← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْجَازَةِ لِعَدَمِ سَلاَمَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَسَخَتِ الصَّدَاقَ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْل. وَإِنْ أَجَازَتْ فَلَهَا حِصَّةُ التَّالِفِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْل مَعَ الْبَاقِي مِنَ الْمَهْرِ بَعْدَ التَّلَفِ. وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ بِفِعْل الزَّوْجَةِ فَهِيَ قَابِضَةٌ لِقِسْطِهِ الَّذِي تَلِفَ بِفِعْلِهَا، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ وَلَهَا الْبَاقِي مِنَ الْمَهْرِ بَعْدَ التَّلَفِ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ فَهِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْجَازَةِ، فَإِنْ فَسَخَتْ طَالَبَتِ الزَّوْجَ بِمَهْرِ الْمِثْل، وَإِنْ أَجَازَتْ طَالَبَتِ الأَْجْنَبِيَّ بِالْبَدَل (١) . عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْمَذْهَبِ يُنْظَرُ فِي (صَدَاقٌ) . ٢٩ - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ ضَمَانَ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجَةِ سَوَاءٌ أَقَبَضَتْهُ أَمْ لَمْ تَقْبِضْهُ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهَا بِالْعَقْدِ، إِلاَّ أَنْ يَمْنَعَهَا الزَّوْجُ قَبْضَهُ فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ. إِلاَّ أَنْ يَتْلَفَ الصَّدَاقُ بِفِعْلِهَا، فَيَكُونُ إِتْلاَفُهَا قَبْضًا مِنْهَا وَيَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُهُ، هَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الصَّدَاقُ مُعَيَّنًا. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الصَّدَاقُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْخُل فِي ضَمَانِهَا إِلاَّ بِقَبْضِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا دَخَل بِهَا. وَأَمَّا إِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول وَتَلِفَ بَعْضُ الصَّدَاقِ وَهُوَ بِيَدِهَا، فَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ كَأَنْ نَقَصَ بِمَرَضٍ، أَوْ نِسْيَانِ صَنْعَةٍ،

стр. 8192

فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ عَيْنِهِ (١) نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ نُقْصَانُ الصَّدَاقِ بِجِنَايَةِ جَانٍ عَلَيْهِ فَلِلزَّوْجِ أَخْذُ نِصْفِ الصَّدَاقِ الْبَاقِي مَعَ نِصْفِ الأَْرْشِ لأَِنَّهُ بَدَل مَا فَاتَ مِنْهُ (٢) مَا يُتْلِفُهُ الْبُغَاةُ: الْبُغَاةُ وَهُمْ مُخَالِفُو الإِْمَامِ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِ وَتَرْكِ الاِنْقِيَادِ لَهُ، أَوْ مَنْعِ حَقٍّ تَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَتَأْوِيلٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِفَسَادِهِ وَمُطَاعٌ يَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِ ٣٠ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَا يُتْلِفُهُ الْبُغَاةُ مِنَ الأَْمْوَال وَالأَْنْفُسِ عَلَى الإِْمَامِ الْعَادِل لاَ ضَمَانَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَا يُتْلِفُهُ الإِْمَامُ عَلَيْهِمْ. لِقَوْل الزُّهْرِيِّ: هَاجَتِ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ مُتَوَاتِرُونَ، فَأَجْمَعُوا أَنْ لاَ يُقَادَ أَحَدٌ، وَلاَ يُؤْخَذُ مَالٌ عَلَى تَأْوِيل الْقُرْآنِ إِلاَّ مَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ. فَقَدْ جَرَتِ الْوَقَائِعُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَوَقْعَةِ الْجَمَل، وَصِفِّينَ، وَلَمْ يُطَالِبْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِضَمَانِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَلأَِجْل التَّرْغِيبِ فِي الطَّاعَةِ لِئَلاَّ يَنْفِرُوا عَنْهَا وَيَتَمَادَوْا عَلَى مَا هُمْ فِيهِ، وَلِهَذَا سَقَطَتِ التَّبِعَةُ عَنِ الْحَرْبِيِّ إِذَا أَسْلَمَ، وَلأَِنَّ الإِْمَامَ مَأْمُورٌ بِالْقِتَال فَلاَ يَضْمَنُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ، وَهُمْ إِنَّمَا أَتْلَفُوا بِتَأْوِيلٍ.

стр. 8193

وَيُشْتَرَطُ لِنَفْيِ الضَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الإِْتْلاَفُ فِي حَال الْقِتَال، وَأَمَّا فِي غَيْرِ حَال الْقِتَال فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ. وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الْحُكْمَ وَخَصُّوهُ بِمَا أُتْلِفَ فِي الْقِتَال لِضَرُورَتِهِ، فَإِنْ أُتْلِفَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ عِنْدَهُمْ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا قَصَدَ أَهْل الْعَدْل بِإِتْلاَفِ الْمَال إِضْعَافَهُمْ وَهَزِيمَتَهُمْ، فَإِنَّهُ لاَ ضَمَانَ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَصَدُوا التَّشَفِّيَ وَالاِنْتِقَامَ. وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرُوا التَّحَيُّزَ وَعَدَمَهُ، وَقَالُوا: مَا فَعَلُوهُ قَبْل التَّحَيُّزِ وَالْخُرُوجِ وَبَعْدَ تَفَرُّقِ جَمْعِهِمْ يُؤَاخَذُونَ بِهِ، وَأَمَّا مَا فَعَلُوهُ بَعْدَ التَّحَيُّزِ فَلاَ ضَمَانَ فِيهِ. وَعِنْدَهُمْ كَذَلِكَ يَضْمَنُ الإِْمَامُ مَا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمْ قَبْل تَحَيُّزِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ، أَوْ بَعْدَ كَسْرِهِمْ وَتَفَرُّقِ جَمْعِهِمْ (١) . مَا تُتْلِفُهُ الدَّوَابُّ: ٣١ - قَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِتْلاَفٌ)

стр. 8194

تَلْفِيقٌ التَّعْرِيفُ ١ - التَّلْفِيقُ فِي اللُّغَةِ: الضَّمُّ، وَهُوَ مَصْدَرُ لَفَّقَ، وَمَادَّةُ لَفَّقَ لَهَا فِي اللُّغَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَعْنَى، فَهِيَ تُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الضَّمِّ، وَالْمُلاَءَمَةِ، وَالْكَذِبِ الْمُزَخْرَفِ. وَالتِّلْفَاقُ أَوِ اللِّفَاقُ بِكَسْرِهِمَا: ثَوْبَانِ يُلَفَّقُ أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ التَّلْفِيقَ بِمَعْنَى الضَّمِّ كَمَا فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي انْقَطَعَ دَمُهَا فَرَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً، أَوْ يَوْمَيْنِ وَيَوْمَيْنِ بِحَيْثُ لاَ يُجَاوِزُ التَّقَطُّعُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عِنْدَ غَيْرِ الأَْكْثَرِينَ عَلَى مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَكَمَا هُوَ الْحَال فِي حُصُول الرَّكْعَةِ الْمُلَفَّقَةِ فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ لِلْمَسْبُوقِ (٢) . وَيَسْتَعْمِلُونَهُ أَيْضًا بِمَعْنَى التَّوْفِيقِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا فِي

стр. 8195

الرِّوَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْجُعْل فِي رَدِّ الآْبِقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّفْرِيقُ: ٢ - التَّفْرِيقُ مَصْدَرُ فَرَّقَ وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الْفَصْل بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ (٢) وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهُ أَيْضًا بِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا فِي التَّفْرِيقِ فِي صِيَامِ التَّمَتُّعِ بَيْنَ الثَّلاَثَةِ وَالسَّبْعَةِ الأَْيَّامِ، وَكَمَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ، وَكَمَا فِي تَفْرِيقِ طَلاَقِ الْمَدْخُول بِهَا إِذَا أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ بِأَنْ يُوقِعَ كُل طَلْقَةٍ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ لِيُصِيبَ السُّنَّةَ (٣) . فَالتَّفْرِيقُ ضِدُّ التَّلْفِيقِ. ب - التَّقْدِيرُ: ٣ - التَّقْدِيرُ: مَصْدَرُ قَدَّرَ، وَيَأْتِي فِي اللُّغَةِ عَلَى وُجُوهٍ مِنَ الْمَعَانِي. أَحَدُهَا: التَّرَوِّي وَالتَّفْكِيرُ فِي تَسْوِيَةِ أَمْرٍ وَتَهْيِئَتِهِ. وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ بِعَلاَمَاتٍ يَقْطَعُهُ عَلَيْهَا وَهُوَ بَيَانُ الْمَقَادِيرِ ذَرْعًا، أَوْ كَيْلاً، أَوْ وَزْنًا، أَوْ عَدُّ ذَلِكَ (٤) .

стр. 8196

وَالثَّالِثُ: أَنْ تَنْوِيَ أَمْرًا بِعَزْمِكَ عَلَيْهِ. تَقُول قَدَّرْتُ أَمْرَ كَذَا وَكَذَا أَيْ نَوَيْتُهُ وَعَقَدْتُ عَلَيْهِ (١) . وَيَشْتَرِكُ التَّقْدِيرُ مَعَ التَّلْفِيقِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ أُمُورٍ غَيْرِ مُحَدَّدَةٍ. الأَْحْكَامُ الإِْجْمَالِيَّةُ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ التَّلْفِيقَ فِي عَدَدٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي: التَّلْفِيقُ فِي الْحَيْضِ إِذَا تَقَطَّعَ: ٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلَّل بَيْنَ الدَّمَيْنِ إِذَا كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا فَإِنَّهُ يَكُونُ فَاصِلاً بَيْنَهُمَا، أَمَّا إِذَا كَانَ الطُّهْرُ الْفَاصِل بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَقَل مَنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِهِ فَاصِلاً أَوْ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ. ٥ - فَالْحَنَفِيَّةُ يُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الطُّهْرَ الْفَاصِل بَيْنَ الدَّمَيْنِ إِذَا كَانَ أَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ فَاصِلاً. وَأَمَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَفِيهِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: الأُْولَى: وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلَّل بَيْنَ الدَّمَيْنِ إِذَا كَانَ أَقَل مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَكُونُ طُهْرًا فَاسِدًا وَلاَ يَكُونُ فَاصِلاً بَيْنَ الدَّمَيْنِ بَل يَكُونُ كُلُّهُ كَدَمٍ مُتَوَالٍ، ثُمَّ يُقَدَّرُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَل حَيْضًا فَيُجْعَل حَيْضًا وَالْبَاقِي يَكُونُ اسْتِحَاضَةً.

стр. 8197

الثَّانِيَةُ: وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْهُ أَنَّ الدَّمَ إِذَا كَانَ فِي طَرَفَيِ الْعَشَرَةِ فَالطُّهْرُ الْمُتَخَلَّل بَيْنَهُمَا لاَ يَكُونُ فَاصِلاً وَيُجْعَل كُلُّهُ كَدَمٍ مُتَوَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الدَّمُ فِي طَرَفَيِ الْعَشَرَةِ كَانَ الطُّهْرُ فَاصِلاً بَيْنَ الدَّمَيْنِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل أَحَدُ الدَّمَيْنِ حَيْضًا يُجْعَل ذَلِكَ حَيْضًا، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا يُجْعَل أَسْرَعُهُمَا وَهُوَ أَوَّلُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْل أَحَدِهِمَا حَيْضًا لاَ يُجْعَل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا. الثَّالِثَةُ: وَهِيَ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ أَنَّ الدَّمَ إِذَا كَانَ فِي طَرَفَيِ الْعَشَرَةِ وَكَانَ بِحَالٍ لَوْ جُمِعَتِ الدِّمَاءُ الْمُتَفَرِّقَةُ تَبْلُغُ حَيْضًا لاَ يَصِيرُ الطُّهْرُ فَاصِلاً بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَيَكُونُ كُلُّهُ حَيْضًا، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ جُمِعَ لاَ يَبْلُغُ حَيْضًا يَصِيرُ فَاصِلاً بَيْنَ الدَّمَيْنِ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل أَحَدُ الدَّمَيْنِ حَيْضًا يُجْعَل ذَلِكَ حَيْضًا، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا، يُجْعَل أَسْرَعُهُمَا حَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَل أَحَدُهُمَا حَيْضًا لاَ يُجْعَل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا. الرَّابِعَةُ: وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلَّل بَيْنَ الدَّمَيْنِ إِذَا كَانَ أَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ لاَ يَكُونُ فَاصِلاً بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَكُلُّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَالِي، وَإِذَا كَانَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ كَانَ فَاصِلاً بَيْنَهُمَا. وَاخْتَارَ مُحَمَّدٌ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلَّل بَيْنَ الدَّمَيْنِ إِذَا كَانَ أَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ لاَ يُعْتَبَرُ فَاصِلاً، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الدَّمَيْنِ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ

стр. 8198

الْمُتَوَالِي، وَإِذَا كَانَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَهُوَ طُهْرٌ كَثِيرٌ فَيُعْتَبَرُ. لَكِنْ يُنْظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الطُّهْرُ مِثْل الدَّمَيْنِ أَوْ أَقَل مِنَ الدَّمَيْنِ فِي الْعَشَرَةِ لاَ يَكُونُ فَاصِلاً، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الدَّمَيْنِ يَكُونُ فَاصِلاً (١) . هَذَا وَأَقَل الْحَيْضِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَثَلاَثُ لَيَالٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَأَقَل الطُّهْرِ عِنْدَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلاَ غَايَةَ لأَِكْثَرِهِ، إِلاَّ إِذَا احْتِيجَ إِلَى نَصْبِ الْعَادَةِ (٢) . ٦ - وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي مَسْأَلَةِ التَّقَطُّعِ هَذِهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُلَفِّقُ أَيْ تَجْمَعُ أَيَّامَ الدَّمِ فَقَطْ لاَ أَيَّامَ الطُّهْرِ عَلَى تَفْصِيلِهَا مِنْ مُبْتَدَأَةٍ وَمُعْتَادَةٍ وَحَامِلٍ. فَتُلَفِّقُ الْمُبْتَدَأَةُ نِصْفَ شَهْرٍ، وَالْمُعْتَادَةُ عَادَتَهَا وَاسْتِظْهَارَهَا، وَالْحَامِل فِي ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ النِّصْفَ وَنَحْوَهُ، وَفِي سِتَّةٍ فَأَكْثَرَ عِشْرِينَ وَنَحْوَهَا، ثُمَّ هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةٌ. وَتَغْتَسِل الْمُلَفِّقَةُ وُجُوبًا كُلَّمَا انْقَطَعَ الدَّمُ عَنْهَا فِي أَيَّامِ التَّلْفِيقِ، إِلاَّ أَنْ تَظُنَّ أَنَّهُ يُعَاوِدُهَا قَبْل انْقِضَاءِ وَقْتِ الصَّلاَةِ الَّتِي هِيَ فِيهِ، فَلاَ تُؤْمَرُ بِالْغُسْل، وَتَصُومُ إِنْ كَانَتْ قَبْل الْفَجْرِ طَاهِرًا،

стр. 8199

وَتُصَلِّي بَعْدَ طُهْرِهَا فَيُمْكِنُ أَنْ تُصَلِّيَ وَتَصُومَ فِي جَمِيعِ أَيَّامِ الْحَيْضِ بِأَنْ كَانَ يَأْتِيهَا لَيْلاً وَيَنْقَطِعُ قَبْل الْفَجْرِ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ فَلاَ يَفُوتُهَا شَيْءٌ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، وَتَدْخُل الْمَسْجِدَ، وَتَطُوفُ الإِْفَاضَةَ إِلاَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ طَلاَقُهَا وَيُجْبَرُ عَلَى مُرَاجَعَتِهَا (١) . هَذَا وَأَقَل الْحَيْضِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ دَفْعَةٌ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْحَائِضِ، فَالْمُبْتَدَأَةُ إِنْ تَمَادَتْ بِهَا الْحَيْضَةُ فَأَكْثَرُهُ فِي حَقِّهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَالْمُعْتَادَةُ إِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ عَادَتُهَا اسْتَظْهَرَتْ عَلَيْهَا بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهَا اسْتَظْهَرَتْ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا كَذَلِكَ وَهِيَ حَائِضٌ فِي أَيَّامِ الاِسْتِظْهَارِ (٢) . ٧ - وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّقَطُّعَ لاَ يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يُجَاوِزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِمَّا أَنْ لاَ يُجَاوِزَهَا، فَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْهَا فَقَوْلاَنِ: أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ الْجَمِيعَ حَيْضٌ، وَيُسَمَّى الْقَوْل بِذَلِكَ (السَّحْبَ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّقَاءُ مُحْتَوِشًا

стр. 8200

مُحَاطًا بِدَمَيْنِ فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِلاَّ فَهُوَ طُهْرٌ بِلاَ خِلاَفٍ. وَالثَّانِي: حَيْضُهَا الدِّمَاءُ خَاصَّةً. وَأَمَّا النَّقَاءُ فَطُهْرٌ وَيُسَمَّى هَذَا الْقَوْل (التَّلْفِيقَ) أَوِ (اللَّقْطَ) . وَعَلَى هَذَا الْقَوْل إِنَّمَا يُجْعَل النَّقَاءُ طُهْرًا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالْغُسْل وَنَحْوِهَا دُونَ الْعِدَّةِ، وَالطَّلاَقُ فِيهِ بِدْعِيٌّ. ثُمَّ الْقَوْلاَنِ هُمَا فِي النَّقَاءِ الزَّائِدِ عَلَى الْفَتْرَةِ الْمُعْتَادَةِ، فَأَمَّا الْفَتْرَةُ الْمُعْتَادَةُ بَيْنَ دَفْعَتَيِ الدَّمِ فَحَيْضٌ بِلاَ خِلاَفٍ. وَلاَ فَرْقَ فِي جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَدْرُ الدَّمِ وَالنَّقَاءِ أَوْ يَزِيدُ أَحَدُهُمَا. أَمَّا إِذَا جَاوَزَ الدَّمُ بِصِفَةِ التَّلْفِيقِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ صَارَتْ مُسْتَحَاضَةً كَغَيْرِهَا إِذَا جَاوَزَ دَمُهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَلاَ صَائِرَ إِلَى الاِلْتِقَاطِ مِنْ جَمِيعِ الشَّهْرِ وَإِنْ لَمْ يَزِدْ مَبْلَغُ الدَّمِ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَإِذَا صَارَتْ مُسْتَحَاضَةً فَالْفَرْقُ بَيْنَ حَيْضِهَا وَاسْتِحَاضَتِهَا بِالرُّجُوعِ إِلَى الْعَادَةِ، أَوِ التَّمْيِيزِ كَغَيْرِ ذَاتِ التَّلْفِيقِ (١) . هَذَا وَأَقَل الْحَيْضِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ، وَأَقَل الطُّهْرِ بَيْنَ

стр. 8201

حَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَغَالِبُهُ تَمَامُ الشَّهْرِ بَعْدَ الْحَيْضِ وَلاَ حَدَّ لأَِكْثَرِهِ (١) . ٨ - وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي مَسْأَلَةِ التَّقَطُّعِ هَذِهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَغْتَسِل وَتُصَلِّيَ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ سَاعَةً، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: لاَ يَحِل لَهَا إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ سَاعَةً إِلاَّ أَنْ تَغْتَسِل، ثُمَّ إِنِ انْقَطَعَ الدَّمُ لِخَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا دُونَ فَجَمِيعُهُ حَيْضٌ، تَغْتَسِل عَقِيبَ كُل يَوْمٍ وَتُصَلِّي فِي الطُّهْرِ، وَإِنْ عَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا. وَالأَْصْل الْمُعْتَبَرُ الَّذِي تُرَدُّ إِلَيْهِ مَسَائِل التَّلْفِيقِ عِنْدَهُمْ حِينَئِذٍ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا سَبْعَةً مُتَوَالِيَةً جَلَسَتْ، وَمَا وَافَقَهَا مِنَ الدَّمِ فَيَكُونُ حَيْضُهَا مِنْهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةً. وَقَالُوا: إِنَّ النَّاسِيَةَ كَالْمُعْتَادَةِ إِنْ أَجْلَسْنَاهَا سَبْعًا، فَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا أَقَل الْحَيْضِ جَلَسَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً لاَ غَيْرُ، وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً تَرَى يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ، ثُمَّ تَرَى نَقَاءً، ثُمَّ تَرَى أَسْوَدَ إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَرَى دَمًا أَحْمَرَ وَعَبَرَ (أَيْ: تَجَاوَزَ) رُدَّتْ إِلَى التَّمْيِيزِ، فَيَكُونُ حَيْضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الأَْسْوَدِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَرَى الدَّمَ زَمَنًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا كَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ دُونَ ذَلِكَ كَنِصْفِ يَوْمٍ وَنِصْفِ لَيْلَةٍ. فَإِنْ كَانَ النَّقَاءُ أَقَل مِنْ سَاعَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِطُهْرٍ لأَِنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى.

стр. 8202

وَإِذَا رَأَتْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ دَمًا ثُمَّ طَهُرَتِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَتْهُ ثَلاَثَةً دَمًا، فَالأَْوَّل حَيْضٌ لأَِنَّهَا رَأَتْهُ فِي زَمَانِ إِمْكَانِهِ. وَالثَّانِي اسْتِحَاضَةٌ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ حَيْضٍ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أَقَل الطُّهْرِ وَلاَ مِنَ الْحَيْضِ الأَْوَّل، لأَِنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْحَيْضَةُ الْوَاحِدَةُ لاَ يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرُ وَتَكَرَّرَ، فَهُمَا حَيْضَتَانِ لأَِنَّهُ أَمْكَنَ جَعْل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضَةً مُنْفَرِدَةً لِفَصْل أَقَل الطُّهْرِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً بِأَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِثْل أَنْ تَرَى يَوْمَيْنِ دَمًا وَتَطْهُرَ عَشَرَةً، وَتَرَى ثَلاَثَةً دَمًا وَتَكَرَّرَ فَهُمَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، لأَِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ زَمَنُهُمَا عَنْ مُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ (١) . وَجَاءَ فِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ صَحِيحٌ تَغْتَسِل فِيهِ وَتُصَلِّي وَنَحْوُهُ أَيْ: تَصُومُ وَتَطُوفُ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَلاَ يُكْرَهُ فِيهِ الْوَطْءُ لأَِنَّهُ طُهْرٌ حَقِيقَةً (٢) . وَقَال فِي الإِْنْصَافِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ

стр. 8203

فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ (١) . هَذَا وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَقَل الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ وَغَالِبِهِ كَالشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ خَالَفُوهُمْ فِي أَقَل الطُّهْرِ الْفَاصِل بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، حَيْثُ قَالُوا: إِنَّهُ ثَلاَثَةَ عَشَرَ يَوْمًا (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَيْضٌ) . إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ بِرَكْعَةٍ مُلَفَّقَةٍ: ٩ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْجُمُعَةَ تُدْرَكُ بِرَكْعَةٍ مُلَفَّقَةٍ مِنْ رُكُوعِ الأُْولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْمَزْحُومِ الَّذِي لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى حَتَّى شَرَعَ الإِْمَامُ فِي رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْجُمُعَةِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمَزْحُومَ يُرَاعِي نَظْمَ صَلاَةِ نَفْسِهِ فِي قَوْلٍ فَيَسْجُدُ الآْنَ، وَيُحْسَبُ رُكُوعُهُ الأَْوَّل فِي الأَْصَحِّ لأَِنَّهُ أَتَى بِهِ فِي وَقْتِهِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِالرُّكُوعِ الثَّانِي لِعُذْرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَالَى بَيْنَ رُكُوعَيْنِ نَاسِيًا. وَقِيل: يُؤْخَذُ بِالرُّكُوعِ الثَّانِي لإِِفْرَاطِ التَّخَلُّفِ فَكَأَنَّهُ مَسْبُوقٌ لَحِقَ الآْنَ فَرَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى وَمِنْ سُجُودِ الثَّانِيَةِ الَّذِي أَتَى بِهِ فِيهَا، وَتُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ فِي الأَْصَحِّ لإِِطْلاَقِ

стр. 8204

خَبَرِ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَل إِلَيْهَا أُخْرَى (١) . وَهَذَا قَدْ أَدْرَكَ رَكْعَةً وَلَيْسَ التَّلْفِيقُ نَقْصًا فِي الْمَعْذُورِ. وَعَلَى مُقَابِل الأَْصَحِّ لاَ تُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ لِنَقْصِهَا بِالتَّلْفِيقِ. هَذَا وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مُتَابَعَةُ الإِْمَامِ. لِظَاهِرِ: إِنَّمَا جُعِل الإِْمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا (٢) وَلأَِنَّ مُتَابَعَةَ الإِْمَامِ آكَدُ، وَلِهَذَا يَتْبَعُهُ الْمَسْبُوقُ وَيَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ وَالْقِيَامَ (٣) . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا ذَلِكَ فِيمَنْ زَال عُذْرُهُ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الأُْولَى، وَقَدْ رَفَعَ إِمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الإِْنْصَافِ: أَنَّهُ يُتَابِعُهُ فِي السُّجُودِ فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إِمَامِهِ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ (٤) .

стр. 8205

وَتُدْرَكُ الْجُمُعَةُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِإِدْرَاكِ الإِْمَامِ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، وَعَلَى هَذَا فَلاَ يُتَصَوَّرُ التَّلْفِيقُ عِنْدَهُمَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: إِنَّهَا تُدْرَكُ بِإِدْرَاكِ أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الإِْمَامِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ مَوَاهِبِ الْجَلِيل مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِيمَنْ زُوحِمَ عَنِ السَّجْدَةِ الأَْخِيرَةِ فِي الْجُمُعَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الإِْتْيَانِ بِهَا إِلاَّ بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ فِي أَنَّهُ يُتِمُّهَا ظُهْرًا أَوْ جُمُعَةً (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ " جُمُعَةٌ ". التَّلْفِيقُ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِمَنْ كَانَ بَعْضُ سَفَرِهِ فِي الْبَحْرِ وَبَعْضُهُ فِي الْبَرِّ: ١٠ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْقَوْل الَّذِي لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّفَرِ فِي الْبَحْرِ وَالسَّفَرِ فِي الْبَرِّ فِي اعْتِبَارِ الْمَسَافَةِ أَنَّهُ إِذَا سَافَرَ وَكَانَ بَعْضُ سَفَرِهِ فِي الْبَرِّ وَبَعْضُهُ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ يُلَفِّقُ أَيْ: يَضُمُّ مَسَافَةَ أَحَدِهِمَا لِمَسَافَةِ الآْخَرِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. وَجَاءَ فِي الزَّرْقَانِيِّ أَنَّهُ يُلَفِّقُ بَيْنَ مَسَافَةِ الْبَرِّ وَمَسَافَةِ الْبَحْرِ إِذَا كَانَ السَّيْرُ فِي الْبَحْرِ بِمِجْدَافٍ، أَوْ بِهِ وَبِالرِّيحِ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرُ فِيهِ

стр. 8206

بِالرِّيحِ فَقَطْ لَمْ يَقْصُرْ فِي مَسَافَةِ الْبَرِّ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ دُونَ قَصْرٍ فَلاَ تَلْفِيقَ (١) . وَلَمْ يُفَرِّقِ الشَّافِعِيَّةُ وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ - عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ - فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، بَل لَوْ سَارَ فِي الْبَحْرِ وَقَطَعَ تِلْكَ الْمَسَافَةَ فِي لَحْظَةٍ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ (٢) . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يُعْتَبَرُ السَّيْرُ فِي الْبَرِّ بِالسَّيْرِ فِي الْبَحْرِ، وَلاَ السَّيْرُ فِي الْبَحْرِ بِالسَّيْرِ فِي الْبَرِّ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي كُل مَوْضِعٍ مِنْهُمَا مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى عِنْدَهُمْ أَنْ يُنْظَرَ كَمْ تَسِيرُ السَّفِينَةُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، إِذَا كَانَتِ الرِّيَاحُ مُسْتَوِيَةً مُعْتَدِلَةً فَيُجْعَل ذَلِكَ هُوَ الْمُقَدَّرَ، لأَِنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِهِ كَمَا فِي الْجَبَل (٣) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (سَفَرٌ) . التَّلْفِيقُ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَمَا شَابَهَهَا: ١١ - الْمُرَادُ بِالتَّلْفِيقِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ إِتْمَامُ الشَّهْرِ

стр. 8207

الأَْوَّل مِنْهُمَا مِنَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ. اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، أَوِ الْقَتْل، أَوِ الْوَطْءِ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ إِذَا ابْتَدَأَ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ بِاعْتِبَارِ الأَْهِلَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ حَتَّى وَإِنْ كَانَا نَاقِصَيْنِ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى الإِْجْزَاءِ فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا نَاقِصًا وَالآْخَرُ كَامِلاً. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى الإِْجْزَاءِ فِيمَا لَوْ صَامَ سِتِّينَ يَوْمًا بِغَيْرِ اعْتِبَارِ الأَْهِلَّةِ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَوِ ابْتَدَأَ الصِّيَامَ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ، ثُمَّ صَامَ الشَّهْرَ الَّذِي يَلِيهِ بِاعْتِبَارِ الْهِلاَل، ثُمَّ أَكْمَل الشَّهْرَ الأَْوَّل مِنَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ تَلْفِيقًا وَبَلَغَ عَدَدُ الأَْيَّامِ سِتِّينَ يَوْمًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ. أَمَّا لَوْ بَلَغَ عَدَدُ الأَْيَّامِ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالصَّاحِبَيْنِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الصَّحِيحِ، وَلاَ يُجْزِئُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ شَاذٍّ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ " كَفَّارَةٌ ".

стр. 8208

التَّلْفِيقُ بَيْنَ شَهَادَتَيْنِ لإِِثْبَاتِ الرِّدَّةِ: ١٢ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّلْفِيقِ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الأَْقْوَال الْمُخْتَلِفَةِ فِي اللَّفْظِ الْمُتَّفِقَةِ فِي الْمَعْنَى لإِِثْبَاتِ الرِّدَّةِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: لَمْ يُكَلِّمِ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَشَهِدَ آخَرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الشَّهَادَتَيْنِ لإِِثْبَاتِ الرِّدَّةِ. أَمَّا إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ، مِثْل أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: فِي كُل جِنْسٍ نَذِيرٌ، وَالأُْخْرَى عَلَى فِعْلٍ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ فِي قَاذُورَةٍ، أَوْ كَانَتَا عَلَى فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَالإِْلْقَاءِ الْمَذْكُورِ، وَشَدِّ الزُّنَّارِ فَلاَ تَلْفِيقَ (١) . هَذَا وَفِي قَبُول الشَّهَادَةِ لإِِثْبَاتِ الرِّدَّةِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهَا هَل تَثْبُتُ بِهَا مُطْلَقًا أَيْ: عَلَى وَجْهِ الإِْطْلاَقِ أَوْ لاَ بُدَّ مِنَ التَّفْصِيل؟ وَهَل يُتَعَرَّضُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إِذَا أَنْكَرَ؟ وَهَذَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ بِهَا لاَ يُقْبَل فِيهَا إِلاَّ الْعُدُول. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ كَمَا جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ إِلَى أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا عَلَى مُسْلِمٍ بِالرِّدَّةِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لاَ يُتَعَرَّضُ لَهُ لاَ لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ وَالْعُدُول بَل لأَِنَّ إِنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ يَدْرَأُ عَنْهُ الْقَتْل فَقَطْ دُونَ

стр. 8209

غَيْرِهِ مِنْ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ، كَحَبْطِ عَمَلٍ وَبُطْلاَنِ وَقْفٍ وَبَيْنُونَةِ زَوْجَةٍ وَإِلاَّ أَيْ: إِذَا لَمْ يُنْكِرْ فَإِنَّهُ يُقْتَل كَارْتِدَادِهِ بِنَفْسِهِ (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إِلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ بِهَا لاَ تُقْبَل بِإِطْلاَقٍ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ التَّفْصِيل لاِخْتِلاَفِ أَهْل السُّنَّةِ فِي أَسْبَابِ الْكُفْرِ فَرُبَّمَا وَجَبَ عِنْدَ بَعْضٍ دُونَ آخَرِينَ (٢) . وَالْقَوْل الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ هُوَ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِهَا تُقْبَل بِإِطْلاَقٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، حَتَّى إِذَا أَنْكَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لاَ يَنْفَعُهُ إِنْكَارُهُ بَل لاَ بُدَّ لَهُ مِنَ التَّوْبَةِ وَإِلاَّ قُتِل؛ لأَِنَّهَا لِخَطَرِهَا لاَ يُقْدِمُ الْعَدْل عَلَى الشَّهَادَةِ بِهَا إِلاَّ بَعْدَ تَحَقُّقِهَا بِأَنْ يَذْكُرَ مُوجِبَهَا وَإِنْ لَمْ يَقُل عَالِمًا مُخْتَارًا لاِخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ فِي الْكُفْرِ وَخَطَرِ أَمْرِ الرِّدَّةِ (٣) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ " رِدَّةٌ ". التَّلْفِيقُ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ: ١٣ - الْمُرَادُ بِالتَّلْفِيقِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ أَخْذُ صِحَّةِ الْفِعْل مِنْ مَذْهَبَيْنِ مَعًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِبُطْلاَنِهِ عَلَى

стр. 8210

كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمُفْرَدِهِ، وَمِثَالُهُ: مُتَوَضِّئٌ لَمَسَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً بِلاَ حَائِلٍ وَخَرَجَ مِنْهُ نَجَاسَةٌ كَدَمٍ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، فَإِنَّ هَذَا الْوُضُوءَ بَاطِلٌ بِاللَّمْسِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَاطِلٌ بِخُرُوجِ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ يُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ تِلْكَ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ يُنْتَقَضُ أَيْضًا بِاللَّمْسِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِذَا صَلَّى بِهَذَا الْوُضُوءِ، فَإِنَّ صِحَّةَ صَلاَتِهِ مُلَفَّقَةٌ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا، وَقَدْ جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: أَنَّ الْحُكْمَ الْمُلَفَّقَ بَاطِلٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ التَّقْلِيدِ بَعْدَ الْعَمَل بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمَذْهَبِ لأَِنَّ التَّقْلِيدَ مَعَ كَوْنِهِ جَائِزًا فَإِنَّ جَوَازَهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّلْفِيقِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ (١) . وَفِي تَتَبُّعِ الرُّخَصِ، وَفِي مُتَتَبِّعِهَا فِي الْمَذَاهِبِ خِلاَفٌ بَيْنَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ: وَالأَْصَحُّ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ امْتِنَاعُ تَتَبُّعِهَا لأَِنَّ التَّتَبُّعَ يُحِل رِبَاطَ التَّكْلِيفِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا تَبِعَ حِينَئِذٍ مَا تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ (٢) . بَل ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ فِسْقٌ، وَالأَْوْجَهُ كَمَا فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ خِلاَفُهُ، وَقِيل: مَحَل الْخِلاَفِ فِي حَالَةِ تَتَبُّعِهَا مِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ وَإِلاَّ فُسِّقَ قَطْعًا، وَلاَ يُنَافِي ذَلِكَ قَوْل ابْنِ الْحَاجِبِ كَالآْمِدِيِّ: مَنْ عَمِل فِي مَسْأَلَةٍ بِقَوْل إِمَامٍ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَل فِيهَا بِقَوْل غَيْرِهِ اتِّفَاقًا، لِتَعَيُّنِ حَمْلِهِ عَلَى مَا إِذَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ الْعَمَل الأَْوَّل مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَعَ الثَّانِي تَرَكُّبُ حَقِيقَةٍ لاَ يَقُول بِهَا كُلٌّ مِنَ الإِْمَامَيْنِ، كَتَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَمَالِكٍ فِي طَهَارَةِ الْكَلْبِ فِي صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ. (٣) وَتَتَبُّعُهَا عِنْدَ مَنْ أَجَازَهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعَمَل بِقَوْلٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لِذَلِكَ الأَْخَفِّ (٤) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. هَذَا وَالتَّلْفِيقُ الْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ مَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ بِالأَْخْذِ بِأَقْوَال عَدَدٍ مِنَ الأَْئِمَّةِ فِيهَا. أَمَّا الأَْخْذُ بِأَقْوَال الأَْئِمَّةِ فِي مَسَائِل مُتَعَدِّدَةٍ فَلَيْسَ تَلْفِيقًا وَإِنَّمَا هُوَ تَنَقُّلٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ أَوْ تَخَيُّرٌ مِنْهَا، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَقْلِيدٌ) .

стр. 8211

تَلْقِينٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّلْقِينُ: مَصْدَرُ لَقَّنَ، يُقَال لَقِنَ الْكَلاَمَ: فَهِمَهُ، وَتَلَقَّنَهُ: أَخَذَهُ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ، وَقِيل: مَعْنَاهُ أَيْضًا فَهِمَهُ. وَهَذَا يَصْدُقُ عَلَى الأَْخْذِ مُشَافَهَةً، وَعَلَى الأَْخْذِ مِنَ الْكُتُبِ وَيُقَال: لَقَّنَهُ الْكَلاَمَ: أَلْقَاهُ إِلَيْهِ لِيُعِيدَهُ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّعْرِيضُ: ٢ - التَّعْرِيضُ فِي الْكَلاَمِ: مَا يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ مُرَادَهُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ، فِي حِينِ يَكُونُ التَّلْقِينُ صَرِيحًا غَالِبًا (٣) . ب - التَّعْلِيمُ: ٣ - التَّعْلِيمُ: مَصْدَرُ عَلَّمَ، يُقَال: عَلَّمَهُ الْعِلْمَ

стр. 8212

وَالصَّنْعَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ: جَعَلَهُ يَعْلَمُهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّلْقِينِ: أَنَّ التَّلْقِينَ يَكُونُ فِي الْكَلاَمِ فَقَطْ، وَالتَّعْلِيمَ يَكُونُ فِي الْكَلاَمِ وَغَيْرِهِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّلْقِينِ (١) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنِ التَّلْقِينِ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ مِنْهَا: تَلْقِينُ الْمُحْتَضَرِ: ٤ - إِذَا احْتُضِرَ الإِْنْسَانُ وَأَصْبَحَ فِي حَالَةِ النَّزْعِ قَبْل الْغَرْغَرَةِ. فَالسُّنَّةُ أَنْ يُلَقَّنَ الشَّهَادَةَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهَا لِقَوْلِهِ ﷺ : لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (٢) وَقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَل الْجَنَّةَ (٣) وَلاَ يُلَحُّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهَا مَخَافَةَ أَنْ يَضْجَرَ، فَإِذَا قَالَهَا الْمُحْتَضَرُ مَرَّةً لاَ يُعِيدُهَا الْمُلَقِّنُ، إِلاَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْمُحْتَضَرُ بِكَلاَمٍ غَيْرِهَا، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَفِي الْمَجْمُوعِ نَقْلاً عَنِ الْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِ: يُكَرِّرُهَا عَلَيْهِ ثَلاَثًا، وَلاَ يُزَادُ عَلَى ثَلاَثٍ.

стр. 8213

وَلاَ يُسَنُّ زِيَادَةُ " مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ " عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِظَاهِرِ الأَْخْبَارِ (١) . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُلَقَّنُ الشَّهَادَتَيْنِ بِأَنْ يَقُول الْمُلَقِّنُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ " وَدَلِيلُهُمْ: أَنَّ الْمَقْصُودَ تَذَكُّرُ التَّوْحِيدِ، وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ (٢) . وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الْمُلَقِّنُ غَيْرَ مُتَّهَمٍ بِعَدَاوَةٍ أَوْ حَسَدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ غَيْرُهُمْ، لَقَّنَهُ أَشْفَقُ الْوَرَثَةِ، ثُمَّ غَيْرُهُ (٣) . التَّلْقِينُ بَعْدَ الْمَوْتِ: ٥ - اخْتَلَفُوا فِي تَلْقِينِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالزَّيْلَعِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ هَذَا التَّلْقِينَ لاَ بَأْسَ بِهِ، فَرَخَّصُوا فِيهِ، وَلَمْ يَأْمُرُوا بِهِ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵊: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (٤) وَقَدْ نُقِل عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِهِ كَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُول

стр. 8214

يَا فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ: اذْكُرْ دِينَكَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ وَقَدْ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِْسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﵊ نَبِيًّا (١) . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ لاَ يُلَقَّنُ، إِذِ الْمُرَادُ بِمَوْتَاكُمْ فِي الْحَدِيثِ مَنْ قَرُبَ مِنَ الْمَوْتِ، وَفِي الْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: أَمَّا التَّلْقِينُ بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ شَيْئًا، وَلاَ أَعْلَمُ فِيهِ لِلأَْئِمَّةِ قَوْلاً سِوَى مَا رَوَاهُ الأَْثْرَمُ، فَقَال: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا فَعَل هَذَا إِلاَّ أَهْل الشَّامِ حِينَ مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ، جَاءَ إِنْسَانٌ فَقَال ذَلِكَ (٢) . وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، يُنْظَرُ فِي (مَوْتٌ، جِنَازَةٌ، احْتِضَارٌ) . تَلْقِينُ الْمُقِرِّ فِي الْحُدُودِ: ٦ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنَّهُ يُسَنُّ لِلإِْمَامِ أَوْ لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ أَنْ يُلَقِّنَ الْمُقِرَّ الرُّجُوعَ عَنِ الإِْقْرَارِ فِي الْحُدُودِ دَرْءًا لِلْحَدِّ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالزِّنَى لَقَّنَهُ الرُّجُوعَ، فَقَال ﵊: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ (٣) ، وَقَال لِرَجُلٍ سَرَقَ: أَسَرَقْتَ؟

стр. 8215

مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ؟ (١) . وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الأَْخْذَ بِالاِسْتِفْسَارِ تَعَلُّقًا بِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الزِّنَى (٢) . وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (إِقْرَارٌ. حَدٌّ) تَلْقِينُ الْخَصْمِ وَالشَّاهِدِ: ٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُلَقِّنَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ حُجَّتَهُ؛ لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَكْسِرُ قَلْبَ الْخَصْمِ الآْخَرِ، وَلأَِنَّ فِيهِ إِعَانَةَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فَيُوجِبُ التُّهْمَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ تَكَلَّمَ أَحَدُهُمَا أَسْكَتَ الآْخَرَ لِيَفْهَمَ كَلاَمَهُ (٣) . ٨ - وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلشَّاهِدِ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَلْقِينِهِ فِي الْجُمْلَةِ، بَل يَتْرُكُهُ يَشْهَدُ بِمَا عِنْدَهُ، فَإِنْ أَوْجَبَ الشَّرْعُ قَبُولَهُ قَبِلَهُ، وَإِلاَّ رَدَّهُ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ بَأْسَ بِتَلْقِينِ الشَّاهِدِ بِأَنْ يَقُول: أَتَشْهَدُ بِكَذَا وَكَذَا؟ . وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّ مِنَ الْجَائِزِ أَنَّ الشَّاهِدَ يَلْحَقُهُ الْحَصْرُ لِمَهَابَةِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَيَعْجِزُ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ، فَكَانَ التَّلْقِينُ تَقْوِيمًا لِحُجَّةٍ ثَابِتَةٍ فَلاَ بَأْسَ بِهِ (٤) .

стр. 8216

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٩ - يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ التَّلْقِينِ فِي مَوَاطِنَ مُتَعَدِّدَةٍ كَالْجِنَازَةِ، وَالْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالإِْقْرَارِ. وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي تِلْكَ الْمُصْطَلَحَاتِ.

стр. 8217

تَلَوُّمٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّلَوُّمُ فِي اللُّغَةِ: بِمَعْنَى الاِنْتِظَارِ وَالتَّمَكُّثِ (١) . وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلُومُ بِإِسْلاَمِهِمُ الْفَتْحَ " أَيْ: تَنْتَظِرُ (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ التَّلَوُّمِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٣) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ: إِلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ يُفْتِي يَوْمَ الشَّكِّ - الْخَوَاصَّ بِالصِّيَامِ تَطَوُّعًا، وَالْعَوَامَّ (٤) بِالتَّلَوُّمِ إِلَى مَا قَبْل الزَّوَال،

стр. 8218

لاِحْتِمَال ثُبُوتِ الشَّهْرِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ لاَ صَوْمَ. وَفِي أَكْل الْمُتَلَوِّمِ نَاسِيًا قَبْل النِّيَّةِ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مَوْطِنِهِ (١) . وَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُمْ يَرَوْنَ وُجُوبَ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ كَمَا فَصَّلُوهُ فِي مَوْطِنِهِ (٢) . كَذَلِكَ تَعَرَّضَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى الْكَلاَمِ عَلَى التَّلَوُّمِ فِي النَّفَقَاتِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ عَجْزِ الزَّوْجِ عَنْ أَدَاءِ النَّفَقَةِ لِزَوْجَتِهِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى جَوَازِ التَّلَوُّمِ وَالإِْمْهَال، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ وَمُدَّتِهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (نَفَقَةٌ (٣)) . وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ عَدَمَ لُزُومِ تَأْخِيرِ فَسْخِ النِّكَاحِ فِي حَالَةِ ثُبُوتِ الإِْعْسَارِ (٤) . وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَرَوْنَ فَسْخَ النِّكَاحِ بِالْعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ (٥) . .

стр. 8219

تَمَاثُلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّمَاثُل مَصْدَرُ: تَمَاثَل، وَهُوَ التَّسَاوِي وَالاِشْتِرَاكُ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَتَمَاثُل الْعَدَدَيْنِ كَوْنُ أَحَدِهِمَا مُسَاوِيًا لِلآْخَرِ، كَثَلاَثَةٍ ثَلاَثَةٍ، وَأَرْبَعَةٍ أَرْبَعَةٍ (١) . يُقَال: هَذَا مِثْلُهُ وَمِثْلُهُ. وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّسَاوِي: ٢ - التَّسَاوِي هُوَ التَّكَافُؤُ فِي الْمِقْدَارِ، وَالْمُمَاثَلَةُ أَنْ يَسُدَّ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ مَسَدَّ الآْخَرِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّسَاوِي وَالتَّمَاثُل أَنَّ التَّسَاوِيَ يَكُونُ بِالْمِقْدَارِ فَقَطْ، أَمَّا التَّمَاثُل فَهُوَ فِي الْمُتَّفِقَيْنِ (٢) .

стр. 8220

ب - التَّكَافُؤُ: ٣ - التَّكَافُؤُ هُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الصِّفَاتِ. وَكُل شَيْءٍ سَاوَى شَيْئًا حَتَّى يَكُونَ مِثْلَهُ فَهُوَ مُكَافِئٌ لَهُ. وَالْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ أَيْ تَتَسَاوَى فِي الدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ (١) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى وُجُوبِ التَّمَاثُل فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ وَالرِّبَوِيَّاتِ بِشُرُوطٍ وَتَفْصِيلاَتٍ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا. كَمَا أَنَّ الْفُقَهَاءَ تَعَرَّضُوا لِلتَّمَاثُل فِي حِسَابِ الْفَرَائِضِ. تَمَالُؤٌ اُنْظُرْ: تَوَاطُؤٌ.

стр. 8221

تَمَتُّعٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّمَتُّعُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْتِفَاعُ، وَالْمَتَاعُ هُوَ كُل شَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَمَا يُتَبَلَّغُ بِهِ مِنَ الزَّادِ. وَالْمُتْعَةُ اسْمٌ مِنَ التَّمَتُّعِ، وَمِنْهُ مُتْعَةُ الْحَجِّ وَمُتْعَةُ الطَّلاَقِ، وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ التَّمَتُّعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَوَّلاً: بِمَعْنَى مُتْعَةِ النِّكَاحِ وَهُوَ الْعَقْدُ عَلَى امْرَأَةٍ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الأَْئِمَّةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُرَادُ بِهِ مَقَاصِدُ النِّكَاحِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (مُتْعَةٌ) . وَثَانِيًا: بِمَعْنَى الْمُتْعَةِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَفْعَل أَفْعَال الْعُمْرَةِ أَوْ أَكْثَرَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ إِلْمَامًا صَحِيحًا - وَالإِْلْمَامُ الصَّحِيحُ النُّزُول فِي وَطَنِهِ مِنْ غَيْرِ بَقَاءِ صِفَةِ الإِْحْرَامِ - وَيُحْرِمُ لِلْحَجِّ مِنَ الْحَرَمِ (٢) .

стр. 8222

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ وَيُتَمِّمَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يَحُجَّ بَعْدَهَا فِي عَامِهِ (١) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُنْشِئَ حَجًّا مِنْ عَامِهِ دُونَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمِيقَاتِ لِلإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ (٢) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ هُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهَا (٣) . وَسُمِّيَ مُتَمَتِّعًا لِتَمَتُّعِهِ بَعْدَ تَمَامِ عُمْرَتِهِ بِالنِّسَاءِ وَالطِّيبِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لاَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ؛ وَلِتَرَفُّقِهِ وَتَرَفُّهِهِ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ (٤) . هَذَا هُوَ مَعْنَى التَّمَتُّعِ الَّذِي يُقَابِل الْقِرَانَ وَ الإِْفْرَادَ . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الإِْفْرَادُ: ٢ - الإِْفْرَادُ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ أَنْ يُهِل بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَيُحْرِمَ بِهِ مُنْفَرِدًا (٥) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِفْرادٌ) .

стр. 8223

ب - الْقِرَانُ: ٣ - الْقِرَانُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ قَرَنَ بِمَعْنَى جَمَعَ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ أَنْ يُهِل بِالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِل عَلَيْهَا الْحَجَّ (١) عَلَى خِلاَفٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قِرَانٌ) الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالإِْفْرَادِ وَالْقِرَانِ: ٤ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: الإِْفْرَادُ أَفْضَل، لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَل - وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِذَا سَاقَ الْهَدْيَ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) وَإِتْمَامُهُمَا أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ؛ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ قَارِنًا (٤) . وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ قَال سَمِعْت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا (٥) "، وَلأَِنَّ الْقَارِنَ

стр. 8224

يَجْمَعُ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ بِامْتِدَادِ إِحْرَامِهِمَا، وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ، فَيَكُونُ الثَّوَابُ فِي الْقِرَانِ أَتَمَّ وَأَكْمَل (١) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - بِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَل مِنَ الإِْفْرَادِ وَالْقِرَانِ إِذَا لَمْ يَسُقْ هَدْيًا، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ اخْتِيَارُ التَّمَتُّعِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةُ وَكَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا بِالْبَيْتِ أَنْ يُحِلُّوا وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً (٢) . فَنَقْل النَّبِيِّ إِيَّاهُمْ مِنَ الإِْفْرَادِ وَالْقِرَانِ إِلَى التَّمَتُّعِ يَدُل عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّمَتُّعِ (٣) . أَرْكَانُ التَّمَتُّعِ: ٥ - التَّمَتُّعُ جَمْعٌ بَيْنَ نُسُكَيِ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ بِإِحْرَامَيْنِ: إِحْرَامٍ مِنَ الْمِيقَاتِ لِلْعُمْرَةِ، وَإِحْرَامٍ مِنْ مَكَّةَ لِلْحَجِّ؛ وَلِذَلِكَ فَأَرْكَانُ التَّمَتُّعِ هِيَ أَرْكَانُ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لِلْعُمْرَةِ، ثُمَّ بَعْدَ الإِْحْرَامِ لِلْحَجِّ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْتْيَانُ بِأَرْكَانِ وَأَعْمَال الْحَجِّ كَالْمُفْرِدِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ) . وَهُنَاكَ شُرُوطٌ خَاصَّةٌ لِلتَّمَتُّعِ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ كَمَا يَأْتِي:

стр. 8225

شُرُوطُ التَّمَتُّعِ: أ - تَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ: ٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْل الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَيَأْتِيَ بِأَعْمَالِهَا قَبْل أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا مِنَ الْمِيقَاتِ أَوْ أَدْخَل الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْل الشُّرُوعِ فِي أَعْمَالِهِمَا يُصْبِحُ قَارِنًا. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِذَا طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ قَبْل الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ صَحَّ تَمَتُّعُهُ (١) . ب - أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ: ٧ - يُشْتَرَطُ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ تَكُونَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنِ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَل مِنْهَا قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لاَ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٢) . إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَعْطَوُا الأَْكْثَرَ حُكْمَ الْكُل فَقَالُوا: لَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يُعْتَبَرُ مُتَمَتِّعًا وَإِنْ وَقَعَ الإِْحْرَامُ وَالأَْشْوَاطُ الثَّلاَثَةُ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِعْل بَعْضِ رُكْنِ

стр. 8226

الْعُمْرَةِ وَلَوْ شَوْطًا مِنَ السَّعْيِ فِي وَقْتِ الْحَجِّ. فَمَنْ أَدَّى شَوْطًا مِنَ السَّعْيِ وَحَل مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِنْ حَل مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ (١) . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ - فَاشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الإِْحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ وَأَعْمَالِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ وَقَعَتْ أَفْعَالُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِالإِْحْرَامِ - وَهُوَ نُسُكٌ لاَ تَتِمُّ الْعُمْرَةُ إِلاَّ بِهِ - فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا كَمَا لَوْ طَافَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَتَى بِأَفْعَالِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ؛ لأَِنَّ عُمْرَتَهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَطُوفُ فِيهِ، وَاسْتِدَامَةُ الإِْحْرَامِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَائِهِ فِيهَا (٢) . ج - كَوْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ: ٨ - يُشْتَرَطُ فِي التَّمَتُّعِ أَنْ تُؤَدَّى الْعُمْرَةُ وَالْحَجُّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَحُجَّ ذَلِكَ الْعَامَ بَل حَجَّ الْعَامَ الْقَابِل فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَإِنْ بَقِيَ حَرَامًا إِلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

стр. 8227

﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُوَالاَةَ بَيْنَهُمَا؛ وَلِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَال: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَعْتَمِرُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِذَا لَمْ يَحُجُّوا مِنْ عَامِهِمْ ذَلِكَ لَمْ يُهْدُوا. وَهَذَا الشَّرْطُ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٢) . د - عَدَمُ السَّفَرِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ: ٩ - اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي بَيَانِ هَذَا الشَّرْطِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ طَوَافُ الْعُمْرَةِ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ وَالْحَجُّ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ عَادَ الْمُتَمَتِّعُ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ بَطَل تَمَتُّعُهُ؛ لأَِنَّهُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ إِلْمَامًا صَحِيحًا فَانْقَطَعَ حُكْمُ السَّفَرِ الأَْوَّل. وَلَوْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ قَبْل إِتْمَامِ الطَّوَافِ ثُمَّ عَادَ وَحَجَّ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ الطَّوَافِ فِي السَّفَرِ الأَْوَّل لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ فِي الثَّانِي كَانَ مُتَمَتِّعًا (٣) .

стр. 8228

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ عَدَمُ رُجُوعِهِ بَعْدَ عُمْرَتِهِ إِلَى بَلَدِهِ أَوْ إِلَى مِثْل بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ عَنْ مَكَّةَ، فَإِذَا رَجَعَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا وَلَوْ كَانَ بَلَدُهُ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ. وَأَمَّا إِذَا رَجَعَ إِلَى أَقَل مِنْ بَلَدِهِ ثُمَّ حَجَّ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَلَدُهُ بَعِيدًا كَتُونِسَ، فَإِنَّ هَذَا إِذَا رَجَعَ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ فِعْل عُمْرَتِهِ وَقَبْل حَجِّهِ وَعَادَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ لاَ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَعُودَ لإِِحْرَامِ الْحَجِّ إِلَى الْمِيقَاتِ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ لِلْحَجِّ لاَ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَلَمْ يَلْزَمْهُ الدَّمُ (٢) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يُسَافِرَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ سَفَرًا بَعِيدًا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلاَةُ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ (٣) . هـ - التَّحَلُّل مِنَ الْعُمْرَةِ قَبْل الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ: ١٠ - يُشْتَرَطُ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَحِل مِنَ الْعُمْرَةِ قَبْل إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، فَإِنْ أَدْخَل الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْل حِلِّهِ مِنْهَا فَيَكُونُ قَارِنًا وَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا، وَهَذَا

стр. 8229

الشَّرْطُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ هَذَا الشَّرْطَ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، أَمَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلاَ يَحِل مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ إِلَى أَنْ يُحْرِمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَوْ قَبْلَهُ لِلْحَجِّ كَمَا يُحْرِمُ أَهْل مَكَّةَ، فَإِذَا حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَل مِنَ الإِْحْرَامَيْنِ (١) . و أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: ١١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ لاَ يَجِبُ عَلَى حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلاَ تَمَتُّعَ لَهُمْ، إِذْ قَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢) . وَلأَِنَّ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِيقَاتُهُمْ مَكَّةُ فَلاَ يَحْصُل لَهُمُ التَّرَفُّهُ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ؛ وَلأَِنَّ الْمُتَمَتِّعَ مَنْ تَكُونُ عُمْرَتُهُ مِيقَاتِيَّةً وَحَجَّتُهُ مَكِّيَّةً وَلاَ كَذَلِكَ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٣) .

стр. 8230

الْمُرَادُ بِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ١٢ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَهْل الْحَرَمِ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ، (وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ) دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُرَادُ بِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَهْل مَكَّةَ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ مِنْ أَهْل دَاخِل الْمَوَاقِيتِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هُمْ مُقِيمُو مَكَّةَ وَمُقِيمُو ذِي طُوًى (١) . وَالْعِبْرَةُ بِالتَّوَطُّنِ، فَلَوِ اسْتَوْطَنَ الْمَكِّيُّ الْمَدِينَةَ مَثَلاً فَهُوَ آفَاقِيٌّ، وَبِالْعَكْسِ مَكِّيٌّ. فَإِنْ كَانَ لِلْمُتَمَتِّعِ مَسْكَنَانِ أَحَدُهُمَا بَعِيدٌ، وَالآْخَرُ قَرِيبٌ اُعْتُبِرَ فِي كَوْنِهِ مِنَ الْحَاضِرِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ كَثْرَةُ إِقَامَتِهِ بِأَحَدِهِمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) . فَإِنِ اسْتَوَتْ إِقَامَتُهُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاعْتُبِرَ الأَْهْل وَالْمَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِاعْتِبَارِ الأَْكْثَرِيَّةِ (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ كَانَ لِلْمُتَمَتِّعِ أَهْلاَنِ أَهْلٌ
следующие страницы →