Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.
стр. 8016
عَلَى مِنْبَرِهِ يَقُول لاَ تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، وَلاَ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلاَّ أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ أَوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أَوْ سَيْفَهُ (١) . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ حِيلَةً فِي تِلْكَ الْحَال يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا مِنَ التَّقِيَّةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الاِسْتِتَارِ، وَهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ بِنِيَّةِ الاِنْفِرَادِ، فَيُوَافِقُ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، فَتَصِحُّ صَلاَتُهُ لأَِنَّهُ أَتَى بِأَفْعَال الصَّلاَةِ وَشُرُوطِهَا عَلَى الْكَمَال، فَلاَ تَفْسُدُ بِمُوَافَقَةِ غَيْرِهِ فِي الأَْفْعَال (٢) .
التَّقِيَّةُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ:
٢٦ - إِذَا خَافَ عَلَى مَالِهِ مِنْ ظَالِمٍ يَغْصِبُهُ، فَيُوَاطِئُ رَجُلاً عَلَى أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ لِيَحْتَمِيَ بِذَلِكَ وَلاَ يُرِيدَانِ بَيْعًا حَقِيقِيًّا. وَهَذَا الْبَيْعُ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَاطِلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَفِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: يَجُوزُ الاِسْتِرْعَاءُ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ أَنْ يُشْهِدَ قَبْل الْبَيْعِ أَنِّي إِنْ بِعْتُ هَذِهِ الدَّارَ فَإِنَّمَا أَبِيعُهَا لأَِمْرٍ أَخَافُهُ مِنْ قِبَل ظَالِمٍ أَوْ غَاصِبٍ، وَلاَ يَثْبُتُ الاِسْتِرْعَاءُ فِي هَذِهِ الْحَال إِلاَّ إِنْ كَانَ الشُّهُودُ يَعْرِفُونَ الإِْكْرَاهَ стр. 8017
عَلَى الْبَيْعِ وَالإِْخَافَةَ الَّتِي يَذْكُرُهَا (١)
وَالاِسْتِرْعَاءُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَصِحُّ وَيُفِيدُ صَاحِبَهُ فِي كُل تَصَرُّفٍ تَطَوُّعِيٍّ كَالطَّلاَقِ وَالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ. فَإِنْ فَعَل لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُنَفِّذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الشُّهُودُ السَّبَبَ، بِخِلاَفِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ، إِذِ الْمُبَايَعَةُ خِلاَفُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ وَقَدْ أَخَذَ الْبَائِعُ فِيهِ ثَمَنًا وَفِي ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُبْتَاعِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنِ اسْتُرْعِيَ فِي وَقْفٍ عَلَى تَقِيَّةٍ اتَّقَاهَا ثُمَّ أَشْهَدَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إِمْضَائِهِ جَازَ لأَِنَّهُ لَمْ يَزَل عَلَى مِلْكِهِ.
وَإِنِ اسْتَرْعَى أَنَّهُ يَتْرُكُ حَقَّهُ فِي الشُّفْعَةِ خَوْفًا مِنْ إِضْرَارِ الْمُشْتَرِي وَلَهُ سُلْطَانٌ وَقُدْرَةٌ، وَأَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ لِطَلَبِهِ مَتَى أَمْكَنَهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ إِذَا ذَهَبَتِ التَّقِيَّةُ وَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ بِالْمُطَالَبَةِ قُضِيَ لَهُ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا سَكَتَ عَنِ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ زَوَال مَا يَتَّقِيهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ؛ لأَِنَّهُ مَتَى زَال فَكَأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ حِينَئِذٍ.
وَيَجِبُ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ شُهُودِ الاِسْتِرْعَاءِ، وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ (٢) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (بَيْعُ التَّلْجِئَةِ) .
التَّقِيَّةُ فِي بَيَانِ الشَّرِيعَةِ وَالْحُكْمِ بِهَا:
٢٧ - بَيَانُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ стр. 8018
وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الأَْصْل وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَإِذَا خَافَ الْمُسْلِمُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِل مِنَ الأَْمْرِ وَالإِْنْكَارِ بِالْيَدِ إِلَى الأَْمْرِ وَالإِْنْكَارِ بِاللِّسَانِ، فَإِنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِل إِلَى السُّكُوتِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الإِْنْكَارِ بِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ، وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ التَّقِيَّةِ. عَلَى أَنَّ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ حَيْثُ يُشْرَعُ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ ثُمَّ الإِْنْكَارُ بِاللِّسَانِ، مَعَ خَوْفِ الضَّرَرِ، أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ السُّكُوتِ، إِذْ إِنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْجِهَادِ. وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي حِكَايَةِ قَوْل لُقْمَانَ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُْمُورِ﴾ (١) وَفِي الْحَدِيثِ: أَفْضَل الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثُمَّ رَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقُتِل (٢) .
٢٨ - وَتَعْظُمُ دَرَجَةُ الآْمِرِ وَالنَّاهِي إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، بِأَنْ نَكَل عَنِ الْبَيَانِ مَنْ سِوَاهُ، حَتَّى عَمَّ الْمُنْكَرُ وَظَهَرَ، وَخَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّلْبِيسِ فِي الدِّينِ وَطَمْسِ، مَعَالِمِهِ، فَلَوْ أَخَذَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ بِالتَّقِيَّةِ، وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِوَاجِبِ الْبَيَانِ لَظَهَرَتِ الْبِدْعَةُ стр. 8019
وَعَمَّتْ، وَتَبَدَّلَتِ الشَّرِيعَةُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ
وَقَدْ أُخِذَ الْعُلَمَاءُ فِي عَهْدِ الْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمِ وَامْتُحِنُوا لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشُورَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. فَلَمَّا هُدِّدَ الْعُلَمَاءُ وَأُوذُوا قَالُوا بِذَلِكَ فَتُرِكُوا، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ فِي الْمِحْنَةِ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ مَاتَ بَعْضُهُمْ فِي السِّجْنِ (١) .
وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ أَيَّامَ مِحْنَتِهِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ سُئِل: إِنْ عُرِضْتَ عَلَى السَّيْفِ تُجِيبُ؟ قَال: لاَ، وَقَال: إِذَا أَجَابَ الْعَالِمُ تَقِيَّةً، وَالْجَاهِل يَجْهَل، فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ؟ (٢) .
وَكَانَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ صَاحِبُ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ مِمَّنِ امْتُحِنَ فَصَبَرَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُجِبْ إِلَى مَا طَلَبُوهُ مِنْهُ فِي فِتْنَةِ الْقَوْل بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لَمَّا وُشِيَ بِهِ. وَقَدْ قَال لَهُ أَمِيرُ مِصْرَ الَّذِي كُلِّفَ بِمِحْنَتِهِ: قُل فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ. قَال: إِنَّهُ يَقْتَدِي بِي مِائَةُ أَلْفٍ وَلاَ يَدْرُونَ مَا الْمَعْنَى. وَقَدْ أَمَرَ بِحَمْلِهِ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَغْدَادَ فِي الْحَدِيدِ، وَمَاتَ فِي السِّجْنِ بِبَغْدَادَ فِي الْقَيْدِ وَالْغُل ﵀ (٣)
وَكَانَ لِثَبَاتِ أَحْمَدَ وَالْبُوَيْطِيِّ وَمَنْ مَعَهُمَا أَثَرُهُ فِي стр. 8020
تَرَاجُعِ الْخِلاَفَةِ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْهَجِ، وَانْكَسَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَوْكَةُ الْمُعْتَزِلَةِ.
٢٩ - وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يَنْطِقَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَلاَ رُخْصَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ مُطْلَقًا، إِنْ كَانَ السُّكُوتُ كَافِيًا لِنَجَاتِهِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِ جَوَازِ التَّقِيَّةِ حِينَئِذٍ.
وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمَحْذُورِ أَيْضًا الْخَوْفُ مِنْ أَنْ يَخْفَى الْحَقُّ عَلَى الْجَاهِلِينَ أَوْ يَضْعُفَ إِيمَانُهُمْ وَيَحْجُمُوا عَنْ نَصْرِ حَقِّهِمُ اقْتِدَاءً بِمَنْ أَجَابَ تَقِيَّةً فَيَظُنُّوا جَوَابَهُ هُوَ الْجَوَابُ، وَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ مُرَادِهِ وَأَنَّهُ قَصَدَ التَّقِيَّةَ.
مَا يَنْبَغِي لِلآْخِذِ بِالتَّقِيَّةِ أَنْ يُرَاعِيَهُ:
يَنْبَغِي لِمَنْ يَأْخُذُ بِالتَّقِيَّةِ أَنْ يُلاَحِظَ أُمُورًا:
٣٠ - مِنْهَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مُخَلِّصٌ غَيْرُ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ، فَيَجِبُ أَنْ يَلْجَأَ إِلَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوَرِّيَ، كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شَتْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَرَّمَ وَشَرَّفَ، فَيَنْوِيَ مُحَمَّدًا آخَرَ فَإِنْ خَطَرَتْ بِبَالِهِ التَّوْرِيَةُ وَتَرَكَهَا لَمْ تَكُنِ التَّقِيَّةُ عُذْرًا لَهُ، وَيُعْتَبَرُ كَافِرًا (١) .
٣١ - وَمِنْهَا: أَنْ يُلاَحِظَ عَدَمَ الاِنْسِيَاقِ مَعَ الرُّخْصَةِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَدِّ التَّقِيَّةِ إِلَى حَدِّ الاِنْحِلاَل بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ بَعْدَ انْقِضَاءِ стр. 8021
الضَّرُورَةِ، وَأَصْل ذَلِكَ مَا قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُضْطَرِّ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فُسِّرَ الْبَاغِي بِمَنْ أَكَل الْحَرَامَ وَهُوَ يَجِدُ الْحَلاَل، وَفُسِّرَ الْعَادِي بِمَنْ أَكَل مِنَ الْحَرَامِ فَوْقَ مَا تَقْتَضِيهِ الضَّرُورَةُ.
وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ التَّقِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَال ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٢) فَحَذَّرَ تَعَالَى مِنْ نَفْسِهِ لِئَلاَّ يَغْتَرَّ الْمُتَّقِي وَيَتَمَادَى. ثُمَّ قَال فِي الآْيَةِ التَّالِيَةِ ﴿قُل إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (٣) فَنَبَّهَ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا يُضْمِرُهُ مُرْتَكِبُ الْحَرَامِ بِمُوَالاَةِ الْكُفَّارِ أَنَّهُ هَل يَفْعَلُهُ تَقِيَّةً أَوْ مُوَافَقَةً. قَال الرَّازِيُّ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَهَى عَنِ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَاسْتَثْنَى التَّقِيَّةَ فِي الظَّاهِرِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى أَنْ يَصِيرَ الْبَاطِنُ مُوَافِقًا لِلظَّاهِرِ فِي وَقْتِ التَّقِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَنْ أَقْدَمَ عِنْدَ التَّقِيَّةِ عَلَى إِظْهَارِ الْمُوَالاَةِ، فَقَدْ يَصِيرُ إِقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل بِحَسَبِ الظَّاهِرِ سَبَبًا لِحُصُول تِلْكَ الْمُوَالاَةِ فِي الْبَاطِنِ وَهَذَا الْوُقُوعُ فِي الْحَرَامِ وَعَدَمِ الْمُبَالاَةِ بِهِ، الَّذِي أَوَّلُهُ التَّرَخُّصُ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ، وَآخِرُهُ стр. 8022
الرِّضَا بِالْكُفْرِ وَانْشِرَاحُ الصَّدْرِ بِهِ، هُوَ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا بَقِيَّةُ الآْيَاتِ مِنْ سُورَةِ النَّحْل الَّتِي تَلَتْ آيَةَ الإِْكْرَاهِ. قَال تَعَالَى ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) وَفِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَل فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (٢) قَال الطَّبَرِيُّ " مَعْنَاهُ إِذَا آذَاهُ الْمُشْرِكُونَ فِي إِقْرَارِهِ بِاَللَّهِ جَعَل فِتْنَةَ النَّاسِ إِيَّاهُ كَعَذَابِ اللَّهِ فِي الآْخِرَةِ فَارْتَدَّ عَنْ إِيمَانِهِ بِاَللَّهِ رَاجِعًا إِلَى الْكُفْرِ بِهِ ". قَال: " وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الآْيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْل الإِْيمَانِ كَانُوا بِمَكَّةَ، فَخَرَجُوا مِنْهَا مُهَاجِرِينَ فَأُدْرِكُوا وَأُخِذُوا فَأَعْطَوُا الْمُشْرِكِينَ لِمَا نَالَهُمْ أَذَاهُمْ مَا أَرَادُوهُ مِنْهُمْ (٣) ". وَذَكَرَ غَيْرُ الطَّبَرِيِّ مِنْهُمْ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ أَخَا أَبِي جَهْلٍ لأُِمِّهِ، وَأَبَا جَنْدَل بْنِ سُهَيْل بْنِ عَمْرٍو وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرَهُمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ هَاجَرُوا فَنَزَل قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) .
٣٢ - وَمِنْهَا أَنْ يُلاَحِظَ النِّيَّةَ، فَيَنْوِيَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَفْعَل الْحَرَامَ لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ إِلاَّ أَنَّهُ стр. 8023
يَأْخُذُ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، فَإِنْ فَعَلَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ سَهْلٌ وَلاَ بَأْسَ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الإِْثْمِ. وَهَذَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ آخِرُ الآْيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) وَفِي الْحَدِيثِ دَخَل رَجُلٌ الْجَنَّةَ فِي ذُبَابٍ وَدَخَل النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَال مَرَّ رَجُلاَنِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لاَ يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لأَِحَدِهِمَا: قَرِّبْ قَال: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ فَقَالُوا لَهُ قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ قَال: فَدَخَل النَّارَ، وَقَالُوا لِلآْخَرِ قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا قَال مَا كُنْتُ لأُِقَرِّبَ لأَِحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ قَال: فَضَرَبُوا عُنُقَهُ قَال فَدَخَل الْجَنَّةَ (٢) .
قَال فِي تَيْسِيرِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ: وَفِيهِ: أَنَّهُ دَخَل النَّارَ بِسَبَبٍ لَمْ يَقْصِدْهُ بَل فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِمْ.
وَفِيهِ: مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشِّرْكِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ صَبَرَ عَلَى الْقَتْل وَلَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَى طِلْبَتِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَطْلُبُوا إِلاَّ الْعَمَل الظَّاهِرَ (٣) . стр. 8024
تَكَافُؤٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّكَافُؤُ لُغَةً: الاِسْتِوَاءُ، وَكُل شَيْءٍ سَاوَى شَيْئًا حَتَّى يَكُونَ مِثْلَهُ فَهُوَ مُكَافِئٌ لَهُ، وَالْمُكَافَأَةُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ هَذَا، وَالْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ أَيْ تَتَسَاوَى فِي الدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ، قَال أَبُو عُبَيْدٍ: فَلَيْسَ لِشَرِيفٍ عَلَى وَضِيعٍ فَضْلٌ فِي ذَلِكَ (١) . وَالْكُفْءُ: النَّظِيرُ وَالْمُسَاوِي، وَمِنْهُ: الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ أَيْ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُسَاوِيًا لِلْمَرْأَةِ فِي حَسَبِهَا وَدِينِهَا وَنَسَبِهَا وَبَيْتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ (٢) .
وَالْكَفَاءُ مَصْدَرُ كَافَأَهُ أَيْ قَابَلَهُ وَصَارَ نَظِيرًا لَهُ، وَقَوْلُهُمْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، أَيْ يُلاَقِي نِعَمَهُ وَيُسَاوِي مَزِيدَ نِعَمِهِ، وَهُوَ أَجَل التَّحَامِيدِ (٣) .
وَسَيَأْتِي التَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ مَعَ الإِْطْلاَقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ: стр. 8025
حُكْمُ الْكَفَاءَةِ:
٢ - بَحَثَ الْفُقَهَاءُ التَّكَافُؤَ (أَوِ الْكَفَاءَةَ حَسَبَ عِبَارَتِهِمْ فِي النِّكَاحِ) فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: النِّكَاحُ، وَالْقِصَاصُ، وَالْمُبَارَزَةُ فِي الْقِتَال، وَالْمُسَابَقَةُ عَلَى خَيْلٍ وَنَحْوِهَا، وَفِيمَا يَلِي حُكْمُ التَّكَافُؤِ فِي كُلٍّ مِنْهَا:
الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ:
٣ - هِيَ لُغَةً: التَّسَاوِي وَالتَّعَادُل
وَاصْطِلاَحًا: اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِهَا الاِصْطِلاَحِيِّ، وَعَرَّفَهَا الْقُهُسْتَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا مُسَاوَاةُ الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ فِي الأُْمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي النِّكَاحِ (١) .
وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهَا أَمْرٌ يُوجِبُ عَدَمَهُ عَارًا (٢) .
وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يَعْتَبِرُونَ الْكَفَاءَةَ فِي النِّكَاحِ (٣) ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالآْثَارِ وَالْمَعْقُول، لَكِنَّ الْكَرْخِيَّ وَالثَّوْرِيَّ (٤) وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ стр. 8026
ذَهَبُوا إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الْجُمْهُورُ فِي النِّكَاحِ (١) .
وَالْوَقْتُ الَّذِي تُعْتَبَرُ عِنْدَهُ الْكَفَاءَةُ، هُوَ ابْتِدَاءُ عَقْدِ النِّكَاحِ وَلاَ يَضُرُّ زَوَالُهَا بَعْدَهُ.
وَتُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ - عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - فِي جَانِبِ الرِّجَال لِلنِّسَاءِ وَلاَ تُعْتَبَرُ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ لِلرِّجَال (٢) .
وَالْحَقُّ فِي الْكَفَاءَةِ لِلْمَرْأَةِ أَوْ لِلأَْوْلِيَاءِ أَوْ لَهُمَا. عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ (٣) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي خِصَال الْكَفَاءَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُكَافِئَ الزَّوْجُ فِيهَا الزَّوْجَةَ، وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ - كَمَا قَال الْخَطَّابِيُّ - إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الدِّينُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالنَّسَبُ، وَالصِّنَاعَةُ (٤) .
وَاعْتَبَرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْكَفَاءَةَ لِلُزُومِ النِّكَاحِ لاَ لِصِحَّتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْمُخْتَارَةِ لِلْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْكَفَاءَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَسَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (٥) . стр. 8027
وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِل، وَفِي النِّكَاحِ الَّذِي تُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَفَاءَةُ، وَفِي أَثَرِ عَدَمِ اعْتِبَارِهَا تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " كَفَاءَةٌ " وَفِي مُصْطَلَحِ " نِكَاحٌ ".
هَذَا عَنْ حُكْمِ التَّكَافُؤِ (أَثَرُهُ) أَمَّا اخْتِيَارُ الأَْكْفَاءِ فِي النِّكَاحِ فَهُوَ مَسْنُونٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ (١) .
التَّكَافُؤُ فِي الدِّمَاءِ:
٤ - مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِلْقِصَاصِ: أَنْ يَتَكَافَأَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَعَ الْجَانِي، أَيْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَكَافُؤٌ فِي الدَّمِ.
وَعَرَّفَ الشَّافِعِيَّةُ التَّكَافُؤَ فِي الْقِصَاصِ بِأَنَّهُ: مُسَاوَاةُ الْقَاتِل لِلْقَتِيل الْجَانِي لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. بِأَنْ لاَ يَفْضُلَهُ بِإِسْلاَمٍ أَوْ أَمَانٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ سِيَادَةٍ، أَوْ أَصْلِيَّةٍ (أَيْ لاَ يَكُونُ أَصْلاً لِلْمَقْتُول وَإِنْ عَلاَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ كَافِرًا) (٢)
وَقَالُوا: إِنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل الْمُسْلِمَيْنِ دُونَ نَظَرٍ إِلَى تَفَاوُتٍ فِي نَسَبٍ أَوْ مَالٍ أَوْ صِفَاتٍ خَاصَّةٍ (٣) . لِقَوْل النَّبِيِّ стр. 8028
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ (١) . . .
وَيُعْتَبَرُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل حَال الْجِنَايَةِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِالْحَال قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا (٢) .
وَيُعْتَبَرُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْجُرْحِ وَالنَّفْسِ، فَإِنْ سَاوَى الْجَانِي الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ اقْتُصَّ فِيهِمَا (٣) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ أَثَرَ اعْتِبَارِ التَّكَافُؤِ فِي الْقِصَاصِ: أَنَّهُ لاَ يُقْتَل الْمُسْلِمُ بِمَنْ لاَ يُسَاوِيهِ فِي الْعِصْمَةِ، وَيُقْتَل الْمُسْلِمُ بِالْمُسْلِمِ وَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ وَغَيْرِهِمَا (٤) .
وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِل وَغَيْرِهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَافُؤِ فِي الدِّمَاءِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: " كَفَاءَةٌ " وَفِي مُصْطَلَحِ: " قِصَاصٌ ".
التَّكَافُؤُ فِي الْمُبَارَزَةِ:
٥ - الْمُبَارَزَةُ لُغَةً: الْخُرُوجُ إِلَى الْخَصْمِ لِقِتَالِهِ وَمُصَارَعَتِهِ، وَكَانَتْ تَتِمُّ بِخُرُوجِ أَحَدِ الْمُقَاتِلِينَ أَمَامَ أَصْحَابِهِ وَدَعْوَةِ أَحَدِ الْخُصُومِ لِلْقِتَال، فَيَبْرُزُ لَهُ مَنْ دُعِيَ إِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى أَحَدًا أَوْ يَبْرُزُ إِلَيْهِ стр. 8029
أَحَدُ أَكْفَائِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَّى أَحَدًا، وَيَدُورُ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ حَتَّى يَصْرَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ (١) .
وَالتَّكَافُؤُ لِلْمُبَارَزَةِ: أَنْ يَعْلَمَ الشَّخْصُ الَّذِي يَخْرُجُ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ، وَأَنَّهُ لَنْ يَعْجِزَ عَنْ مُقَاوَمَةِ عَدُوِّهِ (٢) .
وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ " الْجِهَادِ " حُكْمَ الْمُبَارَزَةِ، وَأَنَّهَا تَكُونُ جَائِزَةً - خِلاَفًا لِلْحَسَنِ - بِإِطْلاَقٍ أَوْ بِإِذْنِ الإِْمَامِ، وَتَكُونُ مُسْتَحَبَّةً لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ، لأَِنَّ فِي خُرُوجِهِ لِلْمُبَارَزَةِ نَصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَدَرْءًا عَنْهُمْ وَإِظْهَارًا لِقُوَّتِهِمْ، وَتَكُونُ مَكْرُوهَةً لِلضَّعِيفِ الَّذِي لاَ يَثِقُ مِنْ قُوَّتِهِ وَشَجَاعَتِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَإِضْعَافِ عَزْمِهِمْ لأَِنَّهُ يُقْتَل غَالِبًا.
فَالتَّكَافُؤُ هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ بِالْجَوَازِ أَوِ الاِسْتِحْبَابِ أَوِ الْكَرَاهَةِ فِي الْمُبَارَزَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمَاوَرْدِيُّ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا جَازَتِ الْمُبَارَزَةُ بِمَا اسْتَشْهَدْنَا. . كَانَ لِتَمْكِينِ الْمُبَارَزَةِ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَا نَجْدَةٍ وَشَجَاعَةٍ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَنْ يَعْجِزَ عَنْ مُقَاوَمَةِ عَدُوِّهِ، فَإِنْ كَانَ بِخِلاَفِهِ مُنِعَ.
وَالثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ زَعِيمًا لِلْجَيْشِ يُؤَثِّرُ فَقْدُهُ فِيهِمْ (٣) . стр. 8030
وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ التَّكَافُؤَ فِي الْمُبَارَزَةِ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ نَادَى عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، يَا مُحَمَّدُ أَخْرِجْ إِلَيْنَا مِنْ قَوْمِنَا أَكْفَاءَنَا. . فَقَدْ خَرَجَ عُتْبَةُ بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبَةَ وَابْنِهِ الْوَلِيدِ، حَتَّى إِذَا فَصَل مِنَ الصَّفِّ دَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِتْيَةٌ مِنَ الأَْنْصَارِ ثَلاَثَةٌ، وَهُمْ: عَوْفٌ وَمُعَوِّذٌ ابْنَا الْحَارِثِ وَرَجُلٌ آخَرُ يُقَال هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: رَهْطٌ مِنَ الأَْنْصَارِ، قَالُوا: مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ، ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِمْ (١) : يَا مُحَمَّدُ أَخْرِجْ إِلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ، وَقُمْ يَا حَمْزَةُ، وَقُمْ يَا عَلِيُّ، فَلَمَّا قَامُوا وَدَنَوْا مِنْهُمْ قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَال عُبَيْدَةُ: عُبَيْدَةُ، وَقَال حَمْزَةُ: حَمْزَةُ، وَقَال عَلِيٌّ: عَلِيٌّ قَالُوا: نَعَمْ أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ وَكَانَ أَسَنَّ الْقَوْمِ عُتْبَةَ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ، فَأَمَّا حَمْزَةُ فَلَمْ يُمْهِل شَيْبَةَ أَنْ قَتَلَهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَمْ يُمْهِل الْوَلِيدَ أَنْ قَتَلَهُ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَيْنِ كِلاَهُمَا أَثْبَتَ صَاحِبَهُ، وَكَرَّ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ بِأَسْيَافِهِمَا عَلَى عُتْبَةَ فَذَفَّفَا عَلَيْهِ، وَاحْتَمَلاَ صَاحِبَهُمَا فَحَازَاهُ إِلَى أَصْحَابِهِ (٢) . стр. 8031
التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْخَيْل فِي السَّبْقِ:
٦ - السَّبْقُ - بِالسُّكُونِ - فِي اللُّغَةِ: الْمُسَابَقَةُ، وَالسَّبَقُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - مَا يُجْعَل مِنَ الْمَال رَهْنًا عَلَى الْمُسَابَقَةِ
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
وَقَدْ شُرِعَ السَّبْقُ فِي الْخَيْل وَفِي الإِْبِل - وَلَوْ بِجُعْلٍ - لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْدَادٍ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِلسَّبْقِ وَحِل الْجُعْل شُرُوطًا مِنْهَا: التَّكَافُؤُ بَيْنَ الدَّابَّتَيْنِ الْمُتَسَابِقَتَيْنِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ سَبْقُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالتَّكَافُؤُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُحَلِّل الَّذِي يَدْخُل بَيْنَهُمَا فِي حَالَةِ شَرْطِ إِخْرَاجِ الْجُعْل مِنَ الْمُتَسَابِقَيْنِ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلاَ بَأْسَ بِالْمُسَابَقَةِ فِي الرَّمْيِ وَالْفَرَسِ وَالإِْبِل. . وَحَل الْجُعْل وَطَابَ إِنْ شُرِطَ الْمَال فِي الْمُسَابَقَةِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَحَرُمَ لَوْ شُرِطَ فِيهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ؛ لأَِنَّهُ يَصِيرُ قِمَارًا، إِلاَّ إِذَا أَدْخَلاَ ثَالِثًا مُحَلِّلاً بَيْنَهُمَا بِفَرَسٍ كُفْءٍ لِفَرَسَيْهِمَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَسْبِقَهُمَا، وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ أَيْ إِنْ كَانَ يَسْبِقُ أَوْ يُسْبَقُ لاَ مَحَالَةَ فَلاَ يَجُوزُ (٢) . لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ (٣) . стр. 8032
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بِجُعْلٍ فِي الْخَيْل، وَفِي الإِْبِل، وَبَيْنَ الْخَيْل وَالإِْبِل، وَفِي السَّهْمِ إِذَا كَانَ الْجُعْل مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَعُيِّنَ الْمَبْدَأُ وَالْغَايَةُ وَالْمَرْكَبُ. وَثُمَّ قَالُوا فِي شَرْحِ الْمَرْكَبِ: وَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْخَيْل أَوِ الإِْبِل مُتَقَارِبَةً فِي الْجَرْيِ، وَأَنْ يَجْهَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبْقَ فَرَسِهِ وَفَرَسَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَدَ الْفَرَسَيْنِ أَكْثَرُ جَرْيًا مِنَ الآْخَرِ لَمْ تَجُزْ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَشَرْطُ الْمُسَابَقَةِ عِلْمُ الْمَوْقِفِ وَالْغَايَةِ وَتَسَاوِيهِمَا فِيهِمَا، وَتَعْيِينُ الْفَرَسَيْنِ وَيَتَعَيَّنَانِ، وَإِمْكَانُ سَبْقِ كُل وَاحِدٍ. . فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا يُقْطَعُ بِتَخَلُّفِهِ أَوْ فَارِهًا يُقْطَعُ بِتَقَدُّمِهِ لَمْ يَجُزْ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَرَسُ الْمُحَلِّل (٣) مُكَافِئًا لِفَرَسَيْهِمَا أَوْ بَعِيرُهُ مُكَافِئًا لِبَعِيرَيْهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا مِثْل أَنْ يَكُونَ فَرَسَاهُمَا جَوَادَيْنِ وَفَرَسُهُ بَطِيئًا فَهُوَ قِمَارٌ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ стр. 8033
فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ، وَلأَِنَّهُ مَأْمُونٌ سَبْقُهُ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ مُكَافِئًا لَهُمَا جَازَ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الرِّهَانِ أَنْ تَكُونَ الدَّابَّتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَالْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْبَعِيرَ لاَ يَكَادُ يَسْبِقُ الْفَرَسَ فَلاَ يَحْصُل الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْمُسَابَقَةِ (١) . стр. 8034
تَكْبِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّكْبِيرُ فِي اللُّغَةِ: التَّعْظِيمُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (١) أَيْ فَعَظِّمْ، وَأَنْ يُقَال: " اللَّهُ أَكْبَرُ (٢) " رُوِيَ ﴿أَنَّهُ لَمَّا نَزَل ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ اللَّهُ أَكْبَرُ فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ وَفَرِحَتْ وَأَيْقَنَتْ أَنَّهُ الْوَحْيُ﴾ (٣) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) . стр. 8035
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيل وَالتَّحْمِيدُ:
٢ - الصِّلَةُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَهَذِهِ الأَْلْفَاظِ أَنَّهَا كُلُّهَا مَدَائِحُ يُمْدَحُ بِهَا الإِْلَهُ وَيُعَظَّمُ (١) .
فَمَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فَقَدْ عَظَّمَهُ وَنَزَّهَهُ عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَسِمَاتِ الْحُدُوثِ، فَصَارَ وَاصِفًا لَهُ بِالْعَظَمَةِ وَالْقِدَمِ. وَكَذَا إِذَا هَلَّل؛ لأَِنَّهُ إِذَا وَصَفَهُ بِالتَّفَرُّدِ وَالأُْلُوهِيَّةِ فَقَدْ وَصَفَهُ بِالْعَظَمَةِ وَالْقِدَمِ، لاِسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ الإِْلَهِيَّةِ دُونَهُمَا (٢) .
كَمَا أَنَّ التَّحْمِيدَ يُرَادُ بِهِ كَثْرَةُ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّهُ هُوَ مُسْتَحِقُّ الْحَمْدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ (٣) .
أَحْكَامُ التَّكْبِيرِ:
أَوَّلاً
:
التَّكْبِيرُ فِي الصَّلاَةِ
تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ:
٣ - تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلاَةِ.
وَهِيَ قَوْل الْمُصَلِّي لاِفْتِتَاحِ الصَّلاَةِ (اللَّهُ أَكْبَرُ) أَوْ كُل ذِكْرٍ يَصِيرُ بِهِ شَارِعًا فِي الصَّلاَةِ.
وَتُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مُصْطَلَحِ (تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ) . стр. 8036
تَكْبِيرَاتُ الاِنْتِقَالاَتِ:
٤ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ سُنَّةٌ (١)
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: بِهَذَا قَال أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ وَجَابِرٌ وَقَيْسُ بْنُ عُبَادَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَكْحُولٍ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ (٢) .
وَدَلِيل الْجُمْهُورِ حَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ صَلاَتَهُ، فَعَلَّمَهُ وَاجِبَاتِهَا، فَذَكَرَ مِنْهَا تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ وَهَذَا مَوْضِعُ الْبَيَانِ وَوَقْتُهُ وَلاَ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ (٣) .
أَمَّا الأَْحَادِيثُ الَّتِي تُثْبِتُ التَّكْبِيرَ فِي كُل خَفْضٍ وَرَفْعٍ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُول: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، стр. 8037
ثُمَّ يَقُول سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُول وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَل ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْمَثْنَى بَعْدَ الْجُلُوسِ. (١)
وَالْحَدِيثُ فِيهِ إِثْبَاتُ التَّكْبِيرِ فِي كُل خَفْضٍ وَرَفْعٍ إِلاَّ فِي رَفْعِهِ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ يَقُول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (٢) .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُل خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ (٣) .
وَيَرَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ تَكْبِيرَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَاجِبٌ، وَهُوَ قَوْل إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَدَاوُدَ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ وَأَمْرُهُ لِلْوُجُوبِ، وَفَعَلَهُ. وَقَال: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٤) . стр. 8038
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ عَمِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تَتِمُّ صَلاَةٌ لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ - إِلَى قَوْلِهِ - ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُول سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقُول اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُول اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ، فَإِذَا فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُهُ (١) . وَهَذَا نَصٌّ فِي وُجُوبِ التَّكْبِيرِ.
وَلأَِنَّ مَوَاضِعَ هَذِهِ الأَْذْكَارِ أَرْكَانُ الصَّلاَةِ فَكَانَ فِيهَا ذِكْرٌ وَاجِبٌ كَالْقِيَامِ (٢) .
وَقَال أَبُو عُمَرَ: قَدْ قَال قَوْمٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ إِنَّ التَّكْبِيرَ إِنَّمَا هُوَ إِيذَانٌ بِحَرَكَاتِ الإِْمَامِ وَشِعَارُ الصَّلاَةِ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ إِلاَّ فِي الْجَمَاعَةِ. فَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُكَبِّرَ (٣) . стр. 8039
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ:
٥ - الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ هِيَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ أُمِرَ بِالنِّيَّةِ أَوَّل الصَّلاَةِ مَقْرُونَةً بِالتَّكْبِيرِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ إِلَى آخِرِ الصَّلاَةِ، فَأُمِرَ أَنْ يُجَدِّدَ الْعَهْدَ فِي أَثْنَائِهَا بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي هُوَ شِعَارُ النِّيَّةِ (١) .
مَدُّ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ وَحَذْفُهَا:
٦ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ - وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ - اسْتِحْبَابَ التَّكْبِيرِ فِي كُل رُكْنٍ عِنْدَ الشُّرُوعِ، وَمَدَّهُ إِلَى الرُّكْنِ الْمُنْتَقَل إِلَيْهِ حَتَّى لاَ يَخْلُوَ جُزْءٌ مِنْ صَلاَةِ الْمُصَلِّي عَنْ ذِكْرٍ، فَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَشْرَعُ فِي الاِنْتِقَال إِلَى الرُّكُوعِ، وَيَمُدُّهُ حَتَّى يَصِل حَدَّ الرَّاكِعِينَ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، وَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَشْرَعُ فِي الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ وَيَمُدُّهُ حَتَّى يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَْرْضِ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي تَسْبِيحِ السُّجُودِ، وَهَكَذَا يَشْرَعُ فِي التَّكْبِيرِ لِلْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل حِينَ يَشْرَعُ فِي الاِنْتِقَال وَيَمُدُّهُ حَتَّى يَنْتَصِبَ قَائِمًا.
وَيَسْتَثْنِي الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَ الْمُصَلِّي فِي قِيَامِهِ مِنَ اثْنَتَيْنِ، حَيْثُ يَقُولُونَ إِنَّهُ لاَ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا لأَِنَّهُ كَمُفْتَتِحِ صَلاَةٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ стр. 8040
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْقَدِيمِ الْمُقَابِل لِلصَّحِيحِ - بِحَذْفِ التَّكْبِيرِ وَعَدَمِ مَدِّهِ (١) .
وَتُنْظَرُ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِتَرْكِ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ فِي (سُجُودُ السَّهْوِ) .
ب - التَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ:
٧ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ صَلاَةَ الْعِيدَيْنِ فِيهَا سِتُّ تَكْبِيرَاتٍ فِي الأُْولَى وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ وَالْمُزَنِيِّ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: شَهِدْتُ الأَْضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الأُْولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْل الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآْخِرَةِ خَمْسًا قَبْل الْقِرَاءَةِ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأُْولَى سَبْعًا قَبْل الْقِرَاءَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْل الْقِرَاءَةِ (٣) . стр. 8041
وَيَبْدُو أَنَّهُمْ يَعُدُّونَ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ فِي السَّبْعِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى، كَمَا يَعُدُّونَ تَكْبِيرَةَ النُّهُوضِ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ الْمَرْوِيَّةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِحُجَّةِ أَنَّ الْعَمَل بِالْمَدِينَةِ كَانَ عَلَى هَذَا (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ صَلاَةَ الْعِيدَيْنِ فِيهَا سِتُّ تَكْبِيرَاتٍ زَوَائِدُ ثَلاَثٌ فِي الأُْولَى وَثَلاَثٌ فِي الثَّانِيَةِ. وَبِهَذَا قَال ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى الأَْشْعَرِيُّ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَالثَّوْرِيُّ وَعُلَمَاءُ الْكُوفَةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) .
فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَال: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُعَلِّمُنَا التَّكْبِيرَ فِي الْعِيدَيْنِ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، خَمْسٌ فِي الأُْولَى وَأَرْبَعٌ فِي الآْخِرَةِ، وَيُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ، فِي الأُْولَى تَكْبِيرَةُ الاِفْتِتَاحِ وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ وَتَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ، وَالأَْرْبَعَةُ فِي الرَّكْعَةِ الأَْخِيرَةِ، التَّكْبِيرَاتُ الثَّلاَثُ الزَّوَائِدُ وَتَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ سَبْعٌ стр. 8042
فِي الأُْولَى وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ (١) وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً سِوَى تَكْبِيرَةِ الاِفْتِتَاحِ (٢) . وَبِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ فِي الأُْولَى سَبْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الصَّلاَةِ (٣) .
وَقَدْ ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلاً فِي عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، وَقَال: الاِخْتِلاَفُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ كُل ذَلِكَ فَعَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الأَْحْوَال الْمُخْتَلِفَةِ، لأَِنَّ الْقِيَاسَ لَمَّا لَمْ يَدُل حُمِل عَلَى أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ رَوَى قَوْلَهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكُل وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ رَوَى قَوْلَهُ عَنْ صَحَابِيٍّ (٤) .
هَذَا وَأَمَّا الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَحَل стр. 8043
التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ وَالذِّكْرِ بَيْنَهَا، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِيهَا، وَنِسْيَانِهَا، فَتُنْظَرُ فِي (صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ) .
ج - التَّكْبِيرُ فِي أَوَّل خُطْبَتَيِ الْعِيدَيْنِ:
٨ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ الإِْمَامُ فِي أَوَّل الْخُطْبَةِ الأُْولَى لِصَلاَةِ أَحَدِ الْعِيدَيْنِ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي أَوَّل الثَّانِيَةِ سَبْعًا، وَهَذِهِ التَّكْبِيرَاتُ لَيْسَتْ مِنَ الْخُطْبَةِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَال مَالِكٌ: السُّنَّةُ أَنْ يَفْتَتِحَ خُطْبَتَهُ الأُْولَى وَالثَّانِيَةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ (١) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: خُطْبَةٌ) .
د - التَّكْبِيرُ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ:
٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْقَائِلِينَ بِصَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ وَمِنْهُمْ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً لِلاِفْتِتَاحِ (٢) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: اسْتَسْقَى النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ (٣) ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ стр. 8044
التَّكْبِيرَ (١) ، فَتَنْصَرِفُ إِلَى الصَّلاَةِ الْمُطْلَقَةِ. كَمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى فَخَطَبَ قَبْل الصَّلاَةِ، وَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ، وَحَوَّل رِدَاءَهُ، ثُمَّ نَزَل فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكَبِّرْ فِيهِمَا إِلاَّ تَكْبِيرَةً (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي صِفَةِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ: إِنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَتَكْبِيرِ الْعِيدِ، سَبْعًا فِي الأُْولَى، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ، وَهُوَ قَوْل سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَكْحُولٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ مَرْوَانَ أَرْسَل إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ سُنَّةِ الاِسْتِسْقَاءِ، فَقَال: стр. 8045
سُنَّةُ الاِسْتِسْقَاءِ الصَّلاَةُ فِي الْعِيدَيْنِ، إِلاَّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَل يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَيَسَارَهُ يَمِينَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَبَّرَ فِي الأُْولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى﴾ وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ ﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وَكَبَّرَ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ (١) .
وَتَفْصِيل صِفَةِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ يُنْظَرُ فِي (اسْتِسْقَاءٍ ف ١٦ ج ٣ ص ٣١٢)
هـ - تَكْبِيرَاتُ الْجِنَازَةِ:
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ أَرْكَانٌ لاَ تَصِحُّ صَلاَةُ الْجِنَازَةِ إِلاَّ بِهَا (٢) .
أَمَّا عَدَدُ تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ، فَقَدْ قَال جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ وَالثَّوْرِيُّ: إِنَّ تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ أَرْبَعٌ. فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ آخِرَ صَلاَةٍ صَلاَّهَا عَلَى النَّجَاشِيِّ كَبَّرَ أَرْبَعًا стр. 8046
وَثَبَتَ عَلَيْهَا حَتَّى تُوُفِّيَ (١) .
وَصَحَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، وَصَلَّى صُهَيْبٌ عَلَى عُمَرَ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَصَلَّى الْحَسَنُ عَلَى عَلِيٍّ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، وَصَلَّى عُثْمَانُ عَلَى خَبَّابٍ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا (٢)
وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَعِيسَى مَوْلَى حُذَيْفَةَ وَأَصْحَابُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبُو يُوسُفَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ عَلَى الْجَنَائِزِ خَمْسٌ. قَال الْحَازِمِيُّ: وَمِمَّنْ رَأَى التَّكْبِيرَ عَلَى الْجَنَائِزِ خَمْسًا ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: يُكَبِّرُ سَبْعًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ.
وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: يُكَبِّرُ ثَلاَثًا.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّ سُنَّةَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ стр. 8047
أَرْبَعٌ، وَلاَ تُسَنُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَلاَ يَجُوزُ النَّقْصُ مِنْهَا (١) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي أَحْكَامِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ، وَمُتَابَعَةِ الإِْمَامِ، وَأَحْكَامِ الْمَسْبُوقِ بِتَكْبِيرِ الصَّلاَةِ فِي الْجِنَازَةِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (صَلاَةُ الْجِنَازَةِ) .
ثَانِيًا
التَّكْبِيرُ خَارِجَ الصَّلاَةِ
التَّكْبِيرُ فِي الأَْذَانِ:
١١ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّل الأَْذَانِ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ (٢) .
وَقَال فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ: لِلاِعْتِنَاءِ بِشَأْنِ هَذَا الْمَقَامِ الأَْكْبَرِ، كَرَّرَ الدَّال عَلَيْهِ أَرْبَعًا، إِشْعَارًا بِعَظِيمِ رِفْعَتِهِ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّل الأَْذَانِ مَرَّتَانِ اعْتِبَارًا بِكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ، حَيْثُ يُؤْتَى بِهَا مَرَّتَيْنِ، وَلأَِنَّهُ عَمَل السَّلَفِ بِالْمَدِينَةِ (٤) . стр. 8048
أَمَّا التَّكْبِيرُ فِي آخِرِ الأَْذَانِ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ مَرَّتَانِ فَقَطْ.
وَلِلتَّفْصِيل فِي أَلْفَاظِ الأَْذَانِ. ر: مُصْطَلَحَ (أَذَانٌ) ف ١٠ ج ٢ ص ٣٥٩، ٣٦٠
التَّكْبِيرُ فِي الإِْقَامَةِ:
١٢ - التَّكْبِيرُ فِي بَدْءِ الإِْقَامَةِ مَرَّتَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَأَرْبَعُ مَرَّاتٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا التَّكْبِيرُ فِي آخِرِ الإِْقَامَةِ فَهُوَ مَرَّتَانِ بِالاِتِّفَاقِ (١) .
وَتُنْظَرُ كَيْفِيَّةُ الإِْقَامَةِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِقَامَةٌ ف ٧ ج ٦ ص ٧، ٦)
رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ عَقِيبَ الْمَكْتُوبَةِ:
١٣ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَدَمَ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ وَالذِّكْرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ وَقَدْ حَمَل الشَّافِعِيُّ الأَْحَادِيثَ الَّتِي تُفِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ: " ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ (٢) حَمَلَهَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ لِيَعْلَمَ الصَّحَابَةُ صِفَةَ الذِّكْرِ لاَ أَنَّهُ كَانَ دَائِمًا، وَقَال стр. 8049
الشَّافِعِيُّ: أَخْتَارُ لِلإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ وَيُخْفِيَانِ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَقْصِدَا التَّعْلِيمَ فَيُعَلِّمَا ثُمَّ يُسِرَّا (١) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي الأَْدْعِيَةِ وَالأَْذْكَارِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ وَالْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ بِهَا (ر: ذِكْرٌ، وَإِسْرَارٌ ف ٢٠ ج ٤ ص ١٧٥)
التَّكْبِيرُ فِي طَرِيقِ مُصَلَّى الْعِيدِ:
١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ التَّكْبِيرِ جَهْرًا فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى فِي عِيدِ الأَْضْحَى، أَمَّا التَّكْبِيرُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُكَبَّرُ فِيهِ جَهْرًا وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٢) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا وَرَدَ فِي عِيدِ الْفِطْرِ بِدَلِيل عَطْفِهِ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (٣) وَالْمُرَادُ بِإِكْمَال الْعِدَّةِ بِإِكْمَال صَوْمِ رَمَضَانَ (٤) .
وَلِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ فِي الْعِيدَيْنِ مَعَ الْفَضْل بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَعْفَرٍ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّهْلِيل وَالتَّكْبِيرِ، وَيَأْخُذُ стр. 8050
طَرِيقَ الْحَدَّادِينَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى (١) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى عَدَمِ الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ لأَِنَّ الأَْصْل فِي الثَّنَاءِ الإِْخْفَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْل﴾ (٢) وَقَوْلُهُ ﷺ خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ (٣) .
وَلأَِنَّهُ أَقْرَبُ مِنَ الأَْدَبِ وَالْخُشُوعِ، وَأَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ.
وَلأَِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ فِي عِيدِ الأَْضْحَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٤) جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ: الْمُرَادُ بِهِ التَّكْبِيرُ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ يَوْمُ الْفِطْرِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَيْضًا، لأَِنَّ عِيدَ الأَْضْحَى اخْتُصَّ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَالتَّكْبِيرُ شُرِعَ عَلَمًا عَلَى وَقْتِ أَفْعَال الْحَجِّ، وَلَيْسَ فِي شَوَّالٍ ذَلِكَ (٥) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَانْتِهَائِهِ فِي стр. 8051
الْعِيدَيْنِ وَصِفَةِ التَّكْبِيرِ (ر صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ وَعِيدٌ) .
التَّكْبِيرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
١٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ: فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ هُوَ مَنْدُوبٌ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِوُجُوبِهِ، وَقَدْ سَمَّاهُ الْكَرْخِيُّ سُنَّةً ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْوَاجِبِ، فَقَال: تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، نَقَلَهَا أَهْل الْعِلْمِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَل بِهَا.
وَقَال الْكَاسَانِيُّ: إِطْلاَقُ اسْمِ السُّنَّةِ عَلَى الْوَاجِبِ جَائِزٌ (٢) .
هَذَا وَلِلتَّفْصِيل فِي صِفَةِ تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ وَحُكْمِهِ، وَفِي وَقْتِهِ، وَفِي مَحَل أَدَائِهِ ر: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (ف ١٣ - ج ٧ ص ٣٢٥) ، وَمُصْطَلَحَ: (عِيدٌ) .
التَّكْبِيرُ عِنْدَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ:
١٦ - يُسَنُّ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُل طَوْفَةٍ مِنَ الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ إِنِ اسْتَطَاعَ، стр. 8052
وَيُكَبِّرُ وَيَقُول: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، مَعَ رَفْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ اسْتِلاَمَهُ يُكَبِّرُ عِنْدَ مُحَاذَاتِهِ وَيُهَلِّل وَيُشِيرُ إِلَيْهِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ (١) . وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٢) .
التَّكْبِيرُ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ:
١٧ - مِنْ سُنَنِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ التَّكْبِيرُ، وَيُنْدَبُ - بَعْدَ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَرَى الْكَعْبَةَ - أَنْ يُكَبِّرَ وَيُهَلِّل ثَلاَثًا، ثُمَّ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا. . وَهَذَا بِلاَ خِلاَفٍ (٣) . стр. 8053
التَّكْبِيرُ أَثْنَاءَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:
١٨ - التَّكْبِيرُ أَثْنَاءَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَبْسُوطَتَيْنِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُول فِي عَرَفَةَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (١) .
التَّكْبِيرُ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ:
١٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ رَمْيِ كُل حَصَاةٍ بِأَنْ يَقُول: بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّل حَصَاةٍ (٢) لِمَا رَوَى الْفَضْل بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَل يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (٣) .
التَّكْبِيرُ عِنْدَ الذَّبْحِ وَالصَّيْدِ:
٢٠ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول الشَّخْصُ عِنْدَ الذَّبْحِ، стр. 8054
وَعِنْدَ إِرْسَال الْجَارِحِ، وَرَمْيِ السَّهْمِ لِلصَّيْدِ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَهَذَا بِلاَ خِلاَفٍ (١) . لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْوَارِدِ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى وَكَبَّرَ (٢) وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (٣) وَلِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ فَقَال إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قُتِل فَكُل (٤) وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَبَحَ يَوْمَ الْعِيدِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ وَقَال بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (٥) .
وَلِلتَّفْصِيل ر: (ذَبْحٌ، صَيْدٌ)
التَّكْبِيرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلاَل:
٢١ - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى الْهِلاَل أَنْ يَقُول مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى стр. 8055
الْهِلاَل قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ، إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الْقَدَرِ، وَمِنْ سُوءِ الْحَشْرِ (١) .
وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلاَل قَال: اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالسَّلاَمَةِ وَالإِْسْلاَمِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ (٢) . следующие страницы →