Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.
стр. 8051
الْعِيدَيْنِ وَصِفَةِ التَّكْبِيرِ (ر صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ وَعِيدٌ) .
التَّكْبِيرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
١٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ: فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ هُوَ مَنْدُوبٌ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِوُجُوبِهِ، وَقَدْ سَمَّاهُ الْكَرْخِيُّ سُنَّةً ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْوَاجِبِ، فَقَال: تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، نَقَلَهَا أَهْل الْعِلْمِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَل بِهَا.
وَقَال الْكَاسَانِيُّ: إِطْلاَقُ اسْمِ السُّنَّةِ عَلَى الْوَاجِبِ جَائِزٌ (٢) .
هَذَا وَلِلتَّفْصِيل فِي صِفَةِ تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ وَحُكْمِهِ، وَفِي وَقْتِهِ، وَفِي مَحَل أَدَائِهِ ر: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (ف ١٣ - ج ٧ ص ٣٢٥) ، وَمُصْطَلَحَ: (عِيدٌ) .
التَّكْبِيرُ عِنْدَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ:
١٦ - يُسَنُّ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُل طَوْفَةٍ مِنَ الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ إِنِ اسْتَطَاعَ، стр. 8052
وَيُكَبِّرُ وَيَقُول: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، مَعَ رَفْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ اسْتِلاَمَهُ يُكَبِّرُ عِنْدَ مُحَاذَاتِهِ وَيُهَلِّل وَيُشِيرُ إِلَيْهِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ (١) . وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٢) .
التَّكْبِيرُ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ:
١٧ - مِنْ سُنَنِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ التَّكْبِيرُ، وَيُنْدَبُ - بَعْدَ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَرَى الْكَعْبَةَ - أَنْ يُكَبِّرَ وَيُهَلِّل ثَلاَثًا، ثُمَّ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا. . وَهَذَا بِلاَ خِلاَفٍ (٣) . стр. 8053
التَّكْبِيرُ أَثْنَاءَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:
١٨ - التَّكْبِيرُ أَثْنَاءَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَبْسُوطَتَيْنِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُول فِي عَرَفَةَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (١) .
التَّكْبِيرُ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ:
١٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ رَمْيِ كُل حَصَاةٍ بِأَنْ يَقُول: بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّل حَصَاةٍ (٢) لِمَا رَوَى الْفَضْل بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَل يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (٣) .
التَّكْبِيرُ عِنْدَ الذَّبْحِ وَالصَّيْدِ:
٢٠ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول الشَّخْصُ عِنْدَ الذَّبْحِ، стр. 8054
وَعِنْدَ إِرْسَال الْجَارِحِ، وَرَمْيِ السَّهْمِ لِلصَّيْدِ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَهَذَا بِلاَ خِلاَفٍ (١) . لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْوَارِدِ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى وَكَبَّرَ (٢) وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (٣) وَلِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ فَقَال إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قُتِل فَكُل (٤) وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَبَحَ يَوْمَ الْعِيدِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ وَقَال بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (٥) .
وَلِلتَّفْصِيل ر: (ذَبْحٌ، صَيْدٌ)
التَّكْبِيرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلاَل:
٢١ - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى الْهِلاَل أَنْ يَقُول مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى стр. 8055
الْهِلاَل قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ، إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الْقَدَرِ، وَمِنْ سُوءِ الْحَشْرِ (١) .
وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلاَل قَال: اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالسَّلاَمَةِ وَالإِْسْلاَمِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ (٢) . стр. 8056
تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ
التَّعْرِيفُ:
١ - تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ هِيَ: قَوْل الْمُصَلِّي لاِفْتِتَاحِ الصَّلاَةِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " أَوْ كُل ذِكْرٍ يَصِيرُ بِهِ شَارِعًا فِي الصَّلاَةِ (١) .
وَسُمِّيَتِ التَّكْبِيرَةُ الَّتِي يَدْخُل بِهَا الصَّلاَةَ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ لأَِنَّهَا تُحَرِّمُ الأَْشْيَاءَ الْمُبَاحَةَ الَّتِي تُنَافِي الصَّلاَةَ (٢)
وَيُسَمِّيهَا الْحَنَفِيَّةُ فِي الْغَالِبِ تَكْبِيرَةَ الاِفْتِتَاحِ أَوِ التَّحْرِيمَةَ (٣) .
وَالتَّحْرِيمُ جَعْل الشَّيْءِ مُحَرَّمًا وَالْهَاءُ لِتَحْقِيقِ الاِسْمِيَّةِ (٤) .
وَالْحِكْمَةُ مِنَ افْتِتَاحِ الصَّلاَةِ بِالتَّكْبِيرَةِ هِيَ стр. 8057
تَنْبِيهُ الْمُصَلِّي عَلَى عِظَمِ مَقَامِ مَنْ قَامَ لأَِدَاءِ عِبَادَتِهِ مِنْ وَصْفِهِ بِأَنْوَاعِ الْكَمَال وَأَنَّ كُل مَا سِوَاهُ حَقِيرٌ وَأَنَّهُ جَل عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَبِيهٌ مِنْ مَخْلُوقٍ فَانٍ، فَيَخْضَعُ قَلْبُهُ وَتَخْشَعُ جَوَارِحُهُ وَيَخْلُو قَلْبُهُ مِنَ الأَْغْيَارِ فَيَمْتَلِئُ بِالأَْنْوَارِ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلاَةِ (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) ﴾ وَالْمُرَادُ تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ لأَِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٤) ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (٥) ﴾ ، وَقَوْلُهُ: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا (٦) ﴾ أَوَامِرُ وَمُقْتَضَاهَا الاِفْتِرَاضُ وَلَمْ تُفْرَضْ خَارِجَ الصَّلاَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُرَادَ بِهَا الاِفْتِرَاضُ الْوَاقِعُ فِي الصَّلاَةِ إِعْمَالاً لِلنُّصُوصِ فِي حَقِيقَتِهَا (٧) . وَلِمَا стр. 8058
رَوَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الْوُضُوءُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ فِي الْخُلاَصَةِ (١) .
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ سُنَّةٌ. كَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَأْمُومِ مَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الْمُنْفَرِدِ وَالإِْمَامِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٢) .
٣ - هَذَا وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا (٣) .
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ جُزْءٌ مِنَ الصَّلاَةِ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِهَا، لِقَوْلِهِ ﵊: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ إِنَّمَا стр. 8059
هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ (١) فَدَل عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ كَالْقِرَاءَةِ، وَلأَِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلاَةِ مِنَ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَالطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَهِيَ أَمَارَةُ الرُّكْنِيَّةِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَدَاءُ صَلاَةٍ بِتَحْرِيمَةِ صَلاَةٍ أُخْرَى وَلَوْلاَ أَنَّهَا مِنَ الأَْرْكَانِ لَجَازَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ (٢) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ أَنَّهَا شَرْطٌ خَارِجَ الصَّلاَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ نَفْسِ الصَّلاَةِ (٣) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (٤) ﴾ عَطَفَ الصَّلاَةَ عَلَى الذِّكْرِ، وَالذِّكْرُ الَّذِي تَعْقُبُهُ الصَّلاَةُ بِلاَ فَصْلٍ لَيْسَ إِلاَّ التَّحْرِيمَةُ فَيَقْتَضِي هَذَا النَّصُّ أَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ خَارِجَ الصَّلاَةِ لأَِنَّ مُقْتَضَى الْعَطْفِ الْمُغَايِرَةُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إِذِ الشَّيْءُ لاَ يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ (٥) . وَقَال ﵊ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ (٦) стр. 8060
فَأَضَافَ التَّحْرِيمَ إِلَى الصَّلاَةِ وَالْمُضَافُ غَيْرُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ لأَِنَّ الشَّيْءَ لاَ يُضَافُ إِلَى نَفْسِهِ، وَلأَِجْل أَنَّ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ شَرْطٌ فَهُوَ لاَ يَتَكَرَّرُ كَتَكْرَارِ الأَْرْكَانِ فِي كُل صَلاَةٍ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَوْ كَانَ رُكْنًا لَتَكَرَّرَ كَمَا تُكَرُّرُ الأَْرْكَانُ. كَمَا عَلَّلُوا كَوْنَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ شَرْطًا بِأَنَّ الرُّكْنَ هُوَ الدَّاخِل فِي الْمَاهِيَّةِ وَالْمُصَلِّي لاَ يَدْخُل فِي الصَّلاَةِ إِلاَّ بِفَرَاغِهِ مِنْ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ (١) . وَلِلتَّوَسُّعِ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلاَفِ فِي كَوْنِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ شَرْطًا أَوْ رُكْنًا تُنْظَرُ أَبْوَابُ صِفَةِ الصَّلاَةِ مِنَ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ.
شُرُوطُ صِحَّةِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ: مُقَارَنَتُهَا لِلنِّيَّةِ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَفْضَلِيَّةِ مُقَارَنَةِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ لِلنِّيَّةِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إِلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ فِي الْجُمْلَةِ وَقَالُوا: لَوْ نَوَى عِنْدَ الْوُضُوءِ إِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ مَثَلاً وَلَمْ يَشْتَغِل بَعْدَ النِّيَّةِ بِعَمَلٍ يَدُل عَلَى الإِْعْرَاضِ كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَكَلاَمٍ وَنَحْوِهَا ثُمَّ انْتَهَى إِلَى مَحَل الصَّلاَةِ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ جَازَتْ صَلاَتُهُ стр. 8061
بِالنِّيَّةِ السَّابِقَةِ (١) .، لأَِنَّ الصَّلاَةَ عِبَادَةٌ فَجَاءَ تَقْدِيمُ نِيَّتِهَا عَلَيْهَا كَالصَّوْمِ وَتَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الْفِعْل لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَنْوِيًّا.
وَهَذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْحَنَفِيَّةُ بِالْمُقَارَنَةِ الْحُكْمِيَّةِ (٢) .
وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْفَرِيقُ شُرُوطًا لِجَوَازِ تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ تُنْظَرُ فِي أَبْوَابِ الصَّلاَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَفِي مُصْطَلَحِ: (نِيَّةٌ) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْل الآْخَرِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وُجُوبَ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (٣) ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ حَالٌ لَهُمْ فِي وَقْتِ الْعِبَادَةِ، فَإِنَّ الْحَال وَصْفُ هَيْئَةِ الْفَاعِل وَقْتَ الْفِعْل، وَالإِْخْلاَصُ هُوَ النِّيَّةُ، وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٤) وَلأَِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْلُوَ الْعِبَادَةُ عَنْهَا كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.
وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْوَسِيطِ تَبَعًا لإِِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ الاِكْتِفَاءَ بِالْمُقَارَنَةِ стр. 8062
الْعُرْفِيَّةِ عِنْدَ الْعَوَامِّ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلاَةِ اقْتِدَاءً بِالأَْوَّلِينَ فِي تَسَامُحِهِمْ بِذَلِكَ (١) . أَمَّا إِذَا تَأَخَّرَتِ النِّيَّةُ عَنْ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فَلاَ تُجْزِئُ التَّكْبِيرَةُ وَتَكُونُ الصَّلاَةُ بَاطِلَةً؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ عِبَادَةٌ وَهِيَ لاَ تَتَجَزَّأُ وَلَوْ جَازَ تَأْخِيرُ النِّيَّةِ لَوَقَعَ الْبَعْضُ الَّذِي لاَ نِيَّةَ فِيهِ غَيْرَ عِبَادَةٍ وَمَا فِيهِ نِيَّةُ عِبَادَةٌ فَيَلْزَمُ التَّجَزُّؤُ.
بِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ (٢)
وَلِلتَّفْصِيل (ر: نِيَّةٌ) .
الإِْتْيَانُ بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ قَائِمًا:
٥ - يَجِبُ أَنْ يُكَبِّرَ الْمُصَلِّي قَائِمًا فِيمَا يُفْتَرَضُ لَهُ الْقِيَامُ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَكَانَتْ بِهِ بَوَاسِيرُ صَل قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (٣) وَزَادَ النَّسَائِيُّ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا. وَيَتَحَقَّقُ الْقِيَامُ بِنَصْبِ الظَّهْرِ فَلاَ يُجْزِئُ إِيقَاعُ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ جَالِسًا أَوْ مُنْحَنِيًا وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ مَا يَعُمُّ الْحُكْمِيَّ لِيَشْمَل الْقُعُودَ فِي نَحْوِ الْفَرَائِضِ لِعُذْرٍ. стр. 8063
قَال الطَّحَاوِيُّ: لَيْسَ الشَّرْطُ عَدَمَ الاِنْحِنَاءِ أَصْلاً، بَل عَدَمُ الاِنْحِنَاءِ الْمُتَّصِفِ بِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى الرُّكُوعِ مِنَ الْقِيَامِ (١) . وَلِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي انْعِقَادِ صَلاَةِ الْمَسْبُوقِ إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ رَاكِعًا فَحَنَى ظَهْرَهُ ثُمَّ كَبَّرَ: (يُنْظَرُ فِي مَسْبُوقٌ) .
النُّطْقُ بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ:
٦ - يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي النُّطْقُ بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِهِ عَارِضٌ مِنْ طَرَشٍ أَوْ مَا يَمْنَعُهُ السَّمَاعَ فَيَأْتِي بِهِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ سَمِيعًا أَوْ لاَ عَارِضَ بِهِ لَسَمِعَهُ (٢) . أَمَّا تَكْبِيرُ مَنْ كَانَ بِلِسَانِهِ خَبَلٌ أَوْ خَرَسٌ فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (خَرَسٌ) .
كَوْنُ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ بِالْعَرَبِيَّةِ:
٧ - لاَ تَجُوزُ تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، بِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُحْسِنِ الْعَرَبِيَّةَ فَيَجُوزُ لَهُ التَّكْبِيرُ بِلُغَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ стр. 8064
وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ لِلَّهِ، وَذِكْرُ اللَّهِ يَحْصُل بِكُل لِسَانٍ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بِعَدَمِ إِجْزَاءِ مُرَادِفِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ بِعَرَبِيَّةٍ وَلاَ عَجَمِيَّةٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ بِهَا سَقَطَتْ كَكُل فَرْضٍ (٢) .
وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ تَرْجَمَةَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ لِمَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ وَلِغَيْرِهِ، وَقَال لَوِ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَجْزَأَهُ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَوْ كَبَّرَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ بِأَيِّ لِسَانٍ سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ لاَ جَازَ بِاتِّفَاقِ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ (٣) ، وَهَذَا يَعْنِي رُجُوعَ الصَّاحِبَيْنِ إِلَى قَوْل الإِْمَامِ فِي جَوَازِ التَّكْبِيرِ بِالْعَجَمِيَّةِ.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: تَرْجَمَةٌ ف ٩ ج ١١ ص ١٧٠) وَأَبْوَابُ الصَّلاَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِلَفْظِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ:
٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي انْعِقَادِ الصَّلاَةِ بِقَوْل الْمُصَلِّي (اللَّهُ أَكْبَرُ) ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ مِنْ стр. 8065
أَلْفَاظِ التَّعْظِيمِ هَل يَقُومُ مَقَامَهُ (١) ؟ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِقَوْل (اللَّهُ أَكْبَرُ) وَلاَ يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِشُرُوطِهَا الَّتِي ذَكَرُوهَا بِالتَّفْصِيل فِي كُتُبِهِمْ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ (٢)
وَقَال لِلْمُسِيءِ صَلاَتَهُ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ (٣) وَفِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَتِمُّ صَلاَةٌ لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ ثُمَّ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ (٤) وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ (٥) وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُ الْعُدُول عَنْ ذَلِكَ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُ (٦) . وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ بِمِثْل стр. 8066
مَا قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَادِرِ كَلِمَةُ التَّكْبِيرِ وَلاَ يُجْزِئُ مَا قَرُبَ مِنْهَا كَ: الرَّحْمَنُ أَجَل، وَالرَّبُّ أَعْظَمُ " إِلاَّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَى الْمَشْهُورِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي لاَ تَمْنَعُ اسْمَ التَّكْبِيرِ: كَاللَّهُ الأَْكْبَرُ " لاَ تَضُرُّ؛ لأَِنَّهُ لَفْظٌ يَدُل عَلَى التَّكْبِيرِ وَعَلَى زِيَادَةِ مُبَالَغَةٍ فِي التَّعْظِيمِ وَهُوَ الإِْشْعَارُ بِالتَّخْصِيصِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُل شَيْءٍ. وَكَذَا لاَ يَضُرُّ عِنْدَهُمُ (اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَل) وَكَذَا كُل صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى إِذَا لَمْ يَطُل بِهَا الْفَصْل كَقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، لِبَقَاءِ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى، بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَخَلَّل غَيْرُ صِفَاتِهِ تَعَالَى أَوْ طَالَتْ صِفَاتُهُ تَعَالَى (١) .
وَيَرَى إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ صِحَّةَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلاَةِ بِكُل ذِكْرٍ هُوَ ثَنَاءٌ خَالِصٌ لِلَّهِ تَعَالَى يُرَادُ بِهِ تَعْظِيمُهُ لاَ غَيْرُ مِثْل أَنْ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ الأَْكْبَرُ، اللَّهُ الْكَبِيرُ، اللَّهُ أَجَل، اللَّهُ أَعْظَمُ، أَوْ يَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ كُل اسْمٍ ذُكِرَ مَعَ الصِّفَةِ نَحْوُ أَنْ يَقُول: الرَّحْمَنُ أَعْظَمُ، الرَّحِيمُ أَجَل، سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ أَوْ لاَ يُحْسِنُ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (٢) ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ ذِكْرُ اسْمِ الرَّبِّ لاِفْتِتَاحِ стр. 8067
الصَّلاَةِ لأَِنَّهُ عَقَّبَ الصَّلاَةَ الذِّكْرَ بِحَرْفٍ يُوجِبُ التَّعْقِيبَ بِلاَ فَصْلٍ، وَالذِّكْرُ الَّذِي تَتَعَقَّبُهُ الصَّلاَةُ بِلاَ فَصْلٍ هُوَ تَكْبِيرَةُ الاِفْتِتَاحِ، فَقَدْ شُرِعَ الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ بِمُطْلَقِ الذِّكْرِ فَلاَ يَجُوزُ التَّقْيِيدُ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ بِأَخْبَارِ الآْحَادِ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِتِلْكَ الأَْلْفَاظِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُطْلَقُ الذِّكْرِ، لاَ مِنْ حَيْثُ هِيَ ذِكْرٌ بِلَفْظٍ خَاصٍّ. وَلأَِنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ التَّعْظِيمُ فَكُل لَفْظٍ دَل عَلَى التَّعْظِيمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الشُّرُوعُ بِهِ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ سُئِل بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ الأَْنْبِيَاءُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ؟ قَال بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيل (١) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ لاَ يَصِيرُ شَارِعًا إِلاَّ بِأَلْفَاظٍ مُشْتَقَّةٍ مِنَ التَّكْبِيرِ وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ الأَْكْبَرُ، اللَّهُ الْكَبِيرُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ لاَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ أَوْ لاَ يَعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوعَ بِالتَّكْبِيرِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَالتَّكْبِيرُ حَاصِلٌ بِهَذِهِ الأَْلْفَاظِ الثَّلاَثَةِ (٢) .
وَمِمَّا يَتَّصِل بِالشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ: أَنَّ الْفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ عَلَى (أَكْبَرُ) فِي التَّكْبِيرِ، فَإِنْ نَكَّسَهُ стр. 8068
لاَ يَصِحُّ لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ تَكْبِيرًا، كَمَا أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الاِحْتِرَازِ فِي التَّكْبِيرِ عَنْ زِيَادَةِ تَغَيُّرِ الْمَعْنَى. فَمَنْ قَال: (آللَّهُ أَكْبَرُ) بِمَدِّ هَمْزَةِ " اللَّهُ " أَوْ بِهَمْزَتَيْنِ أَوْ قَال اللَّهُ أَكْبَارُ (١) لَمْ يَصِحَّ تَكْبِيرُهُ (٢) .
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا كَذَلِكَ فِي أَنَّ زِيَادَةَ الْمَدِّ عَلَى الأَْلِفِ الَّتِي بَيْنَ اللاَّمِ وَالْهَاءِ مِنْ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ لاَ تَضُرُّ؛ لأَِنَّ زِيَادَةَ الْمَدِّ إِشْبَاعٌ لأَِنَّ اللاَّمَ مَمْدُودَةٌ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ زَادَ فِي مَدِّ اللاَّمِ وَلَمْ يَأْتِ بِحَرْفٍ زَائِدٍ (٣) .
وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ بِمُبْطِلاَتِ التَّكْبِيرِ زِيَادَةَ وَاوٍ سَاكِنَةٍ أَوْ مُتَحَرِّكَةٍ بَيْنَ كَلِمَتَيِ التَّكْبِيرِ (٤) .
وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ زِيَادَةَ وَاوٍ قَبْل هَمْزَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ قَلْبُ الْهَمْزَةِ وَاوًا لاَ يَبْطُل بِهِ الإِْحْرَامُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِبُطْلاَنِ الإِْحْرَامِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ إِشْبَاعِ الْهَاءِ مِنَ (اللَّهُ) وَزِيَادَةِ وَاوٍ مَعَ هَمْزَةِ " أَكْبَرُ (٥) ". стр. 8069
أَمَّا مُجَرَّدُ إِشْبَاعِ الْهَاءِ مِنْ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً لُغَةً إِلاَّ أَنَّهُ لاَ تَفْسُدُ بِهِ الصَّلاَةُ، بِهَذَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ (١) ، كَمَا أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى لَمْ يَعُدُّوهُ مِنْ مُبْطِلاَتِ الإِْحْرَامِ (٢) .
أَمَّا تَشْدِيدُ الرَّاءِ مِنْ (أَكْبَرُ) فَيَبْطُل بِهِ الإِْحْرَامُ بِالصَّلاَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ رَزِينٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَال الرَّمْلِيُّ وَابْنُ الْعِمَادِ وَغَيْرُهُمَا: إِنَّهُ لاَ يَضُرُّ لأَِنَّ الرَّاءَ حَرْفُ تَكْرِيرٍ وَزِيَادَتُهُ لاَ تُغَيِّرُ الْمَعْنَى (٣) .
هَذَا وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْوَقْفَةَ الطَّوِيلَةَ بَيْنَ (اللَّهُ) (وَأَكْبَرُ) مُبْطِلَةٌ لِلإِْحْرَامِ بِالصَّلاَةِ، أَمَّا الْوَقْفَةُ الْيَسِيرَةُ بَيْنَهُمَا فَلاَ يَبْطُل بِهَا الإِْحْرَامُ (٤) .
وَيَبْقَى التَّنْوِيهُ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ ذَكَرُوا شُرُوطًا كَثِيرَةً لِصِحَّةِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ.
وَبِتَتَبُّعِ عِبَارَاتِ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُعْظَمَ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرُوهَا هِيَ نَفْسُهَا شُرُوطٌ لِلصَّلاَةِ كَدُخُول الْوَقْتِ وَاعْتِقَادِ دُخُولِهِ وَالطُّهْرِ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالاِسْتِقْبَال стр. 8070
وَتَعْيِينِ الْفَرْضِ فِي ابْتِدَاءِ الشُّرُوعِ وَنِيَّةِ اتِّبَاعِ الإِْمَامِ مَعَ نِيَّةِ أَصْل الصَّلاَةِ لِلْمُقْتَدِي (١) .
وَنَظَرًا لأَِنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ تُذْكَرُ بِالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ، وَنِيَّةٌ، وَاقْتِدَاءٌ) فَقَدِ اكْتَفَى هُنَا بِذِكْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الشُّرُوطِ، فَمَنْ أَرَادَ التَّوَسُّعَ فَلْيُرَاجِعْ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ وَأَبْوَابَ صِفَةِ الصَّلاَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. стр. 8071
تَكْرَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّكْرَارُ: الإِْتْيَانُ بِالشَّيْءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ التَّكْرِيرِ. مَصْدَرُ كَرَّرَ وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ " التَّكْرَارِ " عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْعَادَةُ: ٢ - مِنْ مَعَانِي الإِْعَادَةِ: فِعْل الشَّيْءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. وَلِتَفْصِيل بَاقِي مَعَانِيهَا يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ " إِعَادَةٌ ". وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّكْرَارِ، وَبَيْنَ الإِْعَادَةِ - بِهَذَا الْمَعْنَى -: أَنَّ التَّكْرَارَ يَقَعُ عَلَى إِعَادَةِ الشَّيْءِ مَرَّةً وَمَرَّاتٍ، وَالإِْعَادَةُ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ (٢) فَكُل إِعَادَةٍ تَكْرَارٌ، وَلَيْسَ الْعَكْسُ.
حُكْمُهُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُهُ: ٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّكْرَارِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهِ: стр. 8072
فَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا، كَتَكْرَارِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١) . وَقَال إِسْحَاقُ: لاَ يَخْرُجُ النَّاسُ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً (٢) . وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا (٣) . وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا: كَتَكْرَارِ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَلاَثًا عِنْدَ النُّكُول (٤) .
وَقَدْ يَكُونُ سُنَّةً: كَتَكْرَارِ الْغُسْل فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٥) . وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَمُسْتَحَبٌّ (٦) .
وَكَذَلِكَ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٧) . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٨) .
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ فَلاَ يُسَنُّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِهِ سَالِمٍ، стр. 8073
وَالنَّخَعِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَطَلْحَةَ بْنِ مُصْرِفٍ، وَالْحَكَمِ، وَقَال التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (١) .
وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا: كَتَكْرَارِ سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ بِتَكْرِيرِ تِلاَوَةِ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَصْل الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِتَكْرِيرِ السَّجْدَةِ إِنْ كَرَّرَ مُوجِبَهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلسُّجُودِ إِلاَّ الْمُعَلِّمُ وَالْمُتَعَلِّمُ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ كَرَّرَ الآْيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ (٣) ، وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ - يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى (سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ) .
وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا: كَتَكْرَارِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٤) ، أَوْ غَيْرُ جَائِزٍ كَتَكْرَارِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (٥) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَجِبُ تَكْرَارُهُ، بَل لاَ يُسَنُّ (٦) . стр. 8074
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّكْرَارِ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ فِي مَسَائِل، وَاخْتَلَفُوا فِي أُخْرَى.
فَمِنَ الْمَسَائِل الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا:
٤ - عَدَمُ جَوَازِ تَكْرَارِ سُجُودِ السَّهْوِ (١) ، وَعَدَمُ تَكْرَارِ الْحَجِّ وُجُوبًا؛ لأَِنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ، وَأَنَّهُ لاَ يَتَعَدَّدُ، فَلاَ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ (٢) . وَعَدَمُ جَوَازِ تَكْرَارِ الْحَدِّ، فَإِنَّ مَنْ كَرَّرَ جَرَائِمَ السَّرِقَةِ، أَوِ الزِّنَى، أَوِ الشُّرْبِ، أَوِ الْقَذْفِ، قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ، أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُحَدُّ حَدًّا ثَانِيًا (٣) .
وَمِنَ الْمَسَائِل الْمُخْتَلَفِ فِيهَا:
٥ - تَكْرَارُ السَّرِقَةِ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ، فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ " سَرِقَةٌ " وَإِلَى مَوْطِنِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (٤) . وَتَكْرَارُ صَلاَةِ الْكُسُوفِ (٥) وَقَبُول تَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ стр. 8075
- وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحَيْ (صَلاَةُ الْكُسُوفِ، وَتَوْبَةٌ) وَمَوَاطِنِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (١) .
وَمِنْهَا تَكْرِيرُ الإِْقْرَارِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا زُفَرَ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ تَكْرِيرُ الإِْقْرَارِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى تَكْرِيرَ الاِعْتِرَافِ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَيْضًا (٢) .
وَفِي تَكْرَارِ الطَّلاَقِ لِمَدْخُولٍ بِهَا وَغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، وَتَكْرَارُ الطَّلاَقِ مَعَ الْعَطْفِ وَعَدَمِهِ، وَتَكْرَارُ يَمِينِ الإِْيلاَءِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَتَكْرَارُ الظِّهَارِ وَأَثَرُهُ فِي تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، وَتَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ، خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ) الْمَوْسُوعَةِ ٢ ٢٣، ٢٤ وَمَوَاطِنِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (٣) . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ اقْتِضَاءِ الأَْمْرِ الْخَالِي عَنِ الْقَرَائِنِ - التَّكْرَارِ أَمْ لاَ؟ فَمَوْطِنُ تَفْصِيلِهَا الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. стр. 8076
تَكْفِيرٌ
التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي التَّكْفِيرِ فِي اللُّغَةِ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ وَهُوَ أَصْل الْبَابِ.
تَقُول الْعَرَبُ لِلزَّرَّاعِ: كَافِرٌ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَثَل غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ (١) ﴾
وَأَيْضًا يُقَال: التَّكْفِيرُ فِي الْمُحَارِبِ: إِذَا تَكَفَّرَ فِي سِلاَحِهِ، وَالتَّكْفِيرُ أَيْضًا: هُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ الإِْنْسَانُ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ قَرِيبًا مِنَ الرُّكُوعِ، كَمَا يَفْعَل مَنْ يُرِيدُ تَعْظِيمَ صَاحِبِهِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي مَعْشَرٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّكْفِيرَ فِي الصَّلاَةِ (٢) أَيِ الاِنْحِنَاءَ الْكَثِيرَ فِي حَال الْقِيَامِ.
وَالْكُفْرُ فِي الشَّرْعِ: نَقِيضُ الإِْيمَانِ، وَهُوَ الْجُحُودُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٣) ﴾ أَيْ جَاحِدُونَ.
وَهُوَ بِهَذَا لاَ يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، لأَِنَّ стр. 8077
الْكَافِرَ ذُو كُفْرٍ، أَيْ ذُو تَغْطِيَةٍ لِقَلْبِهِ بِكُفْرِهِ، قَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الْكُفْرُ شَرْعًا: تَكْذِيبُهُ ﷺ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً.
وَالتَّكْفِيرُ: هُوَ نِسْبَةُ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْقِبْلَةِ إِلَى الْكُفْرِ. وَتَكْفِيرُ الذُّنُوبِ مَحْوُهَا بِفِعْل الْحَسَنَاتِ وَنَحْوِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (١) ﴾ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
وَالتَّكْفِيرُ عَنِ الْيَمِينِ: هُوَ فِعْل مَا يَجِبُ بِالْحِنْثِ فِيهَا (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّشْرِيكُ:
٢ - التَّشْرِيكُ: مَصْدَرُ شَرَّكَ، يُقَال: شَرَّكْتُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَال تَشْرِيكًا، وَشَرَّكَ النَّعْل: جَعَل لَهَا شِرَاكًا.
وَشَرْعًا: أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ شَرِيكًا فِي مُلْكِهِ أَوْ رُبُوبِيَّتِهِ.
قَال تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عَبْدِهِ لُقْمَانَ أَنَّهُ قَال لاِبْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاَللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (٣) ﴾
وَالْكُفْرُ أَعَمُّ مِنَ الشِّرْكِ فَهُوَ أَحَدُ أَفْرَادِهِ (٤) . стр. 8078
وَالتَّشْرِيكُ أَيْضًا: بَيْعُ بَعْضِ مَا اشْتَرَى بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ، فَهُوَ التَّوْلِيَةُ بِجُزْءِ السِّلْعَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْبَحْثِ هُوَ الْمَعْنَى الأَْوَّل.
ب - التَّفْسِيقُ:
٣ - التَّفْسِيقُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الْفِسْقِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْخُرُوجُ عَنِ الأَْمْرِ، وَيُقَال: أَصْلُهُ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ، يُقَال: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ: إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا، وَكَأَنَّ الْفَأْرَةَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ فُوَيْسِقَةً لِخُرُوجِهَا مِنْ جُحْرِهَا عَلَى النَّاسِ. وَهُوَ شَرْعًا: الْعِصْيَانُ وَالتَّرْكُ لأَِمْرِ اللَّهِ وَالْخُرُوجُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (١) ﴾ أَيْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ. وَقَدْ يَكُونُ الْفِسْقُ شِرْكًا، أَوْ كُفْرًا، أَوْ إِثْمًا (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّكْفِيرِ:
(أَوَّلاً) تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِ
٤ - الأَْصْل بَقَاءُ الْمُسْلِمِ عَلَى إِسْلاَمِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيل عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ، لِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَل стр. 8079
قِبْلَتَنَا، وَأَكَل ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا (١) .
وَيَجِبُ قَبْل تَكْفِيرِ أَيِّ مُسْلِمٍ النَّظَرُ وَالتَّفَحُّصُ فِيمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، فَلَيْسَ كُل قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَاسِدٍ يُعْتَبَرُ مُكَفِّرًا.
وَيَجِبُ كَذَلِكَ عَلَى النَّاسِ اجْتِنَابُ هَذَا الأَْمْرِ وَالْفِرَارُ مِنْهُ وَتَرْكُهُ لِعُلَمَائِهِمْ لِخَطَرِهِ الْعَظِيمِ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَال الرَّجُل لأَِخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَال، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ (٢) .
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أَوْ قَال: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ (٣) .
التَّحَرُّزُ مِنَ التَّكْفِيرِ:
٥ - لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُكَفَّرَ مُسْلِمٌ أَمْكَنَ حَمْل كَلاَمِهِ стр. 8080
عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ، أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ خِلاَفٌ وَلَوْ كَانَ رِوَايَةً ضَعِيفَةً (١) . مَا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ كُفْرٌ لاَ يُحْكَمُ بِهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يُخْرِجُهُ مِنَ الإِْيمَانِ إِلاَّ جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ، إِذِ الإِْسْلاَمُ الثَّابِتُ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ مَعَ أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَعْلُو، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيل إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ؛ لِعِظَمِ خَطَرِهِ وَتَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، وَلأَِنَّ الْكُفْرَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ فَيَسْتَدْعِي نِهَايَةً فِي الْجِنَايَةِ، وَمَعَ الشَّكِّ وَالاِحْتِمَال لاَ نِهَايَةَ (٢) .
مَتَى يُحْكَمُ بِالْكُفْرِ:
٦ - يُشْتَرَطُ فِي تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا عِنْدَ صُدُورِ مَا هُوَ مُكَفِّرٌ مِنْهُ، فَلاَ يَصِحُّ تَكْفِيرُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، وَلاَ مَنْ زَال عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ إِغْمَاءٍ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ، فَلاَ اعْتِدَادَ بِقَوْلِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ.
وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ تَكْفِيرُ مُكْرَهٍ عَلَى الْكُفْرِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ، قَال تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ (٣) ﴾ .
وَجَرَى الْخِلاَفُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ تَكْفِيرِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالسَّكْرَانِ إِذَا صَدَرَ مِنْهُمَا مَا هُوَ مُكَفِّرٌ. стр. 8081
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ تَكْفِيرِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ إِذَا صَدَرَ مِنْهُ مَا هُوَ مُكَفِّرٌ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ تَقْيِيدُهُ بِالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمُرَاهِقِ فَقَطْ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ تَكْفِيرِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَل بَل يُجْبَرُ عَلَى الإِْسْلاَمِ بِالضَّرْبِ وَالتَّهْدِيدِ وَالْحَبْسِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُنْتَظَرُ إِلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالاِسْتِتَابَةِ، فَإِنْ أَصَرَّ قُتِل (١) ، لِحَدِيثِ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبَرَ (٢) .
تَكْفِيرُ السَّكْرَانِ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السَّكْرَانَ غَيْرُ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ لاَ يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ إِذَا صَدَرَ مِنْهُ مَا هُوَ مُكَفِّرٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّكْرَانِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى تَكْفِيرِهِ إِذَا صَدَرَ مِنْهُ مَا هُوَ مُكَفِّرٌ. стр. 8082
لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁ " إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ (١) فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا فِي سُكْرِهِ وَاعْتَبَرُوا مَظِنَّتَهَا، وَلأَِنَّهُ يَصِحُّ طَلاَقُهُ وَسَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ فَتَصِحُّ رِدَّتُهُ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ السَّكْرَانِ مُطْلَقًا (٢) .
بِمَ يَكُونُ التَّكْفِيرُ:
أ - التَّكْفِيرُ بِالاِعْتِقَادِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بَاطِنًا، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ إِلاَّ إِذَا صَرَّحَ بِهِ.
وَمَنْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ فِي الْمُسْتَقْبَل، أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَكْفُرُ حَالاً لاِنْتِفَاءِ التَّصْدِيقِ بِعَزْمِهِ عَلَى الْكُفْرِ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إِلَيْهِ بِالتَّرَدُّدِ فِي الْكُفْرِ. وَلاَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ إِلاَّ إِذَا صَرَّحَ بِالْكُفْرِ أَيْضًا (٣) .
ب - التَّكْفِيرُ بِالْقَوْل:
٩ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ قَوْلٌ стр. 8083
مُكَفِّرٌ، سَوَاءٌ أَقَالَهُ اسْتِهْزَاءً، أَمْ عِنَادًا، أَمِ اعْتِقَادًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (١) ﴾ .
وَهَذِهِ الأَْلْفَاظُ الْمُكَفِّرَةُ قَدْ تَكُونُ صَرِيحَةً كَقَوْلِهِ: أُشْرِكُ أَوْ أَكْفُرُ بِاَللَّهِ، أَوْ غَيْرَ صَرِيحَةٍ كَقَوْلِهِ: اللَّهُ جِسْمٌ مُتَحَيِّزٌ أَوْ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، أَوْ جَحَدَ حُكْمًا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، كَوُجُوبِ الصَّلاَةِ وَحُرْمَةِ الزِّنَى.
وَأَمَّا مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَوْ دَهَشٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْل مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، فَقَال غَلَطًا: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَال مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ (٢) . стр. 8084
أَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يَكْفُرُ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ (١) ﴾ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (&# x٦٦٢ ;) .
تَكْفِيرُ مَنْ سَبَّ اللَّهَ :
١٠ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الذَّاتَ الْمُقَدَّسَةَ الْعَلِيَّةَ أَوِ اسْتَخَفَّ بِهَا أَوِ اسْتَهْزَأَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٣) ﴾
وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُول تَوْبَتِهِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى قَبُولِهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ قَبُولِهَا، وَيُقْتَل بِكُل حَالٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ ذَنْبَهُ عَظِيمٌ جِدًّا يَدُل عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلآْخِرَةِ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي تَوْبَتِهِ قُبِلَتْ بَاطِنًا وَنَفَعَهُ ذَلِكَ (٤) . стр. 8085
تَكْفِيرُ مَنْ سَبَّ الأَْنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
١١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ، أَوِ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ، أَوْ تَنَقَّصَهُ، أَوْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ، كَعَدَمِ الصِّدْقِ وَالتَّبْلِيغِ، وَالسَّابُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُقْتَل حَدًّا. وَإِنْ تَابَ. وَلاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ.
وَسَبُّ الْمَلاَئِكَةِ كَسَبِّ الأَْنْبِيَاءِ، وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِالنَّبِيِّ أَوِ الْمَلَكِ الْمُجْمَعِ عَلَى كَوْنِهِ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا، فَإِنْ سَبَّ مَنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى كَوْنِهِ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا كَالْخَضِرِ وَهَارُوتَ وَمَارُوتَ لَمْ يَكْفُرْ، وَأَدَّبَهُ الْحَاكِمُ اجْتِهَادًا (١) .
تَكْفِيرُ مُكَفِّرِ الصَّحَابَةِ:
١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَّرَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ؛ لأَِنَّهُ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَكَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ قَذَفَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ ﵂ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ، أَوْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ كَفَرَ، لأَِنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ. وَأَمَّا مَنْ كَفَّرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ دُونَ بَعْضٍ، стр. 8086
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى عَدَمِ كُفْرِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَبَعْضُ أَهْل الْحَدِيثِ وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ كَفَّرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَتُطَبَّقُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ.
قَال الْمِرْدَاوِيُّ فِي الإِْنْصَافِ - وَهُوَ الصَّوَابُ - وَاَلَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ، وَنَصَّ صَاحِبُ الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَّرَ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الأَْرْبَعَةِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ (١) .
تَكْفِيرُ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ:
١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ أَحَدَ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَتَوَقَّفَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي كُفْرِهِ وَقَتْلِهِ، وَقَال: يُعَاقَبُ وَيُجْلَدُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَإِلاَّ فُسِّقَ. وَنَقَل ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْهُ فِيمَنْ شَتَمَ صَحَابِيًّا قَوْلُهُ: الْقَتْل أَجْبُنُ عَنْهُ، وَيُضْرَبُ، مَا أَرَاهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْقَاضِي فِي تَكْفِيرِ стр. 8087
مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ ﵄، وَمِمَّنْ قَال بِتَكْفِيرِهِ كَذَلِكَ الدَّبُوسِيُّ، وَأَبُو اللَّيْثِ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الأَْشْبَاهِ.
قَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ فِي الإِْفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ، رِعَايَةً لِجَانِبِ حَضْرَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ وَهَذَا خِلاَفُ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ (١) .
تَكْفِيرُ مُنْكِرِ الإِْجْمَاعِ:
١٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ جَحَدَ حُكْمًا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُْمَّةُ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ.
وَأَمَّا مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُْمَّةُ وَلَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، كَوُجُوبِ إِعْطَاءِ السُّدُسِ لِبِنْتِ الاِبْنِ مَعَ وُجُودِ الْبِنْتِ فَلاَ تَكْفِيرَ لِمُنْكِرِهِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يَشْرِطُوا لِلتَّكْفِيرِ سِوَى قَطْعِيَّةِ الثُّبُوتِ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا بِتَكْفِيرِ مَنْ جَحَدَ اسْتِحْقَاقَ بِنْتِ الاِبْنِ السُّدُسَ مَعَ الْبِنْتِ فِي ظَاهِرِ كَلاَمِهِمْ (٢) . стр. 8088
ج - التَّكْفِيرُ بِالْعَمَل: ١٥ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَفْعَالٍ لَوْ فَعَلَهَا الْمُكَلَّفُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِهَا، وَهِيَ كُل مَا تَعَمَّدَهُ اسْتِهْزَاءً صَرِيحًا بِالدِّينِ أَوْ جُحُودًا لَهُ، كَالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَْفْعَال تَدُل عَلَى عَدَمِ التَّصْدِيقِ، وَكَإِلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي قَاذُورَةٍ، فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا، لأَِنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّكْذِيبِ، وَلأَِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الاِسْتِخْفَافِ بِكَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالاِسْتِخْفَافُ بِالْكَلاَمِ اسْتِخْفَافٌ بِالْمُتَكَلِّمِ.
وَقَدْ أَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلْقَاءَ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ الْكُفْرِ مِنْ لُبْسِ غِيَارٍ، وَشَدِّ زُنَّارٍ، وَتَعْلِيقِ صَلِيبٍ. وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِمَا إِذَا فَعَلَهُ حُبًّا فِيهِ وَمَيْلاً لأَِهْلِهِ، وَأَمَّا إِنْ لَبِسَهُ لَعِبًا فَحَرَامٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ (١) .
تَكْفِيرُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ:
١٦ - مَذْهَبُ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَدَمُ تَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ، وَعَدَمُ تَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ إِذَا مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال ذَرَّةٍ مِنْ стр. 8089
إِيمَانٍ (١) . فَلَوْ كَانَ مُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ يَكْفُرُ بِكَبِيرَتِهِ لَمَا سَمَّاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مُؤْمِنًا (٢) .
تَكْفِيرُ السَّاحِرِ:
١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنِ اعْتَقَدَ إِبَاحَةَ السِّحْرِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ مَنْ تَعَلَّمَهُ أَوْ عَمِلَهُ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَكْفُرُ بِمُجَرَّدِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ وَعَمَلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ اعْتِقَادٌ أَوْ عَمَل مَا هُوَ مُكَفِّرٌ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَكْفِيرِهِ مُطْلَقًا، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَنِسْبَةِ الْكَائِنَاتِ وَالْمَقَادِيرِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ قَتْلِهِ، وَلاَ يُسْتَتَابُ لِعَمَل السِّحْرِ، لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ، لاَ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ (٣) فَسَمَّاهُ حَدًّا، وَالْحَدُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لاَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. стр. 8090
وَقَصَرَهُ الْحَنَابِلَةُ عَلَى السَّاحِرِ الَّذِي يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُقْتَل إِنْ كَانَ مُتَجَاهِرًا بِهِ مَا لَمْ يَتُبْ، فَإِنْ كَانَ يَسُرُّهُ قُتِل مُطْلَقًا، وَلاَ تُقْبَل لَهُ تَوْبَةٌ (١) .
آثَارُ التَّكْفِيرِ:
١٨ - يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّكْفِيرِ آثَارٌ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُكَفِّرِ وَالْمُكَفَّرِ فَآثَارُهُ عَلَى الْمُكَفَّرِ إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ هِيَ:
أ - حُبُوطُ الْعَمَل:
١٩ - إِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ وَاسْتَمَرَّ كَافِرًا حَتَّى مَوْتِهِ كَانَتْ رِدَّتُهُ مُحْبِطَةً لِلْعَمَل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ (٢) ﴾ .
فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْحَجِّ وَمَا بَقِيَ سَبَبُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ لأَِنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ كَالْكَافِرِ الأَْصْلِيِّ فَإِذَا أَسْلَمَ وَهُوَ غَنِيٌّ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ. وَلأَِنَّ وَقْتَهُ مُتَّسِعٌ إِلَى آخِرِ الْعُمْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِخِطَابٍ مُبْتَدَأٍ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالزَّكَاةُ لِلأَْوْقَاتِ следующие страницы →