Полный текст (31 949 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.
стр. 7806
مَا تُعْتِقُ؟ قَال: لاَ. قَال: هَل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ (١) . . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَتَابُعٌ) .
١٣ - أَمَّا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَفْرِيقِ الصَّوْمِ فِيهَا فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَفْرِيقُ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ، وَقَدْ قَرَآ: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) . (٢)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ غَيْرُ وَاجِبٍ، (٣) وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ الأَْمْرَ بِالصَّوْمِ فِيهَا مُطْلَقٌ، وَلاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مُصْطَلَحِ (تَتَابُعٌ) .
تَتَابُعُ قَضَاءِ رَمَضَانَ:
١٤ - لاَ يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. (٤) وَسَبَقَ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَتَابُعٌ) . стр. 7807
تَفْسِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّفْسِيرُ فِي اللُّغَةِ: الْكَشْفُ وَالإِْظْهَارُ وَالتَّوْضِيحُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَغَلَبَ عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ، كَمَا قَال الْجُرْجَانِيِّ: تَوْضِيحُ مَعْنَى الآْيَةِ، وَشَأْنِهَا، وَقِصَّتِهَا، وَالسَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، بِلَفْظٍ يَدُل عَلَيْهِ دَلاَلَةً ظَاهِرَةً (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّأْوِيل:
٢ - التَّأْوِيل مَصْدَرُ أَوَّل. يُقَال: أَوَّل الْكَلاَمَ تَأْوِيلاً: دَبَّرَهُ وَقَدَّرَهُ وَفَسَّرَهُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الظَّاهِرِ إِلَى مَعْنَى يَحْتَمِلُهُ إِذَا كَانَ الْمُحْتَمَل الَّذِي يَرَاهُ مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ (٢) إِنْ أَرَادَ بِهِ إِخْرَاجَ الطَّيْرِ مِنَ الْبَيْضَةِ стр. 7808
كَانَ تَفْسِيرًا، وَإِنْ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَافِرِ، أَوِ الْعَالِمِ مِنَ الْجَاهِل كَانَ تَأْوِيلاً (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيل أَنَّ التَّفْسِيرَ أَعَمُّ مِنَ التَّأْوِيل، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَال التَّفْسِيرِ فِي الأَْلْفَاظِ وَمُفْرَدَاتِهَا، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَال التَّأْوِيل فِي الْمَعَانِي وَالْجُمَل. وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل التَّأْوِيل فِي الْكُتُبِ الإِْلَهِيَّةِ. أَمَّا التَّفْسِيرُ فَيُسْتَعْمَل فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا.
وَقَال قَوْمٌ: مَا وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَمُعَيَّنًا فِي صَحِيحِ السُّنَّةِ سُمِّيَ تَفْسِيرًا، لأَِنَّ مَعْنَاهُ قَدْ ظَهَرَ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ بِاجْتِهَادٍ وَلاَ غَيْرِهِ، بَل يَحْمِلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَرَدَ لاَ يَتَعَدَّاهُ، وَالتَّأْوِيل مَا اسْتَنْبَطَهُ الْعُلَمَاءُ الْعَالِمُونَ بِمَعَانِي الْخِطَابِ، الْمَاهِرُونَ بِآلاَتِ الْعُلُومِ.
قَال الْمَاتُرِيدِيُّ: التَّفْسِيرُ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ اللَّفْظِ هُوَ هَذَا، وَالشَّهَادَةُ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ عَنَى بِاللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَصَحِيحٌ، وَإِلاَّ فَتَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ، وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ. وَالتَّأْوِيل تَرْجِيحُ أَحَدِ الاِحْتِمَالاَتِ بِدُونِ الْقَطْعِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى اللَّهِ (٢)
ب - الْبَيَانُ:
٣ - الْبَيَانُ: إِظْهَارُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُرَادَ لِلسَّامِعِ، وَهُوَ стр. 7809
أَعَمُّ مِنَ التَّفْسِيرِ، لِشُمُولِهِ - عَدَا بَيَانَ التَّفْسِيرِ - كُلًّا مِنْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ، وَبَيَانِ التَّقْرِيرِ، وَبَيَانِ الضَّرُورَةِ، وَبَيَانِ التَّبْدِيل (١) .
حُكْمُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِمَعْنَى اللُّغَةِ، لأَِنَّهُ عَرَبِيٌّ. (٢)
وَقَال السُّيُوطِيُّ: قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَأَجَل الْعُلُومِ الثَّلاَثَةِ الشَّرْعِيَّةِ (أَيْ: التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ) وَقَال: - نَقْلاً عَنِ الأَْصْفَهَانِيِّ - أَشْرَفُ صِنَاعَةٍ يَتَعَاطَاهَا الإِْنْسَانُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ.
كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى حَظْرِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ لُغَةٍ وَلاَ نَقْلٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ ﷺ : مَنْ قَال فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (٤) وَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّفْسِيرُ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ لُغَةٍ، وَلاَ نَقْلٍ. (٥) стр. 7810
أَقْسَامُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ:
٥ - قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أ - مَا لاَ سَبِيل إِلَى الْوُصُول إِلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَحَجَبَ عِلْمَهُ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ أَوْقَاتُ وُقُوعِ الأُْمُورِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهَا كَائِنَةٌ، مِثْل وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَوَقْتِ نُزُول عِيسَى، وَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا الْقِسْمُ لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ بِالتَّأْوِيل.
ب - مَا خَصَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ دُونَ سَائِرِ أُمَّتِهِ، وَيَحْتَاجُ الْعِبَادُ إِلَى تَفْسِيرِهِ لأُِمُورِ دِينِهِمْ، وَدُنْيَاهُمْ، فَلاَ سَبِيل لَهُمْ أَيْضًا إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ إِلاَّ بِبَيَانِ الرَّسُول ﷺ لَهُمْ تَأْوِيلَهُ.
ج - مَا كَانَ عِلْمُهُ عِنْدَ أَهْل اللِّسَانِ الَّذِي نَزَل بِهِ الْقُرْآنُ، وَذَلِكَ عِلْمُ تَأْوِيل عَرَبِيَّتِهِ وَإِعْرَابِهِ، فَلاَ يُوصَل إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ إِلاَّ مِنْ قِبَلِهِمْ (١) .
طُرُقُ التَّفْسِيرِ:
٦ - قَال السُّيُوطِيُّ:
قَال الْعُلَمَاءُ: مَنْ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ طَلَبَهُ أَوَّلاً مِنَ الْقُرْآنِ نَفْسِهِ، فَمَا أُجْمِل مِنْهُ فِي مَكَانٍ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمَا اخْتُصِرَ فِي مَكَانٍ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ. فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ طَلَبَهُ مِنَ السُّنَّةِ، فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ، وَمُبَيِّنَةٌ لَهُ. стр. 7811
وَقَال الشَّافِعِيُّ ﵁: كُل مَا حَكَمَ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْقُرْآنِ. (١)
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ . (٢)
وَقَال ﵊: أَلاَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ. (٣)
وَقَالُوا: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْقُرْآنِ، وَلاَ فِي السُّنَّةِ مَا يُوَضِّحُ الْمَعْنَى، يُرْجَعُ إِلَى أَقْوَال الصَّحَابَةِ فِي تَفْسِيرِهِ، فَإِنَّهُمْ أَدْرَى بِذَلِكَ لِمَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْقَرَائِنِ وَالأَْحْوَال عِنْدَ نُزُولِهِ، وَلِمَا اخْتَصُّوا بِهِ مِنَ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَل الصَّالِحِ، وَقَدْ قَال الْحَاكِمُ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ: إِنَّ الصَّحَابِيَّ الَّذِي شَهِدَ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيل، فَأَخْبَرَ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ. (٤)
وَقَال صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ: يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إِلَى تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ لأَِنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيل، وَحَضَرُوا التَّأْوِيل. فَتَفْسِيرُهُ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ. وَإِذَا قَال الصَّحَابِيُّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَهُوَ تَوْقِيفٌ.
وَقَال الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ قُلْنَا: إِنَّ стр. 7812
قَوْل الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ لَزِمَ قَبُول تَفْسِيرِهِ، وَإِلاَّ فَإِنَّ نَقْل كَلاَمِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ صَيَّرَ إِلَيْهِ، وَإِنْ فَسَّرَهُ اجْتِهَادًا أَوْ قِيَاسًا عَلَى كَلاَمِ الْعَرَبِ لَمْ يَلْزَمْ قَبُول تَفْسِيرِهِ. (١)
٧ - أَمَّا تَفْسِيرُ التَّابِعِيِّ فَلاَ يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ حُجَّةً بِالاِتِّفَاقِ، وَنُقِل عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْل التَّابِعِيِّ فِي التَّفْسِيرِ، وَغَيْرِهِ.
وَنَقَل أَبُو دَاوُدَ: إِذَا جَاءَ عَنِ الرَّجُل مِنَ التَّابِعِينَ لاَ يُوجَدُ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَقْلٌ لاَ يَلْزَمُ الأَْخْذُ بِهِ. وَقَال الْمَرْوِيُّ: يُنْظَرُ مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يُؤْخَذُ وُجُوبًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنِ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنِ التَّابِعِينَ، وَقَال الْقَاضِي: يُمْكِنُ حَمْل هَذَا الْقَوْل عَلَى إِجْمَاعِهِمْ، وَقَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى لاَ تَأْبَى ذَلِكَ. (٢)
وَالْمَسْأَلَةُ أُصُولِيَّةٌ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ:
٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ، وَقَالُوا: لأَِنَّهُ عَرَبِيٌّ. قَال الْغَزَالِيُّ: ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا لاَ تَفْهَمُهُ стр. 7813
الْعَرَبُ. فَإِنْ قِيل: الْعَرَبُ إِنَّمَا تَفْهَمُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (١) وَ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) الْجِهَةَ، وَالاِسْتِقْرَارَ. وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ فَهُوَ مُتَشَابِهٌ. قُلْنَا هَيْهَاتَ، فَإِنَّ هَذِهِ كِنَايَاتٌ، وَاسْتِعَارَاتٌ يَفْهَمُهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْعَرَبِ الْمُصَدِّقُونَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَأَنَّهَا مُؤَوَّلَةٌ تَأْوِيلاَتٌ تُنَاسِبُ تَفَاهُمَ الْعَرَبِ. (٣)
وَهُنَاكَ مَنْ يَرَى إِثْبَاتَ هَذِهِ الأَْسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَلَى ظَاهِرِهَا، مَعَ الْتِزَامِ التَّنْزِيهِ. وَالتَّفْصِيل فِي عِلْمِ الْعَقِيدَةِ.
وَقَال الطَّبَرِيُّ: وَفِي حَثِّ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى الاِعْتِبَارِ بِمَا فِي آيِ الْقُرْآنِ مِنَ الْمَوَاعِظِ، وَالْبَيَانَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَْلْبَابِ﴾ (٤) وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ آيِ الْقُرْآنِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ، وَحَثَّهُمْ فِيهَا عَلَى الاِعْتِبَارِ بِأَمْثَال آيِ الْقُرْآنِ وَالاِتِّعَاظِ بِهِ، مَا يَدُل عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ تَأْوِيل مَا لَمْ يُحْجَبْ عَنْهُمْ تَأْوِيلُهُ مِنْ آيِهِ، لأَِنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُقَال - لِمَنْ لاَ يَفْهَمُ مَا يُقَال لَهُ، وَلاَ يَعْقِل تَأْوِيلَهُ -: اعْتَبِرْ بِمَا لاَ فَهْمَ لَكَ بِهِ، وَلاَ مَعْرِفَةَ مِنَ стр. 7814
الْقَوْل وَالْبَيَانِ وَالْكَلاَمِ عَلَى مَعْنَى الأَْمْرِ بِأَنْ يَفْهَمَهُ، وَيَفْقَهَهُ ثُمَّ يَتَدَبَّرَهُ، وَيَعْتَبِرَ بِهِ. فَأَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَمُسْتَحِيلٌ أَمْرُهُ بِتَدَبُّرِهِ وَهُوَ جَاهِلٌ عَنْ مَعْنَاهُ.
ثُمَّ قَال: وَإِذَا صَحَّ هَذَا فَقَدْ فَسَدَ قَوْل مَنْ أَنْكَرَ تَفْسِيرَ الْمُفَسِّرِينَ فِي كُتُبِ اللَّهِ، مَا لَمْ يَحْجُبِ اللَّهُ تَأْوِيلَهُ عَنْ خَلْقِهِ. (١) وَقَال الْعُلَمَاءُ: إِنَّ النَّهْيَ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى الْمُتَشَابِهِ مِنْهُ لاَ إِلَى جَمِيعِهِ لأَِنَّ الْقُرْآنَ نَزَل حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ، فَلَوْ لَمْ يَجُزِ التَّفْسِيرُ لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ بَالِغَةً. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، جَازَ لِمَنْ عَرَفَ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَأَسْبَابَ النُّزُول أَنْ يُفَسِّرَهُ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ وُجُوهَ اللُّغَةِ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُفَسِّرَهُ إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا سَمِعَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ، لاَ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ، وَلَوْ قَال: إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الآْيَةِ كَذَا - وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ، وَلَمْ يَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا، فَلاَ يَحِل لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ. وَقَال مُجَاهِدٌ: لاَ يَحِل لأَِحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الآْخِرِ، أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِلُغَاتِ الْعَرَبِ (٢) .
شُرُوطُ الْمُفَسِّرِ لِلْقُرْآنِ، وَآدَابُهُ:
٩ - يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا стр. 7815
بِلُغَةِ الْعَرَبِ لأَِنَّ الْقُرْآنَ نَزَل بِهَا، فَبِالْعِلْمِ بِهَا يُعْرَفُ شَرْحُ مُفْرَدَاتِ الأَْلْفَاظِ، وَمَدْلُولاَتِهَا حَسَبَ الْوَضْعِ وَالاِسْتِعْمَال.
وَقَدْ نُقِل عَنْ مُجَاهِدٍ: (لاَ يَحِل لأَِحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ: أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِلُغَاتِ الْعَرَبِ) .
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالنَّحْوِ؛ لأَِنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الإِْعْرَابِ، وَبِالصَّرْفِ لأَِنَّ بِهِ يَعْرِفُ أَبْنِيَةَ الْكَلِمَاتِ وَاشْتِقَاقَاتِهَا، لأَِنَّ الاِسْمَ إِذَا كَانَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ مَادَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُ بِاخْتِلاَفِهَا.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ عُلُومَ الْبَلاَغَةِ: الْمَعَانِيَ، وَالْبَيَانَ، وَالْبَدِيعَ، لأَِنَّهُ بِهَذِهِ الْعُلُومِ يَعْرِفُ خَوَاصَّ تَرَاكِيبِ الْكَلاَمِ مِنْ جِهَةِ إِفَادَتِهَا الْمَعْنَى، وَخَوَاصَّهَا مِنْ حَيْثُ اخْتِلاَفُهَا، حَسَبَ وُضُوحِ الدَّلاَلَةِ، وَخَفَائِهَا، وَتَحْسِينِ الْكَلاَمِ، كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأُصُول الْفِقْهِ، إِذْ بِهِ يَعْرِفُ وُجُوهَ الاِسْتِدْلاَل عَلَى الأَْحْكَامِ، وَطُرُقَ الاِسْتِنْبَاطِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَسْبَابَ النُّزُول، إِذْ بِهِ يَعْرِفُ مَعْنَى الآْيَةِ الْمُنَزَّلَةِ فِيهِ بِحَسَبِ مَا أُنْزِلَتْ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَعْرِفَ النَّاسِخَ، وَالْمَنْسُوخَ لِيَعْلَمَ الْمُحْكَمَ مِنْ غَيْرِهِ، وَالأَْحَادِيثَ الْمُبَيِّنَةَ لِتَفْسِيرِ الْمُجْمَل، وَالْمُبْهَمِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُفَسِّرِ صِحَّةُ الاِعْتِقَادِ، وَلُزُومُ السُّنَّةِ، وَأَلاَّ يُتَّهَمَ بِإِلْحَادٍ، وَلاَ هَوًى، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْتَمَنُ عَلَى الدُّنْيَا مَنْ كَانَ مَغْمُوصًا فِي دِينِهِ
стр. 7816
فَكَيْفَ يُؤْتَمَنُ عَلَى الدِّينِ، ثُمَّ هُوَ لاَ يُؤْتَمَنُ فِي الدِّينِ عَلَى الإِْخْبَارِ عَنْ عَالِمٍ، فَكَيْفَ يُؤْتَمَنُ فِي الإِْخْبَارِ عَنْ أَسْرَارِ اللَّهِ؟ وَكَذَلِكَ لاَ يُؤْتَمَنُ إِذَا كَانَ مُتَّهَمًا بِإِلْحَادٍ أَنْ يَبْغِيَ الْفِتْنَةَ وَيَغُرَّ النَّاسَ بِلَيِّهِ، وَخِدَاعِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِهَوَى لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَحْمِلَهُ هَوَاهُ عَلَى مَا يُوَافِقُ بِدْعَتَهُ (١)
وَعَدَّ السُّيُوطِيُّ عِلْمَ الْمَوْهِبَةِ قَال: وَهُوَ عِلْمٌ يُورِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ عَمِل بِمَا عَلِمَ، وَإِلَيْهِ الإِْشَارَةُ بِحَدِيثِ: مَنْ عَمِل بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. (٢)
١٠ - وَنَقَل السُّيُوطِيُّ عَنْ أَبِي طَالِبٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اعْتِمَادُ الْمُفَسِّرِ عَلَى النَّقْل الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ عَاصَرَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ الْمُحْدَثَاتِ - أَيِ الأَْقْوَال الْمُبْتَدَعَةَ - وَإِذَا تَعَارَضَتْ أَقْوَال الصَّحَابَةِ، وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا فَعَل. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهَا رَدَّ الأَْمْرَ إِلَى مَا ثَبَتَ فِيهِ السَّمْعُ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَمْعًا، وَكَانَ لِلاِسْتِدْلاَل طَرِيقٌ إِلَى تَقْوِيَةِ أَحَدِهِمَا رَجَّحَ مَا قَوِيَ الاِسْتِدْلاَل فِيهِ، إِذَا كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ стр. 7817
صَحِيحِهِ مِنْ ضَعِيفِهِ بِطُرُقِ الاِسْتِدْلاَل، لأَِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنْ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا لاَ تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ (١) ، أَمَّا مَا لاَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِطُرُقِ الاِسْتِدْلاَل وَلاَ نَقْل فِيهِ فَلاَ سَبِيل إِلَى تَفْسِيرِهِ.
وَعَامَّةُ هَذَا النَّوْعِ مِمَّا لاَ فَائِدَةَ فِيهِ، وَلاَ حَاجَةَ بِنَا إِلَى مَعْرِفَتِهِ كَلَوْنِ كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَاسْمِهِ، وَالْبَعْضُ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْمَيِّتُ مِنَ الْبَقَرَةِ، وَاسْمُ الْغُلاَمِ الَّذِي قَتَلَهُ صَاحِبُ مُوسَى ﵇، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ نَشْغَل أَنْفُسَنَا بِذَلِكَ. (٢)
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُفَسِّرُ سَلِيمَ الْمَقْصِدِ فِيمَا يَقُول، لِيَلْقَى التَّسْدِيدَ مِنَ اللَّهِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) وَقَال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاَللَّهُ بِكُل شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤)
مَسُّ الْمُحْدِثِ كُتُبَ التَّفْسِيرِ وَحَمْلُهُ لَهَا:
١١ - يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِلْمُحْدِثِ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَحَمْلُهَا وَالْمُطَالَعَةُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، قَالُوا: لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّفْسِيرِ: مَعَانِي الْقُرْآنِ، стр. 7818
لاَ تِلاَوَتُهُ، فَلاَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْقُرْآنِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْجَوَازَ مَشْرُوطٌ فِيهِ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ مِنَ الْقُرْآنِ لِعَدَمِ الإِْخْلاَل بِتَعْظِيمِهِ حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى الْمُصْحَفِ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، فَأَوْجَبُوا الْوُضُوءَ لِمَسِّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مُصْحَفٌ، وَحَدَثٌ) .
قَطْعُ سَارِقِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ:
١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَطْعِ سَارِقِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ بِسَرِقَتِهَا إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُ الْقَطْعِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ الْقَطْعِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (سَرِقَةٌ) .
تَفْسِيرُ الْمُقِرِّ مَا أَبْهَمَهُ فِي الإِْقْرَارِ:
١٣ - إِذَا قَال ابْتِدَاءً أَوْ جَوَابًا عَنْ دَعْوَى صَحِيحَةٍ: لِفُلاَنٍ عَلَيَّ شَيْءٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، صَحَّ الإِْقْرَارُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ стр. 7819
الْمُبْهَمِ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يُتَمَوَّل قُبِل تَفْسِيرُهُ، قَل أَوْ كَثُرَ. (١)
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لاَ يُتَمَوَّل وَلَكِنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَمَوَّل، كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ يُقْبَل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّهُ شَيْءٌ يَحْرُمُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَى آخِذِهِ.
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يُفَسَّرَ بِذِي قِيمَةٍ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٢)
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَمَوَّل فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ لِمَنْفَعَتِهِ كَالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ أَوِ الْقَابِل لِلتَّعْلِيمِ، وَالسِّرْجِينِ، فَيُقْبَل تَفْسِيرُهُ بِهِ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لاَ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ، كَخَمْرِ غَيْرِ الذِّمِّيِّ، أَوْ كَكَلْبٍ لاَ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ، فَلاَ يُقْبَل تَفْسِيرُهُ بِهِ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِوَدِيعَةٍ، أَوْ بِحَقِّ الشُّفْعَةِ قُبِل. (٣)
وَإِنِ امْتَنَعَ عَنِ التَّفْسِيرِ حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَ، لأَِنَّ التَّفْسِيرَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ بِامْتِنَاعِهِ عَنْ تَفْسِيرِ مَا أَقَرَّ بِهِ مُجْمَلاً - كَمَنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يُحْبَسُ، فَإِنْ وَقَعَ الإِْقْرَارُ الْمُبْهَمُ فِي جَوَابِ دَعْوَى، وَامْتَنَعَ عَنِ التَّفْسِيرِ جُعِل مُنْكِرًا، وَيُعْرَضُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، стр. 7820
فَإِنْ أَصَرَّ وَلَمْ يَحْلِفْ جُعِل نَاكِلاً، وَحَلَفَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءً بِلاَ سَبْقِ دَعْوَى ادَّعَى عَلَيْهِ الْمُقِرُّ لَهُ بِالْحَقِّ، وَقَالُوا: حَيْثُ أَمْكَنَ حُصُول الْغَرَضِ فَلاَ يُحْبَسُ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ) . стр. 7821
تَفْسِيقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّفْسِيقُ: مَصْدَرُ فَسَّقَ، يُقَال: فَسَّقَهُ إِذَا نَسَبَهُ إِلَى الْفِسْقِ، وَالْفِسْقُ - فِي الأَْصْل - الْخُرُوجُ، وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الاِسْتِقَامَةِ وَالطَّاعَةِ، يُقَال: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ، أَيْ: خَرَجَتْ عَنْ قِشْرَتِهَا.
وَالْفِسْقُ هُوَ الْفُجُورُ وَالْخُرُوجُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالتَّرْكُ لأَِمْرِ اللَّهِ، وَالْعِصْيَانُ، وَفِي التَّنْزِيل ﴿إِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أَيْ خُرُوجٌ عَنِ الْحَقِّ. (١)
وَقَال الْعَسْكَرِيُّ: الْفِسْقُ الْخُرُوجُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ بِكَبِيرَةٍ، وَالْفُجُورُ الاِنْبِعَاثُ فِي الْمَعَاصِي وَالتَّوَسُّعُ فِيهَا. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. стр. 7822
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّعْدِيل:
٢ - مِنْ مَعَانِي التَّعْدِيل النِّسْبَةُ إِلَى الْعَدَالَةِ، يُقَال عَدَّلْتُ الشَّاهِدَ إِذَا نَسَبْتُهُ إِلَى الْعَدَالَةِ وَوَصَفْتُهُ بِهَا. وَالْعَدَالَةُ لُغَةً الاِسْتِقَامَةُ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: عِبَارَةٌ عَنِ الاِسْتِقَامَةِ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ بِاجْتِنَابِ مَا هُوَ مَحْظُورٌ فِي الدِّينِ فَالتَّعْدِيل ضِدُّ التَّفْسِيقِ. (١)
ب - التَّكْفِيرُ:
٣ - مِنْ مَعَانِي التَّكْفِيرِ النِّسْبَةُ إِلَى الْكُفْرِ، وَالْكُفْرُ لُغَةً: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، يُقَال: فُلاَنٌ كَفَرَ النِّعْمَةَ إِذَا سَتَرَهَا وَلَمْ يَشْكُرْهَا، وَشَرْعًا هُوَ: تَكْذِيبُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ الْمَعْلُومَةِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ (ر: كُفْرٌ)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّفْسِيقِ وَالتَّكْفِيرِ أَنَّ التَّفْسِيقَ أَعَمُّ مِنَ التَّكْفِيرِ بِهَذَا الْمَعْنَى. (٢)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
تَفْسِيقُ الْمَجْلُودِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ:
٤ - يُفَسَّقُ الْمَجْلُودُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ стр. 7823
شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) فَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْقَذْفِ - إِذَا لَمْ يَأْتِ الْقَاذِفُ بِبَيِّنَةٍ - ثَلاَثَةُ أَحْكَامٍ: الْحَدُّ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ، وَالتَّفْسِيقُ، تَغْلِيظًا لِشَأْنِ الْقَذْفِ، وَقُوَّةً فِي الرَّدْعِ عَنْهُ. (٢)
وَفِي قَبُول شَهَادَةِ الْفَاسِقِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَشُرُوطِ تَوْبَتِهِ، تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِ (تَوْبَةٌ، شَهَادَةٌ، فِسْقٌ، وَقَذْفٌ) .
تَفْسِيقُ مُرْتَكِبِ الْكَبَائِرِ:
٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَفْسِيقِ مُرْتَكِبِ الْكَبَائِرِ كَالزَّانِي، وَاللاَّئِطِ، وَالْقَاتِل، وَنَحْوِهِمْ، لأَِنَّ تَفْسِيقَ الْقَاذِفِ وَرَدَّ شَهَادَتِهِ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُل مُرْتَكِبِ كَبِيرَةٍ. (٣)
أَمَّا الصَّغَائِرُ فَلاَ يُفَسَّقُ بِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ . (٤) стр. 7824
أَمَّا تَفْسِيرُ الْكَبِيرَةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (كَبَائِرُ، عَدَالَةٌ، فِسْقٌ، وَمَعْصِيَةٌ) .
تَفْسِيقُ أَهْل الْبِدَعِ:
٦ - الْبِدَعُ إِمَّا عَمَلِيَّةٌ أَوِ اعْتِقَادِيَّةٌ، فَأَمَّا الْبِدَعُ الْعَمَلِيَّةُ، فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَشُرَيْكٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ تَفْسِيقَ أَهْلِهَا، وَعَدَمَ قَبُول شَهَادَتِهِمْ لأَِنَّ الاِبْتِدَاعَ فِسْقٌ مِنْ حَيْثُ الاِعْتِقَادُ، وَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْفِسْقِ مِنْ حَيْثُ التَّعَاطِي، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ أَهْل الْبِدَعِ مُتَعَمِّدِينَ لِلْبِدْعَةِ أَوْ مُتَأَوِّلِينَ، لأَِنَّهُمْ لاَ يُعْذَرُونَ بِالتَّأَوُّل. (١)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَيَقُولُونَ بِقَبُول شَهَادَةِ أَهْل الْبِدَعِ إِلاَّ الْخَطَّابِيَّةُ (٢) فَإِنَّهُمْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ، لأَِنَّهُمْ يَرَوْنَ إِبَاحَةَ الْكَذِبِ عَلَى خُصُومِهِمْ لِتَأْيِيدِ مَذْهَبِهِمْ.
أَمَّا الْبِدَعُ الاِعْتِقَادِيَّةُ غَيْرُ الْمُكَفِّرَةِ، فَقَدِ اتَّفَقَ стр. 7825
الْفُقَهَاءُ عَلَى تَفْسِيقِ أَهْلِهَا. إِلاَّ أَنَّهُمْ لاَ يَعْتَبِرُونَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْفِسْقِ مَانِعًا مِنْ قَبُول الشَّهَادَةِ، لأَِنَّ أَهْل الْبِدَعِ مَا أَوْقَعَهُمْ فِي الْبِدْعَةِ وَالْهَوَى إِلاَّ التَّعَمُّقُ وَالْغُلُوُّ فِي الدِّينِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعَظِّمُ الذَّنْبَ حَتَّى يَجْعَلَهُ كُفْرًا، فَيَكُونُ مُمْتَنِعًا عَنِ الْكَذِبِ، فَصَارَ هَذَا كَمَنْ يَشْرَبُ الْمُثَلَّثَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، أَوْ يَأْكُل مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مُعْتَقِدًا إِبَاحَتَهُ، فَإِنَّهُ لاَ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ كَذَا هَذَا، بِخِلاَفِ الْفِسْقِ مِنْ حَيْثُ التَّعَاطِي وَالأَْفْعَال حَيْثُ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهِ. (١)
أَمَّا الْبِدَعُ الْمُكَفِّرَةُ فَتُرَدُّ شَهَادَةُ أَهْلِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي (أَهْل الأَْهْوَاءِ، بِدْعَةٌ، شَهَادَةٌ، عَدَالَةٌ، وَفِسْقٌ) .
تَفْسِيقُ مَنْ لَيْسَ فَاسِقًا:
٧ - مَنْ فَسَّقَ مُسْلِمًا بِأَنْ قَذَفَهُ بِ (يَا فَاسِقُ) . وَهُوَ لَيْسَ بِفَاسِقٍ عُزِّرَ، وَهَذَا مَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ.
أَمَّا لَوْ قَال لِفَاسِقٍ: يَا فَاسِقُ فَلاَ يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ. (٢) التَّفَاصِيل فِي (سَبٌّ، وَفِسْقٌ) . стр. 7826
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
يَتَنَاوَل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ التَّفْسِيقِ بِالتَّفْصِيل فِي أَبْوَابِ الشَّهَادَاتِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالرِّدَّةِ، فَتُنْظَرُ فِيهَا، وَفِي مُصْطَلَحَاتِهَا الْخَاصَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي مَبَاحِثِ (الإِْمَامَةِ: كُبْرَى أَوْ صُغْرَى) .
стр. 7827
تَفْضِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّفْضِيل فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ فَضَّلَهُ، يُقَال: فَضَّلْتُ فُلاَنًا عَلَى غَيْرِهِ تَفْضِيلاً، أَيْ مَيَّزْتُهُ، وَحَكَمْتُ لَهُ بِالْفَضْل، أَوْ صَيَّرْتُهُ كَذَلِكَ وَالْفَضْل وَالْفَضِيلَةُ. ضِدُّ النَّقْصِ وَالنَّقِيصَةِ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ تَفْضِيلٍ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّسْوِيَةُ:
٢ - التَّسْوِيَةُ مِنْ سَوَّيْتُ الشَّيْءَ فَاسْتَوَى، أَيْ: قَوَّمْتُهُ فَاسْتَقَامَ، وَقَسَمَ الشَّيْءَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، أَيْ: عَلَى سَوَاءٍ، وَمِنْ مَعَانِيهَا أَيْضًا: الْعَدْل، يُقَال: سَوَّيْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: إِذَا عَدَلْتُ بَيْنَهُمَا، وَسَوَّيْتُ فُلاَنًا بِفُلاَنٍ: مَاثَلْتُهُ بِهِ. (٢)
فَالتَّسْوِيَةُ ضِدُّ التَّفْضِيل. стр. 7828
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّفْضِيل بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهِ: فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَتَفْضِيل الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِل فِي تَقْسِيمِ الْغَنِيمَةِ.
فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُعْطَى الْفَارِسَ أَكْثَرَ مِنَ الرَّاجِل، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يُعْطَاهُ الْفَارِسُ، وَالْفَرَسُ، وَالرَّاجِل
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُعْطَى الْفَارِسُ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ، سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسْهَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَارِسِ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمٌ لَهُ. (١) وَيُعْطَى الرَّاجِل سَهْمًا، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ بِإِعْطَاءِ الْفَارِسِ سَهْمَيْنِ، وَالرَّاجِل سَهْمًا، لِحَدِيثِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَسَمَ خَيْبَرَ عَلَى أَهْل الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ، وَأَعْطَى الرَّاجِل سَهْمًا. (٢) стр. 7829
وَأَمَّا تَفْضِيل بَعْضِ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ فَالأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ (١) يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ " غَنِيمَةٌ ".
٤ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّفْضِيل بَيْنَ الأَْصْنَافِ الْمُخْتَلِفَةِ وَآحَادِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ فِي إعْطَاءِ الزَّكَاةِ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (تَسْوِيَةٌ) وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ الْكَلاَمَ فِيهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ (مَصْرِفِ الزَّكَاةِ) . (٢)
٥ - وَقَدْ يَكُونُ التَّفْضِيل مَكْرُوهًا كَتَفْضِيل بَعْضِ الأَْوْلاَدِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطِيَّةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، إِنْ وَقَعَ جَازَ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعُ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأَْوْلاَدِ، فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِعَطِيَّةٍ، أَوْ فَاضَل بَيْنَهُمْ فِيهَا، دُونَ مَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ أَثِمَ، وَهُنَاكَ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي مَعْنَى التَّسْوِيَةِ، هَل تَكُونُ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْمِيرَاثَ، أَوْ تُعْطَى الأُْنْثَى مِثْل مَا يُعْطَى الذَّكَرُ؟ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (تَسْوِيَةٌ وَهِبَةٌ) . (٣) стр. 7830
٦ - وَقَدْ يَكُونُ التَّفْضِيل حَرَامًا كَتَفْضِيل زَوْجَةٍ عَلَى أُخْرَى.
فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ التَّفْضِيل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْقَسْمِ، وَإِنْ تَرَجَّحَتْ إِحْدَاهُنَّ بِشَرَفٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِي تَفْضِيل الْجَدِيدَةِ عَلَى الْقَدِيمَةِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ الْقَسْمِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ (١) . يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحَيْ (تَسْوِيَةٌ وَقَسْمٌ) .
٧ - وَلِلْفُقَهَاءِ أَقْوَالٌ وَآرَاءٌ حَوْل تَفْضِيل مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَتَفْضِيل قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ ﷺ وَتَفْضِيل الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَتَفْضِيل إِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ عَلَى تَثْلِيثِ الْوُضُوءِ وَسَائِرِ آدَابِهِ، وَالتَّفْضِيل بَيْنَ آحَادِ كُل صِنْفٍ فِي الْوَصِيَّةِ ذُكِرَ فِي مَوْطِنِهِ (٢) وَيُرْجَعُ أَيْضًا إِلَى مُصْطَلَحَاتِ (الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ، مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ، قَبْرٌ، مَسَاجِدُ، وَصِيَّةٌ) .
٨ - وَأَيْضًا يُنْظَرُ تَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي تَفْضِيل حَجِّ الْغَنِيِّ عَلَى حَجِّ الْفَقِيرِ، وَحَجِّ الْفَرْضِ عَلَى طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ، وَبِنَاءِ الرِّبَاطِ عَلَى حَجِّ النَّفْل، وَالْحَجِّ تَطَوُّعًا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ إِذَا وَافَقَ стр. 7831
يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهِ، وَتَفْضِيل مُجَاوَرَةِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، أَوِ الْعَكْسُ فِي (كِتَابِ الْحَجِّ (١)) .
وَمُصْطَلَحَيْ (حَجٌّ، وَجِوَارٌ) كَمَا فَصَّل الْقَرَافِيُّ الْكَلاَمَ فِي التَّفْضِيل بَيْنَ الْعُلُومِ فِي الْفَرْقِ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالْمِائَةَ (٢) стр. 7832
تَفْلِيجٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّفْلِيجُ لُغَةً هُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأَْسْنَانِ سَوَاءٌ، أَكَانَ خِلْقَةً، أَمْ بِتَكَلُّفٍ، بِأَنْ يَبْرُدَهَا بِالْمِبْرَدِ وَنَحْوِهِ طَلَبًا لِلْحُسْنِ، وَيُقَال: رَجُلٌ أَفْلَجُ الأَْسْنَانِ وَامْرَأَةٌ فَلْجَاءُ الأَْسْنَانِ. وَرَجُلٌ مُفْلَجُ الثَّنَايَا أَيْ مُنْفَرِجُهَا.
وَالْمُتَفَلِّجَةُ هِيَ الَّتِي تَتَكَلَّفُ، بِأَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الأَْسْنَانِ لأَِجْل الْحُسْنِ.
وَهُوَ مِنَ الْفَلَجِ (بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللاَّمِ) وَهُوَ الْفُرْجَةُ بَيْنَ الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ. (١)
وَفِي صِفَتِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ مُفَلَّجَ الأَْسْنَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَفْلَجَ الأَْسْنَانِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ (٢) . стр. 7833
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّفْرِيقُ:
٢ - التَّفْرِيقُ فِي اللُّغَةِ: خِلاَفُ الْجَمْعِ، وَهُوَ الْفَصْل بَيْنَ الأَْشْيَاءِ، أَوِ الْفَصْل بَيْنَ أَبْعَاضِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ. وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّفْلِيجِ، حَيْثُ يَكُونُ فِي الأَْسْنَانِ وَغَيْرِهَا (١) .
ب - الْوَشْرُ:
٣ - الْوَشْرُ فِي اللُّغَةِ: النَّشْرُ، يُقَال: وَشَرَ الْخَشَبَةَ وَشْرًا: إِذَا نَشَرَهَا بِالْمِنْشَارِ. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: تَحْدِيدُ الأَْسْنَانِ وَتَرْقِيقُ أَطْرَافِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: نَهَى عَنِ النَّامِصَةِ وَالْوَاشِرَةِ (٢) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ التَّفْلِيجَ هُوَ تَفْرِيقُ الأَْسْنَانِ، وَالْوَشْرُ هُوَ تَحْدِيدُهَا وَتَرْقِيقُهَا. (٣) стр. 7834
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَفْلِيجَ الأَْسْنَانِ لأَِجْل الْحُسْنِ حَرَامٌ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ طَالِبَةُ التَّفْلِيجِ وَفَاعِلَتُهُ، وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ
قَال: فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَال لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ. وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَأَتَتْهُ. فَقَالَتْ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَقَال عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لِي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ. فَقَال: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ. قَال اللَّهُ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: إِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الآْنَ. قَال: اذْهَبِي فَانْظُرِي. قَال: فَدَخَلْتُ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا فَقَال: أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا (٢) أَيْ لَمْ نَجْتَمِعْ مَعَهَا стр. 7835
وَعَنْهُ ﵁ أَنَّهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَلْعَنُ الْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ، وَالْمُتَوَشِّمَاتِ اللاَّتِي يُغَيِّرْنَ خَلْقَ اللَّهِ . (١)
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً، وَإِنَّمَا هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَنْ تَفْعَل ذَلِكَ لِلْحُسْنِ.
لأَِنَّ اللاَّمَ فِي قَوْلِهِ: لِلْحُسْنِ لِلتَّعْلِيل، أَمَّا لَوِ احْتِيجَ إِلَيْهِ لِعِلاَجٍ أَوْ عَيْبٍ فِي السِّنِّ وَنَحْوِهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. (٢)
٥ - وَالتَّفْلِيجُ عَادَةً يَكُونُ مَا بَيْنَ الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ مِنَ الأَْسْنَانِ وَقَال الْعَيْنِيُّ: لاَ يُفْعَل ذَلِكَ إِلاَّ فِي الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ وَكَانَ التَّفْلِيجُ يُسْتَحْسَنُ فِي الْمَرْأَةِ، فَرُبَّمَا صَنَعَتْهُ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَكُونُ أَسْنَانُهَا مُتَلاَصِقَةً لِتَصِيرَ مُتَفَلِّجَةً قَال النَّوَوِيُّ: وَتَفْعَل ذَلِكَ الْعَجُوزُ وَمَنْ стр. 7836
قَارَبَتْهَا فِي السِّنِّ إِظْهَارًا لِلصِّغَرِ وَحُسْنِ الأَْسْنَانِ، لأَِنَّ هَذِهِ الْفُرْجَةَ اللَّطِيفَةَ بَيْنَ الأَْسْنَانِ تَكُونُ لِلْبَنَاتِ الصِّغَارِ، فَإِذَا عَجَزَتِ الْمَرْأَةُ وَكَبِرَتْ سِنُّهَا فَتَبْرُدُهَا بِالْمِبْرَدِ لِتَصِيرَ لَطِيفَةً حَسَنَةَ الْمَنْظَرِ وَتُوُهِّمَ كَوْنُهَا صَغِيرَةً. (١)
تَفْلِيسٌ
انْظُرْ: إِفْلاَسٌ стр. 7837
تَفْوِيضٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّفْوِيضُ لُغَةً مَصْدَرُ فَوَّضَ، يُقَال: فَوَّضْتُ إِلَى فُلاَنٍ الأَْمْرَ أَيْ صَيَّرْتُهُ إِلَيْهِ وَجَعَلْتُهُ الْحَاكِمَ فِيهِ. (١) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْفَاتِحَةِ فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي (٢) وَاصْطِلاَحًا يُسْتَعْمَل فِي بَابِ النِّكَاحِ. يُقَال: فَوَّضَتِ الْمَرْأَةُ نِكَاحَهَا إِلَى الزَّوْجِ حَتَّى تَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ مَهْرٍ، وَقِيل: فَوَّضَتْ أَيْ أَهْمَلَتْ حُكْمَ الْمَهْرِ، فَهِيَ مُفَوِّضَةٌ (بِكَسْرِ الْوَاوِ) لِتَفْوِيضِهَا أَمْرَهَا إِلَى الزَّوْجِ أَوِ الْوَلِيِّ بِلاَ مَهْرٍ.
وَمُفَوَّضَةٌ (بِفَتْحِ الْوَاوِ) مِنْ فَوَّضَهَا وَلِيُّهَا إِلَى الزَّوْجِ بِلاَ مَهْرٍ. (٣)
وَهُوَ فِي بَابِ الطَّلاَقِ: جَعَل أَمْرَ طَلاَقِ الزَّوْجَةِ بِيَدِهَا (٤) . стр. 7838
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - تَوْكِيلٌ:
٢ - وَكَل إِلَيْهِ الأَْمْرَ: سَلَّمَهُ إِلَيْهِ، وَالتَّوْكِيل هُوَ الإِْنَابَةُ فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ. وَتَوْكِيل الزَّوْجَةِ تَطْلِيقَ نَفْسِهَا هُوَ بِعَيْنِهِ التَّفْوِيضُ فِي الطَّلاَقِ فِي الْقَوْل الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَحَدُ أَنْوَاعِ التَّفْوِيضِ الثَّلاَثَةِ (التَّوْكِيل، وَ التَّمْلِيكُ ، وَ التَّخْيِيرُ) ، وَجَعَل الْحَنَابِلَةُ حَمْل أَمْرِ الزَّوْجَةِ بِيَدِهَا، وَتَعْلِيقُ الطَّلاَقِ عَلَى مَشِيئَتِهَا، مِنْ بَابِ التَّوْكِيل. (١)
ب - التَّمْلِيكُ:
٣ - أَمْلَكَهُ الشَّيْءَ وَمَلَّكَهُ إِيَّاهُ تَمْلِيكًا جَعَلَهُ مِلْكًا لَهُ وَاعْتَبَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ تَفْوِيضَ الطَّلاَقِ لِلزَّوْجَةِ مِنَ التَّمْلِيكِ، وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ التَّفْوِيضِ الثَّلاَثَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَجَعَلَهُ الْحَنَابِلَةُ خَاصًّا بِصِيغَةِ الاِخْتِيَارِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الصِّيَغِ. (٢)
ج - التَّخْيِيرُ:
٤ - التَّخْيِيرُ مِنْ خَيَّرْتُهُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَوَّضْتُ إِلَيْهِ стр. 7839
الاِخْتِيَارَ فَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا وَتَخَيَّرَهُ، وَحَقِيقَةُ التَّفْوِيضِ هُوَ تَخْيِيرُ الزَّوْجَةِ بَيْنَ الْبَقَاءِ فِي عِصْمَةِ الزَّوْجِ، أَوِ الْفِرَاقِ، سَوَاءٌ عَنْ طَرِيقِ تَمْلِيكِهَا لِلطَّلاَقِ أَوْ تَوْكِيلِهَا فِي إِيقَاعِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَخْيِيرِ نِسَائِهِ وَبَدَأَ بِي (١) الْحَدِيثَ وَيَعْتَبِرُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ (اخْتَارِي) أَحَدَ صِيَغِ التَّفْوِيضِ. (٢)
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّفْوِيضِ:
أَوَّلاً: التَّفْوِيضُ فِي النِّكَاحِ:
حَقِيقَةُ التَّفْوِيضِ وَحُكْمُهُ:
٥ - الْمُرَادُ بِالتَّفْوِيضِ فِي النِّكَاحِ السُّكُوتُ عَنْ تَعْيِينِ الصَّدَاقِ حِينَ الْعَقْدِ، وَيُفَوَّضُ ذَلِكَ إِلَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِمَا.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً (٣) ﴾ وَلِمَا رَوَى مَعْقِل بْنُ سِنَانٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، وَكَانَ زَوْجُهَا مَاتَ، وَلَمْ يَدْخُل بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، стр. 7840
فَجَعَل لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ (١) وَلأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالاِسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ (٢) .
٦ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ الَّتِي يَخْلُو الْعَقْدُ فِيهَا مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ هَل تُعْتَبَرُ تَفْوِيضًا فَتَأْخُذُ حُكْمَهُ أَوْ لاَ؟ كَاشْتِرَاطِ عَدَمِ الْمَهْرِ، وَالتَّرَاضِي عَلَى إِسْقَاطِهِ. فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ مِنَ التَّفْوِيضِ، وَمِنْ ثَمَّ يُصَحِّحُونَ عَقْدَ الزَّوَاجِ فِيهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ رُكْنًا فِي الْعَقْدِ وَلاَ شَرْطًا لَهُ، بَل هُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ، فَالْخَلَل فِيهِ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ عَلَى الْعَقْدِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ فَسَادَ النِّكَاحِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، وَيُوجِبُونَ فَسْخَهُ قَبْل الدُّخُول، فَإِنْ دَخَل ثَبَتَ الْعَقْدُ وَوَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْل. (٣)
أَنْوَاعُ التَّفْوِيضِ:
٧ - التَّفْوِيضُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أ - تَفْوِيضُ الْمَهْرِ: وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى стр. 7841
مَا شَاءَتْ، أَوْ عَلَى مَا شَاءَ الزَّوْجُ أَوِ الْوَلِيُّ، أَوْ عَلَى مَا شَاءَ غَيْرُهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ لاَ يُسَمُّونَ هَذَا النَّوْعَ تَفْوِيضًا بَل يُسَمُّونَهُ التَّحْكِيمَ.
ب - تَفْوِيضُ الْبُضْعِ وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الأَْبُ ابْنَتَهُ الْمُجْبَرَةَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، أَوْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ. (١)
مَا يَجِبُ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ:
٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ مَهْرَ الْمِثْل فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَيَتَأَكَّدُ وَيَتَقَرَّرُ بِالْمَوْتِ أَوِ الْوَطْءِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ - إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالْوَطْءِ.
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْمَوْتِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ يَجِبُ بِالْوَطْءِ لاَ بِالْمَوْتِ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي فِيمَا بَعْدُ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ الْمُتْعَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢) ﴾ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا. стр. 7842
فَإِلَى الْوُجُوبِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ الأَْمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلاَ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ لأَِنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ مِنَ الإِْحْسَانِ، وَلأَِنَّ الْمُفَوَّضَةَ لَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ فَتَجِبُ لَهَا الْمُتْعَةُ لِلإِْيحَاشِ.
وَإِلَى النَّدْبِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْقَدِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُخَصَّ بِهَا الْمُحْسِنُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا مَوْتُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْل الدُّخُول فَهُوَ مَحَل خِلاَفٍ فِي إِيجَابِ مَهْرِ الْمِثْل لَهَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ مَاتَ الزَّوْجُ عَنِ الْمُفَوَّضَةِ قَبْل الدُّخُول، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، لِحَدِيثِ مَعْقِل بْنِ سِنَانٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، وَكَانَ زَوْجُهَا مَاتَ، وَلَمْ يَدْخُل بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، فَجَعَل لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى: أَنَّهُ لاَ صَدَاقَ لَهَا وَإِنْ ثَبَتَ لَهَا الْمِيرَاثُ. (٢) стр. 7843
ثَانِيًا: التَّفْوِيضُ فِي الطَّلاَقِ:
حُكْمُ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى: جَوَازِ تَفْوِيضِ الطَّلاَقِ لِلزَّوْجَةِ (١) لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَال: دَخَل أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لأَِحَدٍ مِنْهُمْ. قَال: فَأَذِنَ لأَِبِي بَكْرٍ فَدَخَل، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا، قَال: فَقَال وَاَللَّهِ لأََقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَال: هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلاَهُمَا يَقُول: تَسْأَلْنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ،، فَقُلْنَ: وَاَللَّهِ لاَ نَسْأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآْيَاتُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ стр. 7844
فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) قَال: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَقَال: يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَلاَّ تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ فَتَلاَ عَلَيْهَا الآْيَةَ. قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُول اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ،، بَل أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ، وَأَسَالُكَ أَلاَّ تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِاَلَّذِي قُلْتُ. قَال: لاَ تَسْأَلْنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلاَّ أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلاَ مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا. (٢)
حَقِيقَةُ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ وَصِفَتُهُ:
١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، إِلَى أَنَّ التَّفْوِيضَ تَمْلِيكٌ لِلطَّلاَقِ، وَعَلَى هَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ صِحَّةِ رُجُوعِ الزَّوْجِ عَنْهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّمْلِيكَ يَتِمُّ بِالْمِلْكِ وَحْدَهُ بِلاَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَبُول.
وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لَهُ: الرُّجُوعُ قَبْل تَطْلِيقِهَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّمْلِيكَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْل الْقَبُول، وَبِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ لِوُقُوعِهِ تَطْلِيقَهَا عَلَى الْفَوْرِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّطْلِيقَ عِنْدَهُمْ جَوَابٌ لِلتَّمْلِيكِ، فَكَانَ كَقَبُولِهِ، وَقَبُولُهُ فَوْرٌ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ جَعَلُوا التَّفْوِيضَ جِنْسًا تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ: تَفْوِيضُ تَوْكِيلٍ، وَتَفْوِيضُ стр. 7845
تَخْيِيرٍ، وَتَفْوِيضُ تَمْلِيكٍ. وَيُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا مِنْ خِلاَل الأَْلْفَاظِ الصَّادِرَةِ عَنِ الزَّوْجِ. فَكُل لَفْظٍ دَل عَلَى جَعْل إِنْشَاءِ الطَّلاَقِ بِيَدِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ حَقِّ الزَّوْجِ فِي الْمَنْعِ مِنْ إِيقَاعِهِ فَهُوَ تَفْوِيضُ تَوْكِيلٍ، وَكُل لَفْظٍ دَل عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ فَوَّضَ لَهَا الْبَقَاءَ عَلَى الْعِصْمَةِ أَوِ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَهُوَ تَفْوِيضُ تَخْيِيرٍ، وَكُل لَفْظٍ دَل عَلَى جَعْل الطَّلاَقِ بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِ غَيْرِهَا دُونَ تَخْيِيرٍ فَهُوَ تَفْوِيضُ تَمْلِيكٍ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي تَفْوِيضِ التَّوْكِيل دُونَهُمَا؛ لأَِنَّهُ فِي التَّوْكِيل جَعَلَهَا نَائِبَةً عَنْهُ فِي إِنْشَائِهِ، وَأَمَّا فِيهِمَا فَقَدْ جَعَل لَهَا مَا كَانَ يَمْلِكُ، فَهُمَا أَقْوَى.
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ صِيَغِ التَّفْوِيضِ، فَجَعَلُوا صِيغَتَيْنِ " أَمْرُكِ بِيَدِكِ "، " وَطَلِّقِي نَفْسَكِ " مِنَ التَّوْكِيل، فَيَكُونُ لَهَا عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ، وَجَعَلُوا صِيغَةَ " اخْتَارِي " مِنْ خِيَارِ التَّمْلِيكِ، فَهُوَ لَهَا عَلَى الْفَوْرِ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَهُ لَهَا عَلَى التَّرَاخِي. (١)
أَلْفَاظُ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ:
١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَقْسِيمِ أَلْفَاظِ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ عِنْدَهُمْ مَا كَانَ بِلَفْظِ الطَّلاَقِ، كَطَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ شِئْتِ، وَالْكِنَايَةُ مَا كَانَ بِغَيْرِهِ كَاخْتَارِي نَفْسَكِ، وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ. следующие страницы →