Полный текст (31 949 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.
стр. 7841
مَا شَاءَتْ، أَوْ عَلَى مَا شَاءَ الزَّوْجُ أَوِ الْوَلِيُّ، أَوْ عَلَى مَا شَاءَ غَيْرُهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ لاَ يُسَمُّونَ هَذَا النَّوْعَ تَفْوِيضًا بَل يُسَمُّونَهُ التَّحْكِيمَ.
ب - تَفْوِيضُ الْبُضْعِ وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الأَْبُ ابْنَتَهُ الْمُجْبَرَةَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، أَوْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ. (١)
مَا يَجِبُ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ:
٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ مَهْرَ الْمِثْل فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَيَتَأَكَّدُ وَيَتَقَرَّرُ بِالْمَوْتِ أَوِ الْوَطْءِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ - إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالْوَطْءِ.
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْمَوْتِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ يَجِبُ بِالْوَطْءِ لاَ بِالْمَوْتِ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي فِيمَا بَعْدُ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ الْمُتْعَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢) ﴾ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا. стр. 7842
فَإِلَى الْوُجُوبِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ الأَْمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلاَ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ لأَِنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ مِنَ الإِْحْسَانِ، وَلأَِنَّ الْمُفَوَّضَةَ لَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ فَتَجِبُ لَهَا الْمُتْعَةُ لِلإِْيحَاشِ.
وَإِلَى النَّدْبِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْقَدِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُخَصَّ بِهَا الْمُحْسِنُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا مَوْتُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْل الدُّخُول فَهُوَ مَحَل خِلاَفٍ فِي إِيجَابِ مَهْرِ الْمِثْل لَهَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ مَاتَ الزَّوْجُ عَنِ الْمُفَوَّضَةِ قَبْل الدُّخُول، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، لِحَدِيثِ مَعْقِل بْنِ سِنَانٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، وَكَانَ زَوْجُهَا مَاتَ، وَلَمْ يَدْخُل بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، فَجَعَل لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى: أَنَّهُ لاَ صَدَاقَ لَهَا وَإِنْ ثَبَتَ لَهَا الْمِيرَاثُ. (٢) стр. 7843
ثَانِيًا: التَّفْوِيضُ فِي الطَّلاَقِ:
حُكْمُ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى: جَوَازِ تَفْوِيضِ الطَّلاَقِ لِلزَّوْجَةِ (١) لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَال: دَخَل أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لأَِحَدٍ مِنْهُمْ. قَال: فَأَذِنَ لأَِبِي بَكْرٍ فَدَخَل، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا، قَال: فَقَال وَاَللَّهِ لأََقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَال: هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلاَهُمَا يَقُول: تَسْأَلْنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ،، فَقُلْنَ: وَاَللَّهِ لاَ نَسْأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآْيَاتُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ стр. 7844
فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) قَال: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَقَال: يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَلاَّ تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ فَتَلاَ عَلَيْهَا الآْيَةَ. قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُول اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ،، بَل أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ، وَأَسَالُكَ أَلاَّ تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِاَلَّذِي قُلْتُ. قَال: لاَ تَسْأَلْنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلاَّ أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلاَ مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا. (٢)
حَقِيقَةُ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ وَصِفَتُهُ:
١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، إِلَى أَنَّ التَّفْوِيضَ تَمْلِيكٌ لِلطَّلاَقِ، وَعَلَى هَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ صِحَّةِ رُجُوعِ الزَّوْجِ عَنْهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّمْلِيكَ يَتِمُّ بِالْمِلْكِ وَحْدَهُ بِلاَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَبُول.
وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لَهُ: الرُّجُوعُ قَبْل تَطْلِيقِهَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّمْلِيكَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْل الْقَبُول، وَبِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ لِوُقُوعِهِ تَطْلِيقَهَا عَلَى الْفَوْرِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّطْلِيقَ عِنْدَهُمْ جَوَابٌ لِلتَّمْلِيكِ، فَكَانَ كَقَبُولِهِ، وَقَبُولُهُ فَوْرٌ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ جَعَلُوا التَّفْوِيضَ جِنْسًا تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ: تَفْوِيضُ تَوْكِيلٍ، وَتَفْوِيضُ стр. 7845
تَخْيِيرٍ، وَتَفْوِيضُ تَمْلِيكٍ. وَيُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا مِنْ خِلاَل الأَْلْفَاظِ الصَّادِرَةِ عَنِ الزَّوْجِ. فَكُل لَفْظٍ دَل عَلَى جَعْل إِنْشَاءِ الطَّلاَقِ بِيَدِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ حَقِّ الزَّوْجِ فِي الْمَنْعِ مِنْ إِيقَاعِهِ فَهُوَ تَفْوِيضُ تَوْكِيلٍ، وَكُل لَفْظٍ دَل عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ فَوَّضَ لَهَا الْبَقَاءَ عَلَى الْعِصْمَةِ أَوِ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَهُوَ تَفْوِيضُ تَخْيِيرٍ، وَكُل لَفْظٍ دَل عَلَى جَعْل الطَّلاَقِ بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِ غَيْرِهَا دُونَ تَخْيِيرٍ فَهُوَ تَفْوِيضُ تَمْلِيكٍ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي تَفْوِيضِ التَّوْكِيل دُونَهُمَا؛ لأَِنَّهُ فِي التَّوْكِيل جَعَلَهَا نَائِبَةً عَنْهُ فِي إِنْشَائِهِ، وَأَمَّا فِيهِمَا فَقَدْ جَعَل لَهَا مَا كَانَ يَمْلِكُ، فَهُمَا أَقْوَى.
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ صِيَغِ التَّفْوِيضِ، فَجَعَلُوا صِيغَتَيْنِ " أَمْرُكِ بِيَدِكِ "، " وَطَلِّقِي نَفْسَكِ " مِنَ التَّوْكِيل، فَيَكُونُ لَهَا عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ، وَجَعَلُوا صِيغَةَ " اخْتَارِي " مِنْ خِيَارِ التَّمْلِيكِ، فَهُوَ لَهَا عَلَى الْفَوْرِ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَهُ لَهَا عَلَى التَّرَاخِي. (١)
أَلْفَاظُ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ:
١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَقْسِيمِ أَلْفَاظِ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ عِنْدَهُمْ مَا كَانَ بِلَفْظِ الطَّلاَقِ، كَطَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ شِئْتِ، وَالْكِنَايَةُ مَا كَانَ بِغَيْرِهِ كَاخْتَارِي نَفْسَكِ، وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ. стр. 7846
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَهُمَا، فَجَعَلُوا لَفْظَ الأَْمْرِ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلَفْظَ الْخِيَارِ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ. وَتَفْتَقِرُ أَلْفَاظُ التَّفْوِيضِ الْكِنَائِيَّةُ إِلَى النِّيَّةِ بِخِلاَفِ الصَّرِيحِ مِنْهَا (١) .
زَمَنُ تَفْوِيضِ الزَّوْجَةِ:
١٢ - صِيغَةُ التَّفْوِيضِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً، أَوْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ تَكُونَ بِصِيغَةٍ تَعُمُّ جَمِيعَ الأَْوْقَاتِ.
(أ) فَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ التَّفْوِيضِ مُطْلَقَةً.
فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ حَقَّ الطَّلاَقِ لِلْمَرْأَةِ مُقَيَّدٌ بِمَجْلِسِ عِلْمِهَا وَإِنْ طَال، مَا لَمْ تُبَدِّل مَجْلِسَهَا حَقِيقَةً كَقِيَامِهَا عَنْهُ، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ تَعْمَل مَا يَقْطَعُهُ مِمَّا يَدُل عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنْهُ، وَكَانَ الإِْمَامُ مَالِكٌ يَقُول بِأَنَّ التَّخْيِيرَ وَالتَّمْلِيكَ الْمُطْلَقَيْنِ بَاقِيَانِ بِيَدِهَا مَا لَمْ تُوقَفْ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ تُمَكِّنْ زَوْجَهَا مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ مِنْهَا عَالِمَةً طَائِعَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مَا أَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَجَّحَهُ الدَّرْدِيرُ وَالدُّسُوقِيُّ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَخَّرَتْ بِقَدْرِ مَا يَنْقَطِعُ بِهِ الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ ثُمَّ طُلِّقَتْ لَمْ يَقَعْ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ جَعَلُوا لِكُل صِيغَةٍ مِنْ صِيَغِ التَّفْوِيضِ حُكْمًا خَاصًّا بِهَا. стр. 7847
فَلَوْ قَال لَهَا " أَمْرُكِ بِيَدِكِ " فَلاَ يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ، وَلَهَا حَقُّ تَطْلِيقِ نَفْسِهَا عَلَى التَّرَاخِي وَذَلِكَ لأَِنَّهُ تَوْكِيلٌ يَعُمُّ الزَّمَانَ مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَيْدٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ قَال لَهَا " طَلِّقِي نَفْسَكِ " فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي، لأَِنَّهُ فَوَّضَهُ إِلَيْهَا فَأَشْبَهَ " أَمْرُكِ بِيَدِكِ ".
وَلَوْ قَال لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَكِ " فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْمَجْلِسِ، وَبِعَدَمِ الاِشْتِغَال بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ، وَلأَِنَّهُ خِيَارُ تَمْلِيكٍ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الْقَبُول. إِلاَّ أَنْ يَجْعَل لَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُول لَهَا " اخْتَارِي نَفْسَكِ يَوْمًا أَوْ أُسْبُوعًا أَوْ شَهْرًا " وَنَحْوَهُ فَتَمْلِكُهُ.
(ب) وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ التَّفْوِيضِ تَعُمُّ جَمِيعَ الأَْوْقَاتِ فَيَكُونُ لَهَا حَقُّ تَطْلِيقِ نَفْسِهَا مَتَى شَاءَتْ وَلاَ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ.
وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِعَدَمِ وَقْفِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِتُطَلِّقَ أَوْ تُسْقِطَ التَّمْلِيكَ، أَوْ يَكُونَ مِنْهَا مَا يَدُل عَلَى إِسْقَاطِهِ، كَأَنْ تُمَكِّنَهُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي حَالَةِ التَّفْوِيضِ حَتَّى تُجِيبَ بِمَا يَقْتَضِي رَدًّا أَوْ أَخْذًا، وَإِلاَّ لأََدَّى إِلَى الاِسْتِمْتَاعِ فِي عِصْمَةٍ مَشْكُوكٍ فِي بَقَائِهَا. وَهَذَا فِي تَفْوِيضِ التَّمْلِيكِ وَالتَّخْيِيرِ دُونَ التَّوْكِيل لِقُدْرَةِ الزَّوْجِ عَلَى عَزْلِهَا.
(ج) وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ التَّفْوِيضِ مُقَيَّدَةً بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ حَقُّ تَطْلِيقِ نَفْسِهَا إِلَى
стр. 7848
أَنْ يَنْتَهِيَ هَذَا الزَّمَنُ، وَلاَ يَبْطُل التَّفْوِيضُ الْمُؤَقَّتُ بِانْتِهَاءِ الْمَجْلِسِ وَلاَ بِالإِْعْرَاضِ عَنْهُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَسْتَمِرُّ مَا لَمْ تُوقَفْ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ يَكُنْ مِنْهَا مَا يَدُل عَلَى إِسْقَاطِهِ (١) .
عَدَدُ الطَّلَقَاتِ الْوَاقِعَةِ بِأَلْفَاظِ التَّفْوِيضِ وَنَوْعُهَا:
١٣ - فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ التَّفْوِيضِ بِصَرِيحِ الطَّلاَقِ وَكِنَايَتِهِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَتِ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا بِتَفْوِيضِ الزَّوْجِ لَهَا الطَّلاَقَ بِصَرِيحِهِ، فَإِنَّ طَلاَقَهَا يَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، إِلاَّ أَنْ يَجْعَل لَهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، كَقَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ مَا شِئْتِ.
وَإِنْ كَانَ التَّفْوِيضُ بِالْكِنَايَةِ كَقَوْلِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ أَوِ اخْتَارِي نَفْسَكِ، فَاخْتَارَتِ الزَّوْجَةُ الْفُرْقَةَ فَإِنَّهَا تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ بَيْنُونَةٌ صُغْرَى، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ الْكُبْرَى فَتُوقِعَهَا بِلَفْظِهَا أَوْ بِنِيَّتِهَا. وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُفِيدَ لِلْبَيْنُونَةِ إِذَا قُرِنَ بِالصَّرِيحِ صَارَ رَجْعِيًّا.
وَإِنَّمَا كَانَ الطَّلاَقُ بَائِنًا فِي التَّفْوِيضِ بِالْكِنَايَةِ دُونَ الصَّرِيحِ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ جَوَابُ الْكِنَايَةِ وَالْكِنَايَاتُ عَلَى أَصْلِهِمْ مُبِينَاتٌ، وَلأَِنَّ قَوْلَهُ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ جَعَل أَمْرَ نَفْسِهَا بِيَدِهَا، فَتَصِيرُ عِنْدَ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا مَالِكَةً نَفْسَهَا، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مَالِكَةً стр. 7849
نَفْسَهَا بِالْبَائِنِ لاَ بِالرَّجْعِيِّ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا الْقَوْل بِنَاءً عَلَى تَقْسِيمِهِمُ التَّفْوِيضَ إِلَى أَنْوَاعٍ ثَلاَثَةٍ. فَفِي تَفْوِيضِ التَّوْكِيل - لِلزَّوْجَةِ أَنْ تُوقِعَ مِنَ الطَّلَقَاتِ مَا وَكَّلَهَا بِهِ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْوِيضِ التَّمْلِيكِ، فَلَهَا أَنْ تُوقِعَ مِنَ الطَّلَقَاتِ مَا جُعِل بِيَدِهَا مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا فِيمَا زَادَ عَلَى الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ إِذَا أَطْلَقَ.
وَأَمَّا فِي تَفْوِيضِ التَّخْيِيرِ، فَيَقَعُ طَلاَقُهَا ثَلاَثًا إِنِ اخْتَارَتِ الْفِرَاقَ، فَإِنْ قَالَتِ اخْتَرْتُ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ أَنْ يُخَيِّرَهَا فِي طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ طَلْقَتَيْنِ خَاصَّةً فَتُوقِعُهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَفْوِيضَ الطَّلاَقِ لِلزَّوْجَةِ يَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، إِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ مَحَلًّا لِلرَّجْعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَقُول لَهَا: طَلِّقِي وَنَوَى ثَلاَثًا فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ، وَنَوَتْهُنَّ فَيَقَعُ ثَلاَثًا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلاَثًا فِي التَّوْكِيل وَالتَّمْلِيكِ، وَأَمَّا فِي الاِخْتِيَارِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إِلاَّ أَنْ يَجْعَل لَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، سَوَاءٌ جَعَلَهُ لَهَا بِلَفْظِهِ، أَوْ بِنِيَّتِهِ، وَتَقَعُ رَجْعِيَّةً (١) стр. 7850
ثَالِثًا: التَّفْوِيضُ فِي الْوِزَارَةِ:
أَنْوَاعُ الْوِزَارَةِ:
١٤ - يُقَسِّمُ الْفُقَهَاءُ الْوِزَارَةَ إِلَى ضَرْبَيْنِ: وِزَارَةِ تَفْوِيضٍ، وَوِزَارَةِ تَنْفِيذٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَى وِزَارَةِ التَّنْفِيذِ فِي (وِزَارَةٌ، وَتَنْفِيذٌ) .
تَعْرِيفُ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ:
١٥ - وِزَارَةُ التَّفْوِيضِ هِيَ أَنْ يَسْتَوْزِرَ الإِْمَامُ مَنْ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ تَدْبِيرَ الأُْمُورِ بِرَأْيِهِ وَإِمْضَاءَهَا عَلَى اجْتِهَادِهِ.
مَشْرُوعِيَّتُهَا:
١٦ - وِزَارَةُ التَّفْوِيضِ مَشْرُوعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى ﵇: ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (١) فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي النُّبُوَّةِ كَانَ فِي الإِْمَامَةِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ مَا وُكِّل إِلَى الإِْمَامِ مِنْ تَدْبِيرِ الأُْمَّةِ لاَ يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَةِ جَمِيعِهِ إِلاَّ بِاسْتِنَابَةٍ، وَنِيَابَةُ الْوَزِيرِ الْمُشَارِكِ لَهُ فِي التَّدْبِيرِ أَجْدَى فِي تَنْفِيذِ الأُْمُورِ مِنْ تَفَرُّدِهِ بِهَا، لِيَسْتَظْهِرَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَبِهَا يَكُونُ أَبْعَدَ مِنَ الزَّلَل وَأَمْنَعَ مِنَ الْخَلَل.
قَال الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى مَا مُفَادُهُ: (٢) يُشْتَرَطُ فِي لَفْظِ تَوْلِيَةِ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ اشْتِمَالُهُ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عُمُومُ النَّظَرِ،
وَالثَّانِي: стр. 7851
النِّيَابَةُ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى عُمُومِ النَّظَرِ دُونَ النِّيَابَةِ فَكَانَ بِوِلاَيَةِ الْعَهْدِ أَخَصَّ فَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ الْوِزَارَةُ، وَإِنِ اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى النِّيَابَةِ فَقَدْ أَبْهَمَ مَا اسْتَنَابَهُ فِيهِ مِنْ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ أَوْ تَنْفِيذٍ وَتَفْوِيضٍ فَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ الْوِزَارَةُ، وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا انْعَقَدَتْ وَتَمَّتْ.
شُرُوطُ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ:
١٧ - يُعْتَبَرُ فِي تَقْلِيدِ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ، شُرُوطُ الإِْمَامَةِ إِلاَّ النَّسَبُ وَحْدَهُ.
وَيُزَادُ عَلَى الإِْمَامَةِ شَرْطٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْكِفَايَةِ فِيمَا وُكِّل إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ وَالْخَرَاجِ خَبِيرًا بِهِمَا، فَإِنَّهُ مُبَاشِرٌ لَهُمَا تَارَةً بِنَفْسِهِ، وَتَارَةً يَسْتَنِيبُ فِيهِمَا. (١)
اخْتِصَاصَاتُ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ:
١٨ - لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ اخْتِصَاصَاتٌ وَاسِعَةٌ فَكُل مَا صَحَّ مِنَ الإِْمَامِ صَحَّ مِنْ هَذَا الْوَزِيرِ إِلاَّ ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ.
أَحَدُهَا: وِلاَيَةُ الْعَهْدِ فَإِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْهَدَ إِلَى مَنْ يَرَى وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَزِيرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَعْفِيَ الأُْمَّةَ مِنَ الإِْمَامَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَزِيرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْزِل مَنْ قَلَّدَهُ الْوَزِيرُ، وَلَيْسَ لِلْوَزِيرِ أَنْ يَعْزِل مَنْ قَلَّدَهُ الإِْمَامُ.
وَمَا سِوَى هَذِهِ الثَّلاَثَةِ فَحُكْمُ التَّفْوِيضِ يَقْتَضِي جَوَازَ فِعْلِهِ، فَإِنْ عَارَضَهُ الإِْمَامُ فِي رَدِّ стр. 7852
مَا أَمْضَاهُ، فَإِنْ كَانَ فِي حُكْمٍ نَفَذَ عَلَى وَجْهِهِ، أَوْ فِي مَالٍ وُضِعَ فِي حَقِّهِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُ مَا نَفَذَ بِاجْتِهَادِهِ مِنْ حُكْمٍ وَلاَ اسْتِرْجَاعِ مَا فَرَّقَ بِرَأْيِهِ مِنْ مَالٍ، فَإِنْ كَانَ فِي تَقْلِيدِ وَالٍ أَوْ تَجْهِيزِ جَيْشٍ وَتَدْبِيرِ حَرْبٍ جَازَ لِلإِْمَامِ مُعَارَضَتُهُ بِعَزْل الْمُوَلَّى وَالْعُدُول بِالْجَيْشِ إِلَى حَيْثُ يَرَى، وَتَدْبِيرِ الْحَرْبِ بِمَا هُوَ أَوْلَى، لأَِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَدْرِكَ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَال نَفْسِهِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْتَدْرِكَهُ مِنْ أَفْعَال وَزِيرِهِ. (١)
تَعَدُّدُ وُزَرَاءِ التَّفْوِيضِ:
١٩ - قَال الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى مَا مُفَادُهُ: (٢)
لاَ يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يُقَلِّدَ وَزِيرَيْ تَفْوِيضٍ عَلَى الاِجْتِمَاعِ لِعُمُومِ وِلاَيَتِهِمَا، كَمَا لاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ إِمَامَيْنِ لأَِنَّهُمَا رُبَّمَا تَعَارَضَا فِي الْعَقْدِ وَالْحَل، وَالتَّقْلِيدِ وَالْعَزْل.
فَإِنْ قَلَّدَ وَزِيرَيْ تَفْوِيضٍ لَمْ يَخْل حَال تَقْلِيدِهِ لَهُمَا مِنْ ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُفَوِّضَ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُمُومَ النَّظَرِ فَلاَ يَصِحُّ لِمَا ذُكِرَ، وَيُنْظَرُ فِي تَقْلِيدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَطَل تَقْلِيدُهُمَا مَعًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ صَحَّ تَقْلِيدُ السَّابِقِ وَبَطَل تَقْلِيدُ الْمَسْبُوقِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ، وَلاَ يَجْعَل إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ стр. 7853
بِهِ، فَهَذَا يَصِحُّ وَتَكُونُ الْوِزَارَةُ بَيْنَهُمَا لاَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَهُمَا تَنْفِيذُ مَا اتَّفَقَ رَأْيُهُمَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُمَا تَنْفِيذُ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى رَأْيِ الْخَلِيفَةِ وَخَارِجًا عَنْ نَظَرِ هَذَيْنِ الْوَزِيرَيْنِ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الْوَزَارَةُ قَاصِرَةً عَلَى وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى تَنْفِيذِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: زَوَال نَظَرِهِمَا عَمَّا اخْتَلَفَا فِيهِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يُشْرِكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ وَيُفْرِدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا لَيْسَ فِيهِ لِلآْخَرِ نَظَرٌ، وَهَذَا يَكُونُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَخُصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمَلٍ يَكُونُ فِيهِ عَامَّ النَّظَرِ خَاصَّ الْعَمَل، مِثْل أَنْ يَرُدَّ إِلَى أَحَدِهِمَا وِزَارَةَ بِلاَدِ الشَّرْقِ وَإِلَى الآْخَرِ وِزَارَةَ بِلاَدِ الْغَرْبِ. وَإِمَّا أَنْ يَخُصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَظَرٍ يَكُونُ فِيهِ عَامَّ الْعَمَل خَاصَّ النَّظَرِ، مِثْل أَنْ يَسْتَوْزِرَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْحَرْبِ وَالآْخَرَ عَلَى الْخَرَاجِ، فَيَصِحُّ التَّقْلِيدُ عَلَى كِلاَ الْوَجْهَيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لاَ يَكُونَانِ وَزِيرَيْ تَفْوِيضٍ وَيَكُونَانِ وَالِيَيْنِ عَلَى عَمَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لأَِنَّ وِزَارَةَ التَّفْوِيضِ مَا عَمَّتْ، وَنَفَذَ أَمْرُ الْوَزِيرَيْنِ بِهَا فِي كُل عَمَلٍ وَكُل نَظَرٍ، وَيَكُونُ تَقْلِيدُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُورًا عَلَى مَا خُصَّ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مُعَارَضَةُ الآْخَرِ فِي نَظَرِهِ وَعَمَلِهِ.
стр. 7854
تَقَابُضٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقَابُضُ: صِيغَةٌ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْقَبْضِ. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ وَتَنَاوُلُهُ بِالْيَدِ، وَيُقَال: قَبَضَ عَلَيْهِ بِيَدِهِ: ضَمَّ عَلَيْهِ أَصَابِعَهُ، وَقَبَضَ عَنْهُ يَدَهُ: امْتَنَعَ عَنْ إِمْسَاكِهِ. (١)
وَيُسْتَعْمَل الْقَبْضُ لِتَحْصِيل الشَّيْءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَخْذٌ بِالْكَفِّ، نَحْوُ قَبَضْتُ الدَّارَ وَالأَْرْضَ مِنْ فُلاَنٍ أَيْ: حُزْتُهُمَا. قَال تَعَالَى: ﴿وَالأَْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) أَيْ فِي حَوْزِهِ، حَيْثُ لاَ تُمْلَكُ لأَِحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُسْتَعْمَل الْقَبْضُ ضِدَّ الْبَسْطِ أَيْضًا.
وَالْقَبْضُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: حِيَازَةُ الشَّيْءِ وَالتَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهُ بِالْيَدِ أَمْ لَمْ يُمْكِنْ. (٣) стр. 7855
وَقَدْ غَلَبَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، التَّعْبِيرُ عَنِ الْقَبْضِ، بِالْحَوْزِ وَالْحِيَازَةِ. (١)
فَالتَّقَابُضُ أَنْ يَأْخُذَ كُلٌّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْعِوَضَ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّعَاطِي:
٢ - التَّعَاطِي صِيغَةٌ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ بِمَعْنَى حُصُول الإِْعْطَاءِ مِنْ طَرَفَيْنِ وَمِنْهُ التَّعَاطِي فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ إِعْطَاءُ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ، وَإِعْطَاءُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ دُونَ تَلَفُّظٍ بِإِيجَابٍ أَوْ قَبُولٍ. (٢)
ب - التَّخْلِيَةُ:
٣ - التَّخْلِيَةُ: مَصْدَرُ خَلَّى، وَمِنْ مَعَانِيهَا: التَّرْكُ، يُقَال: خَلَّيْتُ الشَّيْءَ وَتَخَلَّيْتُ عَنْهُ، وَمِنْهُ إِذَا تَرَكْتُهُ. (٣)
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: تَمْكِينُ الشَّخْصِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ دُونَ حَائِلٍ وَإِذَا مَكَّنَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ. (٤) стр. 7856
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْلِيَةِ وَالْقَبْضِ: أَنَّ الأَْوَّل مِنْ طَرَفِ الْمُعْطِي، وَالثَّانِي مِنْ طَرَفِ الْقَابِضِ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ قَبْل التَّفَرُّقِ مِنَ الْمَجْلِسِ فِي الصَّرْفِ، وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (٢) أَيْ مُقَابَضَةً.
وَإِذَا بِيعَ الْمَال الرِّبَوِيُّ بِجِنْسِهِ اشْتُرِطَ الْحُلُول وَالْمُمَاثَلَةُ وَالتَّقَابُضُ قَبْل التَّفَرُّقِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ جَازَ التَّفَاضُل، وَاشْتُرِطَ الْحُلُول وَالتَّقَابُضُ قَبْل التَّفَرُّقِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ إِلاَّ إِنِ اتَّحَدَتْ عِلَّةُ الرِّبَا فِي الْعِوَضَيْنِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ. (٣)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ стр. 7857
قَبْل التَّفَرُّقِ إِلاَّ فِي الصَّرْفِ، أَمَّا فِي غَيْرِهِ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ فَيَمْتَنِعُ النَّسَاءُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّقَابُضُ. بَل يُكْتَفَى فِيهَا بِالتَّعْيِينِ، لأَِنَّ الْبَدَل فِي غَيْرِ الصَّرْفِ يَتَعَيَّنُ بِمُجَرَّدِ التَّعْيِينِ قَبْل الْقَبْضِ وَيَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ، بِخِلاَفِ الْبَدَل فِي الصَّرْفِ، لأَِنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي تَعْيِينِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنُ بِدُونِ الْقَبْضِ، إِذِ الأَْثْمَانُ لاَ تَتَعَيَّنُ مَمْلُوكَةً إِلاَّ بِهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ تَبْدِيلُهَا. (١)
٥ - وَالتَّقَابُضُ الْمُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ. هُوَ مَا كَانَ قَبْل الاِفْتِرَاقِ بِالأَْبْدَانِ.
وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ أَيْضًا مِنْ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الأَْثْمَانِ، الثَّمَنَ (٢) فِي عَقْدِ الصَّرْفِ لاِشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ.
وَإِنَّمَا جَازَ التَّصَرُّفُ فِي الأَْثْمَانِ عَدَا الصَّرْفَ لأَِنَّهَا دُيُونٌ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْل الْقَبْضِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (مِثْل الْمَهْرِ، وَالأُْجْرَةِ، وَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ وَغَيْرِهَا) لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كُنْتُ أَبِيعُ الإِْبِل بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، стр. 7858
فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ، إِنِّي أَبِيعُ الإِْبِل بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ. (١)
وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ جَوَازَ التَّصَرُّفِ فِي الأَْثْمَانِ، وَاسْتَثْنَوُا الصَّرْفَ وَالسَّلَمَ، وَقَالُوا: لاَ يَجُوزُ فِيهِمَا التَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ قَبْل الْقَبْضِ
أَمَّا الصَّرْفُ فَلأََنْ كُلًّا مِنْ بَدَلَيِ الصَّرْفِ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ وَثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ، فَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَبِيعًا لاَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل الْقَبْضِ، وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ ثَمَنًا أَيْضًا لاَ يَصِحُّ لاِشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ فِي الصَّرْفِ، وَلِقَوْل عُمَرَ ﵁: وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ أَنْ يَدْخُل بَيْتَهُ فَلاَ تُنْظِرْهُ (٢) .
وَأَمَّا السَّلَمُ: فَالْمُسْلَمُ فِيهِ لاَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، لأَِنَّهُ مَبِيعٌ، وَرَأْسُ الْمَال (الثَّمَنُ) أُلْحِقَ بِالْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فِي حُرْمَةِ الاِسْتِبْدَال شَرْعًا (٣) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل (فِي الصَّرْفِ، وَالرِّبَا، وَالسَّلَمِ) .
٢ стр. 7859
تَقَادُمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقَادُمُ لُغَةً: مَصْدَرُ تَقَادَمَ يُقَال: تَقَادَمَ الشَّيْءُ أَيْ: صَارَ قَدِيمًا. (١) وَقَدْ عَبَّرَتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةُ عَنِ التَّقَادُمِ بِمُرُورِ الزَّمَانِ. (٢) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ فِي الْجُمْلَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
التَّقَادُمُ الْمَانِعُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى:
٢ - لِوَلِيِّ الأَْمْرِ مَنْعُ الْقُضَاةِ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى فِي أَحْوَالٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْعُ سَمَاعِ الدَّعْوَى فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ بَعْدَ مُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَمَعَ أَنَّ الْحَقَّ لاَ يَسْقُطُ بِتَقَادُمِ الزَّمَانِ، إِلاَّ أَنَّ وَجْهَ هَذَا الْمَنْعِ هُوَ تَلاَفِي التَّزْوِيرِ وَالتَّحَايُل؛ لأَِنَّ تَرْكَ الدَّعْوَى زَمَانًا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إِقَامَتِهَا، يَدُل عَلَى عَدَمِ الْحَقِّ ظَاهِرًا.
وَعَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى سُقُوطِ الْحَقِّ فِي ذَاتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ مَنْعِ стр. 7860
الْقُضَاةِ عَنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى مَعَ بَقَاءِ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ يَلْزَمُهُ، وَلَوْ كَانَ التَّقَادُمُ مُسْقِطًا لِلْحَقِّ لَمْ يَلْزَمْهُ
مُدَّةُ التَّقَادُمِ الْمَانِعِ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى:
٣ - فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ مُخْتَلِفُونَ فِي تَعْيِينِ الْمُدَّةِ الَّتِي لاَ تُسْمَعُ بَعْدَهَا الدَّعْوَى فِي الْوَقْفِ وَمَال الْيَتِيمِ وَالْغَائِبِ وَالإِْرْثِ، فَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ سِتًّا وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَبَعْضُهُمْ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَبَعْضُهُمْ ثَلاَثِينَ فَقَطْ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَدُ طَوِيلَةً اسْتَحْسَنَ أَحَدُ السَّلاَطِينِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ جَعْلَهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَطْ، وَحَيْثُ كَانَ الْقَضَاءُ يَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْخُصُومَةِ، وَيَقْبَل التَّقْيِيدَ وَالتَّعْلِيقَ، فَقَدْ نُهِيَ قُضَاةُ ذَلِكَ السُّلْطَانِ عَنْ سَمَاعِ دَعْوَى تَرَكَهَا الْمُدَّعِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِلاَ عُذْرٍ، لَكِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمَنْعِ بَعْضَ مَسَائِل، وَعَلَى هَذَا النَّهْيِ اسْتَقَرَّ خُلَفَاؤُهُ فِي الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ يَظْهَرُ أَنَّ التَّقَادُمَ بِمُرُورِ الزَّمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ، نَصَّ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ.
وَالثَّانِي: أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ يَجِبُ عَلَى الْقُضَاةِ فِي زَمَنِهِ اتِّبَاعُهُ، لأَِنَّهُمْ بِمُقْتَضَاهُ مَعْزُولُونَ عَنْ سَمَاعِ دَعْوَى مَضَى عَلَيْهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِدُونِ عُذْرٍ، وَالْقَاضِي وَكِيلٌ عَنِ السُّلْطَانِ، وَالْوَكِيل
стр. 7861
يَسْتَمِدُّ التَّصَرُّفَ مِنْ مُوَكِّلِهِ، فَإِذَا خَصَّصَ لَهُ تَخَصَّصَ، وَإِذَا عَمَّمَ تَعَمَّمَ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَدْ فَرَّقَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأَْمْرَيْنِ بِأَنَّ مَنْعَ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَبْنِيٌّ عَلَى النَّهْيِ السُّلْطَانِيِّ، فَمَنْ نَهَى عَنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِسَمَاعِهَا، وَأَمَّا عَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ ثَلاَثِينَ سَنَةً فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ الْفُقَهَاءِ، فَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنْقُضَهُ، لأَِنَّ أَمْرَ السُّلْطَانِ إِنَّمَا يَنْفُذُ إِذَا وَافَقَ الشَّرْعَ وَإِلاَّ فَلاَ.
وَدَعَاوَى الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ وَالْمِيرَاثِ وَمَا لاَ يَعُودُ مِنَ الدَّعَاوَى إِلَى الْعَامَّةِ وَلاَ إِلَى أَصْل الْوَقْفِ فِي الْعَقَارَاتِ الْمَوْقُوفَةِ بَعْدَ أَنْ تُرِكَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِلاَ عُذْرٍ لاَ تُسْمَعُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى تَعُودُ إِلَى أَصْل الْوَقْفِ فَتُسْمَعُ، وَلَوْ تُرِكَتِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ بِلاَ عُذْرٍ.
٤ - وَمُدَّةُ الْمَنْعِ مَعَ سَمَاعِ الدَّعْوَى تُحْسَبُ بِالتَّارِيخِ الْقَمَرِيِّ (الْهِجْرِيِّ) كَمَا قَرَّرَتْ ذَلِكَ جَمْعِيَّةُ الْمَجَلَّةِ اتِّبَاعًا لِلْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ إِلاَّ إِذَا اتُّفِقَ عَلَى خِلاَفِهِ وَعَيَّنَا تَارِيخًا شَمْسِيًّا، وَالْمَنْعُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى إِنَّمَا هُوَ لِلْقُضَاةِ، أَمَّا الْمُحَكَّمُونَ فَلاَ يَشْمَلُهُمُ النَّهْيُ، فَلَوْ حَكَّمَ اثْنَانِ شَخْصًا فِي نِزَاعٍ مَضَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَوْ بِلاَ عُذْرٍ فَإِنَّ الْمُحَكَّمَ يَسَعُهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا وَلاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي النِّزَاعِ.
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّزَاعِ فِي أَصْل الْوَقْفِ (وَهُوَ
стр. 7862
كُل مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْوَقْفِ) فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ حَتَّى سِتٍّ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّزَاعِ فِي غَيْرِ أَصْل الْوَقْفِ كَأُجْرَةِ النَّاظِرِ وَاَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْوَقْفِ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ حَتَّى خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَطْ. (١)
الأَْعْذَارُ الْمُبِيحَةُ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً:
٥ - أَوْرَدَتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ مِنَ الأَْعْذَارِ الَّتِي يُبَاحُ مَعَهَا سَمَاعُ الدَّعْوَى بَعْدَ مُدَّةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، الصِّغَرُ، وَالْجُنُونُ، وَالْغَيْبَةُ عَنِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ مَوْضُوعُ النِّزَاعِ مُدَّةَ السَّفَرِ، أَوْ كَوْنُ خَصْمِهِ مِنَ الْمُتَغَلِّبَةِ، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيلُهَا:
١ - الصِّغَرُ: إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ صَغِيرًا وَسَكَتَ عَنِ الدَّعْوَى الْمُدَّةَ الْمُقَرَّرَةَ فَإِنَّ الْمُدَّةَ تُحْسَبُ عَلَيْهِ مِنْ تَارِيخِ بُلُوغِهِ رَشِيدًا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ أَوْ وَصِيٌّ بِاتِّفَاقٍ، وَمَعَ الْخِلاَفِ فِي حَال وُجُودِ الْوَلِيِّ أَوِ الْوَصِيِّ، وَرَجَّحَتْ لَجْنَةُ الْمَجَلَّةِ الإِْطْلاَقَ لِمَصْلَحَةِ الصَّغِيرِ، وَمَنْ فِي حُكْمِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وَصِيٌّ. (٢)
وَمِثْل ذَلِكَ الْمَجْنُونُ، فَإِنَّ الْمُدَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِلاَّ مِنْ تَارِيخِ إِفَاقَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَعْتُوهُ، فَإِنَّ الْمُدَّةَ تُحْسَبُ مِنْ تَارِيخِ زَوَال الْعَتَهِ. стр. 7863
٢ - غَيْبَةُ صَاحِبِ الْحَقِّ عَنِ الْبَلَدِ مُدَّةَ السَّفَرِ وَهِيَ مُدَّةُ الْقَصْرِ.
٣ - إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الْمُتَغَلِّبَةِ بِأَنْ كَانَ أَمِيرًا جَائِرًا مَثَلاً فَذَلِكَ عُذْرٌ يُبِيحُ لِلْمُدَّعِي السُّكُوتَ عَنْ رَفْعِ الدَّعْوَى، وَلاَ تَبْتَدِئُ الْمُدَّةُ حَتَّى يَزُول الْجَوْرُ وَلَوْ طَال الزَّمَنُ. (١)
مَتَى تَبْتَدِئُ الْمُطَالَبَةُ بِالْحَقِّ ؟
٦ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا جَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ مُرُورُ الزَّمَانِ مِنْ تَارِيخِ ثُبُوتِ الْحَقِّ لِلْمُدَّعِي بِإِقَامَةِ الدَّعْوَى بِالْمُدَّعَى بِهِ، فَمُرُورُ الزَّمَانِ فِي دَعْوَى دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ إِنَّمَا يَبْتَدِئُ مِنْ تَارِيخِ حُلُول الأَْجَل لأَِنَّهُ قَبْل حُلُولِهِ لاَ يَمْلِكُ الْمُدَّعِي الدَّعْوَى وَالْمُطَالَبَةَ بِذَلِكَ الدَّيْنِ، فَمَثَلاً لَوِ ادَّعَى وَاحِدٌ عَلَى آخَرَ فَقَال: لِي عَلَيْكَ كَذَا دَرَاهِمَ مِنْ ثَمَنِ الشَّيْءِ الَّذِي بِعْتُهُ لَكَ قَبْل خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مُؤَجَّلاً ثَمَنُهُ لِثَلاَثِ سِنِينَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لأَِنَّهُ يَكُونُ قَدْ مَرَّ اعْتِبَارًا مِنْ حُلُول الأَْجَل اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً لاَ غَيْرُ، وَمَثَلاً لَوْ وَقَفَ وَاقِفٌ وَقْفَهُ وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ الاِسْتِحْقَاقُ لِذُرِّيَّتِهِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنَ الْبَطْنِ الثَّانِي إِلاَّ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْبَطْنِ الأَْوَّل، فَلَوْ وَقَفَ رَجُلٌ عَقَارًا وَشَرَطَ وِلاَيَتَهُ وَغَلَّتَهُ لأَِوْلاَدِهِ ثُمَّ لأَِحْفَادِهِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَقَامَ أَحَدُ أَوْلاَدِهِ لِصُلْبِهِ " أَيْ مِنَ الْبَطْنِ стр. 7864
الأَْوَّل " وَبَاعَ ذَلِكَ الْعَقَارَ لآِخَرَ وَظَل الآْخَرُ مُتَصَرِّفًا فِيهِ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَبَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ تُوُفِّيَ الْبَائِعُ فَقَامَ أَحَدُ أَبْنَائِهِ يَدَّعِي ذَلِكَ الْعَقَارَ عَلَى الْمُشْتَرِي اسْتِنَادًا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلاَ يَمْنَعُهُ مُضِيُّ هَذِهِ الْمُدَّةِ، لأَِنَّ حَقَّ إِقَامَةِ الدَّعْوَى لاَ يَثْبُتُ لِلْحَفِيدِ إِلاَّ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ بِمُقْتَضَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، فَلاَ يَبْتَدِئُ مُرُورُ الزَّمَانِ بِالنِّسْبَةِ لِحَقِّهِ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ وَفَاةِ أَبِيهِ.
وَمِثْل ذَلِكَ لَوْ وَقَفَ وَاقِفٌ عَقَارًا وَشَرَطَ غَلَّتَهُ لأَِوْلاَدِهِ الذُّكُورِ وَبَعْدَ انْقِطَاعِهِمْ عَلَى بَنَاتِهِ، فَبَاعَ أَوْلاَدُهُ الذُّكُورُ، ذَلِكَ الْعَقَارَ لِرَجُلٍ وَسَلَّمُوهُ إِيَّاهُ وَبَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً مَثَلاً انْقَطَعَتْ ذُرِّيَّةُ الْوَاقِفِ الذُّكُورِ فَقَامَتْ بَنَاتُهُ يَدَّعِينَ ذَلِكَ الْعَقَارَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِحُكْمِ الْوَقْفِ، تُسْمَعُ دَعْوَاهُنَّ وَلاَ يَمْنَعُ مُرُورُ هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنْ سَمَاعِ دَعْوَاهُنَّ، لأَِنَّ حَقَّ إِقَامَةِ الدَّعْوَى لَمْ يَثْبُتْ لَهُنَّ إِلاَّ بَعْدَ انْقِطَاعِ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ الذُّكُورِ.
وَيَبْتَدِئُ مُرُورُ الزَّمَانِ بِالنِّسْبَةِ لِمُؤَجَّل الصَّدَاقِ مِنْ وَقْتِ الطَّلاَقِ أَوْ مِنْ تَارِيخِ مَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، لأَِنَّ الصَّدَاقَ الْمُؤَجَّل لاَ يَصِيرُ مُعَجَّلاً إِلاَّ مِنْ تَارِيخِ الطَّلاَقِ الْبَائِنِ أَوِ الْوَفَاةِ.
٧ - وَتَبْتَدِئُ مُطَالَبَةُ الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ مِنْ تَارِيخِ زَوَال الإِْفْلاَسِ كَأَنْ كَانَ لِدَائِنٍ عَلَى مَدِينٍ مَبْلَغٌ مِنَ الْمَال مَثَلاً وَكَانَ الْمَدِينُ مُفْلِسًا مُدَّةَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ مَثَلاً فَإِنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ لاَ تَدْخُل فِي الزَّمَنِ وَتَبْتَدِئُ مُدَّةُ الْمُطَالَبَةِ مِنْ تَارِيخِ يَسَارِ الْمُفْلِسِ لأَِنَّ
стр. 7865
تَرْكَ الدَّعْوَى بِسَبَبِ إِفْلاَسِ الْمَدِينِ كَانَ بِعُذْرٍ إِذْ لاَ يَتَأَتَّى لَهُ إِقَامَةُ الدَّعْوَى مَا دَامَ الْمَدِينُ مُفْلِسًا.
وَنَصَّتِ الْمَادَّةُ (١٦٦٩) مِنَ الْمَجَلَّةِ عَلَى أَنَّهُ " إِذَا تَرَكَ وَاحِدٌ دَعْوَاهُ بِلاَ عُذْرٍ وَمَرَّ عَلَيْهَا الزَّمَانُ عَلَى مَا ذُكِرَ آنِفًا فَكَمَا لاَ تُسْمَعُ تِلْكَ الدَّعْوَى فِي حَيَاتِهِ لاَ تُسْمَعُ أَيْضًا مِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ ". وَجَاءَ فِي شَرْحِهَا: وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَارِثَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، فَمَا يَمْنَعُ سَمَاعَ دَعْوَى الْمُوَرِّثِ يَمْنَعُ سَمَاعَ دَعْوَى الْوَارِثِ. وَلَكِنَّ هَذَا إِذَا ادَّعَى الْوَارِثُ ذَلِكَ الْمِلْكَ بِالإِْرْثِ عَنْ مُوَرِّثِهِ، أَمَّا لَوِ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلاَ يَكُونُ تَرْكُ مُوَرِّثِهِ لِلدَّعْوَى مَانِعًا مِنْ سَمَاعِ دَعْوَاهُ، لأَِنَّهُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ لاَ يَدَّعِي تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ مُوَرِّثِهِ فَلاَ يَكُونُ قَائِمًا مَقَامَهُ، فَمَثَلاً لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ بِعَقَارٍ لاِبْنِ زَيْدٍ الْقَاصِرِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَامَ ابْنُ زَيْدٍ الَّذِي بَلَغَ رَشِيدًا وَادَّعَى ذَلِكَ الْعَقَارَ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْوَصِيَّةِ عَلَى وَارِثِ الْمُوصِي تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلاَ يَمْنَعُهُ مِنْهَا تَرْكُ أَبِيهِ ذَلِكَ الْعَقَارَ فِي يَدِ وَارِثِ الْمُوصِي لأَِنَّهُ هَاهُنَا لاَ يَدَّعِي الْمِلْكَ بِسَبَبِ الإِْرْثِ عَنْ أَبِيهِ بَل بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُوصِي قَدْ تَرَكَ الدَّعْوَى بِهَذَا الْعَقَارِ وَهُوَ فِي يَدِ آخَرَ مُدَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً لاَ تُسْمَعُ بِهِ دَعْوَى الْمُوصَى لَهُ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي فَمَا مُنِعَ عَنْهُ الْمُوصِي مُنِعَ عَنْهُ الْمُوصَى لَهُ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، وَمِثْل الْوَصِيَّةِ بِهَذَا الْمَعْنَى الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْهِبَةُ.
стр. 7866
وَإِذَا تَرَكَ الْمُوَرِّثُ الدَّعْوَى مُدَّةً وَتَرَكَهَا الْوَارِثُ مُدَّةً أُخْرَى وَبَلَغَ مَجْمُوعُ الْمُدَّتَيْنِ حَدَّ مُرُورِ الزَّمَانِ فَلاَ تُسْمَعُ تِلْكَ الدَّعْوَى، لأَِنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْوَارِثُ قَائِمًا مَقَامَ الْمُوَرِّثِ كَانَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ حُكْمًا، فَلَوْ تَرَكَ الْمُوَرِّثُ الدَّعْوَى ثَمَانِيَ سِنِينَ مَثَلاً وَتَرَكَهَا الْوَارِثُ سَبْعَ سِنِينَ صَارَ كَأَنَّ الْوَارِثَ تَرَكَ الدَّعْوَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَمِثْل الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي كَالْمُوصِي وَالْمُوصَى لَهُ، فَلَوْ كَانَ وَاحِدٌ مُتَصَرِّفًا فِي عَرْصَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِدَارٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَصَاحِبُ الدَّارِ سَاكِتٌ، ثُمَّ أَوْصَى صَاحِبُ الدَّارِ بِدَارِهِ هَذِهِ إِلَى رَجُلٍ، فَقَامَ الْمُوصَى لَهُ يَدَّعِي أَنَّ الْعَرْصَةَ طَرِيقٌ خَاصٌّ لِلدَّارِ الْمُوصَى لَهُ بِهَا لاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ.
وَإِذَا مَاتَ أَحَدٌ وَفِي وَرَثَتِهِ بَالِغٌ وَقَاصِرٌ، فَإِنَّ الْبَالِغَ إِذَا تَرَكَ الدَّعْوَى الْمُدَّةَ الْمُقَرَّرَةَ بِلاَ عُذْرٍ فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَأَمَّا الْقَاصِرُ فَلاَ يُحْسَبُ عَلَيْهِ مُرُورُ الزَّمَانِ إِلاَّ مِنْ تَارِيخِ بُلُوغِهِ رَشِيدًا، مَعَ مُلاَحَظَةِ الْخِلاَفِ السَّابِقِ فِي وُجُودِ الْوَصِيِّ وَعَدَمِهِ.
٨ - وَكُل مَا تَقَدَّمَ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى لِمُرُورِ الزَّمَانِ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ إِنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِذَا اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ لِلْمُدَّعِي تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُدَّعِي مَهْمَا طَال الزَّمَانُ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الإِْنْكَارِ إِنَّمَا هُوَ عَدَمُ الإِْنْكَارِ أَمَامَ الْقَاضِي فَلاَ يُعْتَبَرُ عَدَمُ الإِْنْكَارِ خَارِجَ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَلاَ يَصِحُّ الاِحْتِجَاجُ بِهِ لِوُجُودِ شُبْهَةِ التَّزْوِيرِ، وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَنْعُ مِنْ سَمَاعِ أَصْل الدَّعْوَى
стр. 7867
فَفَرْعُهَا وَهُوَ ادِّعَاءُ الإِْقْرَارِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ السَّمَاعِ لأَِنَّ النَّهْيَ يَشْمَلُهَا، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ الإِْقْرَارُ الْمُدَّعَى بِهِ قَدْ أُيِّدَ بِسَنَدٍ جَاءَ بِخَطِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ خَتْمِهِ الْمَعْرُوفَيْنِ وَلَمْ تَمُرَّ مُدَّةُ التَّقَادُمِ مِنْ تَارِيخِ السَّنَدِ إِلَى وَقْتِ رَفْعِ الدَّعْوَى فَعِنْدَ ذَلِكَ تُسْمَعُ دَعْوَى الإِْقْرَارِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَالأَْحْكَامُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْخَاصَّةُ بِمُرُورِ الزَّمَانِ إِنَّمَا هِيَ لِلْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالإِْقْرَارِ، أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأُْمُورِ الْعَامَّةِ كَالطَّرِيقِ وَنَحْوِهَا فَلاَ تَسْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ مُرُورِ الزَّمَانِ، فَتُسْمَعُ وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ، وَمَا تَقَدَّمَ هُوَ خُلاَصَةُ أَحْكَامِ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمُرُورِ الزَّمَانِ.
٩ - أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُعَبِّرُونَ عَنْ مُرُورِ الزَّمَانِ بِالْحَوْزِ وَالْحِيَازَةِ وَعِنْدَهُمْ أَنَّ هُنَاكَ دَعَاوَى لاَ تُسْمَعُ مُطْلَقًا، وَهِيَ الدَّعَاوَى الَّتِي تُوجِبُ مَعَرَّةً كَالدَّعَاوَى الَّتِي تُرْفَعُ عَلَى مَنْ عُرِفَ بِالاِسْتِقَامَةِ وَالشَّرَفِ فِي الْمُعَامَلَةِ كَأَنْ يَدَّعِي شَخْصٌ مَعْرُوفٌ بِالْفَقْرِ وَالتَّجَنِّي عَلَى النَّاسِ عَلَى شَخْصٍ يُطَالِبُهُ بِعَقَارٍ فِي يَدِهِ.
وَالْحِيَازَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ:
١ - حِيَازَةٌ مَعَ جَهْل أَصْل الْمِلْكِ لِمَنْ هُوَ؟ .
٢ - حِيَازَةٌ مَعَ عِلْمِ أَصْل الْمِلْكِ لِمَنْ هُوَ؟ .
فَالأُْولَى تَكْفِي فِيهَا الْحِيَازَةُ الْمَانِعَةُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى لِمُدَّةِ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَحُوزُ عَقَارًا أَمْ غَيْرَهُ.
وَالثَّانِيَةُ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ عَشْرِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ فِي
стр. 7868
الْعَقَارِ، أَوْ عَامَيْنِ فِي الدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا، وَيُشْتَرَطُ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى فِي كُلٍّ مِنَ الْحِيَازَتَيْنِ أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِذِكْرِ الْيَدِ، وَتَصَرُّفُ الْحَائِزِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، وَالنِّسْبَةُ، وَعَدَمُ الْمُنَازَعِ، وَطُول الْمُدَّةِ عَشْرَةُ أَشْهُرٍ فِي الأُْولَى وَعَشَرُ سِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ، وَعَدَمُ عِلْمِهِمْ بِمَا يُفَوِّتُ عَلَى الْمَالِكِ الأَْصْلِيِّ حَقَّهُ فِي اسْتِرْجَاعِ مِلْكِهِ، فَلاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ مَعَ فَقْدِ هَذِهِ الأُْمُورِ أَوْ صِيغَةِ الشَّهَادَةِ الَّتِي تُثْبِتُ الْمِلْكَ لِلْمُدَّعِي، وَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الشَّاهِدِ ذِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ.
١٠ - وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ يُسْأَل عَنْ مَصْدَرِ حِيَازَتِهِ فَلاَ يُقَال لَهُ: كَيْفَ حُزْتَ مَا تَضَعُ يَدَكَ عَلَيْهِ؟ خِلاَفًا لاِبْنِ رُشْدٍ، فَإِنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ سُؤَال الْحَائِزِ عَنْ مَصْدَرِ حِيَازَتِهِ، هَل هُوَ الْمِيرَاثُ مَثَلاً أَوِ الشِّرَاءُ أَوِ الْهِبَةُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ وَلاَ بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ، فَأَمَّا مُجَرَّدُ دَعْوَى الْمِلْكِ دُونَ أَنْ يَدَّعِيَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَلاَ يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ الْحِيَازَةِ إِذَا ثَبَتَ أَصْل الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ. (١)
وَرَأَى ابْنُ رُشْدٍ خِلاَفَ رَأْيِ الْجُمْهُورِ، وَرَأْيُ الْجُمْهُورِ هُوَ الْمَعْمُول بِهِ، اللَّهُمَّ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْحَائِزُ مَعْرُوفًا بِالتَّسَلُّطِ وَالْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي، فَلاَ بُدَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يُبَيِّنَ بِأَيِّ وَجْهٍ صَارَ إِلَيْهِ وَلاَ يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ اشْتَرَيْتُهُ مِنَ الْقَائِمِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ وَرَثَتِهِ بَل لاَ بُدَّ стр. 7869
مِنْ إِثْبَاتِهِ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ فَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ بِيَدِهِ بِمَا يَقُولُهُ أَهْل الْمَعْرِفَةِ.
وَإِنْ عُرِفَ أَنَّ حِيَازَتَهُ كَانَتْ بِبَاطِلٍ لَمْ يَنْفَعْهُ طُول الْحِيَازَةِ وَإِنِ ادَّعَى شِرَاءَهُ، إِلاَّ أَنْ يَطُول ذَلِكَ نَحْوَ الْخَمْسِينَ سَنَةً وَنَحْوَهَا وَالْقَائِمُ حَاضِرٌ لاَ يُغَيِّرُ وَلاَ يَدَّعِي شَيْئًا، وَالْمُعَوَّل عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْحَائِزَ إِذَا حَازَ الْعَقَارَ مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ مَعَ وُجُودِ الْمُدَّعِي وَسُكُوتِهِ بِلاَ عُذْرٍ فَإِنَّ مُضِيَّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ يَمْنَعُ سَمَاعَ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَمَا قَارَبَ عَشْرَ سِنِينَ يَأْخُذُ حُكْمَ الْعَشْرِ فَإِذَا نَقَصَتْ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَخَذَتْ حُكْمَ الْعَشْرِ، وَأَمَّا إِذَا قَامَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْحَائِزِ أَمَامَ الْقَضَاءِ أَوْ غَيْرِهِ كَالْمُحَكِّمِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ الْمُدَّةَ، وَفِي غَيْرِ الْعَقَارِ يَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ مُضِيُّ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَهُنَاكَ خِلاَفَاتٌ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَالتَّخَاصُمُ يَقْطَعُ مُضِيَّ الْمُدَّةِ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ تَكْرَارَ التَّخَاصُمِ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ عَنْ سَحْنُونٍ، وَإِذَا سَكَتَ بَعْدَ الْمُنَازَعَةِ عَشْرَ سِنِينَ فَإِنَّ سُكُوتَهُ يَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ دَعْوَاهُ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا سَكَتَ الْمُدَّعِي عَنْ مُخَاصَمَةِ الْحَائِزِ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ رَفَعَ الْمُدَّعِي أَمْرَهُ لِيَقْضِيَ لَهُ وَعَلَّل سُكُوتَهُ بِأَنَّ بَيِّنَتَهُ كَانَتْ غَائِبَةً ثُمَّ جَاءَتْ، فَقِيل: يُقْبَل عُذْرُهُ وَقِيل: لاَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَال: كُنْتُ فَاقِدًا مُسْتَنَدِي ثُمَّ وَجَدْتُهُ، وَكَذَلِكَ جَهْل الْحُكْمِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ جَهْلَهُ أَنَّ الْحِيَازَةُ تَمَلُّكُ الْحَائِزِ لَيْسَ عُذْرًا وَسُكُوتُ
стр. 7870
الْمُوَرِّثِ ثُمَّ الْوَارِثِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ يَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى لأَِنَّهُمَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَقِيل تُحْسَبُ مُدَّةُ الْمُوَرِّثِ وَحْدَهَا وَمُدَّةُ الْوَارِثِ وَحْدَهَا فَلاَ يُجْمَعَانِ مَعًا. (١)
١١ - وَنَفَقَةُ غَيْرِ الزَّوْجَةِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلاَ تَصِيرُ بِفَوْتِهَا دَيْنًا فِي ذِمَّةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِاقْتِرَاضِ قَاضٍ بِنَفْسِهِ أَوْ مَأْذُونِهِ لِغَيْبَةٍ أَوْ مَنْعٍ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَصِيرُ دَيْنًا عَلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ احْتِيَاجُ الْفَرْعِ وَغِنَى الأَْصْل مَثَلاً.
أَمَّا نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ فَلاَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ بَل تَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفَقَةِ هُنَا مَا سِوَى الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ، لأَِنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ لِلاِسْتِمْتَاعِ وَالتَّمْكِينِ، وَكَذَلِكَ الْمَهْرُ بَعْدَ الدُّخُول فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ، بَل يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ وَيُسْتَحَقُّ بِالْمَوْتِ أَوِ الطَّلاَقِ الْبَائِنِ وَيَصِيرُ مَأْمُونًا مِنْ سُقُوطِهِ. (٢)
١٢ - وَيُبَيِّنُ أَيْضًا مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ يَكَادُونَ يَتَّفِقُونَ عَلَى إِبَاحَةِ سَمَاعِ الدَّعْوَى لِلأَْعْذَارِ، وَهِيَ عَلَى الْجُمْلَةِ الصِّغَرُ وَالْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ وَالْجُنُونُ وَالْعَتَهُ وَكُل عُذْرٍ يَمْنَعُ الْمُدَّعِيَ مِنْ رَفْعِ الدَّعْوَى كَأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَا سَطْوَةٍ وَيُخَافُ مِنْهُ - عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمِ. стр. 7871
التَّقَادُمُ فِي الْحُدُودِ:
أ - تَقَادُمُ الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ:
١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الزِّنَى وَالْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ تُقْبَل وَلَوْ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانٍ طَوِيلٍ مِنَ الْوَاقِعَةِ لِعُمُومِ آيَةِ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَى، وَلأَِنَّهُ حَقٌّ لَمْ يَثْبُتْ مَا يُبْطِلُهُ، وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا صَارَتْ حُجَّةً بِاعْتِبَارِ وَصْفِ الصِّدْقِ، وَتَقَادُمُ الْعَهْدِ لاَ يُخِل بِالصِّدْقِ فَلاَ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً كَالإِْقْرَارِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ. (١)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: التَّقَادُمُ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى يَمْنَعُ قَبُول الشَّهَادَةِ إِلاَّ إِذَا كَانَ التَّأْخِيرُ لِعُذْرٍ كَبُعْدِ الْمَسَافَةِ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَحَدُّ الزِّنَى وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَصِحَّ رُجُوعُ الْمُقَرِّ عَنْهَا فَيَكُونُ التَّقَادُمُ فِيهَا مَانِعًا. وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَالتَّقَادُمُ فِيهِ لاَ يَمْنَعُ قَبُول الشَّهَادَةِ، لأَِنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ الْعَارِ عَنْهُ، وَلِهَذَا تُقْبَل دَعْوَاهُ، وَلاَ يَصِحُّ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إِقْرَارِهِ فِيهِ، وَلأَِنَّ الدَّعْوَى فِيهِ شَرْطٌ، فَلاَ يُتَّهَمُ الشُّهُودُ فِي ذَلِكَ، وَنَقَل ابْنُ الْهُمَامِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: رَدَّ الشَّهَادَةِ وَالإِْقْرَارِ فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ الْقَدِيمَةِ. (٢) стр. 7872
ب - تَقَادُمُ الإِْقْرَارِ:
١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّقَادُمَ فِي الإِْقْرَارِ لاَ أَثَرَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ لِتِلْكَ الْحُدُودِ مَا عَدَا حَدَّ الشُّرْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقْبَل الإِْقْرَارُ بِالزِّنَى وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ. (١)
تَقَاصٌّ
انْظُرْ: مُقَاصَّةٌ
تَقَاضِي
انْظُرْ: قَضَاءٌ
تَقَايُلٌ
انْظُرْ: إِقَالَةٌ стр. 7873
تَقَبُّلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقَبُّل مَصْدَرُ تَقَبَّل أَيْ تَكَفَّل، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ الاِلْتِزَامُ وَالتَّعَهُّدُ، يُقَال: تَقَبَّلْتُ الْعَمَل مِنْ صَاحِبِهِ إِذَا الْتَزَمْتُهُ بِعَقْدٍ. وَمِنْهُ الْقَبَالَةُ بِالْفَتْحِ اسْمُ الْمَكْتُوبِ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يَلْتَزِمُهُ الإِْنْسَانُ مِنْ عَمَلٍ وَدَيْنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِالْكَسْرِ: الْعَمَل، وَالْقَبِيل الْكَفِيل، وَالْقُبَالَةُ الْكَفَالَةُ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلتَّقَبُّل عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَاسْتُعْمِل التَّقَبُّل فِي الاِصْطِلاَحِ أَيْضًا بِمَعْنَى التَّعَهُّدِ وَالاِلْتِزَامِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَجَلَّةِ أَنَّ: (التَّقَبُّل تَعَهُّدُ الْعَمَل وَالْتِزَامُهُ) (٢)
وَأَطْلَقَهُ الْفُقَهَاءُ غَالِبًا عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ فِيمَا إِذَا اتَّفَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلاَ عَمَلاً مِنَ الْخِيَاطَةِ أَوِ الْقِصَارَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَيَكُونُ الْكَسْبُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا. وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ شَائِعَةٌ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَذَاهِبِ стр. 7874
الأُْخْرَى، وَتُسَمَّى أَيْضًا شَرِكَةَ الأَْعْمَال وَشَرِكَةَ الصَّنَائِعِ وَشَرِكَةَ الأَْبْدَانِ. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكَفَالَةُ:
٢ - الْكَفَالَةُ فِي اللُّغَةِ: الضَّمُّ وَالتَّحَمُّل وَ الاِلْتِزَامُ (٢) ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى فِي الْمُطَالَبَةِ بِشَيْءٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ. (٣)
فَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْكَفَالَةِ وَالتَّقَبُّل أَنَّ التَّقَبُّل يَتَضَمَّنُ الْكَفَالَةَ، لَكِنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِالأَْمْوَال بِخِلاَفِ التَّقَبُّل الَّذِي يَخُصُّ الأَْعْمَال فَقَطْ.
ب - الاِلْتِزَامُ:
٣ - الاِلْتِزَامُ مَصْدَرُ الْتَزَمَ، وَأَصْلُهُ مِنَ اللُّزُومِ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ، يُقَال: أَلْزَمْتُهُ الْمَال وَالْعَمَل وَغَيْرَهُ فَالْتَزَمَهُ. فَالاِلْتِزَامُ بِالشَّيْءِ قَبُولُهُ وَاعْتِنَاقُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ بِإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ بِإِرَادَتَيْنِ، عَلَى عَمَلٍ أَوْ غَيْرِهِ (٤) وَعَلَى ذَلِكَ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّقَبُّل وَالْكَفَالَةِ (ر: الْتِزَامٌ) . стр. 7875
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - عَلَى جَوَازِ شَرِكَةِ التَّقَبُّل (شَرِكَةِ الصَّنَائِعِ) فِي الأَْعْمَال الَّتِي تَصْلُحُ فِيهَا الْوَكَالَةُ، لأَِنَّهَا قِسْمٌ مِنْ شَرِكَةِ الْعَقْدِ فَيُعْتَبَرُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ وَكِيلاً لِلآْخَرِ. وَمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْعَمَل يَصِيرُ فِي ضَمَانِهِمَا يُطَالَبَانِ بِهِ، وَيَلْزَمُهُمَا عَمَلُهُ، وَلَوْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا أَوْ سَافَرَ أَوِ امْتَنَعَ عَمْدًا بِلاَ عُذْرٍ فَالآْخَرُ مُطَالَبٌ بِالْعَمَل، وَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، لأَِنَّ الْعَمَل مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا. كَمَا أَنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمُطَالَبَةَ بِالأُْجْرَةِ، فَتَبْرَأُ ذِمَّةُ مَنْ يَدْفَعُ الأُْجْرَةَ لأَِحَدِهِمَا، وَإِنْ تَلِفَتِ الأُْجْرَةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِمَا، تَضِيعُ عَلَيْهِمَا مَعًا. (١)
٥ - وَاسْتَدَلُّوا لِجَوَازِهَا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَحْصِيل الْمَال بِالتَّوْكِيل، فَكَمَا أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ قَدْ يَسْتَحِقَّانِ الرِّبْحَ بِالاِشْتِرَاكِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْعَمَل وَمِنَ الآْخَرِ بِالْمَال كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ، وَقَدْ يَسْتَحِقَّانِهِ بِالْمَال فَقَطْ كَمَا فِي سَائِرِ الشَّرِكَاتِ، فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّاهُ بِالْعَمَل فَقَطْ. وَلأَِنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي سَائِرِ الأَْمْصَارِ يَعْقِدُونَ هَذِهِ الشَّرِكَةَ وَيَتَعَامَلُونَ بِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ стр. 7876
أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ، وَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَمِثْل هَذَا لاَ يَخْفَى عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ (١)
٦ - وَلاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّقَبُّل وَشَرِكَةِ الأَْعْمَال اتِّحَادُ الْمَكَانِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُونَهَا: وَهُمْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ لِشَرِكَةِ التَّقَبُّل مِنْ كَوْنِ الْمَقْصُودِ تَحْصِيل الرِّبْحِ لاَ يَخْتَلِفُ بَيْنَ كَوْنِ الْعَمَل فِي دَكَاكِينَ أَوْ دُكَّانٍ. (٢)
كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِي الرِّبْحِ أَوِ الْعَمَل، وَلاَ اتِّحَادُ الصَّنْعَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٣)
فَيَصِحُّ بِالْمُنَاصَفَةِ أَوِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَل أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنَ الآْخَرِ، اتَّفَقَتْ صَنْعَتُهُمَا كَخَيَّاطِينَ، أَوِ اخْتَلَفَتْ كَخَيَّاطٍ وَقَصَّارٍ أَوْ صَبَّاغٍ، وَكَاشْتِرَاكِ حَدَّادٍ وَنَجَّارٍ وَخَيَّاطٍ، لأَِنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي مَكْسَبٍ مُبَاحٍ فَصَحَّ كَمَا لَوِ اتَّفَقَتِ الصَّنَائِعُ. стр. 7877
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: جَازَتِ الشَّرِكَةُ بِالْعَمَل إِنِ اتَّحَدَ، كَخَيَّاطِينَ، أَوْ تَلاَزَمَ بِأَنْ تَوَقَّفَ عَمَل أَحَدِهِمَا عَلَى عَمَل الآْخَرِ، كَنَسْجٍ وَإِصْلاَحِ غَزْلٍ بِتَهْيِئَةٍ لِلنَّسْجِ، وَكَأَنْ يُفَوَّضَ أَحَدُهُمَا لِطَلَبِ اللُّؤْلُؤِ، وَالثَّانِي يُمْسِكُ عَلَيْهِ وَيَجْذِبُ، وَبِشَرْطِ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْعَمَل بِأَنْ يَأْخُذَ كُل وَاحِدٍ بِقَدْرِ عَمَلِهِ مِنَ الْغَلَّةِ، أَوْ يَتَقَارَبَا فِي الْعَمَل وَحَصَل التَّعَاوُنُ بَيْنَهُمَا. (١)
٧ - وَكَمَا تَصِحُّ هَذِهِ الشَّرِكَةُ فِي الصَّنَائِعِ وَنَحْوِهَا، تَصِحُّ كَذَلِكَ فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ مِنَ الاِحْتِشَاشِ، وَالاِصْطِيَادِ، وَالاِحْتِطَابِ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ التَّقَبُّل وَشَرِكَةُ الأَْعْمَال فِي الْمُبَاحَاتِ مِنَ الصَّيْدِ وَالْحَطَبِ، وَمَا يَكُونُ فِي الْجِبَال مِنَ الثِّمَارِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِعَدَمِ صِحَّةِ الْوَكَالَةِ فِيهَا، لأَِنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْمُبَاحَاتِ الأَْخْذُ وَالاِسْتِيلاَءُ، فَإِنْ تَشَارَكَا فَأَخَذَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا كَانَ الْمَأْخُوذُ مِلْكًا لَهُ خَاصَّةً. (٣)
٨ - هَذَا، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِبُطْلاَنِ شَرِكَةِ الأَْبْدَانِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَال فِيهَا، وَلِمَا فِيهَا стр. 7878
مِنَ الْغَرَرِ، إِذْ لاَ يَدْرِي الشَّرِيكُ أَنَّ صَاحِبَهُ يَكْسِبُ أَمْ لاَ، وَلأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزٌ بِبَدَنِهِ وَمَنَافِعِهِ، فَيَخْتَصُّ بِفَوَائِدِهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي مَاشِيَتِهِمَا وَهِيَ مُتَمَيِّزَةٌ وَيَكُونُ الدَّرُّ وَالنَّسْل بَيْنَهُمَا. (١)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (شَرِكَةٌ) . стр. 7879
تَقْبِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقْبِيل فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ قَبَّل، وَالاِسْمُ مِنْهُ الْقُبْلَةُ وَهِيَ اللَّثْمَةُ، وَالْجَمْعُ الْقُبَل. يُقَال قَبَّلَهَا تَقْبِيلاً أَيْ لَثَمَهَا (١) وَتَقَبَّلْتُ الْعَمَل مِنْ صَاحِبِهِ إِذَا الْتَزَمْتُهُ بِعَقْدٍ.
وَالْقَبَالَةُ: اسْمُ الْمَكْتُوبُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يَلْتَزِمُهُ الإِْنْسَانُ مِنْ عَمَلٍ وَدَيْنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَال الزَّمَخْشَرِيُّ: كُل مَنْ تَقَبَّل بِشَيْءٍ مُقَاطَعَةً وَكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا، فَالْكِتَابُ الَّذِي كُتِبَ هُوَ الْقَبَالَةُ " بِالْفَتْحِ " وَالْعَمَل قِبَالَةٌ " بِالْكَسْرِ ".
وَتَقْبِيل الْخَرَاجِ: هُوَ أَنْ يَدْفَعَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ، صُقْعًا، أَوْ بَلْدَةً، أَوْ قَرْيَةً، إِلَى رَجُلٍ مُدَّةَ سَنَةٍ، مُقَاطَعَةً بِمَالٍ مَعْلُومٍ، يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ عَنْ خَارِجِ أَرْضِهَا، أَوْ جِزْيَةِ رُءُوسِ أَهْلِهَا إِنْ كَانُوا أَهْل الذِّمَّةِ. (٢)
وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي التَّقْبِيل بِهَذَا الإِْطْلاَقِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " خَرَاجٌ، وَقَبَالَةٌ ".
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي. стр. 7880
أَقْسَامُ التَّقْبِيل:
٢ - ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّقْبِيل عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: قُبْلَةُ الْمَوَدَّةِ لِلْوَلَدِ عَلَى الْخَدِّ، وَقُبْلَةُ الرَّحْمَةِ لِوَالِدَيْهِ عَلَى الرَّأْسِ، وَقُبْلَةُ الشَّفَقَةِ لأَِخِيهِ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَقُبْلَةُ الشَّهْوَةِ لاِمْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ عَلَى الْفَمِ، وَقُبْلَةُ التَّحِيَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْيَدِ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ قُبْلَةَ الدِّيَانَةِ لِلْحَجَرِ الأَْسْوَدِ. (١)
وَفِيمَا يَلِي أَحْكَامُ التَّقْبِيل بِأَنْوَاعِهِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ آثَارٍ:
أَحْكَامُ التَّقْبِيل
أَوَّلاً: التَّقْبِيل الْمَشْرُوعُ:
أ - تَقْبِيل الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ:
٣ - يُسَنُّ تَقْبِيل الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ فِي حَالَةِ الطَّوَافِ لِمَنْ يَقْدِرُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَبَّل الْحَجَرَ ثُمَّ قَال: وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (٢) . فَإِنْ عَجَزَ عَنِ التَّقْبِيل اقْتَصَرَ عَلَى الاِسْتِلاَمِ بِالْيَدِ ثُمَّ قَبَّلَهَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الاِسْتِلاَمِ بِالْيَدِ следующие страницы →