← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ فَهَذَا يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْل تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُول الْحَال لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ. فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا. وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْل الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الْبُرَآءِ. قَال مَالِكٌ وَأَشْهَبُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لا أَدَبَ عَلَى الْمُدَّعِي إِلاَّ أَنْ يَقْصِدَ أَذِيَّةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَيْبَهُ وَشَتْمَهُ فَيُؤَدَّبُ. وَقَال أَصْبَغُ: يُؤَدَّبُ قَصَدَ أَذِيَّتَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ. ١٤ - (الْقِسْمُ الثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُول الْحَال لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ. وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأَْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي. هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ مَنْصُوصُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَمُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ وَذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ <: قَدْ حَبَسَ النَّبِيُّ ﷺ فِي تُهْمَةٍ > قَال أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ. ثُمَّ الْحَاكِمُ قَدْ يَكُونُ مَشْغُولاً عَنْ تَعْجِيل الْفَصْل وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ حُكُومَاتٌ سَابِقَةٌ فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ مَحْبُوسًا مُعَوَّقًا مِنْ حِينِ يُطْلَبُ إِلَى أَنْ يُفْصَل بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَهَذَا حَبْسٌ بِدُونِ التُّهْمَةِ فَفِي التُّهْمَةِ أَوْلَى.

стр. 7912

وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي أَدَبِ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَل هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا فَقَال الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ (١) . ١٥ - (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) : أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْل وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ (٢) قَال شَيْخُنَا: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَل الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ؟ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي أَوِ الْقَاضِي هَذَا قَوْل طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَاضِي مِصْرَ فَإِنَّهُ قَال:

стр. 7913

يُمْتَحَنُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَيُضْرَبُ بِالسَّوْطِ مُجَرَّدًا. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْل بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ حَكَاهُ الْقَاضِيَانِ (أَبُو يَعْلَى وَالْمَاوَرْدِيُّ) وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ إِثْبَاتِ أَسْبَابِهَا وَتَحَقُّقِهَا. وَالْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّهُ لاَ يُضْرَبُ (١) . وَهَذَا قَوْل أَصْبَغَ وَكَثِيرٍ مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلاَثَةِ بَل قَوْل أَكْثَرِهِمْ لَكِنَّ حَبْسَ الْمُتَّهَمِ عِنْدَهُمْ أَبْلَغُ مِنْ حَبْسِ الْمَجْهُول. ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَال مَالِكٌ: لاَ يُحْبَسُ إِلَى الْمَوْتِ. وَاَلَّذِينَ جَعَلُوا عُقُوبَتَهُ لِلْوَالِي دُونَ الْقَاضِي قَالُوا: وِلاَيَةُ أَمِيرِ الْحَرْبِ مُعْتَمَدُهَا الْمَنْعُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ وَقَمْعُ أَهْل الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ وَذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِالْعُقُوبَةِ لِلْمُتَّهَمِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالإِْجْرَامِ بِخِلاَفِ وِلاَيَةِ الْحُكْمِ فَإِنَّ مَقْصُودَهَا إِيصَال الْحُقُوقِ إِلَى أَرْبَابِهَا قَال شَيْخُنَا: وَهَذَا الْقَوْل هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ كُل

стр. 7914

وَلِيِّ أَمْرٍ يَفْعَل مَا فُوِّضَ إِلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ وَلِيَّ الصَّدَقَاتِ يَمْلِكُ مِنَ الْقَبْضِ وَالصَّرْفِ مَا لاَ يَمْلِكُهُ وَالِي الْخَرَاجِ وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ وَالِي الْحَرْبِ وَوَالِي الْحُكْمِ يَفْعَل كُلٌّ مِنْهُمَا مَا اقْتَضَتْهُ وِلاَيَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ مَعَ رِعَايَةِ الْعَدْل وَالتَّقَيُّدِ بِالشَّرِيعَةِ (١) .

стр. 7915

تَقْسِيمٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّقْسِيمُ فِي اللُّغَةِ: التَّجْزِئَةُ وَالتَّفْرِيقُ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَسَّمَ، يُقَال: قَسَّمَ الشَّيْءَ: إِذَا جَزَّأَهُ أَجْزَاءً، وَقَسَّمَ الْقَوْمَ: فَرَّقَهُمْ (١) وَيَسْتَعْمِل الأُْصُولِيُّونَ لَفْظَ التَّقْسِيمِ بِمَعْنَى حَصْرِ الأَْوْصَافِ الَّتِي يُظَنُّ صَلاَحِيَّتُهَا عِلَّةً فِي الأَْصْل. وَقَدْ أَطْلَقَ الأُْصُولِيُّونَ مَجْمُوعَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ عَلَى حَصْرِ الأَْوْصَافِ الْمَوْجُودَةِ فِي الأَْصْل - الْمَقِيسِ عَلَيْهِ - وَإِبْطَال مَا لاَ يَصْلُحُ مِنْهَا لِلْعِلِّيَّةِ، وَتَعْيِينِ الْبَاقِي لِلْعِلِّيَّةِ، وَقَدْ يَقْتَصِرُ عَلَى السَّبْرِ، وَقَدْ يَقْتَصِرُ عَلَى التَّقْسِيمِ كَمَا فَعَل الْبَيْضَاوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ. قَال السَّعْدُ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ: عِنْدَ التَّحْقِيقِ الْحَصْرُ رَاجِعٌ إِلَى التَّقْسِيمِ، وَالسَّبْرُ إِلَى الإِْبْطَال (٢) .

стр. 7916

وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمُ التَّقْسِيمَ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَمْنُوعٌ، وَالآْخَرُ: مُسَلَّمٌ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي أَحَدِهِمَا (١) . وَيُرَادُ بِالتَّقْسِيمِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ تَبْيِينُ الأَْقْسَامِ، وَيُرَادِفُهُ الْقِسْمَةُ، وَهِيَ تَعْيِينُ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ بِمِقْيَاسٍ مَا، كَالْكَيْل وَالْوَزْنِ وَالذِّرَاعِ (٢) فَالْقِسْمَةُ وَالتَّقْسِيمُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ فِي الْمَعْنَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْقِسْمَةِ، هَل هِيَ مُجَرَّدُ إِفْرَازٍ أَوْ مُبَادَلَةٍ. وَالإِْفْرَازُ فِي اللُّغَةِ: التَّنْحِيَةُ، وَهُوَ عَزْل شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وَتَمْيِيزُهُ. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ ذَلِكَ (٣) . وَالصِّلَةُ بَيْنَ التَّقْسِيمِ وَالإِْفْرَازِ، أَنَّ التَّقْسِيمَ قَدْ يَكُونُ بِالإِْفْرَازِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهِ بَيَانُ الْحِصَصِ

стр. 7917

وَالأَْقْسَامِ دُونَ إِفْرَازٍ كَمَا فِي الْمُهَايَأَةِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ: ٢ - التَّنْقِيحُ فِي اللُّغَةِ: التَّهْذِيبُ وَالتَّمْيِيزُ، وَالْمَنَاطُ هُوَ الْعِلَّةُ. وَالْمُرَادُ بِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ، إِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالأَْصْل بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، بِأَنْ يُقَال: لاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ إِلاَّ كَذَا وَكَذَا، وَذَلِكَ لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ، فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْحُكْمِ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُوجِبِ لَهُ. وَمِثَالُهُ قِيَاسُ الأَْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ الذُّكُورَةَ، وَهَذَا الْفَرْقُ مُلْغَى بِالإِْجْمَاعِ إِذْ لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، أَنَّ الْحَصْرَ فِي دَلاَلَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ، إِمَّا اسْتِقْلاَلاً أَوِ اعْتِبَارًا، وَفِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ لِتَعْيِينِ الْفَارِقِ وَإِبْطَالِهِ لاَ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ (١) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: أَوَّلاً: عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: ٣ - يَعْتَبِرُ جُمْهُورُ الأُْصُولِيِّينَ السَّبْرَ وَالتَّقْسِيمَ مَسْلَكًا مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَمِنَ الْعِلَل الَّتِي تُعْرَفُ بِوَاسِطَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ قَوْل مُجْتَهِدٍ مَثَلاً - فِي قِيَاسِ الذُّرَةِ عَلَى الْبُرِّ فِي الرِّبَوِيَّةِ: بَحَثْتُ عَنْ أَوْصَافِ الْبُرِّ فَمَا وَجَدْتُ ثَمَّ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلرِّبَوِيَّةِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، إِلاَّ الطَّعْمَ أَوِ الْقُوتَ أَوِ الْكَيْل،

стр. 7918

وَلَكِنَّ كُلًّا مِنَ الطَّعْمِ وَالْقُوتِ لاَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ عِنْدَ التَّأَمُّل، فَتَعَيَّنَ الْكَيْل، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي الرِّبَا فِي كُل الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ مَكِيلاَتٍ أَوْ مَوْزُونَاتٍ. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ أَهْل الأُْصُول جَعْل السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ مَسْلَكًا لِلْعِلِّيَّةِ. قَال ابْنُ الأَْنْبَارِيِّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ: السَّبْرُ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِيَارِ أَوْصَافِ الْمَحَل وَضَبْطِهَا، وَالتَّقْسِيمُ يَرْجِعُ إِلَى إِبْطَال مَا يَظْهَرُ إِبْطَالُهُ مِنْهَا، فَإِذًا لاَ يَكُونُ مِنَ الأَْدِلَّةِ، وَإِنَّمَا تَسَامَحَ الأُْصُولِيُّونَ فِي ذَلِكَ (١) . وَلِلتَّوَسُّعِ فِي أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ، حَوْل حُجِّيَّةِ السَّبْرِ، وَالتَّقْسِيمِ، وَشُرُوطِ الاِحْتِجَاجِ بِهِ، وَأَقْسَامِهِ، وَطُرُقِ الْحَذْفِ. انْظُرِ (الْمُلْحَقَ الأُْصُولِيَّ) . ثَانِيًا: عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: تَقْسِيمُ مَا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ: ٤ - إِذَا ظَهَرَ الإِْمَامُ عَلَى بِلاَدِ الْحَرْبِ فَالْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ لاَ يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَنْوَاعٍ ثَلاَثَةٍ: الْمَتَاعُ وَالأَْرَاضِي وَالرِّقَابُ. أَمَّا الْمَتَاعُ فَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ تَخْمِيسُهُ، وَتَقْسِيمُ الأَْرْبَعَةِ الأَْخْمَاسِ عَلَى الْغَانِمِينَ، وَلاَ خِيَارَ لَهُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا

стр. 7919

غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول﴾ (١) لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَل لِنَفْسِهِ الْخُمُسَ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الأَْرْبَعَةَ الأَْخْمَاسَ لِلْغَانِمِينَ لأَِنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِمْ (٢) . وَإِنْ رَأَى الإِْمَامُ أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ ثُمَّ يَقْسِمَ الأَْثْمَانَ فَذَلِكَ لَهُ (٣) . وَهُنَاكَ تَفَاصِيل فِي كَيْفِيَّةِ تَقْسِيمِ الْخُمُسِ تُنْظَرُ فِي " غَنِيمَةٌ ". أَمَّا الأَْرَاضِي فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ تَقْسِيمِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ (٤) ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى فِي الأَْرَضِينَ وَغَيْرِهَا ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول﴾ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ (٥) وَبَنِيَّ النَّضِيرِ وَخَيْبَرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ (٦) .

стр. 7920

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - إِلَى أَنَّ أَرْضَ الزِّرَاعَةِ الْمَفْتُوحَ بَلَدُهَا عَنْوَةً، وَدُورَ الْكُفَّارِ لاَ تُقَسَّمُ، بَل تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ فَتْحِ بَلَدِهَا، وَيُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (١) . ٥ - ثُمَّ اخْتَلَفَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي اعْتِبَارِ التَّقْسِيمِ أَمْرًا مُلْزِمًا لِلإِْمَامِ أَمْ أَنَّ لَهُ خِيَارَاتٍ أُخْرَى: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا فَتَحَ بَلْدَةً عَنْوَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ - إِنْ شَاءَ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا فَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَإِنْ شَاءَ أَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَوَضَعَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ وَعَلَى أَرَاضِيِهِمُ الْخَرَاجَ، كَمَا فَعَل عُمَرُ ﵁ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - بِوُجُوبِ تَقْسِيمِ الأَْرَاضِي كَالْمَتَاعِ، لإِِطْلاَقِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَعَمَلاً بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْضِ خَيْبَرَ (٣) . وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ تَخْيِيرَ الإِْمَامِ بَيْنَ تَقْسِيمِ الأَْرْضِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَبَيْنَ وَقْفِهَا

стр. 7921

بِلَفْظٍ يَحْصُل بِهِ الْوَقْفُ (١) . وَأَمَّا الرِّقَابُ: فَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ فِيهَا بَيْنَ عِدَّةِ خِصَالٍ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَسْرَى) . تَقْسِيمُ التَّرِكَةِ: ٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَدِينَةً وَأُخْرِجَتْ مِنْهَا سَائِرُ الْحُقُوقِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى التَّقْسِيمِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ مَدِينَةً بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ لَهَا فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - عَدَمَ جَوَازِ تَقْسِيمِهَا؛ لأَِنَّ الْوَرَثَةَ لاَ يَمْلِكُونَهَا، إِذِ الدَّيْنُ الْمُسْتَغْرِقُ يَمْنَعُ مِنْ دُخُول التَّرِكَةِ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ. فَلِذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ بِحَسَبِ حِصَصِهِمُ الإِْرْثِيَّةِ تُفْسَخُ الْقِسْمَةُ (٢) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لاَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِيهَا لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ تَصَرَّفُوا فِي التَّرِكَةِ بِالتَّقْسِيمِ فَتَصَرُّفُهُمْ صَحِيحٌ، فَإِنْ قَضَوُا الدَّيْنَ وَإِلاَّ نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُهُمْ كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ السَّيِّدُ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي وَلَمْ يَقْضِ دَيْنَ الْجِنَايَةِ (٣) . وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل فِي (إِرْثٌ، وَتَرِكَةٌ، وَقِسْمَةٌ) .

стр. 7922

تَقْصِيرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّقْصِيرُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ قَصَّرَ. يُقَال: قَصَّرَ ثَوْبَهُ: إِذَا جَعَلَهُ قَصِيرًا، وَقَصَّرَ شَعْرَهُ: إِذَا أَخَذَ مِنْهُ، وَقَصَّرَ فِي الأَْمْرِ: تَوَانَى فِيهِ وَفَرَّطَ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّعَدِّي: ٢ - التَّعَدِّي فِي اللُّغَةِ: مُجَاوَزَةُ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ (٢) . وَفِي الشَّرْعِ: إِضْرَارٌ بِالْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّقْصِيرِ وَالتَّعَدِّي أَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ بَابِ التَّرْكِ وَالإِْهْمَال، أَمَّا التَّعَدِّي فَفِيهِ عَمَلٌ وَعُدْوَانٌ. ب - الْقَصُّ: ٣ - الْقَصُّ: الأَْخْذُ مِنَ الشَّعْرِ بِالْمِقْرَاضِ خَاصَّةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَقْصِيرِ الشَّعْرِ، أَنَّ التَّقْصِيرَ إِزَالَةُ الشَّعْرِ بِأَيِّ آلَةٍ (٣) .

стр. 7923

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّقْصِيرِ بِاخْتِلاَفِ مُتَعَلَّقِهِ، وَبَيَانُهُ فِيمَا يَأْتِي: تَقْصِيرُ الشَّعْرِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: ٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَقْصِيرَ الشَّعْرِ أَوْ حَلْقَهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ نُسُكٌ يُثَابُ عَلَيْهِ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٢) ، وَخَبَرِ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، وَالْمُقَصِّرِينَ (٣) . وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ، فَلاَ يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ وَيَحْصُل التَّحَلُّل بِدُونِهِ (٤) . وَالتَّقْصِيرُ أَفْضَل لِمَنِ اعْتَمَرَ قَبْل الْحَجِّ فِي وَقْتٍ لَوْ حَلَقَ فِيهِ جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ وَلَمْ يَنْبُتْ لَهُ شَعْرٌ، لِيَكُونَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ. وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِلْمَرْأَةِ، لِمَا فِي الْحَلْقِ مِنَ الْمُثْلَةِ فِي حَقِّهَا (٥) . أَمَّا هَل هُوَ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَلاَ يُجْبَرُ

стр. 7924

بِالدَّمِ، أَوْ وَاجِبٌ فَيُجْبَرُ بِالدَّمِ، وَقَدْرُ التَّقْصِيرِ مِنَ الشَّعْرِ، وَآرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، فَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَحَلُّلٌ، وَحَلْقٌ) . التَّقْصِيرُ فِي حِفْظِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ: ٦ - التَّقْصِيرُ يُوجِبُ الضَّمَانَ فِيمَا لاَ ضَمَانَ فِيهِ مِنَ الْمُعَامَلاَتِ، كَالْوَدِيعَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالإِْجَارَةِ، لأَِنَّ الْمُقَصِّرَ مُتَسَبِّبٌ فِي تَلَفِهَا بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حِفْظِهَا وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) . وَالتَّقْصِيرُ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ هُوَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ تَقْصِيرًا عُرْفًا فِي حِفْظِ مِثْل نَوْعِ الأَْمَانَةِ. وَيَخْتَلِفُ التَّقْصِيرُ بِاخْتِلاَفِ طَبِيعَةِ الأَْمْرِ الْمُقَصَّرِ فِيهِ، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَمْثِلَةً لِلتَّقْصِيرِ فِي أَبْوَابِهَا الْمُخْتَلِفَةِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا. تَقْصِيرُ الْحَاكِمِ فِي حُكْمِهِ: ٧ - إِذَا قَصَّرَ الْحَاكِمُ فِي النَّظَرِ فِي مُسْتَنَدِ حُكْمِهِ، كَأَنْ يَحْكُمَ بِجَلْدِ إِنْسَانٍ أَوْ قَطْعِهِ أَوْ قَتْلِهِ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ، فَجُلِدَ أَوْ قُتِل أَوْ قُطِعَ، فَبَانَ الشُّهُودُ غَيْرَ أَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ: كَأَنْ بَانَا كَافِرَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ، أَوْ صَبِيَّيْنِ، ضَمِنَ الْحَاكِمُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَبْحَثْ

стр. 7925

حَالَةَ الشُّهُودِ، أَوْ قَصَّرَ فِي الْبَحْثِ؛ لأَِنَّهُ مُتَسَبِّبٌ فِي التَّلَفِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِحُكْمِهِ (٢) . أَمَّا هَل يَضْمَنُ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ، أَوْ تَتَحَمَّل عَنْهُ الْعَاقِلَةُ أَوْ بَيْتُ الْمَال، فَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (ضَمَانٌ) . تَقْصِيرُ الطَّبِيبِ: ٨ - يَضْمَنُ الطَّبِيبُ إِذَا عَالَجَ الْمَرِيضَ فَقَصَّرَ فِي مُعَالَجَتِهِ، أَوْ أَخْطَأَ فِيهَا خَطَأً فَاحِشًا، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٣) . (تَقْصِيرُ الإِْزَارِ: ٩ - تَقْصِيرُ الإِْزَارِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَاجِبٌ إِذَا خِيفَ تَنَجُّسُهُ، وَمُحَرَّمٌ إِسْبَالُهُ لِلْخُيَلاَءِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الأَْثَرِ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٤) .

стр. 7926

وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنَّ تَقْصِيرَهُ مُسْتَحَبٌّ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِسْبَالٌ) . (تَقْصِيرُ الصَّلاَةِ: ١٠ - يَنْبَغِي تَقْصِيرُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ لِلإِْمَامِ الَّذِي يَخْشَى فِتْنَةَ مَنْ وَرَاءَهُ، أَوْ ضَرَرَهُمْ بِالتَّطْوِيل لِحَدِيثِ: يَا مُعَاذُ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ (١) وَلِحَدِيثِ: مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ (٢) وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ مَنْ وَرَاءَهُ مَحْصُورِينَ يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيل. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ إِمَامَةٌ (٦ ٢١٣) تَقْصِيرُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ: ١١ - يُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ طُول صَلاَةِ الرَّجُل وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ فِي فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاَةَ وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ. (٣)

стр. 7927

التَّقْصِيرُ فِي طَلَبِ الشُّفْعَةِ أَوْ أَرْشِ الْعَيْبِ: ١٢ - يَسْقُطُ حَقُّ الشُّفْعَةِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بِالتَّقْصِيرِ فِي الْمُطَالَبَةِ بِهِمَا، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) . أَمَّا هَل طَلَبُ الشُّفْعَةِ فَوْرِيٌّ، أَوْ عَلَى التَّرَاخِي، وَآرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، فَيُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحَيِ: (الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَالشُّفْعَةُ) .

стр. 7928

تَقَلُّدٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّقَلُّدُ: جَعْل الإِْنْسَانِ الْقِلاَدَةَ فِي عُنُقِهِ. وَتَقَلُّدِ الأَْمْرِ: احْتِمَالُهُ، وَكَذَلِكَ تَقَلَّدَ السَّيْفَ: إِذَا جَعَل حَمَائِلَهُ فِي عُنُقِهِ. قَال الشَّاعِرُ: يَا لَيْتَ زَوْجُكِ قَدْ غَدَا مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا أَيْ: وَحَامِلاً رُمْحًا. يَعْنِي أَنَّ التَّقَلُّدَ فِي الأَْصْل لِلسَّيْفِ لاَ لِلرُّمْحِ، وَإِنَّمَا عَطَفَ عَلَى مِثَال قَوْلِهِمْ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا (١) الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - التَّقَلُّدُ بِمَعْنَى وَضْعِ الْقِلاَدَةِ فِي الْعُنُقِ: التَّزَيُّنُ بِالْقَلاَئِدِ نَوْعٌ مِنَ الزِّينَةِ الْمُبَاحَةِ، وَهِيَ فِي الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ وَالصِّغَارِ. وَتُبَاحُ لِلنِّسَاءِ الْقَلاَئِدُ كُلُّهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ مَوَادَّ مُعْتَادَةٍ، أَوْ مَوَادَّ ثَمِينَةٍ، كَاللُّؤْلُؤِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالْحِجَارَةِ الْكَرِيمَةِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ مُبَاحٌ لَهُنَّ مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ السَّرَفِ وَالْخُيَلاَءِ. وَلاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصِّغَارِ إِنْ كَانُوا ذُكُورًا قَلاَئِدَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ: ﴿

стр. 7929

الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ حِلٌّ لإِِنَاثِ أُمَّتِي وَحَرَامٌ عَلَى ذُكُورِهَا (١) عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ بَعْضَ الْخِلاَفِ وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (ذَهَبٌ) . (٢) وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَقَلَّدَتْ قِلاَدَةً مِنْ ذَهَبٍ قُلِّدَتْ فِي عُنُقِهَا مِثْلَهُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلاَّ مُقَطَّعًا (٤) لَكِنْ قَال الْخَطَّابِيُّ: ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الأَْوَّل ثُمَّ نُسِخَ، أَوِ الْوَعِيدِ عَلَى الْكَثِيرِ مِنْهُ الَّذِي لاَ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ (٥) .

стр. 7930

تَقَلُّدُ السَّيْفِ فِي الإِْحْرَامِ: ٣ - إِذَا احْتَاجَ الْمُحْرِمُ إِلَى تَقَلُّدِ السِّلاَحِ فِي الإِْحْرَامِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَبِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَرُوِيَتْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَاسْتَدَل لِلأَْوَّلَيْنِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا صَالَحَ أَهْل مَكَّةَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ، كَانَ فِي الصُّلْحِ أَلاَّ يَدْخُل الْمُسْلِمُونَ مَكَّةَ إِلاَّ بِجُلُبَّانِ السِّلاَحِ (١) (الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ) وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إِبَاحَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَأْمَنُونَ أَهْل مَكَّةَ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ وَيَخْفِرُوا الذِّمَّةَ، فَاشْتَرَطُوا حَمْل السِّلاَحِ فِي قِرَابِهِ. فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، فَقَدْ قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: لاَ، إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ (٢) . وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ لأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَال: لاَ يُحْمَل السِّلاَحُ فِي الْحَرَمِ. أَيْ لاَ مِنْ أَجْل الإِْحْرَامِ، فَيُكْرَهُ حَمْلُهُ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلِذَلِكَ لَوْ حَمَل قِرْبَةً فِي عُنُقِهِ لاَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلاَ فِدْيَةَ فِيهِ. وَقَدْ سُئِل أَحْمَدُ عَنِ الْمُحْرِمِ يُلْقِي جِرَابَهُ فِي رَقَبَتِهِ كَهَيْئَةِ الْقِرْبَةِ، فَقَال: أَرْجُو أَنْ لاَ يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ (٣) .

стр. 7931

تَقْلِيدٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّقْلِيدُ لُغَةً: مَصْدَرُ قَلَّدَ، أَيْ جَعَل الشَّيْءَ فِي عُنُقِ غَيْرِهِ مَعَ الإِْحَاطَةِ بِهِ (١) . وَتَقُول: قَلَّدْتُ الْجَارِيَةَ: إِذَا جَعَلْتَ فِي عُنُقِهَا الْقِلاَدَةَ، فَتَقَلَّدَتْهَا هِيَ، وَقَلَّدْتُ الرَّجُل السَّيْفَ فَتَقَلَّدَهُ: إِذَا جَعَل حَمَائِلَهُ فِي عُنُقِهِ. وَأَصْل الْقَلْدِ، كَمَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، لَيُّ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ، نَحْوُ لَيُّ الْحَدِيدَةِ الدَّقِيقَةِ عَلَى مِثْلِهَا، وَمِنْهُ: سِوَارٌ مَقْلُودٌ. وَفِي التَّهْذِيبِ: تَقْلِيدُ الْبَدَنَةِ أَنْ يُجْعَل فِي عُنُقِهَا عُرْوَةُ مَزَادَةٍ، أَوْ حِلَقُ نَعْلٍ، فَيُعْلَمُ أَنَّهَا هَدْيٌ. وَقَلَّدَ فُلاَنًا الأَْمْرَ إِيَّاهُ. وَمِنْهُ تَقْلِيدُ الْوُلاَةِ الأَْعْمَال (٢) . وَيُسْتَعْمَل التَّقْلِيدُ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ بِمَعْنَى الْمُحَاكَاةِ فِي الْفِعْل، وَبِمَعْنَى التَّزْيِيفِ، أَيْ صِنَاعَةِ شَيْءٍ طِبْقًا لِلأَْصْل الْمُقَلَّدِ. وَكِلاَ الْمَعْنَيَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّقْلِيدِ لِلْمُجْتَهِدِينَ؛ لأَِنَّ الْمُقَلِّدَ يَفْعَل

стр. 7932

مِثْل فِعْل الْمُقَلَّدِ دُونَ أَنْ يَدْرِيَ وَجْهَهُ. وَالأَْمْرُ التَّقْلِيدِيُّ مَا يُفْعَل اتِّبَاعًا لِمَا كَانَ قَبْل، لاَ بِنَاءً عَلَى فِكْرِ الْفَاعِل نَفْسِهِ، وَخِلاَفُهُ الأَْمْرُ الْمُبْتَدَعُ (١) . وَيَرِدُ التَّقْلِيدُ فِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ: أَوَّلُهَا: تَقْلِيدُ الْوَالِي أَوِ الْقَاضِي وَنَحْوِهِمَا، أَيْ تَوْلِيَتُهُمَا الْعَمَل، وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَوْلِيَةٌ) . ثَانِيهَا: تَقْلِيدُ الْهَدْيِ بِجَعْل شَيْءٍ فِي رَقَبَتِهِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ. ثَالِثُهَا: تَقْلِيدُ التَّمَائِمِ وَنَحْوِهَا. رَابِعُهَا: التَّقْلِيدُ فِي الدِّينِ وَهُوَ الأَْخْذُ فِيهِ بِقَوْل الْغَيْرِ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ. أَوْ هُوَ الْعَمَل بِقَوْل الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. (٢) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الإِْشْعَارُ: ٢ - الإِْشْعَارُ حَزُّ سَنَامِ الْبَدَنَةِ حَتَّى يَسِيل مِنْهَا الدَّمُ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ لِلْكَعْبَةِ فَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهَا أَحَدٌ (٣) .

стр. 7933

أَحْكَامُ التَّقْلِيدِ: أَوَّلاً - تَقْلِيدُ الْهَدْيِ: ٣ - الْهَدْيُ مَا يُهْدَى إِلَى الْكَعْبَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ فِي الْحَجِّ لِيُذْبَحَ بِمَكَّةَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَتَقْلِيدُ الْبَهِيمَةِ أَنْ يُجْعَل فِي عُنُقِهَا مَا يَدُل عَلَى أَنَّهَا هَدِيَّةٌ إِلَى الْبَيْتِ، فَيُتْرَكُ التَّعَرُّضُ لَهَا مِنْ كُل أَحَدٍ تَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ وَمَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ. وَأَصْل ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ﴾ (١) قَال الْقُرْطُبِيُّ: فَالشَّعَائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ وَهِيَ الْبَدَنَةُ تُهْدَى إِلَى الْبَيْتِ، وَإِشْعَارُهَا أَنْ يُحَزَّ سَنَامُهَا لِيَسِيل مِنْهَا الدَّمُ فَيُعْلَمُ أَنَّهَا هَدْيٌ. وَالْقَلاَئِدُ قِيل فِي تَفْسِيرِهَا: مَا كَانَ النَّاسُ يَتَقَلَّدُونَهُ أَمَنَةً لَهُمْ. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ. وَقِيل الْمُرَادُ بِالْقَلاَئِدِ: مَا يُعَلَّقُ عَلَى أَسْنِمَةِ الْهَدَايَا وَأَعْنَاقِهَا عَلاَمَةً عَلَى أَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى، مِنْ نَعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (٢) . وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿جَعَل اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُل شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) أَيْ جَعَل الْمَذْكُورَاتِ صَلاَحًا وَمَعَاشًا

стр. 7934

يَأْمَنُ النَّاسُ فِيهَا وَبِهَا. وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: عَظَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قُلُوبِهِمُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَأَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ هَيْبَتَهُ، وَعَظَّمَ بَيْنَهُمْ حُرْمَتَهُ، فَكَانَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَعْصُومًا بِهِ، وَكَانَ مَنِ اضْطُهِدَ مَحْمِيًّا بِالْكَوْنِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ. ثُمَّ قَال: وَشَرَعَ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُل الْكِرَامِ الْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ، فَكَانُوا إِذَا أَخَذُوا بَعِيرًا أَشْعَرُوهُ دَمًا أَوْ عَلَّقُوا عَلَيْهِ نَعْلاً، أَوْ فَعَل الرَّجُل ذَلِكَ بِنَفْسِهِ مِنَ التَّقْلِيدِ، لَمْ يُرَوِّعْهُ أَحَدٌ حَيْثُ لَقِيَهُ، وَكَانَ الْفَيْصَل بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ طَلَبَهُ وَظَلَمَهُ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالإِْسْلاَمِ (١) . وَيُذْكَرُ مِنْ حِكْمَةِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ أَيْضًا أَنْ يَعْلَمَ الْمَسَاكِينُ بِالْهَدْيِ، فَيَجْتَمِعُوا لَهُ، وَإِذَا عَطِبَتِ الْهَدِيَّةُ الَّتِي سِيقَتْ إِلَى الْبَيْتِ تُنْحَرُ، ثُمَّ تُلْقَى قِلاَدَتُهَا فِي دَمِهَا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى كَوْنِهَا هَدْيًا يُبَاحُ أَكْلُهُ لِمَنْ شَاءَ (٢) . حُكْمُ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ: ٤ - تَقْلِيدُ الْهَدْيِ كَانَ مُتَّبَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَهِيَ سُنَّةٌ إِبْرَاهِيمِيَّةٌ بَقِيَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقَرَّهَا الإِْسْلاَمُ. وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلاَ أَحِل حَتَّى أَنْحَرَ (٣)

стр. 7935

فَتَقْلِيدُ الْهَدْيِ سُنَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ: مَنْ تَرَكَ الإِْشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَالأَْوْلَى تَقْدِيمُ التَّقْلِيدِ عَلَى الإِْشْعَارِ لأَِنَّهُ السُّنَّةُ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ يُفْعَل كَذَلِكَ خَوْفًا مِنْ نِفَارِهَا لَوْ أُشْعِرَتْ أَوْ لاَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ، وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي الأُْمِّ تَقْدِيمُ الإِْشْعَارِ (١) . مَا يُقَلَّدُ مِنَ الْهَدْيِ وَمَا لاَ يُقَلَّدُ: ٥ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ تَقْلِيدَ الْهَدْيِ إِنْ كَانَ مِنَ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرِ. أَمَّا الْغَنَمُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْلِيدِهَا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تُقَلَّدُ، وَلَيْسَ تَقْلِيدُهَا سُنَّةً، قَال الْحَنَفِيَّةُ: لأَِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَلأَِنَّهُ لاَ فَائِدَةَ فِي تَقْلِيدِهَا، إِذْ فَائِدَةُ التَّقْلِيدِ عَدَمُ ضَيَاعِ الْهَدْيِ، وَالْغَنَمُ لاَ تُتْرَكُ بَل يَكُونُ مَعَهَا صَاحِبُهَا. قَال الْقُرْطُبِيُّ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ

стр. 7936

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي تَقْلِيدِ الْغَنَمِ، وَنَصُّهُ، قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا فَقَلَّدَهَا (١) أَوْ بَلَغَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ لاِنْفِرَادِ الأَْسْوَدِ بِهِ عَنْ عَائِشَةَ وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ تَقْلِيدُهَا أَيْضًا، لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلأَِنَّهَا هَدْيٌ فَتُقَلَّدُ، كَالإِْبِل (٢) . وَيَنُصُّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَتْ كُل أَنْوَاعِ الْهَدْيِ تُقَلَّدُ، بَل يُقَلَّدُ هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَهَدْيُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، لأَِنَّهُ دَمُ نُسُكٍ، وَفِي التَّقْلِيدِ إِظْهَارُهُ وَتَشْهِيرُهُ فَيَلِيقُ بِهِ (٣) . وَلَمْ نَجِدْ هَذَا التَّفْصِيل لِغَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ. وَلاَ يُقَلَّدُ دَمُ الْجِنَايَةِ؛ لأَِنَّ سَتْرَهَا أَلْيَقُ، وَيُلْحَقُ بِهَا دَمُ الإِْحْصَارِ، لأَِنَّهَا دَمٌ يُجْبَرُ بِهِ النَّقْصُ. مَا يُقَلَّدُ بِهِ، وَكَيْفِيَّةُ التَّقْلِيدِ: ٦ - يَكُونُ التَّقْلِيدُ بِأَنْ يُجْعَل فِي أَعْنَاقِ الْهَدَايَا

стр. 7937

النِّعَال، أَوْ آذَانُ الْقِرَبِ وَعُرَاهَا، أَوْ عِلاَقَةُ إِدَاوَةٍ، أَوْ لِحَاءُ شَجَرَةٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْتِل قَلاَئِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عِهْنٍ (١) وَالْعِهْنُ: الصُّوفُ الْمَصْبُوغُ فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، قَال: ارْكَبْهَا. قَال: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَال: ارْكَبْهَا قَال: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ وَالنَّعْل فِي عُنُقِهَا (٢) . وَفِيهِ أَنَّهُ قَلَّدَ بُدْنَهُ بِيَدِهِ (٣) وَفِي التَّاجِ وَالإِْكْلِيل مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ (يُقَلِّدُ بِمَا شَاءَ. وَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَقْلِيدَ الأَْوْتَارِ) أَيْ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَنَصُّهُ قَلِّدُوا الْخَيْل وَلاَ تُقَلِّدُوهَا الأَْوْتَارَ (٤) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: كَيْفِيَّةُ التَّقْلِيدِ أَنْ يَفْتِل خَيْطًا مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ وَيَرْبِطَ بِهِ نَعْلاً أَوْ عُرْوَةَ مَزَادَةٍ، وَهِيَ السُّفْرَةُ مِنْ جِلْدٍ، أَوْ لِحَاءِ شَجَرَةٍ أَيْ

стр. 7938

قِشْرَهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ عَلاَمَةً عَلَى أَنَّهُ هَدْيٌ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ تَقْلِيدُهَا وَهِيَ مُسْتَقْبِلَةَ الْقِبْلَةِ، وَيُقَلِّدُ الْبَدَنَةَ وَهِيَ بَارِكَةٌ. وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي إِذَا قَلَّدَ نَعْلَيْنِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا قِيمَةٌ لِيَتَصَدَّقَ بِهِمَا (١) . تَقْلِيدُ الْهَدْيِ هَل يَكُونُ بِهِ الإِْنْسَانُ مُحْرِمًا ؟ : ٧ - لاَ يَنْعَقِدُ الإِْحْرَامُ إِلاَّ بِنِيَّةِ الدُّخُول فِي النُّسُكِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ تَلْبِيَةٌ أَوْ ذِكْرٌ مُعَيَّنٌ أَوْ خُصُوصِيَّةٌ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الإِْحْرَامِ كَتَقْلِيدِ الْهَدْيِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَامٌ) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ بُدَّ لِيَكُونَ الرَّجُل مُحْرِمًا عِنْدَهُمْ، مَعَ نِيَّةِ الدُّخُول فِي النُّسُكِ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ خُصُوصِيَّةٍ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الإِْحْرَامِ (٢) . وَالْخُصُوصِيَّاتُ مِنْهَا: أَنْ يُشْعِرَ بُدْنَهُ، أَوْ يُقَلِّدَهَا، تَطَوُّعًا، أَوْ نَذْرًا، أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الأَْشْيَاءِ، وَيَتَوَجَّهُ مَعَهَا يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ. فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ أَحْرَمَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَلْبِيَةٌ.

стр. 7939

قَالُوا: لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ مَنْ قَلَّدَ بُدْنَهُ فَقَدْ أَحْرَمَ (١) . وَلأَِنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ فِي مَعْنَى التَّلْبِيَةِ فِي إِظْهَارِ الإِْجَابَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَفْعَلُهُ إِلاَّ مُرِيدُ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، وَإِظْهَارُ الإِْجَابَةِ قَدْ يَكُونُ بِالْفِعْل كَمَا يَكُونُ بِالْقَوْل، فَيَصِيرُ بِهِ مُحْرِمًا لاِتِّصَال النِّيَّةِ بِفِعْلٍ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الإِْحْرَامِ. وَلَوْ قَلَّدَ هَدْيًا دُونَ أَنْ يَنْوِيَ، أَوْ دُونَ أَنْ يَسُوقَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْبَيْتِ، فَلاَ يَكُونُ مُحْرِمًا. وَلَوْ قَلَّدَهُ وَأَرْسَل بِهِ وَلَمْ يَسُقْهُ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَفْتِل الْقَلاَئِدَ لِهَدْيِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَيَبْعَثُ بِهِ ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلاَلاً (٢) ، قَالُوا: ثُمَّ إِنْ تَوَجَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا حَتَّى يَلْحَقَ الْهَدْيَ، لأَِنَّهُ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ هَدْيٌ يَسُوقُهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إِلاَّ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، فَلاَ يَصِيرُ بِهَا مُحْرِمًا، إِلاَّ هَدْيُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا بِتَقْلِيدِهِ وَبِالتَّوَجُّهِ وَلَوْ قَبْل أَنْ يُدْرِكَ الْهَدْيَ الَّذِي بَعَثَهُ أَمَامَهُ. هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ الَّذِي قَلَّدَهُ وَسَاقَهُ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنَّهُ لاَ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْغَنَمَ لاَ يُسَنُّ تَقْلِيدُهَا عِنْدَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ (٣) .

стр. 7940

تَعَيُّنُ الْهَدْيِ وَلُزُومُهُ بِالتَّقْلِيدِ: ٨ - يَنُصُّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الرَّجُل إِذَا قَلَّدَ الْهَدْيَ بِالنِّيَّةِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِهْدَاؤُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ. قَال الدَّرْدِيرُ: يَجِبُ إِنْفَاذُ مَا قَلَّدَ مَعِيبًا لِوُجُوبِهِ بِالتَّقْلِيدِ وَإِنْ لَمْ يُجْزِهِ. أَيْ وَإِنْ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ هَدْيٍ وَاجِبٍ بِتَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ نَذْرٍ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ مَا قُلِّدَ مِنَ الْهَدْيِ يُبَاعُ فِي الدُّيُونِ السَّابِقَةِ مَا لَمْ يُذْبَحْ، وَلاَ يُبَاعُ فِي الدُّيُونِ اللاَّحِقَةِ (١) . قَالُوا: وَلَوْ وُجِدَ الْهَدْيُ الْمَسْرُوقُ أَوِ الضَّال بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نَحَرَ الْمَوْجُودَ أَيْضًا إِنْ قُلِّدَ، لِتَعَيُّنِهِ بِالتَّقْلِيدِ. وَإِنْ وُجِدَ الضَّال قَبْل نَحْرِ الْبَدَل نَحَرَهُمَا مَعًا إِنْ قَلِّدَا لِتَعَيُّنِهِمَا بِالتَّقْلِيدِ. وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُقَلَّدَيْنِ أَوْ كَانَ الْمُقَلَّدُ أَحَدَهُمَا دُونَ الآْخَرِ، يَتَعَيَّنُ الْمُقَلَّدُ. وَجَازَ بَيْعُ الآْخَرِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ (٢) . وَيَنُصُّ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ يَجِبُ بِهِ ذَلِكَ الْهَدْيُ، إِذَا نَوَى أَنَّهُ هَدْيٌ، وَلَوْ لَمْ يَقُل بِلِسَانِهِ إِنَّهُ هَدْيٌ، فَيَتَعَيَّنُ بِذَلِكَ وَيَصِيرُ وَاجِبًا مُعَيَّنًا يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِعَيْنِهِ دُونَ ذِمَّةِ صَاحِبِهِ. وَحُكْمُهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ كَالْوَدِيعَةِ يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ وَإِيصَالُهُ إِلَى مَحَلِّهِ، فَإِنْ تَلِفَ أَوْ سُرِقَ أَوْ ضَل بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ (٣) .

стр. 7941

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَيُصَرِّحُونَ بِأَنَّ تَقْلِيدَ الرَّجُل نَعَمَهُ وَإِشْعَارَهَا لاَ يَكُونُ بِهِ النَّعَمُ هَدْيًا، وَلَوْ نَوَاهُ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِذَلِكَ، عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، كَمَا لَوْ كَتَبَ الْوَقْفَ عَلَى بَابِ دَارِهِ (١) . ثَانِيًا: تَقْلِيدُ التَّمَائِمِ وَمَا يُتَعَوَّذُ بِهِ: ٩ - الْمُرَادُ بِتَقْلِيدِ التَّمَائِمِ وَالتَّعْوِيذَاتِ جَعْلُهَا فِي عُنُقِ الصَّبِيِّ أَوِ الصَّبِيَّةِ أَوِ الدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا. كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تَجْلِبُ الْخَيْرَ أَوْ تَدْفَعُ الأَْذَى وَالْعَيْنَ (٢) . وَيُنْظَرُ حُكْمُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَعْوِيذَةٌ) . ثَالِثًا: تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ: ١٠ - التَّقْلِيدُ قَبُول قَوْل الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، كَأَخْذِ الْعَامِّيِّ مِنَ الْمُجْتَهِدِ فَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ تَقْلِيدًا، وَالرُّجُوعُ إِلَى الإِْجْمَاعِ لَيْسَ تَقْلِيدًا كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ إِلَى مَا هُوَ الْحُجَّةُ فِي نَفْسِهِ (٣) .

стр. 7942

حُكْمُ التَّقْلِيدِ: ١١ - أَهْل التَّقْلِيدِ لَيْسُوا طَبَقَةً مِنْ طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ، فَالْمُقَلِّدُ لَيْسَ فَقِيهًا، فَإِنَّ الْفِقْهَ مَمْدُوحٌ فِي كَلاَمِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّقْلِيدُ مَذْمُومٌ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَوْعٌ مِنَ التَّقْصِيرِ (١) . أ - حُكْمُ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ: ١٢ - التَّقْلِيدُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ فِي الْعَقَائِدِ، كَوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَوُجُوبِ إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَمَعْرِفَةِ صِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ فَلاَ بُدَّ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْعِلْمِ وَإِلَى طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، وَمَعْرِفَةِ أَدِلَّةِ ذَلِكَ. وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ لِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ التَّقْلِيدَ فِي الْعَقِيدَةِ بِمِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿بَل قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢) ، وَلَمَّا نَزَل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُِولِي الأَْلْبَابِ﴾ (٣) قَال النَّبِيُّ ﷺ : لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ. وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا (٤) . وَلأَِنَّ الْمُقَلِّدَ فِي ذَلِكَ يَجُوزُ الْخَطَأُ عَلَى مُقَلَّدِهِ،

стр. 7943

وَيَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِي إِخْبَارِهِ، وَلاَ يَكْفِي التَّعْوِيل فِي ذَلِكَ عَلَى سُكُونِ النَّفْسِ إِلَى صِدْقِ الْمُقَلَّدِ، إِذْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ سُكُونِ أَنْفُسِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَلَّدُوا أَسْلاَفَهُمْ وَسَكَنَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْل، فَعَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ (١) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الاِكْتِفَاءِ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ، وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى الظَّاهِرِيَّةِ (٢) . ثُمَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يُلْحَقُ بِالْعَقَائِدِ فِي هَذَا الأَْمْرِ كُل مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَلاَ تَقْلِيدَ فِيهِ؛ لأَِنَّ الْعِلْمَ بِهِ يَحْصُل بِالتَّوَاتُرِ وَالإِْجْمَاعِ، وَمِنْ ذَلِكَ الأَْخْذُ بِأَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسَةِ. ب - حُكْمُ التَّقْلِيدِ فِي الْفُرُوعِ: ١٣ - اخْتُلِفَ فِي التَّقْلِيدِ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى رَأْيَيْنِ: الأَْوَّل: جَوَازُ التَّقْلِيدِ فِيهَا وَهُوَ رَأْيُ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ (٣) ، قَالُوا: لأَِنَّ الْمُجْتَهِدَ فِيهَا إِمَّا مُصِيبٌ وَإِمَّا مُخْطِئٌ مُثَابٌ غَيْرُ آثِمٍ، فَجَازَ التَّقْلِيدُ فِيهَا، بَل وَجَبَ عَلَى الْعَامِّيِّ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ

стр. 7944

مُكَلَّفٌ بِالْعَمَل بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الأَْدِلَّةِ عَلَيْهَا خَفَاءٌ يُحْوِجُ إِلَى النَّظَرِ وَالاِجْتِهَادِ، وَتَكْلِيفُ الْعَوَّامِ رُتْبَةَ الاِجْتِهَادِ يُؤَدِّي إِلَى انْقِطَاعِ الْحَرْثِ وَالنَّسْل، وَتَعْطِيل الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ، فَيُؤَدِّي إِلَى الْخَرَابِ، وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانَ يُفْتِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيُفْتُونَ غَيْرَهُمْ، وَلاَ يَأْمُرُونَهُمْ بِنَيْل دَرَجَةِ الاِجْتِهَادِ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِسُؤَال الْعُلَمَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) . الثَّانِي: إِنَّ التَّقْلِيدَ مُحَرَّمٌ لاَ يَجُوزُ. قَال بِذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ الْقَيِّمِ، وَالشَّوْكَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ التَّقْلِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) وَقَوْلِهِ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ﴾ (٣) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ، وَإِنَّ الأَْئِمَّةَ قَدْ نَهَوْا عَنْ تَقْلِيدِهِمْ، قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: لاَ يَحِل لأَِحَدٍ أَنْ يَقُول بِقَوْلِنَا حَتَّى يَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ قُلْنَاهُ. وَقَال الْمُزَنِيُّ فِي أَوَّل مُخْتَصَرِهِ: اخْتَصَرْتُ هَذَا مِنْ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ مَعَ إِعْلاَمِهِ نَهْيَهُ عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ لِيُنْظَرَ فِيهِ لِدِينِهِ وَيَحْتَاطَ لِنَفْسِهِ وَقَال أَحْمَدُ: لاَ تُقَلِّدْنِي، وَلاَ تُقَلِّدْ مَالِكًا

стр. 7945

وَلاَ الثَّوْرِيَّ، وَلاَ الأَْوْزَاعِيَّ، وَخُذْ مِنْ حَيْثُ أَخَذُوا (١) . وَفِي بَعْضِ كَلاَمِ ابْنِ الْقَيِّمِ أَنَّ التَّقْلِيدَ الَّذِي يَرَى امْتِنَاعَهُ هُوَ (اتِّخَاذُ أَقْوَال رَجُلٍ بِعَيْنِهِ بِمَنْزِلَةِ نُصُوصِ الشَّارِعِ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلٍ سِوَاهُ، بَل لاَ إِلَى نُصُوصِ الشَّارِعِ، إِلاَّ إِذَا وَافَقَتْ نُصُوصَ قَوْلِهِ. قَال فَهَذَا هُوَ التَّقْلِيدُ الَّذِي أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي دِينِ اللَّهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي الأُْمَّةِ إِلاَّ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ) (٢) . وَأَثْبَتَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَالشَّوْكَانِيُّ فَوْقَ التَّقْلِيدِ مَرْتَبَةً أَقَل مِنَ الاِجْتِهَادِ، هِيَ مَرْتَبَةُ الاِتِّبَاعِ، وَحَقِيقَتُهَا الأَْخْذُ بِقَوْل الْغَيْرِ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ، عَلَى حَدِّ مَا وَرَدَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (لاَ يَحِل لأَِحَدٍ أَنْ يَقُول مَقَالَتَنَا حَتَّى يَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ قُلْنَا) (٣) . غَيْرَ أَنَّ التَّقْلِيدَ يَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَظْفَرِ الْعَالِمُ بِنَصٍّ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ

стр. 7946

السُّنَّةِ، وَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ قَوْل مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، فَيُقَلِّدُهُ. أَمَّا التَّقْلِيدُ الْمُحَرَّمُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ مُتَمَكِّنًا مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِدَلِيلِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَعْدِل إِلَى التَّقْلِيدِ، فَهُوَ كَمَنْ يَعْدِل إِلَى الْمَيْتَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمُذَكَّى. وَالتَّقْلِيدُ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الاِجْتِهَادِ، أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ لَكِنْ لَمْ يَجِدِ الْوَقْتَ لِذَلِكَ، فَهِيَ حَال ضَرُورَةٍ كَمَا قَال ابْنُ الْقَيِّمِ. وَقَدْ أَفْتَى الإِْمَامُ أَحْمَدُ بِقَوْل الشَّافِعِيِّ، وَقَال: إِذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ أَعْرِفْ فِيهَا خَبَرًا أَفْتَيْتُ فِيهَا بِقَوْل الشَّافِعِيِّ، لأَِنَّهُ إِمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ (١) ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : لاَ تَسُبُّوا قُرَيْشًا، فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلأَُ طِبَاقَ الأَْرْضِ عِلْمًا (٢) . شُرُوطُ مَنْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ: ١٤ - لاَ يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَسْتَفْتِيَ إِلاَّ مَنْ يَعْرِفُهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ، أَمَّا مَنْ عَرَفَهُ بِالْجَهْل فَلاَ يَسْأَلُهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لاَ يَسْأَل مَنْ عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، لِمَا يَرَاهُ مِنَ انْتِصَابِهِ لِلْفُتْيَا وَأَخْذِ النَّاسِ عَنْهُ بِمَشْهَدٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، وَمَا يَلْمَحُهُ فِيهِ مِنْ سِمَاتِ أَهْل الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالسَّتْرِ، أَوْ يُخْبِرُهُ

стр. 7947

بِذَلِكَ ثِقَةٌ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى إِلاَّ مَنْ يُفْتِي بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ. أَمَّا مَجْهُول الْحَال فِي الْعِلْمِ فَلاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ إِذْ قَدْ يَكُونُ أَجْهَل مِنَ السَّائِل. وَأَمَّا مَجْهُول الْحَال فِي الْعَدَالَةِ فَقَدْ قِيل: لاَ بُدَّ مِنَ السُّؤَال عَنْهُ مِنْ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ كَذِبَهُ وَتَدْلِيسَهُ، وَقِيل: لاَ يَلْزَمُ السُّؤَال عَنِ الْعَدَالَةِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْعُلَمَاءِ الْعَدَالَةُ (١) . وَلاَ يُقَلِّدُ مُتَسَاهِلاً فِي الْفُتْيَا، وَلاَ مَنْ يَبْتَغِي الْحِيَل الْمُحَرَّمَةَ، وَلاَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى الأَْقْوَال الشَّاذَّةِ الَّتِي يُنْكِرُهَا الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ (٢) . مَنْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ: ١٥ - تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ هُوَ الْعَامِّيُّ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ الْقَادِرِينَ عَلَى الاِجْتِهَادِ. وَكَذَلِكَ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الاِجْتِهَادِ إِذَا اسْتَشْعَرَ الْفَوَاتَ لَوِ اشْتَغَل بِالاِجْتِهَادِ فِي الأَْحْكَامِ، فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مُجْتَهِدًا. فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ لَوْ أَرَادَ التَّقْلِيدَ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ وَإِمْكَانِ الاِجْتِهَادِ فَقَدْ قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ. وَقِيل: يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ.

стр. 7948

وَدَلِيل الْقَوْل بِأَنَّ الاِجْتِهَادَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يُضَاهِي النَّصَّ، فَلاَ يَعْدِل عَنِ الاِجْتِهَادِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ، كَمَا لاَ يَعْدِل عَنِ النَّصِّ إِلَى الْقِيَاسِ (١) . أَمَّا إِنِ اجْتَهَدَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلاِجْتِهَادِ، فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَصِيرَ إِلَى الْعَمَل أَوِ الإِْفْتَاءِ بِقَوْل غَيْرِهِ تَقْلِيدًا لِمَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ، قَال صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: " إِجْمَاعًا " أَيْ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ مَا عَلِمَهُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ فَلاَ يَتْرُكُهُ لِقَوْل أَحَدٍ. وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ نَفَذَ حُكْمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَلَمْ يَنْفُذْ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى، وَلاَ عَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (٢) . وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِتَجَزُّؤِ الاِجْتِهَادِ يَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ أَنْ يُقَلِّدَ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ حُكْمُ الشَّرْعِ فِيهِ، فَيَكُونُ مُجْتَهِدًا فِي الْبَعْضِ مُقَلِّدًا فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ، وَلَكِنْ قِيل: إِنَّهُ مَا دَامَ عَالِمًا فَلاَ يُقَلِّدُ إِلاَّ بِشَرْطِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الصِّحَّةِ، بِأَنْ يُظْهِرَهُ لَهُ الْمُجْتَهِدُ الآْخَرُ (٣) .

стр. 7949

وَأَيْضًا قَدْ يُقَلِّدُ الْعَالِمَ فِي الثُّبُوتِ، كَمَنْ قَلَّدَ الْبُخَارِيَّ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ يَجْتَهِدُ فِي الدَّلاَلَةِ أَوِ الْقِيَاسِ أَوْ دَفْعِ التَّعَارُضِ بِنَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِ. تَعَدُّدُ الْمُفْتِينَ وَاخْتِلاَفُهُمْ عَلَى الْمُقَلِّدِ: ١٦ - إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إِلاَّ مُفْتٍ وَاحِدٌ وَجَبَ عَلَى الْمُقَلِّدِ مُرَاجَعَتُهُ وَالْعَمَل بِمَا أَفْتَاهُ بِهِ مِمَّا لاَ يَعْلَمُهُ. وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُفْتُونَ وَكُلُّهُمْ أَهْلٌ، فَلِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَسْأَل مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَلاَ يَلْزَمُهُ مُرَاجَعَةُ الأَْعْلَمِ، وَذَلِكَ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْعَوَامَّ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَسْأَلُونَ الْفَاضِل وَالْمَفْضُول، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَى أَحَدٍ فِي سُؤَال غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَلاَ يَلْزَمُ إِلاَّ مُرَاعَاةُ الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ. لَكِنْ إِذَا تَنَاقَضَ قَوْل عَالِمَيْنِ، فَأَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ مَا أَفْتَاهُ بِهِ الآْخَرُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الأَْخْذُ بِقَوْل مَنْ يَرَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ الأَْفْضَل مِنْهُمَا فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ. فَوَاجِبُهُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْمُقَلَّدِينَ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ. قَال صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: يَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إِجْمَاعًا. وَهَذَا لأَِنَّ الْغَلَطَ عَلَى الأَْعْلَمِ أَبْعَدُ وَمِنَ الأَْقَل عِلْمًا أَقْرَبُ. وَلَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَجْعَل نَفْسَهُ بِالْخِيَارِ يَأْخُذُ مَا شَاءَ وَيَتْرُكُ مَا شَاءَ، وَخَاصَّةً إِذَا تَتَبَّعَ الرُّخَصَ لِيَأْخُذَ بِمَا يَهْوَاهُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي. وَذَلِكَ كَمَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ وَاجِبُهُ التَّرْجِيحُ

стр. 7950

بَيْنَ الأَْدِلَّةِ وَلَيْسَ لَهُ التَّخَيُّرُ مِنْهَا اتِّفَاقًا. وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا التَّخَيُّرَ - وَهُمْ قِلَّةٌ - إِنَّمَا أَجَازُوهُ عِنْدَ عَدَمِ إِمْكَانِ التَّرْجِيحِ (١) . وَيُنْظَرُ الْخِلاَفُ فِي ذَلِكَ وَالتَّفْصِيل فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ، إِذْ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ. تَقْلِيدُ الْمَذَاهِبِ: ١٧ - قَال الشَّوْكَانِيُّ: اخْتَلَفَ الْمُجَوِّزُونَ لِلتَّقْلِيدِ هَل يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، فَقَال جَمَاعَةٌ: يَلْزَمُهُ، وَاخْتَارَهُ إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ. وَقَال آخَرُونَ: لاَ يَلْزَمُهُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ وَالنَّوَوِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى الْعَامَّةِ تَقْلِيدَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل وَبَعْضِهِمْ فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُقَلِّدُونَ مَنْ شَاءُوا قَبْل ظُهُورِ الْمَذَاهِبِ (٢) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِعَزَائِمِهِ وَرُخَصِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى بِالاِلْتِزَامِ مِنْهُ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ
следующие страницы →