Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.
стр. 8121
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - أَوْرَدَ عُلَمَاءُ الْفِقْهِ أَحْكَامَ التَّكْلِيفِ وَالأَْهْلِيَّةِ فِي بَابِ الْحَجْرِ، وَتَكَلَّمَ عَنْهُ عُلَمَاءُ أُصُول الْفِقْهِ فِي بَيَانِ الْحُكْمِ، وَالْحَاكِمِ، وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَالْمَحْكُومِ بِهِ، وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى يَحْتَاجُ الْبَحْثُ فِيهَا إِلَى ذِكْرِ التَّكْلِيفِ.
وَالتَّكْلِيفُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ مِنَ:
الْحَاكِمِ، وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَالْمَحْكُومِ بِهِ: وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:
أ - عَلاَقَةُ التَّكْلِيفِ بِالْحَاكِمِ وَالشَّارِعِ عَلاَقَةُ الْفِعْل (الْمَصْدَرِ) بِفَاعِلِهِ لأَِنَّ التَّكْلِيفَ يَقَعُ مِنَ الْحَاكِمِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا.
ب - صِلَةُ التَّكْلِيفِ بِالْمَحْكُومِ بِهِ: أَوْرَدَ عُلَمَاءُ الأُْصُول أَنَّ الأَْحْكَامَ التَّكْلِيفِيَّةَ خَمْسَةٌ. قَال الْغَزَالِيُّ: أَقْسَامُ الأَْحْكَامِ الثَّابِتَةِ لأَِفْعَال الْمُكَلَّفِينَ خَمْسَةٌ: الْوَاجِبُ، وَالْمَحْظُورُ، وَالْمُبَاحُ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالْمَكْرُوهُ.
وَوَجْهُ هَذِهِ الْقِسْمَةِ أَنَّ خِطَابَ الشَّرْعِ إِمَّا أَنْ يَرِدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْل، أَوِ اقْتِضَاءِ التَّرْكِ، أَوِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ، فَإِنْ وَرَدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْل فَهُوَ أَمْرٌ، فَإِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الإِْشْعَارُ بِعِقَابٍ عَلَى التَّرْكِ فَيَكُونُ وَاجِبًا، أَوْ لاَ يَقْتَرِنُ فَيَكُونُ نَدْبًا. وَاَلَّذِي وَرَدَ بِاقْتِضَاءِ التَّرْكِ فَإِنْ أَشْعَرَ بِالْعِقَابِ عَلَى الْفِعْل فَحَظْرٌ، وَإِلاَّ فَكَرَاهِيَةٌ، وَإِنْ وَرَدَ بِالتَّخْيِيرِ فَهُوَ مُبَاحٌ.
стр. 8122
وَلاَ شَكَّ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْخَمْسَةِ تَكْلِيفِيَّةً تَغْلِيبٌ إِذْ لاَ تَكْلِيفَ فِي الإِْبَاحَةِ وَلاَ فِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى اشْتَرَطُوا فِي التَّكْلِيفِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْل الَّذِي وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ مُمْكِنًا.
ج - وَيُشْتَرَطُ فِي التَّكْلِيفِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُكَلَّفِ وَهُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فَهْمُ الْمُكَلَّفِ لِمَا كُلِّفَ بِهِ. بِمَعْنَى قُدْرَتِهِ عَلَى تَصَوُّرِ ذَلِكَ الأَْمْرِ وَالْفَهْمِ مِنْ خِطَابِ اللَّهِ ﷻ بِقَدْرٍ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الاِمْتِثَال لأَِنَّ التَّكْلِيفَ اسْتِدْعَاءُ حُصُول الْفِعْل عَلَى قَصْدِ الاِمْتِثَال، وَهُوَ مُحَالٌ عَادَةً وَشَرْعًا مِمَّنْ لاَ شُعُورَ لَهُ بِالأَْمْرِ، كَمَا اشْتَرَطُوا الْبُلُوغَ وَجَعَلُوا الْجُنُونَ وَالْعَتَهَ مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
تَكَنِّي
انْظُرْ: كُنْيَةٌ. стр. 8123
تِلاَوَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التِّلاَوَةُ: مِنْ تَلاَ بِمَعْنَى قَرَأَ، وَيَأْتِي هَذَا الْفِعْل بِمَعْنَى تَبِعَ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التِّلاَوَةُ الْقِرَاءَةُ. قَال تَعَالَى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ (٢) ﴾ وَفُسِّرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ (٣) ﴾ ، بِاتِّبَاعِ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ، بِتَحْلِيل حَلاَلِهِ وَتَحْرِيمِ حَرَامِهِ وَالْعَمَل بِمَا تَضَمَّنَهُ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّرْتِيل:
٢ - التَّرْتِيل: لُغَةً التَّمَهُّل يُقَال: رَتَّلْتُ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً أَيْ: تَمَهَّلْتُ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَمْ أَعْجَل (٥) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّأَنِّي فِي الْقِرَاءَةِ وَالتَّمَهُّل стр. 8124
وَتَبْيِينُ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ تَشْبِيهًا بِالثَّغْرِ الْمُرَتِّل (١)
وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ التَّرْتِيل وَالتِّلاَوَةِ (بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ) : أَنَّ التِّلاَوَةَ أَعَمُّ، وَالتَّرْتِيل أَخَصُّ، فَكُل تَرْتِيلٍ تِلاَوَةٌ وَلاَ عَكْسَ.
ب - التَّجْوِيدُ:
٣ - التَّجْوِيدُ: إِعْطَاءُ كُل حَرْفٍ حَقَّهُ وَمُسْتَحَقَّهُ، وَالْمُرَادُ بِحَقِّ الْحَرْفِ، الصِّفَةُ الذَّاتِيَّةُ الثَّابِتَةُ لَهُ، كَالشِّدَّةِ وَالاِسْتِعْلاَءِ
وَالْمُرَادُ بِمُسْتَحَقِّ الْحَرْفِ، مَا يَنْشَأُ عَنِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ اللاَّزِمَةِ، كَالتَّفْخِيمِ وَغَيْرِهِ.
وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ التِّلاَوَةِ. (ر: تَجْوِيدٌ) .
ج - الْحَدْرُ: ٤ - الْحَدْرُ هُوَ: الإِْسْرَاعُ فِي الْقِرَاءَةِ.
فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ التِّلاَوَةِ أَيْضًا.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - الْمُسْلِمُونَ مُتَعَبَّدُونَ بِفَهْمِ مَعَانِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَطْبِيقِ أَحْكَامِهِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ، وَهُمْ مُتَعَبِّدُونَ كَذَلِكَ بِتَصْحِيحِ أَلْفَاظِهِ وَإِقَامَةِ حُرُوفِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَلَقَّاةِ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ عَدَّ الْعُلَمَاءُ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ تَجْوِيدٍ لَحْنًا، فَقَسَّمُوا اللَّحْنَ إِلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ. стр. 8125
فَاللَّحْنُ: خَلَلٌ يَطْرَأُ عَلَى الأَْلْفَاظِ فَيُخِل، إِلاَّ أَنَّ الْجَلِيَّ يُخِل إِخْلاَلاً ظَاهِرًا يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْخَطَأُ فِي الإِْعْرَابِ، وَالْخَفِيُّ يُخِل إِخْلاَلاً يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَأَئِمَّةُ الأَْدَاءِ الَّذِينَ تَلْقَوْهُ مِنْ أَفْوَاهِ الْعُلَمَاءِ وَضَبَطُوهُ مِنْ أَلْفَاظِ أَهْل الأَْدَاءِ (١) .
وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ رُكْنٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (٢) ﴾ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ لِهَذِهِ الْفَرِيضَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ الإِْكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتِلاَوَتِهِ خَارِجَ الصَّلاَةِ. قَال تَعَالَى مُثْنِيًا عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ دَأْبَهُ: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْل (٣) ﴾ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْل وَآنَاءَ النَّهَارِ (٤) ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا (٥) . стр. 8126
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَقُول الرَّبُّ مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَل مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْل كَلاَمِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلاَمِ كَفَضْل اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ (١) .
آدَابُ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ:
٦ - يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، لأَِنَّهُ أَفْضَل الأَْذْكَارِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ (٢) .
قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَكِنْ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ لأَِنَّهُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ مَعَ الْحَدَثِ (٣) . стр. 8127
وَإِذَا كَانَ يَقْرَأُ فَعَرَضَتْ لَهُ رِيحٌ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَتِمَّ خُرُوجُهَا، وَأَمَّا الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الْقِرَاءَةُ، وَيَجُوزُ لَهُمَا النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ وَإِمْرَارُهُ عَلَى الْقَلْبِ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا، وَبِهِ قَال الطَّبَرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (١) . وَأَمَّا مُتَنَجِّسُ الْفَمِ فَتُكْرَهُ لَهُ الْقِرَاءَةُ، وَقِيل تَحْرُمُ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ بِالْيَدِ النَّجِسَةِ، وَتُسَنُّ الْقِرَاءَةُ فِي مَكَانٍ نَظِيفٍ وَأَفْضَلُهُ الْمَسْجِدُ، وَكَرِهَ قَوْمٌ الْقِرَاءَةَ فِي الْحَمَّامِ وَالطَّرِيقِ، وَعِنْدَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِمَا، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْحَشِّ (بَيْتِ الْخَلاَءِ) وَفِي بَيْتِ الرَّحَا وَهِيَ تَدُورُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ الْقَارِئُ مُسْتَقْبِلاً الْقِبْلَةَ فِي خُشُوعٍ وَوَقَارٍ مُطْرِقًا رَأْسَهُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَاكَ تَعْظِيمًا وَتَطْهِيرًا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ ﷺ مَرْفُوعًا: إِنَّ أَفْوَاهَكُمْ طُرُقٌ لِلْقُرْآنِ فَطَيِّبُوهَا بِالسِّوَاكِ (٢) وَلَوْ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ فَمُقْتَضَى اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ إِعَادَةُ السِّوَاكِ أَيْضًا، وَيُسَنُّ التَّعَوُّذُ قَبْل الْقِرَاءَةِ стр. 8128
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (١) ﴾ يَعْنِي إِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ التَّعَوُّذِ لِظَاهِرِ الأَْمْرِ فَإِنْ كَانَ يَقْرَأُ وَهُوَ مَاشٍ فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ وَعَادَ إِلَى الْقِرَاءَةِ كَانَ حَسَنًا إِعَادَةُ التَّعَوُّذِ. وَصِفَتُهُ الْمُخْتَارَةُ: (أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَزِيدُونَ بَعْدَ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ: السَّمِيعَ الْعَلِيمَ، وَعَنْ حَمْزَةَ أَسْتَعِيذُ وَنَسْتَعِيذُ وَاسْتَعَذْتُ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لِمُطَابَقَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، وَهُنَاكَ صِيَغٌ أُخْرَى لِلاِسْتِعَاذَةِ (٢) . قَال الْحَلْوَانِيُّ فِي جَامِعِهِ: لَيْسَ لِلاِسْتِعَاذَةِ حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَيْهِ، مَنْ شَاءَ زَادَ وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ، وَفِي النَّشْرِ لاِبْنِ الْجَزَرِيِّ: الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ الْجَهْرُ بِهَا، وَقِيل: يُسِرُّ مُطْلَقًا، وَقِيل: فِيمَا عَدَا الْفَاتِحَةَ، وَقَدْ أَطْلَقُوا اخْتِيَارَ الْجَهْرِ بِهَا، وَقَيَّدَهُ أَبُو شَامَةَ بِقَيْدٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَةِ مَنْ يَسْمَعُهُ، قَال: لأَِنَّ فِي الْجَهْرِ بِالتَّعَوُّذِ إِظْهَارَ شِعَارِ الْقِرَاءَةِ، كَالْجَهْرِ بِالتَّلْبِيَةِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ. وَمِنْ فَوَائِدِ الْجَهْرِ أَنَّ السَّامِعَ يُنْصِتُ لِلْقِرَاءَةِ مِنْ أَوَّلِهَا لاَ يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِذَا أَخْفَى التَّعَوُّذَ لَمْ стр. 8129
يَعْلَمِ السَّامِعُ بِهَا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَفُوتَهُ مِنَ الْمَقْرُوءِ شَيْءٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ وَخَارِجِهَا. قَال: وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِإِخْفَاءِ الاِسْتِعَاذَةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الإِْسْرَارُ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّلَفُّظِ وَإِسْمَاعِ نَفْسِهِ، وَقِيل: الْكِتْمَانُ بِأَنْ يَذْكُرَهَا بِقَلْبِهِ بِلاَ تَلَفُّظٍ، قَال: وَإِذَا قَطَعَ الْقِرَاءَةَ إِعْرَاضًا أَوْ بِكَلاَمٍ أَجْنَبِيٍّ وَلَوْ رَدًّا لِلسَّلاَمِ اسْتَأْنَفَهَا، وَإِذَا كَانَ الْكَلاَمُ بِالْقِرَاءَةِ فَلاَ. قَال: وَهَل هِيَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ حَتَّى لَوْ قَرَأَ جَمَاعَةٌ جُمْلَةَ، فَهَل يَكْفِي اسْتِعَاذَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الأَْكْل أَوْ لاَ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ اعْتِصَامُ الْقَارِئِ وَالْتِجَاؤُهُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، فَلاَ يَكُونُ تَعَوُّذُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَافِيًا عَنْ آخَرَ (١) .
الْبَسْمَلَةُ:
٧ - وَمِنْ آدَابِ التِّلاَوَةِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّل كُل سُورَةٍ غَيْرَ ﴿بَرَاءَةٌ﴾ لأَِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ، فَإِذَا أَخَل بِهَا كَانَ تَارِكًا لِبَعْضِ الْخَتْمَةِ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ، فَإِنْ قَرَأَ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ اسْتُحِبَّ لَهُ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ الْعَبَّادِيُّ. قَال الْقُرَّاءُ: وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ قِرَاءَةِ نَحْوِ: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ (٢) ﴾ ، стр. 8130
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ (١) ﴾ كَمَا فِي ذِكْرِ ذَلِكَ بَعْدَ الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْبَشَاعَةِ وَإِيهَامِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إِلَى الشَّيْطَانِ، قَال ابْنُ الْجَزَرِيِّ: وَالاِبْتِدَاءُ بِالآْيِ وَسَطَ " بَرَاءَةٌ " قَل مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْبَسْمَلَةِ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْجَعْبَرِيُّ (٢) .
النِّيَّةُ:
٨ - لاَ تَحْتَاجُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ إِلَى نِيَّةٍ كَسَائِرِ الأَْذْكَارِ، إِلاَّ إِذَا نَذَرَهَا خَارِجَ الصَّلاَةِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ نِيَّةِ النَّذْرِ أَوِ الْفَرْضِ (٣) .
التَّرْتِيل:
٩ - يُسَنُّ التَّرْتِيل فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ قَال تَعَالَى: ﴿وَرَتِّل الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤) ﴾ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا نَعَتَتْ قِرَاءَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا (٥) . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِل عَنْ قِرَاءَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ стр. 8131
يَمُدُّ اللَّهَ، وَيَمُدُّ الرَّحْمَنَ، وَيَمُدُّ الرَّحِيمَ (١) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّ رَجُلاً قَال لَهُ: إِنِّي أَقْرَأُ الْمُفَصَّل فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَال: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ (يَعْنِي الإِْسْرَاعَ بِالْقِرَاءَةِ) إِنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرْسَخٌ فِيهِ نَفْعٌ (٢) . وَأَخْرَجَ الآْجُرِّيُّ فِي حَمَلَةِ الْقُرْآنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَال: لاَ تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقْل (أَيِ التَّمْرِ) وَلاَ تَهُذُّوهُ كَهَذِّ الشِّعْرِ، قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، وَلاَ يَكُونُ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ الإِْفْرَاطِ فِي الإِْسْرَاعِ، قَالُوا: وَقِرَاءَةُ جُزْءٍ بِتَرْتِيلٍ أَفْضَل مِنْ قِرَاءَةِ جُزْأَيْنِ فِي قَدْرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِلاَ تَرْتِيلٍ. وَيُسْتَحَبُّ التَّرْتِيل لِلتَّدَبُّرِ، لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الإِْجْلاَل وَالتَّوْقِيرِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي الْقَلْبِ، وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ التَّرْتِيل لِلأَْعْجَمِيِّ الَّذِي لاَ يَفْهَمُ مَعْنَى الْقُرْآنِ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ، هَل الأَْفْضَل التَّرْتِيل وَقِلَّةُ الْقِرَاءَةِ، أَمِ السُّرْعَةُ مَعَ كَثْرَتِهَا؟ وَأَحْسَنَ بَعْضُ стр. 8132
الأَْئِمَّةِ فَقَال: إِنَّ ثَوَابَ قِرَاءَةِ التَّرْتِيل أَجَل قَدْرًا، وَثَوَابُ الْكَثْرَةِ أَكْثَرُ عَدَدًا، لأَِنَّ بِكُل حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ.
وَكَمَال التَّرْتِيل كَمَا قَال الزَّرْكَشِيُّ: تَفْخِيمُ أَلْفَاظِهِ، وَالإِْبَانَةُ عَنْ حُرُوفِهِ، وَأَلاَّ يُدْغَمَ حَرْفٌ فِي حَرْفٍ مِمَّا لَيْسَ حَقُّهُ الإِْدْغَامَ، وَقِيل هَذَا أَقَلُّهُ، وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى مَنَازِلِهِ إِنْ تَهْدِيدًا لَفَظَ بِهِ لَفْظَ التَّهْدِيدِ، أَوْ تَعْظِيمًا لَفَظَ بِهِ عَلَى التَّعْظِيمِ (١) .
التَّدَبُّرُ:
١٠ - تُسَنُّ الْقِرَاءَةُ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَهُّمِ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ الأَْعْظَمُ، وَالْمَطْلُوبُ الأَْهَمُّ، وَبِهِ تَنْشَرِحُ الصُّدُورُ، وَتَسْتَنِيرُ الْقُلُوبُ. قَال تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ (٢) ﴾ وَقَال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٣) ﴾ وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَشْغَل قَلْبَهُ بِالتَّفَكُّرِ فِي مَعْنَى مَا يَلْفِظُ بِهِ فَيَعْرِفُ مَعْنَى كُل آيَةٍ، وَيَتَأَمَّل الأَْوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ، وَيَعْتَقِدُ قَبُول ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا قَصَّرَ عَنْهُ فِيمَا مَضَى اعْتَذَرَ وَاسْتَغْفَرَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ اسْتَبْشَرَ وَسَأَل، أَوْ عَذَابٍ أَشْفَقَ وَتَعَوَّذَ، أَوْ تَنْزِيهٍ نَزَّهَ وَعَظَّمَ، أَوْ دُعَاءٍ تَضَرَّعَ وَطَلَبَ (٤) . стр. 8133
تَكْرِيرُ الآْيَةِ:
١١ - لاَ بَأْسَ بِتَكْرِيرِ الآْيَةِ وَتَرْدِيدِهَا، رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَصْبَحَ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ (١) ﴾ .
الْبُكَاءُ عِنْدَ التِّلاَوَةِ:
١٢ - يُسْتَحَبُّ الْبُكَاءُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّبَاكِي لِمَنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَالْحُزْنُ وَالْخُشُوعُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَْذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (٢) ﴾
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (٣) . وَعَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَل بِحُزْنٍ فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا (٤) стр. 8134
تَحْسِينُ الصَّوْتِ:
١٣ - يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَتَزْيِينُهَا لِحَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ، وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: الْقِرَاءَةُ بِالأَْلْحَانِ لاَ بَأْسَ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ الْجِيزِيِّ: إِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، قَال الرَّافِعِيُّ: فَقَال الْجُمْهُورُ: لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ: بَل الْمَكْرُوهُ أَنْ يُفَرِّطَ فِي الْمَدِّ وَفِي إِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، حَتَّى يَتَوَلَّدَ مِنَ الْفَتْحَةِ أَلِفٌ، وَمِنَ الضَّمَّةِ وَاوٌ، وَمِنَ الْكِسْرَةِ يَاءٌ، أَوْ يُدْغِمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الإِْدْغَامِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ فَلاَ كَرَاهَةَ، وَقَال فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الإِْفْرَاطَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ حَرَامٌ، يُفَسَّقُ بِهِ الْقَارِئُ، وَيَأْثَمُ الْمُسْتَمِعُ غَيْرِ الْمُسْتَنْكِرِ، لأَِنَّهُ عَدَل بِهِ عَنْ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ، قَال: وَهَذَا مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالْكَرَاهَةِ. وَفِيهِ حَدِيثٌ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْل الْكِتَابَيْنِ وَأَهْل الْفِسْقِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ بَعْدِي قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ، وَالرَّهْبَانِيَّةِ لاَ يُجَاوِزُ стр. 8135
حَنَاجِرَهُمْ، مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ (١) .
قَال النَّوَوِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ طَلَبُ الْقِرَاءَةِ مِنْ حَسَنِ الصَّوْتِ، وَالإِْصْغَاءُ إِلَيْهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلاَ بَأْسَ بِاجْتِمَاعِ الْجَمَاعَةِ فِي الْقِرَاءَةِ وَلاَ بِإِدَارَتِهَا، وَهِيَ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ قِطْعَةً ثُمَّ الْبَعْضُ قِطْعَةً بَعْدَهَا (٢) .
تَفْخِيمُ التِّلاَوَةِ:
١٤ - تُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّفْخِيمِ لِحَدِيثِ: أُنْزِل الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ (٣) قَال الْحَلِيمِيُّ: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ عَلَى قِرَاءَةِ الرِّجَال، وَلاَ يُخْضِعُ الصَّوْتَ فِيهِ كَكَلاَمِ النِّسَاءِ، قَال: وَلاَ يَدْخُل فِي هَذَا كَرَاهَةُ الإِْمَالَةِ الَّتِي هِيَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْقُرَّاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ نَزَل بِالتَّفْخِيمِ، فَرُخِّصَ مَعَ ذَلِكَ فِي إِمَالَةِ مَا تَحْسُنُ إِمَالَتُهُ (٤) . стр. 8136
الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ:
١٥ - وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ بِاسْتِحْبَابِ الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ، وَأُخْرَى بِاسْتِحْبَابِ الإِْخْفَاءِ، فَمِنَ الأَْوَّل حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: - مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ (١) وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ: الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ (٢) قَال النَّوَوِيُّ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الإِْخْفَاءَ أَفْضَل، حَيْثُ خَافَ الرِّيَاءَ، أَوْ تَأَذَّى مُصَلُّونَ أَوْ نِيَامٌ بِجَهْرِهِ، وَالْجَهْرُ أَفْضَل فِي غَيْرِ ذَلِكَ لأَِنَّ الْعَمَل فِيهِ أَكْثَرُ، وَلأَِنَّ فَائِدَتَهُ تَتَعَدَّى إِلَى السَّامِعِينَ، وَلأَِنَّهُ يُوقِظُ قَلْبَ الْقَارِئِ وَيَجْمَعُ هَمَّهُ إِلَى الْفِكْرِ، وَيَصْرِفُ سَمْعَهُ إِلَيْهِ، وَيَطْرُدُ النَّوْمَ وَيَزِيدُ فِي النَّشَاطِ، وَيَدُل لِهَذَا الْجَمْعِ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اعْتَكَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَال: أَلاَ إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ لِرَبِّهِ، فَلاَ يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلاَ يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ (٣) стр. 8137
وَقَال بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِبَعْضِ الْقِرَاءَةِ وَالإِْسْرَارُ بِبَعْضِهَا؛ لأَِنَّ الْمُسِرَّ قَدْ يَمَل فَيَأْنَسُ بِالْجَهْرِ، وَالْجَاهِرُ قَدْ يَكِل فَيَسْتَرِيحُ بِالإِْسْرَارِ (١) .
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَتِهِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ:
١٦ - لِلْفُقَهَاءِ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ، وَقِرَاءَتِهِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ:
أ - أَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنَ الْمُصْحَفِ أَفْضَل لأَِنَّ النَّظَرَ فِيهِ عِبَادَةٌ فَتَجْتَمِعُ الْقِرَاءَةُ وَالنَّظَرُ.
بِهَذَا قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْغَزَالِيُّ. رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْنٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةُ الرَّجُل فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ أَلْفُ دَرَجَةٍ، وَقِرَاءَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ تُضَاعَفُ عَلَى ذَلِكَ أَلْفَيْ دَرَجَةٍ (٢) .
وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ، وَنَظَرُ الْوَلَدِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ عِبَادَةٌ (٣) . стр. 8138
ب - يَرَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ أَفْضَل؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِرَاءَةِ التَّدَبُّرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (١) وَالْعَادَةُ تَشْهَدُ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ يُخِل بِهَذَا الْمَقْصُودِ فَكَانَ مَرْجُوحًا.
ج - قَال النَّوَوِيُّ فِي الأَْذْكَارِ: إِنْ كَانَ الْقَارِئُ مِنْ حِفْظِهِ يَحْصُل لَهُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَجَمْعِ الْقَلْبِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُل لَهُ مِنَ الْمُصْحَفِ، فَالْقِرَاءَةُ مِنَ الْحِفْظِ أَفْضَل، وَإِنِ اسْتَوَيَا فَمِنَ الْمُصْحَفِ أَفْضَل. قَال وَهُوَ مُرَادُ السَّلَفِ (٢) .
قَطْعُ الْقُرْآنِ لِمُكَالَمَةِ النَّاسِ:
١٧ - يُكْرَهُ قَطْعُ الْقِرَاءَةِ لِمُكَالَمَةِ أَحَدٍ، قَال الْحَلِيمِيُّ: لأَِنَّ كَلاَمَ اللَّهِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيْهِ كَلاَمُ غَيْرِهِ، وَأَيَّدَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا فِي الصَّحِيحِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، وَكُرِهَ أَيْضًا الضَّحِكَ وَالْعَبَثَ وَالنَّظَرَ إِلَى مَا يُلْهِي (٣) . стр. 8139
قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْعَجَمِيَّةِ:
١٨ - لاَ يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْعَجَمِيَّةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ أَمْ لاَ فِي الصَّلاَةِ أَمْ خَارِجَهَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ لِمَنْ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ يَذْهَبُ إِعْجَازُهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَعَنْ الْقَفَّال: أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ لاَ تُتَصَوَّرُ، قِيل لَهُ فَإِذًا لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُفَسِّرَ الْقُرْآنَ، قَال: لَيْسَ كَذَلِكَ لأَِنَّ هُنَاكَ يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِ مُرَادِ اللَّهِ وَيَعْجِزَ عَنِ الْبَعْضِ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّ التَّرْجَمَةَ إِبْدَال لَفْظَةٍ بِلَفْظَةٍ تَقُومُ مَقَامَهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ بِخِلاَفِ التَّفْسِيرِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل ر: تَرْجَمَةٌ ف ٥ (١١ ٢١٦)
الْقِرَاءَةُ بِالشَّوَاذِّ:
١٩ - نَقَل ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الإِْجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِالشَّاذِّ، لَكِنْ ذَكَرَ مَوْهُوبُ الْجَزَرِيُّ جَوَازَهَا فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ قِيَاسًا عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى (٢) .
تَرْتِيبُ الْقِرَاءَةِ:
٢٠ - الأَْوْلَى أَنْ يَقْرَأَ الْقَارِئُ عَلَى تَرْتِيبِ стр. 8140
الْمُصْحَفِ، لأَِنَّ تَرْتِيبَهُ لِحِكْمَةٍ، فَلاَ يُتْرَكُ التَّرْتِيبُ إِلاَّ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ الشَّرْعُ، كَصَلاَةِ صُبْحِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ ﴿الم تَنْزِيلٌ﴾ ، وَ ﴿هَل أَتَى﴾ وَنَظَائِرِهِ، فَلَوْ فَرَّقَ السُّوَرَ أَوْ عَكَسَهَا جَازَ وَتَرَكَ الأَْفْضَل، وَأَمَّا قِرَاءَةُ السُّورَةِ مِنْ آخِرِهَا إِلَى أَوَّلِهَا. فَمُتَّفَقٌ عَلَى مَنْعِهِ، لأَِنَّهُ يُذْهِبُ بَعْضَ نَوْعِ الإِْعْجَازِ وَيُزِيل حِكْمَةَ التَّرْتِيبِ. لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِل عَنْ رَجُلٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْكُوسًا؟ قَال: ذَاكَ مَنْكُوسُ الْقَلْبِ، وَأَمَّا خَلْطُ سُورَةٍ بِسُورَةٍ فَإِنَّ تَرْكَهُ مِنَ الآْدَابِ، لِمَا أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِبِلاَلٍ: يَا بِلاَل قَدْ سَمِعْتُكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. قَال: كَلاَمٌ طَيِّبٌ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ (١) .
وَأُخْرِجَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَال: إِذَا ابْتَدَأْتَ فِي سُورَةٍ فَأَرَدْتَ أَنْ تَتَحَوَّل مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا فَتَحَوَّل إِلاَّ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، فَإِذَا ابْتَدَأْتَ بِهَا فَلاَ تَتَحَوَّل عَنْهَا حَتَّى تَخْتِمَهَا.
وَقَدْ نَقَل الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ قِرَاءَةِ آيَةٍ آيَةٍ مِنْ كُل سُورَةٍ. قَال الْبَيْهَقِيُّ وَأَحْسَنُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ أَنْ يُقَال: إِنَّ هَذَا التَّأْلِيفَ لِكِتَابِ اللَّهِ مَأْخُوذٌ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْذُهُ عَنْ стр. 8141
جِبْرِيل، فَالأَْوْلَى لِلْقَارِئِ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى التَّأْلِيفِ الْمَنْقُول (١) .
اسْتِمَاعُ التِّلاَوَةِ:
٢١ - يُسَنُّ الاِسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَرْكُ اللَّغَطِ وَالْحَدِيثِ لِحُضُورِ الْقِرَاءَةِ. قَال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)
قَال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَالاِشْتِغَال عَنِ السَّمَاعِ بِالتَّحَدُّثِ بِمَا لاَ يَكُونُ أَفْضَل مِنَ الاِسْتِمَاعِ، سُوءُ أَدَبٍ عَلَى الشَّرْعِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالتَّحَدُّثِ لِلْمَصْلَحَةِ (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل ر: اسْتِمَاعٌ (٤ ٨٥)
السُّجُودُ لِلتِّلاَوَةِ:
٢٢ - فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً فِيهَا السُّجُودُ: فِي الأَْعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْل، وَالإِْسْرَاءِ، وَمَرْيَمَ، وَالْحَجِّ، وَفِيهَا سَجْدَتَانِ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ، وَفِي الْفُرْقَانِ، وَالنَّمْل، وَالسَّجْدَةِ ﴿الم تَنْزِيلٌ﴾ وَ ﴿ص﴾ وَفُصِّلَتْ، وَالنَّجْمِ، وَالاِنْشِقَاقِ، وَاقْرَأْ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ آخِرَ стр. 8142
الْحِجْرِ، وَالسُّجُودُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِقِرَاءَةِ آيَاتِ السَّجْدَةِ مَسْنُونٌ، وَوَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
وَتَفْصِيل مَوَاضِعِ السُّجُودِ، وَعَلَى مَنْ يَجِبُ، وَشُرُوطُ السُّجُودِ، كُل ذَلِكَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (سُجُودُ التِّلاَوَةِ) . стр. 8143
تَلْبِيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّلْبِيَةُ لُغَةً: إِجَابَةُ الْمُنَادِي، وَهِيَ إِمَّا فِي الْحَجِّ وَإِمَّا فِي غَيْرِهِ كَالْوَلِيمَةِ وَالتَّلْبِيَةِ فِي غَيْرِ الْحَجِّ.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهَا فِي مُصْطَلَحِ (إِجَابَةٌ) ج ١ ص ٢٥١ وَأَمَّا فِي الْحَجِّ فَالْمُرَادُ بِهَا قَوْل الْمُحْرِمِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. أَيْ: إِجَابَتِي لَكَ يَا رَبِّ. يُقَال: لَبَّى الرَّجُل تَلْبِيَةً: إِذَا قَال لَبَّيْكَ. وَلَبَّى بِالْحَجِّ كَذَلِكَ. قَال الْفَرَّاءُ: مَعْنَى لَبَّيْكَ إِجَابَةً لَكَ بَعْدَ إِجَابَةٍ. وَفِي حَدِيثِ الإِْهْلاَل بِالْحَجِّ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ: هُوَ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَهِيَ إِجَابَةُ الْمُنَادِي أَيْ: إِجَابَتِي لَكَ يَا رَبِّ. وَعَنِ الْخَلِيل أَنَّ تَثْنِيَةَ كَلِمَةِ (لَبَّيْكَ) عَلَى جِهَةِ التَّوْكِيدِ (١) .
وَالإِْجَابَةُ وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَخْرُجُ فِي مَعْنَاهَا الاِصْطِلاَحِيِّ عَنْ هَذَا إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْخَرَشِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ: أَنَّ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ الإِْجَابَةُ: أَيْ: إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: стр. 8144
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١) فَهَذِهِ إِجَابَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: إِجَابَةٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٢) يُقَال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا أَذَّنَ بِالْحَجِّ أَجَابَهُ النَّاسُ فِي أَصْلاَبِ آبَائِهِمْ فَمَنْ أَجَابَهُ مَرَّةً حَجَّ مَرَّةً، وَمَنْ زَادَ زَادَ. فَالْمَعْنَى أَجَبْتُكَ فِي هَذَا كَمَا أَجَبْتُكَ فِي ذَلِكَ. وَأَوَّل مَنْ لَبَّى الْمَلاَئِكَةُ، وَهُمْ أَيْضًا أَوَّل مَنْ كَانَ بِالْبَيْتِ (٣) .
وَمَعْنَى لَبَّيْكَ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الطَّحْطَاوِيِّ عَلَى مَرَاقِي الْفَلاَحِ: أَقَمْتُ بِبَابِكَ إِقَامَةً بَعْدَ أُخْرَى وَأَجَبْتُ نِدَاءَكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (٤) .
وَفِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: أَجَبْتُكَ يَا أَلَّلَهُ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ. أَوْ لاَزَمْتُ الإِْقَامَةَ عَلَى طَاعَتِكَ مِنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ إِذَا لَزِمَهُ وَأَقَامَ بِهِ. وَهِيَ مُثَنَّاةٌ لَفْظًا وَمَعْنَاهَا التَّكْثِيرُ لاَ خُصُوصُ الاِثْنَيْنِ (٥) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - تَلْبِيَةُ الْمُحْرِمِ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٦) لِمَا رَوَى سَهْل بْنُ سَعْدٍ قَال: قَال стр. 8145
رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلاَّ لَبَّى عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَْرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا (١) . وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .
صِيغَتُهَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ:
٣ - وَهِيَ تَلْبِيَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٣) . كَمَا جَاءَ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ (٤) .
وَهَل لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا أَوْ يُنْقِصَ مِنْهَا؟
قَال الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلٌ لِمَالِكِ: إِنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَلاَ بَأْسَ (٥) . لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ стр. 8146
كَانَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَةُ إِلَيْكَ وَالْعَمَل. وَإِذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ قَال: لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآْخِرَةِ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عَنْهُ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُمْ فِيهِ. فَقَال: لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآْخِرَةِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِمَالِكٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلاَ تُكْرَهُ، وَذَلِكَ لِقَوْل جَابِرٍ: فَأَهَل رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ (٢) وَأَهَل النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ. وَلَزِمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُلَبِّي بِتَلْبِيَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَيَزِيدُ مَعَ هَذَا " لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ. وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ (٣) إِلَيْكَ وَالْعَمَل (٤) .
وَزَادَ عُمَرُ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا стр. 8147
النَّعْمَاءِ وَالْفَضْل الْحَسَنِ (١) . وَيَرَى أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَزِيدُ لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا. وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ وَلاَ تُسْتَحَبُّ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَزِمَ تَلْبِيَتَهُ فَكَرَّرَهَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا.
وَالْقَوْل الثَّالِثُ لِمَالِكٍ: كَرَاهَةُ الزِّيَادَةِ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ الرَّسُول ﷺ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا وَيُكْرَهُ لَهُ إِنْقَاصُهَا، وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا مِمَّا هُوَ مَأْثُورٌ فَيَقُول: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ إِلَهَ الْخَلْقِ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا. لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآْخِرَةِ. وَمَا لَيْسَ مَرْوِيًّا فَجَائِزٌ وَحَسَنٌ (٣) .
بِمَ تَصِحُّ التَّلْبِيَةُ ؟
٤ - تَصِحُّ التَّلْبِيَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ إِلاَّ أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ أَفْضَل (٤) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْعَرَبِيِّ يُلَبِّي بِلِسَانِهِ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ كَأَنْ لَمْ يَجِدْ стр. 8148
مَنْ يُعَلِّمُهُ الْعَرَبِيَّةَ، وَمُفَادُ هَذَا أَنَّ الْعَرَبِيَّ الْقَادِرَ عَلَيْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لاَ يُلَبِّي بِغَيْرِهَا لأَِنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَلَمْ تُشْرَعْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا كَالأَْذَانِ وَالأَْذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلاَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ لَبَّى بِلُغَتِهِ كَالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلاَةِ (١) .
رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ:
٥ - اسْتَحَبَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: جَاءَنِي جِبْرِيل ﵇ فَقَال: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أَصْحَابَكَ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ (٢) وَقَال أَبُو حَازِمٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَبْلُغُونَ الرَّوْحَاءَ حَتَّى تُبَحَّ حُلُوقُهُمْ مِنَ التَّلْبِيَةِ. وَقَال سَالِمٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فَلاَ يَأْتِي الرَّوْحَاءَ (٣) حَتَّى يَصْحَل صَوْتُهُ (٤) . стр. 8149
وَلاَ يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا زِيَادَةً عَلَى الطَّاقَةِ لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ صَوْتُهُ وَتَلْبِيَتُهُ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّوَسُّطَ فِيهِ مَنْدُوبٌ فَلاَ يُسِرُّهُ الْمُلَبِّي حَتَّى لاَ يَسْمَعَهُ مَنْ يَلِيهِ، وَلاَ يُبَالِغُ فِي رَفْعِهِ حَتَّى يَعْقِرَهُ فَيَكُونُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ وَلاَ يُبَالِغُ فِي أَيِّهِمَا، وَفِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: هَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ مِنَى لأَِنَّهُمَا بُنِيَا لِلْحَجِّ، وَقِيل: لِلأَْمْنِ فِيهِمَا مِنَ الرِّيَاءِ (٢) .
هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَال. أَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَرَاهَةِ رَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ بِالتَّلْبِيَةِ إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا تُسْمِعُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا أَوْ رَفِيقَتَهَا، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَال: السُّنَّةُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالإِْهْلاَل وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ بِهَا وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى الْمُشْكِل فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا (٣) . стр. 8150
الإِْكْثَارُ مِنَ التَّلْبِيَةِ:
٦ - اسْتَحَبَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ التَّلْبِيَةِ لأَِنَّهَا شِعَارُ النُّسُكِ فَيُلَبِّي عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّفَاقِ، أَوْ مَتَى عَلاَ شَرَفًا أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَإِقْبَال اللَّيْل وَالنَّهَارِ. لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي إِذَا رَأَى رَكْبًا، أَوْ صَعِدَ أَكَمَةً، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الْمَكْتُوبَةِ وَآخِرِ اللَّيْل (١) وَلأَِنَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تُرْفَعُ الأَْصْوَاتُ وَيَكْثُرُ الضَّجِيجُ (٢) . وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : أَفْضَل الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّوَسُّطَ فِي ذَلِكَ стр. 8151
مَنْدُوبٌ، فَلاَ يُكْثِرُ الْمُحْرِمُ مِنَ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَمَلَّهَا وَيَلْحَقَهُ الضَّرَرُ، وَلاَ يُقَلِّلُهَا حَتَّى يَفُوتَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا وَهُوَ الشَّعِيرَةُ (١) .
مَتَى تَبْدَأُ التَّلْبِيَةُ:
٧ - مِنَ الأُْمُورِ الْمُسْتَحَبَّةِ لِمُرِيدِ الإِْحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا مَعًا مَتَى بَلَغَ مِيقَاتَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ الإِْحْرَامِ فِي غَيْرِ وَقْتِ كَرَاهَةٍ، وَتُجْزِئُ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ قَال بِلِسَانِهِ الْمُطَابِقِ لِجِنَانِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي، كَمَا يَفْعَل ذَلِكَ أَيْضًا الْمُعْتَمِرُ وَالْقَارِنُ، وَيُشِيرُ إِلَى نَوْعِ نُسُكِهِ ثُمَّ يُلَبِّي دُبُرَ صَلاَتِهِ. . وَبِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ يَكُونُ مُحْرِمًا وَتَسْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الإِْحْرَامِ.
هَذَا مَا عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ (٢) .
وَلَهُ الإِْحْرَامُ بِهَا إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَإِذَا بَدَأَ السَّيْرُ سَوَاءٌ لأَِنَّ الْجَمِيعَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ. قَال الأَْثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ. الإِْحْرَامُ فِي دُبُرِ الصَّلاَةِ، أَوْ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ؟ فَقَال: كُل ذَلِكَ قَدْ جَاءَ فِي دُبُرِ الصَّلاَةِ وَإِذَا عَلاَ الْبَيْدَاءَ. стр. 8152
مَتَى تَنْتَهِي التَّلْبِيَةُ:
٨ - تَنْتَهِي التَّلْبِيَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاجِّ ابْتِدَاءً مِنْ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَيَقْطَعُهَا مَعَ أَوَّل حَصَاةٍ لأَِخْذِهِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّل، وَيُكَبِّرُ بَدَل التَّلْبِيَةِ مَعَ كُل حَصَاةٍ. فَقَدْ رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَتَى إِلَى مِنَى لَمْ يُعَرِّجْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَقَطَعَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَوَّل حَصَاةٍ رَمَاهَا، ثُمَّ كَبَّرَ مَعَ كُل حَصَاةٍ، ثُمَّ نَحَرَ، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَتَى مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ (١) .
وَرَوَى الْفَضْل بْنُ الْعَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَل يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (٢)
وَكَانَ الْفَضْل رَدِيفَهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَلأَِنَّ التَّلْبِيَةَ لِلإِْحْرَامِ فَإِذَا رَمَى فَقَدْ شَرَعَ فِي التَّحَلُّل فَلاَ مَعْنَى لِلتَّلْبِيَةِ (٣) . стр. 8153
وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَمِرُّ فِي التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَبْلُغَ مَكَّةَ فَيَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى ثُمَّ يُعَاوِدَهَا حَتَّى تَزُول الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحَ إِلَى مُصَلاَّهَا.
وَالثَّانِي: يَسْتَمِرُّ فِي التَّلْبِيَةِ حَتَّى الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ، وَالأَْوَّل فِي رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ. وَشَهَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ، وَالثَّانِي فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْلٍ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ (١) .
أَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَتَى شَرَعَ فِي الطَّوَافِ وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢) . لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ (٣)
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ أَنَّ مُعْتَمِرَ الْمِيقَاتِ مِنْ أَهْل الآْفَاقِ وَفَائِتِ الْحَجِّ أَيْ: الْمُعْتَمِرُ لِفَوَاتِ الْحَجِّ يُلَبِّي كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْحَرَمِ لاَ إِلَى رُؤْيَةِ الْبُيُوتِ، وَمُعْتَمِرُ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ يُلَبِّي لِلْبُيُوتِ أَيْ: إِلَى دُخُول بُيُوتِ مَكَّةَ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ стр. 8154
اسْتِدْلاَلاً بِمَا رَوَاهُ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ فِعْلِهِ فِي الْمَنَاسِكِ قَال: وَكَانَ يَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا دَخَل الْحَرَمَ (١) يُنْظَرُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ: حَجٌّ - إِحْرَامٌ.
تَلْجِئَةٌ
انْظُرْ: بَيْعُ التَّلْجِئَةِ. стр. 8155
تَلَفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّلَفُ لُغَةً: الْهَلاَكُ وَالْعَطَبُ فِي كُل شَيْءٍ وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالإِْتْلاَفُ: إِحْدَاثُ التَّلَفِ، وَيُنْظَرُ لِتَفْصِيلِهِ مُصْطَلَحُ: (إِتْلاَفٌ) وَالتَّلَفُ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ مَخْصُوصٌ بِالنَّقْصِ الْحَاصِل لاَ عَنْ تَحْرِيكٍ، بِخِلاَفِ الْخُسْرِ فَهُوَ مَا نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكٍ (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - التَّلَفُ يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطَابُ الْوَضْعِ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارٌ أَهَمُّهَا الضَّمَانُ. وَالتَّلَفُ لاَ يُوصَفُ بِحِلٍّ أَوْ حُرْمَةٍ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِيمَنْ يَضْمَنُ التَّلَفَ.
أَمَّا الإِْتْلاَفُ، فَهُوَ إِحْدَاثُ التَّلَفِ، وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِتْلاَفٌ)
أَسْبَابُ التَّلَفِ:
٣ - التَّلَفُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِعَارِضٍ سَمَاوِيٍّ، وَهُوَ стр. 8156
مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالآْفَةِ السَّمَاوِيَّةِ أَوْ بِالْجَائِحَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِفِعْلٍ مِنَ الْمَخْلُوقِ، وَهَذَا يُقَسِّمُهُ الْفُقَهَاءُ إِلَى نَوْعَيْنِ: تَلَفٌ حِسِّيٌّ، وَتَلَفٌ شَرْعِيٌّ، وَيُسَمِّيهِ الْمَالِكِيَّةُ التَّلَفَ الْحُكْمِيَّ.
فَالتَّلَفُ الْحِسِّيُّ: هُوَ هَلاَكُ الْعَيْنِ نَفْسِهَا، سَوَاءٌ أَتَى عَلَيْهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا.
وَالتَّلَفُ الشَّرْعِيُّ (الْحُكْمِيُّ) : هُوَ مَنْعُ الشَّارِعِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ مَعَ بَقَائِهَا بِسَبَبٍ مِنَ الْمُتْلِفِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَنْعُ عَامًّا يَدْخُل فِيهِ التَّلَفُ وَغَيْرُهُ، كَمَا فِي الْعَيْنِ، أَمْ مُبَاحًا لِلْمُتْلِفِ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا فِي وَطْءِ الأَْمَةِ، أَمْ كَانَ مُبَاحًا لِغَيْرِ الْمُتْلِفِ كَمَا فِي الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لَهُ صُوَرًا مِنْهَا، مَا لَوِ اشْتَرَى أَمَةً فَأَعْتَقَهَا أَبُوهُ قَبْل قَبْضِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الشَّارِعَ جَعَل عِتْقَ أَبِيهِ كَعِتْقِهِ، حَيْثُ رَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ، وَمِثْلُهُ الْكِتَابَةُ، وَالتَّدْبِيرُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْهِبَةُ (١) .
وَهَذَا التَّقْسِيمُ بِاعْتِبَارِ الْمُتْلِفِ، أَمَّا بِاعْتِبَارِ الْمَحَل، فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَرِدَ عَلَى النَّفْسِ وَالأَْعْضَاءِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (جِنَايَةٌ، وَدِيَةٌ، وَقِصَاصٌ)
وَإِمَّا أَنْ يَرِدَ عَلَى الأَْمْوَال، وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا. стр. 8157
أَوَّلاً: أَثَرُ التَّلَفِ فِي الْعِبَادَاتِ:
أ - تَلَفُ زَكَاةِ الْمَال:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَال بَعْدَ الْحَوْل، وَيَجِبُ عَلَى الْمُزَكِّي الضَّمَانُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهَا مَالٌ وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَلَفِ النِّصَابِ، كَالدَّيْنِ، فَضَمِنَهَا بِتَلَفِهَا فِي يَدِهِ. فَلاَ يُعْتَبَرُ بَقَاءُ الْمَال.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِقَيْدَيْنِ: التَّمَكُّنُ مِنَ الأَْدَاءِ، وَالتَّفْرِيطُ مِنْ رَبِّ الْمَال. فَإِنْ تَلِفَ الْمَال بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ أَوْ بِتَفْرِيطٍ مِنْ رَبِّ الْمَال فَلاَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَنَابِلَةُ هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ وَأَوْجَبُوا الضَّمَانَ مُطْلَقًا وَاعْتَبَرُوا إِمْكَانَ الأَْدَاءِ شَرْطًا لِوُجُوبِ الإِْخْرَاجِ لاَ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ. لِمَفْهُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (١) فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى الْوُجُوبِ بَعْدَ الْحَوْل مُطْلَقًا.
وَلأَِنَّهَا حَقُّ الْفَقِيرِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا إِمْكَانُ الأَْدَاءِ كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ، وَلأَِنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ لَمْ يَنْعَقِدِ الْحَوْل الثَّانِي، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنَ الأَْدَاءِ. وَلَيْسَ стр. 8158
كَذَلِكَ بَل يَنْعَقِدُ عَقِبَ الأَْوَّل إِجْمَاعًا، وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ فَلاَ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إِمْكَانُ الأَْدَاءِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ بِلاَ تَفْرِيطٍ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ قُدَامَةَ.
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ إِذَا تَلِفَ بِجَائِحَةٍ قَبْل الْقَطْعِ، فَإِنَّ زَكَاتَهُمَا تَسْقُطُ، فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ الْجَائِحَةِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْخَارِصَ إِذَا خَرَصَ الثَّمَرَ ثُمَّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ قَبْل الْجُذَاذِ، وَلأَِنَّهُ قَبْل الْجُذَاذِ فِي حُكْمِ مَا لاَ تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى ثَمَرَهُ فَتَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ فِي تَلَفِ الْمَوَاشِي قَيْدًا ثَالِثًا وَهُوَ مَجِيءُ السَّاعِي، فَإِذَا تَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ بَعْدَ الْحَوْل وَقَبْل مَجِيءِ السَّاعِي فَلاَ يُحْسَبُ مَا تَلِفَ أَوْ ضَاعَ، وَإِنَّمَا يُزَكَّى الْبَاقِي إِنْ كَانَ فِيهِ زَكَاةٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ مَجِيءَ السَّاعِي شَرْطَ وُجُوبٍ، وَكَذَلِكَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ عَنْهَا لَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ مَجِيءِ السَّاعِي وَالْعَدِّ وَقَبْل أَخْذِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَجِيئَهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إِلَى الأَْخْذِ، كَدُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، فَقَدْ يَطْرَأُ أَثْنَاءَ الْوَقْتِ مَا يُسْقِطُهَا كَالْحَيْضِ، كَذَلِكَ التَّلَفُ بَعْدَ الْمَجِيءِ وَالْعَدِّ، وَأَمَّا لَوْ ذَبَحَ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ قَصْدِ الْفِرَارِ، أَوْ بَاعَ شَيْئًا كَذَلِكَ بَعْدَ مَجِيءِ السَّاعِي وَقَبْل الأَْخْذِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَيُحْسَبُ عِلْمُ الْمُعْتَمَدِ،
стр. 8159
وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِقَصْدِ الْفِرَارِ فَتَجِبُ زَكَاتُهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل الْحَوْل.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَال بَعْدَ الْحَوْل سَوَاءٌ أَتَمَكَّنَ مِنَ الأَْدَاءِ أَمْ لاَ.
وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُ النِّصَابِ سَقَطَ مِنَ الْوَاجِبِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا هَلَكَ مِنْهُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَيْنِ لاَ بِالذِّمَّةِ، وَلأَِنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ وُجُوبَهَا بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ، وَالْمُعَلَّقُ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ لاَ يَبْقَى دُونَهَا، وَيَقْصِدُونَ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ هُنَا وَصْفُ النَّمَاءِ أَيْ إِمْكَانُ الاِسْتِثْمَارِ، لاَ مُجَرَّدُ وُجُودِ النِّصَابِ (١) .
وَأَمَّا إِذَا تَلِفَ الْمَال بَعْدَ الْحَوْل بِفِعْل الْمُزَكِّي نَفْسِهِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ، وَإِنِ انْتَفَتِ الْقُدْرَةُ الْمُيَسَّرَةُ لِبَقَائِهَا تَقْدِيرًا، زَجْرًا لَهُ عَنِ التَّعَدِّي وَنَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ.
هَذِهِ الأَْحْكَامُ فِيمَا إِذَا كَانَ التَّلَفُ بَعْدَ حُلُول الْحَوْل، وَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّلَفُ قَبْل حُلُول الْحَوْل فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ لِعَدَمِ الشَّرْطِ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ إِنْ أَتْلَفَ رَبُّ الْمَال قَبْل الْحَوْل إِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْفِرَارَ مِنْهَا، فَإِنْ قَصَدَ بِالإِْتْلاَفِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ: стр. 8160
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) إِلَى سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ (١) .
ب - تَلَفُ الْمَال بَعْدَ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ:
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ - وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ - إِلَى أَنَّ تَلَفَ الْمَال بَعْدَ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَبَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا لاَ يُسْقِطُهَا، بَل تَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ اتِّفَاقًا، وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَكَاةِ الْمَال بِأَنَّ وُجُوبَ زَكَاةِ الْفِطْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقُدْرَةِ الْمُمْكِنَةِ، وَهِيَ أَدْنَى مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ غَالِبًا، أَمَّا زَكَاةُ الْمَال فَيَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ، وَهِيَ مَا يُوجِبُ يُسْرَ الأَْدَاءِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَمَا ثَبَتَ الإِْمْكَانُ بِالْقُدْرَةِ الْمُمْكِنَةِ، وَدَوَامُهَا شَرْطٌ لِدَوَامِ الْوَاجِبِ الشَّاقِّ عَلَى النَّفْسِ كَأَكْثَرِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ، حَتَّى سَقَطَتِ الزَّكَاةُ وَالْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ بِهَلاَكِ الْمَال بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ؛ لأَِنَّ الْقُدْرَةَ الْمُيَسَّرَةَ وَهِيَ وَصْفُ النَّمَاءِ قَدْ فَاتَتْ بِالْهَلاَكِ، فَيَفُوتُ دَوَامُ الْوُجُوبِ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، بِخِلاَفِ الْقُدْرَةِ الْمُمْكِنَةِ فَلَيْسَ بَقَاؤُهَا شَرْطًا لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ تَلَفُ الْمَال قَبْل التَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ следующие страницы →