Полный текст (31 949 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.
стр. 7946
السُّنَّةِ، وَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ قَوْل مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، فَيُقَلِّدُهُ. أَمَّا التَّقْلِيدُ الْمُحَرَّمُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ مُتَمَكِّنًا مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِدَلِيلِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَعْدِل إِلَى التَّقْلِيدِ، فَهُوَ كَمَنْ يَعْدِل إِلَى الْمَيْتَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمُذَكَّى.
وَالتَّقْلِيدُ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الاِجْتِهَادِ، أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ لَكِنْ لَمْ يَجِدِ الْوَقْتَ لِذَلِكَ، فَهِيَ حَال ضَرُورَةٍ كَمَا قَال ابْنُ الْقَيِّمِ. وَقَدْ أَفْتَى الإِْمَامُ أَحْمَدُ بِقَوْل الشَّافِعِيِّ، وَقَال: إِذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ أَعْرِفْ فِيهَا خَبَرًا أَفْتَيْتُ فِيهَا بِقَوْل الشَّافِعِيِّ، لأَِنَّهُ إِمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ (١) ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : لاَ تَسُبُّوا قُرَيْشًا، فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلأَُ طِبَاقَ الأَْرْضِ عِلْمًا (٢) .
شُرُوطُ مَنْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ:
١٤ - لاَ يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَسْتَفْتِيَ إِلاَّ مَنْ يَعْرِفُهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ، أَمَّا مَنْ عَرَفَهُ بِالْجَهْل فَلاَ يَسْأَلُهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لاَ يَسْأَل مَنْ عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، لِمَا يَرَاهُ مِنَ انْتِصَابِهِ لِلْفُتْيَا وَأَخْذِ النَّاسِ عَنْهُ بِمَشْهَدٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، وَمَا يَلْمَحُهُ فِيهِ مِنْ سِمَاتِ أَهْل الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالسَّتْرِ، أَوْ يُخْبِرُهُ стр. 7947
بِذَلِكَ ثِقَةٌ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى إِلاَّ مَنْ يُفْتِي بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ. أَمَّا مَجْهُول الْحَال فِي الْعِلْمِ فَلاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ إِذْ قَدْ يَكُونُ أَجْهَل مِنَ السَّائِل. وَأَمَّا مَجْهُول الْحَال فِي الْعَدَالَةِ فَقَدْ قِيل: لاَ بُدَّ مِنَ السُّؤَال عَنْهُ مِنْ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ كَذِبَهُ وَتَدْلِيسَهُ، وَقِيل: لاَ يَلْزَمُ السُّؤَال عَنِ الْعَدَالَةِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْعُلَمَاءِ الْعَدَالَةُ (١) .
وَلاَ يُقَلِّدُ مُتَسَاهِلاً فِي الْفُتْيَا، وَلاَ مَنْ يَبْتَغِي الْحِيَل الْمُحَرَّمَةَ، وَلاَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى الأَْقْوَال الشَّاذَّةِ الَّتِي يُنْكِرُهَا الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ (٢) .
مَنْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ:
١٥ - تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ هُوَ الْعَامِّيُّ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ الْقَادِرِينَ عَلَى الاِجْتِهَادِ. وَكَذَلِكَ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الاِجْتِهَادِ إِذَا اسْتَشْعَرَ الْفَوَاتَ لَوِ اشْتَغَل بِالاِجْتِهَادِ فِي الأَْحْكَامِ، فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مُجْتَهِدًا. فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ لَوْ أَرَادَ التَّقْلِيدَ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ وَإِمْكَانِ الاِجْتِهَادِ فَقَدْ قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ. وَقِيل: يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ. стр. 7948
وَدَلِيل الْقَوْل بِأَنَّ الاِجْتِهَادَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يُضَاهِي النَّصَّ، فَلاَ يَعْدِل عَنِ الاِجْتِهَادِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ، كَمَا لاَ يَعْدِل عَنِ النَّصِّ إِلَى الْقِيَاسِ (١) . أَمَّا إِنِ اجْتَهَدَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلاِجْتِهَادِ، فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَصِيرَ إِلَى الْعَمَل أَوِ الإِْفْتَاءِ بِقَوْل غَيْرِهِ تَقْلِيدًا لِمَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ، قَال صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: " إِجْمَاعًا " أَيْ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ مَا عَلِمَهُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ فَلاَ يَتْرُكُهُ لِقَوْل أَحَدٍ. وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ نَفَذَ حُكْمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَلَمْ يَنْفُذْ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى، وَلاَ عَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (٢) .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِتَجَزُّؤِ الاِجْتِهَادِ يَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ أَنْ يُقَلِّدَ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ حُكْمُ الشَّرْعِ فِيهِ، فَيَكُونُ مُجْتَهِدًا فِي الْبَعْضِ مُقَلِّدًا فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ، وَلَكِنْ قِيل: إِنَّهُ مَا دَامَ عَالِمًا فَلاَ يُقَلِّدُ إِلاَّ بِشَرْطِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الصِّحَّةِ، بِأَنْ يُظْهِرَهُ لَهُ الْمُجْتَهِدُ الآْخَرُ (٣) . стр. 7949
وَأَيْضًا قَدْ يُقَلِّدُ الْعَالِمَ فِي الثُّبُوتِ، كَمَنْ قَلَّدَ الْبُخَارِيَّ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ يَجْتَهِدُ فِي الدَّلاَلَةِ أَوِ الْقِيَاسِ أَوْ دَفْعِ التَّعَارُضِ بِنَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِ.
تَعَدُّدُ الْمُفْتِينَ وَاخْتِلاَفُهُمْ عَلَى الْمُقَلِّدِ:
١٦ - إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إِلاَّ مُفْتٍ وَاحِدٌ وَجَبَ عَلَى الْمُقَلِّدِ مُرَاجَعَتُهُ وَالْعَمَل بِمَا أَفْتَاهُ بِهِ مِمَّا لاَ يَعْلَمُهُ. وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُفْتُونَ وَكُلُّهُمْ أَهْلٌ، فَلِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَسْأَل مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَلاَ يَلْزَمُهُ مُرَاجَعَةُ الأَْعْلَمِ، وَذَلِكَ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْعَوَامَّ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَسْأَلُونَ الْفَاضِل وَالْمَفْضُول، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَى أَحَدٍ فِي سُؤَال غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَلاَ يَلْزَمُ إِلاَّ مُرَاعَاةُ الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ.
لَكِنْ إِذَا تَنَاقَضَ قَوْل عَالِمَيْنِ، فَأَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ مَا أَفْتَاهُ بِهِ الآْخَرُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الأَْخْذُ بِقَوْل مَنْ يَرَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ الأَْفْضَل مِنْهُمَا فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ. فَوَاجِبُهُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْمُقَلَّدِينَ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ. قَال صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: يَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إِجْمَاعًا. وَهَذَا لأَِنَّ الْغَلَطَ عَلَى الأَْعْلَمِ أَبْعَدُ وَمِنَ الأَْقَل عِلْمًا أَقْرَبُ. وَلَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَجْعَل نَفْسَهُ بِالْخِيَارِ يَأْخُذُ مَا شَاءَ وَيَتْرُكُ مَا شَاءَ، وَخَاصَّةً إِذَا تَتَبَّعَ الرُّخَصَ لِيَأْخُذَ بِمَا يَهْوَاهُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي. وَذَلِكَ كَمَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ وَاجِبُهُ التَّرْجِيحُ
стр. 7950
بَيْنَ الأَْدِلَّةِ وَلَيْسَ لَهُ التَّخَيُّرُ مِنْهَا اتِّفَاقًا. وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا التَّخَيُّرَ - وَهُمْ قِلَّةٌ - إِنَّمَا أَجَازُوهُ عِنْدَ عَدَمِ إِمْكَانِ التَّرْجِيحِ (١) . وَيُنْظَرُ الْخِلاَفُ فِي ذَلِكَ وَالتَّفْصِيل فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ، إِذْ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ.
تَقْلِيدُ الْمَذَاهِبِ:
١٧ - قَال الشَّوْكَانِيُّ: اخْتَلَفَ الْمُجَوِّزُونَ لِلتَّقْلِيدِ هَل يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، فَقَال جَمَاعَةٌ: يَلْزَمُهُ، وَاخْتَارَهُ إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ. وَقَال آخَرُونَ: لاَ يَلْزَمُهُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ وَالنَّوَوِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى الْعَامَّةِ تَقْلِيدَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل وَبَعْضِهِمْ فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُقَلِّدُونَ مَنْ شَاءُوا قَبْل ظُهُورِ الْمَذَاهِبِ (٢) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِعَزَائِمِهِ وَرُخَصِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى بِالاِلْتِزَامِ مِنْهُ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ стр. 7951
فَلاَ يَعْدِل عَنْهُ، وَلاَ يَتْبَعُ أَحَدًا فِي مُخَالَفَةِ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ عَنْهُ بِتَقْلِيدٍ سَائِغٍ، أَيْ بِتَقْلِيدِ عَالِمٍ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ أَفْتَاهُ (١) .
أَثَرُ الْعَمَل بِالتَّقْلِيدِ الصَّحِيحِ:
١٨ - مَنْ عَمِل بِتَقْلِيدٍ صَحِيحٍ فَلاَ إِنْكَارَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لاَ إِنْكَارَ فِي الْمَسَائِل الاِجْتِهَادِيَّةِ. وَدَعْوَى الْحِسْبَةِ أَيْضًا لاَ تَدْخُل فِيهَا، وَلِذَلِكَ فَلاَ يَمْنَعُهُ الْحَاكِمُ مَا فَعَل. وَهَذَا وَاضِحٌ فِيمَا ضَرَرُهُ قَاصِرٌ عَلَى الْمُقَلِّدِ نَفْسِهِ، كَمَنْ مَسَّ فَرْجَهُ ثُمَّ صَلَّى دُونَ أَنْ يَتَوَضَّأَ. لَكِنْ لَوْ كَانَ فِي فِعْلِهِ ضَرَرٌ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ، فَقَدْ قِيل: إِنَّ الْحَاكِمَ أَوِ الْمُحْتَسِبَ إِنْ كَانَ يَرَى حُرْمَةَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الاِعْتِرَاضُ عَلَيْهِ (٢) .
وَلَيْسَ مَعْنَى عَدَمِ الإِْنْكَارِ عَلَى مَنْ عَمِل بِتَقْلِيدٍ صَحِيحٍ تَرْكَ الْبَيَانِ لَهُ مِنْ عَالِمٍ يَرَى مَرْجُوحِيَّةَ فِعْلِهِ، وَكَانَ الْبَيَانُ دَأْبَ أَهْل الْعِلْمِ وَلاَ يَزَال، فَضْلاً عَنِ الأَْخْذِ وَالرَّدِّ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَقَدْ يُخَطِّئُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَخَاصَّةً مَنْ خَالَفَ نَصًّا صَحِيحًا سَالِمًا مِنَ الْمُعَارَضَةِ. وَهَذَا وَاضِحٌ عَلَى قَوْل أَكْثَرِ الأُْصُولِيِّينَ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ تَخْطِئَةِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْمَسَائِل الاِجْتِهَادِيَّةِ. إِلاَّ أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ يَكُونُ стр. 7952
مَعَ تَمْهِيدِ الْعُذْرِ لِلْمُخَالِفِ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، وَحِفْظِ رُتْبَتِهِ وَإِقَامَةِ هَيْبَتِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَيْضًا لاَ تَمْنَعُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى مُقَلِّدٍ رُفِعَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ بِمَا يَرَاهُ طِبْقًا لاِجْتِهَادِهِ، إِذْ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِخِلاَفِ مُعْتَقَدِهِ (١)
إِفْتَاءُ الْمُقَلِّدِ:
١٩ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَرْطَ صِحَّةٍ وَلَكِنَّهُ شَرْطُ أَوْلَوِيَّةٍ، تَسْهِيلاً عَلَى النَّاسِ (٢) .
وَصَحَّحَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ إِفْتَاءَ الْمُقَلِّدِ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِ وُجُودِ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ (٣) ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - بِالضَّرُورَةِ (٤) . وَنَقَل الشَّوْكَانِيُّ اشْتِرَاطَ بَعْضِ الأُْصُولِيِّينَ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي أَهْلاً لِلنَّظَرِ مُطَّلِعًا عَلَى مَأْخَذِ مَا يُفْتِي بِهِ وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ (٥) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْمُفْتِي يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا سَمِعَ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ مُفْتِيًا فِي تِلْكَ الْحَال وَإِنَّمَا هُوَ مُخْبِرٌ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ مِنْ стр. 7953
أَهْل الاِجْتِهَادِ فَيَكُونُ مَعْمُولاً بِخَبَرِهِ لاَ بِفُتْيَاهُ (١) . وَصَحَّحَ الشَّوْكَانِيُّ أَنَّ مَا يُلْقِيهِ الْمُقَلِّدُ عَنْ مُقَلَّدِهِ إِلَى الْمُسْتَفْتِي لَيْسَ مِنَ الْفُتْيَا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ نَقْل قَوْلٍ. قَال: الَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّ الْمُفْتِيَ الْمُقَلِّدَ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يُفْتِيَ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ، أَوْ عَنِ الْحَقِّ، أَوْ عَمَّا يَحِل لَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْمُقَلِّدَ لاَ يَدْرِي بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ، بَل لاَ يَعْرِفُهَا إِلاَّ الْمُجْتَهِدُ. وَهَذَا إِنْ سَأَلَهُ السَّائِل سُؤَالاً مُطْلَقًا. وَأَمَّا إِنْ سَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ قَوْل فُلاَنٍ وَرَأْيِ فُلاَنٍ فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَنْقُل إِلَيْهِ ذَلِكَ وَيَرْوِيهِ لَهُ إِنْ كَانَ عَارِفًا بِمَذْهَبِهِ (٢) .
وَنَقَل ابْنُ الصَّلاَحِ عَنِ الْحَلِيمِيِّ وَالرُّويَانِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ، ثُمَّ قَال ابْنُ الصَّلاَحِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ فِي صُورَةِ مَا يَقُولُهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَل يُضَيِّفُهُ وَيَحْكِيهِ عَنْ إِمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ. قَال ابْنُ الصَّلاَحِ: فَعَلَى هَذَا مَنْ عَدَدْنَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمُفْتِينَ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ لَيْسُوا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنَ الْمُفْتِينَ، وَلَكِنَّهُمْ قَامُوا مَقَامَهُمْ وَأَدَّوْا عَنْهُمْ (٣) . стр. 7954
هَل الْمُقَلِّدُ مِنْ أَهْل الإِْجْمَاعِ ؟
٢٠ - يَرَى جُمْهُورُ الأُْصُولِيِّينَ أَنَّ الْمُقَلِّدَ لاَ يُعْتَبَرُ فَقِيهًا، وَلِذَا قَالُوا: إِنَّ رَأْيَهُ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الإِْجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ عَارِفًا بِالْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ، إِذِ الْجَامِعُ بَيْنَ أَهْل الإِْجْمَاعِ هُوَ الرَّأْيُ، وَلَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ رَأْيٌ إِذْ رَأْيُهُ هُوَ عَنْ رَأْيِ إِمَامِهِ. وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فِي بَعْضِ الْمَسَائِل، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَعَلَى أَسَاسِ قَاعِدَةِ جَوَازِ تَجَزُّؤِ الاِجْتِهَادِ، يُعْتَدُّ بِالْمُقَلِّدِ فِي الإِْجْمَاعِ فِي الْمَسَائِل الَّتِي يَجْتَهِدُ فِيهَا (١) .
قَضَاءُ الْمُقَلِّدِ:
٢١ - يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، فِي الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا. وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَلِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَل اللَّهُ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ (٣) وَفَاقِدُ الاِجْتِهَادِ إِنَّمَا يَحْكُمُ بِالتَّقْلِيدِ وَلاَ يَعْرِفُ الرَّدَّ إِلَى مَا أَنْزَل اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُول.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَيَحْكُمَ بِقَوْل سِوَاهُ، سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِيهِ أَمْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ، وَسَوَاءٌ ضَاقَ الْوَقْتُ أَمْ لَمْ يَضِقْ. وَقَال سَائِرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي стр. 7955
الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا، لِئَلاَّ تَتَعَطَّل أَحْكَامُ النَّاسِ، وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ غَرَضَ الْقَضَاءِ فَصْل الْخُصُومَاتِ فَإِذَا تَحَقَّقَ بِالتَّقْلِيدِ جَازَ (١) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدُ جَازَ تَوْلِيَةُ الْمُقَلِّدِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَتَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ بِأَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يُوَلِّيَهُ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ، بِخِلاَفِ نَائِبِ السُّلْطَانِ، كَالْقَاضِي الأَْكْبَرِ، فَلاَ تُعْتَبَرُ تَوْلِيَتُهُ لِقَاضٍ مُقَلِّدٍ ضَرُورَةً. وَيَحْرُمُ عَلَى السُّلْطَانِ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ. ثُمَّ لَوْ زَالَتِ الشَّوْكَةُ انْعَزَل الْقَاضِي بِزَوَالِهَا.
الثَّانِي: أَنْ لاَ يُوجَدَ مُجْتَهِدٌ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَإِنْ وُجِدَ مُجْتَهِدٌ صَالِحٌ لِلْقَضَاءِ لَمْ يَجُزْ تَوْلِيَةُ الْمُقَلِّدِ، وَلَمْ تَنْفُذْ تَوْلِيَتُهُ. وَعَلَى قَاضِي الضَّرُورَةِ أَنْ يُرَاجِعَ الْعُلَمَاءَ، وَهَذَا مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَذْكُرَ مُسْتَنَدَهُ فِي أَحْكَامِهِ.
مَا يَفْعَلُهُ الْمُقَلِّدُ إِذَا تَغَيَّرَ الاِجْتِهَادُ:
٢٢ - إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ أَنْ فَعَل الْمُقَلِّدُ طِبْقًا لِمَا أَفْتَاهُ بِهِ، لَمْ يَلْزَمِ الْمُقَلِّدَ مُتَابَعَةُ الْمُقَلَّدِ فِي стр. 7956
اجْتِهَادِهِ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ لِتَصَرُّفٍ أَمْضَاهُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِلاَ وَلِيٍّ - مَثَلاً - مُقَلِّدًا لِمُجْتَهِدٍ يَرَى صِحَّةَ النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ إِلَى الْبُطْلاَنِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ حَكَمَ لَهُ حَاكِمٌ بِذَلِكَ، إِذْ لاَ يُنْقَضُ الاِجْتِهَادُ بِمِثْلِهِ. وَلاَ يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَنْ يُعْلِمَ مَنْ قَلَّدَهُ بِذَلِكَ. وَهَذَا إِنْ كَانَ الاِجْتِهَادُ مُعْتَبَرًا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ يَقِينًا، بِأَنْ كَانَ مُخَالِفًا لِنَصٍّ صَحِيحٍ سَالِمٍ مِنَ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ، أَوْ لِقِيَاسٍ جَلِيٍّ، فَيُنْقَضُ. وَقِيل بِالتَّفْرِيقِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، فَفِي النِّكَاحِ يُنْقَضُ وَفِي غَيْرِهِ لاَ يُنْقَضُ. أَمَّا قَبْل أَنْ يَتَصَرَّفَ الْمُقَلِّدُ بِنَاءً عَلَى الْفُتْيَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى ذَلِكَ التَّصَرُّفِ بَعْدَ تَغَيُّرِ الاِجْتِهَادِ إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْفُتْيَا مُسْتَنَدَهُ الْوَحِيدَ (١) .
التَّقْلِيدُ فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَمَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ:
٢٣ - مَنْ أَمْكَنَهُ مَعْرِفَةُ جِهَةِ الْقِبْلَةِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا دُونَ حَرَجٍ يَلْحَقُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الأَْخْذُ بِالْخَبَرِ стр. 7957
عَنْهَا، وَحَرُمَ عَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ وَالتَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ. وَإِلاَّ يُمْكِنْهُ الْعِلْمُ أَخَذَ بِخَبَرِ ثِقَةٍ يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ وَالتَّقْلِيدُ، وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ وَلاَ يُقَلِّدَ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الاِجْتِهَادِ فِي الأَْدِلَّةِ يُقَلِّدُ ثِقَةً عَارِفًا بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ. فَلَوْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ مُعْتَبَرٍ وَقَدْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُقَلِّدَ لَزِمَتْهُ الإِْعَادَةُ وَلَوْ صَادَفَتْ صَلاَتُهُ الْقِبْلَةَ. أَمَّا مَا صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ أَوِ التَّقْلِيدِ وَصَادَفَ الْقِبْلَةَ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنِ الْحَال فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ (١) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ تَحْتَ عِنْوَانِ (اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ) . وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْل فِي التَّقْلِيدِ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ (٢) (ر: أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) .
أَمَّا تَقْلِيدُ أَهْل الْخِبْرَةِ مِنِ الْمُنَجِّمِينَ وَالْحَاسِبِينَ إِذَا اجْتَهَدُوا فِي دُخُول شَهْرِ رَمَضَانَ مَثَلاً بِالنَّظَرِ فِي الْحِسَابِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الصَّوْمُ وَلاَ الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ وَلاَ يَجُوزُ.
وَقَال الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ لِلْمُنَجِّمِ وَالْحَاسِبِ أَنْ يَعْمَلاَ بِمَعْرِفَتِهِمَا بَل يَجِبُ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ تَقْلِيدُهُمَا. وَقَال فِي مَوْضِعٍ стр. 7958
آخَرَ: إِنَّ لِغَيْرِهِ الْعَمَل بِهِ (١) .
وَلَكِنْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ مِنَ الصَّائِمِ فِي الْفَجْرِ وَالْغُرُوبِ وَلَوْ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الاِجْتِهَادِ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ بِكَثْرَةِ الْخَطَأِ فِيهَا (٢) .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. стр. 7959
تَقَوُّمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقَوُّمُ: مَصْدَرُ تَقَوَّمَ الشَّيْءُ تَقَوُّمًا. مُطَاوِعُ قَوَّمَ يُقَال: قَوَّمْتُهُ فَتَقَوَّمَ أَيْ: عَدَّلْتُهُ فَتَعَدَّل، وَثَمَّنْتُهُ فَتَثَمَّنَ (١) . وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: كَوْنُ الشَّيْءِ مَالاً مُبَاحَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا فِي غَيْرِ ضَرُورَةٍ. فَكُل مُتَقَوِّمٍ مَالٌ، وَلَيْسَ كُل مَالٍ مُتَقَوِّمًا، فَمَا يُبَاحُ بِلاَ تَمَوُّلٍ لاَ يَكُونُ مَالاً كَحَبَّةِ قَمْحٍ. وَمَا يُتَمَوَّل بِلاَ إِبَاحَةِ انْتِفَاعٍ لاَ يَكُونُ مُتَقَوِّمًا كَالْخَمْرِ. وَإِذَا عُدِمَ الأَْمْرَانِ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، كَالدَّمِ، وَإِذَا وُجِدَا كَانَ الشَّيْءُ مَالاً مُتَقَوِّمًا (٢) .
وَقَدْ يُسْتَعْمَل التَّقَوُّمُ فِيمَا يَحْصُرُهُ عَدٌّ أَوْ ذَرْعٌ، كَحَيَوَانٍ وَثِيَابٍ، فَالتَّقَوُّمُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ يُقَابِل الْمِثْلِيَّ (٣) . стр. 7960
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) :
أ - التَّمَوُّل:
٢ - يُرَادُ بِالتَّمَوُّل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ اتِّخَاذُ الْمَال قُنْيَةٌ (١) .
فَالتَّقَوُّمُ أَخَصُّ مِنَ التَّمَوُّل، لأَِنَّ التَّقَوُّمَ يَسْتَلْزِمُ إِبَاحَةَ الاِنْتِفَاعِ بِالشَّيْءِ شَرْعًا، فَضْلاً عَنْ كَوْنِهِ مُتَمَوَّلاً (٢) .
(الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ) :
٣ - يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ - بِجَانِبِ تَوَافُرِ سَائِرِ الشُّرُوطِ - أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّمًا، أَيْ يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمَال غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ. وَهَذَا مَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٣) . إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَيْعِ غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ وَالشِّرَاءِ بِغَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ، فَبَيْعُ الْمَال غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ بَاطِلٌ عِنْدَهُمْ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ كَبَيْعِ الدَّمِ بِالْخِنْزِيرِ، فَلاَ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَلاَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَيْعُ حَالًّا أَمْ مُؤَجَّلاً. أَمَّا الشِّرَاءُ بِثَمَنٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ، فَيَعْتَبِرُونَهُ стр. 7961
فَاسِدًا وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَسَبَبُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْمَقْصُودُ الأَْصْلِيُّ مِنَ الْبَيْعِ، لأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالأَْعْيَانِ، وَالأَْثْمَانُ وَسِيلَةٌ لِلْمُبَادَلَةِ (١) .
وَلِلتَّوَسُّعِ فِي ذَلِكَ (ر: بُطْلاَنٌ، فَسَادٌ، بَيْعٌ، بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) .
تَقَوُّمُ الْمُتْلَفَاتِ:
٤ - مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُتْلَفُ مُتَقَوِّمًا، فَلاَ يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِتْلاَفِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُتْلِفُ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا، لِسُقُوطِ تَقَوُّمِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ (٢) .
(ر: إتْلاَفٌ ف ٣٤ - ١ / ٢٢٥) .
أَمَّا لَوْ أَتْلَفَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الضَّمَانِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّنَا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَ أَهْل الذِّمَّةِ وَمَا يَدِينُونَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ سَأَل عُمَّالَهُ: مَاذَا تَصْنَعُونَ بِمَا يَمُرُّ بِهِ أَهْل الذِّمَّةِ مِنَ الْخُمُورِ؟ فَقَالُوا: نُعَشِّرُهَا، فَقَال: لاَ تَفْعَلُوا، وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا. فَلَوْلاَ أَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ وَبَيْعُهَا جَائِزٌ لَهُمْ لَمَا стр. 7962
أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَإِذَا كَانَتْ مَالاً لَهُمْ وَجَبَ ضَمَانُهَا كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ (١) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ وُجُوبِ ضَمَانِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَا لِمُسْلِمٍ أَمْ ذِمِّيٍّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَلاَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (٢) وَمَا حَرُمَ بَيْعُهُ لِحُرْمَتِهِ لَمْ تَجِبْ قِيمَتُهُ كَالْمَيْتَةِ، وَلأَِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ غَيْرُ مُتَقَوِّمَيْنِ فَلاَ يَجِبُ ضَمَانُهُمَا، وَدَلِيل أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَيْنِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ - فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: فَإِذَا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ (٣) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُل مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّينَ لاَ أَنَّ حَقَّهُمْ يَزِيدُ عَلَى حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَلأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ خَلَفٌ عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَيَثْبُتُ بِهِ стр. 7963
مَا يَثْبُتُ بِالإِْسْلاَمِ، إِذَا الْخَلَفُ لاَ يُخَالِفُ الأَْصْل، فَيَسْقُطُ تَقَوُّمُهُمَا فِي حَقِّهِمْ (١) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (إِتْلاَفٌ، وَضَمَانٌ) .
تَقَوُّمُ الْمَنَافِعِ:
٥ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ: أَنَّ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ مُتَقَوِّمَةٌ مَضْمُونَةٌ بِالْعُقُودِ وَالْغُصُوبِ كَالأَْعْيَانِ. وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ مُتَقَوِّمَةٌ بِنَفْسِهَا أَنَّ التَّقَوُّمَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِزَّةِ، وَالْمَنَافِعُ عَزِيزَةٌ بِنَفْسِهَا عِنْدَ النَّاسِ، وَلِهَذَا يَبْذُلُونَ الأَْعْيَانَ لأَِجْلِهَا، بَل تُقَوَّمُ الأَْعْيَانُ بِاعْتِبَارِهَا فَيَسْتَحِيل أَنْ لاَ تَكُونَ هِيَ مُتَقَوِّمَةً (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لاَ تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بَل تُقَوَّمُ ضَرُورَةً عِنْدَ وُرُودِ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ التَّقَوُّمَ لاَ يَسْبِقُ الْوُجُودَ وَالإِْحْرَازَ، وَذَلِكَ فِيمَا لاَ يَبْقَى غَيْرَ مُتَصَوَّرٍ (٣)
وَتَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، تُنْظَرُ فِي أَبْوَابِ الْغَصْبِ مِنَ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ، وَفِي مُصْطَلَحَيْ: (ضَمَانٌ، وَغَصْبٌ، وَإِجَارَةٌ) стр. 7964
تَقْوِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقْوِيمُ: مَصْدَرُ قَوَّمَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ التَّقْدِيرُ، يُقَال قَوَّمَ الْمَتَاعَ إِذَا قَدَّرَهُ بِنَقْدٍ وَجَعَل لَهُ قِيمَةً (١) .
وَالتَّقْوِيمُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الأَْصْل فِي التَّقْوِيمِ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، كَتَقْوِيمِ مَال التِّجَارَةِ لإِِخْرَاجِ زَكَاتِهِ، وَكَتَقْوِيمِ صَيْدِ الْبَرِّ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ.
تَقْوِيمُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ تَقْوِيمِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ لإِِخْرَاجِ زَكَاتِهَا، مَعَ مُرَاعَاةِ تَوَفُّرِ شُرُوطِهَا مِنْ بُلُوغِ النِّصَابِ وَحَوَلاَنِ الْحَوْل. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تُقَوَّمُ بِهِ عُرُوضُ التِّجَارَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ تَقْوِيمَ مَال التِّجَارَةِ يَكُونُ بِالأَْنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ. بِأَنْ تُقَوَّمَ عُرُوضُ التِّجَارَةِ بِمَا يَبْلُغُ نِصَابًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. وَسَوَاءٌ стр. 7965
أَقُوِّمَتْ بِنَقْدِ الْبَلَدِ الْغَالِبِ - مَعَ كَوْنِهِ الأَْوْلَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ الأَْنْفَعُ لِلْفَقِيرِ - أَمْ بِغَيْرِهِ. وَسَوَاءٌ أَبَلَغَتْ قِيمَةُ الْعُرُوضِ بِكُلٍّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا، أَمْ بَلَغَتْ نِصَابًا بِأَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ. فَيَلْتَزِمُ فِي كُل الْحَالاَتِ تَقْوِيمَ السِّلْعَةِ بِالأَْحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَقْوِيمِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بِالْفِضَّةِ، سَوَاءٌ مَا يُبَاعُ بِالذَّهَبِ أَوْ مَا يُبَاعُ غَالِبًا بِالْفِضَّةِ، فَيُقَوِّمُهُمَا بِالْفِضَّةِ. لأَِنَّهَا قِيَمُ الاِسْتِهْلاَكِ وَلأَِنَّهَا الأَْصْل فِي الزَّكَاةِ.
فَإِنْ كَانَتِ الْعُرُوضُ تُبَاعُ بِهِمَا، وَاسْتَوَيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّكَاةِ، يُخَيَّرُ التَّاجِرُ بَيْنَ تَقْوِيمِهِمَا بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ. وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ أَصْلاَنِ، فَيُعْتَبَرُ الأَْفْضَل لِلْمَسَاكِينِ؛ لأَِنَّ التَّقْوِيمَ لِحَقِّهِمْ. وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِتَقْوِيمِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ أَنْ يَنِضَّ لِلتَّاجِرِ شَيْءٌ وَلَوْ دِرْهَمٌ. وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنِضَّ لَهُ نِصَابٌ. فَإِنْ لَمْ يَنِضَّ لَهُ شَيْءٌ فِي سَنَتِهِ فَلاَ تَقْوِيمَ وَلاَ زَكَاةَ. وَلَيْسَ عَلَى التَّاجِرِ أَنْ يُقَوِّمَ عُرُوضَ تِجَارَتِهِ بِالْقِيمَةِ الَّتِي يَجِدُهَا الْمُضْطَرُّ فِي بَيْعِ سِلَعِهِ، وَإِنَّمَا يُقَوِّمُ سِلْعَتَهُ بِالْقِيمَةِ الَّتِي يَجِدُهَا الإِْنْسَانُ إِذَا بَاعَ سِلْعَتَهُ عَلَى غَيْرِ الاِضْطِرَارِ الْكَثِيرِ (٢) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَخْتَلِفُ تَقْوِيمُ مَال التِّجَارَةِ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ أَحْوَال رَأْسِ الْمَال. стр. 7966
فَلِرَأْسِ الْمَال خَمْسَةُ أَحْوَالٍ:
الْحَال الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ نَقْدًا نِصَابًا. فَيُقَوِّمُ آخِرَ الْحَوْل بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَيُزَكِّيهِ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا عِنْدَ حَوَلاَنِ الْحَوْل، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ.
وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَرِيَ عَرْضًا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، فَيُقَوِّمُ آخِرَ الْحَوْل بِهِ أَيْ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالدَّنَانِيرِ. فَإِنِ اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ وَبَاعَ بِالدَّنَانِيرِ، وَقَصْدُ التِّجَارَةِ مُسْتَمِرٌّ، وَتَمَّ الْحَوْل، فَلاَ زَكَاةَ إِنْ لَمْ تَبْلُغِ الدَّنَانِيرُ قِيمَةَ الدَّرَاهِمِ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ التَّقْوِيمَ يَكُونُ أَبَدًا بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَال نَقْدًا دُونَ النِّصَابِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِذَلِكَ النَّقْدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ. وَمَحَل الْوَجْهَيْنِ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ. فَإِنْ مَلَكَ قُوِّمَ بِهِ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَرِيَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَهُوَ يَمْلِكُ مِائَةً أُخْرَى، فَلاَ خِلاَفَ أَنَّ التَّقْوِيمَ بِالدَّرَاهِمِ. لأَِنَّهُ اشْتَرَى بِبَعْضِ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْل، وَابْتَدَأَ الْحَوْل مِنْ حِينِ مَلَكَ الدَّرَاهِمَ.
الْحَال الثَّالِثُ: أَنْ يَمْلِكَ بِالنَّقْدَيْنِ جَمِيعًا. وَهُوَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ.
الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ كُل وَاحِدٍ نِصَابًا فَيُقَوَّمُ بِهِمَا
стр. 7967
عَلَى نِسْبَةِ التَّقْسِيطِ يَوْمَ الْمِلْكِ. وَطَرِيقَةُ تَقْوِيمِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالآْخَرِ.
وَصُورَتُهُ: اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمِائَتَيْنِ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَنِصْفُ الْعَرْضِ مُشْتَرَى بِدَرَاهِمَ وَالآْخَرُ بِدَنَانِيرَ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ النِّصَابِ. فَعَلَى احْتِمَالَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُجْعَل مَا دُونَ النِّصَابِ كَالْعُرُوضِ، فَيُقَوَّمُ الْجَمِيعُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ. أَوْ أَنْ يُجْعَل كَالنِّصَابِ فَيُقَوَّمُ مَا مَلَكَهُ بِالدَّرَاهِمِ بِدَرَاهِمَ، وَمَا مَلَكَهُ بِالدَّنَانِيرِ بِدَنَانِيرَ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَالآْخَرُ دُونَهُ. فَيُقَوَّمُ مَا مَلَكَهُ بِالنَّقْدِ الَّذِي هُوَ نِصَابٌ بِذَلِكَ النَّقْدِ مِنْ حِينِ مِلْكِ ذَلِكَ النَّقْدِ. وَمَا مَلَكَهُ بِالنَّقْدِ الآْخَرِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي الْحَال الثَّانِي.
الْحَال الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَال غَيْرَ النَّقْدِ، بِأَنْ يَمْلِكَ بِعَرْضِ قُنْيَةٌ، أَوْ مِلْكٍ بِخُلْعٍ فَيُقَوَّمُ فِي آخِرِ الْحَوْل بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ، فَإِنْ بَلَغَ بِهِ نِصَابًا زَكَّاهُ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ بِغَيْرِهِ نِصَابًا. فَلَوْ جَرَى فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ مُتَسَاوِيَانِ، فَإِنْ بَلَغَ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا دُونَ الآْخَرِ قُوِّمَ بِهِ. وَإِنْ بَلَغَ بِهِمَا فَعَلَى أَوْجُهٍ:
أَصَحُّهَا: يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ فَيُقَوِّمُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا.
стр. 7968
وَالثَّانِي: يُرَاعَى الأَْحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ.
وَالثَّالِثُ: يَتَعَيَّنُ التَّقْوِيمُ بِالدَّرَاهِمِ لأَِنَّهَا أَرْفَقُ.
وَالرَّابِعُ: يُقَوَّمُ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِي أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِ.
الْحَال الْخَامِسُ: أَنْ يَمْلِكَ بِالنَّقْدِ وَغَيْرِهِ. بِأَنِ اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعَرْضِ قُنْيَةٌ، فَمَا قَابَل الدَّرَاهِمَ يُقَوَّمُ بِهَا، وَمَا قَابَل الْعَرْضَ يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ (١) .
تَقْوِيمُ جَزَاءِ الصَّيْدِ:
٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى وُجُوبِ الْمِثْل مِنَ النَّعَمِ عَلَى مَنْ قَتَل صَيْدَ الْحَرَمِ. فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَ مِثْلَهُ مِنَ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ إِنْ كَانَ الصَّيْدُ الَّذِي قَتَلَهُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ مِنْهَا (٢) . وَدَلِيلُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وَلِمَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي تَقْوِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ بِمَا لَهُ مِثْلٌ بِمَا يُمَاثِلُهُ (٤) . وَمَحَل تَفْصِيل مَعْرِفَةِ стр. 7969
الْمِثْل فِي مُصْطَلَحِ (صَيْدٌ، وَحَرَمٌ، وَإِحْرَامٌ) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْمِثْل مِنَ النَّعَمِ، بَل يُقَوَّمُ الصَّيْدُ بِالْمَال. لأَِنَّ الْمِثْل الْمُطْلَقَ، بِمَعْنَى الْمِثْل فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، وَهُوَ الْمُشَارِكُ فِي النَّوْعِ غَيْرُ مُرَادٍ فِي الآْيَةِ إِجْمَاعًا. فَبَقِيَ الْمِثْل مَعْنَى فَقَطْ وَهُوَ الْقِيمَةُ. وَسَوَاءٌ أَوَجَبَ عَلَى قَاتِل الصَّيْدِ الْمِثْل مِنَ النَّعَمِ - عَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ - أَمِ الْقِيمَةُ عَلَى قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، فَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ الْمُمَاثَلَةِ إِلَى تَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ وَالْخِبْرَةِ، وَمِنَ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى عَدَمِ جَوَازِ كَوْنِ أَحَدِ الْمُقَوِّمِينَ هُوَ الْقَاتِل. قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ كَوْنِ الْمُتْلِفِ لِلْمَال هُوَ أَحَدُ الْمُقَوِّمِينَ فِي الضَّمَانِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ - إِلَى جَوَازِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَازَ أَنْ يُجْعَل مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَمِينًا فِيهِ، كَرَبِّ الْمَال فِي الزَّكَاةِ. وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ مُضْطَرًّا، أَمَّا إِذَا قَتَلَهُ عُدْوَانًا فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدَ الْمُقَوِّمِينَ؛ لأَِنَّهُ يَفْسُقُ بِتَعَمُّدِ الْقَتْل، فَلاَ يُؤْتَمَنُ فِي التَّقْوِيمِ.
وَيُخَيَّرُ قَاتِل الصَّيْدِ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ: إِمَّا أَنْ يُهْدِيَ مِثْل مَا قَتَلَهُ مِنَ النَّعَمِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ - إِنْ كَانَ الصَّيْدُ لَهُ مِثْلٌ - أَوْ أَنْ يُقَوِّمَهُ стр. 7970
بِالْمَال وَيُقَوَّمُ الْمَال طَعَامًا وَيَتَصَدَّقُ بِالطَّعَامِ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الصَّيْدَ يُقَوَّمُ ابْتِدَاءً بِالطَّعَامِ، وَلَوْ قَوَّمَهُ بِالْمَال ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ طَعَامًا أَجْزَأَ.
وَالأَْمْرُ الثَّالِثُ: أَنْ يَصُومَ عَنْ كُل مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا، وَدَلِيلُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (١) . وَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ فِي الْيَوْمِ وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ. وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي (حَجٌّ، وَإِحْرَامٌ، وَصَيْدٌ) .
تَقْوِيمُ السِّلْعَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ:
٥ - إِذَا اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إِبْقَاءَ السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا مَعَ وُجُودِ عَيْبٍ فِيهَا. أَوْ فِي حَال مَا إِذَا تَعَذَّرَ رَدُّ السِّلْعَةِ الْمَعِيبَةِ بِسَبَبِ هَلاَكِهَا أَوْ تَلَفِهَا أَوِ اسْتِهْلاَكِهَا، وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ، أَوْ فِي حَال مَا إِذَا حَدَثَ فِي السِّلْعَةِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، مَعَ وُجُودِ عَيْبٍ قَدِيمٍ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ أَوِ الإِْبْقَاءَ. فَفِي هَذِهِ الْحَالاَتِ تُقَوَّمُ السِّلْعَةُ مَعِيبَةً وَتُقَوَّمُ سَلِيمَةً، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ سَلِيمَةً مِائَةً وَمَعَ الْعَيْبِ تِسْعِينَ، стр. 7971
فَنِسْبَةُ النَّقْصِ عُشْرُ قِيمَةِ الْمَبِيعِ، فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ. وَهَل يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُشْتَرِي مِنَ الرَّدِّ أَوْ عَدَمِهِ مَعَ أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (خِيَارِ الْعَيْبِ) . وَلَوْ حَدَثَ فِي السِّلْعَةِ عَيْبٌ حَادِثٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، غَيْرِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَتُقَوَّمُ السِّلْعَةُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
فَتُقَوَّمُ السِّلَعُ سَلِيمَةً بِعَشَرَةٍ مَثَلاً، ثُمَّ تُقَوَّمُ ثَانِيًا بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ بِثَمَانِيَةٍ مَثَلاً، فَيُقَدَّرُ النَّقْصُ بِالنِّسْبَةِ لِثَمَنِهَا سَلِيمَةً بِالْخُمُسِ. ثُمَّ تُقَوَّمُ ثَالِثًا بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْقَدِيمِ بِثَمَانِيَةٍ مَثَلاً، فَيَكُونُ النَّقْصُ الْخُمُسَ مِنْ ثَمَنِهَا سَلِيمَةً.
وَيُعْتَبَرُ التَّقْوِيمُ يَوْمَ دَخَل الْمَبِيعُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الأَْصَحُّ اعْتِبَارُ أَقَل قِيمَةِ الْمَبِيعِ الْمُتَقَوِّمِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ إِلَى وَقْتِ الْقَبْضِ. لأَِنَّ قِيمَةَ السِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ وَقْتَ الْبَيْعِ أَقَل فَالزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ حَدَثَتْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَفِي الثَّمَنِ حَدَثَتْ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ فَلاَ تَدْخُل فِي التَّقْوِيمِ. أَوْ كَانَتِ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَبْضِ، أَوْ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ أَقَل فَالنَّقْصُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَفِي
стр. 7972
الثَّمَنِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَلاَ يَدْخُل فِي التَّقْوِيمِ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَكُونُ تَقْوِيمُ الأَْصْل وَقْتَ الْبَيْعِ وَتَقْوِيمُ الزِّيَادَةِ وَقْتَ الْقَبْضِ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ إِنَّمَا تَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ بِالْقَبْضِ (٢) .
التَّقْوِيمُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ:
٦ - لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الرِّبَوِيَّاتِ بِجِنْسِهَا إِلاَّ بَعْدَ تَيَقُّنِ الْمُمَاثَلَةِ كَيْلاً أَوْ وَزْنًا، وَلاَ يَجُوزُ التَّفَاضُل بَيْنَهَا. وَلِهَذَا لاَ يُعْتَبَرُ التَّقْوِيمُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، لأَِنَّ التَّقْوِيمَ ظَنِّيٌّ وَقَائِمٌ عَلَى التَّخْمِينِ وَالتَّقْدِيرِ. وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي الرِّبَا أَنَّ الْجَهْل بِالتَّمَاثُل كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُل. فَمَا لَمْ تُتَيَقَّنِ الْمُمَاثَلَةُ لاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ لاِحْتِمَال التَّفَاضُل. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِجِنْسِهِ جُزَافًا، كَقَوْلِكُ بِعْتُكُ هَذِهِ الصُّبْرَةَ (٣) مِنَ الطَّعَامِ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ مُكَايَلَةً، مَعَ الْجَهْل بِكَيْل الصُّبْرَتَيْنِ أَوْ كَيْل أَحَدِهِمَا (٤) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (رِبًا) . стр. 7973
تَقْوِيمُ الْجَوَائِحِ:
٧ - الْجَائِحَةُ: مِنَ الْجَوْحِ، وَهُوَ الْهَلاَكُ، وَاصْطِلاَحًا: مَا أَتْلَفَ مِنْ مَعْجُوزٍ عَنْ دَفْعِهِ عَادَةً قَدْرًا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ نَبَاتٍ بَعْدَ بَيْعِهِ. كَأَنْ يَهْلَكَ الثَّمَرُ بِسَبَبِ بَرْدٍ أَوْ ثَلْجٍ أَوْ غُبَارٍ أَوْ رِيحٍ حَارٍّ أَوْ جَرَادٍ أَوْ فِئْرَانٍ أَوْ نَارٍ أَوْ عَطَشٍ. فَإِذَا أَصَابَتِ الْجَائِحَةُ الثَّمَرَ، وُضِعَ عَنِ الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا أَتْلَفَتْهُ بَعْدَ تَقْوِيمِهَا. فَيُعْتَبَرُ مَا أُصِيبَ مِنَ الْجَائِحَةِ، وَيُنْسَبُ إِلَى قِيمَةِ مَا بَقِيَ سَلِيمًا فِي زَمَنِ الْجَائِحَةِ. فَيُقَال مَثَلاً كَمْ يُسَاوِي الثَّمَرُ قَبْل الْجَائِحَةِ، فَيُقَال عِشْرُونَ، وَالْقَدْرُ الْمُجَاحُ زَمَنَ الْجَائِحَةِ - عَلَى أَنْ يُقْبَضَ فِي وَقْتِهِ - قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، وَقِيمَةُ السَّلِيمِ يَوْمَ الْجَائِحَةِ - عَلَى أَنْ يُقْبَضَ فِي وَقْتِهِ - عَشَرَةٌ، فَيُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي نِصْفُ قِيمَةِ الثَّمَرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ، وَهُوَ عَشَرَةٌ. وَمَحَل تَقْوِيمِ الْجَائِحَةِ إِذَا كَانَتِ الثَّمَرَةُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، بِأَنْ تَمَّ الْعَقْدُ وَلَمْ يَتِمَّ الْقَبْضُ وَلاَ التَّخْلِيَةُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْل الرَّسُول ﷺ : فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ (١) . أَمَّا إِذَا أَصَابَتِ الْجَائِحَةُ الثَّمَرَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ بَعْدَ تَأَخُّرِ الْمُشْتَرِي فِي الْجَذِّ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي стр. 7974
اشْتَرَى الثَّمَرَةَ لَهُ، فَضَمَانُهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْل الرَّسُول ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ (١) . وَالضَّمِيرُ فِي (تَصَدَّقُوا) لِلصَّحَابَةِ غَيْرِ الْبَائِعِينَ. وَمَحَل الْبَحْثِ فِي أَحْكَامِ ضَمَانِ الْجَوَائِحِ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَمَانٌ، وَجَائِحَةٌ، وَثَمَرٌ) وَلاَ يَسْتَعْجِل بِالتَّقْوِيمِ يَوْمَ الْجَائِحَةِ، بَل يَنْتَظِرُ إِلَى انْتِهَاءِ الْبُطُونِ - فِيمَا يُزْرَعُ بُطُونًا (٢) لِيَتَحَقَّقَ الْمِقْدَارُ الْمُصَابُ الَّذِي يُرَادُ تَقْوِيمُهُ (٣) .
التَّقْوِيمُ فِي الْقِسْمَةِ:
٨ - قَدْ تَحْتَاجُ الْقِسْمَةُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهَا إِلَى تَقْوِيمِ الْمُقْسَمِ. وَلِهَذَا اشْتُرِطَ فِي الْقَاسِمِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالتَّقْوِيمِ وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقِسْمَةِ مُقَوِّمَانِ. стр. 7975
لأَِنَّ التَّقْوِيمَ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِاثْنَيْنِ، فَاشْتُرِطَ الْعَدَدُ لِلتَّقْوِيمِ لاَ لِلْقِسْمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقِسْمَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْوِيمٍ كَفَى قَاسِمٌ وَاحِدٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَاسِمَ فِي التَّقْوِيمِ نَائِبٌ عَنِ الْحَاكِمِ فَيَكُونُ كَالْمُخْبِرِ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِوَاحِدٍ كَالْقَائِفِ وَالْمُفْتِي وَالطَّبِيبِ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مُقَوِّمَانِ، بِنَاءً عَلَى الْمَرْجُوحِ - عِنْدَهُمْ - أَنَّ الْمُقَوِّمَ شَاهِدٌ لاَ حَاكِمٌ. وَهَذَا الْخِلاَفُ فِيمَنْ يَنْصِبُهُ الإِْمَامُ، أَمَّا فِيمَنْ يَنْصِبُهُ الشُّرَكَاءُ فَيَكْفِي فِيهِ قَاسِمٌ وَاحِدٌ قَطْعًا. وَلِلإِْمَامِ جَعْل الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ، وَحِينَئِذٍ فَيُعْمَل فِيهِ بِعَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ يَشْهَدَانِ عِنْدَهُ بِالْقِيمَةِ لاَ بِأَقَل مِنْهَا (١) . وَتَتِمَّةُ هَذَا الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ (قِسْمَةٌ) .
تَقْوِيمُ نِصَابِ السَّرِقَةِ:
٩ - مِنْ شَرْطِ إِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ أَنْ يَبْلُغَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْوِيمِ نِصَابِ السَّرِقَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى تَقْوِيمِ نِصَابِ السَّرِقَةِ بِالدَّرَاهِمِ. بِأَنْ تَبْلُغَ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْ غَيْرِ الْفِضَّةِ وَلَوْ كَانَ стр. 7976
ذَهَبًا، وَأَنْ يَكُونَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَزْنًا وَقِيمَةً إِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنَ الْفِضَّةِ (١) .
وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَاتِ الثَّلاَثِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢) . لِحَدِيثِ أُمِّ أَيْمَنَ ﵂ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِي حَجَفَةٍ وَقُوِّمَتْ يَوْمَئِذٍ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِدِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (٣) .
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ رِوَايَاتُ الْحَدِيثِ فَرُوِيَ مَوْقُوفًا وَمُرْسَلاً، وَرُوِيَ مَوْصُولاً مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ (٤) وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ إِلاَّ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ حُكْمًا لأَِنَّ الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لاَ دَخْل لِلْعَقْل فِيهَا. стр. 7977
وَفِي حَدِيثٍ: لاَ يُقْطَعُ السَّارِقُ إِلاَّ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (١)
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْوِيمِ ثَمَنِ الْمِجَنِّ فَرُوِيَ أَنَّهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. فَوَجَبَ الأَْخْذُ بِالأَْكْثَرِ دَرْءًا لِلْحَدِّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَسْرُوقَ يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ وَبِالدَّنَانِيرِ. وَالنِّصَابُ رُبُعُ دِينَارٍ شَرْعِيٍّ مِنَ الذَّهَبِ، أَوْ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ شَرْعِيَّةٌ مِنَ الْفِضَّةِ أَوْ مَا يُسَاوِيهِمَا.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ بِمَعْنَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تُقَوَّمُ غَيْرُ الأَْثْمَانِ بِأَدْنَى الأَْمْرَيْنِ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى تَقْوِيمِ نِصَابِ السَّرِقَةِ بِالدَّنَانِيرِ، بِأَنْ يَبْلُغَ الْمَسْرُوقُ قِيمَةَ رُبُعِ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ وَالاِعْتِبَارُ بِالذَّهَبِ الْمَضْرُوبِ. لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (٣) стр. 7978
فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ ذَهَبًا وَجَبَ أَنْ يَبْلُغَ رُبُعَ دِينَارٍ وَزْنًا وَقِيمَةً، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَجَبَ أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ (١) .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْعُرُوضَ لاَ تُقَوَّمُ إِلاَّ بِالدَّرَاهِمِ، وَيَكُونُ الذَّهَبُ أَصْلاً بِنَفْسِهِ لاَ غَيْرَ.
وَيَكُونُ تَقْوِيمُ الْمَسْرُوقِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ الْغَالِبِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ السَّرِقَةُ.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِيمَةِ قِيمَةُ الشَّيْءِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَالطَّحَاوِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ يَوْمَ السَّرِقَةِ وَوَقْتَ الْقَطْعِ بِأَنْ لاَ يَقِل فِيهِمَا عَنْ نِصَابٍ.
فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ السَّرِقَةِ عَشَرَةً، فَنَقَصَتْ وَقْتَ الْقَطْعِ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ. إِلاَّ إِذَا كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبِ عَيْبٍ دَخَل الْمَسْرُوقَ أَوْ فَاتَ بَعْضُهُ.
كَمَا يُعْتَبَرُ فِي تَقْوِيمِ الْمَسْرُوقِ مَكَانَ السَّرِقَةِ، فَلَوْ سَرَقَ فِي بَلَدٍ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةً - مَثَلاً - فَأَخَذَ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَقِيمَتُهُ فِيهَا أَقَل فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَيَكْفِي فِي التَّقْوِيمِ وَاحِدٌ إِنْ كَانَ مُوَجَّهًا مِنَ الْقَاضِي، لأَِنَّ تَقْوِيمَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ لاَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُقَوِّمُ مُوَجَّهًا مِنَ الْقَاضِي فَلاَ بُدَّ стр. 7979
مِنَ اثْنَيْنِ
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُقَوِّمَانِ بِأَنْ قَوَّمَ أَحَدُهُمَا الْمَسْرُوقَ نِصَابًا وَالآْخَرُ دُونَ النِّصَابِ كَانَ هَذَا شُبْهَةً يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ. وَلاَ يَجِبُ إِقَامَةُ الْحَدِّ إِلاَّ إِذَا قَطَعَ الْمُقَوِّمُونَ بِبُلُوغِ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا بِأَنْ يَقُولُوا إِنَّ قِيمَتَهُ بَلَغَتْ نِصَابًا قَطْعًا أَوْ يَقِينًا مَثَلاً. وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمُقَوِّمُونَ فِي تَقْوِيمِ الْمَسْرُوقِ لاِخْتِلاَفِ قِيمَةِ مَا قُوِّمَ بِهِ، بِأَنْ يُقَوَّمَ مَثَلاً بِنَقْدَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ خَالِصَيْنِ اعْتُبِرَ أَدْنَاهُمَا، وَالأَْوْجَهُ - كَمَا يَقُول النَّوَوِيُّ - أَنْ يُقَوَّمَ بِأَعْلاَهُمَا قِيمَةً دَرْءًا لِلْحَدِّ.
تَقْوِيمُ حُكُومَةِ الْعَدْل:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجُرُوحَ الَّتِي لَمْ يُقَدِّرِ الشَّارِعُ لَهَا دِيَةً تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ.
وَيُقْصَدُ بِالْحُكُومَةِ تَقْدِيرُ نِسْبَةِ الْجُرْحِ مِنَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، وَتَكُونُ هَذِهِ النِّسْبَةُ هِيَ دِيَةُ الْجُرْحِ.
وَتُعْرَفُ هَذِهِ النِّسْبَةُ عَنْ طَرِيقَيْنِ: الطَّرِيقُ الأَْوَّل: تَقْوِيمُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَبْدًا سَلِيمًا غَيْرَ مَجْرُوحٍ. ثُمَّ يُقَوَّمُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَبْدًا مَجْرُوحًا، وَيُنْظَرُ كَمْ نَقَصَتِ الْجِنَايَةُ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِذَا قُدِّرَ النَّقْصُ بِالْعُشْرِ مَثَلاً وَجَبَ عَلَى الْجَانِي عُشْرُ دِيَةِ النَّفْسِ.
وَذَلِكَ لأَِنَّ الْحُرَّ لاَ يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ، فَيُقَوَّمُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَبْدًا.
فَإِنَّ الْقِيمَةَ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ لِلْحُرِّ.
стр. 7980
الطَّرِيقُ الثَّانِي: تَقْدِيرُ الْجُرْحِ بِنِسْبَتِهِ مِنْ أَقَل جُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ وَهُوَ الْمُوضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ أَيْ تُظْهِرُهُ، وَمِقْدَارُهَا شَرْعًا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، فَيَكُونُ مِقْدَارُ دِيَةِ هَذَا الْجُرْحِ بِمِقْدَارِ نِسْبَتِهِ مِنَ الْمُوضِحَةِ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارُهُ مِثْل (نِصْفِ الْمُوضِحَةِ) مَثَلاً وَجَبَ فِيهِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ وَجَبَ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ وَهَكَذَا. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا لاَ نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إِلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْل الْكَرْخِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّ تَقْوِيمَ النَّقْصِ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُضْوِ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْجِنَايَةُ إِنْ كَانَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ تُقَوَّمُ الْحُكُومَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دِيَةِ النَّفْسِ (١)
١١ - وَيُشْتَرَطُ فِي تَقْوِيمِ الْحُكُومَةِ شُرُوطٌ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ لاَ تَبْلُغَ الْحُكُومَةُ أَرْشَ ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَإِنْ بَلَغَتْ ذَلِكَ نَقَصَ الْقَاضِي مِنْهَا شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ، فَحُكُومَةُ جُرْحِ الأُْنْمُلَةِ الْعُلْيَا، أَوْ قَلْعِ ظُفْرِهَا لاَ تَبْلُغُ أَرْشَ الأُْنْمُلَةِ. وَكَذَلِكَ حُكُومَةُ الأُْصْبُعِ لاَ تَبْلُغُ стр. 7981
حُكُومَتُهَا أَرْشَ الأُْصْبُعِ. وَالْجِنَايَةُ عَلَى الرَّأْسِ لاَ تَبْلُغُ حُكُومَتُهَا أَرْشَ الْمُوضِحَةِ، وَعَلَى الْبَطْنِ لاَ تَبْلُغُ أَرْشَ الْجَائِفَةِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوٍ لَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَالظَّهْرِ وَالْكَتِفِ وَالْفَخِذِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ حُكُومَتُهَا دِيَةَ عُضْوٍ مُقَدَّرٍ كَالْيَدِ وَالرِّجْل وَأَنْ تَزِيدَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تَنْقُصَ عَنْ دِيَةِ النَّفْسِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: يَجِبُ أَنْ يَتِمَّ تَقْوِيمُ الْحُكُومَةِ بَعْدَ انْدِمَال الْجُرْحِ وَبُرْئِهِ، لاِحْتِمَال أَنْ يَسْرِيَ تَأْثِيرُ الْجِنَايَةِ إِلَى النَّفْسِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْوَفَاةِ. أَوْ يَسْرِيَ إِلَى عُضْوٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَيَخْتَلِفُ تَقْوِيمُ الْحُكُومَةِ بِذَلِكَ، فَتَجِبُ إِمَّا دِيَةُ النَّفْسِ أَوْ أَرْشُ الْعُضْوِ الْمُقَدَّرِ (١) .
تَقْوِيمُ جِنَايَةِ الْبَهَائِمِ:
١٢ - إِذَا جَنَتِ الْبَهِيمَةُ عَلَى الزَّرْعِ مَثَلاً فَأَتْلَفَتْهُ وَثَبَتَ ضَمَانُهُ عَلَى صَاحِبِهَا. يُقَوِّمُ أَهْل الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ الزَّرْعَ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ وَسَلاَمَتِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَلَفِهِ وَجَائِحَتِهِ، وَيَضْمَنُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ مِقْدَارَ النَّقْصِ بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ.
وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ يُقَوَّمُ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عَلَى стр. 7982
فَرْضِ تَمَامِهِ، وَمَرَّةً عَلَى فَرْضِ عَدَمِ تَمَامِهِ، وَيُجْعَل لَهُ قِيمَةٌ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ.
فَيُقَال: مَا قِيمَتُهُ عَلَى فَرْضِ تَمَامِهِ؟ فَإِنْ قِيل: عَشَرَةٌ، قِيل: وَمَا قِيمَتُهُ عَلَى فَرْضِ عَدَمِ تَمَامِهِ؟ فَيُقَال: خَمْسَةٌ.
فَتُضَمُّ الْقِيمَتَانِ وَيُجْعَل عَلَى الضَّامِنِ نِصْفُهَا فَيَلْزَمُهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ (١) .
وَتَفْصِيل أَحْكَامِ جِنَايَةِ الْبَهَائِمِ فِي مُصْطَلَحِ: (جِنَايَةٌ، وَبَهِيمَةٌ، وَإِتْلاَفٌ) стр. 7983
تَقْيِيدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقْيِيدُ: مَصْدَرُ قَيَّدَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ جَعْل الْقَيْدِ فِي الرِّجْل، قَال فِي الْمِصْبَاحِ: قَيَّدْتُهُ تَقْيِيدًا جَعَلْتُ الْقَيْدَ فِي رِجْلِهِ.
وَمِنْهُ تَقْيِيدُ الأَْلْفَاظِ بِمَا يَمْنَعُ الاِخْتِلاَطَ وَيُزِيل الاِلْتِبَاسَ (١) .
وَأَمَّا عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ فَيُؤْخَذُ مِنْ مَعْنَى الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَمَا جَاءَ فِي التَّلْوِيحِ - مَا أُخْرِجَ عَنِ الشُّيُوعِ بِوَجْهٍ مَا كَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (٢) . - فَالتَّقْيِيدُ - عَلَى هَذَا - إِخْرَاجُ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ عَنِ الشُّيُوعِ بِوَجْهٍ مَا، كَالْوَصْفِ، وَالظَّرْفِ، وَالشَّرْطِ. . إِلَخْ.
وَذَكَرَ الآْمِدِيُّ أَنَّ الْمُقَيَّدَ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ:
الأَْوَّل: مَا كَانَ مِنَ الأَْلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَدْلُولٍ مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَهَذَا الرَّجُل وَنَحْوِهِ. стр. 7984
الثَّانِي: مَا كَانَ مِنَ الأَْلْفَاظِ دَالًّا عَلَى وَصْفِ مَدْلُولِهِ الْمُطْلَقِ بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ: دِينَارٌ مِصْرِيٌّ وَدِرْهَمٌ مَكِّيٌّ (١) . وَالتَّقْيِيدُ فِي الْعُقُودِ: هُوَ الْتِزَامُ حُكْمِ التَّصَرُّفِ الْقَوْلِيِّ، لاَ يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ فِي حَال إِطْلاَقِهِ (٢) . وَالأُْصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي مُقَابِل الإِْطْلاَقِ
(الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) :
أ - الإِْضَافَةُ:
٢ - تَأْتِي الإِْضَافَةُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الضَّمِّ وَالإِْمَالَةِ وَالإِْسْنَادِ وَالتَّخْصِيصِ.
وَأَمَّا الأُْصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ فَإِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَهَا بِمَعْنَى الإِْسْنَادِ وَالتَّخْصِيصِ، فَإِذَا قِيل: الْحُكْمُ مُضَافٌ إِلَى فُلاَنٍ أَوْ مَنْ صِفَتُهُ كَذَا كَانَ ذَلِكَ إِسْنَادًا إِلَيْهِ، وَإِذَا قِيل: الْحُكْمُ مُضَافٌ إِلَى زَمَانِ كَذَا كَانَ تَخْصِيصًا لَهُ، وَيَقْصِدُ بِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَل إِرْجَاءَ الْوَفَاءِ بِآثَارِ التَّصَرُّفِ إِلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَل الَّذِي حَدَّدَهُ الْمُتَصَرِّفُ (٣) .
فَالإِْضَافَةُ بِمَعَانِيهَا الْمُتَقَدِّمَةِ فِيهَا مَعْنَى التَّقْيِيدِ، لَكِنَّهُ أَعَمُّ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ بِالإِْضَافَةِ وَبِغَيْرِهَا.
ب - стр. 7985
الإِْطْلاَقُ:
٣ - الإِْطْلاَقُ مَصْدَرُ أَطْلَقَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: التَّخْلِيَةُ، وَالْحَل وَالإِْرْسَال، وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ (١) .
وَأَمَّا عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ فَيُعْرَفُ مَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْمُطْلَقِ، وَهُوَ مَا دَل عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ (٢) .
وَمَعْنَى كَوْنِهِ شَائِعًا فِي جِنْسِهِ، أَنَّهُ حِصَّةٌ مِنَ الْحَقِيقَةِ مُحْتَمَلَةٌ لِحِصَصٍ كَثِيرَةٍ مِنْ غَيْرِ شُمُولٍ وَلاَ تَعْيِينٍ (٣) .
وَيَأْتِي الإِْطْلاَقُ أَيْضًا بِمَعْنَى اسْتِعْمَال اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا، كَمَا يَأْتِي بِمَعْنَى النَّفَاذِ، فَإِطْلاَقُ التَّصَرُّفِ نَفَاذُهُ (٤) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الإِْطْلاَقِ وَالتَّقْيِيدِ وَاضِحٌ، إِذِ الإِْطْلاَقُ شَائِعٌ فِي جِنْسِهِ، وَالتَّقْيِيدُ مُخْرِجٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الشُّيُوعِ بِوَجْهٍ مَا (٥) .
ج - التَّخْصِيصُ:
٤ - التَّخْصِيصُ: مَصْدَرُ خَصَّصَ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ التَّعْمِيمِ.
وَالتَّخْصِيصُ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ قَصْرُ الْعَامِّ следующие страницы →