← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (١) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَقَدْ وَافَقُوا الْمَالِكِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ فِي الأَْثْمَانِ، وَوَافَقُوا الشَّافِعِيَّةَ فِيمَا سِوَاهَا، لأَِنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ فِي الأَْثْمَانِ عِنْدَهُمْ، لِكَوْنِهَا ثَمَنًا، بِخِلاَفِ غَيْرِهَا مِنَ الأَْمْوَال الأُْخْرَى. أَمَّا إِذَا بَاعَ نِصَابًا لِلزَّكَاةِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، كَإِبِلٍ بِبَقَرٍ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى انْقِطَاعِ الْحَوْل وَاسْتِئْنَافِ حَوْلٍ جَدِيدٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ. (٢) وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٌ) . تَغْيِيرُ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ فِي النِّكَاحِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ وَالدِّينِ: ٨ - إِذَا خَطَبَ الرَّجُل امْرَأَةً بِعَيْنِهَا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أُوجِبَ لَهُ النِّكَاحُ فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا الَّتِي خَطَبَهَا فَقَبِل، فَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ.

стр. 7772

لأَِنَّ الْقَبُول انْصَرَفَ إِلَى غَيْرِ مَنْ وَجَدَ الإِْيجَابَ فِيهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) وَلَوْ نَكَحَ، وَشَرَطَ فِيهَا إِسْلاَمًا، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا نَسَبًا أَوْ حُرِّيَّةً أَوْ بَكَارَةً أَوْ شَبَابًا أَوْ تَدَيُّنًا فَأُخْلِفَ، فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ صِحَّةُ النِّكَاحِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: لأَِنَّ الْخُلْفَ فِي الشَّرْطِ لاَ يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ مَعَ تَأَثُّرِهِ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، فَالنِّكَاحُ أَوْلَى. قَال الْحَنَابِلَةُ: وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ أَوِ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ عِنْدَهُمْ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ النِّكَاحِ، لأَِنَّهُ يَعْتَمِدُ الصِّفَاتِ فَتَبَدُّلُهَا كَتَبَدُّل الْعَيْنِ. (٢) وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَتَقَتِ الأَْمَةُ - وَزَوْجُهَا عَبْدٌ - فَلَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ لِخَبَرِ بَرِيرَةَ ﵂. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ كَاتَبَتْ بَرِيرَةَ فَخَيَّرَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي زَوْجِهَا، وَكَانَ عَبْدًا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا (٣) . وَلأَِنَّ

стр. 7773

عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي كَوْنِهَا حُرَّةً تَحْتَ عَبْدٍ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا عَتَقَتْ وَزَوْجُهَا حُرٌّ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهَا، لأَِنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْكَمَال، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْخِيَارُ. وَذَهَبَ طَاوُسٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ حُرًّا، كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ (١) . وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بَقَاءِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ الَّتِي أَسْلَمَ زَوْجُهَا، سَوَاءٌ قَبْل الدُّخُول أَوْ بَعْدَهُ، لأَِنَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ نِكَاحَ كِتَابِيَّةٍ، فَاسْتِدَامَتُهُ أَوْلَى. كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَتِ الْكِتَابِيَّةُ قَبْل زَوْجِهَا، وَقَبْل الدُّخُول بِهَا تَعَجَّلَتِ الْفُرْقَةَ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا كِتَابِيًّا أَمْ مَجُوسِيًّا أَوْ غَيْرَهُمَا، إِذْ لاَ يَجُوزُ لِكَافِرٍ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ. (٢) وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ أَوِ الْمَجُوسِيَّيْنِ، أَوْ كِتَابِيٌّ مُتَزَوِّجٌ بِوَثَنِيَّةٍ. وَيُنْظَرُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِسْلاَمٌ، وَنِكَاحٌ) .

стр. 7774

تَغْيِيرُ الْمَغْصُوبِ: ٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَغْيِيرِ الْمَغْصُوبِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنْ غَيَّرَ الْمَغْصُوبَ فَزَال اسْمُهُ وَأَعْظَمُ مَنَافِعِهِ، كَطَحْنِ حِنْطَةٍ، ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ وَمَلَكَهُ، بِلاَ حِل انْتِفَاعٍ قَبْل أَدَاءِ ضَمَانِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ التَّغْيِيرُ قَدْ زَادَ مِنْ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، فَهُوَ لِلْمَالِكِ وَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ بِسَبَبِهَا، إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ أَثَرًا مَحْضًا، وَإِنْ نَقَصَ مِنَ الْمَغْصُوبِ فَعَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُ وَأَرْشُ النَّقْصِ. (١) وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (غَصْبٌ) : تَغَيُّرُ حَالَةِ الْجَانِي أَوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ: ١٠ - إِذَا تَغَيَّرَ حَال الْجَانِي أَوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الإِْسْلاَمِ إِلَى الْكُفْرِ أَوِ الْعَكْسِ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَوْ عَدَمِهِ، وَمِقْدَارِ الدِّيَةِ مَذَاهِبُ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَبَاحِثِ (الدِّيَةِ، وَالْقِصَاصِ) .

стр. 7775

تَفَاؤُلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّفَاؤُل: أَنْ تَسْمَعَ كَلاَمًا حَسَنًا فَتَتَيَمَّنَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا فَهُوَ الطِّيَرَةُ، يُقَال: فَأَل بِهِ تَفْئِيلاً جَعَلَهُ يَتَفَاءَل بِهِ، وَتَفَأَّل بِهِ بِالتَّشْدِيدِ تَفَؤُّلاً. وَتَفَاءَل تَفَاؤُلاً، وَيُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي الْخَيْرِ، وَفِي الأَْثَرِ: لاَ عَدْوَى، وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْل الصَّالِحُ (١) . وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الشَّرِّ أَيْضًا، يُقَال: لاَ فَأْل عَلَيْكَ أَيْ لاَ ضَيْرَ عَلَيْكَ، وَجَاءَ فِي الأَْثَرِ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: خَيْرُهَا الْفَأْل (٢) . وَصَحَّ عَنْهُ ﵊: لاَ طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْل الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ (٣) .

стр. 7776

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَقَدْ عَرَّفَهُ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّهُ: مَا يُظَنُّ عِنْدَهُ الْخَيْرُ. عَكْسُ الطِّيَرَةِ وَالتَّطَيُّرِ. غَيْرَ أَنَّهُ تَارَةً يَتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ، وَتَارَةً لِلشَّرِّ، وَتَارَةً يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا، فَالْمُتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ مِثْل الْكَلِمَةِ الْحَسَنَةِ يَسْمَعُهَا الرَّجُل مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ. نَحْوُ: يَا فَلاَحُ، يَا مَسْعُودُ. (١) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: التَّبَرُّكُ: ٢ - التَّبَرُّكُ: طَلَبُ ثُبُوتِ الْخَيْرِ الإِْلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ. سُمِّيَتْ بَرَكَةً لِثُبُوتِ الْخَيْرِ فِيهِ، كَمَا يَثْبُتُ الْمَاءُ فِي الْبِرْكَةِ. حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ: ٣ - التَّفَاؤُل مُبَاحٌ بَل حَسَنٌ إِذَا كَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْخَيْرِ، كَأَنْ يَسْمَعَ الْمَرِيضُ يَا سَالِمُ، فَيَنْشَرِحُ لِذَلِكَ صَدْرُهُ. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ التَّفَاؤُل بِالْكَلِمَةِ الْحَسَنَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَأَنْ يَسْمَعَ الْمَرِيضُ يَا سَالِمُ، أَوْ يَسْمَعُ طَالِبُ الضَّالَّةِ يَا وَاجِدُ

стр. 7777

فَتَسْتَرِيحُ نَفْسُهُ لِذَلِكَ. (١) لِخَبَرِ لاَ عَدْوَى، وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْل الصَّالِحُ وَالْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ (٢) . وَكَانَ النَّبِيُّ ﵊ يُعْجِبُهُ: أَنْ يَسْمَعَ يَا رَاشِدُ يَا نَجِيحُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ (٣) وَكَانَ لاَ يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ عَامِلاً سَأَل عَنِ اسْمِهِ فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا دَخَل قَرْيَةً سَأَل عَنِ اسْمِهَا فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ.، (٤)

стр. 7778

وَإِنَّمَا كَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْل؛ لأَِنَّهُ تَنْشَرِحُ لَهُ النَّفْسُ وَتَسْتَبْشِرُ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَيُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ. (١) وَقَال عَزَّ مَنْ قَائِلٌ فِي حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلاَ يَظُنَّنَّ بِي إِلاَّ خَيْرًا (٢) . بِخِلاَفِ الطِّيَرَةِ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْمَال أَهْل الشِّرْكِ حَيْثُ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ حُصُول الضَّرَرِ بِمَا يُتَطَيَّرُ بِهِ. التَّفَاؤُل الْمُبَاحُ: ٤ - التَّفَاؤُل الْمُبَاحُ: أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُل الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ يُسَمِّي وَلَدَهُ اسْمًا حَسَنًا فَيَفْرَحُ عِنْدَ سَمَاعِهِ. أَمَّا أَخْذُ الْفَأْل مِنَ الْمُصْحَفِ، كَأَنْ يَفْتَحَهُ فَيَتَفَاءَل بِبَعْضِ الآْيَاتِ فِي أَوَّل الصَّفْحَةِ، أَوْ يَتَفَاءَل بِضَرْبِ الرَّمْل، فَيَتَفَاءَل بِبَعْضِ رُمُوزِهِ فَحَرَامٌ (٣) . وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ: (تَطَيُّرٌ، وَتَسْمِيَةٌ) .

стр. 7779

تَفَرُّقٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّفَرُّقُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ: تَفَرَّقَ ضِدُّ تَجَمَّعَ، يُقَال: تَفَرَّقَ الْقَوْمُ تَفَرُّقًا، وَمِثْلُهُ افْتَرَقَ الْقَوْمُ افْتِرَاقًا وَالتَّفْرِيقُ: خِلاَفُ التَّجْمِيعِ، يُقَال: فَرَّقَ الشَّيْءَ تَفْرِيقًا وَتَفْرِقَةً: بَدَّدَهُ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ، أَمَّا التَّفَرُّقُ فَلاَزِمٌ. وَالتَّفْرِيقُ أَبْلَغُ مِنَ الْفَرْقِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّكْثِيرِ (١) . وَالتَّفَرُّقُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) : التَّجَزُّؤُ: ٢ - التَّجَزُّؤُ: مِنْ تَجَزَّأَ الشَّيْءُ تَجَزُّؤًا، وَجَزَّأَ الشَّيْءَ تَجْزِئَةً: حَمَلَهُ أَجْزَاءً. (٢) وَالتَّفَرُّقُ يَكُونُ بَيْنَ الأَْبْدَانِ، وَالتَّجَزُّؤُ فِي الأُْمُورِ.

стр. 7780

حُكْمُهُ: ٣ - تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ التَّفَرُّقِ بِاخْتِلاَفِ مَوْضُوعِهِ: فَيَسْقُطُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِتَفَرُّقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَيَبْطُل الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ قَبْل الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ. كَرَأْسِ مَال السَّلَمِ، وَبَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِمِثْلِهِ، أَوْ بِمُتَّحِدٍّ مَعَهُ فِي الْعِلَّةِ، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل. التَّفَرُّقُ الْمُؤَثِّرُ وَحُكْمُهُ: ٤ - التَّفَرُّقُ الْمُؤَثِّرُ هُوَ: أَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، وَلاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ عُرْفُ النَّاسِ، وَعَادَتُهُمْ فِيمَا يَعُدُّونَهُ تَفَرُّقًا، لأَِنَّ الشَّارِعَ نَاطَ عَلَيْهِ حُكْمًا وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ، كَكُل مَا أَطْلَقَهُ الشَّارِعُ فِي الْمُعَامَلاَتِ كَالْقَبْضِ، وَالإِْحْرَازِ. هَذَا وَيَسْقُطُ بِالتَّفَرُّقِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ وَالرِّبَوِيِّ، وَيَبْطُل بِالتَّفَرُّقِ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ قَبْل الْقَبْضِ. (١) أَمَّا هَل يَقُومُ التَّخَايُرُ مَقَامَ التَّفَرُّقِ فِي إِسْقَاطِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ؟ وَهَل يَجُوزُ التَّخَايُرُ قَبْل الْقَبْضِ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ، وَآرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ؟ فَيُرْجَعُ فِيهَا إِلَى مُصْطَلَحِ (خِيَارُ الْمَجْلِسِ) .

стр. 7781

تَفَرُّقُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ: ٥ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّفَرُّقَ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِخَبَرِ: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا (١) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ. وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَأَقَامَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَالْخِيَارُ بِحَالِهِ، وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ لِعَدَمِ التَّفَرُّقِ. (٢) لِمَا رَوَى أَبُو الْوَضِيءِ - عَبَّادُ بْنُ نُسَيْبٍ -: غَزَوْنَا غَزْوَةً، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا بِغُلاَمٍ، ثُمَّ أَقَامَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَا مِنَ الْغَدِ حَضَرَ الرَّحِيل، فَقَامَ إِلَى فَرَسِهِ يُسَرِّجُهُ فَنَدِمَ، فَأَتَى الرَّجُل وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ، فَأَبَى الرَّجُل أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، فَقَال: بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو بَرْزَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَيَا أَبَا بَرْزَةَ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَقَالاَ لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَقَال: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَحْكُمَ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ؟ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَمَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا (٣) . الإِْكْرَاهُ عَلَى التَّفَرُّقِ: ٦ - إِنْ أُكْرِهَ الشَّخْصُ عَلَى التَّفَرُّقِ فَفِيهِ وَجْهَانِ

стр. 7782

لِلشَّافِعِيَّةِ - وَهُمَا رِوَايَتَانِ لِلْحَنَابِلَةِ - أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَبْطُل الْخِيَارُ، لأَِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ الْفَسْخُ بِالتَّخَايُرِ، وَهُوَ أَنْ يَقُول لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ فَيَلْزَمُ الْعَقْدُ، فَحَيْثُ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ الْخِيَارِ. الثَّانِي: لاَ يَبْطُل الْخِيَارُ لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنَ السُّكُوتِ، وَالسُّكُوتُ لاَ يُسْقِطُ الْخِيَارَ. وَلَمْ يَأْخُذْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ أَصْلاً. (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (خِيَارُ الْمَجْلِسِ) . التَّفَرُّقُ قَبْل الْقَبْضِ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ: ٧ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا بِيعَ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بِمِثْلِهِ، أَوْ بِالآْخَرِ يَجِبُ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ. وَإِلاَّ يَبْطُل الْعَقْدُ (٢) لِخَبَرِ: لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشْفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشْفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ (٣) . أَمَّا غَيْرُ النَّقْدَيْنِ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُرْمَةِ التَّفَرُّقِ قَبْل الْقَبْضِ

стр. 7783

فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ وَيَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قَبْل الْقَبْضِ، إِنِ اتَّحَدَ الْجِنْسُ، أَوِ اتَّحَدَتْ عِلَّةُ الرِّبَا فِيهِمَا، وَيَبْطُل الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ قَبْل الْقَبْضِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ فِي الْمَوْزُونِ وَالْمَكِيل الْمُعَيَّنِ، وَيَجُوزُ التَّفَرُّقُ قَبْل الْقَبْضِ، وَلاَ يَبْطُل الْعَقْدُ بِهِ. (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي (رِبًا، قَبْضٌ) . التَّفَرُّقُ قَبْل قَبْضِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ: ٨ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِ السَّلَمِ قَبْضُ رَأْسِ مَال السَّلَمِ قَبْل التَّفَرُّقِ، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْل الْقَبْضِ بَطَل الْعَقْدُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. (٢) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُشْتَرَطُ قَبْضُ رَأْسِ مَال السَّلَمِ فِي الْمَجْلِسِ، وَلاَ يَبْطُل بِالتَّفَرُّقِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لِخِفَّةِ الأَْمْرِ وَلأَِنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ (٣) . التَّفَرُّقُ قَبْل التَّقَابُضِ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا: ٩ - الْعَرَايَا: جَمْعُ عَرِيَّةٍ، وَهِيَ بَيْعُ مَا عَلَى

стр. 7784

النَّخْلَةِ مِنْ رُطَبٍ بِتَمْرٍ عَلَى الأَْرْضِ، أَوِ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْعَرَايَا عِنْدَ الْقَائِل بِهِ التَّقَابُضُ قَبْل التَّفَرُّقِ. (١) وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا. تَفَرُّقُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ قَبْل انْتِهَاءِ الْمَشْرُوطِ: ١٠ - لاَ يَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَ الْمُتَنَاضِلاَنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَا الْمِقْدَارَ الْمَشْرُوطَ التَّنَاضُل بِهِ فِي الزَّمَنِ الْمُحَدَّدِ إِلاَّ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ، أَوْ رِيحٍ عَاصِفَةٍ أَوْ بِالتَّرَاضِي. (٢) وَالتَّفْصِيل فِي مُنَاضَلَةٍ. تَفَرُّقُ الصَّفْقَةِ: ١١ - تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ بِتَفْصِيل الثَّمَنِ كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذَا بِكَذَا، وَهَذَا بِكَذَا، فَيَقْبَل الآْخَرُ، وَبِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، أَوِ الْبَائِعِ، وَبِالْجَمْعِ فِي صَفْقَةٍ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ كَخَلٍّ، وَخَمْرٍ. وَمَعْنَى تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ تَفْرِيقُهَا فِي الْحُكْمِ. فَفِي حَالَةِ تَفْصِيل الثَّمَنِ مَثَلاً يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي قَبُول أَحَدِ الْمَبِيعَيْنِ وَرَدُّ الآْخَرِ، وَفِي حَالَةِ تَعَدُّدِ الْعَاقِدَيْنِ، لَهُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِالْعَيْبِ وَإِبْقَاءُ الآْخَرِ، وَفِي حَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ فِي صَفْقَةٍ، يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي

стр. 7785

الْحَلاَل، وَيَبْطُل فِي الْحَرَامِ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ. تَفَرُّقُ الْمُجْتَمِعِينَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ: ١٢ - إِذَا تَفَرَّقَ الْمُجْتَمِعُونَ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ، أَوْ نَقَصَ عَدَدُهُمْ لَمْ يُحْسَبِ الْجُزْءُ الْمُؤَدَّى مِنْ أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ فِي غَيْبَتِهِمْ. وَالتَّفْصِيل فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ (٢) . تَفَرُّقُ الْعُرَاةِ عِنْدَ الصَّلاَةِ: ١٣ - إِذَا اجْتَمَعَ عُرَاةٌ لِلصَّلاَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي ظَلاَمٍ صَلَّوْا جَمَاعَةً، وَإِلاَّ تَفَرَّقُوا وُجُوبًا، وَصَلَّوْا أَفْذَاذًا (٣) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَوْرَةٌ) . تَفَرُّقُ جَمْعٍ وَظُهُورُ قَتِيلٍ: ١٤ - إِذَا تَفَرَّقَ جَمْعٌ وَظَهَرَ فِي الْمَكَانِ قَتِيلٌ، يَكُونُ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلَى أَنَّهُمُ الْجُنَاةُ، وَيَثْبُتُ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يُحَلِّفَهُمْ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (الْقَسَامَةِ) .

стр. 7786

تَفْرِيطٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّفْرِيطُ فِي اللُّغَةِ: التَّقْصِيرُ وَالتَّضْيِيعُ، يُقَال فَرَّطَ فِي الشَّيْءِ وَفَرَّطَهُ: إِذَا ضَيَّعَهُ وَقَدَّمَ الْعَجْزَ فِيهِ، وَفَرَطَ فِي الأَْمْرِ يَفْرُطُ فَرْطًا أَيْ: قَصَّرَ فِيهِ وَضَيَّعَهُ حَتَّى فَاتَ وَاصْطِلاَحًا: لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) . (الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) : الإِْفْرَاطُ: ٢ - الإِْفْرَاطُ لُغَةً: الإِْسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَالإِْفْرَاطُ كَذَلِكَ: الزِّيَادَةُ عَلَى مَا أُمِرْتُ، يُقَال أَفْرَطَ إِفْرَاطًا: إِذَا أَسْرَفَ وَجَاوَزَ الْحَدَّ. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ. قَال الْجُرْجَانِيِّ فِي التَّعْرِيفَاتِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الإِْفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، أَنَّ الإِْفْرَاطَ يُسْتَعْمَل فِي تَجَاوُزِ

стр. 7787

الْحَدِّ مِنْ جَانِبِ الزِّيَادَةِ وَالْكَمَال، وَالتَّفْرِيطُ يُسْتَعْمَل فِي تَجَاوُزِ الْحَدِّ مِنْ جَانِبِ النُّقْصَانِ وَالتَّقْصِيرِ (١) ، فَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الإِْفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ التَّضَادُّ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٣ - الأَْصْل فِي التَّفْرِيطِ التَّحْرِيمُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيعِ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَمِنْ ذَلِكَ عَدَمُ أَدَاءِ الصَّلاَةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا إِهْمَالاً، لِقَوْلِهِ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَل الصَّلاَةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلاَةِ الأُْخْرَى (٢) . أ - التَّفْرِيطُ فِي الْعِبَادَاتِ: ٤ - هُوَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ التَّفْرِيطِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّفْرِيطُ فِي الْعِبَادَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَرْكِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ بِتَرْكِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، أَوْ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِهَا، أَوْ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِهَا، أَوْ يَكُونُ بِأَدَائِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا الْمُحَدَّدِ لَهَا شَرْعًا. فَإِنْ كَانَ التَّفْرِيطُ بِتَرْكِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَفْسِيقِ تَارِكِهَا وَتَأْثِيمِهِ وَتَعْزِيرِهِ إِنْ

стр. 7788

كَانَ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا وَكَسَلاً، وَتَكْفِيرُهُ إِنْ كَانَ تَرَكَهَا جُحُودًا (١) . وَإِنْ كَانَ التَّفْرِيطُ بِتَرْكِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى بُطْلاَنِهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِْعَادَةُ، وَذَلِكَ كَمَنْ تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ فِي الصَّلاَةِ، أَوِ الإِْمْسَاكَ فِي الصَّوْمِ، أَوِ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فِي الْحَجِّ. (٢) وَإِنْ كَانَ التَّفْرِيطُ بِتَرْكِ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِهَا، فَتَبْطُل الْعِبَادَةُ إِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا، كَمَنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الأَْوَّل فِي الصَّلاَةِ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِوُجُوبِهِ فِي الصَّلاَةِ - فَإِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا أَوْ جَهْلاً فَيُمْكِنُ تَدَارُكُ هَذَا التَّفْرِيطِ بِالْجَبْرِ فَيَسْجُدُ سُجُودَ السَّهْوِ لِتَرْكِ وَاجِبِ الصَّلاَةِ. وَيَجِبُ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ فِي الْحَجِّ دَمٌ حَدًّا لَهُ. (٣) وَتَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْعِبَادَةِ، لَيْسَ تَفْرِيطًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلاَ إِثْمَ فِيهِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ نُقْصَانِ الثَّوَابِ، وَعِبَادَتُهُ تَقَعُ صَحِيحَةً.

стр. 7789

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ مَشْرُوعِيَّةَ سُجُودِ السَّهْوِ لِتَرْكِ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِتَرْكِ السُّنَّةِ تَفْرِيطٌ لَكِنَّهُ لاَ يُوجِبُ فَسَادًا وَلاَ سَهْوًا، بَل إِسَاءَةً لَوْ عَامِدًا غَيْرَ مُسْتَخِفٍّ، وَقَالُوا: الإِْسَاءَةُ أَدْوَنُ مِنَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، وَحُكْمُ السُّنَّةِ أَنَّهُ يُنْدَبُ إِلَى تَحْصِيلِهَا، وَيُلاَمُ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ لُحُوقِ إِثْمٍ يَسِيرٍ. (١) وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (سُجُودُ السَّهْوِ) . وَإِنْ كَانَ التَّفْرِيطُ بِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا الْمُحَدَّدِ لَهَا شَرْعًا، فَإِنْ أَدَّاهَا قَبْل وَقْتِهَا فَلاَ تَصِحُّ مِنْهُ لِتَخَلُّفِ الشَّرْطِ عَنْهَا، وَإِنْ أَدَّاهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ آثِمٌ، كَأَدَاءِ الصَّلاَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ عَنِ الْحَوْل عِنْدَ مَنْ يَرَى وُجُوبَ إِخْرَاجِهَا عَلَى الْفَوْرِ. (٢) ب - التَّفْرِيطُ فِي عُقُودِ الأَْمَانَاتِ: ٥ - وَهُوَ مِنْ صُوَرِ التَّفْرِيطِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ. إِنَّ التَّفْرِيطَ وَالتَّقْصِيرَ فِي عُقُودِ الأَْمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ يُوجِبُ الضَّمَانَ فِيهَا. أَمَّا إِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.

стр. 7790

وَمِنْ صُوَرِ التَّفْرِيطِ فِي الأَْمَانَاتِ إِهْمَال حِفْظِهَا فِي حِرْزٍ مِثْلِهَا، أَوْ أَنْ يُودِعَهَا عِنْدَ غَيْرِ أَمِينٍ. وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ وَالرَّهْنُ عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الأَْمَانَاتِ. (١) وَهُنَاكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي الْمَذَاهِبِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (ضَمَانٌ، وَتَعَدٍّ، وَإِعَارَةٌ) . ج - التَّفْرِيطُ فِي الْوَكَالَةِ: ٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الأَْصْل فِي الْوَكِيل أَنَّهُ أَمِينٌ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلاَ تَعَدٍّ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ فِي مَقَامِ الْمَالِكِ فِي الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ، فَكَانَ الْهَلاَكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلاَكِ فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَأَصْبَحَ كَالْمُودَعِ، وَلأَِنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَمَعُونَةٍ، وَالضَّمَانُ مُنَافٍ لِذَلِكَ بِدُونِ مُوجِبٍ قَوِيٍّ كَتَفْرِيطِهِ وَتَعَدِّيهِ. (٢) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (ضَمَانٌ، وَكَالَةٌ) . د - تَفْرِيطُ الأَْجِيرِ: ٧ - إِذَا فَرَّطَ الأَْجِيرُ فِيمَا وُكِّل إلَيْهِ مِنْ عَمَل فَتَلِفَ مَا فِي يَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ

стр. 7791

بَيْنَ الأَْجِيرِ الْخَاصِّ كَالْخَادِمِ وَالرَّاعِي، وَبَيْنَ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ كَالْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ (١) . وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِجَارَةٌ، ضَمَانٌ) . هـ - التَّفْرِيطُ فِي النَّفَقَةِ: ٨ - إِذَا فَرَّطَ الزَّوْجُ فِي الإِْنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ، أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ دُونَ كِفَايَتِهِمْ، فَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَال زَوْجِهَا مَا يَكْفِيهَا وَأَوْلاَدَهَا عُرْفًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ. حِينَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ (٢) وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَخْذِ كِفَايَتِهَا وَكِفَايَةِ وَلَدِهَا مِنْ مَالِهِ رَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْحَاكِمِ. (٣) وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَفَقَةٌ)

стр. 7792

و - تَفْرِيطُ الْوَصِيِّ: ٩ - الْوَصِيُّ أَمِينٌ. فَلاَ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ فِي يَدِهِ مِنْ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ، وَيُقْبَل قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إِذَا اخْتَلَفَ مَعَ الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا. وَإِنَّمَا يَضْمَنُ إِذَا فَرَّطَ فِي مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ دَفَعَ الْمَال إِلَى الْيَتِيمِ قَبْل رُشْدِهِ بَعْدَ الإِْدْرَاكِ فَضَاعَ لأَِنَّهُ دَفَعَهُ إِلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ. (١) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (ضَمَانٌ، وَصِيٌّ) ز - التَّفْرِيطُ فِي إِنْقَاذِ مَال الْغَيْرِ: ١٠ - مَنْ رَأَى مَال غَيْرِهِ مُعَرَّضًا لِلضَّيَاعِ أَوِ التَّلَفِ فَلَمْ يَسْعَ لإِِنْقَاذِهِ، فَتَلِفَ الْمَال أَوْ ضَاعَ، فَإِنَّهُ آثِمٌ بِالتَّفْرِيطِ فِي إِنْقَاذِهِ؛ لأَِنَّ حِفْظَ مَال الْغَيْرِ وَاجِبٌ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ تَرَتُّبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ (٢) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ: مُصْطَلَحَ (ضَمَانٌ) ح - التَّفْرِيطُ فِي إِنْقَاذِ حَيَاةِ الْغَيْرِ: ١١ - مَنْ فَرَّطَ فِي إِنْقَاذِ حَيَاةِ إِنْسَانٍ كَأَنْ رَآهُ فِي

стр. 7793

مَهْلَكَةٍ، فَلَمْ يَمُدَّ لَهُ يَدَ الْعَوْنِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلَكَ الإِْنْسَانُ، فَإِنَّهُ آثِمٌ لاَ مَحَالَةَ لِوُجُوبِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الأَْنْفُسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَرَتُّبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ) إِلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ لَمْ يُهْلِكْهُ، لاَ عَنْ طَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ، وَلاَ عَنْ طَرِيقِ التَّسَبُّبِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ إِلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُنْجِهِ مِنَ الْهَلاَكِ مَعَ إِمْكَانِهِ. (١)

стр. 7794

تَفْرِيقٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّفْرِيقُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا خِلاَفُ الْجَمْعِ يُقَال: فَرَّقَ فُلاَنٌ الشَّيْءَ تَفْرِيقًا، وَتَفْرِقَةً إِذَا بَدَّدَهُ (١) ، وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (٢) . (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ) : يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّفْرِيقِ بِاخْتِلاَفِ مُتَعَلِّقِهِ: أ - تَفْرِيقُ الْمَال الْمُخْتَلِطِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ: ٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِرْبَابِ الأَْمْوَال مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ، أَنْ يُفَرِّقُوا أَمْوَالَهُمُ الْمُخْتَلِطَةَ، الَّتِي وَجَبَ فِيهَا بِاجْتِمَاعِهَا فَرْضُ الزَّكَاةِ، لِيَسْقُطَ عَنْهَا الْفَرْضُ، أَوْ لِيَقِل الْوَاجِبُ. كَأَنْ يَكُونَ لَهُمَا أَرْبَعُونَ شَاةً مُخْتَلِطَةً خَلْطَةَ اشْتِرَاكٍ، أَوْ خَلْطَةَ جِوَارٍ فَيُفَرِّقَاهَا قَبْل نِهَايَةِ الْحَوْل لِيَسْقُطَ عَنْهَا الْفَرْضُ بِالتَّفْرِقَةِ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِرْبَابِ الأَْمْوَال أَنْ يَجْمَعُوا أَمْوَالَهُمُ الْمُتَفَرِّقَةَ لِيَقِل الْوَاجِبُ.

стр. 7795

وَكَذَا السَّاعِي لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ الْمُتَفَرِّقَ خَشْيَةَ سُقُوطِ الصَّدَقَةِ أَوْ قِلَّتِهَا (١) لِحَدِيثِ لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (٢) وَانْظُرْ تَفْصِيل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٌ) . ب - تَفْرِيقُ أَيَّامِ الصَّوْمِ، فِي التَّمَتُّعِ: ٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ وَصْل الْمُتَمَتِّعِ صَوْمَ الأَْيَّامِ الْعَشَرَةِ إِذَا لَمْ يَصُمِ الثَّلاَثَةَ فِي وَقْتِهَا. وَيُجَوِّزُ الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ الْوَصْل بَيْنَ الثَّلاَثَةِ وَالسَّبْعَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ لَمْ يَصُمِ الثَّلاَثَةَ فِي وَقْتِهَا - وَهُوَ يَوْمٌ قَبْل التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ - يَسْقُطُ عَنْهُ الصَّوْمُ وَيَعُودُ إِلَى الْهَدْيِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ - إِلَى لُزُومِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الثَّلاَثَةِ وَالسَّبْعَةِ، وَالأَْظْهَرُ عَلَى هَذَا - فِي مُدَّةِ التَّفْرِيقِ - أَنَّهَا تَكُونُ بِقَدْرِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَمُدَّةُ إِمْكَانِ السَّيْرِ إِلَى أَهْلِهِ عَلَى الْعَادَةِ لِتَتِمَّ. وَلَوْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ حَصَلَتْ لَهُ الثَّلاَثَةُ، وَلاَ يُعْتَدُّ بِالْبَقِيَّةِ لِعَدَمِ التَّفْرِيقِ (٣) . وَيُرَاجَعُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: " تَمَتُّعٌ ".

стр. 7796

ج - تَفْرِيقُ صَوْمِ جَزَاءَاتِ الْحَجِّ: ٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَفْرِيقِ أَيَّامِ الصَّوْمِ فِي جَزَاءَاتِ الْحَجِّ بِأَنْوَاعِهَا الْمُخْتَلِفَةِ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ مُطْلَقًا فِي أَنْوَاعِهَا كُلِّهَا، فَلاَ يَتَقَيَّدُ بِالتَّتَابُعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ (١) . وَيُنْظَرُ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحُ (تَتَابُعٌ) . د - تَفْرِيقُ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ: ٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِذَا تَلَبَّسَ بِالطَّوَافِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الطَّوَافَ وَيُصَلِّي مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَيَبْنِي عَلَى طَوَافِهِ، لأَِنَّهُ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ، فَلَمْ يَقْطَعْهُ كَالْيَسِيرِ (٢) . وَفِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ تَضْيِيقًا وَتَوْسِيعًا (٣) . وَيُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (طَوَافٌ) . هـ - التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأُْمِّ وَوَلَدِهَا: ٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حَظْرِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأَْمَةِ الْمَمْلُوكَةِ وَوَلَدِهَا الصَّغِيرِ بِالْبَيْعِ حَتَّى يُمَيِّزَ

стр. 7797

أَوْ يُثْغِرَ أَوْ يَبْلُغَ، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (١) لِحَدِيثِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٢) وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَبَيْنَ غَيْرِ الأُْمِّ مِنَ الْمَحَارِمِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَبَيْنَ مَحْرَمِهِ الْمُنْفَرِدِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁، قَال: أَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلاَمَيْنِ أَخَوَيْنِ فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال أَدْرِكْهُمَا فَأَرْجِعْهُمَا، وَلاَ تَبِعْهُمَا إِلاَّ جَمِيعًا (٣) وَلأَِنَّ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ، فَلَمْ يَجُزِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَالأُْمِّ وَوَلَدِهَا. (٤) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ التَّحْرِيمَ خَاصٌّ بِالأُْمِّ وَوَلَدِهَا (٥) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْبَهِيمَةِ وَوَلَدِهَا حَرَامٌ، إِلاَّ إِنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا، أَوْ بِذَبْحِهِ هُوَ لاَ بِذَبْحِهَا، وَلاَ بِبَيْعِهِ لِلذَّبْحِ. (٦)

стр. 7798

و - تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ لِتَعَدُّدِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ أَوْ تَعَدُّدِ الْمَبِيعِ: ٧ - تَفَرُّقُ الصَّفْقَةِ بِتَفْصِيل الثَّمَنِ مِنَ الْمُوجِبِ أَوِ الْقَابِل، كَأَنْ يَقُول فِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلاً: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِمِائَةٍ، وَهَذَا بِخَمْسِينَ، فَيُقْبَل الآْخَرُ فِيهِمَا، سَوَاءٌ فَصَّل الْقَابِل أَمْ لَمْ يُفَصِّل، فَيَجُوزُ رَدُّ أَحَدِهِمَا بِعَيْبٍ، وَاسْتِبْقَاءُ الآْخَرِ. تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ لِتَعَدُّدِهَا بِتَفْرِيقِ الثَّمَنِ. وَكَذَا إِنْ تَعَدَّدَ الْبَائِعُ، أَوِ الْمُشْتَرِي، فَيَجُوزُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْبٍ، تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ. أَمَّا إِذَا قَبِل أَحَدَ الْمَبِيعَيْنِ، أَوْ نَصِيبَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَلاَ تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ، لاِخْتِلاَفِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، فَيَبْطُل الْعَقْدُ. هَذَا التَّفْصِيل لِلشَّافِعِيَّةِ. (١) وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا اتَّحَدَ الْمُوجِبُ، وَتَعَدَّدَ الْمُخَاطَبُ، لَمْ يَجُزِ التَّفْرِيقُ بِقَبُول أَحَدِهِمَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُوجِبُ بَائِعًا أَمْ مُشْتَرِيًا، وَعَلَى عَكْسِهِ لَمْ يَجُزِ الْقَبُول فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا. وَإِنِ اتَّحَدَا لَمْ يَصِحَّ قَبُول الْمُخَاطَبِ فِي الْبَعْضِ، فَلَمْ يَصِحَّ تَفْرِيقُهَا مُطْلَقًا فِي الأَْحْوَال الثَّلاَثَةِ، لاِتِّحَادِ الصَّفْقَةِ فِي الْكُل. وَكَذَا إِنِ اتَّحَدَ الْعَاقِدَانِ وَتَعَدَّدَ الْمَبِيعُ، كَأَنْ يُوجِبَ بَيْعُ مِثْلِيَّيْنِ، أَوْ قِيَمِيٍّ وَمِثْلِيٍّ، لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهَا بِالْقَبُول فِي أَحَدِهِمَا إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الآْخَرُ بِذَلِكَ

стр. 7799

بَعْدَ الْقَبُول فِي الْبَعْضِ، وَيَكُونُ الْمَبِيعُ مِمَّا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ بِالأَْجْزَاءِ، كَدَارٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مَوْزُونٍ، أَوْ مَكِيلٍ، فَيَكُونُ الْقَبُول إِيجَابًا جَدِيدًا وَالرِّضَا قَبُولاً. أَمَّا إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لاَ يَنْقَسِمُ إِلاَّ بِالْقِيمَةِ كَثَوْبَيْنِ أَوْ دَارَيْنِ، فَلاَ يَجُوزُ التَّفْرِيقُ فِي الْقَبُول. فَإِنْ بَيَّنَ ثَمَنَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ كَرَّرَ لَفْظَ الْبَيْعِ كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ: بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ وَبِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ، يَصِحُّ التَّفْرِيقُ بِالْقَبُول. أَمَّا إِذَا لَمْ يُكَرِّرْ لَفْظَ الْبَيْعِ وَفَصَّل الثَّمَنَ، قَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ تَعَدَّدَتِ الصَّفْقَةُ، فَيَجُوزُ تَفْرِيقُهَا بِالْقَبُول، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ. وَقِيل: إِنَّ اشْتِرَاطَ تَكْرَارِ لَفْظِ الْبَيْعِ لِلتَّعَدُّدِ اسْتِحْسَانٌ. وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَدَمُ اشْتِرَاطِهِ قِيَاسٌ. وَهُوَ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ. (١) وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ تَفَرُّقَ الصَّفْقَةِ يَكُونُ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي أَوِ الْمَبِيعِ أَوْ بِتَفْصِيل الثَّمَنِ، عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ. فَإِذَا اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا، وَشَرَطَا الْخِيَارَ، أَوْ وَجَدَاهُ مَعِيبًا فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا فَلِلآْخَرِ الْفَسْخُ بِنَاءً عَلَى تَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ بِتَعَدُّدِ الطَّرَفَيْنِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ، وَفِي قَوْلٍ لاَ تُفَرَّقُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ لاَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الطَّرَفَيْنِ. وَكَذَلِكَ لَوْ

стр. 7800

اشْتَرَى وَاحِدٌ مِنَ اثْنَيْنِ شَيْئًا وَظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ فَلَهُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا وَإِمْسَاكُ الآْخَرِ، تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ (١) ، وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ (٢) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (الرَّدُّ بِالْعَيْبِ) . تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمَا لاَ يَجُوزُ: إِذَا اشْتَمَلَتِ الصَّفْقَةُ عَلَى مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: ٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، إِذَا جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ مَا يَمْلِكُهُ وَمَا لاَ يَمْلِكُهُ، كَدَارِهِ وَدَارِ غَيْرِهِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، وَيَنْفُذُ فِي مِلْكِهِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّتِهِمْ، وَيَصِحُّ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ. أَمَّا إِذَا جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ مَيْتَةٍ وَمُذَكَّاةٍ أَوْ خَلٍّ وَخَمْرٍ، فَيَبْطُل فِيهِمَا، إِنْ لَمْ يُسَمِّ لِكُل وَاحِدٍ ثَمَنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. أَمَّا إِذَا سَمَّى لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا فَاخْتَلَفُوا فِيهَا: فَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُل فِيهِمَا، لأَِنَّ الْمَيْتَةَ وَالْخَمْرَ لَيْسَا بِمَالٍ، وَالْبَيْعَ صَفْقَةٌ

стр. 7801

وَاحِدَةٌ، فَكَانَ الْقَبُول فِي الْمَيْتَةِ كَالْمَشْرُوطِ لِلْبَيْعِ فِي الْمَذْبُوحَةِ، وَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ فِي الْمَذْبُوحَةِ، بِخِلاَفِ بَيْعِ مَا يَمْلِكُهُ وَمَا لاَ يَمْلِكُهُ فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ، وَقَدْ دَخَلاَ تَحْتَ الْعَقْدِ لِقِيَامِ الْمَالِيَّةِ. وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الْحَلاَل بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، إِذَا سُمِّيَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قِسْطٌ مِنَ الثَّمَنِ. لأَِنَّ الْفَسَادَ لاَ يَتَعَدَّى الْمَحَل الْفَاسِدَ، وَهُوَ عَدَمُ الْمَالِيَّةِ فِي الْمَيْتَةِ، فَلاَ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهَا إِذْ لاَ مُوجِبَ لِتَعَدِّيهِ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدِ انْفَصَل عَنِ الآْخَرِ بِتَفْصِيل الثَّمَنِ، بِدَلِيل مَا لَوْ كَانَتَا مُذَكَّاتَيْنِ فَتَلِفَتْ إِحْدَاهُمَا قَبْل الْقَبْضِ بَقِيَ الْعَقْدُ فِي الأُْخْرَى. (١) مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: ٩ - إِذَا جَمَعَتِ الصَّفْقَةُ بَيْنَ حَلاَلٍ وَحَرَامٍ بَطَلَتْ فِيهِمَا عِنْدَهُمْ، إِذَا عَلِمَ الْعَاقِدَانِ الْحَرَامَ أَوْ عَلِمَهُ أَحَدُهُمَا. أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمَا، كَأَنْ بَاعَ قُلَّتَيْ خَلٍّ وَخَمْرٍ عَلَى أَنَّهُمَا خَلٌّ، فَبَانَتْ إِحْدَاهُمَا خَمْرًا، أَوْ بَاعَ شَاتَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا مَذْبُوحَتَانِ فَبَانَتْ إِحْدَاهُمَا مَيْتَةً، فَلَهُ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، يُرْجَعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا يَخُصُّ الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الثَّمَنِ لِفَسَادِ بَيْعِهِ (٢) .

стр. 7802

مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: ١٠ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: أ - أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيقُ فِي الاِبْتِدَاءِ. ب - أَوْ فِي الدَّوَامِ. ج - أَوْ فِي اخْتِلاَفِ الْحُكْمِ. فَأَمَّا تَفْرِيقُهَا ابْتِدَاءً، فَكَأَنْ يَبِيعَ حَلاَلاً وَحَرَامًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، كَشَاةٍ وَخِنْزِيرٍ، أَوْ خَلٍّ وَخَمْرٍ، أَوْ مَيْتَةٍ وَمُذَكَّاةٍ، أَوْ دَارِهِ وَدَارِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا. فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي كُل ذَلِكَ فِيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنَ الْحَلاَل، وَمَا يَمْلِكُهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، إِعْطَاءً لِكُلٍّ حُكْمَهُ، لأَِنَّ الصَّفْقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، فَالْعَدْل تَصْحِيحُهَا فِي الصَّحِيحِ، وَقَصْرُ الْفَسَادِ عَلَى الْفَاسِدِ، كَنَظِيرِهِ فِيمَا لَوْ شَهِدَ فَاسِقٌ وَعَدْلٌ. وَفِي قَوْلٍ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِلْحَلاَل، لأَِنَّ الْعَقْدَ يَتَوَجَّهُ إِلَى مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَكَانَ الآْخَرُ كَالْمَعْدُومِ. وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُل فِيهِمَا، لأَِنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ بَيْنَ حَلاَلٍ وَحَرَامٍ، فَغَلَبَ الْحَرَامُ، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا اجْتَمَعَ حَلاَلٌ وَحَرَامٌ، إِلاَّ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلاَل، وَلِجَهَالَةِ الْعِوَضِ الَّذِي يُقَابِل الْحَلاَل. (١) وَأَمَّا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فِي الدَّوَامِ فَكَأَنْ يَبِيعَ شَاتَيْنِ لَهُ، فَتَلِفَتْ إِحْدَاهُمَا قَبْل الْقَبْضِ، فَلاَ

стр. 7803

يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، بَل يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْجَازَةِ، فَإِنْ أَجَازَ يَأْخُذُ الْبَاقِي بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ. (١) وَأَمَّا تَفْرِيقُهَا فِي اخْتِلاَفِ الْحُكْمِ فَكَمَا لَوْ شَمَلَتِ الصَّفْقَةُ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ، كَإِجَارَةٍ وَبَيْعٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، أَوْ إِجَارَةٍ وَسَلَمٍ صَحَّا، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى الْقِيمَةِ، وَكَذَا بَيْعٌ وَنِكَاحٌ، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّ الْمَال لَيْسَ شَرْطًا فِيهِ، وَفِي الْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ قَوْلاَنِ: الأَْظْهَرُ صِحَّتُهُمَا، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَةِ الْمَبِيعِ وَمَهْرِ الْمِثْل. (٢) مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: ١١ - قَسَّمَ الْحَنَابِلَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَبِيعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولاً فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، كَأَنْ يَقُول بِعْتُكُ هَذِهِ الْفَرَسَ، وَمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْفَرَسِ الأُْخْرَى، بِأَلْفٍ. فَهَذَا بَاطِلٌ. (٣) لأَِنَّ الْمَجْهُول لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِجَهَالَتِهِ، فَيَصِيرُ الْمَبِيعُ الْمَعْلُومُ مَجْهُول الثَّمَنِ وَلاَ سَبِيل إِلَى مَعْرِفَتِهِ، لأَِنَّ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِتَقْسِيطِ الثَّمَنِ عَلَى الْمَبِيعَيْنِ، وَالْمَجْهُول لاَ يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ فَيَتَعَذَّرُ التَّقْسِيطُ.

стр. 7804

ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعَانِ مِمَّا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا بِالأَْجْزَاءِ، كَدَارٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بَاعَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ، فَفِي ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي مِلْكِهِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَيَبْطُل فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ. لأَِنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَ الْمُسْتَقِل لَوِ انْفَرَدَ، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَبَتَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُهُ. (١) وَهُوَ كَمَا سَبَقَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ (٢) . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، لأَِنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ حَلاَلاً وَحَرَامًا، فَغَلَبَ التَّحْرِيمُ، وَلأَِنَّ الصَّفْقَةَ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُهَا فِي جَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَطَلَتْ فِي الْكُل، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ. (٣) وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعَانِ مَعْلُومَيْنِ مِمَّا لاَ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا الثَّمَنُ بِالأَْجْزَاءِ، وَأَحَدُهُمَا مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَالآْخَرُ مِمَّا لاَ يَصِحُّ، كَخَلٍّ وَخَمْرٍ، وَمَيْتَةٍ وَمُذَكَّاةٍ، وَمَقْدُورِ التَّسْلِيمِ وَغَيْرِ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ، فَيَبْطُل الْبَيْعُ فِيمَا لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَفِي الآْخَرِ رِوَايَتَانِ:

стр. 7805

إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ مِنْ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ مُنْفَرِدًا فَلَمْ يَبْطُل بِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ. وَالثَّانِي: يَبْطُل فِيهِ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ، لأَِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِتَقْسِيطِ الثَّمَنِ عَلَى الْقِيمَةِ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ حِينَ الْعَقْدِ. (١) ز - تَفْرِيقُ الصَّوْمِ فِي الْكَفَّارَاتِ: ١٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ كَفَّارَتَيِ الْقَتْل وَالظِّهَارِ، لِثُبُوتِ التَّتَابُعِ فِيهِمَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فِي قَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْقَتْل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) وَفِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٣) وَثَبَتَ التَّتَابُعُ فِي صِيَامِ كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ. وَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ (٤) لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَال: هَلَكْتُ يَا رَسُول اللَّهِ قَال: وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَال: هَل تَجِدُ

стр. 7806

مَا تُعْتِقُ؟ قَال: لاَ. قَال: هَل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ (١) . . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَتَابُعٌ) . ١٣ - أَمَّا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَفْرِيقِ الصَّوْمِ فِيهَا فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَفْرِيقُ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ، وَقَدْ قَرَآ: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) . (٢) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ غَيْرُ وَاجِبٍ، (٣) وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ الأَْمْرَ بِالصَّوْمِ فِيهَا مُطْلَقٌ، وَلاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مُصْطَلَحِ (تَتَابُعٌ) . تَتَابُعُ قَضَاءِ رَمَضَانَ: ١٤ - لاَ يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. (٤) وَسَبَقَ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَتَابُعٌ) .

стр. 7807

تَفْسِيرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّفْسِيرُ فِي اللُّغَةِ: الْكَشْفُ وَالإِْظْهَارُ وَالتَّوْضِيحُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَغَلَبَ عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ، كَمَا قَال الْجُرْجَانِيِّ: تَوْضِيحُ مَعْنَى الآْيَةِ، وَشَأْنِهَا، وَقِصَّتِهَا، وَالسَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، بِلَفْظٍ يَدُل عَلَيْهِ دَلاَلَةً ظَاهِرَةً (١) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّأْوِيل: ٢ - التَّأْوِيل مَصْدَرُ أَوَّل. يُقَال: أَوَّل الْكَلاَمَ تَأْوِيلاً: دَبَّرَهُ وَقَدَّرَهُ وَفَسَّرَهُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الظَّاهِرِ إِلَى مَعْنَى يَحْتَمِلُهُ إِذَا كَانَ الْمُحْتَمَل الَّذِي يَرَاهُ مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ (٢) إِنْ أَرَادَ بِهِ إِخْرَاجَ الطَّيْرِ مِنَ الْبَيْضَةِ

стр. 7808

كَانَ تَفْسِيرًا، وَإِنْ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَافِرِ، أَوِ الْعَالِمِ مِنَ الْجَاهِل كَانَ تَأْوِيلاً (١) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيل أَنَّ التَّفْسِيرَ أَعَمُّ مِنَ التَّأْوِيل، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَال التَّفْسِيرِ فِي الأَْلْفَاظِ وَمُفْرَدَاتِهَا، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَال التَّأْوِيل فِي الْمَعَانِي وَالْجُمَل. وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل التَّأْوِيل فِي الْكُتُبِ الإِْلَهِيَّةِ. أَمَّا التَّفْسِيرُ فَيُسْتَعْمَل فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا. وَقَال قَوْمٌ: مَا وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَمُعَيَّنًا فِي صَحِيحِ السُّنَّةِ سُمِّيَ تَفْسِيرًا، لأَِنَّ مَعْنَاهُ قَدْ ظَهَرَ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ بِاجْتِهَادٍ وَلاَ غَيْرِهِ، بَل يَحْمِلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَرَدَ لاَ يَتَعَدَّاهُ، وَالتَّأْوِيل مَا اسْتَنْبَطَهُ الْعُلَمَاءُ الْعَالِمُونَ بِمَعَانِي الْخِطَابِ، الْمَاهِرُونَ بِآلاَتِ الْعُلُومِ. قَال الْمَاتُرِيدِيُّ: التَّفْسِيرُ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ اللَّفْظِ هُوَ هَذَا، وَالشَّهَادَةُ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ عَنَى بِاللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَصَحِيحٌ، وَإِلاَّ فَتَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ، وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ. وَالتَّأْوِيل تَرْجِيحُ أَحَدِ الاِحْتِمَالاَتِ بِدُونِ الْقَطْعِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى اللَّهِ (٢) ب - الْبَيَانُ: ٣ - الْبَيَانُ: إِظْهَارُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُرَادَ لِلسَّامِعِ، وَهُوَ

стр. 7809

أَعَمُّ مِنَ التَّفْسِيرِ، لِشُمُولِهِ - عَدَا بَيَانَ التَّفْسِيرِ - كُلًّا مِنْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ، وَبَيَانِ التَّقْرِيرِ، وَبَيَانِ الضَّرُورَةِ، وَبَيَانِ التَّبْدِيل (١) . حُكْمُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ: ٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِمَعْنَى اللُّغَةِ، لأَِنَّهُ عَرَبِيٌّ. (٢) وَقَال السُّيُوطِيُّ: قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَأَجَل الْعُلُومِ الثَّلاَثَةِ الشَّرْعِيَّةِ (أَيْ: التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ) وَقَال: - نَقْلاً عَنِ الأَْصْفَهَانِيِّ - أَشْرَفُ صِنَاعَةٍ يَتَعَاطَاهَا الإِْنْسَانُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ. كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى حَظْرِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ لُغَةٍ وَلاَ نَقْلٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ ﷺ : مَنْ قَال فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (٤) وَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّفْسِيرُ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ لُغَةٍ، وَلاَ نَقْلٍ. (٥)

стр. 7810

أَقْسَامُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ: ٥ - قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: أ - مَا لاَ سَبِيل إِلَى الْوُصُول إِلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَحَجَبَ عِلْمَهُ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ أَوْقَاتُ وُقُوعِ الأُْمُورِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهَا كَائِنَةٌ، مِثْل وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَوَقْتِ نُزُول عِيسَى، وَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا الْقِسْمُ لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ بِالتَّأْوِيل. ب - مَا خَصَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ دُونَ سَائِرِ أُمَّتِهِ، وَيَحْتَاجُ الْعِبَادُ إِلَى تَفْسِيرِهِ لأُِمُورِ دِينِهِمْ، وَدُنْيَاهُمْ، فَلاَ سَبِيل لَهُمْ أَيْضًا إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ إِلاَّ بِبَيَانِ الرَّسُول ﷺ لَهُمْ تَأْوِيلَهُ. ج - مَا كَانَ عِلْمُهُ عِنْدَ أَهْل اللِّسَانِ الَّذِي نَزَل بِهِ الْقُرْآنُ، وَذَلِكَ عِلْمُ تَأْوِيل عَرَبِيَّتِهِ وَإِعْرَابِهِ، فَلاَ يُوصَل إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ إِلاَّ مِنْ قِبَلِهِمْ (١) . طُرُقُ التَّفْسِيرِ: ٦ - قَال السُّيُوطِيُّ: قَال الْعُلَمَاءُ: مَنْ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ طَلَبَهُ أَوَّلاً مِنَ الْقُرْآنِ نَفْسِهِ، فَمَا أُجْمِل مِنْهُ فِي مَكَانٍ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمَا اخْتُصِرَ فِي مَكَانٍ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ. فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ طَلَبَهُ مِنَ السُّنَّةِ، فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ، وَمُبَيِّنَةٌ لَهُ.
следующие страницы →