← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَإِلْغَاءِ الْفَارِقِ أَنَّ إِلْغَاءَ الْفَارِقِ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ لِلْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُل الإِْلْحَاقُ بِمُجَرَّدِ الإِْلْغَاءِ، أَمَّا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ فَفِيهِ اجْتِهَادٌ فِي تَعْيِينِ الْبَاقِي مِنَ الأَْوْصَافِ لِلْعِلِّيَّةِ، قَال الْبُنَانِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: لاَ يَلْزَمُ مِنَ الْقَطْعِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ الْقَطْعُ بِعِلِّيَّةِ الْبَاقِي بَعْدَ الْفَارِقِ الْمُلْغَى؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ أَمْرًا آخَرَ وَرَاءَهُمَا ثُمَّ قَال: وَالْحَاصِل أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ: كَوْنَ الْفَارِقِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فِي الْعِلِّيَّةِ، وَكَوْنَ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ الْفَارِقِ هُوَ الْعِلَّةُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الأَْوَّل ثُبُوتُ الثَّانِي (١) . غَيْرَ أَنَّ تَعْرِيفَ الشَّوْكَانِيِّ لِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ يَكَادُ يَكُونُ هُوَ تَعْرِيفُ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَحَلِّيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، مَعَ ذِكْرِ نَفْسِ الْمِثَال، وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ. قَال الشَّوْكَانِيُّ فِي تَعْرِيفِ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ: مَعْنَى تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: إِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالأَْصْل بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، بِأَنْ يُقَال: لاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ إلاَّ كَذَا، وَذَلِكَ لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْحُكْمِ؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُوجِبِ لَهُ، كَقِيَاسِ الأَْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ، فَإِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلاَّ الذُّكُورَةَ وَهُوَ مُلْغًى بِالإِْجْمَاعِ إِذْ لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ (٢) .

стр. 8367

ب - السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ: ٣ - السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ حَصْرُ الأَْوْصَافِ الْمَوْجُودَةِ فِي الأَْصْل الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَإِبْطَال مَا لاَ يَصْلُحُ مِنْهَا لِلْعِلِّيَّةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لَهَا، كَأَنْ يَحْصُرَ أَوْصَافَ الْبُرِّ فِي قِيَاسِ الذُّرَةِ عَلَيْهِ فِي الطَّعْمِ وَغَيْرِهِ، وَيُبْطِل مَا عَدَا الطَّعْمَ بِطَرِيقِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الطَّعْمُ لِلْعِلِّيَّةِ (١) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَبَيْنَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، أَنَّ الْوَصْفَ فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِهِ فِي السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ (٢) . وَقَدْ ذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ أَنَّ الْفَخْرَ الرَّازِيَّ زَعَمَ أَنَّ مَسْلَكَ " تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ " هُوَ مَسْلَكُ " السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ " فَلاَ يَحْسُنُ عَدُّهُ نَوْعًا آخَرَ. وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ظَاهِرًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَصْرَ فِي دَلاَلَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ إِمَّا اسْتِقْلاَلاً أَوِ اعْتِبَارًا، وَفِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ لِتَعْيِينِ الْفَارِقِ وَإِبْطَالِهِ، لاَ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ (٣) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ مَسْلَكٌ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَلَكِنَّهُ دُونَ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ بَل قَال أَبُو حَنِيفَةَ:

стр. 8368

لاَ قِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَأَثْبَتَ هَذَا النَّمَطَ مِنَ التَّصَرُّفِ وَسَمَّاهُ اسْتِدْلاَلاً. يَقُول الْغَزَالِيُّ: فَمَنْ جَحَدَ هَذَا الْجِنْسَ مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ وَأَصْحَابِ الظَّاهِرِ لَمْ يَخْفَ فَسَادُ كَلاَمِهِ. وَقَدْ نَازَعَ الْعَبْدَرِيُّ الْغَزَالِيَّ بِأَنَّ الْخِلاَفَ فِيهِ ثَابِتٌ بَيْنَ مَنْ يُثْبِتُ الْقِيَاسَ وَيُنْكِرُهُ لِرُجُوعِهِ إلَى الْقِيَاسِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

стр. 8369

تَنَمُّصٌ التَّعْرِيفُ ١ - النَّمْصُ: هُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ، وَقِيل: هُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ مِنَ الْوَجْهِ. وَالنَّامِصَةُ: هِيَ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ وَجْهِهَا أَوْ مِنْ وَجْهِ غَيْرِهَا وَالْمُتَنَمِّصَةُ: هِيَ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ وَجْهِهَا، أَوْ هِيَ مَنْ تَأْمُرُ غَيْرَهَا بِفِعْل ذَلِكَ. وَالْمِنْمَاصُ: الْمِنْقَاشُ، الَّذِي يُسْتَخْرَجُ بِهِ الشَّوْكُ وَتَنَمَّصَتِ الْمَرْأَةُ: أَخَذَتْ شَعْرَ جَبِينِهَا بِخَيْطٍ لِتَنْتِفَهُ. وَانْتَمَصَتْ: أَمَرَتِ النَّامِصَةَ أَنْ تَنْتِفَ شَعْرَ وَجْهِهَا، وَنَتَفَتْ هِيَ شَعْرَ وَجْهِهَا. وَالنَّمْصُ: رِقَّةُ الشَّعْرِ وَدِقَّتُهُ، حَتَّى تَرَاهُ كَالزَّغَبِ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلْكَلِمَةِ عَنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، إلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَيَّدَ النَّمْصَ

стр. 8370

بِتَرْقِيقِ الْحَوَاجِبِ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحَفُّ: ٢ - مِنْ مَعَانِي الْحَفِّ الإِْزَالَةُ يُقَال: حَفَّ اللِّحْيَةَ يَحُفُّهَا حَفًّا: إِذَا أَخَذَ مِنْهَا وَيُقَال: حَفَّتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا حَفًّا وَحِفَافًا: أَيْ أَزَالَتْ عَنْهُ الشَّعْرَ بِالْمُوسَى وَقَشَّرَتْهُ (٢) . فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَفِّ وَالتَّنَمُّصِ أَنَّ الْحَفَّ بِالْمُوسَى. ب - الْحَلْقُ: ٣ - الْحَلْقُ هُوَ اسْتِئْصَال الشَّعْرِ بِالْمُوسَى وَنَحْوِهَا، قَال تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ (٣) ﴾ وَيُطْلَقُ - أَيْضًا - عَلَى قَطْعِ الشَّعْرِ، وَالأَْخْذِ مِنْهُ (٤) .

стр. 8371

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نَتْفَ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ دَاخِلٌ فِي نَمْصِ الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ النَّامِصَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ (١) . " وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَفِّ وَالْحَلْقِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الْحَفَّ فِي مَعْنَى النَّتْفِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى جَوَازِ الْحَفِّ وَالْحَلْقِ، وَأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ النَّتْفُ فَقَطْ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ نَتْفَ مَا عَدَا الْحَاجِبَيْنِ مِنْ شَعْرِ الْوَجْهِ دَاخِلٌ أَيْضًا فِي النَّمْصِ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَأَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ، وَبَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ الأُْخْرَى إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّنَمُّصِ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُرْمَةِ، وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ عَامًّا، وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلَى عُمُومِ النَّهْيِ، وَأَنَّ التَّنَمُّصَ حَرَامٌ عَلَى كُل حَالٍ (٢) .

стр. 8372

وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّنَمُّصُ لِغَيْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ لِغَيْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ فِعْل ذَلِكَ إِذَا اُحْتِيجَ إِلَيْهِ لِعِلاَجٍ أَوْ عَيْبٍ، بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ تَدْلِيسٌ عَلَى الآْخَرِينَ. قَال الْعَدَوِيُّ: وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَنْهِيَّةِ عَنِ اسْتِعْمَال مَا هُوَ زِينَةٌ لَهَا، كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمَفْقُودِ زَوْجُهَا. أَمَّا الْمَرْأَةُ الْمُتَزَوِّجَةُ فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا التَّنَمُّصُ، إِذَا كَانَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ، أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ، وَالزِّينَةُ مَطْلُوبَةٌ لِلتَّحْصِينِ، وَالْمَرْأَةُ مَأْمُورَةٌ بِهَا شَرْعًا لِزَوْجِهَا. وَدَلِيلُهُمْ مَا رَوَتْهُ بَكْرَةُ بِنْتُ عُقْبَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الْحِفَافِ، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ لَك زَوْجٌ فَاسْتَطَعْتِ أَنْ تَنْتَزِعِي مُقْلَتَيْك فَتَصْنَعِيهِمَا أَحْسَن مِمَّا هُمَا فَافْعَلِي (١) .

стр. 8373

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّنَمُّصِ - وَهُوَ النَّتْفُ - وَلَوْ كَانَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ، وَإِلَى جَوَازِ الْحَفِّ وَالْحَلْقِ. وَخَالَفَهُمْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَأَبَاحَهُ، وَحَمَل النَّهْيَ عَلَى التَّدْلِيسِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ شِعَارَ الْفَاجِرَاتِ (١) . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ إِذَا نَبَتَتْ لَهَا لِحْيَةٌ أَوْ شَوَارِبُ أَوْ عَنْفَقَةٌ أَنْ تُزِيلَهَا، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ. وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَيْهَا - فِي الْمُعْتَمَدِ - أَنْ تُزِيلَهَا؛ لأَِنَّ فِيهَا مُثْلَةٌ. أَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ (٢) . ٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُزِيل شَعْرَ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَظَهْرِهَا وَبَطْنهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ فِي تَرْكِ هَذَا الشَّعْرِ مُثْلَةً. يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل التَّنَمُّصُ، وَيُكْرَهُ لَهُ حَفُّ

стр. 8374

حَاجِبِهِ أَوْ حَلْقُهُ، وَيَجُوزُ لَهُ الأَْخْذُ مِنْهُ مَا لَمْ يُشْبِهِ الْمُخَنَّثِينَ (١) . تَنْمِيَةٌ اُنْظُرْ: إنْمَاءٌ.

стр. 8375

تَنَوُّرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي التَّنَوُّرُ لُغَةً: الطِّلاَءُ بِالنُّورَةِ (١) ، يُقَال: تَنَوَّرَ: تَطَلَّى بِالنُّورَةِ لِيُزِيل الشَّعْرَ (٢) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الاِسْتِحْدَادُ: ٢ - الاِسْتِحْدَادُ حَلْقُ الْعَانَةِ، سُمِّيَ اسْتِحْدَادًا لاِسْتِعْمَال الْحَدِيدَةِ وَهِيَ الْمُوسَى، وَفِي حُكْمِ الْحَلْقِ الْقَصُّ وَالنَّتْفُ وَالنُّورَةُ (٣) . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الاِسْتِحْدَادُ أَعَمَّ مِنَ التَّنَوُّرِ؛ لأَِنَّهُ كَمَا يَكُونُ بِالتَّنَوُّرِ يَكُونُ بِغَيْرِهِ مِنْ حَلْقٍ وَقَصٍّ وَنَتْفٍ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٣ - إزَالَةُ شَعْرِ الْعَانَةِ وَالإِْبْطِ مِنْ خِصَال الْفِطْرَةِ

стр. 8376

الَّتِي وَرَدَ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وَالإِْزَالَةُ تَكُونُ بِأُمُورٍ مِنْهَا: التَّنَوُّرُ. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَالإِْبْطِ بِالتَّنَوُّرِ، لِمَا رَوَاهُ الْخَلاَّل بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ قَال: كُنْت أَطْلِي ابْنَ عُمَرَ فَإِذَا بَلَغَ عَانَتَهُ نَوَّرَهَا هُوَ بِيَدِهِ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١) وَلأَِنَّ أَصْل السُّنَّةِ يَتَأَدَّى بِالإِْزَالَةِ بِكُل مُزِيلٍ (٢) . الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ التَّنَوُّرِ وَالْحَلْقِ وَالنَّتْفِ: ٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَل لإِِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ فِي حَقِّ الرَّجُل لِمُوَافَقَتِهِ خَبَرَ عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَْظْفَارِ، وَغَسْل الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِْبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ (٣) .

стр. 8377

قَال أَبُو شَامَةَ: يَقُومُ التَّنَوُّرُ مَكَانَ الْحَلْقِ وَكَذَلِكَ النَّتْفُ وَالْقَصُّ (١) . أَمَّا الْمَرْأَةُ فَالأَْوْلَى فِي حَقِّهَا النَّتْفُ. وَبِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. وَيَرَى جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ تَرْجِيحَ الْحَلْقِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ بَأْسَ بِالإِْزَالَةِ بِأَيِّ شَيْءٍ وَالْحَلْقُ أَفْضَل. أَمَّا إزَالَةُ شَعْرِ الإِْبْطَيْنِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ النَّتْفِ فِيهِ لِمُوَافَقَتِهِ الْخَبَرَ، فَغَيْرُهُ مِنَ الْحَلْقِ وَالتَّنَوُّرِ خِلاَفُ الأَْوْلَى (٢) . وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل تَحْتَ عِنْوَانِ: (اسْتِحْدَادٌ) .

стр. 8378

تَهَاتُرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّهَاتُرُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْهِتْرِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْكَذِبُ وَالسَّقْطُ مِنَ الْكَلاَمِ وَالْخَطَأُ فِيهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّهَادَاتِ الَّتِي يُكَذِّبُ بَعْضُهَا بَعْضًا يُقَال: تَهَاتَرَتِ الْبَيِّنَتَانِ أَيْ: تَعَارَضَتَا وَتَسَاقَطَتَا. وَتَهَاتَرَ الرَّجُلاَنِ إذَا ادَّعَى كُل وَاحِدٍ عَلَى الآْخَرِ بَاطِلاً (١) . وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. تَهَاتُرُ الْبَيِّنَتَيْنِ: ٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَلَمْ يُمْكِنِ الْعَمَل بِهِمَا مَعًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُرَجِّحُ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى، فَإِنَّهُمَا تَتَهَاتَرَانِ كَالْخَبَرَيْنِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الصُّوَرِ الَّتِي يُمْكِنُ الْعَمَل بِهِمَا مَعًا، وَفِي الصُّوَرِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ الْعَمَل بِهِمَا فَتَتَهَاتَرُ الْبَيِّنَتَانِ فِيهَا.

стр. 8379

فَإِذَا ادَّعَى - مَثَلاً - اثْنَانِ عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، وَلاَ مُرَجِّحَ لإِِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى، فَإِنَّهُمَا تَتَهَاتَرَانِ فِي أَصَحِّ الأَْقْوَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِحْدَى رِوَايَتَيْنِ لِلْحَنَابِلَةِ وَقَالُوا: لأَِنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ كَاذِبَةٌ بِيَقِينٍ لاِسْتِحَالَةِ الْمِلْكَيْنِ فِي الْكُل، وَلأَِنَّهُمَا حُجَّتَانِ تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لإِِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَتَسَاقَطَتَا كَالْخَبَرَيْنِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُعْمَل بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بِالتَّسَاوِي، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي نَاقَةٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَقَضَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (٢) ، قَالُوا: وَلأَِنَّ الْمُطْلِقَ لِلشَّهَادَةِ فِي مَا مَعَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَمِلٌ الْوُجُودَ، بِأَنْ تَعْتَمِدَ إحْدَاهُمَا سَبَبَ الْمِلْكِ وَالأُْخْرَى الْيَدَ فَصَحَّتِ الشَّهَادَتَانِ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِهِمَا مَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِالتَّنْصِيفِ، لاِسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ. وَمَدَارُ الْعَمَل بِالشَّهَادَتَيْنِ صِحَّتُهُمَا لاَ صِدْقُهُمَا فَإِنَّهُ مِمَّا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْعِبَادُ.

стр. 8380

أَمَّا بَاقِي حَالاَتِ التَّهَاتُرِ، وَمَا يُعْتَبَرُ مُرَجِّحًا لإِِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ وَآرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ فَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهِ إلَى مُصْطَلَحِ: (تَعَارُضٌ) . تَهَايُؤٌ اُنْظُرْ: مُهَايَأَةٌ.

стр. 8381

تَهَجُّدٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّهَجُّدُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْهُجُودِ وَيُطْلَقُ عَلَى النَّوْمِ وَالسَّهَرِ. يُقَال هَجَدَ: نَامَ بِاللَّيْل فَهُوَ هَاجِدٌ وَالْجَمْعُ هُجُودٌ مِثْل: رَاقِدٍ وَرُقُودٌ وَقَاعِدٌ وَقُعُودٌ. وَهَجَدَ. صَلَّى بِاللَّيْل، وَيُقَال: تَهَجَّدَ: إذَا نَامَ. وَتَهَجَّدَ: إذَا صَلَّى فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ (١) . وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ: قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْمَعْرُوفُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ أَنَّ الْهَاجِدَ هُوَ النَّائِمُ. هَجَدَ هُجُودًا إذَا نَامَ. وَأَمَّا الْمُتَهَجِّدُ فَهُوَ الْقَائِمُ إلَى الصَّلاَةِ مِنَ النَّوْمِ. وَكَأَنَّهُ قِيل لَهُ مُتَهَجِّدٌ لإِِلْقَائِهِ الْهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ (٢) . وَقَدْ فَسَّرَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَمُجَاهِدٌ ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْل (٣) ﴾ بِالْقِيَامِ لِلصَّلاَةِ بَعْدَ النَّوْمِ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِلتَّهَجُّدِ (٤) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْل

стр. 8382

بَعْدَ النَّوْمِ (١) ، وَقَال أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي مَعْنَى التَّهَجُّدِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ (الأَْوَّل) أَنَّهُ النَّوْمُ ثُمَّ الصَّلاَةُ ثُمَّ النَّوْمُ ثُمَّ الصَّلاَةُ، (الثَّانِي) أَنَّهُ الصَّلاَةُ بَعْدَ النَّوْمِ، (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ. ثُمَّ قَال عَنِ الأَْوَّل: إنَّهُ مِنْ فَهْمِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ عَوَّلُوا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنَامُ وَيُصَلِّي، وَيَنَامُ وَيُصَلِّي (٢) . وَالأَْرْجَحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الرَّأْيُ الثَّانِي (٣) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - قِيَامُ اللَّيْل: ٢ - الأَْصْل فِي قِيَامِ اللَّيْل أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الاِشْتِغَال فِيهِ بِالصَّلاَةِ دُونَ غَيْرِهَا. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الاِشْتِغَال بِمُطْلَقِ الطَّاعَةِ مِنْ تِلاَوَةٍ وَتَسْبِيحٍ وَنَحْوِهِمَا. وَقِيَامُ اللَّيْل قَدْ يَسْبِقُهُ نَوْمٌ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَقَدْ لاَ يَسْبِقُهُ أَمَّا التَّهَجُّدُ فَلاَ يَكُونُ إلاَّ بَعْدَ نَوْمٍ

стр. 8383

ب - إحْيَاءُ اللَّيْل: ٣ - الْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ اللَّيْل قَضَاؤُهُ أَوْ أَكْثَرَهُ بِالْعِبَادَةِ كَالصَّلاَةِ، وَالذِّكْرِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، فَالإِْحْيَاءُ أَخَصُّ لِشُمُولِهِ اللَّيْل كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ، وَالتَّهَجُّدُ أَخَصُّ لِكَوْنِهِ بِالصَّلاَةِ دُونَ غَيْرِهَا. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (إحْيَاءُ اللَّيْل) . حُكْمُهُ: ٤ - التَّهَجُّدُ مَسْنُونٌ فِي حَقِّ الأُْمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك (١) ﴾ . أَيْ فَرِيضَةً زَائِدَةً عَلَى الْفَرِيضَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى التَّهَجُّدِ؛ وَلِمَا وَرَدَ فِي شَأْنِهِ مِنَ الأَْحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى سُنِّيَّتِهِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : عَلَيْكُمْ بِصَلاَةِ اللَّيْل، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إلَى رَبِّكُمْ، وَمُكَفِّرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِْثْمِ (٢) . وَقَوْلُهُ ﵊: أَفْضَل الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْل (٣) وَالْمُرَادُ بِهَا التَّهَجُّدُ.

стр. 8384

وَأَمَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهِ أَوْ نَفْلِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ (١) : يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (اخْتِصَاصٌ) . وَقْتُهُ: ٥ - أَفْضَل أَوْقَاتِ التَّهَجُّدِ جَوْفُ اللَّيْل الآْخَرِ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ قَال: قُلْت: يَا رَسُول اللَّهِ: أَيُّ اللَّيْل أَسْمَعُ؟ قَال: جَوْفُ اللَّيْل الآْخَرِ فَصَل مَا شِئْت (٢) فَلَوْ جَعَل اللَّيْل نِصْفَيْنِ أَحَدَهُمَا لِلنَّوْمِ وَالآْخَرَ لِلْقِيَامِ فَالأَْخِيرُ أَفْضَل؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: يَنْزِل رَبُّنَا ﵎ كُل لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل الأَْخِيرِ فَيَقُول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 8385

قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ أَثْلاَثًا فَيَقُومَ ثُلُثَهُ وَيَنَامَ ثُلُثَيْهِ، فَالثُّلُثُ الأَْوْسَطُ أَفْضَل مِنْ طَرَفَيْهِ، لأَِنَّ الْغَفْلَةَ فِيهِ أَتَمُّ، وَالْعِبَادَةُ فِيهِ أَفْضَل وَالْمُصَلِّينَ فِيهِ أَقَل؛ وَلِهَذَا قَال النَّبِيُّ ﷺ ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ مِثْل الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ (١) وَالأَْفْضَل مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ مِنَ اللَّيْل؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَحَبُّ الصَّلاَةِ إلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُد ﵇ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْل وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ (٢) . وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَأَفْضَلُهُ عِنْدَهُمْ ثُلُثُهُ الأَْخِيرُ لِمَنْ تَكُونُ عَادَتُهُ الاِنْتِبَاهَ آخِرَ اللَّيْل، أَمَّا مَنْ كَانَ غَالِبُ حَالِهِ أَنْ لاَ يَنْتَبِهَ آخِرَهُ بِأَنْ كَانَ غَالِبُ أَحْوَالِهِ النَّوْمَ إلَى الصُّبْحِ، فَالأَْفْضَل أَنْ يَجْعَلَهُ أَوَّل اللَّيْل احْتِيَاطًا (٣) .

стр. 8386

عَدَدُ رَكَعَاتِهِ: ٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْل فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (١) . وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْثَرِهَا فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مُنْتَهَى رَكَعَاتِهِ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ (٢) قَال ابْنُ الْهُمَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَقَلّ تَهَجُّدِهِ ﷺ كَانَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ مُنْتَهَاهُ كَانَ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ وَسَتَأْتِي الرِّوَايَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: أَكْثَرُهُ عَشْرُ رَكَعَاتٍ أَوِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً (٣) فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْل إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ (٤) وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ (٥) . يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (اخْتِصَاصٌ) .

стр. 8387

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ حَصْرَ لِعَدَدِ رَكَعَاتِهِ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ (١) . لِخَبَرِ: الصَّلاَةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ مَنْ شَاءَ أَقَلّ وَمَنْ شَاءَ أَكْثَر (٢) . رَكَعَاتُ تَهَجُّدِهِ ﷺ : ٧ - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: اُخْتُلِفَ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ تَهَجُّدِهِ ﷺ فَرُوِيَ أَنَّهُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْل ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (٣) . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا. وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ: كَانَتْ صَلاَتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ بِاللَّيْل ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَفِي لَفْظٍ: مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. وَفِي لَفْظٍ كَانَ يُصَلِّي ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. وَفِي لَفْظٍ كَانَ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ إحْدَى

стр. 8388

عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ (١) . تَرْكُ التَّهَجُّدِ لِمُعْتَادِهِ: ٨ - يُكْرَهُ لِمَنِ اعْتَادَ التَّهَجُّدَ أَنْ يَتْرُكَهُ بِلاَ عُذْرٍ لِقَوْلِهِ ﷺ لاِبْنِ عَمْرٍو يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَكُنْ مِثْل فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْل فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْل (٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ ﷺ أَحَبُّ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَل (٣) وَقَوْل عَائِشَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاَةً دَاوَمَ عَلَيْهَا (٤) هَذَا وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ وَمَا عَدَاهُ مِمَّا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ مِنْ صِفَةِ صَلاَتِهِ وَمَا يَقُولُهُ الْمُتَهَجِّدُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل يَتَهَجَّدُ وَمَا يَقْرَأُ فِي تَهَجُّدِهِ، وَإِسْرَارِهِ بِالْقِرَاءَةِ وَجَهْرِهِ بِهَا، وَهَل تَهَجُّدُهُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَل مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوِ الْعَكْسُ، وَإِيقَاظِهِ مَنْ يُطْمَعُ فِي تَهَجُّدِهِ إذَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا، وَهَل إطَالَةُ الْقِيَامِ

стр. 8389

أَفْضَل مِنْ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ أَوِ الْعَكْسُ (١) ، تَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي بَحْثَيْ: (قِيَامِ اللَّيْل، وَإِحْيَاءِ اللَّيْل) .

стр. 8390

تُهْمَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التُّهْمَةُ بِسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَأَصْل التَّاءِ فِيهَا الْوَاوُ وَلأَِنَّهَا مِنَ الْوَهْمِ. يُقَال اُتُّهِمَ الرَّجُل أَيْ: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ. وَأَتْهَمْتُهُ ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا، وَاتَّهَمْتُهُ بِالتَّثْقِيل مِثْلُهُ (١) وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. تَقْسِيمُ التُّهْمَةِ: ٢ - قَسَّمَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ التُّهَمَ مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةُ وَالضَّعْفُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ فَقَال: التُّهَمُ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا تُهْمَةٌ قَوِيَّةٌ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ لِنَفْسِهِ، وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ لِنَفْسِهِ، فَهَذِهِ تُهْمَةٌ مُوجِبَةٌ لِرَدِّ الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ، لأَِنَّ قُوَّةَ الدَّاعِي الطَّبْعِيِّ قَادِحَةٌ فِي الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْوَازِعِ الشَّرْعِيِّ قَدْحًا ظَاهِرًا لاَ يَبْقَى مَعَهُ إِلاَّ ظَنٌّ

стр. 8391

ضَعِيفٌ لاَ يَصْلُحُ لِلاِعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَلاَ لاِسْتِنَادِ الْحُكْمِ إلَيْهِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: تُهْمَةٌ ضَعِيفَةٌ كَشَهَادَةِ الأَْخِ لأَِخِيهِ، وَالصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ، وَالرَّفِيقِ لِرَفِيقِهِ، فَلاَ أَثَرَ لِهَذِهِ التُّهْمَةِ، وَقَدْ خَالَفَ مَالِكٌ ﵀ فِي الصَّدِيقِ الْمُلاَطِفِ، وَلاَ تَصْلُحُ تُهْمَةُ الصَّدَاقَةِ لِلْقَدْحِ فِي الْوَازِعِ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ الاِتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لاَ تُرَدُّ بِكُل تُهْمَةٍ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: تُهْمَةٌ مُخْتَلَفٌ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ بِهَا وَلَهَا رُتَبٌ: أَحَدُهَا: تُهْمَةٌ قَوِيَّةٌ وَهِيَ تُهْمَةُ شَهَادَةِ الْوَالِدِ لأَِوْلاَدِهِ وَأَحْفَادِهِ، أَوْ لآِبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ، فَالأَْصَحُّ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلرَّدِّ لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رِوَايَاتٌ: ثَالِثُهَا: رَدُّ شَهَادَةِ الأَْبِ وَقَبُول شَهَادَةِ الاِبْنِ؛ لِقُوَّةِ تُهْمَةِ الأَْبِ لِفَرْطِ شَفَقَتِهِ وَحُنُوِّهِ عَلَى الْوَلَدِ. الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ: تُهْمَةُ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ وَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلرَّدِّ لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ وَخَالَفَ فِيهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ: تُهْمَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إِذَا شَهِدَ لِلآْخَرِ وَفِيهَا أَقْوَالٌ: ثَالِثُهَا رَدُّ شَهَادَةِ الزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ لأَِنَّ تُهْمَتَهَا أَقْوَى مِنْ تُهْمَةِ الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ لِكِسْوَتِهَا وَنَفَقَتِهَا وَسَائِرِ حُقُوقِهَا. الرُّتْبَةُ الرَّابِعَةُ: تُهْمَةُ الْقَاضِي إِذَا حَكَمَ

стр. 8392

بِعِلْمِهِ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهَا لاَ تُوجِبُ الرَّدَّ إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ ظَاهِرَ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ. الرُّتْبَةُ الْخَامِسَةُ: تُهْمَةُ الْحَاكِمِ فِي إِقْرَارِهِ بِالْحُكْمِ، وَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلرَّدِّ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀، لأَِنَّ مَنْ مَلَكَ الإِْنْشَاءَ مَلَكَ الإِْقْرَارَ، وَالْحَاكِمُ مَالِكٌ لإِِنْشَاءِ الْحُكْمِ فَمَلَكَ الإِْقْرَارَ بِهِ. وَقَوْل مَالِكٍ ﵀ مُتَّجَهٌ إِذَا مَنَعْنَا الْحُكْمَ بِالْعِلْمِ. الرُّتْبَةُ السَّادِسَةُ: تُهْمَةُ حُكْمِ الْحَاكِمِ مَانِعَةٌ مِنْ نُفُوذِ حُكْمِهِ لأَِوْلاَدِهِ وَأَحْفَادِهِ وَعَلَى أَعْدَائِهِ وَأَضْدَادِهِ. قَال: وَإِنَّمَا رُدَّتِ الشَّهَادَةُ بِالتُّهَمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُضْعِفَةٌ لِلظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَمُوجِبَةٌ لاِنْحِطَاطِهِ عَنِ الظَّنِّ الَّذِي لاَ يُعَارِضُهُ تُهْمَةٌ، وَبِأَنَّ دَاعِيَ الطَّبْعِ أَقْوَى مِنْ دَاعِي الشَّرْعِ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ رَدُّ شَهَادَةِ أَعْدَل النَّاسِ لِنَفْسِهِ، وَرَدُّ حُكْمِ أَقْسَطِ النَّاسِ لِنَفْسِهِ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: اللَّوْثُ: ٣ - يُطْلَقُ اللَّوْثُ عَلَى الْبَيِّنَةِ الضَّعِيفَةِ غَيْرِ الْكَامِلَةِ، وَعَلَى الْجِرَاحَاتِ وَالْمُطَالَبَاتِ بِالأَْحْقَادِ لِشِبْهِ الدَّلاَلَةِ، وَلاَ تَكُونُ بَيِّنَةً تَامَّةً (٢) وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ قَرِينَةٌ تُثِيرُ الظَّنَّ، وَتُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقَ الْمُدَّعِي (٣) .

стр. 8393

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - تَحْرُمُ التُّهْمَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَمَارَةٌ صَحِيحَةٌ، أَوْ سَبَبٌ ظَاهِرٌ كَاتِّهَامِ مَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَسُوءِ الظَّنِّ بِهِمْ. أَمَّا مَنِ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ بِتَعَاطِي الرِّيَبِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِالْخَبَائِثِ، فَلاَ يَحْرُمُ اتِّهَامُهُ فِي الْجُمْلَةِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ (١) ﴾ . وَفِي الآْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ جَمِيعَ الظَّنِّ (٢) . وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ بِالتُّهْمَةِ وَالظَّنِّ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ التُّهْمَةَ لَهَا بَعْضُ الآْثَارِ فِي الْمُتَّهَمِ. التُّهْمَةُ فِي الشَّهَادَةِ: ٥ - أَصْل رَدِّ الشَّهَادَةِ، وَمَبْنَاهُ التُّهْمَةُ: وَالشَّهَادَةُ خَبَرٌ يَحْتَمِل الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَحُجَّتُهُ بِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ، فَإِذَا شَابَتِ الْحُجَّةَ شَائِبَةُ التُّهْمَةِ ضَعُفَتْ، وَلَمْ تَصْلُحْ لِلتَّرْجِيحِ (٣) . وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ مُتَّهَمٍ (٤) .

стр. 8394

أَسْبَابُ تُهْمَةِ الشَّاهِدِ ٦ - مِنْ أَسْبَابِ تُهْمَةِ الشَّاهِدِ: مَا يَرْجِعُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الشَّاهِدِ كَالْفِسْقِ إِذَا ثَبَتَ؛ لأَِنَّ مَنْ لاَ يَنْزَجِرُ عَنْ غَيْرِ الْكَذِبِ مِنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ فَلاَ يُؤْمَنُ أَلاَّ يَنْزَجِرَ عَنِ الْكَذِبِ فِي الشَّهَادَةِ، فَلاَ تَحْصُل بِشَهَادَتِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ (١) . وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إلَى (فِسْقٌ) . وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى فِي الْمَشْهُودِ لَهُ: كَالإِْيثَارِ لِلْقَرَابَةِ. وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى خَلَلٍ فِي التَّمْيِيزِ وَإِدْرَاكِ الأُْمُورِ عَلَى حَقِيقَتِهَا: كَالْغَفْلَةِ وَالْعَمَى، وَالصِّبَا وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) . هَذَا وَلَمْ نَقِفْ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ بِتُهْمَةِ الْكَذِبِ. ٧ - وَلَمْ يَخْتَلِفْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ كُل مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي مَوْضُوعِ الشَّهَادَةِ بِتُهْمَةِ جَرِّ النَّفْعِ لِنَفْسِهِ أَوْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا، كَالشَّرِيكِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ عَلَى عَمَلٍ قَامَ بِهِ هُوَ كَمَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ يَتَحَمَّلُونَهُ، وَشَهَادَةُ الْغُرَمَاءِ بِفِسْقِ شُهُودِ دَيْنٍ آخَرَ وَذَلِكَ بِتُهْمَةِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ (٣) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٌ) .

стр. 8395

رَدُّ الشَّهَادَةِ بِتُهْمَةِ الإِْيثَارِ وَالْمَحَبَّةِ: ٨ - مِمَّا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَأْثِيرِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فِي إِسْقَاطِ الشَّهَادَةِ: تُهْمَةُ الْمَحَبَّةِ وَالإِْيثَارِ، فَتُرَدُّ شَهَادَةُ الأَْصْل لِفَرْعِهِ وَإِنْ سَفَل، وَشَهَادَةِ الْفَرْعِ لِلأَْصْل عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ وَإِنْ عَلاَ الأَْصْل لِتُهْمَةِ إِيثَارِ الْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ مُتَّصِلَةٌ؛ وَلِهَذَا مَنَعُوا أَدَاءَ زَكَاةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، فَتَكُونُ شَهَادَةً لِلنَّفْسِ وَتَتَمَكَّنُ فِيهِ التُّهْمَةُ (١) . وَلِحَدِيثِ: لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ ظَنِينٍ فِي وَلاَءٍ وَلاَ قَرَابَةٍ (٢) . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ تَأْثِيرِ تُهْمَةِ الإِْيثَارِ عَلَى شَهَادَةِ الأَْخِ لأَِخِيهِ، بِتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: شَهَادَةٌ. (٣) وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ تُهْمَةِ الْمَحَبَّةِ وَالإِْيثَارِ فِي شَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى رَدِّ شَهَادَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ

стр. 8396

لِلآْخَرِ وَقَالُوا: لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الآْخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ وَتَتَبَسَّطُ الزَّوْجَةُ فِي مَال الزَّوْجِ، وَتَزِيدُ نَفَقَتُهَا بِغِنَاهُ فَلَمْ تُقْبَل شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلآْخَرِ بِتُهْمَةِ جَرِّ النَّفْعِ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَل شَهَادَةُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ؛ لأَِنَّ الأَْمْلاَكَ بَيْنَهُمَا مُتَمَيِّزَةٌ وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا، وَلاَ اعْتِبَارَ بِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ لِثُبُوتِهِ ضِمْنًا فَلاَ تُهْمَةَ (٢) . رَدُّ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ: ٩ - تُرَدُّ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لِتُهْمَةِ قَصْدِ الإِْضْرَارِ وَالتَّشَفِّي إِذَا كَانَتِ الْعَدَاوَةُ دُنْيَوِيَّةً عِنْدَ الأَْكْثَرِ؛ لأَِنَّ الْعَدُوَّ قَدْ يَجُرُّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ، وَهُوَ التَّشَفِّي مِنَ الْعَدُوِّ فَيَصِيرُ مُتَّهَمًا كَشَهَادَةِ الْقَرِيبِ لِقَرِيبِهِ. أَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ فَلاَ تَمْنَعُ قَبُول الشَّهَادَةِ اتِّفَاقًا (٣) . رَدُّ الشَّهَادَةِ بِالْغَفْلَةِ وَالْغَلَطِ: ١٠ - وَمِمَّا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ: الْغَفْلَةُ وَكَثْرَةُ الْغَلَطِ. فَتُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُغَفَّل وَكُل مَنْ يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَعَدَمِ الضَّبْطِ، كَمَا تُرَدُّ رِوَايَتُهُ؛ لِقِيَامِ

стр. 8397

احْتِمَال الْغَلَطِ، وَعَدَمِ الضَّبْطِ فَيَكُونُ مُتَّهَمًا فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا (١) . حُكْمُ الْقَاضِي لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ: ١١ - لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ فِيمَا لاَ يُقْبَل فِيهِ شَهَادَتُهُ فَلاَ يَقْضِي لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَقْضِي لأَِحَدٍ مِنْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَإِنْ نَزَلُوا أَوْ عَلَوْا، وَلاَ لِشَرِيكِهِ فِيمَا لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ، وَلِوَكِيلِهِ فِيمَا هُوَ مُوَكَّلٌ فِيهِ، فَإِنْ فَعَل لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَذَلِكَ لِمَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وَلِلتَّفْصِيل وَاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ) . حِرْمَانُ الْوَارِثِ مِنَ الْمِيرَاثِ بِالتُّهْمَةِ: ١٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حِرْمَانِ الْقَاتِل عَمْدًا عُدْوَانًا مِنَ الْمِيرَاثِ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِ الْقَاتِل خَطَأً أَوِ الْقَاتِل بِحَقٍّ. فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى حِرْمَانِهِمَا، وَذَلِكَ لِتُهْمَةِ اسْتِعْجَال الإِْرْثِ قَبْل أَوَانِهِ. وَالتَّفْصِيل: فِي مُصْطَلَحِ: (إرْثٌ) . عَدَمُ وُقُوعِ طَلاَقِ الْمُطَلِّقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ: ١٣ - لاَ يَقَعُ طَلاَقُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ عِنْدَ فَرِيقٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ لِتُهْمَةِ قَصْدِ إِضْرَارِ الزَّوْجَةِ بِحِرْمَانِهَا الْمِيرَاثَ. وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ: (طَلاَقٌ) .

стр. 8398

التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ: ١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَوِ الْوَالِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ، إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِل نِصَابُ الْحُجَّةِ. أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا. وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَل يُعَزَّرُ مُتَّهِمُهُ. وَإِنْ كَانَ مَجْهُول الْحَال فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ. إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ. وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ، وَعَلَيْهِ الْعَمَل. قَال ابْنُ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةَ: إِذَا كَانَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْل وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُول فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى. قَال شَيْخُنَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأَْئِمَّةِ أَيْ: أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَقُول: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَل بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأَِحَدٍ مِنَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأَْئِمَّةِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ وَعُمُومِهِ هُوَ الشَّرْعُ، فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا مُخَالِفًا لِنُصُوصِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلإِِجْمَاعِ الأُْمَّةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَكْفِي لِقِيَامِ التُّهْمَةِ إِنْ كَانَ مَجْهُول الْحَال، شَهَادَةُ مَسْتُورَيْنِ أَوْ عَدْلٍ وَاحِدٍ.

стр. 8399

أَمَّا إِذَا كَانَ مَشْهُورًا بِالْفَسَادِ فَيَكْفِي فِيهِ عِلْمُ الْقَاضِي (١) . التَّحْلِيفُ لِلتُّهْمَةِ: ١٥ - يَحْلِفُ الْمُودَعُ، وَالْوَكِيل، وَالْمُضَارِبُ، وَكُل مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ، إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ، كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ. وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى الأَْبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ.

стр. 8400

تَهْنِئَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّهْنِئَةُ فِي اللُّغَةِ خِلاَفُ التَّعْزِيَةِ، يُقَال: هَنَّأَهُ بِالأَْمْرِ وَالْوِلاَيَةِ تَهْنِئَةً وَتَهْنِيئًا إِذَا قَال لَهُ: لِيَهْنِئَك وَلِيَهْنِيكَ، أَوْ هَنِيئًا، وَيُقَال: هَنَّأَهُ تَهْنِئَةً وَتَهْنِيًا. وَالْهَنِيءُ وَالْمَهْنَأُ: مَا أَتَاك بِلاَ مَشَقَّةٍ وَلاَ تَنْغِيصٍ وَلاَ كَدَرٍ. وَالْهَنِيءُ مِنَ الطَّعَامِ: السَّائِغُ، وَاسْتَهْنَأْتُ الطَّعَامَ اسْتَمْرَأْتُهُ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: لاَ تَخْرُجُ التَّهْنِئَةُ - فِي الْجُمْلَةِ - عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، لَكِنَّهَا فِي مَوَاطِنِهَا قَدْ تَكُونُ لَهَا مَعَانٍ أَخَصُّ كَ التَّبْرِيكِ ، وَالتَّبْشِيرِ، وَالتَّرْفِئَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَرِدُ ذِكْرُهُ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّبْرِيكُ: ٢ - التَّبْرِيكُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ بَرَّكَ، يُقَال: بَرَّكْتُ عَلَيْهِ تَبْرِيكًا أَيْ قُلْت لَهُ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْك، وَبَارَكَ اللَّهُ الشَّيْءَ وَبَارَكَ فِيهِ وَعَلَيْهِ: وَضَعَ فِيهِ

стр. 8401

الْبَرَكَةَ، وَيَكُونُ مَعْنَى التَّبْرِيكِ عَلَى هَذَا: الدُّعَاءَ لِلإِْنْسَانِ أَوْ غَيْرِهِ بِالْبَرَكَةِ، وَهِيَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ وَالسَّعَادَةُ (١) . وَالتَّبْرِيكُ فِي الاِصْطِلاَحِ: الدُّعَاءُ بِالْبَرَكَةِ وَهِيَ الْخَيْرُ الإِْلَهِيُّ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْ حَيْثُ لاَ يُحِسُّ، وَعَلَى وَجْهٍ لاَ يُحْصَى وَلاَ يُحْصَرُ، وَلِذَا قِيل لِكُل مَا يُشَاهَدُ مِنْهُ زِيَادَةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ: هُوَ مُبَارَكٌ، وَفِيهِ بَرَكَةٌ، وَإِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أُشِيرُ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ (٢) . ب - التَّبْشِيرُ: ٣ - وَهُوَ مَصْدَرُ بَشَّرَ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً: الإِْخْبَارُ بِالْخَيْرِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الإِْخْبَارِ بِالشَّرِّ إِذَا قُيِّدَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) ، وَالاِسْمُ: الْبِشَارَةُ، وَالْبِشَارَةُ - بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ - وَالْبِشَارَةُ إِذَا أُطْلِقَتِ اخْتُصَّتْ بِالْخَيْرِ. وَالْبِشَارَةُ - بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ - أَيْضًا: مَا يُعْطَاهُ الْمُبَشِّرُ بِالأَْمْرِ (٤) . وَالتَّبْشِيرُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ،

стр. 8402

وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْبِشَارَةَ بِأَنَّهَا الْخَبَرُ الَّذِي لاَ يَكُونُ عِنْدَ الْمُبَشَّرِ عِلْمٌ بِهِ: فَقَدْ عَرَّفَهَا الْعَسْكَرِيُّ بِأَنَّهَا: أَوَّل مَا يَصِل إِلَيْك مِنَ الْخَبَرِ السَّارِّ فَإِذَا وَصَل إِلَيْك ثَانِيًا لَمْ يُسَمَّ بِشَارَةً، وَأَضَافَ: وَلِهَذَا قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ مَنْ قَال مَنْ بَشَّرَنِي مِنْ عَبِيدِي بِمَوْلُودٍ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّهُ يُعْتَقُ أَوَّل مَنْ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ. وَوُجُودُ الْمُبَشَّرِ بِهِ وَقْتَ الْبِشَارَةِ لَيْسَ بِلاَزِمٍ (١) بِدَلِيل قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقِ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) وَتَفْصِيل أَحْكَامِ التَّبْشِيرِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (بِشَارَةٌ) ج ٨ ص ٩٣ ج - التَّرْفِئَةُ: ٤ - مَصْدَرُ رَفَأَ، يُقَال: رَفَّاهُ تَرْفِئَةً وَتَرْفِيًا، وَرَفَّأَهُ تَرْفِئَةً وَتَرْفِيئًا أَيْ دَعَا لَهُ وَقَال: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، أَيْ: بِالاِلْتِئَامِ وَجَمْعِ الشَّمْل؛ لأَِنَّ أَصْل الرَّفْءِ الاِجْتِمَاعُ وَالتَّلاَؤُمُ، وَمِنْهُ رَفَأَ أَيْ تَزَوَّجَ (٣) . وَعَلَى هَذَا تَكُونُ التَّرْفِئَةُ فِي اللُّغَةِ: التَّهْنِئَةَ بِالنِّكَاحِ. وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهَا فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعْنَى فِي اللُّغَةِ. وَالتَّرْفِئَةُ أَخَصُّ مِنَ التَّهْنِئَةِ؛ لأَِنَّ التَّرْفِئَةَ هِيَ

стр. 8403

التَّهْنِئَةُ بِالنِّكَاحِ خَاصَّةً، أَمَّا التَّهْنِئَةُ فَتَكُونُ بِالنِّكَاحِ أَوْ بِغَيْرِهِ . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٥ - التَّهْنِئَةُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ؛ لأَِنَّهَا مُشَارَكَةٌ بِالتَّبْرِيكِ وَالدُّعَاءِ - مِنِ الْمُسْلِمِ لأَِخِيهِ الْمُسْلِمِ فِيمَا يَسُرُّهُ وَيُرْضِيهِ؛ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّوَادِّ، وَالتَّرَاحُمِ، وَالتَّعَاطُفِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَهْنِئَةُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا يَنَالُونَ مِنْ نَعِيمٍ، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) . وَالتَّهْنِئَةُ تَكُونُ بِكُل مَا يُسِرُّ وَيُسْعِدُ مِمَّا يُوَافِقُ شَرْعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ ذَلِكَ: التَّهْنِئَةُ بِالنِّكَاحِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالْمَوْلُودِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالْعِيدِ وَالأَْعْوَامِ وَالأَْشْهُرِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالطَّعَامِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ. أَوَّلاً: التَّهْنِئَةُ بِالنِّكَاحِ: ٦ - وَهِيَ الدُّعَاءُ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ وَالاِلْتِئَامِ وَجَمْعِ الشَّمْل وَالذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ. وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّهْنِئَةِ بِالنِّكَاحِ: أَيِ الدُّعَاءِ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لَهُمَا بِالسُّرُورِ وَعَدَمِ الْكَدَرِ (٢) . لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 8404

رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَال: مَا هَذَا؟ قَال: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَال ﷺ : بَارَكَ اللَّهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ قَال لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ حِينَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْك (٢) . وَاسْتِحْبَابُ التَّهْنِئَةِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ مَنْ حَضَرَ النِّكَاحَ سَوَاءٌ الْوَلِيُّ أَوْ غَيْرُهُ، وَيَنْبَغِي ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ إِذَا لَقِيَ الزَّوْجَ. وَتَكُونُ التَّهْنِئَةُ عَقِبَ عَقْدِ النِّكَاحِ وَالدُّخُول، وَيَطُول وَقْتُهَا بِطُول الزَّمَنِ عُرْفًا وَذَلِكَ لِمَنْ حَضَرَ الْعَقْدَ أَوِ الدُّخُول، أَمَّا مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فَتُسْتَحَبُّ لَهُ التَّهْنِئَةُ إِذَا لَقِيَ الزَّوْجَ مَا لَمْ تَطُل الْمُدَّةُ فِي عُرْفِ النَّاسِ (٣) . صِيغَةُ التَّهْنِئَةِ بِالنِّكَاحِ: ٧ - وَلَفْظُ تَهْنِئَةِ الزَّوْجِ بِالنِّكَاحِ: بَارَكَ اللَّهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ لِمَا وَرَدَ فِي

стр. 8405

حَدِيثَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ السَّابِقَيْنِ - وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا تَزَوَّجَ قَال: بَارَكَ اللَّهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ (١) . وَلَفْظُ تَهْنِئَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ: بَارَكَ اللَّهُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْكُمَا فِي صَاحِبِهِ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ (٢) . ٨ - وَكَانَتِ التَّرْفِئَةُ بِالنِّكَاحِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِلَفْظِ: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، وَجَاءَتِ الأَْحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ بِالأَْلْفَاظِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّرْفِئَةِ بِلَفْظِ، بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّرْفِئَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ لاَ كَرَاهَةَ فِيهَا، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُقَال فِي التَّرْفِئَةِ: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ (٣) ، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَقِيل بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي جُشَمَ فَقَالُوا: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، فَقَال: لاَ تَقُولُوا هَكَذَا، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِمْ
следующие страницы →