِلَى أَنَّ الْبَيْعَ لاَ يَنْعَقِدُ بِالْمُعَاطَاةِ، لأَِنَّ الْفِعْل لاَ يَدُل بِوَضْعِهِ عَلَى التَّرَاضِي، فَالْمَقْبُوضُ بِهَا كَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ، فَيُطَالِبُ كُلٌّ صَاحِبَهُ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ إِنْ بَقِيَ، أَوْ بِبَدَلِهِ إِنْ تَلِفَ.
وَخَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ (كَابْنِ سُرَيْجٍ وَالرُّويَانِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْكَرْخِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) جَوَازَ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ بِالْمُحَقَّرَاتِ، وَهِيَ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهَا بِالْمُعَاطَاةِ، كَرِطْل خُبْزٍ وَحُزْمَةِ بَقْلٍ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ، بِشَرْطِ عَدَمِ تَأْخِيرِ الْقَبْضِ لِلطَّالِبِ فِي نَحْوِ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَمٍ، أَوْ عَدَمِ تَأْخِيرِ الإِِْقْبَاضِ لِلطَّلَبِ نَحْوِ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ خُبْزًا لأَِنَّهُ إِِذَا اعْتُبِرَ عَدَمُ التَّأْخِيرِ فِي الإِِْيجَابِ وَالْقَبُول اللَّفْظِيِّ، فَاعْتِبَارُ عَدَمِ التَّأْخِيرِ فِي الْمُعَاطَاةِ أَوْلَى.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ فِي الْمُعَاطَاةِ مُبْطِلٌ، وَلَوْ كَانَ بِالْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ لِضَعْفِهَا عَنِ الصِّيغَةِ الْقَوْلِيَّةِ.
وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ التَّقَابُضَ فِي الْمُعَاطَاةِ شَرْطَ لُزُومٍ، فَمَنْ أَخَذَ رَغِيفًا مِنْ شَخْصٍ وَدَفَعَ لَهُ
стр. 7422
ثَمَنَهُ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ، لِلشَّكِّ فِي التَّمَاثُل. بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَخَذَ رَغِيفًا وَلَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ، فَيَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ؛ لِعَدَمِ لُزُومِ الْبَيْعِ.
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ: الإِِْقَالَةَ، وَالإِِْجَارَةَ - إِنْ عُلِمَتِ الأُْجْرَةُ - وَالصَّرْفَ، وَالْهِبَةَ، وَالْهَدِيَّةَ، وَنَحْوَهَا. تَصِحُّ وَتَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي، وَنَصُّوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَبُول فِي الْعَارِيَّةِ يَصِحُّ بِالْفِعْل كَالتَّعَاطِي، وَأَمَّا الإِِْيجَابُ فَلاَ يَصِحُّ بِهِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: كُل إِشَارَةٍ فُهِمَ مِنْهَا الإِِْيجَابُ وَالْقَبُول لَزِمَ بِهَا الْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ تَنْعَقِدُ بِالْفِعْل الدَّال عَلَيْهَا كَمَا لَوْ خَلَطَا مَالَيْهِمَا وَبَاعَا.
وَتَمَسَّكَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَصْلِهِمْ، وَهُوَ: عَدَمُ صِحَّةِ الْعَقْدِ بِالْمُعَاطَاةِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ. إِلاَّ الْعَارِيَّةَ، فَإِِنَّهَا تَصِحُّ عِنْدَهُمْ بِلَفْظٍ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلٍ مِنَ الآْخَرِ، وَلاَ يَكْفِي الْفِعْل مِنَ الطَّرَفَيْنِ إِلاَّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا وَسَلَّمَهُ لَهُ فِي ظَرْفٍ، فَالظَّرْفُ مُعَارٌ فِي الأَْصَحِّ. وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ صِحَّةَ الْهِبَةِ بِالْمُعَاطَاةِ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى انْعِقَادِ الإِِْجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالإِِْقَالَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْهِبَةِ بِالْفِعْل كَالتَّعَاطِي، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى، فَجَازَ بِكُل مَا يَدُل عَلَيْهِ. (١) стр. 7423
ثَالِثًا: التَّعْبِيرُ بِالْكِتَابَةِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ الْعُقُودِ وَانْعِقَادِهَا بِالْكِتَابَةِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْقَبُول أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسِ بُلُوغِ الْكِتَابِ، لِيَقْتَرِنَ بِالإِِْيجَابِ بِقَدْرِ الإِِْمْكَانِ.
وَجَعَل الشَّافِعِيَّةُ الْكِتَابَةَ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ، فَتَنْعَقِدُ بِهَا الْعُقُودُ مَعَ النِّيَّةِ. (١)
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ عَقْدَ النِّكَاحِ، فَلاَ يَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) . وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْغَائِبِ دُونَ الْحَاضِرِ، (٢) بِشَرْطِ إِعْلاَمِ الشُّهُودِ بِمَا فِي الْكِتَابِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى وُقُوعِ الطَّلاَقِ بِالْكِتَابَةِ، لأَِنَّ الْكِتَابَةَ حُرُوفٌ يُفْهَمُ مِنْهَا الطَّلاَقُ، فَأَشْبَهَتِ النُّطْقَ؛ وَلأَِنَّ الْكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ قَوْل الْكَاتِبِ، بِدَلِيل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، فَبَلَّغَ بِالْقَوْل مَرَّةً، وَبِالْكِتَابَةِ أُخْرَى.
وَالْكِتَابَةُ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الطَّلاَقُ إِنَّمَا هِيَ الْكِتَابَةُ стр. 7424
الْمُسْتَبِينَةِ، كَالْكِتَابَةِ عَلَى الصَّحِيفَةِ وَالْحَائِطِ وَالأَْرْضِ، عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ فَهْمُهُ وَقِرَاءَتُهُ. وَأَمَّا الْكِتَابَةُ غَيْرُ الْمُسْتَبِينَةِ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَشَيْءٍ لاَ يُمْكِنُ فَهْمُهُ وَقِرَاءَتُهُ، فَلاَ يَقَعُ بِهَا الطَّلاَقُ، لأَِنَّ هَذِهِ الْكِتَابَةَ بِمَنْزِلَةِ الْهَمْسِ بِلِسَانِهِ بِمَا لاَ يُسْمَعُ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ الْكِتَابَةَ بِالطَّلاَقِ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ، فَتَفْتَقِرُ إِِلَى نِيَّةٍ مِنَ الْكَاتِبِ، وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ النِّيَّةَ عَلَى الْكِتَابَةِ الْمُسْتَبِينَةِ غَيْرِ الْمَرْسُومَةِ (أَيْ أَنْ لاَ يَكُونَ الْكِتَابُ مُصَوَّرًا وَمُعَنْوَنًا) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَتَبَ طَلاَقَهَا بِالصَّرِيحِ وَقَعَ وَإِِنْ لَمْ يَنْوِهِ. وَإِِنْ كَتَبَهُ بِالْكِنَايَةِ فَهُوَ كِنَايَةٌ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَتَبَهُ عَازِمًا عَلَى الطَّلاَقِ بِكِتَابَتِهِ فَيَقَعُ بِمُجَرَّدِ فَرَاغِهِ مِنْ كِتَابَةِ: هِيَ طَالِقٌ. وَمِثْلُهُ: لَوْ كَتَبَ: إِِذَا جَاءَكَ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَعِنْدَهُمْ قَوْلٌ ثَانٍ: بِأَنْ يُوقَفَ الطَّلاَقُ عَلَى وُصُول الْكِتَابِ، وَقَوَّاهُ الدُّسُوقِيُّ لِتَضَمُّنِ " إِِذَا " مَعْنَى الشَّرْطِ.
وَإِِنْ كَتَبَهُ مُسْتَشِيرًا أَوْ مُتَرَدِّدًا فَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ، إِلاَّ إِِذَا أَخْرَجَهُ عَازِمًا، أَوْ أَخْرَجَهُ وَلاَ نِيَّةَ لَهُ فَيَقَعُ الطَّلاَقُ بِمُجَرَّدِ إِخْرَاجِهِ. وَأَمَّا إِِذَا أَخْرَجَهُ - وَهُوَ كَذَلِكَ - مُتَرَدِّدًا أَوْ مُسْتَشِيرًا، أَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ، فَإِِمَّا أَنْ يَصِل إِلَيْهَا، وَإِِمَّا أَنْ لاَ يَصِل إِلَيْهَا، فَإِِنْ وَصَل إِلَيْهَا حَنِثَ وَإِِلاَّ فَلاَ. وَأَمَّا إِنْ كَتَبَهُ وَلاَ نِيَّةَ لَهُ أَصْلاً حِينَ الْكِتَابَةِ فَيَلْزَمُهُ
стр. 7425
الطَّلاَقُ، لِحَمْلِهِ عَلَى الْعَزْمِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ خِلاَفًا لِلَّخْمِيِّ. (١)
رَابِعًا: التَّعْبِيرُ بِالإِِْشَارَةِ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِشَارَةَ الأَْخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ تَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ لِلضَّرُورَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَدُل عَلَى مَا فِي فُؤَادِهِ، كَمَا يَدُل عَلَيْهِ النُّطْقُ مِنَ النَّاطِقِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِشَارَةِ غَيْرِ الأَْخْرَسِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا فِي الْعُقُودِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّ إِشَارَةَ النَّاطِقِ مُعْتَبَرَةٌ كَنُطْقِهِ - قَالُوا - وَهِيَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنَ الْمُعَاطَاةِ - لأَِنَّهَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا كَلاَمٌ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَنْ لاَ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾ (٢) وَالرَّمْزُ: الإِِْشَارَةُ. (٣)
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِشَارَةٌ) . стр. 7426
خَامِسًا: التَّعْبِيرُ بِالسُّكُوتِ:
٧ - اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ سُكُوتَ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ تَعْبِيرًا عَنْ رِضَاهَا بِالنِّكَاحِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ. إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي. قَال: رِضَاهَا صُمَاتُهَا (١) وَأَخْرَجَ الإِِْمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِِذْنُهَا سُكُوتُهَا (٢)
وَأَلْحَقُوا بِالسُّكُوتِ الضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، فَإِِنْ صَمَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا، وَإِِنْ أَبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا (٣) وَلأَِنَّهَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالاِمْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِهَا لِلاِسْتِئْذَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ إِذْنًا مِنْهَا.
وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الْبُكَاءَ إِنْ كَانَ مَعَ الصِّيَاحِ وَالصَّوْتِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِعَدَمِ الرِّضَا.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ عُلِمَ مِنْ بُكَائِهَا أَنَّهُ مَنْعٌ لَمْ تُزَوَّجْ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الضَّحِكِ إِنْ كَانَ بِاسْتِهْزَاءٍ؛ لأَِنَّ الضَّحِكَ إِنَّمَا جُعِل إِذْنًا стр. 7427
لِدَلاَلَتِهِ عَلَى الرِّضَا، فَإِِذَا لَمْ يَدُل عَلَى الرِّضَا لَمْ يَكُنْ إِذْنًا.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْفَتْحِ: وَالْمُعَوَّل اعْتِبَارُ قَرَائِنِ الأَْحْوَال فِي الْبُكَاءِ وَالضَّحِكِ، فَإِِنْ تَعَارَضَتْ أَوْ أَشْكَل احْتِيطَ. (١)
وَثَمَّةَ تَفْصِيلاَتٌ وَاسْتِثْنَاءَاتٌ تَفْصِيلُهَا فِي (النِّكَاحِ)
تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا
انْظُرْ: رُؤْيَا стр. 7428
تَعْجِيزٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّعْجِيزُ لُغَةً: مَصْدَرُ عَجَّزَ. يُقَال: عَجَّزْتُهُ تَعْجِيزًا: إِِذَا جَعَلْتَهُ عَاجِزًا، وَعَجَّزَ فُلاَنٌ رَأْيَ فُلاَنٍ: إِِذَا نَسَبَهُ إِِلَى خِلاَفِ الْحَزْمِ، كَأَنَّهُ نَسَبَهُ إِِلَى الْعَجْزِ وَهُوَ لاَ يَخْرُجُ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ: نِسْبَةُ الشَّخْصِ إِِلَى الْعَجْزِ. (١)
وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذَا اللَّفْظَ إِلاَّ فِي حَالَتَيْنِ:
الأُْولَى: تَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ.
وَالأُْخْرَى: تَعْجِيزُ الْقَاضِي أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إِجْمَالاً:
أَوَّلاً: تَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لاَزِمٌ مِنْ جَانِبِ السَّيِّدِ، وَهُوَ: أَنْ يَتَعَاقَدَ السَّيِّدُ مَعَ عَبْدِهِ. أَوْ أَمَتِهِ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ كَذَا مِنَ الْمَال مُنَجَّزًا، أَوْ مُؤَجَّلاً، وَيَكُونُ حُرًّا. فَلاَ يَمْلِكُ فَسْخَهَا، стр. 7429
وَلاَ يَجُوزُ تَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ قَبْل عَجْزِ الْمُكَاتَبِ عَنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ.
أَمَّا إِنْ حَل النَّجْمُ (الْقِسْطُ) فَلِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهُ بِمَا حَل مِنْ نُجُومِهِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ لَهُ.
فَإِِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْهَا، فَهَل يَحِقُّ لِلسَّيِّدِ فَسْخُ الْكِتَابَةِ وَتَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ أَمْ لاَ؟ .
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِِلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَفْسَخَ الْكِتَابَةَ بِنَفْسِهِ، دُونَ الرُّجُوعِ إِِلَى الْحَاكِمِ أَوِ السُّلْطَانِ، إِِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ بَعْدَ حُلُول النَّجْمِ، لِفِعْل ابْنِ عُمَرَ ﵄ ذَلِكَ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إِلاَّ عَنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ أَوِ السُّلْطَانِ. (١)
٣ - وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ كَذَلِكَ - وَهُمْ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إِِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ. كَأَنْ يَقُول: أَنَا عَاجِزٌ عَنْ كِتَابَتِي، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ الصَّبْرُ أَوِ الْفَسْخُ، إِمَّا عَنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ أَوْ بِنَفْسِهِ. كَمَا أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَجِّزَهُ إِِذَا طَلَبَ ذَلِكَ السَّيِّدُ أَوْ وَرَثَتُهُ، بَعْدَ حُلُول النَّجْمِ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ بِمَا كُوتِبَ عَلَيْهِ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُعَجِّزَ стр. 7430
نَفْسَهُ إِِذَا كَانَ مُقْتَدِرًا؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ عِنْدَهُمْ لاَزِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (كِتَابَةٌ) .
ثَانِيًا: عَجْزُ الْمُدَّعِي أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ:
٤ - أَكْثَرُ مَنِ اسْتَعْمَل مِنَ الْفُقَهَاءِ لَفْظَ التَّعْجِيزِ هُمُ الْمَالِكِيَّةُ، حَيْثُ ذَهَبُوا: إِِلَى أَنَّهُ إِِذَا انْقَضَتِ الآْجَال الَّتِي ضَرَبَهَا الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي لإِِِحْضَارِ بَيِّنَتِهِ، وَفَتْرَةُ التَّلَوُّمِ، وَلَمْ يَأْتِ الشَّخْصُ الْمُؤَجَّل بِشَيْءٍ يُوجِبُ لَهُ نَظِرَةً، عَجَّزَهُ الْقَاضِي، وَأَنْفَذَ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ، وَسَجَّل، وَقَطَعَ بِذَلِكَ تَبِعَتَهُ عَنْ خَصْمِهِ، ثُمَّ لاَ يُسْمَعُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حُجَّةً، وَلاَ تُقْبَل مِنْهُ بَيِّنَةٌ إِنْ أَتَى بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ مُدَّعِيًا أَمْ مُدَّعًى عَلَيْهِ. (١)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِِلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ يُمْهَل إِِذَا طَلَبَ مُهْلَةً لإِِِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ، وَيُتْرَكُ مَا تُرِكَ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الطَّالِبُ لِلْحَقِّ.
أَمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلاَ يُمْهَل أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ يُحْكَمُ بِتَعْجِيزِهِ، وَيَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الْحَلِفِ، ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي فَيُحْكَمُ لَهُ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَرَوْنَ: أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَفْسِ النُّكُول، بَعْدَ أَنْ يُكَرِّرَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. (٢) لِقَوْلِهِ ﷺ стр. 7431
الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. (١)
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى) . стр. 7432
تَعْجِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّعْجِيل: مَصْدَرُ عَجَّل. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الاِسْتِحْثَاثُ، وَطَلَبُ الْعَجَلَةِ، وَهِيَ: السُّرْعَةُ. وَيُقَال: عَجَّلْتُ إِلَيْهِ الْمَال: أَسْرَعْتُ إِلَيْهِ، فَتَعَجَّلَهُ: فَأَخَذَهُ بِسُرْعَةٍ وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: الإِِْتْيَانُ بِالْفِعْل قَبْل الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لَهُ شَرْعًا، كَتَعْجِيل الزَّكَاةِ، أَوْ فِي أَوَّل الْوَقْتِ، كَتَعْجِيل الْفِطْرِ. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِِْسْرَاعُ:
٢ - الإِِْسْرَاعُ: مَصْدَرُ أَسْرَعَ، وَالسُّرْعَةُ: اسْمٌ مِنْهُ، وَهِيَ نَقِيضُ الْبُطْءِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الإِِْسْرَاعِ وَالتَّعْجِيل كَمَا قَال الْعَسْكَرِيُّ: إِنَّ السُّرْعَةَ التَّقَدُّمُ فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ، وَهِيَ مَحْمُودَةٌ، وَنَقِيضُهَا مَذْمُومٌ، وَهُوَ: الإِِْبْطَاءُ. وَالْعَجَلَةُ التَّقَدُّمُ فِيمَا لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ فِيهِ، وَهِيَ مَذْمُومَةٌ، وَنَقِيضُهَا مَحْمُودٌ، وَهُوَ: الأَْنَاةُ. فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى стр. 7433
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (١) فَإِِنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى: أَسْرَعْتُ. (٢)
الْحُكْمُ الإِِْجْمَالِيُّ:
٣ - التَّعْجِيل مَشْرُوعٌ فِي مَوَاضِعَ: كَتَعْجِيل تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَقَضَاءِ الدَّيْنِ. وَغَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي مَوَاضِعَ: كَتَعْجِيل الصَّلاَةِ قَبْل وَقْتِهَا.
وَالْمَشْرُوعُ مِنْهُ تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا: كَتَعْجِيل التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ. وَتَارَةً يَكُونُ مَنْدُوبًا: كَتَعْجِيل الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ. وَتَارَةً يَكُونُ مُبَاحًا: كَتَعْجِيل الْكَفَّارَاتِ، وَتَارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ خِلاَفَ الأَْوْلَى: كَتَعْجِيل إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْل الْحَوْل.
وَغَيْرُ الْمَشْرُوعِ: مِنْهُ مَا يَكُونُ بَاطِلاً، كَتَعْجِيل الصَّلاَةِ قَبْل وَقْتِهَا.
أَنْوَاعُ التَّعْجِيل
أَوَّلاً: التَّعْجِيل بِالْفِعْل عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ
أ - التَّعْجِيل بِالتَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ:
٤ - تَجِبُ التَّوْبَةُ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ عَلَى الْفَوْرِ عُقَيْبَ الذَّنْبِ. وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِِجْمَاعِ الأُْمَّةِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ стр. 7434
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢)
وَنَقَل الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: الإِِْجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ تَعْجِيل التَّوْبَةِ، وَأَنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ. (٣)
ب - التَّعْجِيل بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ الإِِْسْرَاعُ بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إِِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَادَ طَلْحَةُ بْنُ الْبَرَاءِ ﵁ قَال: إِنِّي لاَ أَرَى طَلْحَةَ إِلاَّ قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَآذِنُونِي بِهِ، وَعَجِّلُوا، فَإِِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ. (٤) وَالصَّارِفُ عَنْ وُجُوبِ التَّعْجِيل: الاِحْتِيَاطُ لِلرُّوحِ؛ لاِحْتِمَالِهِ الإِِْغْمَاءَ وَنَحْوَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ стр. 7435
تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ. (١)
وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُ مَنْ مَاتَ فَجْأَةً أَوْ غَرَقًا. (٢)
ج - التَّعْجِيل بِقَضَاءِ الدَّيْنِ:
٦ - يَجِبُ تَعْجِيل الْوَفَاءِ بِالدَّيْنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ وَيَحْرُمُ عَلَى الْقَادِرِ الْمَطْل فِيهِ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِِنْ أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ أَيْ فَإِِنْ أُحِيل عَلَى مُوسِرٍ فَلْيَقْبَل الْحَوَالَةَ. (٣)
قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: الْمَعْنَى: أَنَّهُ مِنَ الظُّلْمِ، وَأَطْلَقَ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنِ الْمَطْل، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَطْل هُنَا: تَأْخِيرُ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ. (٤)
د - التَّعْجِيل بِإِِعْطَاءِ أُجْرَةِ الأَْجِيرِ:
٧ - ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال أَعْطُوا الأَْجِيرَ أَجْرَهُ قَبْل أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ (٥) стр. 7436
وَالأَْمْرُ بِإِِعْطَائِهِ قَبْل جَفَافِ عَرَقِهِ إِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ عَقِبَ فَرَاغِ الْعَمَل، إِِذَا طَلَبَ، وَإِِنْ لَمْ يَعْرَقْ، أَوْ عَرِقَ وَجَفَّ. وَذَلِكَ لأَِنَّ أَجْرَهُ عِمَالَةُ جَسَدِهِ، وَقَدْ عَجَّل مَنْفَعَتَهُ، فَإِِذَا عَجَّلَهَا اسْتَحَقَّ التَّعْجِيل. وَمِنْ شَأْنِ الْبَاعَةِ: إِِذَا سَلَّمُوا قَبَضُوا الثَّمَنَ عِنْدَ التَّسْلِيمِ، فَهُوَ أَحَقُّ وَأَوْلَى، إِذْ كَانَ ثَمَنَ مُهْجَتِهِ، لاَ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ، فَيَحْرُمُ مَطْلُهُ وَالتَّسْوِيفُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ. (١)
هـ - التَّعْجِيل بِتَزْوِيجِ الْبِكْرِ:
٨ - اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ التَّعْجِيل بِإِِنْكَاحِ الْبِكْرِ إِِذَا بَلَغَتْ، لِحَدِيثِ: يَا عَلِيُّ: ثَلاَثٌ لاَ تُؤَخِّرُهَا: الصَّلاَةُ إِِذَا أَتَتْ، وَالْجِنَازَةُ إِِذَا حَضَرَتْ، وَالأَْيِّمُ إِِذَا وَجَدَتْ لَهَا كُفُؤًا (٢) وَاسْتَثْنَوْا ذَلِكَ مِنْ ذَمِّ الْعَجَلَةِ، وَأَنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ. (٣) стр. 7437
و - التَّعْجِيل بِالإِِْفْطَارِ فِي رَمَضَانَ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ: عَلَى أَنَّ تَعْجِيل الْفِطْرِ مِنَ السُّنَّةِ، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ لاَ يَزَال النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ (١) وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ. (٢)
وَإِِنَّمَا يُسَنُّ لَهُ التَّعْجِيل: إِِذَا تَحَقَّقَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَعَدَمِ الشَّكِّ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ إِِذَا شَكَّ فِي الْغُرُوبِ حَرُمَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ اتِّفَاقًا، وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ تَعْجِيل الْفِطْرِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ. (٣)
ز - تَعْجِيل الْحَاجِّ بِالنَّفْرِ مِنْ مِنًى:
١٠ - يَجُوزُ لِلْحَاجِّ التَّعَجُّل فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٤) وَلِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْمُرَ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَيَّامُ مِنًى ثَلاَثٌ، فَمَنْ стр. 7438
تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ (١) وَشَرْطُ جَوَازِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنْ يَخْرُجَ الْحَاجُّ مِنْ مِنًى قَبْل الْغُرُوبِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَإِِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِمِنًى، وَرَمَى الْيَوْمَ الثَّالِثَ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِلنَّهَارِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ اللَّيْل فَمَا تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ، وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال " مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى، فَلاَ يَنْفِرَنْ، حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (٢)
وَلَمْ يُفَرِّقِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي هَذَا الشَّرْطِ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَالآْفَاقِيِّ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَخَصُّوا شَرْطَ التَّعْجِيل بِالْمُتَعَجِّل مِنْ أَهْل مَكَّةَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا فَلاَ يُشْتَرَطُ خُرُوجُهُ مِنْ مِنًى قَبْل الْغُرُوبِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَإِِنَّمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ قَبْل الْغُرُوبِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَهُ أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، مَا لَمْ يَطْلُعْ فَجْرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يَدْخُل الْيَوْمُ الآْخَرُ، فَجَازَ стр. 7439
لَهُ النَّفْرُ، كَمَا قَبْل الْغُرُوبِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَهْل مَكَّةَ هَل يَنْفِرُونَ النَّفْرَ الأَْوَّل؟ فَقِيل: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ. فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَال: مَنْ شَاءَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا فِي النَّفْرِ الأَْوَّل، إِلاَّ آل خُزَيْمَةَ، فَلاَ يَنْفِرُونَ إِلاَّ فِي النَّفْرِ الآْخَرِ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُول: لاَ يُعْجِبُنِي لِمَنْ نَفَرَ النَّفْرَ الأَْوَّل أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ، وَقَال: أَهْل مَكَّةَ أَخَفُّ، وَجَعَل أَحْمَدُ مَعْنَى قَوْل عُمَرَ (إِلاَّ آل خُزَيْمَةَ) أَيْ: أَنَّهُمْ أَهْل الْحَرَمِ، وَحَمَلَهُ فِي الْمُغْنِي عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، مُحَافَظَةً عَلَى الْعُمُومِ. وَكَانَ مَالِكٌ يَقُول فِي أَهْل مَكَّةَ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلَهُ أَنْ يَتَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ، فَإِِنْ أَرَادَ التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فَلاَ، فَرَأَى أَنَّ التَّعْجِيل لِمَنْ بَعُدَ قُطْرُهُ. وَقَال أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ: الآْيَةُ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرُّخْصَةُ لِجَمِيعِ النَّاسِ، أَهْل مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ، سَوَاءٌ أَرَادَ الْخَارِجُ مِنْ مِنًى الْمُقَامَ بِمَكَّةَ، أَوِ الشُّخُوصَ إِِلَى بَلَدِهِ.
١١ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ بَيْنَ التَّعْجِيل وَالتَّأْخِيرِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) : إِِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ النَّفْرِ إِِلَى الثَّالِثِ أَفْضَل، لِلاِقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِِلَى أَنَّهُ لاَ تَفْضِيل بَيْنَ التَّعْجِيل وَالتَّأْخِيرِ، بَل هُمَا مُسْتَوِيَانِ.
وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّعْجِيل لِلإِِْمَامِ، لأَِجْل مَنْ يَتَأَخَّرُ.
стр. 7440
وَأَمَّا ثَمَرَةُ التَّعْجِيل فَهِيَ سُقُوطُ رَمْيِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَمَبِيتُ لَيْلَتِهِ عَنْهُ. (١)
ثَانِيًا: تَعْجِيل الْفِعْل قَبْل وُجُوبِهِ
أ - التَّعْجِيل بِالصَّلاَةِ قَبْل الْوَقْتِ:
١٢ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ: عَلَى أَنَّ لِكُل صَلاَةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَقْتًا مُحَدَّدًا، لاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا عَنْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) أَيْ: مُحَتَّمَةً مُؤَقَّتَةً: وَلِحَدِيثِ الْمَوَاقِيتِ الْمَشْهُورِ.
وَقَدْ رَخَّصَ الشَّارِعُ فِي تَعْجِيل الصَّلاَةِ قَبْل وَقْتِهَا فِي حَالاَتٍ، مِنْهَا:
(١) جَمْعُ الْحَاجِّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي عَرَفَةَ.
(٢) جَوَازُ الْجَمْعِ لِلْمُسَافِرِ بَيْنَ الْعَصْرَيْنِ (الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) وَالْعِشَاءَيْنِ (الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) تَقْدِيمًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
(٣) جَوَازُ الْجَمْعِ لِلْمَرِيضِ، جَمْعَ تَقْدِيمٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
(٤) جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ تَقْدِيمًا، لأَِجْل стр. 7441
الْمَطَرِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرْدِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ جَوَازَهُ بَيْنَ الْعَصْرَيْنِ أَيْضًا.
(٥) جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ، إِِذَا اجْتَمَعَ الطِّينُ مَعَ الظُّلْمَةِ، عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَجَوَّزَهُ الْحَنَابِلَةُ بِمُجَرَّدِ الْوَحْل، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ قُدَامَةَ.
(٦) جَوَازُ الْجَمْعِ لأَِجْل الْخَوْفِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
(٧) جَوَازُ الْجَمْعِ لأَِجْل الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ، عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَصَحَّحَهُ الآْمِدِيُّ. (١)
ب - التَّعْجِيل بِإِِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْل الْحَوْل:
١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِِلَى جَوَازِ تَعْجِيل إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْل الْحَوْل فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعَبَّاسَ ﵁ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيل صَدَقَتِهِ قَبْل أَنْ تَحِل، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلأَِنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ جُعِل لَهُ أَجَلٌ لِلرِّفْقِ، فَجَازَ تَعْجِيلُهُ قَبْل أَجَلِهِ، كَالدَّيْنِ
وَلأَِنَّهُ - كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ - وَجَبَ بِسَبَبَيْنِ، وَهُمَا: النِّصَابُ، وَالْحَوْل: فَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، كَتَقْدِيمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَى الْحِنْثِ. стр. 7442
وَمَنَعَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَال: لاَ تُجْزِئُ قَبْل مَحَلِّهِ كَالصَّلاَةِ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ كَذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ. قَال ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ الأَْقْرَبُ، وَغَيْرُهُ اسْتِحْسَانٌ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَل، خُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَجُوزُ تَعْجِيل الزَّكَاةِ فِيهَا:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِِلَى جَوَازِ تَعْجِيل الزَّكَاةِ لِسِنِينَ، لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ: مِلْكُ النِّصَابِ النَّامِي. وَقَيَّدَهُ الْحَنَابِلَةُ بِحَوْلَيْنِ فَقَطْ، اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ. فَقَدْ رَوَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّل مِنَ الْعَبَّاسِ ﵁ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ (١) لِقَوْلِهِ ﷺ : أَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا (٢) وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَسَلَّفَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامَيْنِ (٣) وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، صَحَّحَهُ الإِِْسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَزَوْهُ لِلنَّصِّ. стр. 7443
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَعْجِيل الزَّكَاةِ لأَِكْثَرَ مِنْ عَامٍ، وَذَلِكَ: لأَِنَّ زَكَاةَ غَيْرِ الْعَامِ الأَْوَّل لَمْ يَنْعَقِدْ حَوْلُهَا، وَالتَّعْجِيل قَبْل انْعِقَادِ الْحَوْل لاَ يَجُوزُ، كَالتَّعْجِيل قَبْل كَمَال النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ الْعَيْنِيَّةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَلَمْ يُجِيزُوا تَعْجِيل الزَّكَاةِ لأَِكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ قَبْل الْحَوْل عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتُكْرَهُ عِنْدَهُمْ بِشَهْرٍ. (١)
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي الزَّكَاةِ.
ج - تَعْجِيل الْكَفَّارَاتِ:
تُعَجَّل كَفَّارَةُ الْيَمِينِ قَبْل الْحِنْثِ:
١٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) : إِِلَى جَوَازِ تَعْجِيل كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَبْل الْحِنْثِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، إِِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. (٢)
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ الصَّوْمَ مِنْ خِصَال الْكَفَّارَةِ، وَقَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ التَّعْجِيل بِهِ قَبْل стр. 7444
الْحِنْثِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلاَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ، كَالصَّلاَةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ؛ وَلأَِنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ الْخِصَال الْمَالِيَّةِ. وَالْعَجْزُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْوُجُوبِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَعْجِيل كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَبْل الْحِنْثِ؛ لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ لِسَتْرِ الْجِنَايَةِ، وَلاَ جِنَايَةَ قَبْل الْحِنْثِ. (١)
١٥ - ثُمَّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ التَّعْجِيل اخْتَلَفُوا فِي أَيِّهِمَا أَفْضَل: التَّكْفِيرُ قَبْل الْحِنْثِ أَمْ بَعْدَهُ؟ .
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَصَوَّبَهُ الْمِرْدَاوِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِِلَى أَنَّ تَأْخِيرَهَا عَنِ الْحِنْثِ أَفْضَل، خُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ. وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ: أَنَّ التَّكْفِيرَ قَبْل الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ فِي الْفَضِيلَةِ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ، لِتَعْجِيل النَّفْعِ لِلْفُقَرَاءِ. (٢)
تَعْجِيل كَفَّارَةِ الظِّهَارِ:
١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَعْجِيل كَفَّارَةِ стр. 7445
الظِّهَارِ قَبْل الْعَوْدِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى جَوَازِ تَعْجِيلِهَا، لِوُجُودِ سَبَبِهَا، وَذَلِكَ كَتَعْجِيل الزَّكَاةِ قَبْل الْحَوْل، وَبَعْدَ كَمَال النِّصَابِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِِلَى أَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ قَبْل الْعَوْدِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِِلَى جَوَازِ التَّعْجِيل بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ قَبْل الْعَوْدِ بِهِ، وَذَلِكَ بِالْمَال (وَهُوَ التَّحْرِيرُ وَالإِِْطْعَامُ) لاَ بِالصَّوْمِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَوْدِ عِنْدَهُمْ: إِمْسَاكُ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا مُدَّةً يُمْكِنُ لِلْمُظَاهِرِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيهَا، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّلاَقِ. وَصُورَةُ التَّعْجِيل فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: أَنْ يُظَاهِرَ مِنْ مُطَلَّقَتِهِ رَجْعِيًّا، ثُمَّ يُكَفِّرَ، ثُمَّ يُرَاجِعَهَا.
وَعِنْدَهُمْ صُوَرٌ أُخْرَى.
وَالْمُرَادُ بِالْعَوْدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِرَادَةُ الْعَزْمِ عَلَى الْوَطْءِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ إِرَادَةُ الْوَطْءِ، مَعَ اسْتِدَامَةِ الْعِصْمَةِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ. (١)
تَعْجِيل كَفَّارَةِ الْقَتْل:
١٧ - يَجُوزُ تَعْجِيل كَفَّارَةِ الْقَتْل بَعْدَ الْجُرْحِ، وَقَبْل الزُّهُوقِ، وَتُجْزِئُ عَنْهُ، وَذَلِكَ لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ، كَتَعْجِيل إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْل الْحَوْل. стр. 7446
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ تَعْجِيل التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ؛ لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلاَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ، كَالصَّلاَةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ. (١)
د - التَّعْجِيل بِقَضَاءِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل:
١٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجِبُ أَدَاءُ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل قَبْل حُلُول أَجَلِهِ، لَكِنْ لَوْ أُدِّيَ قَبْلَهُ صَحَّ، وَسَقَطَ عَنْ ذِمَّةِ الْمَدِينِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الأَْجَل حَقُّ الْمَدِينِ، فَلَهُ إِسْقَاطُهُ، وَيُجْبَرُ الدَّائِنُ عَلَى الْقَبُول. (٢)
هـ - التَّعْجِيل بِالْحُكْمِ قَبْل التَّبَيُّنِ:
١٩ - رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَال: لاَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ، كَمَا يَتَبَيَّنُ اللَّيْل مِنَ النَّهَارِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَال: صَدَقَ.
وَهَذَا لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لاَ تَشْهَدْ إِلاَّ عَلَى أَمْرٍ يُضِيءُ لَكَ كَضِيَاءِ هَذَا الشَّمْسِ (٣) وَوِلاَيَةُ الْقَضَاءِ فَوْقَ وِلاَيَةِ الشَّهَادَةِ؛ стр. 7447
لأَِنَّ الْقَضَاءَ مُلْزِمٌ بِنَفْسِهِ، وَالشَّهَادَةُ غَيْرُ مُلْزِمَةٍ بِنَفْسِهَا، حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيْهَا الْقَضَاءُ، فَإِِذَا أُخِذَ هَذَا عَلَى الشَّاهِدِ، كَانَ عَلَى الْقَاضِي بِطَرِيقِ الأَْوْلَى.
قَال الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي: وَهَذَا فِي مَوْضِعِ النَّصِّ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ النَّصِّ فَلاَ؛ لأَِنَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ النَّصِّ يُقْضَى بِالاِجْتِهَادِ، وَالاِجْتِهَادُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، فَلاَ يَتَبَيَّنُ لَهُ بِهِ الْحَقُّ، كَمَا يَتَبَيَّنُ اللَّيْل مِنَ النَّهَارِ. (١) стр. 7448
تَعَدُّدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّعَدُّدُ فِي اللُّغَةِ: الْكَثْرَةُ. وَهُوَ مِنَ الْعَدَدِ: أَيِ الْكَمِّيَّةِ الْمُتَأَلِّفَةِ مِنَ الْوَحَدَاتِ، فَيَخْتَصُّ التَّعَدُّدُ بِمَا زَادَ عَنِ الْوَاحِدِ؛ لأَِنَّ الْوَاحِدَ لاَ يَتَعَدَّدُ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّعَدُّدِ بِاخْتِلاَفِ مُتَعَلِّقِهِ. فَيَكُونُ: جَائِزًا فِي حَالاَتٍ، وَغَيْرَ جَائِزٍ فِي حَالاَتٍ أُخْرَى.
أ - تَعَدُّدُ الْمُؤَذِّنِينَ:
٣ - تَعَدُّدُ الْمُؤَذِّنِينَ جَائِزٌ لِمَسْجِدٍ وَاحِدٍ، لِتَعَدُّدِهِمْ فِي زَمَنِ الرَّسُول ﷺ . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، وَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَنِ الاِثْنَيْنِ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَنْ أَرْبَعَةٍ. وَرُوِيَ: أَنَّ стр. 7449
عُثْمَانَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ، وَإِِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِِلَى أَكْثَرَ كَانَ مَشْرُوعًا. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (أَذَانٌ) .
ب - تَعَدُّدُ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ:
٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ: إِِلَى أَنَّهُ إِِذَا صَلَّى إِمَامُ الْحَيِّ، ثُمَّ حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى كُرِهَ أَنْ يُقِيمُوا جَمَاعَةً فِيهِ عَلَى الأَْصَحِّ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدَ طَرِيقٍ، وَلاَ إِمَامَ لَهُ، وَلاَ مُؤَذِّنَ فَلاَ يُكْرَهُ إِقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ حِينَئِذٍ. (٢) وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ﵄ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ الأَْنْصَارِ، فَرَجَعَ وَقَدْ صُلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ بِجَمَاعَةٍ، فَدَخَل مَنْزِل بَعْضِ أَهْلِهِ، فَجَمَعَ أَهْلَهُ فَصَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً. (٣) وَقَالُوا: وَلَوْ لَمْ يُكْرَهْ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَصَلَّى فِيهِ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَثَرٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: إِنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانُوا إِِذَا فَاتَتْهُمُ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ، صَلَّوْا فِي الْمَسْجِدِ стр. 7450
فُرَادَى. قَالُوا: وَلأَِنَّ التَّكْرَارَ يُؤَدِّي إِِلَى تَقْلِيل الْجَمَاعَةِ، لأَِنَّ النَّاسَ إِِذَا عَلِمُوا: أَنَّهُمْ تَفُوتُهُمُ الْجَمَاعَةُ يَتَعَجَّلُونَ، فَتَكْثُرُ الْجَمَاعَةُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُكْرَهُ إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ. (١) وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، (٢) وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: جَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ صَلَّى الرَّسُول ﷺ فَقَال: أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا؟ (٣) فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: فَلَمَّا صَلَّيَا قَال: وَهَذَانِ جَمَاعَةٌ (٤) وَلأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ، فَاسْتُحِبَّ لَهُ فِعْلُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي مَمَرِّ النَّاسِ.
وَالتَّفْصِيل: فِي مُصْطَلَحِ: (جَمَاعَةٌ) أَوْ (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) . стр. 7451
ج - تَعَدُّدُ الْجُمُعَةِ:
٥ - لاَ يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِقَامَةُ جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، كَضِيقِ الْمَسْجِدِ، لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ لَمْ يُقِيمُوا سِوَى جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ. (١)
وَتَعَدُّدُ الْجُمُعَةِ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ جَائِزٌ مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ أَمْ لاَ، فَصَل بَيْنَ جَانِبَيِ الْبَلَدِ نَهْرٌ أَمْ لاَ، لأَِنَّ الأَْثَرَ الْوَارِدَ بِأَنَّهُ لاَ جُمُعَةَ إِلاَّ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ (٢) قَدْ أُطْلِقَ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ إِلاَّ أَنْ تَقَعَ فِي مِصْرٍ (ر: صَلاَةُ الْجُمُعَةِ) .
د - تَعَدُّدُ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ، وَأَنَّهَا لاَ تَتَعَدَّدُ بِتَكْرَارِ الْجِمَاعِ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ إِِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الإِِْفْسَادُ بِالْجِمَاعِ، بَعْدَ التَّكْفِيرِ مِنَ الأَْوَّل.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِِذَا أَفْسَدَ أَيَّامًا بِالْجِمَاعِ قَبْل التَّكْفِيرِ مِنَ الأَْوَّل، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ стр. 7452
وَالْحَنَابِلَةُ: إِِلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ، لأَِنَّ كُل يَوْمٍ عِبَادَةٌ بِرَأْسِهَا، وَقَدْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الإِِْفْسَادُ فَأَشْبَهَ الْحَجِينَ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: تَكْفِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ. وَاخْتَارَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالإِِْفْسَادِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، أَمَّا الإِِْفْسَادُ بِالْجِمَاعِ فَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ فِيهِ لِعِظَمِ الْجِنَايَةِ. (٢) (ر: كَفَّارَةٌ) .
هـ - تَعَدُّدُ الْفِدْيَةِ بِتَعَدُّدِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ فِي الإِِْحْرَامِ:
٧ - إِِذَا ارْتَكَبَ فِي حَالَةِ الإِِْحْرَامِ جِنَايَاتٍ تُوجِبُ كُلٌّ مِنْهَا فِدْيَةً، فَإِِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ صَيْدًا فَفِي كُلٍّ مِنْهَا جَزَاؤُهُ، سَوَاءٌ أَفَعَلَهُ مُجْتَمِعًا، أَمْ مُتَفَرِّقًا. كَفَّرَ عَنِ الأَْوَّل، أَمْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنْهُ. وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (٣) وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (فِدْيَةٌ) (وَإِِحْرَامٌ) .
و تَعَدُّدُ الصَّفْقَةِ:
٨ - تَتَعَدَّدُ الصَّفْقَةُ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ، وَتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، وَبِتَفْصِيل الثَّمَنِ، وَبِاخْتِلاَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. стр. 7453
فَإِِنْ جَمَعَ بَيْنَ عَيْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ، وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ فِي الْمِثْلِيِّ. وَفِي الْعَيْنِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُوَزَّعُ عَلَى الأَْجْزَاءِ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُتَقَوَّمَاتِ عَلَى الرُّءُوسِ، بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، فَإِِنْ بَطَل الْعَقْدُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً صَحَّ فِي الآْخَرِ، بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَابِلاً لِلْعَقْدِ وَالآْخَرُ غَيْرُ قَابِلٍ، (١) (ر: عَقْدٌ - تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ) .
ز - تَعَدُّدُ الْمَرْهُونِ أَوِ الْمُرْتَهِنِ:
٩ - إِِذَا رَهَنَ دَارَيْنِ لَهُ بِمَبْلَغٍ مِنَ الدَّيْنِ، فَقَضَى حِصَّةَ إِحْدَى الدَّارَيْنِ مِنَ الدَّيْنِ لَمْ يَسْتَرِدَّهَا حَتَّى يَقْضِيَ بَاقِيَ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ الْمَرْهُونَ مَحْبُوسٌ بِكُل الدَّيْنِ. وَكَذَا إِنْ رَهَنَ عَيْنًا وَاحِدَةً عِنْدَ رَجُلَيْنِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَقَضَى دَيْنَ أَحَدِهِمَا؛ لأَِنَّ الْعَيْنَ كُلَّهَا رَهْنٌ عِنْدَ الدَّائِنَيْنِ، وَأُضِيفَ الرَّهْنُ إِِلَى جَمِيعِ الْعَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ. (٢) ر: (رَهْنٌ) .
ح - تَعَدُّدُ الشُّفَعَاءِ فِي الْعَقَارِ:
١٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الشُّفْعَةِ إِِذَا اسْتَحَقَّهَا جَمْعٌ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَأْخُذُونَ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ؛ لأَِنَّ الشُّفْعَةَ مِنْ مَرَافِقِ الْمِلْكِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ. (٣) стр. 7454
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يُوَزَّعُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، (١) وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمُ اسْتَوَوْا فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، فَيَسْتَوُونَ فِي الاِسْتِحْقَاقِ. ر: (شُفْعَةٌ) .
ط - تَعَدُّدُ الْوَصَايَا:
١١ - إِِذَا أَوْصَى بِوَصَايَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ قُدِّمَتِ الْفَرَائِضُ مِنْهَا، سَوَاءٌ قَدَّمَهَا الْمُوصِي أَمْ أَخَّرَهَا؛ لأَِنَّ الْفَرِيضَةَ أَهَمُّ مِنَ النَّافِلَةِ، فَإِِنْ تَسَاوَتْ وَقَدَّمَ الْمُوصِي بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِمَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ بُدِئَ بِمَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي. ر: (وَصِيَّةٌ) .
ي - تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ:
١٢ - تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ إِِلَى أَرْبَعٍ مَشْرُوعٌ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) وَفِي تَفْصِيل مَشْرُوعِيَّةِ التَّعَدُّدِ وَشُرُوطِهِ وَوُجُوبِ الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ يُرْجَعُ إِِلَى (نِكَاحٌ وَقَسْمٌ وَنَفَقَةٌ) .
ك - تَعَدُّدُ أَوْلِيَاءِ النِّكَاحِ:
١٣ - إِِذَا اسْتَوَى أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ فِي دَرَجَةِ الْقَرَابَةِ كَالإِِْخْوَةِ وَالأَْعْمَامِ، يُنْدَبُ تَقْدِيمُ أَكْبَرِهِمْ стр. 7455
وَأَفْضَلِهِمْ، فَإِِنْ تَشَاحُّوا وَلَمْ يُقَدِّمُوهُ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. فَإِِنْ زَوَّجَ أَحَدُهُمْ قَبْل الْقُرْعَةِ بِإِِذْنِهَا، أَوْ زَوَّجَهَا غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ صَحَّ. (١) لأَِنَّهُ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، هَذَا رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ. وَلِتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ وَآرَاءِ الْفُقَهَاءِ يُرْجَعُ إِِلَى مُصْطَلَحِ (نِكَاحٌ) (وَوَلِيٌّ) .
ل - تَعَدُّدُ الطَّلاَقِ:
١٤ - يَمْلِكُ الزَّوْجُ الْحُرُّ عَلَى زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ، تَبِينُ بَعْدَهَا الزَّوْجَةُ مِنْهُ بَيْنُونَةً كُبْرَى، لاَ تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ يَدْخُل بِهَا، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ إِِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِل لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ . (٢)
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (طَلاَقٌ) .
م - تَعَدُّدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أَوِ الْجَانِي:
١٥ - إِِذَا قَتَلَتْ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا يُقْتَلُونَ جَمِيعًا قِصَاصًا، وَإِِنْ تَفَاضَلَتْ جِرَاحَاتُهُمْ فِي الْعَدَدِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ كُل جِرَاحَةٍ مُؤَثِّرَةً فِي إِزْهَاقِ الرُّوحِ. وَإِِنْ قَتَل وَاحِدٌ جَمَاعَةً يُقْتَل قِصَاصًا стр. 7456
أَيْضًا، هَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قِصَاصٌ) (وَجِنَايَةٌ) .
ن - تَعَدُّدُ التَّعْزِيرِ بِتَعَدُّدِ الأَْلْفَاظِ:
١٦ - مَنْ سَبَّ رَجُلاً بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ أَلْفَاظِ الشَّتْمِ الْمُوجِبِ لِلتَّعْزِيرِ، فَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ - وَأَيَّدَهُ ابْنُ عَابِدِينَ - بِأَنَّهُ يُعَزَّرُ لِكُلٍّ مِنْهَا؛ لأَِنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لاَ تَتَدَاخَل. وَكَذَا إِنْ سَبَّ جَمَاعَةً بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. (٢) انْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَعْزِيرٌ) .
س - تَعَدُّدُ الْقُضَاةِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ:
١٧ - يَجُوزُ لِلإِِْمَامِ تَعْيِينُ قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، إِلاَّ أَنْ يُشْتَرَطَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْقَضِيَّةِ الْوَاحِدَةِ لِمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ فِي مَحَل الاِجْتِهَادِ. (٣) ر: (قَضَاءٌ) .
ع - تَعَدُّدُ الأَْئِمَّةِ:
١٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَنْصِيبُ إِمَامَيْنِ فَأَكْثَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَإِِنْ تَبَاعَدَتْ أَقَالِيمُهُمْ. (٤) ر: (إِمَامَةٌ عُظْمَى) . стр. 7457
تَعَدِّي
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّعَدِّي لُغَةً: الظُّلْمُ، وَأَصْلُهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَالْقَدْرِ وَالْحَقِّ. يُقَال: تَعَدَّيْتُ الْحَقَّ وَاعْتَدَيْتُهُ وَعَدَوْتُهُ أَيْ: جَاوَزْتَهُ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، فَيُسْتَعْمَل بِمَعْنَى: الاِعْتِدَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ، وَبِمَعْنَى: انْتِقَال الْحُكْمِ إِِلَى مَحَلٍّ آخَرَ، كَتَعَدِّي الْعِلَّةِ، وَالتَّعَدِّي فِي الْحُرْمَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - سَبَقَ أَنَّ التَّعَدِّيَ لَهُ إِطْلاَقَانِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ: الاِعْتِدَاءُ عَلَى الْغَيْرِ، وَهَذَا الْبَحْثُ مَحَل تَفْصِيلِهِ. وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ: انْتِقَال الْحُكْمِ إِِلَى مَحَلٍّ آخَرَ.
أَمَّا التَّعَدِّي بِالإِِْطْلاَقِ الأَْوَّل فَهُوَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ حَرَامٌ. وَلِلتَّعَدِّي أَحْكَامُهُ الْخَاصَّةُ: كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، وَالأَْطْرَافِ، стр. 7458
وَالتَّعْوِيضِ، وَالْحَبْسِ وَمَا إِِلَى ذَلِكَ، كَمَا سَيَتَبَيَّنُ.
التَّعَدِّي عَلَى الأَْمْوَال:
التَّعَدِّي بِالْغَصْبِ وَالإِِْتْلاَفِ وَالسَّرِقَةِ وَالاِخْتِلاَسِ:
٣ - مَنْ تَعَدَّى عَلَى مَال غَيْرِهِ فَغَصَبَهُ، أَوْ أَتْلَفَ مَالاً غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي إِتْلاَفِهِ شَرْعًا أَوْ سَرَقَهُ أَوِ اخْتَلَسَهُ - تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمَانِ:
أَحَدُهُمَا أُخْرَوِيٌّ. وَهُوَ: الإِِْثْمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ : لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسِهِ. (٢)
وَالآْخَرُ دُنْيَوِيٌّ: وَهُوَ الْحَدُّ أَوِ التَّعْزِيرُ مَعَ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ (٣) وَلِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ стр. 7459
السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃: لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاَعِبًا أَوْ جَادًّا، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا (١) فَيَجِبُ عَلَى الْمُتَعَدِّي رَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ إِنْ بَقِيَتْ بِيَدِهِ كَمَا هِيَ، فَإِِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، أَوْ تَعَدَّى عَلَيْهَا فَأَتْلَفَهَا بِدُونِ غَصْبٍ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهَا إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، فَإِِذَا انْقَطَعَ الْمِثْل أَوْ لَمْ تَكُنْ مِثْلِيَّةً وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا. (٢)
وَمِثْل مَا تَقَدَّمَ: الْبَاغِي فِي غَيْرِ زَمَنِ الْقِتَال، حَيْثُ يَضْمَنُ الأَْمْوَال الَّتِي أَتْلَفَهَا أَوْ أَخَذَهَا.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (غَصْبٌ، إِتْلاَفٌ، ضَمَانٌ، سَرِقَةٌ، اخْتِلاَسٌ، بُغَاةٌ) .
التَّعَدِّي فِي الْعُقُودِ:
أَوَّلاً: التَّعَدِّي فِي الْوَدِيعَةِ:
٤ - الأَْصْل فِي الْوَدِيعَةِ: أَنَّهَا أَمَانَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي ائْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ، (٣) وَأَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْمُودَعِ فِي الْوَدِيعَةِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً فَلاَ стр. 7460
ضَمَانَ عَلَيْهِ (١) وَلأَِنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَحْفَظُهَا لِمَالِكِهَا فَلَوْ ضُمِنَتْ لاَمْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الدُّخُول فِيهَا، وَذَلِكَ مُضِرٌّ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا.
وَيَضْمَنُ الْوَدِيعُ فِي حَالَيْنِ:
الأَْوَّل: إِِذَا فَرَّطَ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ؛ لأَِنَّ الْمُفَرِّطَ مُتَسَبِّبٌ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِهَا.
الثَّانِي: أَنْ يَتَعَدَّى الْوَدِيعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ، لأَِنَّ الْمُتَعَدِّيَ مُتْلِفٌ لِمَال غَيْرِهِ فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ إِيدَاعٍ.
وَمِنْ صُوَرِ التَّعَدِّي عَلَيْهَا: انْتِفَاعُهُ بِهَا، كَأَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ الْمُودَعَةَ لِغَيْرِ نَفْعِهَا، أَوْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ الْمُودَعَ فَيَبْلَى. وَمِنْ صُوَرِ التَّعَدِّي أَيْضًا: جُحُودُهَا. (٢)
ثَانِيًا: التَّعَدِّي فِي الرَّهْنِ:
٥ - يَكُونُ التَّعَدِّي فِي الرَّهْنِ مِنَ الرَّاهِنِ أَوْ مِنَ الْمُرْتَهِنِ.
أ - تَعَدِّي الرَّاهِنِ:
٦ - إِِذَا تَعَدَّى الرَّاهِنُ عَلَى الرَّهْنِ فَأَتْلَفَهُ أَوْ أَتْلَفَ следующие страницы →